← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

فعلى هذا: إذا أوصى له بثلث ماله، ولا مال له وقت الوصية.. لم تصح له الوصية، وإن استفاد مالا بعد ذلك.. لم تتعلق به الوصية الأولى. وإن كان ثلثه عند الوصية ألفا، فصار عند الوفاة ألفين.. لم تصح الوصية إلا بالثلث، وهو عند الوصية ألف. وإن كان له مال عند الوصية، فهلك ذلك المال واستفاد مالا آخر.. لم تتعلق به الوصية الأولى. والوجه الثاني - وهو المذهب، وهو قول أهل العراق، قال الشيخ أبو حامد: وأظنه إجماعا -: أن الاعتبار بالمال وقت موت الموصي؛ لأن الوصية وعد في حياة الموصي لا حكم لها، وإنما تجب ويصير لها حكم بوفاته، فاعتبر المال وقت وجوبها، ولأنه لا خلاف أنه لو وصى بثلث ماله، وله مال فباعه، فإن الوصية تتعلق بالثمن، فلو كان الاعتبار بالمال وقت الوصية.. لبطلت هاهنا. فعلى هذا: إذا وصى بثلث ماله وكان له ألف، فصار عند الوفاة ألفين، أو كان له مال وقت الوصية فهلك واستفاد غيره.. تعلقت الوصية بجميع ماله الموجود عند موته. وإن وصى لرجل بثلث ماله، ولا مال له.. ففيه وجهان: أحدهما: تصح الوصية، فإن استفاد مالا بعد ذلك.. تعلقت به الوصية الأولى؛ لما ذكرناه. والثاني - حكاه ابن اللبان -: لا تصح الوصية حتى يكون له مال وإن قل؛ لتتوجه إليه الوصية. وهذا ليس بشيء. [مسألة وصية الصغير والسفيه بقربة] وهل تصح وصية الصبي المميز، والمحجور عليه للسفه، بما فيه قربة؟ فيه قولان:

стр. 3957

أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يصح تصرفه في ماله بالبيع والهبة، فلم تصح وصيته كغير المميز. والثاني: تصح؛ لأنه إنما منع من بيع ماله وهبته خوفا من إضاعته، وبالوصية لا يضيع ماله؛ لأنه إن عاش.. فالمال باق على ملكه، وإن مات.. فله حاجة إلى الثواب، والثواب يحصل له بالوصية. [مسألة فساد الوصية بما فيه معصية] ولا تصح الوصية بما لا قربة فيه، كالوصية لمن يرتد عن الدين، ويقطع الطريق. وكالوصية للكنائس، والبيع، والوصية بالسلاح لأهل الحرب؛ لأن ذلك إعانة على المعصية، والوصية إنما جعلت لاكتساب الحسنات. وإن وصى للحربي بغير السلاح.. فهل تصح وصيته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تصح. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنا مأمورون بقتله، فلا معنى للوصية له. والثاني: تصح. وهو المذهب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] [النساء: ١١] ولم يفرق، ولأن من صح تملكه بالبيع.. صحت الوصية له، كالمسلم. وتصح الوصية للذمي؛ لـ (أن صفية زوج النبي ﷺ وصت لأخيها بثلثها، ثلاثين ألفا، وكان ذميا يهوديا) .

стр. 3958

[فرع وصى ببيع فيه محاباة] وإن وصى ببيع عين من رجل بمحاباة.. صحت الوصية؛ لأن في ذلك نفعا للموصى له. وإن وصى أن تباع إليه من غير محاباة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تصح الوصية؛ لأنه لا منفعة للموصى له في البيع إليه من غير محاباة. والثاني: تصح الوصية؛ لأنه قصد تخصيصه بملك المبيع. [مسألة الوصية للقاتل] وإن وصى لقاتله.. فهل تصح؟ فيه قولان: أحدهما: لا تصح. وبه قال أبو حنيفة؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يقاد والد بولده، وليس للقاتل شيء» . وهذا عام، ولأنه مال مستحق بالموت، فلم يستحقه القاتل، كالميراث. وفيه احتراز من الدين الثابت له عليه.

стр. 3959

والثاني: تصح الوصية. وبه قال مالك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] [النساء: ١٢] ولم يفرق، ولأنه تمليك يفتقر إلى القبول، فلم يمنع القتل منه، كالبيع. وفيه احتراز من الميراث. قال المسعودي [في " الإبانة "] : واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا وصى رجل لرجل، ثم قتل الموصى له الموصي. فأما إذا جرح رجل رجلا، ثم أوصى المجروح للجارح، ثم مات المجروح.. فيصح قولا واحدا. ومنهم من قال: القولان في الحالين، وهو قول الشيخ أبي حامد، وهو المشهور. [فرع قتل أم ولد مولاها] وإن قتلت أم ولد مولاها.. عتقت بموته؛ لأن عتقها ليس بوصية. وإن قتل المدبر مولاه: فإن قلنا: إن التدبير عتق بصفة.. عتق المدبر. وإن قلنا: إنه وصية.. كان في عتقه القولان في الوصية للقاتل. وإن كان لرجل على آخر دين مؤجل، فقتل من له الدين من عليه الدين قبل حلوله.. حل الدين؛ لأن حلوله حظ لمن عليه الدين؛ لإبراء ذمته. [مسألة الوصية ممن يملك] ] : ولا تصح الوصية لمن لا يملك، فإن وصى لميت.. لم تصح الوصية، سواء ظنه حيا، أو علمه ميتا. وبه قال أبو حنيفة.

стр. 3960

وقال مالك: (إن ظنه حيا فبان أنه ميت.. بطلت الوصية. وإن علمه ميتا.. صحت الوصية، وتكون لوارثه) . دليلنا: أنه تمليك، فلم تصح للميت، كالهبة، ولأنها وصية لميت، فلم تصح، كما لو ظنه حيا. [فرع الوصية لحمل امرأة] ] : وإن وصى لحمل امرأة وكان موجودا حال الوصية.. صحت؛ لأن الوصية أوسع من الميراث، بدليل: أن كل من ورث المال صحت الوصية له، وقد تصح الوصية لمن لا يرث، وهو العبد. والحمل ممن يرث، فصحت له الوصية، ولأن أكثر ما في الحمل الغرر والجهالة به، وذلك لا يؤثر في الوصية. إذا ثبت هذا: فإن خرج الحمل ميتا.. لم تصح الوصية؛ لأنا لا نتيقن حياته عند الوصية. وإن خرج حيا: فإن وضعته لدون ستة أشهر من حين الوصية.. صحت الوصية، سواء كانت فراشا لزوج أو لسيد، أو لم تكن فراشا؛ لأنا نتيقن وجوده حين الوصية. وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الوصية.. لم تصح الوصية، سواء كانت فراشا أو لم تكن؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الوصية وإن وضعته لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من حين الوصية: فإن كانت فراشا لزوج أو سيد أقر بوطئها.. لم تصح له الوصية؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الوصية، بل يجوز حدوثه بعد الوصية. وإن كانت غير فراش.. فنقل البغداديون من أصحابنا: أن الوصية تصح له؛ لأنا نحكم بوجوده حال الوصية، بدليل: أنه يلحق بالزوج. ونقل المسعودي [في " الإبانة "] في ذلك قولين: أحدهما: تصح الوصية له؛ لما ذكرناه.

стр. 3961

والثاني: لا تصح الوصية؛ لأن النسب يثبت بالاحتمال، والوصية لا تثبت بالاحتمال. وإن وصى لما تحمل هذه المرأة.. ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو إسحاق: تصح الوصية له وإن كان معدوما حال الوصية. فعلى هذا: إذا حملت بعد الوصية له.. صحت الوصية؛ لأن الموصي لم يعتبر وجوده، بخلاف الأولى. و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: لا تصح الوصية له؛ لأن الوصية لا تصح لمعدوم. وإن قال: وصيت بثلثي لحمل هذه المرأة من فلان.. لم تصح الوصية له إلا بشرطين: أحدهما: وجوده حال الوصية على ما مضى والثاني: ثبوت نسبه من أبيه المذكور. فإن أتت بولد يلحق ذلك الرجل بالإمكان، ونتيقن وجوده حال الوصية، فنفاه ذلك الرجل باللعان.. ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو العباس: ينتفي عنه، ولا تبطل الوصية له؛ لأن النفي حكم يتعلق بين الولد والوالد، فلم يتعلق به حكم آخر، بدليل: أن المرأة تعتد بوضعه. والثاني - وهو قول عامة أصحابنا -: أن الوصية لا تصح؛ لأن الوصية له تثبت بشرطين: وجوده حال الوصية، وثبوت نسبه من ذلك الرجل. وباللعان سقط نسبه عنه، فلم تصح له الوصية. [فرع الوصية للحمل تشمل الجنسين] وكل موضع صححنا الوصية فيه للحمل: فإن ولدت ذكرا أو أنثى.. أعطي ذلك كله. وإن ولدت ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى.. صرف إليهما بالسوية؛ لأنها عطية فلم يفضل الذكر فيها على الأنثى، كما لو وهب لهما. وهكذا: إن ولدت ذكرا وأنثى

