Полный текст (7 092 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وفي آخره بنصف يوم، وأخلط أحد النصفين بالآخر بيوم، ولا أخلط بأكثر منه.. فهذه مستحيلة؛ لأنه إن كان اليوم الذي يقع به الخلط من النصف الأول.. فأول حيضها يكون من الخامس عشر، فلا يحصل في ابتداء حيضها كسر بنصف يوم.
وإن كان من النصف الثاني.. فآخر حيضها يكون السادس عشر، فلا يكون في آخر حيضها كسر بنصف يوم.
[فرع: من صور الشك تخلط بين الخمسين الأول]
] : وإن قالت: كان حيضي خمسة أيام من العشر الأولى: ثلاثًا من إحدى الخمسين، ويومين من الخمس الأخرى، ولا أدري: هل الثلاث من الخمس الأولى، واليومان من الخمس الثانية. أو اليومان من الخمس الأولى، والثلاث من الخمس الثانية؟ فيحتمل أن تكون الثلاث من الخمس الأولى، فيكون ابتداء حيضها من اليوم الثالث، وآخره السابع. ويحتمل أن تكون الثلاث من الخمس الثانية، واليومان من الخمس الأولى، فيكون ابتداء حيضها من الرابع، وآخره الثامن.
فاليومان الأولان من الشهر طهر بيقين. والثالث طهر مشكوك فيه، لا يحتمل انقطاع الدم فيه، فتتوضأ فيه لكل صلاة. ومن الرابع إلى آخر السابع حيض بيقين، فتغتسل في آخر السابع؛ لجواز أن تكون الثلاث من الخمس الأولى.. فيكون هذا وقت انقطاع الدم. واليوم الثامن طهر مشكوك فيه فتتوضأ فيه لكل صلاة، وتغتسل في آخره؛ لجواز أن تكون الثلاث من الخمس الثانية.. فيكون هذا وقت انقطاع الحيض. ومن التاسع إلى آخر الشهر في طهر بيقين.
وإن قالت: كنت أحيض خمسة أيام من العشرة الأولى، وكنت أخلط أحد الخمسين بالأخرى بجزء، ولا أخلط بأكثر من ذلك، ولا أدري من أي الخمسين كان الجزء؟
فإنها في طهر بيقين بجزء من أول الخمس الأولى، وهو: لحظة بعد غروب الشمس من الليلة التي يرى فيها الهلال.
стр. 387
وكذلك هي في طهر بيقين بجزء من آخر الخمس الثانية، وهي لحظة قبل غروب الشمس من اليوم العاشر.
وتحصل في طهر مشكوك فيه بعد اللحظة الأولى من العشر؛ لأنه لا يحتمل أن ينقطع فيه الدم، فتتوضأ فيه لكل صلاة إلى أن تبقى لحظة من الخمس الأولى، وهي: قبل غروب الشمس من اليوم الخامس. فتكون في تلك اللحظة مع لحظة تليها من أول الخمس الأخيرة ـ وهي: بعد غروب الشمس من ليلة السادس ـ في حيض بيقين، وتغتسل عقيب تلك اللحظة من ليلة السادس؛ لاحتمال انقطاع الدم فيه. ولا يفوتها في هاتين اللحظتين صلاة، ولكن يبطل صوم اليوم الخامس. ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أن تدخل في اللحظة التي في آخر العشر، فتغتسل أيضا؛ لاحتمال انقطاع الدم فيها.
[فرع: اختلاط الحيض]
فرع: [في اختلاط حيضها] : وإن قالت: كنت أحيض خمسة أيام في الشهر، وأخلط إحدى الخمسين بالتي بعدها بثلاثة أيام من إحدى الخمسين، ويومين من الخمس الأخرى، ولا أدري: هل الثلاث من الخمس الأولى، واليومان من الخمس التي بعدها؟ أو اليومان من الخمس الأولى، والثلاث من الخمس التي بعدها؟ ثم لا أدري ـ مع ذلك ـ في أي الخمسات وقع الخلط: هل في الخمس الأولى مع الثانية، أو في الثانية مع الثالثة، أو في الثالثة مع الرابعة، أو في الرابعة مع الخامسة، أو في الخامسة مع السادسة؟
فإنه ليس لها حيض بيقين في الشهر. ولكن لها اليومان الأولان من الشهر، والآخران منه طهر بيقين. وباقي شهرها طهر مشكوك فيه:
فمن الثالث إلى السابع تتوضأ لكل صلاة؛ لأنه لا يحتمل أن ينقطع الدم في شيء من ذلك. وتغتسل في آخر السابع؛ لجواز أن تكون الثلاث من الخمس الأولى، واليومان من الخمس الثانية. ثم تغتسل في آخر الثامن؛ لجواز أن يكون اليومان من الأولى، والثلاث من الثانية.
ومن التاسع إلى الثاني عشر تتوضأ لكل صلاة؛ لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه
стр. 388
وتغتسل في آخر الثاني عشر؛ لجواز أن يكون الخلط في الخمس الثانية مع الثالثة، وتكون الثلاث من الثانية، واليومان من الثالثة. ثم تغتسل أيضا في آخر الثالث عشر؛ لجواز أن يكون اليومان من الخمس الثانية، والثلاث من الخمس الثالثة.
وتتوضأ لكل صلاة من الرابع عشر إلى السابع عشر؛ لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه. ثم تغتسل في آخر السابع عشر؛ لجواز أن يكون الخلط في الخمس الثالثة والرابعة، وتكون الثلاث من الثالثة، واليومان من الرابعة. ثم تغتسل في آخر الثامن عشر؛ لجواز أن يكون اليومان من الثالثة، والثلاث من الرابعة.
ثم تتوضأ لكل صلاة من التاسع عشر إلى الثاني والعشرين؛ لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه. وتغتسل في آخر الثاني والعشرين؛ لجواز أن يكون الخلط في الرابعة والخامسة، وتكون الثلاث من الرابعة، واليومان من الخامسة، فيكون هذا وقت انقطاع الدم فيها. ثم تغتسل أيضا في آخر الثالث والعشرين؛ لجواز أن يكون اليومان من الرابعة، والثلاث من الخامسة.
ثم تتوضأ لكل صلاة من الرابع والعشرين إلى السابع والعشرين؛ لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه. وتغتسل في آخر السابع والعشرين؛ لجواز أن يكون الخلط في الخامسة والسادسة، وتكون الثلاث من الخامسة، واليومان من السادسة. ثم تغتسل أيضًا في آخر الثامن والعشرين؛ لجواز أن يكون اليومان من الخامسة، والثلاث من السادسة، فيكون هذا وقت انقطاع الدم. فيلزمها في هذا الشهر عشرة اغتسالات في المواضع التي ذكرنا ويلزمها الوضوء لكل صلاة في غير ذلك.
[فرع: خلط جزء من نهارين]
فروع ثلاثة: [في خلط جزء من نهارين] : فرعها ابن بنت الشافعي، وهو أحمد بن محمد:
الأول: إذا قالت: كنت أحيض خمسة أيام من العشرة الأولى، وكنت أخلط نهار إحدى الخمسين بنهار الخمس الأخرى بجزء، ولا أخلط بأكثر، ولا أدري: من أي الخمسين كان الجزء؟
стр. 389
فإن كان الجزء من نهار الخمس الثانية.. فإن أول حيضها بعد مضي جزء من نهار اليوم الأول من الشهر، وآخره إذا مضى جزء من نهار يوم السادس. وإن كان الجزء من نهار الخمس الأولى: فإن أول حيضها قبل غروب الشمس من اليوم الخامس بجزء إلى قبل غروب الشمس من اليوم العاشر.
فعلى هذا التنزيل: هي من الليلة الأولى، وفي جزء من نهار اليوم الأول من الشهر في طهر بيقين، ثم تحصل في طهر مشكوك فيه، لا يحتمل أن ينقطع فيه الدم، فتتوضأ فيه لكل صلاة، إلى أن يبقى من اليوم الخامس جزء قبل غروب الشمس. فيحصل في ذلك الجزء في ليلة السادس، وفي جزء من أول اليوم السادس في حيض بيقين، ويجب عليها أن تغتسل بعد ذلك الجزء من اليوم السادس؛ لجواز أن يكون ذلك في وقت انقطاع حيضها. ولا يسقط عنها في هذين الجزأين من النهارين صلاة، ولكن لا تجب عليها صلاة المغرب والعشاء ليلة السادس ولم يذكر الصوم. والذي يقتضي المذهب: أنه يفسد عليها يوم الخامس والسادس ـ ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة؛ لأنه طهر مشكوك فيه، لا يحتمل انقطاع الدم فيه، إلى أن يبقى من اليوم العاشر جزء.. فيجب عليها أن تغتسل؛ لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه.
