Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
وإن وصى له بخبز فجعله فتيتاً.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه رجوع؛ لأنه أزال عنه الاسم.
والثاني: ليس برجوع؛ لأنه يقال: خبز مدقوق.
وإن وصى له برطب فجعله تمراً، أو بلحم فطبخه أو شواه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه رجوع؛ لأنه أزال عنه الاسم.
والثاني: ليس برجوع؛ لأنه أبقى له.
وإن وصى له بقطن فغزله، أو بغزل فنسجه.. كان رجوعاً؛ لأنه أزال عنه الاسم. وإن وصى له بقطن فحشا به فراشاً.. ففيه وجهان.
أحدهما: أنه ليس برجوع؛ لأن اسم القطن باق عليه.
والثاني: أنه رجوع؛ لأنه جعله للاستهلاك.
وإن وصى له بشاة فذبحها.. كان رجوعاً؛ لأنه أزال عنها الاسم.
وإن وصى له بثوب فغسله.. لم يكن رجوعاً؛ لأنه باق. وإن قطعه قميصاً، أو وصى له بخشبة فشقها باباًَ.. ففيه وجهان.
أحدهما: أنه رجوع؛ لأنه أزال عنهما اسم الثوب والخشبة.
والثاني: ليس برجوع؛ لأن الاسم باق عليهما.
[فرع إزالة اسم العين الموصى بها]
وإن وصى له بدار فهدمها الموصي.. بطلت الوصية فيها؛ لأنه تصرف أزال به الاسم، فكان رجوعاً، كما لو أوصى له بحنطة فطحنها.
وإن انهدمت في حياة الموصي، فإن لم يزل عنها اسم الدار.. لم تبطل الوصية فيما لم ينفصل عنها. وأما ما انفصل عنها من أحجار وآجر وأخشاب.. فالمنصوص: [أنه لورثة الموصي] ؛ لأنه جاء وقت لزوم الوصية وهو منفصل.
ومن أصحابنا من قال: إنه للموصى له؛ لأن الوصية تناولته. وليس بشيء.
стр. 4097
وإن زال عنها اسم الدار، بأن صارت براحاً، فإن قلنا: إن الآلة التي انفصلت عنها في الأولى للموصى له.. لم تبطل الوصية هاهنا في الآلة والعرصة.
وإن قلنا بالمنصوص.. فإن الآلة لورثة الموصي، وفي العرصة وجهان:
أحدهما: أنها للموصى له؛ لأنها ثبوت الدار.
والثاني ـ وهو المذهب: - أن الوصية تبطل بها أيضاً؛ لأنه لا يقع عليها اسم الدار.
وإن انهدمت بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له، ثم قبل.. فإن الدار وما انفصل عنها للموصى له؛ لأنه جاء وقت لزوم الوصية وهي متصلة بالدار.
ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الموصى له ملك بالموت.. كان الجميع له. وإن قلنا: إنه ملك بنفس القبول.. كان ما انفصل عنها لورثة الموصي.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ضعيف؛ لأنه يلزم على هذا: إذا خربت الدار كلها بعد الموت وقبل القبول، وقلنا: إن ملكه بالقبول.. أن الوصية تبطل وتكون لورثة الموصي! وما قال هذا أحد من أصحابنا.
وإن وصى له بدار، ثم بنى عليها بيتاًَ آخر، فإن قلنا: إن المنفصل عنها في حياة الموصي لورثة الموصي.. كان البيت الملحق بالدار لهم. وإن قلنا: إن المنفصل للموصى له.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٤٣٨] : كان البيت الملحق للموصى له أيضاًَ.
[فرع استعمال الموصى به]
وإن وصى له بأرض فزرعها.. لم يكن رجوعاً، كما لو وصى له بدار فسكنها. وإن غرسها أو بنى فيها.. ففيه وجهان:
стр. 4098
أحدهما: أنه ليس برجوع، كزراعتها.
والثاني: أنه رجوع؛ لأنهما يرادان للبقاء.
فإذا قلنا بالأول.. ففي موضع الغراس وقرار البناء وجهان:
أحدهما: أن ذلك ليس برجوع فيه، كالبياض الذي بين ذلك.
والثاني: أنه رجوع فيه؛ لأنه تابع لما عليها.
[فرع وصى بمنفعة دار سنة ثم أجرها]
قال الشيخ أبو إسحاق: وإن أوصى له بمنفعة داره سنة، ثم أجرها دون السنة.. لم يكن رجوعاً؛ لأن الإجارة قد تنقضي قبل موت الموصي، فإن مات قبل انقضاء الإجارة.. ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل الوصية فيما بقي من مدة الإجارة.
والثاني: لا تبطل، بل يسكن الموصى له سنة بعد انقضاء مدة الإجارة.
والله أعلم
стр. 4099
باب الأوصياء لا تصح الوصية إلا إلى بالغ عاقل مسلم عدل، حر؛ لأن الوصية تقتضي ولاية وأمانة، وذلك لا يصح إلا ممن جمع هذه الشرائط.
أما (الولاية) : فلأن الوصي يلي أموال الأطفال وتفرقة ثلث الميت.
وأما (الأمانة) : فلأن المال يكون عنده.
فإذا اختل شرط من هذه الشروط.. لم يكن من أهل الولاية والأمانة. فإن أوصى إلى صبي أو مجنون.. لم تصح الوصية؛ لأنه مولى عليهما، فلا يملكان الولاية على غيرهما وهذا إجماع.
وإن أوصى إلى مسلم فاسق.. لم يصح.
وقال أبو حنيفة: (يصح) .
دليلنا: أن الوصية تقتضي ولاية وأمانة كما ذكرناه، والفاسق ليس من أهل الولاية والأمانة.
وإن وصى مسلم إلى كافر.. لم تصح الوصية؛ لأن الفسق ينافي الوصية، فالكفر أولى، وهو إجماع أيضاً.
وإن وصى كافر إلى كافر: فإن كان الكافر غير رشيد في دينه.. لم تصح الوصية إليه، كالوصية إلى المسلم الفاسق. وإن كان الوصي رشيداً في دينه.. ففيه وجهان:
стр. 4100
أحدهما: يصح؛ لأنه يجوز أن يكون ولياً له، فجاز أن يكون وصياً له.
والثاني: لا يصح، كما لا يكون شاهداً له.
أما الوصية إلى العبد: فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب:
فـ[الأول] : ذهب الشافعي إلى: أن الوصية لا تصح إليه بحال، سواء أوصى إلى عبد نفسه أو إلى عبد غيره، بإذن سيده أو بغير إذنه، وسواء كان ورثته كباراً أو صغاراً، أو بعضهم كباراً وبعضهم صغاراً. وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.
و [الثاني] : ذهب مالك: إلى أن الوصية تصح إلى عبده وإلى عبد غيره إذا أذن له سيده.
و [الثالث] : ذهب الأوزاعي، وابن شبرمة إلى أنه: إن أوصى إلى عبد نفسه.. صح. وإن أوصى إلى عبد غيره.. لم يصح بحال.
و [الرابع] : قال أبو حنيفة: (إن أوصى إلى عبد غيره.. لم يصح. وإن أوصى إلى عبد نفسه.. نظرت: فإن كان في ورثته كبير يلي.. لم يصح. وإن كانوا كلهم صغاراً.. صح) .
دليلنا: أنه مولى عليه فلم تصح الوصية إليه، كالمجنون.
قال الشافعي: (ولا تصح الوصية إلى المدبر، ولا إلى المكاتب، وأم الولد، والمعتق بصفة، ولا إلى المعتق بعضه؛ لأن بعض الرق حاصل فيهم، فهم بمنزلة العبد) .
[فرع: وصاية المرأة]
وإذا جمعت المرأة الشرائط الخمس.. جازت الوصية إليها، وهو قول كافة العلماء إلا عطاء، فإنه قال: لا يجوز.