стр. 3962

وخنثى.. صرفت الوصية إليهم أثلاثا؛ لما ذكرناه. وإن قال: إن ولدت هذه المرأة ذكرا فله ألف، وإن ولدت أنثى فلها مائة: فإن ولدت ذكرا.. كان له ألف، وإن ولدت أنثى.. كان لها مائة. وإن ولدت خنثى.. استحق المائة؛ لأنه يقين، ووقف ما زاد على المائة إلى الألف. فإن تبين أنه امرأة.. لم يستحقه، وإن تبين أنه رجل.. استحقه. وإن ولدت ذكرا وأنثى.. استحق الذكر الألف، والأنثى المائة. وإن ولدت ذكرين أو أنثيين.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذكرين يشتركان في الألف، والأنثيين تشتركان في المائة؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر. والثاني: أن الوصي يدفع الألف إلى من شاء من الذكرين، والمائة إلى من شاء من الأنثيين؛ لأنه جعله لأحدهما، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فخير بينهما. والثالث: يوقف الألف بين الذكرين، والمائة بين الأنثيين إلى أن يصطلحا؛ لأنه لا يجوز أن يجعل لأحدهما بعينه؛ لأنه لا يتعين، ولا يجوز أن يجعل بينهما؛ لأن الموصي جعله لأحدهما، ولا يجوز أن يختار الوصي أحدهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فلم يبق إلا أن يوقف بينهما إلى أن يصطلحا. وإن ولدت ذكرا وأنثى وخنثى: فإن قلنا في التي قبلها بالاشتراك.. لم يمكن أن يشارك الخنثى الذكر؛ لجواز أن تكون امرأة. ولا يجوز أن يشارك الأنثى؛ لجواز أن يكون رجلا. قال القاضي أبو الفتوح: فيحتمل أن يقال هاهنا بالوقف، ويحتمل أن يقال: يعطى الذكر الألف والأنثى المائة، ولا يعطى الخنثى شيئا. وإن قلنا بالتي قبلها: أن الوصي بالخيار.. فلا يمكن أن يعطي الخنثى الألف ولا المائة؛ لأنه لا يتيقن حاله ولكن يدفع الألف إلى الذكر والمائة إلى الأنثى.

стр. 3963

وإن قلنا بالتي قبلها بالوقف.. وقف الألف والمائة بينهم إلى أن نتبين حال الخنثى، فإن بان امرأة.. دفع الألف إلى الذكر، ووقف المائة بين الأنثيين إلى أن يصطلحا عليها. وإن بان أنه رجل.. دفعت المائة إلى الأنثى، ووقف الألف بين الذكرين إلى أن يصطلحا عليه. [فرع قدر الوصية لنوع المولود] وإن قال لامرأة: إن كان حملك ذكرا.. فله ألف، وإن كان أنثى.. فلها مائة. أو قال: إن كان ما في بطنك ذكرا، أو إن كان الذي في بطنك ذكرا فله ألف، وإن كان أنثى.. فلها مائة: فإن ولدت ذكرا.. كان له ألف. وإن ولدت أنثى.. كان لها مائة. وإن ولدت خنثى.. ففيه وجهان، خرجهما القاضي: أحدهما: له المائة؛ لأنها يقين. والثاني: لا شيء له؛ لأنه ليس بذكر ولا أنثى. وإن ولدت ذكرا وأنثى، أو ذكرين، أو أنثيين، أو ذكرا وخنثى، أو أنثى وخنثى، أو خنثيين.. لم يستحق واحد منهما في هذه المسائل شيئا؛ لأنه شرط أن يكون جميع حملها، أو جميع ما في بطنها ذكرا أو أنثى، ولم يوجد ذلك. [مسألة الوصية لأحد شخصين] وإن قال: وصيت بهذا لأحد هذين الرجلين.. لم يصح؛ لأنه تمليك لغير معين. وإن قال: أعطوا هذا العبد لأحد هذين الرجلين.. صح؛ لأنه ليس بتمليك، وإنما هو وصية بالتمليك. ولهذا لو قال: بعت عبدي هذا من أحد هذين الرجلين.. لم يصح البيع. ولو قال لوكيله: بع عبدي هذا من أحد هذين الرجلين.. صح التوكيل.

стр. 3964

[مسألة الوصية لعبد غير وارثه] ] : وإن وصى لعبد غير وارثه.. صحت الوصية؛ لأن ذلك وصية لسيده، إذ العبد لا يملك. إذا ثبت هذا: فلا يختلف المذهب أن قبول العبد يصح؛ لأن الإيجاب له، والعقد مضاف إليه، فكان القبول إليه، كالوكيل في الشراء. وهل يصح قبوله بغير إذن سيده؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح من غير إذن سيده؛ لأن منافعه مستحقة للسيد بكل حال، فلا يملك التصرف فيها بغير إذن السيد، كالشراء. والثاني: يصح، وهو المذهب؛ لأنه اكتساب بغير عوض، فصح منه بغير إذن السيد، كالاصطياد. وإن قبل السيد الوصية.. فهل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الإيجاب للعبد، فلا يصح القبول من غيره، كالبيع. والثاني: يصح؛ لأن الملك له، فصح القبول منه. ويخالف البيع، فإن القبول فيه لا يصح من غير الموجب له، وفي الوصية يصح القبول من غير الموجب لها، وهو إذا مات الموصى له قبل القبول.. فإن وارثه يقبل الوصية. [فرع الوصية لعبد وارثه أو مكاتبه أو أم ولده] وإن وصى لعبد نفسه، أو لعبد وارثه.. فهو كما لو وصى لوارثه؛ لأن الملك لسيده. وإن وصى لمكاتبه، أو لمكاتب وارثه.. صحت الوصية؛ لأنه يملك المال ولا سبيل للوارث عليه، وإنما يستحق المال في ذمته، وذلك لا يمنع صحة الوصية له، كما لو وصى لرجل في ذمته دين لوارثه.

стр. 3965

وإن وصى لأم ولده.. صحت الوصية؛ لأنها وقت وجوب الوصية حرة لا ملك لأحد عليها. وإن وصى لمدبره.. صحت الوصية، كما قلنا في أم الولد، فإن خرج من الثلث.. عتق كله وملك الوصية. وإن خرج بعض العبد من الثلث.. عتق منه قدر ذلك، وملك من الوصية بقدر ما عتق منه. [مسألة الوصية] بالمجهول بالمجهول] : وتصح الوصية بالمجهول، كالوصية بالحمل في البطن واللبن في الضرع. وتصح إذا كانت غير معينة، كعبد من عبيد، وبما لا يقدر على تسليمه، كالطير في الهواء، والعبد الآبق؛ لأن الموصى له يخلف الميت في ثلث تركته كما يخلفه الوارث في ثلثيها، فلما خلفه الوارث في هذه الأشياء.. خلفه الموصى له فيها. وتصح الوصية بما ينتفع به من النجاسات، كالكلب والدمن وجلد الميتة؛ لأن الوارث يرث عنه هذه الأشياء، فكذلك الموصى له. وتصح الوصية بالميتة؛ لأن فيها منفعة مباحة، بأن يطعمها كلابه أو بزاته أو يأكلها عند الضرورة، فصحت الوصية بها، كالدمن. ولا تصح الوصية بالخمر والخنزير والكلب العقور؛ لأنه لا يحل الانتفاع بها. وهل تصح الوصية بالمعدوم، كالوصية بمن تحمل هذه الجارية، وبما تحمله هذه الشجرة؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الاعتبار بالمال وقت الوصية.. لم تصح الوصية بها. و [الثاني] : المذهب أن الوصية تصح بذلك، وجها واحدا؛ لأن الجهالة لا تؤثر في الوصية.

стр. 3966

وأما إذا أوصى له بحمل هذه الجارية.. فإنه يعتبر أن يكون الحمل موجودا وقت الوصية، كما قلنا في الوصية للحمل على ما مضى. [فرع الوصية بالمنافع] وتصح الوصية بالمنافع التي تستباح بالإجارة والإباحة، كسكنى الدار وخدمة العبد وثمرة البستان وما أشبهه. وهو قول كافة العلماء. وقال ابن أبي ليلى: لا يصح. دليلنا: أن هذه المنافع تصح المعاوضة عليها؛ لأن منافع العبيد والدور تملك بالإجارة، وثمرة الشجرة تملك بالمساقاة عليها. وما ملك بالمعاوضة عليه.. صحت الوصية به، كالأعيان. وتصح الوصية بالمنفعة لرجل، وبالعين لآخر؛ لأن المنفعة والعين كالعينين، فجاز العقد على كل واحد منهما. إذا ثبت هذا: فتصح الوصية بمنفعة مقدرة، وبمنفعة مؤبدة؛ لأن الوصية تصح بالمعلوم والمجهول. [فرع وصى له بشيء من ريع ثم وقف المورد] وإن وصى رجل لرجل بدينار من غلة داره في كل سنة، وخرجت الدار من الثلث ووقفت الدار.. فلا يجوز للورثة بيعها؛ لأن ذلك يسقط حق الموصى له من غلتها، فلم يجز بيعها، كالمرهون، فيدفع إلى الموصى له من غلتها كل سنة دينار. فإن بقي من غلتها شيء بعد الدينار.. دفع ذلك إلى الورثة. وإن لم يبق لهم شيء.. فلا شيء لهم. وإن لم تف غلة الدار كل سنة بدينار. فلا شيء للموصى له غير ما جاء من غلتها. وإن كانت الدار تغل كل سنة دنانير كثيرة، فقال الورثة: نحن نبيع منها قدر ما تزيد غلته على الدينار ونبقي منه ما يغل دينارا.. لم يكن لهم ذلك؛ لأنه ربما نقص كراء الباقي عن الدينار.

