← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

[مسألة رجوع الأصل في هبته لفرعه] ] : وإذا وهب أحد الأبوين لولده شيئًا.. جاز له الرجوع فيه، سواء أقبضه إياه، أو لم يقبضه. وكذلك إذا وهب أحد الأجداد، أو الجدات من قبل الأب، أو الأم وإن علا شيئًا لولد الولد وإن سفل، وأقبضه.. فله أن يرجع عليه. هذا نقل البغداديين من أصحابنا، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وحكى الخراسانيون: أن الجدات من قبل الأب والأم، والأجداد من قبل الأم، هل يصح لهم الرجوع فيما وهبوه لولد الولد؟ فيه قولان؛ لأنهم لا يملكون التصرف في مال الولد بأنفسهم، فليس لهم الرجوع في الهبة. وقال أبو العباس بن سريج: إنما يرجع الأب في هبته لولده إذا قال: إنما قصدت بالهبة ليزيد في بري، أو يترك عقوقي، ولم يفعل. فأما إذا أطلق الهبة. فإنه لا يرجع فيها. والمشهور من المذهب: هو الأول. وقال أبو حنيفة والثوري: (إذا وهب الوالد لولده، وأقبضه.. لم يكن له أن يرجع عليه) . وقال مالك (إذا وهب الوالد لولده هبة، فإن ظهر نفعها للولد، بأن أمنه الناس فبايعوه أو زوجوه.. لم يكن له أن يرجع عليه، وإن لم يظهر نفعها له.. جاز له الرجوع عليه) . دليلنا: حديث النعمان بن بشير: أن النبي ﷺ قال له: " فارجعه ". وروى ابن عباس وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية،

стр. 3922

أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما وهب لولده» . فأما إذا وهب لغير ولده، أو ولد ولده، وإن سفل.. فليس له أن يرجع في هبته له بعد إقباضه له، سواء كان ذا رحم محرم، أو أجنبيًا. وقال أبو حنيفة: (إذا وهب لذي رحم محرم، بحيث لو كان أحدهما أنثى والآخر ذكرًا.. لم يحل له نكاحها، مثل: أن يهب لأبيه، أو لجده، أو لعمه، أو لخاله.. لم يجز له أن يرجع عليه بعد الإقباض، وهكذا إذا وهب أحد الزوجين للآخر. وإن وهب لغير ذي رحم محرم، مثل أن يهب لابن عمه، أو لابن خاله، أو لابنة عمه، أو كان أجنبيًا منه.. فيجوز له أن يرجع عليه في هبته له بعد الإقباض) ، لما روي عن عمر ﵁: أنه قال: (من وهب لذي رحم محرم هبة.. فليس له أن يرجع فيها، ومن وهب لغير ذي رحم محرم.. فله أن يرجع عليه إلا أن يثيبه عليه) . دليلنا: ما روى ابن عباس، وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يحل للرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما أعطى ولده. ومثل الراجع في هبته كمثل الكلب قاء بعد ما شبع، ثم رجع في قيئه» وهذا أولى من حديث عمر. وقد روي عن ابن عمر، وابن عباس ما يخالف قول عمر أيضًا.

стр. 3923

[فرع الصدقة على الولد] وإن تصدق على ابنه وأقبضه.. فهل يثبت له الرجوع عليه؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يصح رجوعه عليه؛ لأن المقصود بالصدقة القربة إلى الله تعالى، فلم يصح له الرجوع فيها بعد لزومها، كالعتق، والقصد بالهبة صلة الرحم، وإصلاح حال الولد. والثاني - وهو المنصوص في " حرملة " -: (أن له أن يرجع؛ لأن الصدقة تفتقر إلى ما تفتقر إليه الهبة، من الإيجاب والقبول والإذن بالقبض، والقبض) فكان حكمها حكم الهبة في الرجوع، بخلاف العتق. وإن تداعى رجلان نسب مولود، ووهبا له قبل أن يلحق بأحدهما.. لم يجز لأحدهما أن يرجع عليه؛ لأن بنوته لم تثبت من أحدهما. فإن لحق بأحدهما.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له الرجوع عليه؛ لأن بنوته ثبتت منه. والثاني: لا يجوز له الرجوع عليه؛ لأنه كان لا يجوز له الرجوع عليه في حال العقد. [فرع وهب الولد فمات فورثه ابنه] وإن وهب الرجل لولده هبة، وأقبضه إياها، ثم وهبها الولد لولده، أو مات الولد وورثه ولده. فهل يجوز للجد أن يرجع فيها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له الرجوع فيها؛ لأن للجد أن يرجع على ولد الولد فيما وهب له وهي في ملكه. والثاني: لا يرجع فيها، وهو الأصح؛ لأن الملك لم ينتقل منه إليه، فهو كما لو وهب لأجنبي، ثم وهبها الأجنبي لابن الواهب.

стр. 3924

وإن ابتاعها الولد من والده.. لم يرجع الجد فيها وجهًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يثبت الرجوع فيها لمن انتقل منه الملك بها، فلأن لا يثبت لمن انتقل منه بها الملك إلى الواهب أولى. وإن وهب الرجل لولده شيئًا، وأقبضه إياه فوهبها هذا الولد لأخيه من أبيه.. فينبغي أن لا يثبت للأب فيها الرجوع وجهًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يثبت الرجوع لمن انتقل منه الملك، فلأن لا يثبت لمن انتقل منه إلى الواهب أولى. [فرع وهب لولده فأفلس وحجر عليه] وإن وهب لولده شيئًا، وأقبضه إياه، فأفلس الولد وحجر عليه.. فهل للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده قبل أن يقسم على الغرماء؟ فيه وجهان. أحدهما: له أن يرجع فيه؛ لأن حقه أسبق. والثاني: لا يجوز له الرجوع فيه، وهو الأصح؛ لأن بالحجر تعلقت به حقوق الغرماء، فهو كما لو رهنها الولد. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٤] : فإن ارتد الابن الموهوب له: فإن قلنا: إن ملكه باق.. فللأب أن يرجع عليه. وإن قلنا: إن ملكه قد زال بالردة.. فليس للأب الرجوع عليه في حال ردته. فإن عاد للإسلام.. فهل له الرجوع عليه؟ على الوجهين في الولد إذا أفلس. وإن قلنا: إن ملكه موقوف، فإن عاد إلى الإسلام.. فللأب الرجوع؛ لأنا تبينا أن ملكه لم يزل.