стр. 4101
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» .
فجوز لها أن تنفق على أولادها الصغار.
وروي: (أن عمر أوصى إلى ابنته حفصة) ، ولا مخالف له.
وإن جمع الأعمى الشرائط الخمس.. فهل تصح الوصية له؟ فيه وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنه من أهل الشهادة.
والثاني: لا تصح؛ لأن الوصي يراد للنظر، والأعمى لا يصلح للنظر.
[مسألة شرائط الوصي تعتبر عند الموت]
ومتى يعتبر وجود الشرائط الخمس في الوصي؟ فيه ثلاثة أوجه:
[أحدها] : من أصحابنا من قال: يعتبر وجودها عند موت الموصي دون ما قبله؛ لأن الوصي إنما يستحق النظر في تلك الحال دون ما قبله، فاعتبر حاله فيه كما يعتبر كون الشخص وارثاً عند موت المورث دون ما قبله.
стр. 4102
و [الثاني] : منهم من قال: يعتبر وجود الشرائط في الوصي عند عقد الوصية، وعند موت الموصي دون ما بينهما؛ لأن وقت الوصية حال الإيجاب، ووقت الموت حال القبول.
و [الثالث] : منهم من قال: تعتبر وجود الشرائط في الوصي من حين الوصية إلى أن يموت الموصي؛ لأن كل وقت من ذلك يجوز أن يموت فيه الموصي فيستحق الوصي فيه النظر.
قال الشيخ أبو حامد: والأول أصح. قيل له: فكيف يكون الأول أصح وقد قال الشافعي: (لا تصح الوصية إلى المدبر، ولا إلى أم الولد) ، وكل واحد منهما يعتق بوفاته فتكمل فيه الشرائط؟ فقال: يحمل قوله هذا على أنه أراد: مدبر غيره، وأم ولد غيره.
فإن أوصى إلى من جمع الشرائط، ثم تغيرت حال الوصي بعد موت الموصي، فإن تغير لضعف عن الحساب أو الحفظ.. لم ينعزل بذلك، بل يضم إليه الحاكم أميناً يعاونه؛ لأن الضعف لا ينافي الولاية، بدليل: أن الأب والجد يليان مال ولدهما وإن كان فيهما ضعف.
ولو كان الحاكم هو الذي نصب الأمين فضعف. فله عزله؛ لأنه نصبه.
وإن فسق الوصي أو جن.. انعزل عن الوصية؛ لأن الفسق والجنون ينافيان الولاية، بدليل: أن الأب والجد والحاكم إذا فسق واحد منهم أو جن.. بطلت ولايته.
[مسألة الوصية إلى اثنين]
فإذا أوصى إلى اثنين.. صح، كالوكالة. فإن وصى إليهما، وإلى كل واحد منهما، مثل أن يقول: أوصيت إليكما، وإلى كل واحد منكما، أو لكل واحد منكما أن يتصرف على الانفراد.. صح. فإن اجتمعا على التصرف.. صح. وإن انفرد أحدهما بالتصرف.. صح أيضا؛ لأن كل واحد منهما كالوصي المنفرد.
стр. 4103
وإن مات أحدهما أو فسق أو جن.. لم يضم الحاكم إلى الآخر غيره؛ لأن الموصي رضي بنظر كل واحد منهما.
وإن قال: أوصيت إليكما على أن لا ينفرد أحدكما بالنظر والتصرف.. لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف؛ لأن الموصي لم يرض بنظره وحده. فإن اجتمعا على التصرف.. صح. وإن انفرد أحدهما بالتصرف.. نظرت: فإن كان في رد وديعة أو مغصوب.. وقع موقعه؛ لأن للمودع والمغصوب أن يأخذ ماله بغير واسطة.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٤٣٩] : وهكذا لو كان ما انفرد به قضاء دين من جنسه، أو وصية بشيء معين.. فلا ضمان على المنفرد بذلك منهما. وإن كان ما انفرد به مما يفتقر إلى الاجتهاد، كتفرقة الثلث على الفقراء وما أشبهه.. لم يصح، وكان على المنفرد بذلك الضمان؛ لأن ذلك يفتقر إلى الاجتهاد، ولم يرض الموصي باجتهاده وحده.
فإن قال: أوصيت إليكما في كذا وأطلق، ولم يأذن لكل واحد منهما في التصرف على الانفراد ولا منع كل واحد منهما عن التصرف على الانفراد.. فحكمه عندنا حكم ما لو منع كل واحد منهما عن التصرف على الانفراد.
وقال أبو يوسف: لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف.
стр. 4104
وقال أبو حنيفة ومحمد: (إن اجتمعا على التصرف.. صح. وإن انفرد أحدهما في التصرف.. لم يصح إلا في ستة أشياء: [الأول] : في شراء كفن الموصي، و [الثاني] : تفرقة ثلثه، و [الثالث] : قضاء ديونه، و [الرابع] : رد الودائع، و [الخامس] : الغصوب، و [السادس] : إطعام اليتيم وكسوته.. فأما ما عدا ذلك من شراء العقار لليتيم وسائر العقود.. فلا يصح) .
دليلنا: أنه مشترك بينهما، فلم يكن لأحدهما أن ينفرد به، كما لو وكل وكيلين في شراء شيء أو بيعه، ولأن الجهة التي ملك بها الوصي النظر في الستة الأشياء هي الجهة التي ملك بها النظر في غيرها، فإذا لم يملك النظر فيما عدا الستة الأشياء.. لم يملك النظر في الأشياء الستة.
إذا ثبت هذا: فإن اجتمع الوصيان معا على التصرف.. جاز. وإن تشاحا، فقال كل واحد منهما: أنا أنظر أو أفعل، أو قال: لا أفعل أنا.. قال الشيخ أبو حامد: وقف الأمر ليتفقا ما لم يطل تشاحهما فإن طال.. أقام الحاكم عدلين لينظرا؛ لأن هذا موضع ضرورة.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٤٤٠] : فإذا استناب أحدهما آخر عن نفسه ليتصرف مع الآخر.. جاز؛ لأن رأي الاثنين حاصل.
فإن مات أحدهما، أو فسق، أو جن.. لم يكن للآخر أن ينفرد بالتصرف؛ لأن الموصي لم يرض بنظره وحده، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليقيم آخر مع الباقي منهما.
فإن أراد الحاكم أن يفوض النظر إلى الباقي منهما، أو ماتا، أو فسقا فأراد الحاكم تفويض النظر إلى عدل واحد.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن النظر قد صار إلى الحاكم، فجاز أن يكون الباقي أميناً من قبل الحاكم ووصياً من الموصي.
والثاني: لا يصح؛ لأن الموصي لم يرض إلا بنظر اثنين.
стр. 4105
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي قال: (إذا اختلفا.. قسم بينهما ما كان ينقسم، وجعل في أيديهما نصفين، وأمرا بالاحتفاظ بما لم ينقسم) .
واختلف أصحابنا في تأويل هذا:
فقال أبو إسحاق: إنما عطف الشافعي بهذا على الأولى، وهي: إذا أوصى إليهما وإلى كل واحد منهما، فاختلفا في النظر والتصرف، فقال كل واحد منهما: أنا أنظر وحدي، فإن كان الشيء مما ينقسم.. قسم بينهما ودفع إلى كل واحد منهما نصفه لينظر فيه ويتصرف به؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
قال: ولا يقسم بينهما كقسمة الأملاك ولكن على جهة التقريب والتعديل، بأن يقوم ويدفع إلى كل واحد منهما شيء بقيمته؛ لأنه ليس بإقرار ملك وإنما هو للنظر. فأما إذا أوصى إليهما معاً أو أوصى إليهما وأطلق.. فلا يقسم بينهما؛ لأن الموصي لم يرض أحدهما، ولكنهما يجتمعان على النظر.