الفرع الثاني: إذا قالت: كان حيضي يومين من العشر الأولى، لا أعلم موضعها، ولكني كنت أخلط نهار إحدى الخمسين بالأخرى بجزء، ولا أخلط بأكثر منه، ولا أدري: من أين كان الجزء؟
فيحتمل أن يكون الجزء من نهار الخمس الثانية.. فيكون ابتداء حيضها بعد مضي جزء من اليوم الرابع، وآخره إذا مضى جزء من اليوم السادس. وإن كان الجزء من الخمس الأولى.. كان ابتداء حيضها إذا بقي جزء من اليوم الخامس قبل غروب الشمس، وآخره إذا بقي جزء من اليوم السابع، وهو قبل غروب الشمس.
стр. 390
فهي من أول الشهر إلى أن يمضي جزء من اليوم الرابع في طهر بيقين. ثم تدخل في طهر مشكوك فيه، لا يحتمل انقطاع الدم فيه، فتتوضأ فيه لكل صلاة إلى أن يبقى جزء من اليوم الخامس.
ثم تحصل في ذلك الجزء في ليلة السادس، وفي جزء من أول اليوم السادس في حيض بيقين، ولا تفوتها إلا صلاة المغرب والعشاء ـ ولم يذكر الصوم، والذي يقتضي المذهب: أن صوم يوم الخامس والسادس يبطل ـ ثم يجب عليها أن تغتسل إذا مضى جزء من أول اليوم السادس؛ لجواز أن ينقطع فيه دمها. وتحصل في طهر مشكوك فيه لا يحتمل انقطاع الدم فيه، فتتوضأ فيه لكل صلاة، إلى أن يبقى جزء من السابع فتغتسل فيه؛ لجواز انقطاع الدم فيه. وبعد ذلك تحصل في طهر بيقين إلى آخر الشهر.
الفرع الثالث: إذا قالت: كنت أحيض يومًا من العشر الأولى، وكنت أخلط نهار إحدى الخمسين بنهار الخمس الأخرى بجزء، ولا أخلط بأكثر منه، ولا أدري: من أين كان الجزء؟ فإن كان الجزء من نهار الخمس الثانية.. فأول حيضها إذا مضى جزء من أول اليوم الخامس، وآخره بعد مضي جزء من اليوم السادس. وإن كان الجزء من الخمسة الأولى.. فأول حيضها إذا بقي جزء من اليوم الخامس قبل غروب الشمس، وآخره إذا بقي جزء من اليوم السادس قبل غروب الشمس.
فهي من أول الشهر إلى أن يمضي جزء من اليوم الخامس بعد طلوع الفجر في طهر بيقين.
ثم تحصل في طهر مشكوك فيه، لا يحتمل انقطاع الدم فيه إلى أن يبقى جزء من اليوم الخامس. فتحصل في ذلك الجزء في ليلة السادس، وفي جزء من أول اليوم السادس في حيض بيقين، فتغتسل عقيب ذلك الجزء؛ لجواز انقطاع دمها فيه. ولا تفوتها إلا صلاة المغرب والعشاء ليلة السادس ـ والذي يقتضي المذهب: أن يبطل
стр. 391
صوم اليوم الخامس، والسادس ـ ثم تحصل في طهر مشكوك فيه، لا يحتمل انقطاع الدم فيه إلى أن يبقى جزء من اليوم السادس، فيجب عليها الغسل فيه أيضًا؛ لجواز انقطاع الدم فيه. وتحصل في طهر بيقين إلى آخر الشهر.
[مسألة: بيان حكم النقاء]
] : وإن رأت يومًا دمًا، ويوما نقاء.. فقد تقدم ذكر الحكم في يوم النقاء في العبادات والمباحات، إذا لم يجاوز ما رأت من ذلك على خمسة عشر يوما.
فأما إذا جاوز ذلك خمسة عشر يومًا.. فالمنصوص ـ في كتاب (الحيض) ـ: (أن هذه مستحاضة، اختلط حيضها بالاستحاضة) .
وقال ابن بنت الشافعي: الطهر في اليوم السادس عشر يفصل بين الحيض والاستحاضة. وفي النقاء الذي وجد في مدة الخمسة عشر القولان في التلفيق.
قال أصحابنا: وهذا خطأ مذهبا وحجاجا:
أما المذهب: فلأن الشافعي ﵀ نص على ما ذكرناه.
وأما الحجاج: فلأن الطهر لو كان يفصل في اليوم السادس عشر.. لفصل في الخمسة عشر كالمميزة.
إذا ثبت هذا: فلا يخلو إما أن تكون مميزة، أو معتادة، أو مبتدأة.
فإن كانت مميزة، بأن ترى يومًا وليلة دمًا أسود، ويومًا وليلة طهرًا إلى اليوم التاسع، ثم رأت اليوم العاشر طهرًا، ثم رأت الحادي عشر دما أحمر، ثم رأت يوما وليلة طهرًا إلى أن عبر الخمسة عشر.. فإن الدم الأسود الذي رأته في اليوم الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع حيض. وفيما بين ذلك من النقاء القولان في التلفيق. والدم الأحمر الذي رأته بعد الأسود استحاضة.
стр. 392
وإن كانت معتادة غير مميزة، بأن رأت يومًا وليلة دمًا، ويومًا وليلة طهرًا، والدم على صفة واحدة إلى أن جاوز الخمسة عشر، وقالت: كانت عادتي خمسة أيام.
فإن قلنا: لا يلفق الدم إلى الدم.. كانت الخمسة كلها حيضًا، وما زاد عليها من الدم استحاضة.
وإن قلنا: يلفق لها.. فمن أين يلفق؟
حكى الشيخ أبو حامد فيه قولين، وحكاهما القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق وجهين:
أحدهما: يلفق لها من أيام عادتها فحسب؛ لأن النقاء من أيام العادة، وإنما انقطع دمها فيه، فنقص من عادتها.
فعلى هذا: يكون حيضها ثلاثة أيام، ونقص من عادتها يومان.
والثاني: يلفق لها من مدة الخمسة عشر؛ لأن عادتها تفرقت فيها.
فعلى هذا: يلفق لها خمسة أيام من تسعة أيام.
وإن قالت: كانت عادتي ستة أيام:
فإن قلنا: لا يلفق لها.. كان حيضها هاهنا خمسة أيام، ونقص من عادتها يوم؛ لأن يوم السادس نقاء، والنقاء إنما يجعل حيضا على هذا القول، إذا كان واقعا بين دمي حيض.
وإن قلنا: يلفق لها من أيام عادتها.. كان حيضها ثلاثة أيام لا غير.
وإن قلنا: يلفق لها من عدة الخمسة عشر.. لفقنا لها بستة أيام من أحد عشر يومًا.
وإن كانت عادتها سبعة أيام، فإن قلنا: لا يلفق لها.. كانت السبع كلها حيضًا، ولا ينقص من عادتها هاهنا شيء؛ لأن الدم في اليوم السابع، فيمكن استيفاء عادتها.
وإن قلنا: يلفق لها، فإن قلنا: يلفق لها من أيام العادة.. كان حيضها هاهنا أربعة أيام، ونقص ثلاث من عادتها.
стр. 393
وإن قلنا: يلفق لها من الخمسة عشر.. لفقنا لها سبعة أيام من ثلاثة عشر يومًا.
وإن كانت عادتها ثمانية أيام، فإن قلنا: لا يلفق لها.. كان حيضها سبعة أيام ونقص عليها يوم.
وإن قلنا: يلفق لها، فإن قلنا: يلفق من أيام العادة.. كان حيضها أربعة أيام.
وإن قلنا: يلفق لها من الخمسة عشر.. لفقنا لها ثمانية أيام من خمسة عشر يومًا.
وإن كانت عادتها تسعة أيام، فإن قلنا: لا يلفق.. كان حيضها تسعة أيام، من غير نقص.
وإن قلنا: يلفق لها من أيام العادة.. لفقنا لها من التسع خمسة أيام، ونقصت عادتها أربعا.
وإن قلنا: يلفق لها من الخمسة عشر.. لفقنا لها من الخمسة عشر ثمانية أيام، ونقصت عادتها يوما؛ لأنه لا يمكن التلفيق مما زاد عليها.
وإن كانت مبتداة غير مميزة ولا معتادة، فإن قلنا: إنها ترد إلى يوم وليلة.. كان حيضها يومًا وليلة من أول ما رأت.
وإن قلنا: ترد إلى ست أو سبع.. كانت كمن عادتها ست أو سبع، وقد مضى.
[فرع: نقاء المبتدأة غير المميزة]
] : إذا رأت ثلاثة أيام دمًا، واثني عشر يومًا نقاء، ثم رأت ثلاثة أيام دمًا.. فالأول حيض، والثاني دم فساد؛ لأنه لا يمكن تلفيقه إلى الأول؛ لأنه خارج عن الخمسة عشر. ولا يمكن أن يجعل حيضًا آخر؛ لأنه ليس بينهما طهر كامل.