стр. 3925

[فرع زيادة الهبة في يد الولد] ] : وإذا وهب لولده عينًا وأقبضه إياها، فزادت في يد الولد. نظرت: فإن كانت زيادة غير منفصلة عنها، بأن كان عبدًا فسمن، أو تعلم القرآن، أو كانت جارية فسمنت، أو تعلمت صنعة.. فللوالد أن يرجع في العين وزيادتها. وحكى الطبري وجها لبعض أصحابنا: أنه لا يملك الرجوع هاهنا، وهو قول محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: (لا يرجع إلا أن تكون الزيادة تعلم قرآن، أو إسلامًا، أو قضاء دين، فلا تمنع الرجوع) . دليلنا: أنها زيادة في الموهوب، فلا تمنع الرجوع، كما لو حدثت قبل القبض. وإن كانت زيادة منفصلة، بأن وهبه نخلة، فأطلعت في يده وأبرها، ثم رجع الوالد.. كانت الثمرة للولد؛ لأنها زيادة حدثت في ملك الولد، فلم تتبع الأصل، كما قلنا في الرد بالعيب. فأما إذا وهبه شاة، أو بقرة حاملًا: فإن رجع الوالد قبل الوضع.. رجع في البهيمة وحملها. وإن وضعت في يد الولد: فإن قلنا: للحمل حكم.. رجع الوالد فيهما. وإن قلنا: لا حكم للحمل.. رجع في الأم دون الولد. وإن وهبها وهي حائل فحملت في يد الوالد: فإن ولدت في يد الولد.. رجع الولد في الأم دون الولد؛ لأنه نماء حدث في يد الولد. وإن رجع فيها قبل الوضع: فإن قلنا: للحمل حكم.. رجع الوالد في الأم دون الولد. وإن قلنا: لا حكم للحمل.. رجع الوالد فيها.

стр. 3926

[فرع وهب ولده عينا فأتلفها] ] : وإن وهب لولده عينا، وأقبضه إياها، فأتلفها الولد، بأن كان طعاما فأتلفه، أو عبدا فقتله.. لم يكن للأب أن يرجع فيها؛ لأن حقه يتعلق بالعين، والعين غير موجودة، ولا يرجع في قيمتها؛ لأن حقه يتعلق بالعين دون القيمة. وهكذا: لو كانت العين باقية، إلا أنها قد نقصت في يد الولد.. رجع الوالد فيها، ولا يرجع بأرش ما نقصت، كما لا يرجع في قيمتها إذا كانت تالفة. وهكذا: لو كان في معنى الإتلاف، بأن كان عبدا فأعتقه، أو كانت جارية فاستولدها الولد؛ لأن العين باقية، وإنما تلف الرق.. فليس للوالد أن يرجع في العين ولا في قيمتها. وإن تصرف الولد في العين تصرفا لم يتلفها به.. نظرت: فإن كان تصرفا لا يقطع تصرف الابن، بأن كانت أمة فزوجها الابن، أو أجرها، أو دبرها، أو أعتقها بصفة.. فللأب أن يرجع فيها؛ لأن تصرف الابن لم ينقطع فيها، فإذا رجع.. لم يبطل النكاح، ولا الإجارة، ولكن إذا انقطعا.. رجعت المنفعة للأب. وأما التدبير والعتق بالصفة: فيبطلان؛ لأن ملك الابن قد زال. وإن كان تصرف الابن قد انقطع عن العين، بأن باع العين، أو وهبها وأقبضها.. لم يكن للأب أن يرجع؛ لأن تصرف الابن يصح فيها، فهي كما لو تلفت. فإن عادت العين إلى الابن ببيع، أو هبة، أو إرث.. فهل للأب أن يرجع فيها؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع؛ لأن العين موجودة في ملك الابن. والثاني: لا يرجع. قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح؛ لأن ملك الابن لم يكن من جهة الأب.

стр. 3927

فإن قلنا بالأول: وكان الابن قد اشتراها بثمن في ذمته، وأفلس، وقلنا: إن الإفلاس لا يمنع الأب من الرجوع، والابن لم يدفع ثمن العين.. فإن بائعها أحق بها من الأب ومن الغرماء؛ لأن حق البائع تعلق بها من جهة البيع. وإن كان تصرف الابن انقطع عن العين انقطاعا مراعى، بأن كان قد رهنه، أو كان عبدا فكاتبه.. فليس للأب أن يرجع فيه في الحال؛ لأن الابن لا يصح تصرفه فيه في هذه الحالة، فكذلك الأب. فإن فك الرهن، أو عجز المكاتب ففسخت الكتابة.. كان للأب أن يرجع؛ لأن ملك الابن قد عاد إليه. هذا هو المشهور. وحكى القاضي أبو الطيب في " المجرد " وجها آخر في المكاتب: أنه إذا عجز ورق.. كان كما لو باعه، ثم رجع إليه؛ لأن الكتابة تقطع تصرفه فيه، كما لو باعه والأول أصح. [فرع جناية العبد الموهوب في يد الابن] وإن جنى العبد في ملك الابن فتعلق الأرش برقبته: قال القاضي أبو الطيب: فليس للأب أن يرجع فيه؛ لأن تعلق الأرش برقبته حق، فهو كما لو رهنه الابن. قال: فإن بذل الأب فكه ليرجع فيه.. كان له ذلك. ولو كان مرهونا فبذل الأب فكه ليرجع فيه.. لم يكن له. والفرق بينهما: أن فك الرهن فسخ لعقد الموهوب له، فلم يكن له ذلك، وهاهنا لم يتعلق به حق من جهة العقد. [فرع ارتجاع الموهوب من الولد] والرجوع هو أن يقول الأب: ارتجعتها منك، أو رجعت فيما وهبته لك. ولا يفتقر إلى قضاء قاض.

стр. 3928

وقال أبو حنيفة: (لا يصح الرجوع إلا بقضاء قاض) . دليلنا: أنه خيار في فسخ عقد، فلا يفتقر إلى قضاء قاضٍ، كفسخ العقد في خيار الثلاث. وإن كان الموهوب جارية فوطئها الأب.. فهل يكون رجوعا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون رجوعا، كما لو وطئ البائع الجارية المبيعة بشرط الخيار، في حال الخيار. والثاني: لا يكون رجوعا؛ لأن ملك الابن ثابت عليها، فلا يزول إلا بصريح الرجوع، بخلاف المبيع. فإن باع الأب العين الموهوبة، أو وهبها، وأقبضها.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٥] : أحدها - وهو الأصح -: أن الرجوع والبيع يصحان. والثاني: أن البيع والهبة لا يصحان، ولا يصح الرجوع. والثالث: أن الرجوع يصح، ولا يصح البيع والهبة. [مسألة الواهبون على ثلاثة أضرب] الواهبون على ثلاثة أضرب: أحدها: هبة الأعلى للأدنى، مثل: أن يهب السلطان لبعض الرعية، أو يهب الغني للفقير. قال الشيخ أبو حامد: أو يهب الأستاذ لغلامه، فهذه لا تقتضي الثواب؛ لأن القصد من هذه الهبة القربة إلى الله تعالى، دون المجازاة. والثاني: هبة النظير للنظير، كهبة السلطان لمثله، أو الغني لمثله، فهذه لا تقتضي الثواب أيضا؛ لأن القصد بهذه الهبة الوصلة والمحبة. والثالث: هبة الأدنى للأعلى، مثل: أن يهب بعض الرعية للسلطان شيئا، أو يهب الفقير للغني، أو يهب الغلام لأستاذه.. ففيه قولان:

стр. 3929

قال في القديم: (يلزمه أن يثيبه) . وبه قال مالك؛ لما روي عن عمر ﵁: أنه قال: (من وهب هبة يرجو ثوابها.. فهي رد على صاحبها ما لم يثب عليها) . وروي: أن رجلا سأل فضالة بن عبيد، فقال: إني أهديت إلى رجل بازيا فلم يثبني عليه، فقال: إن أثابك وإلا فارجع وخذ بازيك. ولأن العرف والعادة: أن من وهب لمن أعلى منه، إنما يقصد به الثواب من المال، فصار هذا العرف كالشرط. وقال في الجديد: (لا يلزمه أن يثيبه) . وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح؛ لأنه تمليك بغير عوض، فلم يقتض ثوابا كهبة الأعلى لمن هو دونه. وما روي عن عمر وفضالة بن عبيد، فقد روي عن ابن عباس وابن عمر خلافه. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخراسانيون: إذا وهب لمن هو في مثل حاله.. فهل يقتضي إطلاق الهبة الثواب؟ فيه قولان. ومنهم من قال: إذا أطلق الهبة، فإن كان قد نوى الثواب.. استحقه، وإن لم ينو.. فهل يستحقه؟ فيه قولان. فإن قلنا: لا يستحق إلا مع النية، فاختلفا: هل نوى أم لا؟ ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول الواهب؛ لأن الأصل أنه لم يرض بزوال ملكه بغير عوض. والثاني: أن القول قول الموهوب له؛ لأن الأصل عدم النية. والمشهور: طريقة البغداديين.

стр. 3930

فإذا قلنا بقوله الجديد، وأن الهبة لا تقتضي الثواب.. نظرت: فإن وهب لمن هو أعلى منه من غير شرط الثواب، فوهب الموهوب له للواهب هبة.. كان ذلك ابتداء عطية تلزم بالقبض. وإن خرج أحدهما معيبا أو مستحقا.. لم يرجع صاحبها بهبته. وإن وهبه بشرط الثواب: فإن كان ثوابا مجهولا.. بطلت الهبة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الهبة، ولأنه شرط ثوابا مجهولا، فلم يصح، كالبيع بثمن مجهول، فإن قبضها الموهوب له.. كان حكمه حكم البيع الفاسد. وإن شرط ثوابا معلوما.. فهل تصح الهبة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تصح الهبة؛ لأنه شرط ينافي مقتضاها، فلم تصح، كما لو عقد النكاح بلفظ الهبة. فعلى هذا: إذا قبضه كان حكمه حكم البيع الفاسد. والثاني: تصح الهبة، ويلزم الموهوب الثواب المشروط؛ لأن الهبة تمليك العين، وقد ثبت أنه لو قال: ملكتك هذه العين، ولم يذكر العوض.. كان هبة. ولو قال: ملكتكها بدينار.. صح وكان بيعا، فكذلك الهبة بالعوض. فإذا قلنا بهذا: فحكمه حكم البيع الصحيح في خيار المجلس، والثلاث، والرد بالعيب والشفعة. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخراسانيون: هل حكمه على هذا القول حكم البيع أو حكم الهبة؟ فيه قولان: أحدهما: حكمه حكم البيع اعتبارا بالمعنى؛ لوجود العوض فيه. والثاني: حكمه حكم الهبة اعتبارا باللفظ.

стр. 3931

وإن قال: وهبتك درهما بدرهمين.. لم يصح على الطريقين؛ لأنه ربا. وإن قلنا بقوله القديم.. نظرت: فإن أطلق ولم يشرط الثواب.. فالموهوب له بالخيار: بين أن يثيبه، وبين أن يرد الموهوب: فإن اختار أن يثيبه: ففي قدر ما يلزمه ثلاثة أقوال: أحدها: يلزمه أن يثيبه إلى أن يرضى الواهب؛ لما روى أبو هريرة: «أن أعرابيا أهدى للنبي ﷺ ناقة، فأعطاه بدلها ثلاثا، فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثا، فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثا، فرضي، فقال النبي ﷺ : " لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي» . والثاني: يلزمه أن يثيبه بقدر قيمته. وهو قول مالك؛ لأن كل عقد اقتضى العوض إذا لم يسم فيه عوض.. وجبت فيه قيمة المعوض، كالنكاح. والثالث: يلزمه أن يثيبه ما يكون ثوابا لمثله في العادة؛ لأن هذا الثواب وجب بالعرف، فوجب قدره بالعرف. وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٦] وجها آخر: أنه يلزمه أن يثيبه ما يقع عليه الاسم؛ لأنه رضي بزوال ملكه بعوض، وقد يشتري الشيء النفيس بالثمن القليل.

стр. 3932

فإن لم يثبه الموهوب.. فللواهب أن يرجع في العين الموهوبة إن كانت باقية؛ لأنه لم يرض بزوال ملكه عنها إلا بعوض، ولم يحصل العوض. فإن كانت زائدة زيادة متصلة.. رجع فيها وبزيادتها. وإن كانت زائدة زيادة منفصلة.. رجع فيها دون الزيادة، كما قلنا في هبة الأب لولده. وإن كانت العين تالفة.. فهل يرجع عليه بقيمتها؟ فيه قولان: أحدهما: لا يرجع عليه بقيمتها؛ لأنها تلفت في ملكه، فهو كما لو وهب الأب لابنه عينا وتلفت في يده. والثاني: يرجع عليه بقيمتها؛ لأنه ملكها بعوض، فإذا تلفت.. ضمنها بقيمتها. والمذهب الأول. وإن وجد العين وقد نقصت في يد الموهوب له.. رجع الواهب فيها، وهل يرجع عليه بأرش النقص؟ على الوجهين. وإن وهبه بشرط الثواب: فإن كان ثوابا مجهولا، بأن قال: وهبتك على أن تثيبني، فقال: قبلت.. صحت الهبة؛ لأن الهبة تقتضي الثواب، وشرطه تأكيد. وإن شرط ثوابا معلوما.. فهل يصح؟ فيه قولان: أحدهما: لا تصح؛ لأن الهبة تقتضي ثوابا مجهولا، فإذا شرط ثوابا معلوما، فقد شرط ما ينافي مقتضاها، فلم يصح. والثاني: يصح؛ لأن الهبة إذا صحت بشرط الثواب المجهول.. فلأن تصح مع المعلوم أولى.

стр. 3933

[فرع اختلفا على طلب البدل] ] : وإن اختلفا فقال الواهب: وهبتك ببدل، وقال الموهوب له: وهبتني بغير بدل.. ففيه وجهان: أحدهما: القول قول الواهب مع يمينه؛ لأنه لم يقر بخروج ملكه إلا ببدل. والثاني: القول قول الموهوب له؛ لأن الأصل براءة ذمته وعدم شرط البدل. وإن وهبه جارية هبة تقتضي الثواب، فقبضها الموهوب له، ووطئها، ولم يثب الواهب.. فللواهب أن يرجع في جاريته، ولا مهر على الموهوب له؛ لأنه وطئها في ملكه، فهو كما لو وهب الأب لابنه جارية فوطئها الابن ثم رجع الأب عليه، فإنه لا مهر عليه. وإن وهب له ذهبا أو فضة هبة تقتضي الثواب، فإن أثابه من جنس الأثمان.. نظرت: فإن كان قبل التفرق.. صح ذلك، ويعتبر التساوي بينهما إن كانا من جنس واحد، كما قلنا في البيع. وإن كان بعد التفرق.. بطلت الهبة؛ لأن ذلك معاوضة. وإن أثابه من غير جنس الأثمان.. جاز، سواء كان قبل التفرق أو بعد التفرق، كالبيع. والله أعلم وبالله التوفيق