стр. 3967

[مسألة تعليق الموصي على شرط في حياته] ] : يجوز تعليق الوصية على شرط في حياة الموصي، بأن يقول: إن حج فلان في حياتي، أو قدم في حياتي.. فقد أوصيت له بكذا؛ لأن الوصية تصح في المجهول، فصح تعليقها على شرط، كالطلاق والعتاق. ويصح تعليقها على شرط بعد موت الموصي، بأن يقول: إن حج فلان بعد موتي، أو تعلم القرآن وما أشبهه.. فقد أوصيت له بكذا؛ لأن ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة، فإذا جاز تعليق الوصية، على شرط في حالة الحياة.. جاز بعد الموت. وإن قال: إذا ملكت عبد فلان.. فقد أوصيت به لفلان، فملكه.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي يعقوب الأبيوردي، وأبي حنيفة -: (أن الوصية صحيحة؛ لأن الجهالة والغرر لا تؤثر في الوصية) . والثاني - حكاه الطبري في " العدة " -: أنه لا تصح الوصية. [مسألة إيجاب قول الموصي في الوصية] ولا تصح الوصية إلا بإيجاب من الموصي. قال المسعودي [في " الإبانة "] : والإيجاب كل ما يدل على التمليك والعطية، بأن يقول: أوصيت لفلان بكذا، أو أعطوا فلانا كذا، أو لفلان كذا، وما أشبهه. وأما القبول: فإن كانت الوصية لغير معين، كالوصية للفقراء والمساكين.. لزمت بالموت؛ لأنه لا يمكن اعتبار القبول منهم. وإن كانت الوصية لمعين، كالوصية لرجل مسمى أو لقوم محصورين.. فلا بد من القبول من الموصى له.

стр. 3968

هل القبول شرط في الملك؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال عامة أصحابنا: هو شرط في الملك على ما سيأتي بيانه؛ لأنه تمليك لعين، فلم تصح من غير قبول، كالبيع والهبة. و [الثاني] : قال ابن الصباغ: ينبغي أن يقال: إن القبول في الوصية ليس بشرط في صحة الملك، وإنما يتبين به اختياره للملك حال الموت، فتبين حصول الملك باختياره. ولا يصح القبول إلا بعد موت الموصي؛ لأن إيجاب الوصية بعد الموت، فكان القبول بعده. وإذا قبل الموصى له الوصية بعد الموت.. حكم له بالملك. ومتى يملك؟ فيه قولان مشهوران: أحدهما: أن الملك حصل له بشرطين: الموت والقبول. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه تمليك عين لمعين، فلم يقع الملك فيه قبل القبول، كالهبة. فقولنا: (تمليك) احتراز من الميراث. وقولنا: (عين) احتراز من الوقف. وقولنا: (لمعين) احتراز من الوصية للفقراء والمساكين. والقول الثاني: أن الملك موقوف. فإن قبل الموصى له.. تبينا أنه ملك بالموت. وإن لم يقبل.. تبينا أنه لم يملك، وأن الملك بعد الموت كان للورثة، وهو الصحيح؛ لأن الموصى به بعد موت الموصي لا يخلو: إما أن يقال: إنه ملك للميت، أو يقال: إنه دخل في ملك الورثة، أو يقال: إنه قد ملكه الموصى له، أو يقال: إنه مراعى، فبطل أن يقال: إنه ملك للميت؛ لأنه جماد لا يملك. وبطل أن يقال: إنه ملك للورثة؛ لأنهم لا يملكون إلا بعد الدين والوصية، ولأنه خلاف الإجماع. وبطل أن يقال: إنه قد دخل في ملك الموصى له؛ لأنه لو ملكه.. لما صح رده له، كالميراث.

стр. 3969

فإذا بطلت هذه الأقسام.. ثبت أنه مراعى. وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي قولا ثالثا - ليس بمشهور -: (أن الموصى له يملكه بنفس الموت؛ لأنه مال مستحق بالموت، فانتقل إليه بالموت، كالميراث) . [فرع رد الموصى له الوصية] وإن رد الموصى له الوصية.. ففيه أربع مسائل: إحداهن: إذا ردها في حياة الموصي.. فلا يصح هذا الرد؛ لأنه لا حق له في هذه الحال، بدليل أنه لا يصح قبوله للوصية، فلم يصح رده، كالشفيع إذا عفا عن الشفعة قبل البيع. الثانية: إذا رد بعد موت الموصي، وقبل القبول.. فيصح الرد؛ لأنه وقت القبول، فصح منه الرد، كالشفيع إذا عفا عن الشفعة بعد البيع. الثالثة: إذا قبل الوصية وقبضها، ثم ردها.. فلا يصح الرد؛ لأنه قد ملك الموصى به، واستقر ملكه عليه. فإن أراد أن يملكه الورثة.. افتقر إلى لفظ التمليك أو الهبة بشروطها. الرابعة: إذا رد بعد القبول وقبل القبض.. فهل يصح الرد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح الرد؛ لأنه قد ملك الموصى به إما بالقبول أو بالموت، فلم يصح رده؛ كما لو وهبه عينا وقبلها وقبضها بإذنه، ثم ردها. والثاني: يصح رده، وهو المنصوص عليه؛ لأن ملكه لم يستقر عليها بالقبض، فصح الرد. وإن كان القبض غير معتبر، كما لو وقف وقفا على رجل.. فإن القبول فيه غير معتبر. ثم لو رد الموقوف عليه الوقف.. لبطل الوقف عليه. فكذلك هذا مثله.

стр. 3970

[فرع الرجوع في قبول الوصية] قال في " الأم ": (إذا رد الموصى له الوصية، ثم بدا له غير ذلك، وقال: أريد أن أرجع فيها؛ لأن الوارث لم يقبضها.. لم يكن للموصى له ذلك؛ لأن الموصى له لما ملك الموصى به وإن لم يقبضه بالوصية.. ملكه الوارث برد الموصى له، وإن لم يقبضه الوارث) . [فرع رد الوصية إلى وارث] قال في " الأم ": (إذا أوصى لرجل بوصية، ثم قال الموصى له بعد موت الموصي: رددت الوصية لفلان، وسمى واحدا من الورثة.. رجع إلى الموصى له، وقيل له: ما أردت بقولك: لفلان، فإن قال: أردت أني رددت الوصية إلى جميع الورثة لأجل ذلك المسمى.. عادت إلى جميع الورثة، وكان المسمى كغيره، وإن قال: إني أردت بذلك أني جعلتها للمسمى خاصة.. اختص المسمى بملكها دون سائر الورثة) . وإن لم يقبل الموصى له الوصية، ولم يرد.. كان للورثة مطالبته بالقبول أو الرد. فإن امتنع من القبول. حكم عليه الحاكم بالرد؛ لأن الملك متردد بينه وبين الورثة، فهو كما لو تحجر مواتا وامتنع عن إحيائه. [فرع موت الموصي لحمل] إذا أوصى رجل لحمل امرأة بشيء، فمات الموصي، ثم قبل أبو الحمل الوصية له قبل الانفصال.. فهل يصح هذا القبول؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال القفال: لا يصح القبول قبل الولادة؛ لأنه قبله في وقت لا يدري، هل الحمل موجود أم لا؟ وقد قال ابن سريج: لا يصح الأخذ بالشفعة للحمل إلا بعد الولادة.

стр. 3971

وقال الشيخ أبو زيد: فيه وجهان بناء على القولين في الحمل: هل له حكم أم لا؟ فإن قلنا: له حكم.. صح القبول له. وإن قلنا: لا حكم له.. لم يصح القبول له إلا بعد الوضع. قال: وكذلك الشفعة له، على هذين الوجهين. [مسألة موت الموصى له قبل الموصي] وإن أوصى لرجل بوصية فمات الموصى له قبل موت الموصي.. بطلت الوصية؛ لأنه مات قبل استحقاق الوصية. وإن مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول والرد.. فإن وارث الموصى له يقوم مقامه في القبول والرد. وقال أبو حنيفة: (تبطل الوصية) . دليلنا: أنه خيار ثابت في تملك المال، فقام الوارث مقامه، كخيار الشفعة. فقولنا: (ثابت) احتراز من الموصى له إذا رد الوصية قبل موته. وقولنا: (في تملك المال) احتراز ممن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، فمات قبل أن يختار. فإن رد الوارث الوصية.. كانت ملكا لورثة الموصي. وإن قبلها الوارث.. فهل يقضي منها دين الموصى له وينفذ منها وصاياه؟ إن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. قضي منها دين الموصى له، ونفذت منها وصاياه؟ إن قلنا: لا تملك إلا بالقبول.. ففيه وجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب: أحدهما: لا يقضى منها دين الموصى له، ولا تنفذ منها وصيته؛ لأن الوارث ملكها بقبوله من جهة الموصي.

