Полный текст (7 092 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فأمر بإراقة ما فيه وقد يكون عسلاً أو سمنًا، فلولا أنه نجس الذات والسؤر.. لما أمر بإراقة سؤره، مع (نهيه ﷺ عن إضاعة المال) .
والخنزير نجس الذات نجس السؤر؛ لأنه أسوأ حالاً من الكلب؛ بدليل: أنه يندب إلى قتله وإن كان لا ضرر به، فإذا كان الكلب نجسًا.. فهذا أولى.
وينجس ما تولد من الكلب والخنزير؛ لأنه مخلوق من أصل نجس، فكان نجسًا.
[فرع: ألبان غير المأكول]
] : واختلف أصحابنا في ألبان الحيوانات التي لا يؤكل لحمها غير الآدمي:
فقال أبو سعيد الإصطخري: هو طاهرٌ؛ لأنه حيوانٌ طاهرٌ، فكان لبنه طاهرًا، كالشاة والبقرة.
وقال عامة أصحابنا: هو نجسٌ ـ وهو المنصوص ـ كلحمه.
[فرع: رطوبة فرج المرأة]
واختلف أصحابنا في رطوبة فرج المرأة:
فمنهم من قال: إنها طاهرةٌ، كعرقها.
ومنهم من قال: إنها نجسة. وهو المنصوص؛ لأنها متولدة في محل النجاسة.
وكل عين طاهرةٍ إذا أصابها شيءٌ من هذه النجاسات، وأحدهما رطبٌ.. نجست العين الطاهرة بذلك.
стр. 422
[مسألة: تخليل الخمر]
] : لا يجوز تخليل الخمر، وإذا خللت بخل، أو ملح، أو ما أشبهه.. لم تطهر.
وقال أبو حنيفة: (يستحب تخليلها، وتطهر إذا خللت فتخللت) .
وقال مالك: (يكره تخليلها، إلا أنها إذا خللت فتخللت.. طهرت) .
دليلنا: ما روي: «أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟
فقال: "أهرقها" قال: أفلا أخللها؟ قال: لا» فنهاه عن التخليل.
فإن تخللت الخمر بنفسها.. طهرت؛ لأنا إنما حكمنا بنجاستها للشدة المطربة فيها، وقد زالت من غير نجاسة خلفتها، فحكم بطهارتها.
وهل يطهر الدن الذي هي فيه؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال الداركي: إن كان مما لا يقبل جزءًا منها، كالزجاج، ونحوه.. طهر. وإن كان مما يقبل جزءًا منها.. لم يطهر.
و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: يطهر بكل حال، على سبيل التبع للخمر. وهو الأصح.
стр. 423
وإن نقل الخمر من الشمس إلى الظل، أو من الظل إلى الشمس، فتخللت.. فيه وجهان:
أحدهما: لا تطهر؛ لأنها إنما تخللت بفعله، وهو فعل محظورٌ، فلم تطهر.
والثاني: أنها تطهر؛ لأنها قد زالت الشدة المطربة فيها، من غير نجاسةٍ خلفتها.
ولا يجوز إمساك الخمر لكي تتخلل؛ لقوله ﷺ : «لعن الله الخمرة وحاملها» . فإن أمسكها حتى تخللت بنفسها من طول الإمساك.. فهل يحكم بطهارتها؟ فيه وجهان، حكاهما الشاشي.
[فرع: السرجين والعظام المحروقة]
] : وإن أحرق العذرة أو السرجين أو عظام الميتة فصار رمادًا، أو طرح كلبًا ميتًا في مملحةٍ فصار ملحًا، أو طرح السرجين في التراب فصار ترابًا.. لم يطهر شي من ذلك.
وقال أبو حنيفة: (يطهر جميع ذلك) .
وحكى صاحب " الإبانة " [في ق \ ٧٠] : أن هذا وجه لبعض أصحابنا. والمذهب الأول. دليلنا: أن نجاسة هذه الأشياء لعينها، والرماد هو عينها، فلم يحكم بطهارته، كالدَبس المتنجس إذا صار خلاً.
وفي دخان النجاسة وجهان:
стр. 424
أحدهما: أنه طاهرٌ؛ لأنه ليس هو النجاسة، ولا تولد منها، وإنما هو شيءٌ يحدثه الله عند التقاء جسم النار والعين النجسة، فلا معنى لتنجيسه.
فعلى هذا: إذا علق بالثوب.. لم يمنع من الصلاة فيه. وإذا حصل على حائط تنورٍ.. لم يمنع الخبز عليه.
والثاني: أنه نجسٌ. قال في " الفروع ": وهو الأصح؛ لأنه حادث من العين النجسة، فأشبه الرماد.
قال أصحابنا: فعلى هذا: إذا علق بالثوب، فإن كان قليلاً.. عفي عنه. وإن كان كثيرًا.. لم يطهر إلا بالغسل. وإن سود التنور، فإن مسحه بخرقة وزال.. جاز الخبز عليه؛ لأن التنور والدخان يابسان. وإن ألصق عليه الخبز قبل الإزالة.. نجس ظاهر الرغيف، ووجب غسله. هكذا ذكره الشيخ أبو حامد.
وقال الشاشي: إذا قلنا: إن دخان النجاسة نجسٌ.. فهل يعفى عنه؟ فيه وجهان.
[مسألة: ولوغ الكلب]
] : إذا ولغ الكلب في إناء فيه مائعٌ، أو ماءٌ دون القلتين، أو أدخل فيه منه عضوًا، أو وقع فيه شيءٌ من دمه، أو بوله، أو ذرقه.. وجب غسله سبع مرات، إحداهنَ بالتراب. وبه قال ابن عباس، وأبو هريرة، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: (يجب غسله إلا أن السبع لا تجب، بل يغسل حتى يغلب على الظن طهارته، فلو غلب على الظن طهارته بمرة أو مرتين.. حكم بطهارته) .
وقال مالك، وداود: (يغسل من الولوغ ـ كما قلنا ـ فأما إذا أدخل عضوًا منه فيه، أو بال فيه، أو وقع فيه شيءٌ من دمه أو روثه.. فلا يجب غسله سبعًا من ذلك) .
دليلنا: قوله ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعًا أولاهنَ
стр. 425
بالتراب» فعلق طهارته بالسبع، فمن قال: إنه يطهر بدون ذلك.. فقد خالف مقتضى الخبر.
والاستدلال على داود ومالك: أنه نص على الولوغ، ونبه به على ما سواه.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يجب أن يكون التراب في غسلةٍ ثامنةٍ، بل في أي السبع جعل التراب.. جاز.
والأفضل أن يجعل التراب فيما قبل السابعة؛ ليرد عليه ما ينظفه.
وقال الحسن، وأحمد: (يجب أن يكون التراب في غسلةٍ ثامنةٍ) .
دليلنا: قوله ﷺ : «إحداهن بالتراب» . وهذا نصٌ في موضع الخلاف.
وفي قدر التراب وجهان، حكاهما الشاشي عن " الحاوي ":
أحدهما: ما يقع عليه الاسم.
والثاني: ما يستوعب محل الولوغ.
قال الشاشيُ: فإن أصاب بول الكلب أو دمه ثوبًا، فلم تزل عين البول والدم إلا بمرتين.. فهل يحتسب بهما من السبع، أو يحتاج إلى استئناف السبع بعد زوال العين؟
стр. 426
فيه وجهان.