فإن رأت يوما بلا ليلة دمًا، وأربعة عشر يومًا طهرًا، وثلاثة أيام دمًا.. فالدم الثاني حيض. والأول دم فساد؛ لأنه لا يمكن ضم الأول إلى الثاني؛ لأنه وجد بعد الخمسة عشر، فاعتبر كل واحد منهما بنفسه. والثاني يمكن أن يكون حيضًا بنفسه. والأول لا يمكن أن يكون حيضًا بنفسه.
стр. 394
وإن رأت يومًا بلا ليلة دمًا، وأربعة عشر يوما طهرًا، وربما بلا ليلة دمًا.. فاليومان دم فساد على القولين؛ لأنا:
إن قلنا: لا يلفق.. فلا يمكن أن يضم الدم في اليوم الأول إلى الدم في اليوم السادس عشر.
وإن قلنا: يلفق.. لم يمكن؛ لأن الدم في اليوم وجد بعد الخمسة عشر، فلم يمكن ضمه إلى الأول.
وإن رأت يومًا دمًا، وثلاثة عشر يومًا طهرًا، وثلاثة أيام دمًا.. فقد رأت في الخمسة عشر يومين دمًا.
فإن قلنا لا يلفق.. جعلنا الدم الثاني حيضًا، والأول دم فساد؛ لأنه لا يمكن أن يضم الثاني إلى الأول ويجعلا مع ما بينهما حيضا ً لأنه يزيد على خمسة عشر فأسقطنا الأول.
وإن قلنا: يلفق من وقت العادة فحسب.. فهذه مبتدأة لا عادة لها.
وإلى ماذا ترد المبتدأة؟ على قولين:
أحدهما: ترد إلى يوم وليلة. والثاني: إلى ست أو سبع.
وما وجد في هذين الوقتين إلا يوم لا يمكن أن يكون حيضًا بنفسه، فحكم بأنه دم فساد، والثاني بأنه حيض.
وإن قلنا: يلفق لها من مدة الخمسة عشر، فإن قلنا: إن المبتدأة ترد إلى يوم وليلة.. حيضناها اليوم الأول، ومن اليوم الخامس عشر بمقدار ليلة.
وإن قلنا: ترد إلى ست أو سبع.. حيضناها اليوم الأول، والخامس عشر بكماله.
[فرع: نقاء المعتادة غير المميزة]
] : إذا كانت عادتها أن تحيض خمسة أيام من أول كل شهر، فلما كان بعض الشهور رأت اليوم الأول من الشهر طهرًا، ثم رأت من اليوم الثاني يوما وليلة دمًا، ويوما وليلة طهرًا، إلى أن عبر الخمسة عشر.
стр. 395
فإن قلنا: يلفَقُ لها من زمان العادة لا غير.. كان لها يومان حيضًا، وهما الثاني والرابع لا غير.
وإن قلنا: يلفَقُ لها من مدة الخمسة عشر.. لفقنا لها خمسًا، أوَلها الثاني، وآخرها العاشر.
وإن قلنا: لا يلفق لها.. قال أبو العباس: فهل الاعتبار بزمان العادة، أو بعددها؟ فيه قولان ـ يعني: وجهين ـ:
أحدهما: أن الاعتبار بزمان العادة؛ لأنه اعتبر عددها، فوجب اعتبار زمانها.
فعلى هذا: يكون حيضها ثلاثة أيام، وهي: الثاني، والثالث، والرابع لا غير.
وأما الأول والخامس: فطهر. وما بعد الخامس من الدم استحاضة.
والوجه الثاني: أن الاعتبار بعد العادة دون زمانها؛ لأن الحيض انتقل، بدليل: أن الطهر وجد في أول زمان العادة. فيكون حيضها خمسة أيام، أولها الثاني من الشهر، وآخرها السادس.
ولو كانت بحالها، فحاضت قبل عادتها يومًا، وطهرت اليوم الأول من الشهر، ثمَ رأت يومًا دمًا، ويوما طهرًا إلى أن عبر الخمسة عشر:
فإن قلنا: إنه يلفق لها، وقلنا: يلفق لها من زمان العادة لا غير.. فليس لها في زمان العادة إلا يومان: الثاني، والرابع، فيكون ذلك حيضها.
وإن قلنا: يلفق لها من الخمسة عشر.. قال أبو العباس: احتمل أن يكون أول الحيض اليوم الذي سبق العادة، واحتمل أن يكون أوله الثاني من الشهر. والأول أظهر؛ لأنه دم وجد في زمان الإمكان:
فإن قلنا: أوله اليوم الذي سبق العادة.. لفقنا لها خمسًا، آخرها الثامن من الشهر.
وإن قلنا: أوله الثاني من الشهر.. لفقنا لها خمسًا، آخرها العاشر من الشهر.
وإذا قلنا: لا يلفق، فإن قلنا: إن الاعتبار بزمان العادة.. حيَضناها ثلاثًا من الشهر، وهي، الثاني، والثالث، والرابع.
стр. 396
وإن قلنا: الاعتبار بعدد أيام العادة.. حيَضناها خمسا، أولها اليوم الذي سبق العادة، وآخرها الرابع من الشهر.
[فرع: التلفيق للمعتادة غير المميزة في أيام الحيض]
] : قال أبو العباس: إذا كانت عادتها أن تحيض خمسة أيام من أول كل شهر، فلما كان في بعض الشهور رأت أربعة أيام من أول الشهر دمًا، وخمسة أيام طهرًا، ويومًا دمًا:
فإن قلنا: لا تلفق.. كانت العشرة كلها حيضًا.
وإن قلنا: تلفق.. حيضناها خمسة أيام وهي: الأربعة الأولى، واليوم العاشر.
فإن كانت بحالها، فرأت من أول الشهر يومًا دمًا، وسبعة أيام طهرًا، ويومين دمًا:
فإن قلنا: لا تلفق.. حيضناها العشر كلها، فتزيد عادتها خمسة أيامٍ.
وإن قلنا: تلفق.. حيضناها ثلاثة أيام فنقصت عادتها.
[فرع: رؤية الدم نصف يوم]
] : وإن رأت نصف يومٍ دمًا، ونصف يوم نقاءً، فإن لم يجاوز الخمسة عشر.. فاختلف أصحابنا فيه:
فذهب أبو العباس، وأبو إسحاق، وعامة أصحابنا إلى أنها على القولين في التلفيق:
فإن قلنا: لا يلفق.. كان لها أربعة عشر يوما، ونصف يوم حيضًا.
وإن قلنا: يلفق.. كان حيضها سبعة أيام ونصفًا.
وقال بعض أصحابنا: هي مستحاضة إلا أن يتقدم لها أقل الحيض متصلاً.
وقال بعضهم: هي مستحاضة إلا أن يتقدم لها أقل الحيض متصلاً، وينعقب لها أقل الحيض متصلاً. والأول أصح.
стр. 397
قال أبو العباس: وهل يلزمها الاغتسال عندما ترى الطهر؟
إن قلنا: لا يلفق لها.. لم يلزمها الاغتسال؛ لأن الدم إن عاد.. فالنقاء حيض، وإن لم يعد.. فالنصف الأول دم فسادٍ، فلا يجب الغسل بانقطاعه؛ لأنه أقل من أقل الحيض.
وإن قلنا: يلفق.. وجب عليها الاغتسال؛ لأن الدم إن عاد.. كان انتقالاً من بعض الحيض إلى بعض الطهر، فوجب الاغتسال، كما إذا انتقلت من جميع الحيض إلى بعض الطهر.
قال ابن الصباغ: وعندي أنه لا يجب عليها الاغتسال على هذا القول أيضا؛ لأن الدم لم يحكم بكونه حيضا، ولا يعلم معاودة الدم، والظاهر بقاء الطهر، كما إذا كان الدم يومًا وليلةً.. فإنه يلزمها الاغتسال إذا رأت الطهر، ويأتيها زوجها؛ لأن الظاهر بقاؤه، وإنما يتصور ما ذكره في اليوم الثاني، وما بعده.
وإن رأت نصف يوما دمًا، ونصف يوم نقاءً، وجاوز الخمسة عشر.. فقد اختلط حيضها بالاستحاضة، فترد إلى التمييز إن كانت مميزة، بأن ترى نصف يوم دمًا أسود، ونصف يوم نقاء، ثم ترى في اليوم الثاني نصف يوم دما أسود، ونصف يوم نقاء، ثم كذلك في الثالث والرابع، ثم ترى في اليوم الخامس نصف يوم دمًا أحمر، ونصف يومٍ نقاء، ثم كذلك إلى أن عبر الخمسة عشر يومًا.. فإن حيضها: هو الأسود. وفيما بينه من النقاء القولان في التلفيق. وإن كانت معتادة، بأن كانت عادتها خمسة أيام من الشهر، فرأت في بعض الشهور نصف يوم دمًا، ونصف يوم نقاء إلى أن جاوزت الخمسة عشر، والدم بصفة واحدة:
فإن قلنا: لا يلفق.. كان حيضها أربعة أيام ونصف يوم ونقص من عادتها نصف يوم.