ومن أصحابنا من قال: هذه المسألة معطوفة على ما إذا أوصى إليهما معاً ومنع أحدهما عن الانفراد في التصرف، أو وصى إليهما وأطلق، وتشاحا في الحفظ لا في النظر، فقال كل واحد منهما: أنا أحفظه إلى وقت النظر، فإن كان بحيث لا ينقسم.. كان تحت أيديهما معاً. وإن كان مما ينقسم.. قسم بينهما نصفين؛ لأنه يتعذر اجتماعهما على حفظه. وهذا اختيار الشيخ أبي إسحاق والمسعودي [في " الإبانة " ق\٤٤٠] .
[فرع توقيت مدة الوصاية]
] : إذا أوصى إليه في شيء مدة.. لم يصر وصياً بعد انقضاء المدة.
وإن وصى إليه في جهة من التصرف.. لم يصر بها وصياً له في غيرها من الجهات. وبه قال أبو يوسف ومحمد.
стр. 4106
وقال أبو حنيفة: (إذا أوصى إليه في جهة.. كان وصياً فيها وفي غيرها من الجهات، مثل أن يوصي إليه في تفرقة ثلثه، فإنه يكون وصياً في ذلك وفي قضاء ديونه ورد ودائعه، وكذلك إذا أوصى إليه في نفقة أولاده الصغار.. صار وصياً بالنفقة عليهم، وبحفظ أموالهم، والعقد عليها وغير ذلك) .
دليلنا: أنه ينظر بتوليه، فلم يجاوز نظره إلى غير ما ولي فيه، كالوكيل، وعكسه الأب والجد.
[مسألة توكيل الوصي]
إذا أوصى إليه بشيء.. فللوصي أن يوكل غيره في كل ما لم تجر العادة أن يتولاه بنفسه، كما قلنا في الوكيل.
وإن وصى إليه بشيء يقدر عليه بنفسه.. فهل له أن يوكل غيره فيه؟ حكى الشيخ أبو حامد فيه وجهين:
أحدهما: لا يجوز، كما قلنا في الوكيل.
والثاني: يجوز، وهو المذهب؛ لأن تصرف الوصي بولاية؛ لأنه يتصرف فيما لم ينص له عليه، فجاز له التوكيل فيما يقدر عليه، كالأب والجد والحاكم، بخلاف الوكيل.
[فرع عدم الإذن للوصي بأن يوصي]
إن أوصى إلى رجل ولم يأذن الموصي للوصي أن يوصي.. فللوصي أن يتصرف ما عاش، وليس له أن يوصي إلى غيره به. وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال الثوري، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه) للوصي أن يوصي) .
دليلنا: أنه ينظر بتوليه، فلم يملك الإيصاء، كالوكيل، وفيه احتراز من الأب والجد.
وإن قال: أوصيت إليك، فإن حدث بك حادث من فسق، أو جنون، أو موت
стр. 4107
فقد أوصيت إلى فلان.. صح؛ لما روي: «أن النبي ﷺ بعث جيشاً وقال: " أميركم فلان، فإن أصيب.. ففلان، فإن أصيب.. ففلان» .
وإذا ثبت ذلك في الولاية.. ثبت في الوصية.
وروي: (أن عمر ﵁ أوصى إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت.. فإلى ذوي الرأي من أهلها) .
و: (أوصت فاطمة إلى علي ﵄، فإذا مات.. فإلى ابنيهما ﵉) .
وإن أوصى إلى رجل وأذن للوصي أن يوصي عن الموصي.. قال ابن الصباغ: صح ذلك قولا واحداً.
وإن وصى إليه أن يوصي عن نفسه.. ففيه قولان.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه إذا قال: أوصيت إليك، أو أذنت لك إن حدث بك موت أن توصي إلى من شئت، أو قال: إن حدث بك موت فمن أوصيت إليه فهو وصيي، أو قال: من أوصيت إليه فقد أوصيت إليه.. فالحكم في الجميع واحد.
قال الشافعي في موضع: (يجوز) ، وقال في موضع آخر: (لا يجوز) .
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يجوز ذلك قولا واحداً، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي؛ لأن الموصي يملك التصرف بنفسه، ويملك أن يملك غيره التصرف بعد موته وهو الوصي، فلما كان للموصي أن يملك غيره التصرف.. ملك أن يملك غيره التولية؛ لأن الوصية آكد من الوكالة، فلما كان للوكيل أن يوكل بإذن
стр. 4108
الموكل.. كان للوصي أن يوصي إلى غيره بإذن الموصي.
ومنهم من قال: فيه قولان، وهو اختيار الشيخ أبي حامد:
أحدهما: يجوز. وبه قال أبو حنيفة والثوري؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يجوز. واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأن الوصي يعقد الوصية عن الميت بإذنه ولا إذن للميت في حال لا ولاية للميت - لأنه ليس من أهل الولاية، فلم يصح.
وإن قال: أوصيت إليك، فإن حدث بك حادث، فأوص إلى فلان، فإن قلنا في التي قبلها: يصح قولاً واحداً.. فهاهنا أولى أن يصح.
وإن قلنا في التي قبلها: إنها على قولين.. ففي هذه طريقان:
أحدهما: أنها على قولين؛ لأنا إنما منعنا الوصية؛ لأن الوصي يعقد الوصية لآخر عن إذن من لا إذن له في حال العقد، وهذا المعنى موجود هاهنا.
ومنهم من قال: يصح هاهنا قولاً واحداً؛ لأن الموصي قطع اجتهاده بالتعيين. قال الشيخ أبو حامد: والأول أصح.
[فرع يشترط قبول الوصي]
] : وإذا أوصى إليه.. لم يملك الوصي التصرف إلا بالقبول، كما لو وصى له. فإن قبل بعد موت الموصي.. صح، كالوصية له. وإن قبل قبل موت الموصي. فهل يصح قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، كالوصية له.
والثاني: يصح؛ لأنه إذن في التصرف فجاز القبول فيه بعد الإيجاب، كالوكالة.
فإذا قلنا بهذا: فللوصي أن يعزل نفسه في حياة الموصي. فإذا عزل نفسه.. انعزل ولم تعد الوصية إليه إلا بوصية أخرى، وسواء عزل نفسه بحضرة الموصي أو بغيبته.
стр. 4109
وقال أبو حنيفة: (إذا عزل نفسه في حياه الموصي.. لم ينعزل حتى يرده في وجهه) يعني: بحضرته.
دليلنا: أنه قطع عقد لا يفتقر إلى رضاه، فلم يفتقر إلى حضوره، كالوكالة والطلاق.
وإن قلنا: لا يصح قبوله إلا بعد موت الموصي.. فلا حكم بعزله نفسه في حياة الموصي.. فإن قبل الوصية بعد موت الموصي ثم عزل نفسه.. انعزل ورفع الأمر إلى الحاكم، ليقيم غيره مقامه.
وقال أبو حنيفة: (إذا مات الموصي وقبل الوصي الوصية.. لزمت الوصية إليه، فلا يملك عزل نفسه، ولا يملك الحاكم عزله إلا بأن يعجز أو يقر بالعجز، فيقيم الحاكم مقامه) .
دليلنا: أنه ينظر بتوليه، فملك عزل نفسه كالوكيل. وللموصي أن يعزل الوصي؛ لأنه أذن له في التصرف، فجاز له عزله، كالموكل.
[مسألة ما يقوم به الوصي]
] : قال الشافعي: (ويخرج الوصي من مال اليتيم كل ما لزمه من زكاة ماله، وجنايته وما لا غنى به عنه) .