стр. 3972

والثاني: يقضى منها دين الموصى له وتنفذ منها وصيته؛ لأن الوارث ملكها بما ورثه عن الموصى له من القبول، فصار كالمملوك من تركته. [مسألة وصية مالك الأمة بها لزوجها] وإذا تزوج حر بأمة لغيره، فأوصى مالك الأمة بها لزوجها، ثم مات الموصي، فإن رد الموصى له الوصية.. بقيت الأمة على ملك ورثة الموصي، والزوجية باقية.. وإن قبل الزوج الوصية.. ملك زوجته، وانفسخ النكاح؛ لأن حكم النكاح والملك يتنافيان، فثبت الأقوى وهو الملك، وسقط الأضعف وهو النكاح. ومتى يحكم بانفساخ النكاح؟ يبنى ذلك على وقت ملك الموصى له الموصى به بعد القبول. وقد مضى. ثم ينظر في الجارية: فإن كانت حائلا.. فلا كلام. وإن كانت حاملا فولدت.. فلا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تضعه قبل موت الموصي، أو بعد موته وقبل قبول الموصى له، أو بعد موته وبعد قبول الموصى له. فالحالة الأولى: إذا وضعته في حياة الموصي.. نظرت: فإن وضعته لستة أشهر فما زاد من حين الوصية.. كان الولد ملكا للموصي ولورثته بعده؛ لأنا لا نحكم بوجوده حال الوصية. وإن وضعته لدون ستة أشهر من حين الوصية.. فإنا نحكم بوجوده حال الوصية: فإن قلنا: إن الحمل له حكم.. كان الولد موصى به مع الأم، ويملكه الموصى له مع الأم، ويعتق عليه، ولا تصير الجارية أم ولد له. وإن قلنا: لا حكم له.. كان الولد ملكا لورثة الموصي. الحالة الثانية: إذا وضعته بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له.. ففي هذا ثلاث مسائل:

стр. 3973

إحداهن: أن تكون حملت به بعد موت الموصي، بأن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين موت الموصي: فإن قلنا: إن الموصى له لا يملك الوصية إلا بالقبول.. فإن الولد هاهنا ملك لورثة الموصي. وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي، أو قلنا براوية ابن عبد الحكم.. فإن الولد حر الأصل؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه ولا ولاء عليه؛ لأنه لم يمسه الرق، والجارية أم ولد له؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه. المسألة الثانية: إذا حملت به قبل موت الموصي وبعد الوصية، مثل: أن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين الوصية، ولأقل من ستة أشهر من حين موت الموصي: فإن قلنا: للحمل حكم.. فإن الولد غير موصى به، بل كان ملكا للموصي في حياته، ولورثته بعده. وإن قلنا: لا حكم له، فإن قلنا: إن الموصى له لا يملك إلا بالقبول.. كان الولد ملكا لورثة الموصي. وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بالموت، أو قلنا برواية ابن عبد الحكم.. كان الولد ملكا للزوج، ويعتق عليه، ويثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنها علقت به وهو مملوك. المسألة الثالثة: إذا حملت به قبل الوصية، بأن تضعه لدون ستة أشهر من حين الوصية: فإن قلنا: للحمل حكم.. كان الولد موصى به؛ لأنه مع الأم كعين أخرى موصى بها. فإذا قبل الموصى له الوصية.. ملك الولد، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنها علقت منه بمملوك. وإن قلنا: لا حكم للحمل، فإن قلنا: إن الملك حصل بقبول الموصى له.. فالولد ملك لورثة الموصي. وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي، أو قلنا براوية ابن عبد الحكم.. فقد ملك الزوج الولد، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له.

стр. 3974

الحالة الثالثة: إذا وضعته بعد موت الموصي، وبعد قبول الموصى له.. ففيه أربع مسائل: إحداهن: أن تكون حملته بعد القبول، بأن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين القبول.. فإن الولد حر الأصل، ولا ولاء عليه، والأمة أم ولد للزوج؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه. الثانية: إذا حملته بعد موت الموصي وقبل القبول، بأن تضعه لستة أشهر فصاعدا من حين موت الموصي، ولدون ستة أشهر من وقت القبول. فإن قلنا: إن الملك للموصى له حصل بنفس القبول.. يثبت على القولين في الحمل: فإن قلنا: له حكم.. كان ذلك ملكا لورثة الموصي. وإن قلنا: لا حكم له.. كان ملكا للموصى له، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أو ولد له. وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي، أو قلنا برواية ابن عبد الحكم.. انعقد الولد حر الأصل، وصارت الجارية أم ولد للموصى له؛ لأنها علقت منه بحر في ملكه. الثالثة: إذا حملته بعد الوصية وقبل موت الموصي، مثل: أن تضعه لستة أشهر فصاعدا من وقت الوصية، ولأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي: فإن قلنا: للحمل حكم.. كان ذلك ملكا للموصي ولورثته بعده. وإن قلنا: لا حكم للحمل.. ملك الموصى له الولد بملك الأم، وعتق عليه، وثبت له عليه الولاء، ولا تصير الجارية أم ولد له. الرابعة: إذا حملته قبل الوصية، مثل: أن تضعه لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية.. فإن الولد يكون ملكا للموصى له بكل حال، ويعتق عليه، وله عليه الولاء؛ لأنا إن قلنا: للحمل حكم: فقد أوصى له بهما. وإن قلنا: لا حكم له.. اعتبر وقت انفصاله، وقد انفصل في ملكه. ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنها علقت منه بمملوك.

стр. 3975

[فرع موت الموصي ثم الموصى له قبل القبول] ) : فإن كانت المسألة بحالها، فمات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول والرد، وله وارث، إما ابن أو أخ أو غيرهما.. قام مقامه في القبول والرد. فإن رد الوارث الوصية.. كانت الجارية وأولادها ملكا لورثة الموصي. قال الشافعي: (وكرهت لهم ذلك؛ لأن الأولاد قد يعتقون ويثبت للأمة حكم الاستيلاد، وذلك يبطل برد الوارث) . وإن قبل الوارث الوصية.. بنيت على وقت ملك الموصى له: فإن قلنا: إنه يملك بنفس القبول.. ملك الوارث الجارية وأولادها، ولا يعتقون عليه، ولا يرث أولاد الجارية الموصى له؛ لأن وارث الموصى له ملك الجارية وأولادها بالموصى له لا من جهته؛ لأن الموصى له لم يملكهم. وإن قلنا: نتبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي.. تبينا أن الموصى له قد كان ملك الجارية وأولادها قبل موته، فيكون قبول وارث الموصى له كقبوله. فكل موضع قلنا في التي قبلها على هذا القول: إذا قبل الموصى له الوصية أن الجارية تكون ملكا للزوج وأولادها لورثة الموصي.. كان هاهنا مثله. وكل موضع قلنا: لو قبل الأب الوصية على هذا، وقلنا يكون أولاد الجارية أحرار الأصل.. فإنهم يكونون أحرار الأصل إذا قبل وارث الموصى له الوصية إلا أن الأولاد يرثون الأب إذا قبل، ويكونون أحرار الأصل. وأما إذا قبل وارث الموصى له، وحكمنا بأن الأولاد أحرار الأصل.. فهل يرثون الأب؟ اختلف أصحابنا فيهم: فقال الشيخ أبو حامد: لا يرثون؛ لأنا لو جعلنا أولاد الأمة من جملة الورثة..

стр. 3976

لوقف صحة قبول الوصية على جماعتهم، إذ قبول جملة الوصية لا تصح إلا من جميع الورثة، وهم عند القبول مماليك لا يصح قبولهم، فتبطل الوصية. وإذا بطلت الوصية.. سقط عتقهم، فيؤدي إثبات ميراثهم إلى نفيه، فثبت العتق وسقط الميراث. وقال ابن الصباغ: يرث أولاد الأمة، ويعتبر قبول من هو وارث في حال اعتبار القبول؛ لأن اعتبار القبول في حقهم يؤدي إلى إسقاطهم وإسقاط الميراث، فأسقطنا القبول وأثبتنا الميراث؛ لأنا لو لم نورثهم.. لأدي إلى إثبات ولد بلا ميراث. وقال القاضي أبو الطيب والمسعودي (في " الإبانة ") : إن كان الوارث القابل ممن يحجبه أولاد الأمة.. لم يرث أولاد الأمة. وإن كان ممن لا يحجبه أولاد الأمة.. فهل يرثون؟ فيه وجهان: أحدهما: يرثون؛ لأن توريثهم لا يؤدي إلى حجب الوارث القابل. والثاني: لا يرثون، وهو اختيار المسعودي (في " الإبانة ") ؛ لأن توريثهم يخرج القابل عن أن يكون جميع الورثة، ولا يصح القبول إلا من جميع الورثة. وقال الداركي: إن كان القبول ثبت للموصى له وهو مريض.. لم يرثه أولاد الأمة؛ لأن قبول وارث الموصى له يقوم مقام قبوله، ولو قبل هو لكان وصية ولم يرثه أولاد الأمة. وإن ثبت له القبول وهو صحيح.. ورثه أولاد الأمة؛ لأنه لو قبل الوصية في صحته.. لورثه الأولاد، فكذلك قبول ورثته يقوم مقام قبوله. [فرع وصى بأمة لمن له ابن منها فماتا] وإن وصى رجل لرجل بأمة، وللموصى له ابن منها حر يرثه، فمات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول والرد.. فإن ابن الموصى له من الجارية الموصى بها يقوم مقامه في القبول والرد.. فإن ردها.. بقيت على ملك ورثة الموصي. وإن قبلها، فإن احتملها الثلث.. عتقت على الابن؛ لأنا إن قلنا: أن الملك يحصل بالقبول.. فقد