ولا فرق بين أن يصب الماء على التراب، أو يصب التراب على الماء.. فإنه يجزئ؛ لأن المقصود يحصل بذلك.
وإن خلط التراب بخل، أو بماء ورد، وغسل به.. فهل يصحُ؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ ٦] :
أحدهما: لا يجزئ؛ لأن المقصود هو التراب.
والثاني: لا يجزئ. قال: وهو الأصح؛ لأن الخل وماء الورد ليس بطهورٍ.
وإن كان التراب نجسًا.. فهل يجزئ؟
فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة" [ق \ ٦] .
وإن أصاب بول الكلب أرضًا، وجرى الماء عليه سبع مراتٍ.. فهل يحتاج إلى تراب آخر؟
فيه وجهان، حكاهما في" الإبانة " [ق \ ٥] . الأصح: لا يحتاج؛ لأن نفس الأرض ترابٌ.
وإن غسل الإناء ثماني مرات بالماء من غير تراب.. فهل يحكم بطهارته؟
فيه وجهان، بناء على الوجهين في أن التراب شرع تعبدًا لا بد منه، أو للتنظيف؟
قال أبو العباس ابن سريج: شرع لتنظيف النجاسة.
فعلى هذا: تقوم الثامنة مقام التراب في التنظيف؛ لأن كل موضع يجوز التطهر بالتراب.. فالماء أجوز.
وقال غيره من أصحابنا: شرع التراب تعبدًا لا بد منه؛ لأن النبي ﷺ قصد تقوية الماء بالتراب؛ لتغلظ النجاسة، والتراب مع الماء ينقي ما لا ينقي تكرار الماء.
هكذا ذكر أصحابنا.
وذكر في " المهذب ": إذا غسل بالماء وحده.. فهل يجزئ؟
стр. 427
فيه وجهان، وأطلق، ولعله أراد: إذا أقام الثامنة مقام التراب، كما ذكر غيره.
[فرعٌ: وقوع ما نجسه الكلب في قليل الماء]
] : وإن وقع الإناء ـ الذي ولغ فيه الكلب ـ في ماء قليل.. نجس الماء، ولم يطهر الإناء.
وإن وقع الإناء في ماء كثير.. لم ينجس الماء، وهل يطهر الإناء؟
فيه خمسة أوجه:
أحدها: يحكم بطهارته؛ لأنه قد بلغ إلى حالة لو ولغ فيه الكلب.. لم ينجس، فحكم بطهارته. وهذا قول من يقيم الثامنة مقام التراب.
والثاني: يحتسب بذلك مرةً واحدةً، ولا بد من أن يغسل سبع مراتٍ، إحداهن بالتراب؛ لأن الإناء ما لم ينفصل عن الماء.. فهو في حكم الغسلة الواحدة.
والثالث: يحتسب بذلك ست مراتٍ؛ لأن ذلك أبلغ من ورود الماء عليه ست مرات، ولا بد من غسلةٍ سابعةٍ بالتراب. وهذا قول من لا يقيم الثامنة مقام التراب.
والرابع ـ ذكره في " العدة " ـ: إن أصاب الكلب الإناء نفسه.. احتسب بذلك غسلةً. وإن أصاب الكلب الماء الذي في الإناء، ونجس الإناء تبعًا للماء.. احتسب به ـ ها هنا ـ سبعًا؛ لأنه لما نجس الإناء تبعًا لغيره.. حكم بطهارته تبعًا لغيره.
والخامس ـ ذكره في " الفروع " ـ: إن كان الإناء ضيق الرأس.. لم يطهر؛ لأن الماء لا يجول فيه إلا مرةً. وإن كان واسعًا.. طهر؛ لأنه يجول فيه مرارًا.
[فرع: فقد التراب]
] : قال الشافعي ﵀: (إن كان في بحر لا يجد ترابًا، فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف، من الأشنان، والنخالة، وما أشبه ذلك.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجزئه؛ للخبر. ولأنه تطهير نص فيه على التراب، فاختص به، كالتيمم. وفيه احتراز من الاستنجاء، والدباغ.
стр. 428
والثاني: يجزئه؛ لأنه تطهير نص فيه على جامد، فلم يختص به، كالاستنجاء والدباغ) . وفيه احتراز من إزالة النجاسة بالماء.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان في حال عدم التراب، فأما مع وجود التراب: فلا يجوز بغيره قولاً واحدا. وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي ﵀ نص على القولين، إذا كان في البحر حيث يعدم التراب، فعلم أن مع وجوده لا يقوم مقامه غيره قولاً واحدًا.
ومنهم من قال: القولان في الحالين؛ لأنه على القول الذي يقول: لا يجوز بغير التراب.. شبهه بالتراب ًفي التيمم، وجعل التيمم بالتراب أصلاً له، وعندنا: لا يجوز التيمم بغير التراب، مع وجود التراب، ولا مع عدمه.. فيجب أن يكون الغسل بغير التراب لا يجوز ـ على هذا القول ـ مع وجود التراب، ولا مع عدمه، كالأصل الذي قاس عليه.
وعلى القول الذي قال: يجوز الغسل بغير التراب.. شبهه بالاستنجاء والدباغ، وجعل الأحجار في الاستنجاء، والدباغ في القرظ أصلا له. والاستنجاء يجوز بغير الأحجار، مع وجود الأحجار ومع عدمها. والدباغ يجوز بغير القرظ مع وجود القرظ ومع عدمه.. فيجب أن يجوز غسل الإناء بغير التراب ـ على هذا القول ـ مع وجود التراب، ومع عدمه، كالأصل الذي قاس عليه.
وأما كلام الشافعي ـ ﵀ في البحر ـ: فلم يذكر البحر على سبيل الشرط، وإنما ذكر الموضع الذي تدعو الحاجة إلى العدول إلى غير التراب؛ لأنه مع وجود التراب.. لا غرض له في العدول عنه.
إذا ثبت هذا: فذكر في " الإبانة " [ق \ ٥ و٦] :
إذا قلنا: يقوم غير التراب مقامة في الإناء.. ففي الثوب أولى.
стр. 429
وإن قلنا: لا يقوم غير التراب مقامه في الإناء.. ففي الثوب وجهان.
والفرق بينهما: أن التراب يفسد الثوب ويقطعه ـ وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال ـ بخلاف الإناء.
[فرع: في ولوغ الكلاب]
] : قال في " حرملة ": (إذا ولغ في الإناء كلابٌ.. أجزأه أن يغسله سبع مراتٍ إحداهن بالتراب) .
ومن أصحابنا من قال: يجب أن يغسل لكل كلبٍ سبع مراتٍ، كما قال الشافعي ﵀: (إذا بال رجلٌ.. صب عليه ذنوبٌ وإن بال رجلان.. صب عليه ذنوبان) .
والأول أصح؛ لأن البول يحتاج إلى زيادة ماء ليزيله. ولم يرد الشافعي بما ذكره التقدير، وإنما ذكره على حكم الغالب. وليس كذلك ولوغ الكلب الثاني؛ فإنه لا يزيد النجاسة، ولا يؤثر فيها، فجرى الكلب الواحد إذا كرر الولوغ. وإن ولغ الكلب في إناء، ووقعت فيه نجاسةٌ.. أجزأه للجميع غسله سبع مراتٍ إحداهن بالتراب؛ لأن النجاسة تتداخل. ولهذا لو أصابه بولٌ ودمٌ، وغسله مرةً زال الجميع.. أجزأه.