وجملة ذلك: أن الوصي يخرج من مال الصغير زكاة ماله، وزكاة فطره، ومماليكه، لما روي عن علي ﵁: أنه كان في يده مال ليتيم، فلما بلغ.. رده إليه، فوجده ناقصاً، فسأله عن ذلك، فقال: احسبوا قدر الزكاة، فحسبوا، فإذا هو قدر النقصان، فقال علي: (أفتراني ألي مالاً لا أخرج الزكاة منه) . ولأن ذلك حق واجب، فكان على الولي إخراجه.
стр. 4110
وإن قتل الصغير آدمياً عمداً أو خطأ.. وجب عليه الكفارة، وأخرجها الولي من ماله، ويخرج عنه ما وجب عليه بأرش الجناية وإتلاف المال؛ لأن ذلك واجب عليه، فهو كالزكاة. وإنما يخرج الولي الأرش وبدل المتلف من ماله إذا قامت البينة على إتلافه.. فأما بإقراره.. فلا يتصور ذلك؛ لأنه غير مكلف، فلا حكم لإقراره.
وإن أقر الوصي عليه.. لم يلتفت إلى إقراره؛ لأنه أقر عليه بما فيه ضرر عليه، فلم يقبل، وينفق عليه الوصي ويكسوه بالمعروف؛ لأن ماله مرصد لمصالحه، ونفقته وكسوته منها. فإن أنفق عليه أو كساه أكثر من المعروف.. لزم الوصي ضمان الزيادة؛ لأنه مفرط فيها.
فإن بلغ الصبي رشيداً.. سلم إليه ماله.
وإن اختلف هو والوصي في قدر ما أنفق عليه الوصي، فإن كان ما يدعيه الوصي أكثر من النفقة بالمعروف.. لزم الوصي ضمان الزيادة. وإن كان ما يدعيه النفقة بالمعروف.. فالقول قول الوصي مع يمينه؛ لأنه أمين فقبل قوله فيه.
وإن اختلفا في قدر مدة الإنفاق عليه، بأن قال الوصي: مات أبوك من عشر سنين وأنفقت عليك فيها، وقال: بل مات أبي من ثماني سنين.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما- وهو قول أبي سعيد الإصطخري ـ: أن القول قول الوصي، كما لو اختلفا في قدر النفقة.
والثاني ـ وهو قول أكثر أصحابنا، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره ـ: أن القول قول الموصى عليه؛ لأن الأصل حياة الأب، ويمكن الوصي إقامة البينة على ذلك بخلاف قدر النفقة.
وإن ادعى الوصي أنه دفع إليه ماله بعد البلوغ وأنكر الموصى عليه.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو المنصوص ـ: (أن القول قول الموصى عليه؛ لأنه لم يأتمنه على المال، فلم يقبل قوله عليه، كالمودع إذا ادعى دفع الوديعة إلى وارث المودع، والملتقط إذا ادعى دفع اللقطة إلى مالكها) .
стр. 4111
والثاني: أن القول قول الوصي، كما قلنا في النفقة.
وإن بلغ الصبي غير رشيد.. استديم عليه الحجر ولم يسلم إليه ماله، بل ينفق عليه ويكسوه ويخرج ما وجب عليه من ماله كما كان قبل البلوغ.
قال الشافعي: (فإن كان متلفاً يبذر ما يعطى من نفقة أسبوع.. أعطاه نفقة يوم فيوم. وإن كان يتلف ما يعطيه من نفقة يوم.. فإن الوصي يجلسه عنده ويحضر الطعام ويأكله وهو بين يديه) .
فإن كان يخرق الثياب، أو كان مجنوناً كثير الخرق.. قال الشافعي: (قرعه الولي وهدده فإن تهيب وارتدع وإلا.. فإن الولي يجلسه في البيت عرياناً بمئزر يستر عورته ويصلي فيه، فإذا أخرجه إلى الناس.. كساه، فإذا رده.. نزع عنه ذلك) .
وإن احتاج إلى خادم، ومثله يخدم.. قال الشافعي: (اشترى له خادماً) .
وأما إنكاحه: فإن لم يكن محتاجاً إليه.. لم يزوجه؛ لأنه لا حاجة به إليه؛ لأنه يلزمه المهر، والنفقة، والكسوة. وإن احتاج إلى النكاح.. زوجه الوصي؛ لئلا يقدم على الزنا، فيكون فيه رجمه أو حده. وصيانة نفسه أولى من صيانة ماله.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يزيد على واحدة؛ لأن الكفاية تقع بها، بخلاف الأب والجد، فإنه يجوز أن يزوج الصغير بأربع؛ لأنه غير متهم في ذلك.
[مسألة ما يلحق الميت بعد الوفاة]
] : قال الشافعي في " الإملاء ": (يلحق الميت من فعل غيره وعمله حج يؤدى عنه، أو مال يتصدق به، أو دين يقضى، أو دعاء) .
وجملة ذلك: أنه إذا مات وعليه حج فرض إما حجة الإسلام، أو القضاء أو
стр. 4112
النذر، فإن كان له مال.. وجب قضاؤه من ماله. وإن لم يكن له مال ففعله الوارث أو الأجنبي عنه.. صح؛ لما روي: «أن امرأة من خثعم استأذنت النبي ﷺ في الحج عن أبيها فأذن لها، قالت: أينفعه ذلك؟ قال: نعم كما لو كان على أبيك دين.. فقضيته، نفعه» .
وإن لم يكن عليه حج فرض، فأراد إنسان أن يتطوع بالحج عنه بغير إذنه.. لم يجز، ولم يلحقه ثوابه؛ لأن تطوعه لا يلحق غيره. وإن أوصى به.. فيه قولان، وقد مضى ذلك في الحج.
وأما الصدقة: فيجوز للوارث وللأجنبي أن يتصدق عن الميت، ويلحق الميت ثوابها؛ لما روي: «أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، ولولا ذلك لوهبت وتصدقت، أأتصدق عنها؟ قال: "نعم" قال: فإن لي مخرفاً فأشهدك أني قد تصدقت به عنها» .
قال الشافعي ﵀: (وواسع في فضل الله أن يثيب المتصدق أيضاً) .
وأما الدين: فيجوز للوارث والأجنبي أن يقضيه عن الميت؛ لما ذكرناه في حديث الخثعمية.
وروي: «أن النبي ﷺ : أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: "هل على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم، ديناران. فتحملهما أبو قتادة، فصلى عليه النبي ﷺ ، فلما قضاهما أبو قتادة.. قال له النبي ﷺ : الآن بردت عليه جلده» .
وأما الدعاء: فيلحق الميت؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] [الحشر: ١٠] .
стр. 4113
فلولا أن الدعاء يلحقهم.. لما أثنى عليهم بالدعاء لإخوانهم.
وروي: أن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان.. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» .
فمعنى (الصدقة الجارية) : الوقف.
ومعنى (العلم المنتفع به) : إما كتب علم وقفها، أو علم غيره.
فأما ما سوى ذلك من القرب، كالصلاة والقراءة والذكر.. فلا يلحق الميت ثوابها بفعل الغير لها عنه، قال أصحابنا: إلا أنه إذا قرئ القرآن عند القبر أو الميت.. فإن ثواب القراءة للقارئ، ولكن الرحمة تنزل حيث يقرأ القرآن، فيرجى أن تعم الرحمة الميت؛ لأنه كالجالس بينهم. هذا مذهبنا.
وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: (يلحق الميت ثواب ما يفعل عنه من الصلاة، والقراءة، والذكر) .
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] [النجم: ٣٩] وهذا عموم إلا فيما خصه الدليل.
وقوله ﷺ : «إذا مات الإنسان.. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» وهذا ليس بواحد منها.