стр. 3934

[باب العمرى والرقبى] العمرى: نوع من الهبة تفتقر إلى الإيجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، ولا يصح القبض فيها إلا بإذن الواهب. وفي العمرى ثلاث مسائل: إحداهن: أن يقول: أعمرتك داري هذه، وجعلتها لك حياتك، أو عمرك، ولعقبك بعدك. فإذا قال الآخر: قبلت، وأذن له في القبض، فقبض.. صح، وكان ذلك هبة. وبه قال أكثر الفقهاء. ومن الناس من قال: لا تجوز العمرى؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا تعمروا ولا ترقبوا» . وقال مالك: (يكون للمعمر في حياته ولعقبه، فإذا انقضى.. رجعت إلى المعمر) . ودليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «العمرى جائزة» . وروى

стр. 3935

جابر: أن النبي ﷺ قال: «من أعمر شيئا له ولعقبه.. فهو للذي يعطاها؛ لا يرجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» . يعني: أنه ورث عن المعطي. وفي رواية أخرى: أن النبي ﷺ قال: «لا تعمروا، ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئا، أو أرقبه.. فهو سبيل الميراث» . وأما النهي: فإنما نهى عما كان يفعله أهل الجاهلية، وهو أنهم كانوا يجعلونها للمعمر في حياته، فإذا مات.. رجعت إلى المعمر. المسألة الثانية: إذا قال: أعمرتك هذه الدار، أو جعلتها لك عمرك، أو ما عشت، أو ما حييت، وأطلق.. ففيه قولان: [أحدهما] : قال في الجديد: (تصح، وتكون للمعمر في حياته، ولورثته من بعده، ولا ترجع إلى المعطي) . وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح؛ لما روى جابر: أن النبي ﷺ قال: «من أعمر شيئا.. فهو له ولعقبه» . وروى جابر: «أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة، فماتت، فقال: أنا أحق بها؛ لأني أعطيتها مدة حياتها، فقال إخوته: نحن فيها شركاء، فاختصموا إلى النبي ﷺ فجعلها ميراثا بينهم» .

стр. 3936

وأما القول القديم: فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق المروزي: قوله القديم: (إنها تكون للمعمر في حياته، فإذا مات.. رجعت إلى المعطي) ؛ لقوله ﷺ : «من أعمر شيئا له ولعقبه.. فهو للذي يعطاها؛ لأ ترجع إلى الذي أعطاها» فدليل خطابه أنه إذا لم يشترط لعقبه.. فإنها ترجع إلى الذي أعطاها. وقال أكثر أصحابنا: قوله القديم: (إن العطية تكون فاسدة) لأنه تمليك عين وقته، فلم يصح، كما لو قال: أعمرتك هذا شهرا، أو بعتك هذا شهرا. المسألة الثالثة: إذا قال: أعمرتك هذه الدار، أو جعلتها لك حياتك، أو عمرك، فإذا مت عادت إلي إن كنت حيا، وإلى ورثتي إن كنت ميتا.. فهي كالثانية على قولين: [الأول] : على القول الجديد: تكون للمعمر في حياته، ولورثته بعده. و [الثاني] : على ما حكاه أبو إسحاق عن القديم: تكون على ما شرط للمعمر في حياته، فإذا مات.. رجعت إلى المعطي إن كان حيا، وإلى ورثته إن كان ميتا. وعلى ما حكاه غيره عن القديم.. تكون العطية باطلة. فإن قيل: هلا قلتم تبطل الهبة على القول الجديد؛ لأن العمرى تقتضي التمليك على التأبيد، فإذا قدره بحياة المعمر، فقد شرط شرطا ينافي مقتضى العقد فأبطله، كما لو قال: وهبتك هذه الدار سنة؟ فالجواب: أن هذا الشرط لا يبطل العمرى؛ لأنه ليس بشرط على المعمر، وإنما

стр. 3937

هو شرط على ورثته. فإذا لم يكن الشرط على المعقود له.. لم يؤثر في العقد، بخلاف ما لو قال: وهبت لك داري سنة، فإنه لا يصح؛ لأن النقصان دخل في ملك المعقود له، فلم يصح. [فرع فيمن أعمره داره] إذا قال رجل لآخر: جعلت لك هذه الدار عمري أو حياتي.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٣٥٧] : أحدهما - ولم يذكر الشيخ أبو حامدٍ غيره -: أن الحكم فيها كما لو قال: جعلتها لك عمرك أو حياتك، على ما مضى. والثاني: لا تصح بحال؛ لأنه إذا جعلها للمعمر مدة حياته.. فكأنه أبد التمليك له؛ لأنه إنما يملك الشيء مدة عمره. فأما إذا قال: عمري أو حياتي، فلم يجعلها له مؤبدا؛ لأن المعطي قد يموت والمعمر حي، فلم يصح، كما لو قال: أعمرتكما شهرا. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٣٥٧] : وهكذا الوجهان إذا قال: أعمرتكها عمر زيد، أو حياته. [مسألة ما يعطى على سبيل الرقبى] ] : وأما الرقبى: فهو أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو جعلت داري لك رقبى ومعنى هذا: أنها لك مدة حياتك، فإن مت قبلي.. عادت إلي، وإن مت قبلك.. فهي لك ولورثتك بعدك.

стр. 3938

فهي كالمسألة الثانية من العمرى، على القول الجديد، تكون للمرقب في حياته ولورثته بعده. وأما على القول القديم: فعلى ما حكاه أبو إسحاق تكون للمرقب في حياته، فإن مات والمعطي حي.. رجعت إليه. وإن مات المعطي أولا.. كانت للمرقب في حياته، ولورثته بعده. وعلى ما حكاه غير أبي إسحاق عن القديم: تكون العطية باطلة. هذا مذهبنا، وبه قال أبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: (الرقبى لا تملك، وتكون عارية؛ لأن معناها أنها لآخرنا موتا، فلا يصح التمليك بهذا؛ لأن التمليك معلق بخطر وغرر) . وقال مجاهد: الرقبى هو: أن يقول: هذه الدار للآخر مني ومنك موتا. وتعلقوا بما روي: «أن النبي ﷺ أجاز العمرى وأبطل الرقبى» . ودليلنا: ما روى جابر: أن النبي ﷺ قال: «يا معشر الأنصار: أمسكوا عليكم أموالكم؛ لأ تعمروا، ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئا أو أرقبه.. فهو له ولورثته» . وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: «العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها» وما رووه غير معروف.