وإن قلنا: يلفق لها من أيام العادة.. كان حيضها يومين ونصفًا، ونقص يومان ونصف.
وإن قلنا: يلفق لها من الخمسة عشر.. لفقت الخمس لها من عشرة أيام.
стр. 398
وإن كانت مبتدئة، فإن قلنا: ترد إلى ست أو سبعٍ.. كانت كمن عادتها ست أو سبعٌ.
وإن قلنا: تردُ إلى يوم وليلة، فإن قلنا: لا يلفق، أو قلنا: يلفق من أيام العادة لا غير.. فلا حيض لها؛ لأنه لا يحصل لها أقل الحيض من ذلك.
وإن قلنا: يلفق لها من الخمسة عشر.. لفق لها يوم وليلة من أربعة أيام.
[فرع: رؤية الدم ساعة وساعة]
وإن رأت ساعة دمًا، وساعة نقاءً، ولم تجاوز الخمسة عشر.. نظرت ـ في الساعات ـ: فإن كانت تبلغ بمجموعها أقل الحيض.. كانت كالاتصاف على ما مضى. وإن كانت الساعات لا تبلغ بمجموعها أقل الحيض ـ بأن رأت في أول الخمسة عشر ساعة دمًا، وفي آخرها ساعة دمًا، وما بينهما طهرٌ ـ:
فإن قلنا: يلفق لها.. كان دم فساد؛ لأنه لا يتلفق منه أقل الحيض.
وإن قلنا: لا يلفق.. قال أبو العباس: فيه وجهان:
أحدهما: أن الدمين وما بينهما من النقاء حيض؛ لأنا نجعل النقاء حيضا على هذا.
والثاني: أنه دم فساد؛ لأن النقاء إنما يجعل حيضا ـ على هذا القول ـ على سبيل التبع للدم، والدم لا يبلغ بمجموعه أقل الحيض، فلم يجعل النقاء تابعا له.
[مسألة: حكم النفاس]
مسألة: [في حكم النفاس] : وأما دم النفاس: فإنه يحرم ما يحرم الحيض، ويسقط ما يسقط الحيض؛ لأنه حيض مجتمع لأجل الحمل. فإذا ولدت المرأة، وخرج منها دم بعد الولادة.. كان
стр. 399
نفاسًا بلا خوف. وإن خرج قبل الولادة.. لم يكن نفاسًا.
وإن كان خرج مع الولد.. فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق، وابن القاص: هو نفاس؛ لأنه دم خرج بخروج الولد، فأشبه الدم الخارج بعده.
والثاني: ليس بنفاس؛ لأنه دم انفصل قبل انفصال الولد، فأشبه ما خرج قبله.
[فرع: رؤية الحامل الدم]
وإن رأت المرأة الحامل الدم قبل ولادتها خمسة أيام، ثم ولدت قبل مضي أقل الطهر.. فإن الدم الذي رأته قبل الولادة ليس بنفاس، وهل هو حيض، أو دم فساد؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إنه دم فساد قولاً واحدًا؛ لأنه لما لم يكن بينه وبين النفاس طهرٌ صحيح.. كان دم فساد.
ومنهم من قال: هو على القولين ـ في أن الحامل تحيض ـ:
فإن قلنا: إنها تحيض.. كان حيضًا؛ لأن الولد يقوم مقام الطهر في الفصل.
[فرع: مدة النفاس]
أكثر مدة النفاس: ستون يوما، وغالبه: أربعون يومًا. وبه قال مالك، وداود، وعطاءً، والشعبي.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وأبو عبيد، والمزني: (أكثره أربعون يومًا) .
стр. 400
وقال الحسن: أكثره خمسون يومًا.
ومن الناس من قال: أكثره سبعون يومًا.
دليلنا: أن المرجع في ذلك إلى الوجود.
وقد قال الأوزاعي: (عندنا امرأة ترى النفاس شهرين) .
وليس لأقل النفاس حد، وقد تلد المرأة ولا ترى دمًا.
وقال الثوري: أقله ثلاثة أيام.
وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا؛ ليزيد أقله على أكثر الحيض.
دليلنا: أن المرجع فيه إلى الوجود. وقد روي: «أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ فلم تر دمًا، فسميت: ذات الجفوف» .
وروى أبو أمامة: أن النبي ﷺ قال: «إذا طهرت المرأة حين تضع.. صلت» .
وإن ولدت ولدين توأمين، ورأت بينهما الدم.. فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعتبر أول النفاس وآخره بالولد الأول. وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف؛ لأنه يقع عليه اسم الولد، فأشبه إذا كان وحده.
стр. 401
والثاني: أنه يعتبر أول النفاس وآخره بالثاني.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لأن الولدين في حكم الولد، ألا ترى أن الزوج لا يملك نفي أحدهما دون الآخر، ولا تنقضي عدتها إلا بوضعهما؟
والثالث: أنه يعتبر ابتداء المدة من الأول، ثم تستأنف المدة من الثاني؛ لأن كل واحد منهما سبب في إثبات حكم النفاس إذا انفرد، فإذا اجتمعا.. ثبت لكل واحد منهما نفاس، وتدخلا فيما اجتمعا فيه، كالوطء بالشبهة في العدة.
[فرع: رؤية دم النفاس ساعة بعد ساعة]
] : إذا ولدت المرأة ورأت ساعةً دمًا، وساعةً طهرًا، ولم تجاوز الستين. أو رأت يومًا دمًا، ويومًا طهرًا، ولم تجاوز الستين.. فإن الدَم نفاسٌ، وفيما بينهما من النَقاء القولان في التَلفيق.
وإن رأت ساعةً دمًا، ثمَ طهرت أربعة عشر يومًا، ثمَ رأت يومًا وليلةً دمًا.. فالدَمان: نفاسٌ، وفي ما بينهما من النَقاء القولان في التلفيق.
وإن رأت ساعةً دمًا، ثمَ طهرت خمسة عشر يومًا ثمَ رأت يومًا وليلةً دمًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الدَم الأول نفاسٌ، والثاني حيضٌ، وما بينهما طهرٌ. وبه قال أبو يوسف، ومحمَدٌ؛ لأن الدمين قد فصل بينهما طهرٌ صحيحٌ، فلم يضمَ أحدهما إلى الآخر، كالحيضتين.
والثاني ـ وبه أبو حنيفة ـ: أن الدمين نفاسٌ، وما بينهما من النَقاء على القولين في التلفيق؛ لأنهما وجدا في زمان إمكان النفاس، فهو كما لو كان بينهما أقل من خمسة عشر يومًا. ويفارق الحيضتين؛ لأن الثاني لا يمكن ضمه إلى الأول.
стр. 402
وقال أحمد: (الأول نفاسٌ. والثاني مشكوكٌ فيه، فتصوم وتصلي، ولا يأتيها زوجها، وتقضي الصوم والصلاة؛ لأنه يحتمل أنه نفاسٌ، ويحتمل أنه دم فسادٍ) وهذا ليس بصحيح؛ لأنه دم في زمان الإمكان، فكان نفاسًا. وإن رأت ساعة دمًا، ثمَ طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت ساعةً دمًا:
فإن قلنا في الأولى: إنهما نفاسٌ.. فها هنا مثله.
وإن قلنا في الأولى: إن الثاني حيضٌ.. فخرج أبو العباس في هذه وجهين:
أحدهما: أنه نفاسٌ ـ وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ـ لأنه ينقص عن أقل الحيض.
والثاني: أنه دم فساد ـ وهو قول زفر، ومحمد ـ لأنه لا يمكن أن يكون حيضًا؛ لأنه دون أقله، ولا يمكن أن يكون نفاسًا؛ لأن بينهما طهرًا صحيحًا.
قال أبو العباس: فإذا قال لامرأته الحامل: إذا ولدت فأنت طالقٌ. فولدت.. طلقت. فإذا أخبرت بانقضاء العدة.. فكم القدر الذي يقبل قولها فيه؟
إن قلنا: إن الدم إذا عاودها بعد الطهر يكون حيضًا.. فأقل مدة تنقضي عدتها فيها سبعة وأربعون يومًا وجزءان؛ لأنه يمكن أن تضع قبل المغرب بجزء ترى فيه الدم، فيكون نفاسًا، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلةً، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلةً، ثم تطهر خمسةَ عشرَ يومًا، ثم تطعن في الحيض، فتنقضي عدَتها.