وإن أعتق عن الميت رقبة، فإن لم يكن في ذمته رقبة من كفارة متحتمة بالعتق أو بالنذر، ولا أوصى بها.. لم يقع ذلك العتق عن الميت؛ لما ذكرناه. وإن كان في ذمته عتق رقبة متحتمة من نذر أو كفارة قتل أو ظهار، فأعتق عنه الوارث أو الوصي.. صح ذلك عن الميت وإن كان بغير إذنه؛ لأنه واجب عليه وهم يقومان مقامه في أداء الواجب عليه.
стр. 4114
وإن كان عليه كفارة يمين فأعتق عنه رقبة بعد موته بغير إذنه.. فهل تقع عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقع عن الميت: لأنه لو كفر بها في حياته.. لصح، فإذا أعتقها عنه غيره بعد موته.. وقعت عنه، ككفارة الظهار.
والثاني: لا تقع عنه، بل تقع عن المعتق؛ لأن العتق كان غير محتم عليه، بل كان مخيراً: بين الإطعام والكسوة والعتق، فصار كما لو تطوع عنه بالعتق.
[فرع اختلاف الورثة والموصى له]
) : إذا قال: إن مت من مرضي هذا.. فلزيد كذا، فمات، فادعى الموصى له أنه مات من ذلك المرض، وقال الورثة: بل برئ منه، ثم مات.. فالقول قول الورثة مع أيمانهم؛ لأن الأصل انتقال الملك إليهم إلا أن يثبت ما يصرفه عنهم، ولم يثبت.
والله أعلم وهو ولي التوفيق
стр. 4115
[كتاب العتق]
стр. 4116
كتاب العتق الأصل في العتق: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] [الأحزاب: ٣٧] .
قال أهل التفسير: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] في مواضع القرآن.
«وروى واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا أوجب النار بالقتل، فقال: " أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار» .
стр. 4117
وقال ﷺ : «الولاء لمن أعتق» .
وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.
ولا يصح العتق إلا ممن يصح تصرفه في المال، كما قلنا في الهبة.
فإن أعتق الموقوف عليه العبد الموقوف.. لم يصح عتقه؛ لأنه لا يملكه ملكاً تاماً.
وإن أعتق في مرض موته عبداً له وعليه دين يستغرق تركته.. لم يصح؛ لأن عتقه وصية، والدين مقدم على الوصية.
وإن أعتق عبدا جانياً.. فهو كما لو أعتق عبداً مرهوناً، وقد مضى بيانه.
إذا ثبت هذا: فإن العتق يقع بالصريح من غير نية، وبالكناية مع النية.
و (الصريح) : العتق والحرية؛ لأنه ثبت لهما عرف الشرع واللغة.
و (الكناية) : مثل قوله: خليتك، وسيبتك، وحبلك على غاربك، ولا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك، وأنت لله، وأنت طالق؛ لأنه يحتمل العتق وغيره، فوقع به العتق مع النية.
فإن قال لأمته: أنت علي كظهر أمي ونوى به العتق.. ففيه وجهان:
أحدهما: تعتق؛ لأنه يوجب تحريم الزوجة، فأشبه الطلاق.
والثاني: لا تعتق؛ لأنه لا يزيل الملك عن الزوجة، فهو كالإيلاء.
وإن قال: فككت رقبتك.. ففيه وجهان:
стр. 4118
أحدهما: أنه صريح في العتق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] [البلد: ١٣] .
والثاني: يحتمل أنه كناية في العتق؛ لأنه يستعمل في العتق وغيره.
[مسألة عتق أحد الشريكين نصيبه]
وإن كان عبد بين نفسين، فأعتق أحدهما نصيبه فيه، فإن كان معسراً بقيمة باقيه..عتق نصيبه ورق نصيب شريكه.
وإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه، بحيث يملك قيمة نصيب شريكه فاضلاً عن قوت يومه.. سرى عتقه إلى نصيب شريكه، وعتق عليه، وقوم عليه نصيب شريكه.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يسري، وإنما يستحق إعتاق نصيب الشريك. وإن كان المعتق معسراً.. كان المالك للنصيب مخيرا بين شيئين: بين أن يعتق نصيب نفسه ويكون الولاء بينه وبين شريكه، وبين أن يستسعي العبد في قيمة نصيبه، فإذا أداه..عتق عليه، وكان الولاء بينه وبين شريكه.
وإن كان المعتق موسراً.. كان شريكه مخيراً بين ثلاثة أشياء: بين أن يعتق نصيبه، وبين أن يستسعي العبد في قيمة نصيبه ويكون الولاء بينهما في هذين، وبين أن يضمن شريكه المعتق قيمة نصيبه ويكون جميع الولاء للشريك المعتق، ثم يرجع المعتق في سعاية العبد بما غرمه من قيمته) .
وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد: يسري العتق في الحال بكل حال. وإن كان المعتق موسراً.. غرم قيمة نصيب شريكه. وإن كان معسراً.. استسعى العبد في قيمة نصيبه.
وقال ربيعة: لا يعتق نصيب الشريك بحال إلا أن يرضى الشريك.
وقال عثمان البتي: لا يعتق نصيب الشريك بحال.
دليلنا: ما روى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركاً له
стр. 4119
في عبد، فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد.. قوم عليه قيمة عدل، وأعطى شركاءه حصصهم وإلا.. فقد عتق منه ما عتق، ورق منه ما رق» .
[فرع العبد المسلم بين مسلم وكافر]
) : وإن كان العبد المسلم مشتركاً بين كافرين، أو بين مسلم وكافر: فأعتق الكافر نصيبه فيه.. عتق نصيبه. فإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه.. فهل يقوم عليه؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان بناء على أن شراء الكافر للمسلم هل يصح؟
فإن قلنا: لا يصح.. لم يقوم عليه؛ لأن التقويم يوجب الملك.
وإن قلنا: يصح شراؤه.. قوم عليه نصيب شريكه.
ومنهم من قال: يقوم عليه هاهنا قولاً واحداً، وهو المنصوص؛ لأنه تقويم متلف فامستوى فيه المسلم والكافر في الإتلاف. ولأن المقصود هاهنا تكميل الأحكام لا الملك، بخلاف الشراء.
[فرع وقت عتق نصيب الشريك]
) : ومتى يعتق نصيب الشريك؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يعتق بنفس اللفظ، وهو الصحيح، لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ -
стр. 4120
قال: «من أعتق شركاً له في عبد وله مال يبلغ ثمنه.. فهو عتيق» .
ولأن قدر القيمة معتبر بحال العتق، فثبت أن العتق قد نفذ في تلك الحال.
والثاني: أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسراً.. قوم عليه ولا وكس ولا شطط، ثم يعتق» .
و (الوكس) : النقصان. و (الشطط) : الزيادة.
وروي: أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركاً له في عبد.. فعليه خلاصه إن كان له مال» فثبت أنه باق على الرق.
والثالث: أنه مراعى، فإن دفع القيمة.. حكمنا بأنه عتق باللفظ. وإن لم يدفع القيمة.. حكمنا بأنه لم يعتق؛ لأنا لو أعتقناه باللفظ قبل دفع القيمة.. أضررنا بالشريك، ولو قلنا: إنه باق على الرق.. أضررنا بالعبد في إبقاء أحكام الرق عليه، فثبت أنه موقوف ليزول الضرر عنهما.
فإذا قلنا: إنه يعتق بنفس اللفظ.. صارت أحكامه أحكام الأحرار من حين الإعتاق، فإن مات للعبد من يرثه.. ورثه.
فإن أعسر المعتق بعد ذلك، أو هرب، أو مات، ولم يخلف وفاء.. فقيمة نصيب شريكه في ذمته.
стр. 4121
وهل عتق جميعه باللفظ في حالة واحدة؟ فيه وجهان حكاهما الطبري.