[فرع: غسالة الولوغ]
إذا ولغ الكلب في إناء فغسل، وانفصل الماء عن الإناء، وهو غير متغيرٍ.. فهل يحكم بطهارة الماء؟ فيه ثلاثة أوجهٍ:
стр. 430
أحدها: أن جميع الغسلات طاهرةٌ.
والثاني: أن جميعها نجسةٌ.
والثالث: أن السابعة طاهرةٌ، وما قبلها نجسةٌ. وهو الصحيح، وقد مضت دلالة الوجوه.
فإذا قلنا بهذا: فجمعت السابعة إلى الست، ولم يبلغ قلتين.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه طاهرٌ؛ لأنه ماءٌ انفصل عن الإناء وهو طاهرٌ، فأشبه السابعة.
والثاني: أن الكل نجسٌ. وهو الصحيح؛ لأن السابعة هي الطاهرة، والست نجساتٌ، وهن الغالبات على السابعة، فكان الكل نجسًا.
فأما إذا قلنا: إن الكل نجسٌ.. فلا يفيد الجمع، إذا لم يبلغ الجميع حد الكثرة.
وإن أصاب الثوب شيء من ماء إحدى الغسلات، فإن قلنا: إن الجميع طاهرٌ.. فلا تفريع عليه.
وإن أصابه مما حكم بنجاسته منها.. نجس الثوب. وكم القدر الذي يجب غسل الثوب منه؟ ينظر فيه:
فإن أصابه من السادسة، أو من السابعة إذا قلنا: إنها نجسةٌ.. حكم بطهارته بغسل مرة واحدةٍ، وجهًا واحدًا.
وإن أصابه مما قبلهما.. ففيه وجهان:
أحدهما: يكفيه غسل مرةٍ واحدةٍ؛ لأن كل غسلةٍ تزيل سبع النجاسة، فيغسل منها مرةً.
والثاني: إن أصابه من الغسلة الأولى.. لم يطهر ما أصابه منها إلا بغسل ست مراتٍ. وإن أصابه من الثانية.. غسل منها خمس مراتٍ. وإن أصابه من الثالثة.. غسل منها أربع مراتٍ، اعتبارًا بالبلل الباقي في الإناء.
فعلى هذا: ينظر: فإن أصاب الثوب من الغسلة التي غسل الإناء فيها بالتراب، أو
стр. 431
مما بعدها.. لم يجب أن يغسل الثوب بالتراب. وإن أصابه من غسلة في الإناء قبل التراب.. لم يطهر الثوب إلا بالغسل بالتراب، اعتبارًا بالبلل الباقي في الإناء.
[فرع: أكل الكلب الطعام الجامد]
] : إذا أكل الكلب من طعامٍ جامدٍ.. فإنه يزال ما أصاب منه، أو يغسل سبعًا إحداهن بالتراب، وينتفع بالباقي من غير غسل قوله ﷺ في الفأرة تقع في السمن: «إن كان ذائبًا.. فأريقوه، وإن كان جامدًا.. فألقوها وما حولها» .
[مسألة: حكم الخنزير]
مسألة: [في حكم الخنزير] : حكم الخنزير حكم الكلب، في جميع ما ذكرناه من الغسل.
وقال أبو العباس ابن القاص في " المفتاح ": قال الشافعي في القديم: (يغسل منه مرةً واحدةً) .
وقال سائر أصحابنا: يغسل منه كالكلب، قولاً واحدًا. والذي قاله في القديم مطلقٌ، وأراد به: السبع؛ لأنه حيوانٌ نجسٌ في حياته، فهو كالكلب.
стр. 432
[مسألة: بول الغلام الصغير]
] : بول الصبي والصبية اللذين لم يطعما الطعام نجسٌ، كبول الذي يطعم الطعام، خلافًا لداود في بول الصبي، وقد مضى.
إذا ثبت هذا: فلا خلاف على المذهب: أنه يجب الغسل منهما، ولكنهما مختلفان في كيفية الغسل: فيجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم الطعام النضح، وهو: أن يبل موضعه بالماء، وإن لم ينزل عنه.
وفي بول الصبية وجهان، ومنهم من يقول: هما قولان:
أحدهما: يجزئ فيه النضح، كبول الغلام.
والثاني: يجب غسله، كسائر الأبوال. وهو المشهور.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يجب غسل بول الصبي، كسائر الأبوال) .
دليلنا: ما روي: «أن الحسن بن علي ﵄ بال على ثوب رسول الله ﷺ فرشه، فقيل له: ألا تغسل ثوبك؟! فقال ﵊:
"إنما يغسل بول الجارية، ويرش بول الغلام» .
وروي عن علي كرم الله وجهه: أن النبي ﷺ قال: «يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام» .
стр. 433
قال أصحابنا: ولأن الغلام يبلغ بطاهر وهو: المني والجارية تبلغ بنجس ـ وهو: الحيض ـ فاختلفا في تطهير بولهما. وأيضًا: فإن البول يختلف في الإزالة والتطهير: فمنه ما يحتاج في تطهيره إلى ماء كثير، وهو: بول المحرور فإن بوله ثخين أصفر، له رائحة، فلا يزول إلا بماء كثير.
وبول المرطوب: أبيض رقيق، لا رائحة له، يزول بماء قليل.
وإذا كان كذلك.. فقيل: إن بول الجارية أصفر ثخينٌ، وبول الغلام أبيض رقيق، فاختلفا في باب الإزالة.
[مسألة: أنواع النجاسات]
وما سوى ذلك من النجاسات.. ينظر فيها:
فإن كانت ذائبة.. غسل موضعها.
وإن كانت جامدة.. أزيلت، ثم غسل موضعها.
والمستحب: أن يغسل ذلك ثلاث مراتٍ؛ لقوله ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من نومه.. فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا» .
فإذا شرع ذلك في النجاسة التي يشك فيها.. فلأن يشرع في النجاسة المتيقنة أولى.
والواجب من ذلك: مرةٌ واحدةٌ.
وقال أحمد: (يجب في جميع النجاسات سبع مراتٍ) .
دليلنا: قوله ﷺ لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: «حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء» . ولم يعتبر العدد.
стр. 434
وقوله ﷺ : «يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام» . ولم يعتبر العدد.
وروي عن ابن عمر: أنه قال: «كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة والبول سبع مراتٍ، فلم يزل النبي ﷺ يراجع ربه ليلة أسري به، حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة والبول من الثوب مرةً» .
[فرع: نجاسة الأرض]
فإن أصابت الأرض نجاسةٌ ذائبةٌ وكاثرها بالماء.. أجزأه.
وقال أبو حنيفة: (إن كانت الأرض رخوة ينزل فيها الماء، وصب عليها الماء.. أجزأه. وإن كانت صلبة.. لم يجزئه إلا حفرها، ونقل التراب) .
دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن أعرابيًا دخل المسجد، فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﷺ : "لقد تحجرت واسعًا". فما لبث أن قام إلى زاوية من المسجد، فبال فيها، فابتدره أصحاب النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "دعوه"، ثم دعا بذنوب من ماءٍ، فأراقه عليه، وقال: "علموا، ويسروا ولا تعسروا» و (الذنوب) : هو الدلو الكبير، قال الشاعر:
لنا ذنوبٌ ولكم ذنوبُ ... فإن أبيتم فلنا القليب
стр. 435
والسجل: مثله، والغرب: دونه، والقليب: البئر.
وفي قدر المكاثرة وجهان:
أحدهما: لا يطهر حتى يصب على النجاسة سبعة أضعافها من الماء؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (ويصب الماء على البول سبعة أضعافه) .
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أن قدر المكاثرة: هو أن يصب على النجاسة ماءٌ يغمرها ويستهلكها، مما يذهب بلونها ورائحتها، وقد نص الشافعي ﵀ على هذا في " الأم " [١/٤٤] . وأما قوله: (يصب الماء على البول سبعة أضعافه) : فليس على سبيل التقدير، بل أراد على حكم الغالب، وأن البول لا يذهب برائحته ولونه إلا هذا القدر.
وإن بال في الأرض اثنان.. ففيه وجهان:
[الأول] : من أصحابنا من قال: يجب لبول كل واحد ذنوبٌ؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (وإن بال اثنان.. لم يطهره إلا ذنوبان) .
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يكفي فيه المكاثرة، على ما ذكرناه؛ لأن ذلك يؤدي إلى التناقض، بأن يطهر البول الكثير من واحد بذنوب، وما دون ذلك من اثنين لا يطهر إلا بذنوبين. وكلام الشافعي محمول على حكم الغالب في العادة، وأن بول الواحد لا يغمره إلا ذنوبٌ، وبول الاثنين لا يغمره إلا ذنوبان.
وإن أصابت الأرض نجاسةٌ مستحسةٌ، كالعذرة، والسرجين، ولحم الميتة، وفي أحدهما رطوبةٌ.. فتطهير الأرض يحصل بأن تزال عنها الأعيان النجسة، ثم يطهر موضعها، إما بأن يقلع التراب الذي بلغت إليه رطوبة النجاسة، أو بأن يغسل على ما ذكرناه في الذائبة.
وإن طين على النجاسة بطينٍ طاهرٍ، أو بترابٍ طاهر، وصلى فوق ذلك.. صح مع الكراهة، كالمقبرة التي لم تنبش.
وإن اختلطت العذرة بالتراب، ولم تتميز.. فإنها لا تطهر بصب الماء عليها؛ لأن أعيان النجاسة لا تطهر بالماء، وإنما تطهر بأن يزال ذلك التراب الذي بلغت إليه رطوبة
стр. 436
العذرةِ. أو بأن يطرح عليها ما يغطيها من التراب أو الطين، فإذا صلى فوقها.. كره، وصحت صلاته، كالمقبرة التي لم تنبش.
[فرع: مكاثرة النجاسة بالماء]
] : وإن كانت النجاسة على الأرض، فكاثرها بالماء.. فهل يحكم بطهارتها قبل أن ينشفها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحكم بطهارتها؛ لأن الطهارة تتعلق بالمكاثرة، وقد وجدت.
والثاني: لا يحكم بطهارتها حتى تنشف؛ لأنه لا يتحقق ذهاب النجاسة إلا بذلكٍ. والأول أصحُ. وإن كانت على ثوبٍ، فكاثرها بالماء.. فهل يحكم بطهارته قبل العصر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحكم بطهارته، كالأرض إذا كوثرت.
والثاني: لا يحكم بطهارته حتى يعصر؛ لأن العصر ممكن فيه، بخلاف الأرض. والأول أصح. وإن كانت النجاسة في إناء، فصب عليها ماء غمر النجاسة.. فهل يحكم بطهارته قبل أن يصب ما فيه؟ أو كان في الإناء شيءٌ، وفيه نجاسةٌ.. فهل تجزيء فيه المكاثرة قبل إراقة ما فيه؟ على وجهين:
أحدهما: يحكم بطهارته قبل إراقة ما كاثره به، وتجزئ فيه المكاثرة قبل إراقة ما فيه، كالأرض النجسة إذا كاثرها بالماء.
والثاني: لا يحكم بطهارته قبل الصب والإراقة؛ لقوله ﷺ في الكلب يلغ في
стр. 437
الإناء: «فليهرقه، ثم ليغسله سبع مراتٍ» . ولأنه يمكن إراقة ما في الإناء، فلم يحكم بطهارته قبل ذلك. والأول أصح.
[فرع: التلوث بنجاسة الخمر]
] : وإن كانت النجاسة خمرًا، فغسل ما أصابته، وبقي لونها.. لم يحكم بطهارة ما أصابته؛ لأن بقاء اللون يدل على بقاء عين الخمر.
وإن ذهب لونها، وبقي ريحها.. ففيه قولان ـ قال صاحب " العدة ": وقاس أصحابنا بول المبرسم على الخمر إذا بقي ريحه؛ لأن له رائحةً كريهةً ـ:
أحدهما: لا يحكم بطهارة الموضع؛ لأن بقاء الرائحة يدل على بقاء شيءٍ من عينها، فهو كما لو بقي اللون.
والثاني: يحكم بطهارته؛ لأن رائحته قد تعبق وإن لم يبق شيء من العين، بخلاف اللون.
فإن بقي ريح غير الخمر.. فسائر أصحابنا قالوا: لا يحكم بطهارة المحل، قولاً واحدًا.
وقال صاحب " الفروع "، و" التلخيص ": هي على قولين، كالخمر.
وإن أصاب الثوب دم الحيض، أو غيره من الدماء.. فالمستحب: أن يحته بعود أو عظم، ثم يقرصه بين إصبعيه، ثم يغسله؛ لما ذكرناه في حديث أسماء.
стр. 438
فإن غسله من غير قرصٍ ولا حتً.. أجزأه.
وقال أهل الظاهر: لا يجزئه.
دليلنا: أن المقصود غسله وإزالة عينه، وقد وجد.
فإن غسله، وبقي له أثر لم يزله الماء، ولا يزول إلا بالقطع.. عفي عنه، وكذلك الحكم في كل نجاسة غسلت، وبقي لها أثر لا يزول إلا بالقطع.. فإنه يعفى عنها.
وروي عن ابن عمر: (أنه كان يدعو بالجلم فيقطعه) .
دليلنا: قوله ﷺ لخولة بنت يسار: «الماء يكفيك، ولا يضرك أثره» .
وروي: أن معاذة العدوية سألت عائشة ﵂ عن ذلك؟ فقالت: «اغسليه بالماء، فإن لم يذهب فغيريه بالصفرة، ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيضٍ، ولا أغسل لي ثوبًا» .
وروي: أن عائشة ﵂ قالت: (كنا نغسل الثوب من دم الحيض، فيبقى لونه، فنلطخه بالحناء) .
وإن غمس الثوب النجس في إناء فيه ماءٌ دون القلتين.. نجس الماء، ولم يطهر الثوب فيه.
ومن أصحابنا من قال: إن قصد إلى إزالة النجاسة بذلك.. طهر الثوب.
стр. 439
والأول أصح؛ لأنه ماءٌ قليلٌ قد وردت عليه النجاسة، والقصد غير معتبر في إزالة النجاسة، ولهذا يطهر الثوب بغسل المجنون، وبماء المطر.