стр. 3977

ملكها ابنها بقبوله. وأن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. فبقبول الابن نتبين أن أباه كان قد ملكها، ثم انتقلت منه إرثا إلى ابنه، فعتقت عليه. وإن لم يحتملها الثلث، فإن كان الابن معسرا.. عتق منها ما ملكه منها لا غير. وإن كان موسرا بقيمة باقيها: فإن قلنا: تملك الوصية بنفس القبول.. قوم باقيها على الابن. وإن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. فهل تقوم عليه؟ فيه وجهان: (أحدهما) : من أصحابنا من قال: لا تقوم عليه؛ لأنه ملك بعضها بالإرث من أبيه، ومن ملك بالإرث.. لم يقوم عليه، كما لو ورث بعض أمة. و (الثاني) : قال ابن الحداد: تقوم عليه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأنه ملك بعضها باختياره للقبول، فصار كما لو اشترى بعضها، بخلاف الإرث فإنه يدخل في ملكه بغير اختياره. [فرع الوصية للمبعض] وإن أوصى رجل لمن نصفه حر ونصفه مملوك لوارثه بثلث ماله: فإن لم يكن بين العبد وبين سيده مهايأة.. لم تصح الوصية؛ لأن تصحيحها يؤدي إلى أن تصح الوصية للوارث. وإن كان بينهما مهايأة: فإن قلنا: إن الأكساب النادرة لا تدخل في المهايأة.. لم تصح الوصية أيضا؛ لما ذكرناه. وإن قلنا: إنها تدخل: فإن قلنا: إن الوصية لا تملك إلا بنفس القبول.. نظر في اليوم الذي قبل فيه

стр. 3978

الموصى له الوصية، فإن كان يوم نفسه.. صحت الوصية له، وإن كان يوم سيده.. لم تصح الوصية. وإن قلنا: نتبين بالقبول أن الموصى له ملك الوصية بموت الموصي.. نظر في اليوم الذي مات فيه الموصي، فإن كان يوم الموصى له.. صحت الوصية له، وإن كان يوم سيده.. لم تصح الوصية. وغلط بعض أصحابنا فقال: يعتبر يوم عقد الوصية، كما يعتبر في اللقطة يوم الوجود. وليس بشيء. وإن وصى لمن نصفه حر ونصفه مملوك لأجنبي.. صحت الوصية.. فإن لم يكن بينهما مهايأة.. كانت الوصية بينهما. وإن كان بينهما مهايأة. فإن قلنا: إن الأكساب النادرة لا تدخل في المهايأة.. كانت الوصية بينهما. وإن قلنا: إنها تدخل.. بني على القولين في وقت ملك الوصية، وكانت لمن كان يومه يوم ملك الوصية. [فرع الوصية لعبد رجل] وإن وصى رجل لعبد رجل وصية فعتق العبد.. نظرت: فإن عتق في حياة الموصي، ثم قبل العبد المعتق الوصية بعد موت الموصي.. فإن الوصية ملك للعبد دون مولاه. وإن عتق بعد موت الموصي، وبعد القبول.. فإن المال للمولى؛ لا حق للعبد فيه. وإن عتق بعد موت الموصي وقبل القبول، ثم قبل العبد: فإن قلنا: إن الوصية تملك بنفس القبول.. فإن الوصية ملك للعبد دون مولاه. وإن قلنا: نتبين بالقبول أنها ملكت بموت الموصي.. فالوصية ملك للسيد.. فإن امتنع العبد من القبول على هذا.. فهل يجوز للسيد أن يقبل؟ فيه وجهان: أحدهما: له أن يقبل؛ لأن الملك له. والثاني: ليس له أن يقبل؛ لأن الإيجاب للعبد.

стр. 3979

[فرع الوصية لعبده] ) : وإن أوصى رجل بثلث ماله لعبده.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو قول ابن الحداد -: أنه يعتق ثلث العبد؛ لأن العبد من جملة ماله، والوصية عامة فيه وفي سائر أمواله، فصار كما لو أوصى له بنفسه. ولا يقوم عليه باقي نفسه؛ لأنه معسر بقيمة باقيه. و (الثاني) : من أصحابنا من قال: يجمع ثلث التركة في العبد. ويعتق. وإن فضل من الثلث شيء بعد قيمته.. دفع إليه. وإن نقص الثلث عن قدر قيمته.. عتق منه بقدر الثلث ورق باقيه؛ لما روي: «أن رجلا أعتق ستة أعبد في مرضه، فأعتق النبي ﷺ منهم اثنين وأرق أربعة» فجمع الثلث لتكميل الحرية، فكذلك هذا مثله. و (الثالث) منهم من قال: لا تصح الوصية؛ لأن الظاهر أن الموصى به غير الموصى له. وإذا لم يدخل العبد في الوصية.. لم تصح الوصية. والله أعلم

стр. 3980

[باب ما يعتبر من الثلث] العطايا على ضربين: منجزة وغير منجزة فأما غير المنجزة: فهو ما يوصي به الإنسان أن يخرج من ماله بعد موته، فينظر فيه: فإن وصى بما لم يلزمه في حياته، كالهبة وصدقة التطوع والمحاباة والعتق وما أشبه ذلك.. فإن ذلك يعتبر من ثلث تركته، سواء وقعت الوصية به في الصحة أو في مرض الموت، أو بعضها في الصحة وبعضها في مرض الموت؛ لأن الوصية وعد، بدليل أنه يصح الرجوع فيها، وإنما تلزم بموت الموصي، وكلها متساوية في وقت اللزوم. وأما ما وجب عليه في حياته، كالدين والزكاة والكفارة والحج: فإن لم يوص بها.. وجب قضاؤها من رأس ماله؛ لأنه إنما منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، وهذه الأشياء مقدمة على الميراث. وإن وصى بها.. نظرت: فإن وصى أن تؤدى من رأس ماله.. أخرجت من رأس ماله؛ لأنها في الأصل من رأس المال، ووصيته بها تأكيد. وإن وصى أن تخرج من ثلث تركته.. أخرجت من ثلث تركته، وزاحم أصحاب الوصايا في الثلث؛ لأنه قصد الرفق بالورثة، فإن لم يف ما يخص الواجب من الثلث.. تمم من رأس المال على ما سيأتي بيانه. وإن وصى أن يفعل عنه، ولم يقل من رأس المال، ولا من الثلث.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يعتبر من الثلث، وهو ظاهر النص؛ لأنه في الأصل من رأس المال فلما وصى به.. علم أنه قصد الرفق بالورثة في أن يخرج من الثلث. وقال أكثر أصحابنا: يخرج من رأس المال، وهو الأصح؛ لأنه في الأصل من

стр. 3981

رأس المال، والوصية به تقتضي التذكارية، والنص محمول عليه إذا صرح بأن يفعل من الثلث. وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن لم يقرن بوصيته بالواجب وصية أخرى.. كان من رأس المال. وإن قرن بها وصية أخرى يكون من الثلث، بأن قال: اقضوا ديني، وأعتقوا عني رقبة، أو تصدقوا عني تطوعا بكذا.. كان جميع ذلك من الثلث؛ لأنه لما قرن الواجب مع ما يخرج من الثلث.. علم أن الجميع من الثلث. وأما العطايا المنجزة: فمثل أن يهب ويقبض، أو يبيع ويشتري بمحاباة، فإن كان ذلك في صحته.. اعتبر من رأس ماله وإن تأتى على جميع ماله؛ لأنه لا حق لأحد في ماله، ولا اعتراض عليه. وإن فعل ذلك في مرضه.. فالمرضى على ثلاثة أضرب: مريض حكمه حكم الصحيح، ومريض حكمه حكم الميت، ومريض يخاف عليه التلف من مرضه ويرجى برؤه. فأما [الضرب الأول] الذي حكمه حكم الصحيح فهو: أن يكون به مرض ولا يخاف عليه منه التلف، مثل: حمى يوم، ووجع الضرس والصداع ووجع العين وما أشبه ذلك.. فهذا حكم تصرفه حكم الصحيح؛ لأن هذه الأشياء لا يخاف منها التلف غالبا، ولا يخلو الإنسان من مثلها. وإن اتصل الموت بهذه الأشياء.. صار كمن مات فجأة بلا مرض. وفي هذا المعنى: المرض الذي لا يرجى برؤه، ولكنه يطول بصاحبه، ولا يعاجله الموت منه، كالسل في ابتدائه، والفالج إذا طال به، وما أشبه ذلك مما لا يخاف منه معاجلة الموت، وإن تحقق أنها لا تزول.. فحكمه حكم الصحيح، كتصرف الشيخ الهرم، هذا نقل البغداديين من أصحابنا. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\٤٠٤] : الاعتبار بالمآل لا بالحال، فلو كان مرضا يسيرا فمات منه.. بان أنا أخطأنا، وأنه مخوف.

стр. 3982

وأما (الضرب الثاني) المريض الذي حكمه حكم الميت فهو: الميؤوس من حياته، مثل: أن يكون في النزع وقد شخص بصره وابيضت عيناه، أو يكون قد علاه الماء ولا يحسن العوم، أو كان قد قطع حلقه ومريئه، أو خرجت حشوته أو أبينت، أو قطع بنصفين وهو يتكلم - وحكى أبو على بن أبي هريرة: أن رجلا قطع بنصفين، فجعل يعاتب من فعل به ذلك - فهذا لا حكم لكلامه في وصية ولا عقد ولا إسلام ولا توبة. قال الشيخ أبو حامد: فإن جنى جناية، أو أتلف مالا.. لم يلزمه ضمانها. وإن قتله قاتل.. لم يجب عليه قود ولا دية ولا كفارة؛ لأنه لم يبق فيه حياة مستقرة، وإنما يتحرك حركة مذبوح، وهذه حالة فرعون التي قال بها: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] (يونس: ٩٠) فلم يقبل منه. وهي الحالة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] (النساء: ١٨) . وأما الضرب الثالث: فهو المرض الذي يخاف منه التلف غالبا، وقد يرجى البرء منه، فهذا إذا وصى فيه.. صحت وصيته. وإن تصرف فيه.. صح تصرفه. وإن أعتق أو وهب وأقبض أو حابى فيه بالبيع والشراء.. صح جميع ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] (البقرة: ١٨٠) ولم يرد به الموت نفسه؛ لأنه لا يمكنه معه الوصية، وإنما أراد به: إذا حضر سبب الموت. وروي: (أن عمر ﵁ لما طعن.. سقاه الطبيب لبنا، فخرج من الجرح، فقال: اعهد إلى الناس، فعهد، وأمضت الصحابة عهده) . فإن كان فعله ذلك في حالة مخوفة: فإن برئ.. لزم الكل، وإن مات من مرضه ذلك.. اعتبرت تبرعاته فيه مثل العتق والهبة والمحاباة من ثلث تركته؛ لما روى عمران بن الحصين: «أن رجلا أعتق في مرضه الذي مات فيه ستة مملوكين؛ لا مال له غيرهم، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة» .