أحدهما: أن عتق جميعه وقع في حالة واحدة، لأن الجميع صار كأنه له، فعتق جميعه باللفظ.
والثاني - وهو الأصح -: أن العتق وقع في نصيب المعتق أولا، ثم يسري إلى نصيب شريكه؛ لأنه لا يملك نصيب شريكه، فلم يقع عتقه فيه مباشرة.
وإذا طالب الشريك بقيمة نصيبه.. أجبر المعتق على الدفع. وإن بذل المعتق القيمة، فامتنع الشريك من أخذها.. قبضها الحاكم له، وليس للعبد المعتق المطالبة بالدفع ولا بالقبض؛ لأن عتقه غير موقوف على ذلك.
وأما إذا قلنا: إن العتق لا يقع إلا بدفع القيمة، فإن طلب الشريك القيمة.. وجب على المعتق دفعها، فإن بذلها المعتق.. وجب على الشريك قبضها، فإن امتنع من قبضها.. قبضها الحاكم له وعتق العبد. وإن امتنع المعتق والشريك.. فللعبد أن يطالبهما بذلك ليصل إلى حقه من العتق، فإذا لم يطالب العبد.. فللحاكم أن يطالب المعتق بالدفع والشريك بالقبض، فإن امتنعا.. أخذ الحاكم القيمة من المعتق للشريك، وعتق العبد، لما في العتق من حق الله تعالى.
فإن باع الشريك نصيبه من العبد أو وهبه قبل أن يدفع المعتق القيمة إليه.. لم يصح بيعه ولا هبته؛ لأن في ذلك إبطال ما ثبت للعبد من الحرية.
وإن أعتق نصيبه.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي حنيفة وأبي علي بن أبي هريرة -: (أنه يعتق؛ لأن العتق صادف ملكه ويحصل العتق للعبد) .
والثاني: لا يعتق، وهو الأصح؛ لأن ذلك يبطل ما ثبت للمعتق من الولاء.
وإن مات للعبد من يرثه قبل دفع القيمة، أو شهد، أو جنى، أو جني عليه.. فحكمه في ذلك حكم العبيد؛ لأنه باق على الرق.
وإن مات العبد قبل دفع القيمة.. فهل للشريك أن يطالب المعتق بالقيمة؟ على هذا القول فيه وجهان:
стр. 4122
أحدهما: له ذلك؛ لأن القيمة وجبت على المعتق بالعتق، فلا تسقط بموت العبد.
والثاني: لا يجب عليه ذلك؛ لأن القيمة إنما وجبت عليه لتكميل أحكام العبد، وليحصل للمعتق الولاء عليه، وهذا لا يوجد في حقه بعد موته.
وعلى القول الأول: له مطالبته بعد موت العبد قولاً واحداً؛ لأنه مات حراً.
[فرع استيلاد الجارية من أحد الشريكين]
وإن كانت جارية بين اثنين فاستولدها أحدهما.. ثبت لها حرمة الاستيلاد في نصيبه. فإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه.. قوم عليه. ومتى يثبت لها حرمة الاستيلاد؟ فيه طريقان حكاهما الطبري في " العدة ".
ومن أصحابنا من قال: هي على الأقوال الثلاثة في العتق.
ومنهم من قال: إن قلنا في العتق: يسري بنفس اللفظ.. فهاهنا تثبت لها حرمة الاستيلاد بالإحبال. وإن قلنا في العتق: لا يسري إلا بدفع القيمة.. ففي الإحبال وجهان:
أحدهما: لا تثبت لها حرمة الاستيلاد في نصيب شريكه إلا بدفع القيمة كالإعتاق.
والثاني: تثبت بالإحبال؛ لأنه أقوى من العتق، بدليل: أن العتق لا يصح من السفيه والمجنون، والإحبال يصح منهما.
وأما إذا استولدها الشريكان معاً، مثل: أن كانا معسرين فاستولدها أحدهما، ثم استولدها الثاني.. فإنها تصير أم ولد لهما. فلو أعتق أحدهما نصيبه منها بعد ما أيسر.. فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ فيه وجهان:
стр. 4123
أحدهما: يقوم عليه؛ لأنها تعتق بالإعتاق
والثاني: لا يقوم عليه؛ لأن أم الولد لا تملك.
[فرع يدخل نصيب الشريك بالملك في التقويم]
] : كل موضع قوم على المعتق نصيب شريكه.. فإنه يحكم بدخول ملك نصيب الشريك في ملك المعتق. ومتى يملكه؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق: يملكه ويعتق عليه في حالة واحدة.
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: يملكه ثم يعتق عليه، وهكذا إذا اشترى من يعتق عليه.. فإنه يملكه، وفي وقت ملكه الوجهان.
[مسألة اختلاف الشريكين في قيمة العبد المعتق]
إذا اختلف الشريكان في قيمة العبد المعتق، فادعى الشريك أن قيمته ألفان، وقال المعتق: بل قيمته ألف.. فلا خلاف أن قيمته تعتبر حال الإعتاق؛ لأنه وقت الإتلاف.
فإن كان الاختلاف عقيب الإعتاق أو بعده بزمان ولم تختلف قيمته من حين الإعتاق إلى حين التقويم.. رجع فيه إلى مقومين.
وإن كان العبد قد مات، أو غاب، أو تأخر تقويمه زماناً تختلف فيه قيمته، ولا بينة على قيمته وقت الإعتاق.. فمن القول قوله مع يمينه؟ فيه قولان، واختلف أصحابنا في مأخذ القولين.
فمنهم من قال: أصلهما القولان في وقت السراية.
فإن قلنا: إن السراية وقعت بنفس اللفظ.. فالقول قول المعتق مع يمينه؛ لأنه غارم، فكان القول قوله في قيمة ما أتلفه، كالمتلف.
وإن قلنا: إن السراية لا تقع إلا بدفع القيمة.. فالقول قول الشريك مع يمينه؛ لأن
стр. 4124
ملكه ثابت على نصيبه، فلا ينتزع منه إلا بما يقر به، كما لو اختلف الشفيع والمشتري في الثمن.
ومنهم من قال: أصلهما: القولان فيمن اشترى عبدين فتلف أحدهما ووجد بالآخر عيباً، وقلنا: له رده، فاختلفا في قيمة التالف، وفيه قولان:
أحدهما: القول قول المشتري؛ لأنه كالغارم. فعلى هذا: القول قول المعتق.
والثاني: القول قول البائع؛ لأن ملكه ثابت على الثمن، فلا ينتزع منه إلا بما يقر به. فعلى هذا: القول قول الشريك.
قال الطبري: وحكى الشيخ أبو حامد عن الربيع: أنه قال: فيها قول آخر: أنهما يتحالفان. قال: وهذا من تخريج الربيع؛ لأنه ليس بينهما عقد ينفسخ بالتحالف، ولأنا لو حلفناهما.. لاحتجنا إلى الرجوع إلى القيمة، فلا يفيد التحالف شيئاً.
والطريق الأول هو المشهور.
وأن ادعى الشريك زيادة صنعة في العبد تزيد بها قيمته، فإن كان العبد غائباً، أو ميتاً، ولا بينة للشريك، فأنكرها المعتق.. ففيه طريقان:
من أصحابنا من قال: فيه قولان.
أحدهما: القول قول المعتق.
والثاني: القول قول الشريك.
ومنهم من قال: القول قول المعتق قولاً واحداً؛ لأن الأصل عدم الصنعة.
وإن كان العبد حاضراً، فإن كان يحسن الصنعة التي ادعاها الشريك، فإن لم يمض من حين العتق زمان يمكن تعلم تلك الصنعة.. فالقول قول الشريك؛ لأنا علمنا صدقه. وإن كان قد مضى زمان يمكن فيه تعلم الصنعة.. فعلى الطريقتين.