[فرع: غسل بعض الثوب النجس]
] : حكى الشيخ أبو حامدٍ، والمحاملي، وصاحب " الإفصاح ": أن أبا العباس ابن القاص قال: إذا كان الثوب كله نجسًا، فغسل نصفه، ثم عاد إلى ما بقي، فغسله.. فإنه لا يطهر حتى يغسله كله. قال: لأنه إذا غسل نصفه.. فالجزء الرطب الذي يلاصق الجزء اليابس النجس ينجس به؛ لأنه يلاصق ما هو نجسٌ، ثم الجزء الذي بعده ينجس بملاصقته الجزء الأول، ثم الذي بعده ينجس بملاصقته، حتى تنجس الأجزاء بعضها ببعض إلى آخر الثوب.
وقال الشيخ أبو حامدٍ: غلط أبو العباس، بل يطهر الثوب؛ لأن الجزء الذي يلاصق ذلك الجزء النجس من الثوب ينجس به؛ لأنه لاقى عين النجاسة. فأما الجزء الذي يلاصق ذلك الجزء: فإنه لا ينجس به؛ لأنه لاقى ما هو نجسٌ حكمًا لا عينًا، ألا ترى أن النبي ﷺ سئل عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال ﵊:
«إن كان جامدًا.. فألقوها وما حولها» .
فحكم ﵊ بنجاسة الجزء الذي يلاصق الفأرة من السمن، دون سائر الأجزاء، فعلم بهذا: أن الجزء الذي يلاصق عين النجاسة ينجس به، وما لاقى ذلك الجزء لا ينجس. ولو كان الحكم كما ذكر ابن القاصَ.. لوجب أن ينجس السمن كله.
وأما ابن الصباغ: فحكى: أن ابن القاص قال: إذا غسل نصفه في جفنةٍ، ثم عاد إلى ما بقي فغسله.. لم يطهر حتى يغسله كله. وحكى عن أبي العباس العلة التي حكاها عنه الشيخ أبو حامدٍ.
قال ابن الصباغ: والأمر على ما قاله أبو العباس، إلا أنه أخطأ في الدليل، بل الدليل على صحة ما ذهب إليه: أن الثوب إذا وضع نصفه في الجفنة، وصب عليه ماءٌ يغمره.. فلا بد أن يكون هذا الماء ملاقيًا لجزء مما يغسله من الثوب، وذلك الجزء
стр. 440
نجسٌ واردٌ على ماءٍ قليلٍ فينجسه، وإذا نجس الماء.. نجس الثوب.
والذي يتبين لي من هذا: أنهما مسألتان:
فإن غسل نصفه في جفنةٍ.. فالأمر على ما قاله ابن الصباغ.
وإن غسل نصفه بصب الماء عليه من غير جفنةٍ.. فكما قال الشيخ أبو حامدٍ.
[مسألة: طهارة المصقول]
] : إذا أصابت النجاسة الأشياء الصقيلة، كالمرآة والسكين، والسيف.. لم تطهر بالمسح، وإنما تطهر بالغسل.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: (تطهر بالمسح) .
دليلنا: أنه محلٌ نجسٌ، فلم يطهر بالمسح، كالثوب.
وإن بل خضابًا ببول أو خمرٍ أو دمٍ، وخضب به شعره أو بدنه، فغسله وبقي اللون.. فإن كان الباقي لون النجاسة.. لم يطهر.
وإن كان لون الخضاب.. فيه وجهان، حكاهما الشاشي.
قال: فإذا قلنا: إنه نجسٌ، وكان الخضاب في الشعر.. لم يلزمه حلقه. ويصلي، فإذا ذهب الخضاب.. أعاد الصلاة. وإن كان في بدنه، وكان لا يذهب، كالوشم، وخاف التلف من إزالته.. ففيه وجهان.
وإن سقى سكينًا بماءٍ نجسٍ ثم غسله.. طهر ظاهره. وهل يطهر باطنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يطهر إلا أن يسقيه مرةً ثانيةً بماءٍ طاهرٍ.
стр. 441
والثاني: يطهر بغسل ظاهره؛ لأن الماء هو المطهر دون النار.
وإن طبخ لحمًا بماءٍ نجسٍ.. صار ظاهره وباطنه نجسًا. وكيف يطهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يطهر بأن يغليه مرةً أخرى بماءٍ طاهرٍ.
والثاني: يكاثره، ثم يعصره، كالبساط.
وإن ابتلعت بهيمةٌ حباتٍ من طعامٍ، فألقتها.. فقد قال بعض أصحابنا: إن كانت بحيث إذا زرعت نبتت.. غسل ظاهرها. وإن كانت بحيث إذا زرعت لم تنبت.. لم تطهر. قال الشاشي: وهذا فيه نظرٌ بل هو بمنزلة ما طبخ بماءٍ نجسٍ.
[مسألة: النجاسة الذائبة إذا أصابت الأرض]
] : إذا أصابت الأرض نجاسةٌ ذائبةٌ، فطلعت عليها الشمس، وهبت عليها الريح حتى ذهب لونها وأثرها وريحها.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (تطهر) . وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف؛ لأن الأرض مع الشمس والريح يحيلان الشيء عن طبعه، فكان تأثيرها أكثر من تأثير الماء. ولأنها إذا جفت.. لم يبق شيء من النجاسة، أو يبقى الشيء القليل، فعفي عنه.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا تطهر) . وبه قال مالك، وهو الصحيح؛ لأنه محل نجسٌ، فلا يطهر بالشمس، كالثوب.
وأما إذا ذهب لون النجاسة وريحها بالظل.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: لا تطهر الأرض، قولاً واحدًا؛ لأنه ليس للظل قوة كقوة الشمس.
وقال الخراسانيون: إن قلنا: إن الأرض لا تطهر بالشمس.. فالظل أولى أن لا تطهر به.
وإن قلنا: تطهر بالشمس.. ففي الظل وجهان.
стр. 442
[فرع: حكم ضرب اللبن بتراب نجس]
] : إذا ضرب لبن من تراب فيه نجاسةٌ ذائبةٌ، مثل: البول، والخمر.. فإن اللبن نجسٌ. فإن أراد تطهيره قبل الطبخ، فإن كاثر ظاهره بالماء.. طهر ظاهره، ولا يطهر باطنه إلا بأن يفت، ثم يكاثره بالماء، أو يصب عليه من الماء ما يغمره ويتهرى في الماء.
وإن طبخ هذا اللبن، فإذا كاثر ظاهره بالماء.. طهر، فإن خرج البذاء من الجانب الآخر.. طهر باطنه أيضًا.
فإن خلط بطينه نجاسةً مستجسدةً مثل: السرجين، والعذرة، فما دام لبنًا لم يطبخ.. فإنه لا يطهر بالغسل؛ لأن الأعيان النجسة لا تطهر بالغسل.
فإن طبخ هذا اللبن.. فهل يطهر بذلك من غير غسل؟
المشهور من المذهب: أنه لا يطهر.
وخرج الخضري قولاً آخر: أنه يطهر قبل أن يغسل. وأخذه من أحد قولي الشافعي في الشمس إذا طلعت على الأرض التي أصابتها نجاسةٌ ذائبةٌ، وأذهبت لونها وأثرها وريحها.