стр. 3983

وروى: أن النبي صلى الله عليم وسلم قال: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم» . ولأنه في تلك الحالة يتخوف الورود على الله، وقد يحمله ذلك الخوف على أن يتصدق بجميع ماله تقربا إلى الله ويتلفه على الوارث، فيضر به، فلذلك قصر تصرفه على ثلث تركته. فأما إذا أنفق ماله في لذاته من المطعم والمشرب والملبس.. فإنه يكون من أصل ماله وإن استغرق جميع ماله؛ لأن منفعة نفسه مقدمة على منفعة الورثة. إذا ثبت هذا: فقد ذكر الشافعي الأمراض المخوفة وغير المخوفة، فبدأ بذكر الحمى، وهي على ضربين: مطبقة وغير مطبقة. فأما المطبقة: فإنها لا تكون مخوفة في يوم ولا يومين. فإذا أعطى في تلك لحال.. لم يعتبر من الثلث؛ لأن العادة ما جرت بأن الإنسان يضعف بحمى يوم ولا يومين، ولا يخاف منه التلف. فإذا دامت واتصلت.. صارت مخوفة، وما أعطاه في تلك الحال، اعتبر من الثلث؛ لأنه يخاف منها التلف. وأما غير المطبقة فهي: الغب: التي تجيء يوما وتذهب يوما. والربع: وهي التي تجيء يوما وتذهب يومين، ثم تعود في اليوم الرابع، فهذه الحمى ليست بمخوفة وإن طالت زمانا؛ لأنه وإن ضعف في يوم الحمى، فإنه يقوى في يوم الصحة، فتكون القوة بإزاء الضعف فتتعادلان. قال الشافعي: (فإن كان معها وجع.. كان مخوفا وذلك مثل البرسام، أو الرعاف الدائم أو ذات الجنب أو الخاصرة أو القولنج) .

стр. 3984

وظاهر هذا: أن هذه الأمراض ليست بمخوفة إلا إذا انضافت إلى حمى الغب أو الربع. قال أصحابنا: وليس هذا على ظاهره، بل هذه الأمراض مخوفة وإن انفردت، وإنما هي مع الحمى أشد خوفا. وقد نص على ذلك في " الأم "؛ لأن (البرسام) : بخار من الحمى يرتقي إلى الرأس أو الصدر فيختلط معه العقل فيهذي، فيكون مخوفا. وأما (الرعاف) : فإن كان يسيرا لحظة أو ساعة.. فليس بمخوف. وإن كان متصلا دائما.. فهو مخوف؛ لأنه ينزف دمه، فهو كما لو افتصد ولم يسده. وأما (ذات الجنب) : فهو داء يقع في الجنب، فيرم وينتفخ وينفذ، ويكون ذلك بقرب القلب، يؤلم ألما شديدا، وربما انفتح إلى قلبه فمات عقيبه. وكذلك (ذات الخاصرة) : جرح يقع في الخاصرة.. فهو مخوف. وكذلك قروح الصدر والرئة مخوفة؛ لأنه يصعب علاج قروح الصدر، والرئة لا تقبل العلاج؛ لأنها تضطرب أبدا وتتحرك فلا تقبل العلاج. (والقولنج) : هو أن يستمسك طبعه فيحمي جسمه، ويرتفع إلى رأسه بخارات نخمية، فيختلط معها العقل، فيهلك. وأما (القيام) : فهو إسهال البطن، فإن كان مسترسلا بحيث لا يقدر على حبسه، بل يخرج منه بغير اختياره.. فهو مخوف وإن كان قليلا؛ لأن هذا لا يكون إلا بسقوط القوة، ويخشى منه معاجلة الموت. وإن كان غير مسترسل، ويمكنه إمساك نفسه فيه، فإن كان ذلك يوما أو يومين وليس معه دم.. فليس بمخوف؛ لأنه لا يخاف منه التلف إذ قد يكون من غير علة، وقد يكون من امتلاء فيدفع الطبيعة، فتحل محل الدواء. وإذا كان محتملا.. لم يجعل مخوفا. وإن جاوز يومين.. صار مخوفا؛ لأنه ينشف الرطوبة الغريزية، فتغلب اليبوسة عليه، فيؤدي إلى التلف.

стр. 3985

فإن انضاف إلى القيام زحير أو تقطيع.. كان مخوفا بكل حال. فالزحير: أن يخرج منه الشيء بشدة ومشقة وذلك يهده. والتقطيع: أن يخرج منه الشيء بعد الشيء متقطعا بشدة. وأما إذا كان في إسهال يوم أو يومين دم.. فقد نقل المزني: (أنه لا يكون مخوفا) ، ونقل الربيع: (أنه يكون مخوفا) . واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: الصحيح ما نقله الربيع؛ لأن الدم يخرج من الأعضاء الشريفة، كالكبد والطحال ونحو ذلك، وذلك مخوف. ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين: فالذي نقله الربيع: أراد: إذا كان خروج الدم من الكبد والطحال ونحوهما؛ لأن ذلك عن قروح بها. والذي نقله المزني: أراد: إذا كان خروج الدم من المقعدة - وهو: البواسير - فلا يكون مخوفا ما لم يتطاول؛ لأنه لا يخاف منه التلف. [فرع غلبة خروج الدم والبلغم ونحوهما] ) : قال الشافعي: (ومن ساوره الدم حتى تغير عقله أو المرار، أو البلغم.. كان مخوفا) وهذا كما قال: إذا ساوره الدم، أي غلبه وهاج عليه: وهو أن ينصب الدم إلى طرف من بدنه من يد أو رجل أو فخذ أو غيره، فينتفخ ويرم ويحمر.. فهو مخوف. قال الشافعي: (تغير عقله أو لم يتغير؛ لأنه لا يكون من فرط الحمى؛ لأنه يذهب بالرطوبة الغريزية، فيهلك) .

стр. 3986

وكذلك إذا ساوره المرار - أي: وأتته، وهي الصفراء إذا انصبت إلى موضع من بدنه؛ لأنه يكون من فضل الحمى - فيخاف عليه. وإن غلب عليه البلغم - وهو من الرطوبة وابتداء الفالج - فهو مخوف أيضا؛ لأنه أول ما يثور يستمسك لسانه وتسقط قوته، فربما أطفأ الحرارة الغريزية، فيهلك. فإذا استقر وانطلق لسانه.. صار فالجا، ولم يكن مخوفا؛ لأنه لا يخشى منه معاجلة الموت. وكذلك السل: لا يخاف منه معاجلة الموت وإن كان يتحقق أنه لا يبرأ منه، كما أن الإنسان إذا كبر وهرم يتحقق أنه لا يعود شابا، وأنه يموت عن كبره، وليس بمخوف. [فرع الطاعون مرض مخوف] ) : قال الشافعي: (الطاعون مخوف حتى يذهب) . قال الشيخ أبو حامد: أراد: إذا كان بالمرء طاعون.. فإنه مخوف حتى يذهب عنه؛ لأنه من غلبة الدم والحمى على جميع بدنه. وقال المسعودي (في " الإبانة " ق\٤٠٥) : إذا حصل ببلد طاعون، فمن كان بذلك البلد.. فأمره مخوف، وإن لم يطعن بعد. وإن أشكل شيء من الأمراض: هل هو مخوف أو غير مخوف؟ رجع فيه إلى أهل الصنعة من أهل الطب، كما يرجع فيما أشكل من الشرع إلى أهل الفقه، ولا يقبل فيه أقل من طبيبين؛ لأن ذلك يحل محل الشهادة. ولا يقبل فيه إلا قول مسلمين عدلين، كما قلنا في الشهادة. قال المسعودي (في " الإبانة " ق\٤٠٥) : ولا يقبل فيه قول رجل وامرأتين؛ لأن

стр. 3987

المقصود إثبات المرض لا إثبات المال، وإنما يثبت المال بشهادة رجل وامرأتين. وأما المجروح: فينظر فيه: فإن كان الجرح نافذا إلى الدماغ أو البطن.. فهو مخوف؛ لما روى: (أن عمر ﵁ لما طعن، سقاه الطبيب لبنا، فخرج من جوفه، فقال له: اعهد إلى الناس) ولأن الهواء يدخله، وتهب فيه الريح فتنشف رطوبته. وإن لم يكن نافذا.. فحكمه وحكم من ضرب بعصا أو خشبة أو حجر واحد، فينظر فيه، فإن آلمه وحصل منه ورم وجمع مدة.. فهو مخوف؛ لأنه قد يسري. وإن لم يجمع مدة، وليس فيه ورم ولا ألم.. فليس بمخوف. فإن أخذت الجراحة في البرء.. قال الشيخ أبو حامد: فقد خرج عن أن يكون مخوفا. [فرع حمل المرأة ليس بمخوف] ) : وأما الحمل في المرأة: فليس بمخوف قبل الطلق. وقال مالك: (إذا بلغت المرأة ستة أشهر.. صارت مخوفا عليها، فيكون تصرفها في ثلث تركتها) . وقال ابن المسيب: الحمل مخوف من ابتدائه. دليلنا: أن الحمل ليس بحال خوف، وإنما هو يقرب إلى حال الخوف، فهو كالصحة. فأما إذا ضرب الحامل الطلق - وهو وجع الولادة - فهو مخوف على المنصوص عليه. وفيه قول آخر: (أنه غير مخوف) ؛ لأن السلامة منه أكثر، والأول أصح؛ لأن وجع الولادة أشد من المرض المخوف؛ لأن الولد يخرج من الرحم الذي ضيق رأسه كالإحليل، وربما كان سببا لتلفها.