والذي يقتضي المذهب عندي: أنه يقبل قولها ـ على هذا ـ في سبعة وأربعين يومًا وجزء؛ لأنها قد تلد ولا ترى دمًا، فتكون في القُرءِ الأول عقيب الولادة.
وإن قلنا: إن الدم إذا عاودها في مدة الستين كان نفاسًا.. فأقل مدة تنقضي بها عدتها اثنان وتسعون يومًا وجزءٌ؛ لأن الستين لا يمكن أن يحصل فيها إلا طهرٌ واحدٌ ثم تحيض بعد الستين يومًا وليلةً، ثم تطهر خمسةَ عشرَ يومًا، ثم تحيضُ يومًا وليلةً، ثم تطهر خمسةَ عشرَ يومًا، ثم تطعنُ في الحيض، فتنقضي به عدتها.
стр. 403
[فرع: انقطاع النفاس لدون أربعين]
] : وإذا انقطع دم النفاس لدون أربعين يومًا.. لم يكره وطؤها.
وقال أحمد) يكره وطؤها) . وروي ذلك عن علي، وابن عباس.
دليلنا: أنها حالة يجب عليها الصلاة، فلم يكره وطؤها فيها كما لو انقطع لأربعين يومًا.
[فرع: جاوز النفاس الستين]
إن جاوز النفاس الستين فرعٌ: [إن جاوز النفاس الستين] : وإذا جاوز دم النفاس ستين يومًا.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها الشيخ أبو حامد:
أحدها ـ وهو قول أكثر أصحابنا ـ: أن الاستحاضة قد دخلت في النفاس.
فعلى هذا: تُردُ إلى التمييز إن كانت مميزة، أو إلى العادة إن كانت معتادةً.
وإن كانت مبتدئة لا تمييز لها.. فاختلف أصحابنا فيها:
فقال أبو العباس، وأبو إسحاق: نردُها إلى أقل النفاس، وهو: لحظة.
وقال سائر أصحابنا: هي على قولين:
أحدهما: هذا.
والثاني: تردُ إلى غالب النفاس، وهو: أربعون يومًا، كما قلنا في الحيض إن جاوز أكثره.
والوجه الثاني: أن الستين تكون نفاسًا، وما زاد عليها استحاضةً.
والفرق بين النفاس والحيض: أن النفاس يُعلم وجوده قطعًا؛ لأنه يخرجُ عقيب الولد، فلم يجز أن ينتقل عن النفاس إلى الاستحاضة إلا باليقين، وهو: مجاوزة الدَم
стр. 404
الستين، بخلاف الحيض؛ لأنا إنما نحكم بكونه حيضًا من حيث الظاهر، لا بالقطع واليقين، فجاز أن ينتقل عنه من غير قطع.
والوجه الثالث ـ ذكره ابن القطان ـ: أن الستين نفاسٌ، وما زاد عليها حيضٌ؛ لأنهما لا يتنافيان. والأول أصح.
[فرع: ولدت في وقت حيضها ولم تتغير عادتها]
] : ذكر أبو إسحاق المروزي في (النفاس) مسألتين:
إحداهما: إذا كانت المرأة تحيض خمسة أيام وتطهر خمسة عشر يومًا.. فهذه شهرها عشرونَ يومًا، فلما كانت في بعض الشهور ولدت في وقت حيضها، ورأت عشرين يومًا دمًا، ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت الدم بعد ذلك، وعبر الخمسة عشر.. فهذه لم تتغير عادتها في حيضها وطهرها. فتكون نفاسًا في مدة العشرين، وطاهرًا في مدة الخمسة عشر، ونحيضها بعد ذلك خمسة أيام، وتكون طاهرًا خمسة عشر يومًا، وعلى هذا أبدًا.
الثانية: إذا كانت عادتها أن تحيض عشرة أيامٍ، وتطهر عشرين يومًا.. فهذه شهرها ثلاثون يومًا.
فإن ولدت في وقت حيضها، ورأت عشرين يومًا دما وانقطع، وطهرت شهرين، ثم رأت الدم بعد ذلك، وزاد على خمسة عشر يومًا.. فهذه لم تتغير عادتها في الحيض، ولكن زاد الطهر فصار شهرين، بعد أن كان عشرين يومًا، وتكون نفساء في مدة العشرين الأولى، وطاهرًا في الشهرين بعدها، وحائضًا عشرة أيام بعدها، ويكون طهرها بعد ذلك شهرين.
قال ابن الصباغ: وهذا يجيء على قول من لا يعتبر تكرار العادة.
[مسألة: فيما يجب على المستحاضة]
] : يجب على المستحاضة ـ إذا أرادت أن تصلي ـ: أن تغسل فرجها، وتحتشي؛ لترد الدم.
стр. 405
فإن كان الدمُ يسيرًا، وإذا أدخلت قطنةً أو خِرقةً حبستهُ.. فعلت ذلك.
وإن لم ينقطع بذلك.. (تلجَمت) : وهو أن تأخذ قطنةً أو خرقةً وتسدَ بها فرجها، وتأخذ خرقةً مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخذيها، وتشدها على تلك القطنة، وتخرج أحد طرفيها إلى بطنها، والآخر إلى صلبها، ثم تشدَ أحد الطرفين بالآخر إلى خاصرتها اليمنى، وأحد الطرفين المشقوقين بالآخر إلى خاصرتها اليسرى.
وهذا هو الاستثفار المذكور في الخبر، مأخوذ من: ثفر الدابة تحت ذنبها. وهكذا يفعل بالميت إذا غُسل.
والدليل على هذا: ما روي في «حديث حمنة بنت جحش: أن النبي ﷺ قال لها: "أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب بالدم"، فقالت: هو أشد من ذلك، فقال: "اتخذي ثوبًا"، فقالت: هو أشد من ذلك، إنما أثج ثجًا، فقال: تلجمي»
ولا يجب على المستحاضة غير المتحيرة إلا غسل واحد، عندما يحكم لها بانقطاع دم الحيض، وإنما يجب عليها الوضوء. وروي ذلك عن علي، وعائشة وابن مسعود، وابن عباسٍ.
وروي عن ابن عمر، وابن الزبير: أنهما قالا: (يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة) . وقد روي ذلك أيضًا عن عليٍ، وابن عباس.
وروي ـ أيضًا ـ عن عائشة: أنها قالت: (تغتسل لكل يومٍ غسلاً واحدًا) .
وقال ابن المسيب، والحسن: تغتسل من طهرٍ إلى طهرٍ، وتتوضأ لكل صلاةٍ.
стр. 406
دليلنا: ما روت عائشة ﵂: أن فاطمة بنت أبي حبيس استحيضت، فقال النبي ﷺ : «تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي حتى يجيء ذلك الوقت، وإن قطر الدم على الحصير» .
وإذا استوثقت بالشد على ما ذكرناه وتوضأت، فخرج منها الدم قبل الدخول في الصلاة، أو في حال الصلاة، فإن كان لرخاوةٍ في الشد.. وجب إعادة الشد والطهارة. وإن كان ذلك لغلبة الدم وقوته.. لم يجب عليها إعادة الشد والطهارة، ولا تبطل الصلاة؛ لما ذكرناه في حديث فاطمة ابنة أبي حبيشٍ، ولأنه لا يمكن الاحتراز منه.
وإن توضأت المستحاضة.. ارتفع حدثها السابق. وأما حدثها الموجود حال الطهارة والطارئ.. فلا يرتفع ذلك، ولكن يعفى عنه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة" ق \ ١٥] : هل يرتفع حدثها؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: لا يرتفع حدثها.. فكيف تنوي بطهارتها؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو الأصح ـ: أنها تنوي استباحة الصلاة، ولا تنوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرتفع.
стр. 407
و [الثاني] : قال الخضريُ: تجمع في نيتها بين رفع الحدث، واستباحة الصلاة.
[فرع: لا تجمع المستحاضة بالوضوء أكثر من فرض]
] : ولا يجوز للمستحاضة أن تصلي بالوضوء أكثر من فريضةٍ واحدةٍ، وما شاءت من النوافل، سواء كان ذلك في وقت، أو في وقتين.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (يجوز لها أن تجمع بين فريضتين في وقت واحد، وتبطل طهارتها بخروج وقت الصلاة) .
وقال ربيعة، ومالك: (لا وضوء على المستحاضة) .
وقال الأوزاعي، والليث: (تجمع في طهاراتها بين الظهر والعصر) .
دليلنا: ما ذكرناه من حديث فاطمة ابنة أبي حبيش.
ولا تصح طهارتها إلا بعد دخول الوقت.
وقال أبو حنيفة: (تصح) .
دليلنا: أنها طهارة ضرورةٍ، ولا ضرورة بها إلى الطهارة قبل دخول الوقت.