فإذا قلنا: لا يطهر بالطبخ، فغسل ظاهر هذا اللبن.. فهل يحكم بطهارة ظاهره؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول القفال، وابن المرزبان، واختيار ابن الصباغ ـ: أنه يطهر؛ لأن النار أحرقت النجاسة، وإنما يبقى أثرها، فإذا مر عليها الماء.. طهرها.
стр. 443
والثاني ـ وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق ـ: أنه لا يطهر؛ لأن النار لا تطهر النجاسة عندنا.
فإذا قلنا: إنه طاهرٌ، وكسر موضعٌ منه.. فما ظهر بالكسر نجسٌ، فلا يطهر بالغسل، وتصحُ الصلاة على ما لم يكسر منه، ولكنها مكروهةٌ، كما لو صلى على مقبرة لم تنبش. ويكره أن يبنى به المسجد.
وإن حمله المصلي.. فهل تصح صلاته؟
فيه وجهان، كما لو حمل قارورة فيها نجاسةٌ، وقد سد رأسها بصفرٍ أو نحاسٍ.
[مسألة: حكم الخف الذي تصيبه النجاسة]
] : إذا أصاب أسفل الخف نجاسةٌ، فدلكه على الأرض، فأزال عينها وبقي أثرها، فإن كانت رطبةً.. لم يجز؛ لأنها تزول بالدلك في حال رطوبتها عن محلها إلى غيره من الخف.
وإن أصابت الخف وهي رطبةٌ، فجفت عليه، ثم دلكها عن الخف، فأزال عينها وبقي الأثر.. فإنه لا يحكم بطهارة الخف قولاً واحدًا. وهل يعفي عن ذلك الأثر؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يعفى عنه، وتصحُ صلاتهُ وهو لابسٌ لهُ) .
وبه قال أبو حنيفة؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد.. فلينظر نعليه: فإن كان فيهما خبثٌ.. فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما» . ولأنه موضع تتكرر فيه النجاسة، فأجزأ فيه المسح، كموضع الاستنجاء.
стр. 444
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يعفى عنه) . وهو الصحيح؛ لأنه ملبوسٌ نجسٌ، فلا يطهر إلا بالغسل، كالثوب. هذا ترتيب الشيخ أبي إسحاق.
وأما الشيخ أبو حامد، والمحاملي.. فقالا: إذا أصاب أسفل الخفَ نجاسةٌ، فدلكه بالأرض، حتى ذهبت عينها.. فهل تصح الصلاة به؟ فيه قولان:
الصحيح: لا تصحُ. ولم يفصلا.
والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق.
стр. 445
[كتاب الصلاة]
الصلاة في اللغة: عبارة عن الدعاء، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة: ١٠٣] ؛ أي: ادع لهم.
وقال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليكِ مثل الذي صليت فاغتمضي ... يومًا فإن لجنب المرء مضطجعا
يقول: عليكِ مثل الذي دعوت.
وأما في الشرع: فقد نقل هذا الاسم إلى أقوال وأفعال مخصوصة، وهي: التكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والتشهد، وغير ذلك. فإذا وردت الصلاة في الشرع.. فإنما تنصرف إلى الصلاة الشرعية دون اللغوية.
إذا ثبت هذا: فإن الصلاة واجبة، والأصل - في وجوبها -: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] [البقرة: ١١٠] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] [البينة: ٥] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] . وغير ذلك من الآيات.
стр. 446
وأما السنة: فما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . وغير ذلك من الأخبار.
وأجمعت الأمة على وجوب الصلاة.
إذا ثبت هذا: فإن أول ما افترض الله تعالى من الصلاة قيام نصف الليل، أو دونه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] [المزمل: ١ - ٤] . ثم نسخ ذلك، وخففه بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] [المزمل: ٢٠] . يريد: صلوا ما تيسر.
قال ابن عباس ﵄: (كان بين أول السورة وآخرها سنة، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس) . وقيل نسخ بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] [الإسراء: ٧٨] . واستقر الفرض على الصلوات الخمس ليلة الإسراء.
والدليل عليه: ما روي - في حديث المعراج -: أن النبي ﷺ قال: «فرض الله تعالى على أمتي خمسين صلاة، فلما لقيت موسى بن عمران ﵇.. فقال: ما فعل معك ربك؟ فقلت: فرض على أمتي خمسين صلاة، فقال: ارجع، فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعته، فنقصني خمسًا - وفي رواية: فوضع شطرها - فما زلت أتردد بين ربي وموسى، حتى جعلها خمس صلوات، فقال موسى: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقلت: أستحيي، فإذا النداء - من عند الله تعالى -: ألا إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشر أمثالها، هي خمس، وهن خمسون، ما يبدل القول لدي، وما أنا بظلام للعبيد» .
стр. 447
وروى عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «افترض الله تعالى على عباده خمس صلوات، فمن جاء بهن، فأحسن وضوءهن، وأتم ركوعهن وخضوعهن وخشوعهن ... كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن، وضيّع حقوقهن.. لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» .
وروي: «أن أعرابيًا دخل المسجد، وسأل عن الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : " خمس صلوات في اليوم والليلة ". فقال: هل علي غيرها؟ فقال: " لا، إلا أن تطوع» .
وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائر» .
[مسألة في شروط وجوب الصلاة]
] : ولا تجب الصلاة إلا على مسلم، بالغ، عاقل، طاهر.
فأما الكافر: فإن كان أصليًا. . فلا خلاف أنه مخاطب بالتوحيد. وهل هو مخاطب بالأعمال الشرعية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال أكثر أصحابنا: هو مخاطب بها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] [المدثر: ٤٢ - ٤٤] .
стр. 448
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] [فصلت: ٦ - ٧] .
فعلى هذا: يعاقبون على ترك ذلك في الآخرة، إذا ماتوا على الكفر، ولا خلاف أنهم لا يعاقبون على تركها في الدنيا، ولا يصح منهم فعلها قبل الإسلام.
والوجه الثاني - وهو اختيار الشيخ أبي حامد -: أنهم غير مخاطبين بذلك، ولا يأثمون بتركها؛ لأنهم لو كانوا مخاطبين بذلك. . لعوقبوا على تركها في الدنيا، ولصح منهم فعلها، ولوجب عليهم قضاؤها.
ومن الناس من قال: إنهم مخاطبون بالمنهيات، مثل: ترك الزنا، والقتل، وغير مخاطبين بالمأمورات.
وإذا أسلم الكافر. . لم يجب عليه قضاء ما تركه من الصلوات في حال الكفر، سواء قلنا: إنه مخاطب بفعلها، أو غير مخاطب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] [الأنفال: ٣٨] .
ولقوله ﷺ : «الإسلام يجب ما قبله» .
ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيرًا عن الإسلام.
стр. 449
وإن كان الكافر مرتدًا. . فإنه مخاطب بالصلاة؛ لأنه قد التزم ذلك بالإسلام، ولا تصح منه في حال الردة؛ لأن الردة تنافي الصلاة، فلم تصح معها.
فإذا أسلم. . وجب عليه قضاء ما تركه في حال الردة.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب) .
دليلنا: أنه قد التزم ذلك بالإسلام، فلم تسقط عنه بالردة، كحقوق الآدميين. وأما الصبي: فلا تجب عليه الصلاة؛ لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» .