стр. 3988

قال الشافعي: (وكذلك طلق الإسقاط) . قال أصحابنا: إن أسقطته لستة أشهر فأكثر.. كان مخوفا؛ لأن ولادته أشق من ولادة الحي؛ لأن الحي يسهل خروجه للحرارة التي فيه، وهي الحياة. وإذا كان ميتا.. برد وثقل، فعسر خروجه. وإن ولدته لدون ستة أشهر.. فليس بمخوف؛ لأنه مضغة أو شيء لم يتخلق، فهو كقطعة لحم، فلا يشق خروجه. قال الشافعي: (فإن انفصل الولد وخرج.. فليس ما بعده بمخوف إلا أن يكون هناك جرح وألم وضربان.. فيكون مخوفا) . [فرع صفة الحرب المخوفة] ) : وإن وقع القتال بين طائفتين مسلمتين، أو مسلمة وكافرة، أو كافرتين: فإن كانوا يترامون من بعد.. قال الشيخ أبو حامد: فليس بمخوف؛ لأنه قد يصيب الرمي وقد يخطئ، وليست إصابته بأولى من خطئه. وإن التحم القتال، واختلط الفريقان: فإن كانت إحدى الطائفتين أكثر عددا من الأخرى بزيادة كثيرة.. فالقليلة مخوف عليها. وإن كانتا متساويتين.. فنقل المزني: (أنه مخوف عليهما) . وقال في " الإملاء ": (تعتبر العطايا من رأس المال) . فالمسألة على قولين: أحدهما: أنه مخوف عليهما؛ لأنه سبب يخاف منه التلف، فهو كالمرض المخوف. والثاني: أنه ليس بمخوف عليهما؛ لأنه لم يحدث في الجسم شيء، فهو كالصحيح.

стр. 3989

وإن وقع رجل في أسر الكفار: فإن كانوا قوما لا يرون قتل الأسرى - كالروم - فالأسر معهم ليس بمخوف؛ لأن عادتهم أنهم يحبسون الأسرى ولا يقتلونهم. وإن كانوا قوما يرون قتل الأسرى.. فنقل المزني: (أنه مخوف) . وقال في " الإملاء ": (ليس بمخوف) . فالمسألة على قولين وتعليلهما ما مضى. وإن ركب في البحر، فهبت الرياح وارتفعت الأمواج والتطمت - وإن لم تنكسر السفينة - ففيه قولان، وتعليلهما ما ذكرناه. وإن كان لمسلم على مسلم قتل قصاص وقدم لقتل القصاص. فنقل المزني: (أنه غير مخوف ما لم يجرح) . واختلف أصحابنا فيها: فقال أبو إسحاق: هي على قولين كالمسائل الثلاث. ومنهم من قال: ليس بمخوف قولا واحدا؛ لأن الله خلق الرحمة والرأفة في قلب المؤمن، وقد يرق لأخيه المسلم إذا قدر عليه، ويعفو عن القصاص، ولا رحمة في قلب الكافر على المسلم فيرجى منه ترك القتل. وكذلك في حال التحام القتال وارتفاع الأمواج لا يوجد هذا المعني. [مسألة تبرعات الثلث المنجزة والمؤخرة] وإن عجز الثلث عن التبرعات.. فلا تخلو التبرعات: إما أن تكون منجزة أو مؤخرة، أو بعضها منجزا وبعضها مؤخرا. فإن كانت منجزة، مثل: أن باع وحابى أو وهب وأقبض أو أعتق عتقا نافذا.. نظرت: فإن كانت تبرعاته وقعت في جنس واحد من التصرفات، مثل: المحاباة أو

стр. 3990

الهبة أو العتق، فإن فعل ذلك متفرقا، مثل: أن أعتق عبدا ثم أعتق عبدا، أو حابى ثم حابى.. فإنه يبدأ بالأول فالأول. فإن استوفى الثلث بالأول.. لزم، وكان ما بعده موقوفا على إجازة الورثة. وإن بقي من الثلث شيء بعد الأول.. لزم من الثاني بقدر ما بقي من الثلث، وما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة؛ لأن المريض لا ينفذ تبرعه إلا في ثلث التركة، وقد سبق الأول، فقد لسبقه، فلزم في حق الورثة. وإن وقعت تبرعاته في حالة واحدة.. نظرت: فإن كانت عتقا، بأن قال لجماعة عبيد: أعتقتكم.. أقرع بينهم، ويعتق منهم قدر ثلث التركة؛ لما روى عمران بن الحصين: «أن رجلا أعتق في مرض موته ستة مملوكين له، فأقرع النبي ﷺ بينهم بعد موته، فأعتق اثنين وأرق أربعة» . وإن كانت تبرعاته محاباة أو هبة، بأن باع جماعة بكلمة واحدة وحاباهم، أو وهبهم وأقبضهم في حالة واحدة، أو وكل من فعل ذلك عنه، ووقع ذلك في حالة واحدة.. قسط الثلث بينهم على قدر محاباتهم. والفرق بين العتق وغيره من التبرعات: أن القصد من العتق تكميل الأحكام، ولا يحصل ذلك إلا بعتق جميع الرقبة، والقصد من غير العتق الملك للموصى له، وذلك يحصل وإن ملك الموصى له بعض ما وصي له به. وإن كانت تبرعاته في أجناس من التصرفات، مثل أن أعتق وباع وحابى ووهب وأقبض: فإن وقع ذلك في حالة واحدة، مثل أن وكل من يبيع من رجل بيعا فيه محاباة، ووكل آخر يهب من رجل عينا ويقبضه، وأعتق هو أو وكيله عبدا، أو وقعت هذه التصرفات في حالة واحدة، ولم يحتمل الثلث جميعها.. قسط الثلث بين الجميع على التساوي إن تساوت عطاياهم، وعلى التفاضل إن تفاضلت؛ لأنه لا مزية لبعضهم على بعض في السبق. وإن وقعت هذه التصرفات متفرقة.. قدم الأول فالأول على ما ذكرناه في الجنس الواحد. وقال أبو حنيفة: (إن حابى أولا ثم أعتق.. قدمت المحاباة. وإن أعتق أولا ثم حابى.. سوى بينهما؛ لأن العتق حق لله تعالى، والمحاباة حق للآدمي، فلم يقدم حق الله، كما لو أعتق المريض عبدا ثم أقر بدين لآدمي، فإن الدين مقدم) .

стр. 3991

ودليلنا أنهما عطيتان منجزتان، لو انفردت كل واحدة.. للزمت. فإذا اجتمعتا ولم يحتملهما الثلث.. قدمت الأولى منهما، كما لو حابى أولا، ثم أعتق. فقولنا: (منجزتان) احتراز مما لو كانتا مؤخرتين، أو إحداهما منجزة والأخرى مؤخرة. وقولنا: (لو انفردت كل واحدة للزمت) احتراز من البيع الفاسد. وما ذكروه من الإقرار بالدين بعد العتق، فإن الدين لم يجب بالإقرار، وإنما وجوبه متقدم على العتق، فلذلك قدم على العتق. وإن كانت التبرعات مؤخرة - وهو: ما يوصي أن يفعله عنه بعد موته، من عتق وكتابة ومحاباة وهبة وصدقة وما أشبه ذلك - نظرت: فإن كانت وصاياه بجنس واحد، ولم يحتملها الثلث، فإن كانت عتقا.. أقرع بين الجميع؛ لأن القصد تكميل الأحكام بالعتق، وذلك لا يحصل إلا بعتق جميع الرقبة. وإن كانت محاباة أو هبة أو صدقة.. قسم الثلث بين الجميع، سواء وقعت متفرقة أو في وقت واحد؛ لتساوي الجميع في وقت اللزوم، وهو عند الموت. وإن كانت وصاياه بأجناس، فإن لم يكن معها عتق.. قسم الثلث بين الجميع؛ لما ذكرناه. وإن كان معها عتق، بأن أوصى بمحاباة وهبة وعتق.. ففيه قولان: أحدهما: يقسط الثلث بين الجميع بالحصص؛ لتساوي الجميع في وقت اللزوم. والثاني: يقدم العتق على غيره؛ لأن له مزية في السراية. وإن أوصى بمحاباة وهبة وتفرقة شيء من ماله على المساكين، وعجز الثلث عن جميع ذلك: فقال البغداديون من أصحابنا: يقسط الثلث بين الجميع على الحصص قولا واحدا؛ لأنه لا مزية لبعضها على بعض.