وهل يجب عليها حل العصابة، وغسل الفرج عند الصلاة الثانية؟
قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٤٤] : ينظر فيها: فإن كانت العصابة قد تحركت من موضعها.. وجب غسلها، وإن لم تتحرك من موضعها.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو الأصح ـ: أنه يجب عليها ذلك، كما يجب عليها الوضوء.
والثاني: لا يجب. والفرق بينهما: أنه قد تؤمر بالطهارة عن الحدث وإن لم يرتفع، ولا تؤمر بإزالة النجاسة إذا لم تزل بالغسل.
стр. 408
[فرع: حكم الولاء بين الطهارة والصلاة]
] : إذا توضأت المستحاضة بعد دخول الوقت.. فالأولى: أن تصلي عقيب الطهارة.
فإن أخرت الصلاة إلى آخر الوقت أو وسطه، فإن كان لسبب يعود إلى مصلحة الصلاة، كانتظار الجماعة، وستر العورة، وما أشبهه.. جاز ذلك.
وإن أخرتها لغير ذلك.. فهل تصح صلاتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وعليها أن تستأنف الطهارة؛ لأنه لا حاجة بها إلى ذلك.
والثاني: يجوز؛ لأنه قد جوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، فلا يضيق عليها.
وإن خرج الوقت قبل أن تصلي به الفرض.. فهل لها أن تصلي الفرض بتلك الطهارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها غير معذورة في ذلك.
والثاني: يجوز، لأن طهارتها لا تبطل ـ عندنا ـ بخروج الوقت.
فإذا صلت الفريضة بوقتها.. فلها أن تتنفل بها ما شاءت؛ لأن النوافل تكثر، فلو ألزمناها: أن تتوضأ لكل صلاة نافلة.. شق وأدى إلى قطعها.
فإذا خرج وقت الفريضة.. فهل لها أن تتنفل بتلك الطهارة؟ فيه وجهان.
[فرع: انقطاع دم المستحاضة]
] : إذا انقطع دم المستحاضة.. نظرت: فإن كان قبل الدخول في الصلاة:
فإن كان انقطاعًا غير معتاد، بأن كان أول ما استحيضت، فتوضأت ودمها سائل، ثم انقطع.. قال الشيخ أبو حامد: فلا خلاف على المذهب: أنه يجب عليها إعادة الوضوء إذا أرادت أن تصلي؛ لأن هذا الانقطاع يجوز أن يكون لزوال الاستحاضة، فتبطل لذلك طهارتها. ويجوز أن يكون ليعود، فلا تبطل، إلا أن الظاهر أنه لا يعود.
فإن خالفت ودخلت في الصلاة من غير تجديد طهارة، فإن اتصل الطهر.. لم تصح صلاتها.
стр. 409
وإن عاودها الدم، فإن كان بين معاودة الدم وانقطاعه مدة يمكن فيها فعل الصلاة.. لم تصح صلاتها؛ لأنه قد أمكنها فعل الصلاة من غير نجاسةٍ.
وإن كان بينهما مدة لا يمكن فيها فعل الصلاة.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليها إعادة الصلاة؛ لأنا تيقنا بعود الدم أن الانقطاع لا حكم له.
والثاني: يجب عليها الإعادة، وهو الأصح؛ لأنها حال ما دخلت في الصلاة، دخلت بطهارة مشكوك فيها، فيلزمها إعادتها، وإن تيقنت أن طهارتها كانت صحيحة، كما لو استفتح لابس الخف الصلاة بعد أن مسح يومًا وليلة، وهو يشك: هل ابتدأ المسح في الحضر أو في السفر، ثم بان له أنه ابتدأ المسح في السفر.
وإن كان انقطاع دمها معتادًا، مثل: أن تستمر عادتها بأن ينقطع دمها ساعةً، ثم يعود، ثم ينقطع، فإن كانت مدة الانقطاع في عادتها مما يمكن فيها فعل الطهارة والصلاة.. فعليها: أن تعيد الطهارة والصلاة.
قال ابن الصباغ: وليس لها أن تتوضأ في حال جريان الدم، بل عليها أن تنتظر حال انقطاعه، ما لم يخرج الوقت. فإن توضأت في المدة التي جرت عادتها أن الانقطاع يتسع لفعل الطهارة والصلاة، ثم دخلت في الصلاة، ثم عاد الدم في حال الصلاة.. قال أبو العباس: فهذا حدث ثانٍ، فتبطل طهارتها بوجوده، ويلزمها الخروج من الصلاة، واستئناف الطهارة. وهل يلزمها استئناف الصلاة؟
فيه قولان كالقولين فيمن يسبقه الحدث في الصلاة؛ لأن خروج الدم عنها بغير اختيارها، كالصحيح إذا سبقه الحدث في الصلاة.
وإن كانت مدة الانقطاع يسيرة لا تتمكن فيها من فعل الصلاة والطهارة.. فهو كما لو كان الدم متصلاً.
قال أبو العباس: وهكذا إذا كانت مبتدأة وانقطع دمها، وعلمت أن هذا الانقطاع لا يتصل، لكنه يعود الدم. أو كان به جرح يسيل منه الدم فانقطع، فأخبره أهل البصر
стр. 410
بالطب: بأن هذا الانقطاع لا يتصل، بل يعود.. فهو كما لو لم ينقطع. ولها أن تصلي مع هذا الانقطاع.
فإن اتصل بها الطهر.. فإنه يجب عليها إعادة الصلاة وجهًا واحدًا؛ لأنا إنما أجزنا الصلاة بالطهر الأول ظنا أن الدم يعود، فإذا لم يعد.. تيقنا الخطأ فيما ظنناه.
وإن توضأت المستحاضة، ودخلت في الصلاة، فانقطع دمها في حال الصلاة، فإن كانت قد جرت عادتها بأن دمها ينقطع ويعود، وبين وقت انقطاعه وعوده مدة لا تتمكن فيها من الطهارة والصلاة.. لم تبطل صلاتها بهذا الانقطاع؛ لأن وجوده كعدمه.
وإن كانت قد جرت عادتها بأن دمها ينقطع، ويعود بعد مضي مدة تتمكن فيها من فعل الطهارة والصلاة. أو كان هذا الانقطاع لم تجر لها به عادةٌ، والظاهر أنه لا يعود الدم.. فهل تبطل صلاتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تبطل صلاتها، كالمسافر إذا عدم الماء فتيمم، ثم وجد الماء بعد الدخول في الصلاة.
والثاني: تبطل صلاتها، وهو الصحيح؛ لأن عليها طهارة حدث، وطهارة نجس، ولم تأت عن طهارة النجس بشيء، وقد قدرت عليها، فلزمها الإتيان بها.
وتفارق المتيمم؛ لأنه قد أتى عن الطهارة بالماء بما هو بدل عنها، فجاز له استدامة التيمم مع وجود الماء. وطهارة المستحاضة قد بطلت بانقطاع الدم، وإذا بطلت الطهارة.. بطلت الصلاة.
[فرع: وطء المستحاضة]
] : يجوز للزوج وطء زوجته المستحاضة وإن كان الدم جاريًا.
وقال الحكم، وابن سيرين، والنخعي: لا يجوز له وطؤها.
стр. 411
وبه قال أحمد، إلا أن يخاف على نفسه العنت.
دليلنا: ما روي: (أن حمنة بنت جحش كانت تحت طلحة بن عبيد الله، وأم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن، وكانتا مستحاضتين، وكانا يجامعان) .
والظاهر أنه لا يخفى ذلك عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد بين سائر أحكامها ولم يذكر الوطء، فدل على جوازه.
[فرع: صاحب السلس]
] : ومن به سلس البول والمذي.. حكمه حكم المستحاضة في الشد، والوضوء لكل صلاة؛ لأن ذلك من نواقض الوضوء، فهو كالاستحاضة.
وأما من به جرح لا ينقطع منه الدم أو القيح.. فإنه بمنزلة المستحاضة في وجوب غسله، وشده عند كل صلاةٍ؛ لأنها نجاسة متصلة لعلة، فهو كالمستحاضة.
وأما الوضوء لكل صلاة: فلا يجب عليه.
وبالله التوفيق
стр. 412
[باب إزالة النجاسة]
أبوال بني آدم وذروقهم نجسةٌ، وهو قول كافة العلماء، إلا ما حكي عن داود: أنه قال: (بول الغلام الذي لم يطعم الطعام طاهرٌ) .
دليلنا: قوله ﷺ : «تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه» . ولم يفرق.
وروي: «أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان بكبيرةٍ، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستنزه من البول» .
وروي: أن النبي ﷺ قال لعمارٍ: «إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء» .
стр. 413
وأجمعت الأمة على نجاسة الغائط.