стр. 3939

فإن قيل: فقد سويتم بين معنى العمرى والرقبى، واختلاف الأسماء يدل على اختلاف المسميات؟ قلنا: بينهما فرق، وذلك: أن المعمر يملك ما أعمره مدة عمره، فإذا مات.. اقتضى ذلك أن يرجع إلى المعمر، أو إلى ورثته إن لم يكن باقيا. وأما الرقبى: فاقتضت أنه ملكه إياها، فإن مات.. رجعت إلى المرقب. وإن مات المرقب قبله.. استقرت على ملك المرقب، ولم ترجع بموته إلى ورثة المرقب. [فرع تعطى العمرى من الثلث] إذا قال رجل لآخر: إذا مت فهذه الدار لك عمرك، فإذا مت عادت إلى ورثتي، فإذا مات المعطي، وخرجت الدار من الثلث.. كانت على قولين، كما لو قال: هذه الدار لك عمرك، فإذا مت قبلي، عادت إلي إن كنت حيا، وإلى ورثتي إن كنت ميتا. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٣٥٧] : إذا قال الشريكان في الدار، هي لآخرنا موتا.. صار نصيب كل واحد منهما رقبى لصاحبه، وقد مضى بيان الرقبى. [مسألة صحة إبراء صاحب الدين] ] : ومن وجب له على غيره دين.. صح إبراؤه منه. وهل يفتقر إلى قبول البراءة ممن عليه الدين؟ فيه وجهان: أحدهما: يفتقر إلى قبوله؛ لأن عليه منة في إسقاط الحق عنه.. فافتقر إلى قبوله، كقبول الهبة.

стр. 3940

الثاني - وهو الأصح -: أنه لا يفتقر إلى قبوله؛ لأنه إسقاط وليس بتمليك عين، فلم يفتقر إلى القبول، كإسقاط الشفعة والقصاص والعتق، بخلاف الهبة، فإنها تمليك عين. ولا يصح الإبراء من دين مجهول؛ لأنه إزالة ملك، فلم يصح مع الجهل به، كالهبة. فإن قال: أبرأتك من دينار إلى مائة دينار، وكان يعلم أنه يستحق ذلك عليه.. صحت البراءة. وإن أبرأه من دين وكان من له الدين لا يعلم أنه يستحق ذلك عليه، ثم بان أنه كان يستحقه عليه.. فهل تصح البراءة؟ فيه وجهان: أحدهما: تصح البراءة؛ لأنها وافقت وجوب الدين. والثاني: لا تصح، وهو الأصح؛ لأنه عقد البراءة، وهو متلاعب. وإن قال: تصدقت عليك بالدين الذي لي عليك.. صح ذلك، وكان براءة بلفظ الصدقة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] [البقرة: ٢٨٠] وأراد بالصدقة في الآيتين البراءة. قال أبو العباس: وهذا يدل على صحة البراءة بلفظ الصدقة، وعلى أن الصدقة تصح على الغني والفقير، وعلى أن صدقة التطوع تصح على بني هاشم، وبني المطلب؛ لأنه لم يفرق في الآيتين. وإن وهب دينه لمن هو في ذمته.. صحت الهبة وجها واحدا؛ لأن الهبة والصدقة واحد، فإذا صحت الصدقة.. صحت الهبة، وهل يكون حكمها حكم الإبراء؛ لا يفتقر إلى القبول على الأصح، أو حكم الهبة يفتقر إلى القبول، ولا يلزم حتى تمضي مدة يتأتى فيها القبض؟ على وجهين. فإن وهب من له الدين دينه لغير من هو عليه، أو باعه منه، وكان الدين مستقرا. فهل يصحان؟ فيه وجهان:

стр. 3941

أحدهما: لا يصحان؛ لأنه غير مقدور على تسليمه. والثاني: يصحان، وهو الأصح؛ لأن الذمم تجري مجرى الأعيان، بدليل: أن الرجل يبتاع بعين ماله، ويبتاع بثمن في ذمته. وكذلك يبيع عين ماله، ويبيع ما في ذمته، وما جاز بيعه وابتياعه.. جازت هبته؛ لأنه لا خلاف أن الحوالة تصح، وهي في الحقيقة بيع، فكذلك البيع. فإذا قلنا بهذا: فهل يفتقر لزوم الهبة إلى الإذن بالقبض، وإلى القبض؟ فيه وجهان: أحدهما: يفتقر إلى ذلك؛ لأن هذا شرط في لزوم الهبة في العين، فكذلك في الدين. والثاني: لا يفتقر إلى ذلك، وهو الأصح، كالحوالة لا يعتبر فيها القبض. والله أعلم وبالله التوفيق.

стр. 3942

[كتاب الوصايا]

стр. 3943

كتاب الوصايا الوصية: مأخوذة من قولهم: وصيت الشيء أصيه إذا وصلته؛ لأن الموصي يصل ما كان منه في حياته بما بعده من أمر مماته. والأصل في ثبوت الوصية: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] [النساء: ١٢] . وأما السنة: فما روي: أن النبي ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» .

стр. 3944

وروي: «أن النبي ﷺ لما قدم المدينة.. سأل عن البراء بن معرور، فقالوا له: إنه هلك، وأوصى لك بثلث ماله، فقبله النبي ﷺ ، ثم رده على ورثته» . وأما الإجماع: فروي: (أن أبا بكر ﵁ وصى بالخلافة إلى عمر ﵁) . و: (لما طعن عمر.. أوصى بالخلافة إلى أهل الشورى، وهم ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص) . وظهر ذلك في الصحابة ﵃، ولم يخالفهم أحد، بل عمل به. إذا ثبت هذا: فإن ما يوصي به الإنسان ضربان، وصية بالنظر فيما كان النظر له فيه، ووصية بثلث ماله.

стр. 3945

فأما الوصية بالنظر: فإن من ثبت له الخلافة على الأمة.. فله أن يوصي بها إلى رجل توجد فيه شروط الخلافة على ما يأتي بيانه إن شاء الله في موضعه؛ لما ذكرناه من حديث أبي بكر وعمر رضى الله عنهما. وإن ثبت لرجل النظر في ملك ولده الصغير، ولا جد للصغير من أبيه، ولا أم له.. فللأب أن يوصي بالنظر في ماله إلى من يصلح لذلك، ويكون وصي الأب أولى بالنظر في مال الصغير من الحاكم؛ لما روي: (أنه أوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب النبي ﷺ في أمر أولادهم الصغار، منهم: عثمان، والمقداد، وعبد الرحمن، وابن مسعود) . وإن كان للصغير جد من أبيه يصلح للنظر، فأوصى الأب إلى غير الجد.. كان الجد أولى بالنظر. وقال أبو حنيفة: (وصي الأب أولى من الجد) وبه قال بعض أصحابنا الخراسانيين، والجويني؛ لأنه لما كان الأب أولى بالنظر من الجد.. كان وصيه أولى من الجد، كما قلنا في وصي الأب مع الحاكم. وهذا غلط؛ لأنها ولاية يستحقها الجد بالقرابة، فكان مقدما على وصي الأب، كولاية النكاح. وإن لم يكن للصبي جد، ولكن له أم تصلح للنظر في ماله، وأوصى الأب إلى غيرها:

стр. 3946

فإن قلنا بالمذهب: وأن الأم لا ولاية لها بالنظر في مال ولدها.. كان الناظر هو وصي الأب. وإن قلنا بقول الإصطخري: وأن الأم لها ولاية بالنظر في مال ابنها.. فهل يقدم وصي الأب عليها؟ ينبغي أن يكون على الوجهين في وصي الأب مع الجد. والصحيح: أن الأم مقدمة على وصي الأب. [مسألة الناظر لا يزوج] ] : وإن أوصى رجل إلى رجل بالنظر في أمر أولاده، وله بنات.. لم يكن للوصي تزويجهن بلا خلاف. وإن أوصى إليه بالنظر في مال أولاده الصغار، وتزويج بناته.. لم يكن للوصي تزويجهن، سواء كن البنات صغارا أو كبارا، عين له الزوج أو لم يعينه، بل إن كان للبنات ولي مناسب.. زوجهن، وإلا.. فالحاكم يزوجهن. وبه قال الثوري وأبو حنيفة. وقال أبو ثور: (الوصي أولى بتزويجهن من الولي المناسب) . وقال مالك: (إذا أوصى إليه في تزويج بناته مطلقا.. كان الوصي أحق بإنكاحهن من الولي المناسب. فإن كن كبارا.. لم يزوجهن إلا بإذنهن. وإن كن صغارا.. لم يزوجهن الوصي إلا إن عين له الموصي الزوج) . دليلنا: ما «روى عبد الله بن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون ابنة أخيه عثمان بن مظعون، فمضى المغيرة بن شعبة إلى أمها، فأرغبها في المال، فمالت إليه، فذهبت أمها إلى النبي ﷺ وقالت: إن ابنتي تكره ذلك. فمضى قدامة بن مظعون إلى النبي ﷺ وقال: أنا عمها ووصي أبيها، وقد زوجتها من عبد الله بن عمر، وما نقموا منه إلا أنه لا مال له، فقال النبي ﷺ : " إنها يتيمة، وإنها لا تنكح إلا بإذنها» .

стр. 3947

فموضع الدليل: أن النبي ﷺ قال: «لا تنكح إلا بإذنها» وقد أخبره قدامة أنه وصي أبيها، ولم يسأله النبي ﷺ هل وصى إليه بإنكاحها، أم لا؟ وهل عين له الزوج، أم لا؟ فلو كان الحكم يختلف بذلك.. لسأله عنه. فقيل: إن المغيرة تزوجها بعد ذلك. ولأن ولاية النكاح لها تستحق بالشرع، فلم يجز نقلها عنه بالوصية، كالوصية في أمر الصغير مع وجود الجد. [فرع الوصية بالدين والحج والكفارة] ومن عليه دين، أو زكاة، أو حج، أو كفارة. أو كان في يده وديعة، أو غصب.. فله أن يوصي إلى من يخرج ذلك من تركته؛ لأنه إذا ملك أن يوصي بالنظر في أمر غيره.. فلأن يملك ذلك في خاصة نفسه أولى. [مسألة الوصية بالثلث] ] : وأما الوصية بالثلث: فكل من ملك التصرف في ماله بالبيع والهبة. ملك الوصية بثلث ماله بما فيه قربة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] [النساء: ١٢] . وروي: أن النبي ﷺ قال: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر آجالكم زيادة في حسناتكم» .

стр. 3948

وروي «عن سعد بن أبي وقاص: أنه قال: مرضت بمكة عام الفتح مرضا أشرفت فيه على الموت، فدخل علي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله: إن لي مالا كثيرا، وإنما يرثني ابنة لي، أفأتصدق بمالي كله؟ قال: " لا ". قلت: أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: " لا ". قلت: فبالشطر؟ قال: " لا ". قلت: فبالثلث؟ قال: " الثلث، والثلث كثير - وروي " كبير " - إنك أن تترك ورثتك أغنياء.. خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» فلم ينهه عن الثلث، وإنما قال: هو كثير. فدل على جواز التصدق به. و (العالة) : الفقراء. قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] [الضحى: ٨] . وقوله: «يتكففون الناس» معناه: يسألون بأكفهم الناس. فإن كان ورثته فقراء.. فالمستحب له أن لا يوصي بجميع الثلث؛ لقوله ﵊: «إنك أن تترك ورثتك أغنياء.. خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» .

стр. 3949

وإن كانوا أغنياء: استحب له أن يوصي بجميع الثلث؛ لأنه لما كره له استيفاء الثلث إذا كانوا فقراء.. دل على أنه يستحب له أن يستوفي الثلث إذا كانوا أغنياء. والمستحب لمن رأى المريض يجنف في الوصية أن ينهاه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] [النساء: ٩] . قال أهل التفسير: المراد بذلك الحاضرون عند الموصي. والمستحب لمن أراد التصدق: أن يفعل ذلك في صحته؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصدقة، فقال: «أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم.. قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» . وإن اختار الوصية.. فالمستحب له أن يقدمها؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» . قال الشافعي: (معناه: ما الحزم، وما الأحوط، أو ما الاحتياط له، إلا هذا) . وقال غيره: هذا في الرجل عنده أمانات للناس، أو عليه ديون لهم، فتلزمه الوصية بذلك. إذا ثبت هذا: فالناس الموصى لهم على ثلاثة أضرب:

стр. 3950

[إحداها] : ضرب تجوز لهم الوصية ولا تجب، بلا خلاف بين أهل العلم، وهو: من كان أجنبيا من الموصي؛ لأن البراء بن معرور أوصى للنبي ﷺ بثلث ماله فقبلها منه، ولا قرابة بينهما؛ لأن النبي ﷺ قرشي والبراء أنصاري. والضرب الثاني: تجوز لهم الوصية ولا تجب عندنا، وهم من لا يرث الموصي وبينهما قرابة، كالعمات والخالات، وسائر ذوي الأرحام. أو كان ممن يرثه إلا أن هناك من يحجبه. وقال الضحاك، والزهري، وأبو مجلز، وداود، وابن جرير: (تجب لهم الوصية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] [البقرة: ١٨٠] . ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] . وفسر ذلك بالوصية، فجعل ذلك إليهم. ولقوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» فعلق الوصية على الإرادة. ولقوله ﷺ : «إنك أن تترك ورثتك أغنياء.. خير من أن تتركهم عالة» . وهذا يدل على أنها لا تجب؛ لأن ترك الوارث غنيا لا يكون خيرا من الواجب. وروي: (أن عليا ﵁ دخل على [رجل من بني] هاشم، فقال له: لي ثمانمائة درهم، أفأوصي؟ قال: لا) . وروي: (أن ابن عباس دخل على مريض، فقال: لي سبعمائة درهم، أفأوصي؟ قال: لا، إنك لا تترك خيرا) . والخبر عنده ثمانمائة درهم. وقيل: ألف.

стр. 3951

وكذلك روي عن ابن عمر وعائشة. وأما الآية: فمنسوخة بآية المواريث. والضرب الثالث: إذا أوصى رجل لوارثه: قال الشيخ أبو حامد: فلا تصح الوصية له، قولا واحدا؛ لما روى أبو أمامة: أن النبي ﷺ قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» . وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» . فإن أجاز سائر الورثة الوصية، فهل تكون إجازتهم لها تنفيذا لما فعله الموصي، أو ابتداء عطية؟ منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: إنه ابتداء عطية منهم؛ لحديث أبي أمامة: أن النبي ﷺ قال: «لا وصية لوارث» ولأنها عطية لا تلزم في حق الوارث، فكانت ابتداء عطية منه، كما لو وهبه الوارث شيئا من مال نفسه.