وإن قال المعتق: كان سارقاً، أو آبقاً، وأنكر الشريك، ولا بينة للمعتق.. فعلى طريقين:
стр. 4125
[الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان.
و [الثاني] : منهم من قال: القول قول الشريك قولاً واحداً؛ لأن الأصل عدم ذلك.
[فرع وجود دين مستغرق على المعتق]
إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد وهو يملك من المال قدر قيمة شريكه إلا أن عليه دينا يستغرق ذلك.. فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ فيه قولان بناءً على أن الدين: هل يمنع وجوب الزكاة؟
[فرع تعليق الشريكين على شرط واحد]
إذا قال أحد الشريكين في العبد: إذا دخلت الدار الفلانية فأنت حر، ثم قال له الآخر: إذا دخلتها فأنت حر، فدخلها..عتق عليهما، ولم يقوم نصيب أحدهما على الآخر؛ لأنه عتق عليهما في حالة واحدة.
وإن قال أحد الشريكين للآخر: إذا أعتقت نصيبك من العبد فنصيبي منه حر، فأعتق الآخر نصيبه.. عتق نصيبه عليه، وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسراً؛ لأن عتق نصيب المباشر سبق، فاستحقت به السراية، فمنعت وقوع عتق الشريك المعلق عتق نصيبه بصفة.
وإن قال: إذا أعتقت نصيبك. فنصيبي حر في حال عتق نصيبك، فأعتق الآخر نصيبه.. عتق عليه نصيبه. وهل يقوم عليه نصيب شريكه الذي علق عتقه؟ فيه وجهان.
أحدهما: يقوم عليه؛ لأن إعتاقه لنصيبه شرط في عتق نصيب شريكه، والشرط يتقدم على المشروط، فكان كالأولى.
والثاني: لا يقوم عليه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن العتق وقع على النصيبين في وقت واحد.
стр. 4126
[فرع علق أحدهما عتقه بمدة قبل الموت وجعله الآخرحالاً]
فرع: [علق أحدهما عتقه بمدة قبل الموت وجعله الآخر حالاً] :
وإن قال أحد الشريكين في العبد: نصيبي منك حر قبل موتي بشهر، ثم قال الثاني بعده: نصيبي منك حر الآن، ثم مات الأول، فإن كان بين موت القائل الأول وبين قوله أقل من شهر.. لم يعتق عليه نصيبه؛ لأن العتق لا يقع قبل الإعتاق، ويعتق على الثاني نصيبه حين أعتقه، فإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه.. قوم عليه وإن كان معسراً.. لم يقوم عليه.
وإن كان بين قول الثاني وبين موت الأول أكثر من شهر.. لم يعتق على الأول أيضاً نصيبه إن كان الثاني موسراً بقيمة نصيب الأول؛ لأن عتق الثاني مقدم عليه، فيعتق على الثاني نصيبه، ويقوم عليه نصيب الأول. وإن كان معسراً به.. لم يقوم عليه، وعتق على الأول نصيبه قبل موته بشهر، فيكون الولاء بينهما.
وإن كان بين قول الأول وبين موته شهر من غير زيادة ولا نقصان.. عتق عليه نصيبه لوجود الصفة قبل عتق الثاني، فإن كان موسراً بقيمة نصيب الثاني.. قوم عليه، وكان جميع ولائه له، وإن كان معسراً.. عتق عليه نصيبه قبل موته بشهر، وعتق على الثاني نصيبه بعده حين أعتقه، وكان ولاؤه بينهما.
[فرع توكيل أحد الشريكين في عتق نصيبه]
وإن كان عبد بين اثنين نصفين، فوكل أحد الشريكين شريكه في عتق نصيبه، فقال الوكيل: نصفك حر ... رجع إليه، فإن قال: أردت به نصيبي.. عتق عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسراً به. وإن قال: أردت به نصيب شريكي.. عتق نصيب شريكه، وقوم نصيب الوكيل على الموكل إن كان الموكل موسراً به.
وإن أطلق، ولم ينو شيئاً.. ففيه وجهان: حكاهما ابن الصباغ:
стр. 4127
أحدهما: يعتق نصيب الموكل، ويقوم عليه نصيب الوكيل؛ لأنه أمره بالإعتاق.
والثاني: يعتق نصيب الوكيل، ويقوم عليه نصيب الموكل؛ لأن نصيب نفسه لا يحتاج إلى نية، ونصيب الموكل يحتاج إلى النية، ولم ينو.
[فرع له شقصان في عبدين فأعتق أحدهما ثم الآخر ولا مال له]
قال ابن الحداد: إذا كان لرجل شقصان من عبدين، وقيمتهما سواء، ولا مال له غيرهما، فأعتق أحد الشقصين في صحته.. عتق عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه؛ لأنه موسر بقدر قيمته - وهو: الشقص في العبد الآخر - فإن أعتق الشقص الآخر بعد ذلك في صحته.. عتق نصيبه فيه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه فيه؛ لأنه لا مال له. ولا يمنع عتقه في الثاني ثبوت الدين في ذمته؛ لأن قيمة الأول لم تتعلق في رقبة الثاني، وإنما هي في ذمة المعتق.
وإن كان بين اثنين عبد يساوي عشرين ديناراً، فقال رجل لأحدهما: أعتق نصيبك عني على عشرة دنانير، فأعتقه عنه - والسائل لا يملك غير عشرة دنانير - عتق نصيب المعتق عن السائل.
قال ابن الحداد: ويعتق نصيب شريك المعتق عن السائل أيضاً؛ لأنه واجد لقيمة نصيبه - وهي العشرة - ثم يتضارب المعتق وشريكه في العشرة التي للسائل على قدر حقيهما لكل واحد منهما نصفها.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا على القول المشهور: أن نصيب الشريك يعتق بنفس اللفظ. فأما إذا قلنا: إنه لا يعتق بدفع القيمة.. فإنه يعتق منه بقدر ما يؤدي إليه.
فأما إذا قال السائل: أعتق عني نصيبك من هذا العبد على هذه العشرة، وعينها وأشار إليها، فأعتقه.. عتق عن السائل، ولم يعتق نصيب الشريك؛ لأن العشرة قد ملكها المعتق ولا مال للسائل غيرها.
стр. 4128
[مسألة عتق بعض العبد عتق لكله]
وإن ملك عبداً، فأعتق بعضه.. سرى العتق إلى باقيه؛ لأنه موسر به.
وإن كان عبد بين اثنين نصفين، فقال أحدهما له: إن كان هذا الطائر غراباً، فنصيبي منك حر، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً، فنصيبي منك حر، فطار ولم يعرف.. قال ابن الحداد:
فإن كانا معسرين.. فالعبد باق على ملكهما؛ لأن عتق نصيب أحدهما لم يتعين.
فإن باع أحدهما نصيبه من رجل، وباع الآخر نصيبه من آخر.. فلكل واحد من المشتريين أن يتصرف فيما اشتراه؛ لأن كل واحد منهما قائم مقام من اشترى منه.
وإن باعا نصيبيهما من واحد.. قال ابن الحداد:
عتق على المشتري نصفه؛ لأنه قد تيقن أن نصفه حر، فلا يكون له أن يتصرف في جميعه.
وعلى قياس قول ابن الحداد: إذا اشترى أحدهما نصيب الآخر.. عتق على المشتري نصفه؛ لأنا نتيقن أن أحد النصفين حر بيقين.
وإن كانا موسرين، فإن قلنا: إن العتق يسري باللفظ.. عتق جميعه؛ لأن كل واحد منهما يعترف أن عتق شريكه يسري إلى نصيبه. ولا يجب لأحدهما على الآخر شيء؛ لأنه لا يقبل قوله على صاحبه في استحقاق حق له عليه.