إلا أنه يجب على الولي: أن يعلمه فرض الطهارة والصلاة؛ ليبلغ وهو يحسن ذلك. ويستحب للولي: أن يأمره بفعل الطهارة والصلاة إذا صار ابن سبع سنين وكان مميزًا، ويضربه على ترك ذلك إذا صار ابن عشر سنين؛ لقوله ﷺ : «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» . ولا يلزم الصبي ذلك.
стр. 450
وقال أحمد: (يلزمه ذلك) . وقال الطبري: وإليه أشار الشافعي ﵀ في بعض كتبه. وليس بشيء؛ لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» . فذكر فيه: «عن الصبي حتى يبلغ» .
[فرع زوال العقل بجنون]
] : ومن زال عقله بجنون، أو إغماء. . لم تجب عليه الصلاة؛ لقوله ﷺ : «وعن المجنون حتى يفيق» .
وإن شرب دواء ولم يكن الغالب منه ذهاب العقل، فزال عقله. . لم يجب عليه فرض الصلاة؛ لأنه زال عقله بسبب مباح، فهو كما لو زال بالجنون.
وإن أراد أن يتناول دواء فيه سم. . فقد قال الشافعي ﵀ في كتاب (الصلاة) : (إن غلب على ظنه، أنه يسلم منه. . جاز له تناوله، وإن غلب على ظنه أنه لا يسلم منه. . لم يجز له تناوله) .
وذكر في (الأطعمة) : (إذا كان الغالب منه السلامة. . هل له تناوله؟ فيه قولان) .
قال الشافعي: (وأقل زوال العقل: أن يكون مختلطًا، فيعزب عنه الشيء وإن قل، ثم يثوب إليه عقله) .
стр. 451
وإذا أفاق المجنون، أو المغمى عليه، أو من زال عقله بمباح. . لم يجب عليهم قضاء ما فاتهم من الصلوات، في حال زوال العقل.
وقال أبو حنيفة: (إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة، حتى دخلت الصلاة في حد التكرار.. سقط عنه فرض الصلاة. وإن أغمي عليه دون ذلك.. وجب عليه القضاء) .
وفي المجنون: عنه روايتان، المعروف عنه: أنه كمذهبنا.
دليلنا: أن كل معنى أسقط فرض الصلاة إذا دخل في حد التكرار. . أسقطها وإن لم يدخل في حد التكرار، كالجنون.
[فرع زوال العقل بسكر]
] : وإن شرب مسكرًا فزال عقله، أو شرب دواء من غير حاجة فزال عقله. . فإن فرض الخطاب بالصلاة متوجه عليه؛ لأنه مفرط فيما فعل، ولكن لا يصح منه فعل الصلاة؛ لأنه لا يمكنه ذلك؛ فإذا أفاق.. لزمه قضاء ما فاته في حال السكر؛ لأنه غير معذور بزوال عقله.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم " [١/٦٠] : (وأقل السكر: أن يغلب عليه؛ فيذهب عنه بعض ما لم يكن يذهب عنه) .
ولا يجب فرض الصلاة على الحائض والنفساء، وقد مضى ذلك في كتاب (الحيض) .
[فرع الجنون في حال الردة والسكر]
] : وإن سكر أو ارتد، ثم جن في حال سكره، أو في حال ردته. . وجب عليه القضاء.
وإن حاضت المرأة في حال الردة.. لم يجب عليها قضاء ما فاتها في حال الحيض.
стр. 452
والفرق بينهما: أن سقوط الصلاة عن المجنون للتخفيف، والمرتد والسكران ليسا من أهل التخفيف. وسقوط الصلاة عن الحائض عزيمة، والمرتد من أهل العزائم.
قال في " الإبانة " [ق \ ٥٧] : وكم القدر الذي يجب قضاؤه على المجنون في حال سكره من الصلوات؟ فيه وجهان:
أحدهما: قدر ما يدوم السكر.
والثاني: ما فاته في أيام جنونه.
وأما إذا جن في حال الردة. . فيلزمه إعادة جميع ما فاته في حال الجنون.
[مسألة في إتمام وإعادة ما صُلِّيَ قبل البلوغ]
قال الشافعي: (ولو دخل غلام في الصلاة، فلم يكملها، حتى استكمل خمس عشرة سنة.. أحببت أن يتم ويعيد، ولا يبين لي أن عليه الإعادة) .
واختلف أصحابنا فيها.
فقال أبو إسحاق: يلزمه أن يتم الصلاة؛ لأن صلاته صحيحة، وقد أدركه الوجوب وهو فيها، فلزمه إتمامها، كمن دخل في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه، ويستحب له أن يعيد؛ ليكون مؤديًا للصلاة في حال الكمال. وهذا: ظاهر نص الشافعي؛ لأن سقوط الإعادة عنه معلوم بقوله: (ولا يبين لي أن عليه الإعادة) .
وقوله: (أحببت أن يتم ويعيد) الاستحباب: عائد إلى الإعادة، مع وجوب الإتمام.
فعلى هذا: إذا صلى في أول الوقت، ثم بلغ في آخره. . لم تلزمه الإعادة، بل يستحب.
قال الشيخ أبو حامد: ورأيت في كتاب " الانتصار " لأبي العباس مثل قول أبي إسحاق.
وحُكِيَ عن أبي العباس: أنه قال: يستحب له الإتمام، وتلزمه الإعادة؛ لأن
стр. 453
ما صلى قبل البلوغ نفل، فاستحب له إتمامه. ويلزمه أن يعيد؛ لأنه لا يصح أداء الصلوات الواجبة إلا بعد البلوغ.
فعلى هذا: إذا صلى في أول الوقت، ثم بلغ في آخره. . لزمه أن يعيد.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إن بلغ وقد بقي من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الصلاة. . لزمه أن يعيد، وإن لم يبق في الوقت ما يتمكن فيه من فعل الصلاة. . لم يلزمه أن يعيد.
وهذا ليس بشيء؛ لأنه لو لزمته الإعادة إذا بقي من الوقت قدر الصلاة. . لكانت الإعادة لازمة له وإن لم يبق من الوقت إلا قدر ركعة. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا بلغ الصبي في حال الصلاة، أو بعد الصلاة. . لزمه أن يعيد) . وأصل الخلاف - بيننا وبينه -: يعود إلى أن للصبي صلاة شرعية أم لا؟
فعندنا: له صلاة شرعية.
وعنده: إنما يؤمر بالصلاة؛ ليتمرن على فعلها، وليست بصلاة شرعية.
دليلنا: قوله ﷺ : «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» .
فلولا أن ما يفعلونه عبادة.. لما أمر بضربهم عليها؛ ولأنها عبادة يرجع إلى شرطها في حال العذر، فجاز أن يعتد بفعلها في حال الصغر، كالطهارة.
[مسألة حكم تارك الصلاة]
مسألة: [حكم ترك الصلاة] : ومن وجبت عليه الصلاة، فلم يصل حتى خرج الوقت. . سئل: لم تركها؟ فإن قال: لأني أعتقد أنها غير واجبة علي. . نظرت:
فإن كان ناشئًا في بلد قاصية من المسلمين، أو أسلم ولم يختلط بالمسلمين. .