стр. 3952

والثاني: إنه تنفيذ لما فعله الموصي. وهو قول أبي حنيفة، وهو الأصح؛ لحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لا تجوز الوصية للوارث إلا أن يشاء الورثة» فدل على أنهم إذا شاءوا.. جازت الوصية. وقال الشيخ أبو إسحاق: هل تصح الوصية للوارث؟ على قولين، ووجههما ما ذكرناه. فإذا قلنا: تصح الوصية له، فلأي. [مسألة الوصية بأكثر من الثلث] وإذا أوصى بما زاد على ثلث ماله: فإن لم يكن له وارث متعين.. لم تصح الوصية بما زاد على الثلث. وبه قال مالك، وأهل المدينة. وقال أبو حنيفة: (تصح) . دليلنا: قوله ﷺ «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم» ولم يفرق، ولأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة، ولا وارث له غير المسلمين، وهم غير معينين، ولا تتأتى الإجازة منهم. وإن كان له وارث متعين.. فالحكم فيه كالحكم فيمن أوصى لوارثه. قال الشيخ أبو حامد: لا تصح الوصية بما زاد على الثلث، قولا واحدا. فإن أجازه الورثة.. فهل يكون ذلك تنفيذا لما فعله الموصي، أو ابتداء عطية من الورثة؟ على قولين.

стр. 3953

وقال الشيخ أبو إسحاق: هل تصح الوصية بما زاد على الثلث؟ فيه قولان: أحدهما: لا تصح؛ لـ: «أن النبي ﷺ نهى سعدا عن الوصية بما زاد على الثلث» والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. والثاني: تصح؛ لأن الوصية صادفت ملكه، وإنما يتعلق بها حق الوارث فيما بعد، وذلك لا يمنع صحة تصرفه، كما لو اشترى رجل شقصا فيه شفعة، فباع الشقص قبل أن يأخذه الشفيع. فإن قلنا: إن إجازة الورثة في الوصية للوارث فيما زاد على الثلث تنفيذ لما فعله الموصي.. كفاهم لفظ الإجازة، ولا يحتاج الموصى له إلى قبول الإجازة. وإن قلنا: إن إجازة الورثة ابتداء عطية منهم.. ففيه وجهان: [إحداهما] : قال الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: لا يصح ذلك إلا بما تصح به الهبة من الإيجاب والقبول، والإذن بالقبض، والقبض. و [الثاني] : قال القفال، والمسعودي [في " الإبانة " ق\ ٤١٠] ، وابن الصباغ: يكفيه لفظ الإجازة على القولين؛ لأن الشافعي ﵀ قال في جميع كتبه: (إذا أجاز الورثة ذلك.. كانت عطية) ولأن النبي ﷺ قال: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» فعلقها على الإجازة، فدل على أنهم إذا أجازوها بلفظ الإجازة.. صح. وإن أعتق المريض عبدا لا مال له غيره.. عتق ثلثه عليه، وثبت ولاؤه له. وأما ثلثاه: فإن لم يجز الورثة العتق.. رق. وإن أجازوه. فإن قلنا: إن الإجازة تنفيذ لما فعله الميت.. كفاهم لفظ الإجازة، وكان ولاء جميع العبد للمريض. وإن قلنا: إن الإجازة ابتداء عطية منهم.. فهل تفتقر إلى لفظ العتق، أو يكفي فيه لفظ الإجازة؟ على وجهين.

стр. 3954

وهل يكون ولاء ما زاد على الثلث للمريض، ولوارثه إذا قلنا: لا يعتق إلا بإعتاق الوراث؟ فيه وجهان: أحدهما: أن ولاءه للوارث؛ لأنه باشر عتقه. والثاني: أنه للموصي. وهو قول ابن اللبان؛ لأن الوارث وإن باشر عتقه إلا أنه أعتقه عن الميت بإذنه، ومن أعتق عن غيره عبده بإذنه.. فإن ولاءه للمعتق عنه. [فرع إجازة الورثة الوصية بعد الموت] وإذا مات الموصي فأجاز ورثته وصيته فيما زاد على الثلث، أو أجازوا وصيته لوارثه.. صحت الإجازة. وإن أجازوا ذلك قبل موت الموصي.. لم تصح الإجازة، سواء أجازوا ذلك في صحة الموصي، أو في مرض موته. وبه قال ابن مسعود، وشريح، وطاووس، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد. وقال الحسن، وعطاء، والزهري، وربيعة: تصح الإجازة. وقال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: (إن أجازوا ذلك في صحة الموصي.. لم تصح. وإن أجازوا ذلك في مرض موته.. صحت إجازتهم) . دليلنا: أنه لا حق للوارث قبل موت الموصي، فلم تصح إجازته، كما لو عفا الشفيع عن الشفعة قبل البيع. [فرع اختلفا بعد إجازة الوصية لكثرتها] وإن أوصى لرجل بثلثي ماله، ومات الموصي، فأجاز الوارث الوصية، ثم قال: أجزته لأنني ظننت أن الذي أجزته يسير وقد بان لي أنه كثير. فإن كان مع الموصى له بينة أن الوارث يعلم قدر ما أجازه.. لزمته الإجازة في الجميع. وإن لم يكن معه بينه.. لزم الوارث الإجازة في قدر ما علمه من المال، والقول

стр. 3955

قوله مع يمينه فيما لم يعلمه؛ لأن الإجازة كالإسقاط في أحد القولين، وكالهبة في الآخر. والجميع لا يصح مع الجهالة به. وإن أوصى لرجل بعبد، وقيمته أكثر من ثلث المال، وأجازه الوارث، ثم قال: ظننت أن الزيادة على الثلث يسيرة فأجزته، وقد بان أنه كثير.. ففيه قولان: أحدهما: أنها كالمسألة قبلها. والثاني: يلزم الوارث الإجازة في العبد، ولا يقبل قوله أنه لا يعلم قدر ما أجازه؛ لأن الموصى به هاهنا شيء بعينه، وقد أجازه، فلم يقبل قوله، وفي التي قبلها: الوصية في جزء مشاع، فقبل قوله. [فرع الوصية للوارث بقدر الإرث] وإن أوصى لأحد ورثته بما كان نصيبه من جهة الميراث بالقيمة إلا أنه عين له عينا، مثل أن يموت رجل وخلف ابنا وابنة، وخلف دارا بألف، وأوصي بها للابن، وعبدا بخمسمائة، وأوصى به للابنة.. فهل تصح الوصية؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٤٣٦] : أحدهما: تصح، ولا تفتقر إلى إجازة؛ لأن حقوق الورثة في المقادير لا في الأعيان، فهو كما لو باع الدار من ابنه بألف، وباع العبد من ابنته بخمسمائة في مرض موته. والثاني: لا تصح الوصية لهما من غير إجازة؛ لأن الوارث قد يكون له غرض في ملك العين، فلا يجوز للموصي إبطال ذلك عليه. [فرع وقت اعتبار قيمة الثلث] وفي الوقت الذي يعتبر به المال لإخراج الثلث وجهان: أحدهما: أن الاعتبار به وقت الوصية؛ لأن الوصية عقد على المال، فكان الاعتبار بقدر المال وقت العقد، كالبيع والنذر.