стр. 3992

وقال المسعودي (في " الإبانة " ق\٤٠٦) : وهل تقدم الوصية للمساكين على غيرهما؟ فيه قولان، كالعتق مع غيره، والأول أصح؛ لأن العتق له مزية بالسراية، وهذا لا يوجد في الوصية للمساكين. وإن كانت الوصية بمحاباة وهبة وكتابة.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هل تقدم الكتابة على غيرها؟ فيه قولان؛ لما في الكتابة من العتق. ومنهم من قال: لا تقدم الكتابة قولا واحدا؛ لأنه لا سراية للكتابة. وإن كان بعض التبرعات منجزة وبعضها مؤخرة.. قدمت المنجزة، سواء تقدمت أو تأخرت، عتقا كانت أو غيره؛ لأنها أقوى، بدليل أن الكل يلزم في حق المتصرف ولو لم يمت في مرضه ذلك، والمؤخرة لا تلزم في حياته بحال. وقال أبو حنيفة: (إذا أعتق عبدا في مرضه، ثم أوصى بعتق آخر، ولم يحتملهما الثلث.. سوى بينهما) . دليلنا: أنهما عطيتان، إحداهما منجزة والأخرى مؤخرة، فقدمت المنجزة، كما لو باع وحابى، ثم أوصى بعتق عبد. [فرع ينفذ تعليق عتق مشروط إن احتمله الثلث] إذا كان له عبدان - سالم وغانم - فقال في مرض موته: إذا أعتقت سالما.. فغانم حر، فأعتق سالما، فإن احتملهما الثلث.. عتق سالم بالمباشرة، وعتق غانم بالصفة. وإن لم يحتملهما الثلث.. عتق سالم؛ لأنه سابق، ولم يعتق غانم؛ لأن عتقه متأخر. وإن قال: إذا أعتقت سالما.. فغانم حر حال عتق سالم، فأعتق سالما واحتملهما الثلث.. فاختلف أصحابنا فيها: فقال القاضي أبو الطيب: يعتق سالم ولا يعتق غانم؛ لأن إعتاق سالم شرط لإعتاق غانم، والمشروط لا يصح وقوعه مع الشرط ولا قبله.

стр. 3993

وقال أكثر أصحابنا: يعتقان معا؛ لأنه جعل حال عتق سالم صفة لعتق غانم وتأخر حرف من لفظ عتق سالم يعلم بوجود الشرط، فوقع المشروط. فإذا قلنا بهذا: ولم يحتملهما الثلث.. ففيه وجهان: (أحدهما) : قال أبو العباس ابن سريج، والشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: يعتق سالم ولا يعتق غانم؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة، ولا يمكن الإقراع بينهما؛ لأنا لو أقرعنا بينهما.. لم يؤمن أن تخرج قرعة العتق على غانم فيرق سالم. وإذا رق سالم.. لم يعتق غانم، فيؤدي إثبات عتق غانم إلى نفيه. وما أدى إثباته إلى نفيه.. سقط إثباته. (والثاني) : قال الشيخ أبو إسحاق: لا يعتق واحد منهما؛ لأن الإقراع بينهما لا يمكن؛ لما ذكرناه، ولا يمكن تقديم عتق سالم؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فسقط عتقهما. قال الشيخ أبو حامد: وإن قال لغانم: إذا أعتقت سالما.. فأنت حر قبله، ثم أعتق سالما في مرض موته، فإن خرجا من الثلث.. عتقا، وتبينا أن عتق غانم قبل سالم. وإن لم يحتملهما الثلث.. عتق سالم دون غانم؛ لما ذكرناه. قلت: وعلى قول الشيخ أبي إسحاق في التي قبلها: لا يعتق هاهنا واحد منهما؛ لأن عتق سالم شرط لعتق غانم، فإذا لم يعتق عبده في الأولى - وعتقه وعتق غانم يقع في حالة واحدة - فلأن لا يعتق عبده هاهنا - وعتق غانم قبله - أولى. وكذلك على قول القاضي أبي الطيب في التي قبلها: لا يعتق غانم وإن احتملهما الثلث؛ لأن المشروط لا يتقدم على الشرط. والأول هو المشهور. فإن كان له ثلاثة أعبد - سالم وغانم وفائق - فقال في مرض موته: إذا أعتقت سالما.. فغانم وفائق حران، ثم أعتق سالما، فإن احتمل الثلث عتق جميعهم.. عتقوا. وإن احتمل الثلث عتق أحدهم لا غير.. عتق سالم؛ لأنه عتقه سابق. وإن احتمل الثلث عتق سالم وعتق أحد الآخرين.. عتق سالم، وأقرع بين غانم وفائق؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة.

стр. 3994

وإن قال لغانم وفائق في مرض موته: أنتما حران حال عتق سالم، ثم أعتق سالما، واحتمل الثلث عتق جميعهم.. فعلى قول القاضي أبي الطيب في التي قبلها: يعتق سالم ولا يعتق غانم وفائق. وعلى قول عامة أصحابنا: يعتق جميعهم. فإذا قلنا بهذا: ولم يحتمل الثلث إلا عتق واحد.. فعلى قول الشيخ أبي إسحاق في التي قبلها: لا يعتق واحد من الثلاثة. وعلى قول عامة أصحابنا: يعتق سالم ولا يعتق غانم وفائق. فإذا قلنا بهذا: واحتمل الثلث عتق اثنين.. عتق سالم؛ لأن عتقه متقدم، وأقرع بين غانم وفائق؛ لأن عتقهما في حالة واحدة. [فرع تعلق العتق بمرض الموت على صفة] قال أبو العباس: إذا قال الرجل لعبده في مرض موته: إذا تزوجت.. فأنت حر، فتزوج امرأة بمهر مثلها.. اعتبر المهر من رأس المال، وعتق العبد من الثلث لوجود الصفة. وإن تزوجها بأكثر من مهر مثلها.. كان قدر مهر مثلها من رأس المال. وأما الزيادة على مهر مثلها، فإن كانت وارثة له.. لم تستحقها؛ لأن المحاباة وصية، والوصية لا تصح للوارث. ويعتق العبد من الثلث. وإن كانت غير وارثة، بأن كانت ذمية وهو مسلم، أو أبانها قبل موته، وقلنا: لا ترثه.. صحت لها المحاباة من الثلث. فإن احتمل الثلث المحاباة وعتق العبد.. نفذا. وإن لم يحتملهما الثلث.. قدمت المحاباة؛ لأنها سابقة؛ لأنها تثبت بنفس العقد، والعتق يقع بعد العقد. وإن قال لعبده في مرض موته: إذا تزوجت.. فأنت حر حال تزويجي، ثم تزوج امرأة بمهر مثلها.. اعتبر مهر المثل من رأس المال وعتق العبد من الثلث. وإن تزوجها بأكثر من مهر مثلها، فإن كانت وارثة.. لم تستحق الزيادة، وعتق العبد من الثلث. وإن كانت غير وارثة.. استحقت المحاباة، فإن احتمل الثلث المحاباة والعتق.. نفذ الجميع. وإن لم يحتملهما.. قسم الثلث بين المحاباة والعتق على قدرهما؛ لأنهما وقعا في حالة واحدة.

стр. 3995

والفرق بين هذه وبين العتق: أن الصفة هاهنا هو التزويج، والتزويج لا يبطل بانتقاض المحاباة. [فرع علق في مرض موته عتق عبده على شراء] ) : قال أبو العباس: إذا قال في مرض موته لعبده غانم: إذا اشتريت سالما.. فأنت حر في حال شرائي له، ثم اشتراه وحابى فيه، ولم يحتمل الثلث المحاباة والعتق قسم الثلث بين المحاباة والعتق على قدرهما؛ لأن الشراء يتم في جميع سالم وإن لم يتم لبائعه جميع المحاباة، فصفة العتق توجد. وإن قال لغانم في مرض موته: إذا بعت سالما.. فأنت حر في حال بيعي له، فباع سالما وحابى فيه، ولم يحتملهما الثلث.. قدمت المحاباة؛ لأن البيع لا يتم في جميع سالم إلا بأن تحصل جميع المحاباة للمشتري. وإذا لم يتم البيع في جميع سالم.. لم توجد صفة عتق غانم، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وبه قال ابن الحداد. وقال ابن القاص وابن اللبان: تقدم المحاباة فيهما؛ لأن الثمن يقابل جميع العبد، فإذا سقط بعض الثمن.. بطل البيع فيما يقابله من العبد، فلا توجد صفة العتق، وقد مضى ذلك في البيوع. [فرع وصى بقضاء دينه أو أن يحج عنه من الثلث] ) : إذا أوصى أن يقضى دينه أو يحج عنه حجة الإسلام من الثلث، وأوصى بتبرعات ولم يحتملها الثلث.. ففيه وجهان: أحدهما: يقدم الدين أو الحج في الثلث، فإن فضل من الثلث شيء بعد ذلك.. صرف إلى وصايا التبرعات. وإن لم يفضل شيء.. سقطت الوصايا بالتبرعات؛ لأن الدين أو الوصية بحجة الإسلام فرض، والتبرعات تطوع، والفرض آكد، فقدم. والوجه الثاني: يقسط الثلث على قدر الدين وقدر الوصية بالتبرع، أو على قدر أجرة المثل وقدر الوصية بالتبرع، ثم يتمم الدين أو أجرة المثل من رأس المال؛ لأن
следующие страницы →