стр. 454
قيل له: هي واجبة عليك. وإن كان ممن تقدم إسلامه، وهو مخالط للمسلمين. . حكم بكفره؛ لأن وجوبها معلوم من دين النبي ﷺ بطريق يوجب العلم الضروري. ويجب قتله لذلك.
وإذا قتل. . كان ماله فيئًا للمسلمين، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ولا يدفن في مقابرهم.
وإن قال لما سئل عنها: نسيتها. . قيل له: اقضها، فإن قال: لا أستطيع. . قيل له: صل كيفما استطعت.
قال صاحب " الفروع ": وهل يتعين فعل القضاء في أول وقت التذكر، حتى يقتل إن أخره عن ذلك الوقت؟ فيه وجهان.
المذهب: أنه لا يتعين، ولا يقتل.
وإن قال: أنا أعتقد وجوبها، ولكني لا أصلي كسلاً وتهاونًا. . فهذا يجب قتله عندنا.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والمزني: (لا يقتل) .
فمنهم من يقول: (يحبس، حتى يصلي) .
ومنهم من يقول: يضرب، وهو اختيار المزني.
ومنهم من قال: لا يتعرض له؛ لأنها أمانة في عنقه.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [التوبة: ٥] . فأمر الله تعالى بدفع القتل عنهم بالتوبة، وإقامة الصلاة، فمن قال: إنه إذا تاب وآمن، ولم يصل، سقط عنه القتل. . فقد ترك أحد الشرطين في الكتاب.
стр. 455
وروي: أن النبي ﷺ قال: «من ترك الصلاة. . فقد برئت منه الذمة» .
وهذا يدل على: إباحة دمه.
وروي: أنه قال ﷺ : «نهيت عن قتل المصلين» فدل على: أنه لم ينه عن قتل غير المصلين.
ولأن الصلاة عبادة محضة، تجب لا بقوله، لا تدخلها النيابة ببدن ولا مال، فوجب: أن يقتل تاركها، كالشهادتين.
فقولنا: (عبادة محضة) احتراز من العدة.
وقولنا: (تجب لا بقوله) احتراز من الصلاة المنذورة.
وقولنا: (لا تدخلها النيابة ببدن) احتراز من الحج.
وقولنا: (ولا مال) احتراز من الزكاة، ومن الصوم؛ لأن الشيخ الهرم إذا عجز. . أفطر وفدى.
إذا ثبت هذا - أنه يقتل -: فمتى يقتل؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ:
أحدها - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه يقتل إذا ضاق الوقت عن الصلاة الرابعة، فيقتل بها لا بما مضى؛ لأنه إذا ترك ثلاث صلوات. . علم تهاونه بها، وإذا ترك دونها. . جاز أن يكون تركها لعذر، أو تأويل.
стр. 456
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الثانية، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأن الأولى مختلف في جواز تأخيرها، فإذا ترك الثانية. . علم أنه قد عزم على الترك مداومة.
والثالث: أنه يقتل إذا خرج وقت الأولى.
قال ابن الصباغ: وهذا ظاهر مذهب الشافعي ﵀.
ومتى وجب قتله. . فهل يجب استتابته ثلاثة أيام، أو في الحال؟ فيه قولان، كالمرتد:
فإذا قلنا: يجب استتابته ثلاثة أيام، فقتله قبل الثلاث. . أثم قاتله، ولا يجب ضمانه، كالمرتد.
وكيف يقتل؟
المنصوص: (أنه تحز رقبته) .
ومن أصحابنا من قال: لا تحز رقبته، بل يضرب بالخشب حتى يصلي، أو يموت.
فإذا قتل. . فإنه يقتل حدًا، كما يقتل الزاني المحصن، فيدفن في مقابر المسلمين، وترثه ورثته من المسلمين.
وقال صاحب " التلخيص ": يسوى عليه التراب بحيث لا يعلم أن هناك قبرًا؛ عقوبة له.
ولا يحكم بكفره في هذا القسم.
وقال أحمد، وإسحاق، وبعض أصحابنا: (يكفر بذلك) ؛ لقوله ﷺ :
«بين العبد والكفر ترك الصلاة، فمن تركها. . فقد كفر» .
стр. 457
ودليلنا: قوله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة كتبهن الله تعالى على عباده، فمن فعلهن. . كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن تركهن. لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» .
ولو كان كافرًا. . لم يغفر له؛ لأن الكافر لا يغفر له.
وأما الخبر: فمحمول على أنه يتعلق عليه بعض أحكام الكفر، وهو القتل، كقوله ﷺ : «قتال المسلم كفر» . قال الصيمري: ومن كذب النبي ﷺ ببعض ما جاء به، أو قال: أصلي الفرض قاعدًا مع القدرة على القيام، أو عريانًا مع السترة، أو أصلي بغير وضوء. . كفر بذلك.
وبالله التوفيق.
* * *
стр. 458
[باب المواقيت]
. الصلاة مؤقتة، والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] [النساء: ١٠٣] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] [الروم: ١٧ - ١٨] .
قال ابن عباس: (والمراد بالتسبيح - هاهنا -: الصلاة، والمراد بقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] : المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] : الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] : العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] : الظهر) .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] [الإسراء: ٧٨] .
فـ (الدلوك) : الزوال، و (غسق الليل) : الظلام. فتضمن ذلك: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. و (قرآن الفجر) : يعني الصبح.
[مسألة وقت الصلاة]
] : قال الشافعي ﵀: (والوقت للصلاة وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة) .
ولا خلاف بين أصحابنا أن (وقت المقام والرفاهية) : هو وقت المقيم المترفه، الذي ليس بممطور؛ لأن (المقام) - بضم الميم -: من الإقامة، و - بفتحها -: هو الموضع الذي يقام فيه.
стр. 459
و (الرفاهية) : هي الخفض والدعة.
وأما وقت العذر والضرورة: فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: (وقت العذر) : هو وقت المسافرين، والممطورين في الحضر.
وأما (وقت الضرورة) : فهو وقت أهل الضرورات، وهم: الكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والحائض والنفساء إذا طهرتا.
فعلى قول هذا القائل: الوقت ثلاثة أوقات.
وذهب أبو إسحاق، وسائر أصحابنا إلى: أن وقت العذر والضرورة، هو وقت واحد، وهو وقت أهل الضرورات الذين ذكرناهم، وهو الأصح؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (والوقت وقتان) .
[مسألة في وقت الظهر]
] : قال الشافعي ﵀ في " الأم " [١/٦٢] : (إذا زالت الشمس. . فهو أول وقت الظهر والأذان) . وإنما بدأ الشافعي ﵀ بوقت الظهر؛ لـ: «أن جبريل ﵇ علم النبي ﷺ مواقيت الصلاة في يومين متواليين، عند باب البيت، فبدأ بصلاة الظهر» .
стр. 460
وقيل: إنها أول ما افترض الله من الصلوات.
والدليل على أن أول وقت الظهر يدخل بالزوال: ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ قال: «إن للصلاة أولا وآخرًا، فإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر» .
وروي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «أمني جبريل عند باب البيت مرتين: فصلى بي الظهر في المرة الأولى، حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك. وصلى بي الظهر في المرة الثانية، حين صار ظل كل شيء مثله» .
وهو إجماع لا خلاف فيه.
إذا ثبت هذا: فالزوال: هو زوال الشمس من الارتفاع إلى الانخفاض؛ لأن السماء
следующие страницы →