وأما أبوال البهائم وأرواثها: فهي نجسةٌ ـ عندنا ـ سواءٌ في ذلك ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه. وبه قال ابن عمر، والأوزاعي، وهذه طريقة أصحابنا البغداديين.
وقال صاحب " الإبانة " [ق \ ٦٨] : في بول ما لا نفس له سائلةٌ، وروثه وجهان، بناء على الوجهين في: أنه هل ينجس بالموت؟
وقال النخعي: أبوال البهائم كلها طاهرةٌ.
وقال مالكٌ والزهري، والثوري، وأحمد: (بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهرٌ) .
وحكى صاحب " الفروع ": أن هذا وجه لبعض أصحابنا؛ لـ: (أن النبي ﷺ طاف على الجمل) فلولا أن بوله وروثه طاهرٌ.. لما طاف عليه خشية أن ينجس المسجد.
وقال أبو حنيفة: (الكل نجسٌ، إلا ذرق الحمام، والعصافير، وما لا يمكن الاحتراز منه.. فإنه طاهرٌ؛ لأن العسل ذرق النحل، وهو طاهرٌ) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] [النحل: ٦٦] . فامتن الله علينا بأن أخرج لنا لبنًا طاهرًا يحل شربه من بين نجسين: الفرث، والدم.
стр. 414
وروي: «أن ابن مسعود أتى النبي ﷺ بحجرين وروثةٍ؛ ليستنجي بذلك، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "إنها ركسٌ» .
و (الركس) : الرجيع وهذه العلة تعم جميع ما ذكرناه.
وأما طواف النبي ﷺ على الجمل؛ فلأنه حمل أمره: على السلامة، وأنه لا يبول ولا يبعر. كما حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة وحمل أمرها على: أنها لا تبول ولا تتغوط. ثم لا يدل ذلك على: أن بولها وغائطها طاهرٌ.
وأما قوله: إن العسل ذرق النحل.. فغير صحيح؛ لأنه قد قيل: إن النحل تعسل بأفواهها، وقيل: لا يكاد يعرف منها حقيقة؛ لما روي: أن سليمان بن داود ﵉ أراد أن يعرف حقيقة ذلك، فاتخذ آنية من زجاج، وجعلها فيها؛ ليعرف كيف تعسل.. فلطخت وجه الآنية بالطين حتى لم يرها كيف تعسل.
والقيء نجس؛ لحديث عمار، ولأنه طعام استحال في الجوف، فكان نجسًا، كالغائط.
والبلغم الخارج من المعدة نجسٌ.
وقال أبو حنيفة: (هو طاهرٌ) .
دليلنا: أنه طعام أحالته الطبيعة فكان نجسًا، كالسوداء والصفراء.
[مسألة: القول في المذي والمني]
] : والمذي نجسٌ؛ لـ: (أن النبي ﷺ أمر عليا ﵁ أن يغسل ذكره منه) .
والودي نجسٌ؛ لأنه في معناه.
وأما مني الآدمي: فالمشهور من مذهب الشافعي أنه طاهر ما لم تصبه نجاسةٌ. وبه
стр. 415
قال من الصحابة: ابن عباس، وسعد بن أبي وقاصٍ وعائشة.
وقال مالك، والأوزاعي: (هو نجس يجب غسله رطبًا ويابسًا) . وخرج صاحب " التلخيص " قولاً للشافعي مثل هذا.
وقال أبو حنيفةَ: (هو نجس يجب غسله إن كان رطبًا، وإن كان يابسًا.. أجزأه الفرك) .
وحكى بعض أصحابنا الخراسانيين في مني المرأة قولين. ومنهم من يقول: فيه وجهان، بناء على الوجهين في نجاسة رطوبة فرجها.
دليلنا: ما روى ابن عباسٍ: «أن النبي ﷺ سئل عن المني يصيب الثوب؟
فقال: "أمطه عنك بإذخرةٍ؛ فإنما هو كبصاقٍ أو مخاطٍ» .
وقالت عائشة ﵂: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه» ولو كان نجسًا.. لما انعقدت معه الصلاة. ولأنه خارجٌ من حيوانٍ طاهرٍ، يخلق منه، مثل أصله، فكان طاهرًا، كالبيض.
فقولنا: (من حيوانٍ طاهرٍ) احترازٌ من مني الكلب والخنزير.
وقولنا: (يخلق منه، مثل أصله) احتراز من البول والمذي والودي.
وأما مني سائر الحيوانات غير الكلب، والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما.. ففيه ثلاثة أوجهٍ:
стр. 416
أحدها: أنه طاهرٌ، كعرقه ولعابه.
والثاني: أنه نجسٌ؛ لأنه من فضول الطعام المستحيل، وإنما حكم بطهارته من الآدمي؛ لكرامته.
والثالث: أن كل ما أكل لحمه.. فمنيه طاهرٌ، كلبنه. وما لا يؤكل لحمه.. فمنيه نجسٌ، كلبنه.
فكل موضع قلنا: إن المني طاهرٌ.. فهل يحل أكله؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال الشيخ أبو حامد: لا يحل أكله.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو زيد المروزي: يحل أكله.
وفي نجاسة بيض ما لا يؤكل لحمه وجهان، كمنيه:
فإذا قلنا: إنه طاهرٌ.. فهل يجب غسل ظاهره؟ فيه وجهان، بناء على نجاسة رطوبة الفرج.
قال المسعودي [في" الإبانة " ق \ ٦٨] : وإذا قلنا ماتت الدجاجة وفي جوفها بيضٌ.. فهل يحكم بنجاستها؟ فيه وجهان.
[مسألة: حكم الدماء]
مسألةٌ: [في الدماء] : وجميع الدماء نجسةٌ. وفي دم السمك وجهان:
أحدهما: أنه نجسٌ، كغيره.
والثاني: أنه طاهرٌ، كميتته.
وقال أبو حنيفة: (دم ما لا نفس له سائلةٌ طاهرٌ) . وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] [المائدة: ٣] . وحديث عمارٍ. ولم يفرق.
стр. 417
[فرع: القيح والصديد والعلقة]
فرعٌ: [في القيح والصديد والعلقة] :
وأما القيح والصديد: فهو نجسٌ؛ لأنه أسوأ حالاً من الدَم.
وأما ماء القروح: فإن كان له رائحةٌ.. فهو كالقيح نجسٌ وإن لم يكن له رائحةٌ.. ففيه طريقان:
[الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: أنه نجس، كالقيح.
والثاني: أنه طاهرٌ، كالعرق.
و [الطريق الثاني] : منهم من قال: هو طاهرٌ قولاً واحدًا، كالعرق.
واختلف أصحابنا في العلقة والمضغة التي هي مبتدأ خلق الآدمي، وفي البيضة إذا صارت دمًا.
فقال الصيرفي: الكل طاهرٌ؛ لأنه مبتدأ خلق حيوان طاهرٍ، فكان طاهرًا، كالمني.
وقال أبو إسحاق: هو نجسٌ؛ لأنه دمٌ خارجٌ من الرحم، فهو كالحيض.
[مسألة: ميتة الحيوان الطاهر]
] : الحيوان الطاهر إذا مات.. ينظر فيه: فإن كان من غير السمك، والجراد، والآدمي.. فهو نجسٌ، سواءٌ كانت له نفسٌ سائلةٌ، أو لا نفس له سائلةٌ. هذا نقل أصحابنا البغداديين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] [المائدة: ٣] . ولم يفرق. وحكى الخراسانيون في طهارة ميتة ما لا نفس له سائلةٌ، وجهين.
стр. 418
وأما السمك والجراد: فميتتهما طاهرةٌ؛ لقوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان؛ أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» .
فإن قطع من السمكة قطعةٌ، وبقيت السمكة حيةً.. فهل يحكم بطهارة تلك القطعة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: أنها نجسةٌ؛ لقوله ﷺ : «ما أبين من حي.. فهو ميتٌ» .
والثاني: أنها طاهرةٌ؛ لأن ميتة السمك طاهرةٌ.
стр. 419
قلت: وينبغي أن يكون فيما أخذ من الجرادة، وبقيت الجرادة حيةً وجهان، كالسمكة.
وكذلك ينبغي أن يكون في ذرق الجراد وجهان، كدم السمك وذرقه.
[فرع: ميتة الآدمي]
] : وأما الآدمي إذا مات.. ففيه قولان:
أحدهما: أنه نجسٌ؛ لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته، فكانت ميتته نجسةً، كسائر الميتات.
والثاني: أنه طاهرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] [الإسراء: ٧٠] .
ومن كرامته أن لا يكون نجسًا بعد موته.
ولقوله ﷺ : «المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتًا» .
وإن انفصل شيء من جسد ابن آدم في حياته.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الصيرفي: فيه قولان، كميتته.