стр. 3956

فعلى هذا: إذا أوصى له بثلث ماله، ولا مال له وقت الوصية.. لم تصح له الوصية، وإن استفاد مالا بعد ذلك.. لم تتعلق به الوصية الأولى. وإن كان ثلثه عند الوصية ألفا، فصار عند الوفاة ألفين.. لم تصح الوصية إلا بالثلث، وهو عند الوصية ألف. وإن كان له مال عند الوصية، فهلك ذلك المال واستفاد مالا آخر.. لم تتعلق به الوصية الأولى. والوجه الثاني - وهو المذهب، وهو قول أهل العراق، قال الشيخ أبو حامد: وأظنه إجماعا -: أن الاعتبار بالمال وقت موت الموصي؛ لأن الوصية وعد في حياة الموصي لا حكم لها، وإنما تجب ويصير لها حكم بوفاته، فاعتبر المال وقت وجوبها، ولأنه لا خلاف أنه لو وصى بثلث ماله، وله مال فباعه، فإن الوصية تتعلق بالثمن، فلو كان الاعتبار بالمال وقت الوصية.. لبطلت هاهنا. فعلى هذا: إذا وصى بثلث ماله وكان له ألف، فصار عند الوفاة ألفين، أو كان له مال وقت الوصية فهلك واستفاد غيره.. تعلقت الوصية بجميع ماله الموجود عند موته. وإن وصى لرجل بثلث ماله، ولا مال له.. ففيه وجهان: أحدهما: تصح الوصية، فإن استفاد مالا بعد ذلك.. تعلقت به الوصية الأولى؛ لما ذكرناه. والثاني - حكاه ابن اللبان -: لا تصح الوصية حتى يكون له مال وإن قل؛ لتتوجه إليه الوصية. وهذا ليس بشيء. [مسألة وصية الصغير والسفيه بقربة] وهل تصح وصية الصبي المميز، والمحجور عليه للسفه، بما فيه قربة؟ فيه قولان:

стр. 3957

أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يصح تصرفه في ماله بالبيع والهبة، فلم تصح وصيته كغير المميز. والثاني: تصح؛ لأنه إنما منع من بيع ماله وهبته خوفا من إضاعته، وبالوصية لا يضيع ماله؛ لأنه إن عاش.. فالمال باق على ملكه، وإن مات.. فله حاجة إلى الثواب، والثواب يحصل له بالوصية. [مسألة فساد الوصية بما فيه معصية] ولا تصح الوصية بما لا قربة فيه، كالوصية لمن يرتد عن الدين، ويقطع الطريق. وكالوصية للكنائس، والبيع، والوصية بالسلاح لأهل الحرب؛ لأن ذلك إعانة على المعصية، والوصية إنما جعلت لاكتساب الحسنات. وإن وصى للحربي بغير السلاح.. فهل تصح وصيته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تصح. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنا مأمورون بقتله، فلا معنى للوصية له. والثاني: تصح. وهو المذهب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] [النساء: ١١] ولم يفرق، ولأن من صح تملكه بالبيع.. صحت الوصية له، كالمسلم. وتصح الوصية للذمي؛ لـ (أن صفية زوج النبي ﷺ وصت لأخيها بثلثها، ثلاثين ألفا، وكان ذميا يهوديا) .

стр. 3958

[فرع وصى ببيع فيه محاباة] وإن وصى ببيع عين من رجل بمحاباة.. صحت الوصية؛ لأن في ذلك نفعا للموصى له. وإن وصى أن تباع إليه من غير محاباة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تصح الوصية؛ لأنه لا منفعة للموصى له في البيع إليه من غير محاباة. والثاني: تصح الوصية؛ لأنه قصد تخصيصه بملك المبيع. [مسألة الوصية للقاتل] وإن وصى لقاتله.. فهل تصح؟ فيه قولان: أحدهما: لا تصح. وبه قال أبو حنيفة؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يقاد والد بولده، وليس للقاتل شيء» . وهذا عام، ولأنه مال مستحق بالموت، فلم يستحقه القاتل، كالميراث. وفيه احتراز من الدين الثابت له عليه.

стр. 3959

والثاني: تصح الوصية. وبه قال مالك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] [النساء: ١٢] ولم يفرق، ولأنه تمليك يفتقر إلى القبول، فلم يمنع القتل منه، كالبيع. وفيه احتراز من الميراث. قال المسعودي [في " الإبانة "] : واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا وصى رجل لرجل، ثم قتل الموصى له الموصي. فأما إذا جرح رجل رجلا، ثم أوصى المجروح للجارح، ثم مات المجروح.. فيصح قولا واحدا. ومنهم من قال: القولان في الحالين، وهو قول الشيخ أبي حامد، وهو المشهور. [فرع قتل أم ولد مولاها] وإن قتلت أم ولد مولاها.. عتقت بموته؛ لأن عتقها ليس بوصية. وإن قتل المدبر مولاه: فإن قلنا: إن التدبير عتق بصفة.. عتق المدبر. وإن قلنا: إنه وصية.. كان في عتقه القولان في الوصية للقاتل. وإن كان لرجل على آخر دين مؤجل، فقتل من له الدين من عليه الدين قبل حلوله.. حل الدين؛ لأن حلوله حظ لمن عليه الدين؛ لإبراء ذمته. [مسألة الوصية ممن يملك] ] : ولا تصح الوصية لمن لا يملك، فإن وصى لميت.. لم تصح الوصية، سواء ظنه حيا، أو علمه ميتا. وبه قال أبو حنيفة.

стр. 3960

وقال مالك: (إن ظنه حيا فبان أنه ميت.. بطلت الوصية. وإن علمه ميتا.. صحت الوصية، وتكون لوارثه) . دليلنا: أنه تمليك، فلم تصح للميت، كالهبة، ولأنها وصية لميت، فلم تصح، كما لو ظنه حيا. [فرع الوصية لحمل امرأة] ] : وإن وصى لحمل امرأة وكان موجودا حال الوصية.. صحت؛ لأن الوصية أوسع من الميراث، بدليل: أن كل من ورث المال صحت الوصية له، وقد تصح الوصية لمن لا يرث، وهو العبد. والحمل ممن يرث، فصحت له الوصية، ولأن أكثر ما في الحمل الغرر والجهالة به، وذلك لا يؤثر في الوصية. إذا ثبت هذا: فإن خرج الحمل ميتا.. لم تصح الوصية؛ لأنا لا نتيقن حياته عند الوصية. وإن خرج حيا: فإن وضعته لدون ستة أشهر من حين الوصية.. صحت الوصية، سواء كانت فراشا لزوج أو لسيد، أو لم تكن فراشا؛ لأنا نتيقن وجوده حين الوصية. وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الوصية.. لم تصح الوصية، سواء كانت فراشا أو لم تكن؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الوصية وإن وضعته لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من حين الوصية: فإن كانت فراشا لزوج أو سيد أقر بوطئها.. لم تصح له الوصية؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الوصية، بل يجوز حدوثه بعد الوصية. وإن كانت غير فراش.. فنقل البغداديون من أصحابنا: أن الوصية تصح له؛ لأنا نحكم بوجوده حال الوصية، بدليل: أنه يلحق بالزوج. ونقل المسعودي [في " الإبانة "] في ذلك قولين: أحدهما: تصح الوصية له؛ لما ذكرناه.
следующие страницы →