وقال عامة أصحابنا: هو نجسٌ قولاً واحدًا. وهو الأصح؛ لأن الحرمة إنما تثبت لجملته لا لأبعاضه.
стр. 420
قال ابن الصباغ: والمشيمة - التي يكون فيها الولد - نجسةٌ إذا انفصلت؛ لقوله ﷺ : «ما أبين من حي.. فهو ميتٌ» .
[فرع: حكم الخمر]
فرعٌ: [في الخمر] : الخمر نجسةٌ.
وقال ربيعة، وداود: (هي طاهرةٌ) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] [المائدة: ٩٠] . فسماه: رجسًا، و (الرجس) ـ عند العرب ـ: النجس. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وهذا عمومٌ.
وأما النبيذ: فالمذهب: أنه نجسٌ؛ لأنه مسكرٌ، فكان نجسًا، كالخمر.
ومن أصحابنا من قال: إنه طاهرٌ؛ لاختلاف الناس فيه. وليس بشيءٍ.
[فرع: نجاسة الكلب والخنزير]
] : الكلب نجس الذات، نجس السؤر. وبه قال ابن عباسٍ، وأبو هريرة، وعروة بن الزبير، وبه قال أبو حنيفة.
وذهب الزهري، ومالك، وداود إلى: (أنه طاهرٌ، وسؤره طاهرٌ، إلا أنه يجب الغسل من ولوغه تعبدًا، لا للنجاسة) . واختاره ابن المنذر.
دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فأريقوه، واغسلوه سبعًا، أولاهن بالتراب» .
стр. 421
فأمر بإراقة ما فيه وقد يكون عسلاً أو سمنًا، فلولا أنه نجس الذات والسؤر.. لما أمر بإراقة سؤره، مع (نهيه ﷺ عن إضاعة المال) .
والخنزير نجس الذات نجس السؤر؛ لأنه أسوأ حالاً من الكلب؛ بدليل: أنه يندب إلى قتله وإن كان لا ضرر به، فإذا كان الكلب نجسًا.. فهذا أولى.
وينجس ما تولد من الكلب والخنزير؛ لأنه مخلوق من أصل نجس، فكان نجسًا.
[فرع: ألبان غير المأكول]
] : واختلف أصحابنا في ألبان الحيوانات التي لا يؤكل لحمها غير الآدمي:
فقال أبو سعيد الإصطخري: هو طاهرٌ؛ لأنه حيوانٌ طاهرٌ، فكان لبنه طاهرًا، كالشاة والبقرة.
وقال عامة أصحابنا: هو نجسٌ ـ وهو المنصوص ـ كلحمه.
[فرع: رطوبة فرج المرأة]
واختلف أصحابنا في رطوبة فرج المرأة:
فمنهم من قال: إنها طاهرةٌ، كعرقها.
ومنهم من قال: إنها نجسة. وهو المنصوص؛ لأنها متولدة في محل النجاسة.
وكل عين طاهرةٍ إذا أصابها شيءٌ من هذه النجاسات، وأحدهما رطبٌ.. نجست العين الطاهرة بذلك.
стр. 422
[مسألة: تخليل الخمر]
] : لا يجوز تخليل الخمر، وإذا خللت بخل، أو ملح، أو ما أشبهه.. لم تطهر.
وقال أبو حنيفة: (يستحب تخليلها، وتطهر إذا خللت فتخللت) .
وقال مالك: (يكره تخليلها، إلا أنها إذا خللت فتخللت.. طهرت) .
دليلنا: ما روي: «أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟
فقال: "أهرقها" قال: أفلا أخللها؟ قال: لا» فنهاه عن التخليل.
فإن تخللت الخمر بنفسها.. طهرت؛ لأنا إنما حكمنا بنجاستها للشدة المطربة فيها، وقد زالت من غير نجاسة خلفتها، فحكم بطهارتها.
وهل يطهر الدن الذي هي فيه؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال الداركي: إن كان مما لا يقبل جزءًا منها، كالزجاج، ونحوه.. طهر. وإن كان مما يقبل جزءًا منها.. لم يطهر.
و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: يطهر بكل حال، على سبيل التبع للخمر. وهو الأصح.
стр. 423
وإن نقل الخمر من الشمس إلى الظل، أو من الظل إلى الشمس، فتخللت.. فيه وجهان:
أحدهما: لا تطهر؛ لأنها إنما تخللت بفعله، وهو فعل محظورٌ، فلم تطهر.
والثاني: أنها تطهر؛ لأنها قد زالت الشدة المطربة فيها، من غير نجاسةٍ خلفتها.
ولا يجوز إمساك الخمر لكي تتخلل؛ لقوله ﷺ : «لعن الله الخمرة وحاملها» . فإن أمسكها حتى تخللت بنفسها من طول الإمساك.. فهل يحكم بطهارتها؟ فيه وجهان، حكاهما الشاشي.
[فرع: السرجين والعظام المحروقة]
] : وإن أحرق العذرة أو السرجين أو عظام الميتة فصار رمادًا، أو طرح كلبًا ميتًا في مملحةٍ فصار ملحًا، أو طرح السرجين في التراب فصار ترابًا.. لم يطهر شي من ذلك.
وقال أبو حنيفة: (يطهر جميع ذلك) .
وحكى صاحب " الإبانة " [في ق \ ٧٠] : أن هذا وجه لبعض أصحابنا. والمذهب الأول. دليلنا: أن نجاسة هذه الأشياء لعينها، والرماد هو عينها، فلم يحكم بطهارته، كالدَبس المتنجس إذا صار خلاً.
وفي دخان النجاسة وجهان:
стр. 424
أحدهما: أنه طاهرٌ؛ لأنه ليس هو النجاسة، ولا تولد منها، وإنما هو شيءٌ يحدثه الله عند التقاء جسم النار والعين النجسة، فلا معنى لتنجيسه.
فعلى هذا: إذا علق بالثوب.. لم يمنع من الصلاة فيه. وإذا حصل على حائط تنورٍ.. لم يمنع الخبز عليه.
والثاني: أنه نجسٌ. قال في " الفروع ": وهو الأصح؛ لأنه حادث من العين النجسة، فأشبه الرماد.
قال أصحابنا: فعلى هذا: إذا علق بالثوب، فإن كان قليلاً.. عفي عنه. وإن كان كثيرًا.. لم يطهر إلا بالغسل. وإن سود التنور، فإن مسحه بخرقة وزال.. جاز الخبز عليه؛ لأن التنور والدخان يابسان. وإن ألصق عليه الخبز قبل الإزالة.. نجس ظاهر الرغيف، ووجب غسله. هكذا ذكره الشيخ أبو حامد.
وقال الشاشي: إذا قلنا: إن دخان النجاسة نجسٌ.. فهل يعفى عنه؟ فيه وجهان.
[مسألة: ولوغ الكلب]
] : إذا ولغ الكلب في إناء فيه مائعٌ، أو ماءٌ دون القلتين، أو أدخل فيه منه عضوًا، أو وقع فيه شيءٌ من دمه، أو بوله، أو ذرقه.. وجب غسله سبع مرات، إحداهنَ بالتراب. وبه قال ابن عباس، وأبو هريرة، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: (يجب غسله إلا أن السبع لا تجب، بل يغسل حتى يغلب على الظن طهارته، فلو غلب على الظن طهارته بمرة أو مرتين.. حكم بطهارته) .
وقال مالك، وداود: (يغسل من الولوغ ـ كما قلنا ـ فأما إذا أدخل عضوًا منه فيه، أو بال فيه، أو وقع فيه شيءٌ من دمه أو روثه.. فلا يجب غسله سبعًا من ذلك) .
دليلنا: قوله ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعًا أولاهنَ
стр. 425
بالتراب» فعلق طهارته بالسبع، فمن قال: إنه يطهر بدون ذلك.. فقد خالف مقتضى الخبر.
والاستدلال على داود ومالك: أنه نص على الولوغ، ونبه به على ما سواه.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يجب أن يكون التراب في غسلةٍ ثامنةٍ، بل في أي السبع جعل التراب.. جاز.
والأفضل أن يجعل التراب فيما قبل السابعة؛ ليرد عليه ما ينظفه.
وقال الحسن، وأحمد: (يجب أن يكون التراب في غسلةٍ ثامنةٍ) .
دليلنا: قوله ﷺ : «إحداهن بالتراب» . وهذا نصٌ في موضع الخلاف.
وفي قدر التراب وجهان، حكاهما الشاشي عن " الحاوي ":
أحدهما: ما يقع عليه الاسم.
والثاني: ما يستوعب محل الولوغ.
قال الشاشيُ: فإن أصاب بول الكلب أو دمه ثوبًا، فلم تزل عين البول والدم إلا بمرتين.. فهل يحتسب بهما من السبع، أو يحتاج إلى استئناف السبع بعد زوال العين؟
следующие страницы →