وإن قلنا: لا يسري إلا بأداء القيمة.. لم يعتق العبد، ولا يجوز لأحدهما بيع نصيبه ولا هبته؛ لأنه قد استحق عتقه، وهل يجوز له عتقه، فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً.. عتق نصيب المعسر؛ لأن قوله يتضمن أن صاحبه حانث في يمينه وأن نصيبه حر، فإن كان موسراً.. سرى العتق في نصيبه، وهذا إذا قلنا: إن السراية تقع باللفظ.
стр. 4129
وإن قلنا: لا تقع إلا بدفع القيمة.. لم يعتق نصيب المعسر أيضاً ولكن لا يصح بيعه ولا هبته، وهل يصح عتقه؟ على الوجهين.
[فرع علق أحد الشريكين عتق نصيبه على بيع شريكه شقصه]
) . وإن كان عبد بين اثنين، فقال أحدهما: إن بعت نصيبك من العبد فنصيبي حر، وقال الآخر: إن اشتريت نصيب شريكي فنصيبي حر، ثم اشتري نصيب شريكه.. فقد حنثا جميعاً، وعتق كل واحد منهما نصيبه، ولا يقوم على أحدهما نصيب شريكه؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة.
وإن كان لرجل عبد، فقال: إن بعته فهو حر، وقال الآخر: إن اشتريته فهو حر، فاشتراه منه.. عتق على البائع دون المشتري؛ لأن المشتري عقد الصفة وهو لا يملكه، فلم يصح، والبائع عقد الصفة وهو يملكه. فإذا وجد الإيجاب والقبول.. فقد وجدت الصفة، وهو يملك عتقه لثبوت الخيار بينهما، فوقع عليه العتق بالصفة.
وإن قال لعبده: إذا بعتك بيعاً فاسداً فأنت حر، فباعه بيعاً فاسداً.. قال الطبري: لم يعتق.
وقال المزني: يعتق.
[مسألة شركاء في عبد أعتق اثنان نصيبهما]
إذا كان عبد بين ثلاثة أنفس لأحدهم النصف، ولآخر الثلث، ولآخر السدس، فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس نصيبهما في حالة واحدة بأن أعتقا واتفق لفظهما، أو وكلا وكيلاً فأعتق عنهما بكلمة وهما موسران.. قوم عليهما نصيب شريكهما، وكيف يقوم عليهما؟ فيه طريقان، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يقوم بينهما نصفين.
стр. 4130
والثاني يقوم على قدر الملكين، كالقولين في الشفعاء. وهو قول مالك؛ لأن له فيه روايتين.
ومنهم من قال: يقوم عليهما نصفين قولا واحداً. وهذه طريقة الشيخ أبي حامد وأكثر أصحابنا؛ لأن إعتاق النصيب إتلاف لرق الباقي، فإذا اشتركا في الإتلاف.. استويا في الضمان وإن اختلفا في سبب الإتلاف، كما لو جرح رجل رجلاً جراحة، وجرحه آخر جراحات ومات.
وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسرا.. قوم نصيب صاحب الثلث على الموسر منهما؛ لأن عتق المعسر لا يسري.
[مسألة ادعى أحد الشريكين بعتقهما وأنكره الآخر]
إذا قال أحد الشريكين في العبد: أعتقت أنا وأنت العبد في حالة واحدة، وقال الآخر: أما أنا فما أعتقت نصيبي.. كان القول قول المنكر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإعتاق، فإذا حلف.. ثبت أنه لم يعتق، ويعتق نصيب المقر بإقراره.
وإن كان معسراً ... بقي نصيب الحالف رقيقاً.
وإن كان المقر موسراً.. قوم عليه نصيب شريكه، وعتق عليه ويكون ولاء نصيب المقر له، وأما ولاء نصيب المنكر.. فإنه يكون موقوفاً بينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يدعيه ويقر به لصاحبه.
فإن مات العبد المعتق قبل موت المنكر وخلف مالاً.. فللمقر أن يأخذ من تركته قدر ما دفع إلى شريكه من القيمة؛ لأنه يستحقه بكل حال، ويوقف الباقي بينهما إلى أن يصطلحا عليه، أو يدعيه أحدهما فيأخذه.
وإن مات العبد بعد موت المنكر.. فليس للمقرر أن يأخذ من تركته قدر ما دفعه من
стр. 4131
الثمن ما دام مقيماً على إقراره الأول؛ لأنه يقر بمال المعتق لعصبة المنكر، ويقر أنهم لم يظلموه وإنما ظلمه المنكر.
وإن قال كل واحد منهما: أعتق شريكي نصيبه، وأنكر كل واحد منهما، وهما موسران.. حلف كل واحد منهما أنه لم يعتق نصيبه؛ لأن الأصل عدم الإعتاق، وعتق جميع العبد إذا قلنا: تقع السراية باللفظ؛ لأن كل واحد منهما يقر بعتق نصيبه على شريكه، ويكون الولاء موقوفاً بينهما.
وإن كانا معسرين.. لم يعتق شيء من العبد فإن اشترى أحدهما نصيب شريكه.. عتق عليه ما اشتراه؛ لأنه مقر بحريته.
وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً.. عتق نصيب المعسر إذا قلنا: تقع السراية باللفظ؛ لأنه مقر بعتق نصيبه على صاحبه، ولا يعتق نصيب الموسر؛ لأن عتق المعسر لا يسري. فأما إذا قلنا: لا يسري العتق إلا بدفع القيمة.. لم يعتق من العبد شيء.
[فرع عبد بين ثلاثة فشهد اثنان على الثالث بعتق نصيبه]
وإن كان عبد بين ثلاثة رجال، فشهد رجلان منهم على الثالث أنه أعتق نصيبه وأنكر ذلك المشهود عليه، فإن كان المشهود عليه معسراً: قبلت شهادتهما عليه وعتق نصيبه لا غير؛ لأنهما لا يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعاً ولا يدفعان عنهما بها ضرراَ. وإن كان موسراً.. لم تقبل شهادتهما عليه؛ لأنهما يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعاً وهو التقويم عليه.
فإن قلنا: تقع السراية باللفظ.. عتق نصيبهما؛ لأن شهادتهما تضمنت الإقرار به.
وإن قلنا: لا تقع السراية إلا بدفع القيمة.. لم يعتق نصيبهما، ولا يجوز لهما بيعه، وهل يجوز لهما عتقه؟ على وجهين.
стр. 4132
وللشاهدين أن يحلفا المنكر أنه لم يعتق نصيبه، لجواز أن يقر. فإن نكل عن اليمين.. حلفا ووجبت عليه قيمة نصيبهما.
[فرع رجوع الشاهدين عن قولهما أعتق شقصاً]
وإن شهد شاهدان على رجل أنه أعتق شقصاً له من عبد وهو موسر، فقوم عليه نصيب شريكه، ثم رجع الشاهدان.. قال ابن الحداد: رجع المشهود عليه على الشاهدين بقيمة نصيبه، ولا يرجع عليهما بما غرم لشريكه من القيمة.
قال القاضي أبو الطيب: أما نصيب المشهود عليه: فيرجع عليهما بقيمته؛ لأنهما أتلفاه عليه.
وأما ما غرمه من قيمة نصيب شريكه.. فهل يرجع عليهما به؟ فيه قولان، كما لو شهدا عليه بمال في يده؟ أو في ذمته، ثم رجعا.. المشهور: أنه لا يرجع عليهما فأجاب ابن الحداد على المشهور: قال القاضي أبو الطيب: إلا أن الصحيح عندي أنه يرجع عليهما به أيضاً.
[مسألة أعتق شقصين أحدهما بعد الآخر في مرض موته]
إذا أعتق في مرض موته شقصين له من عبدين له شريك فيهما أحدهما بعد الآخر:
فإن احتمل الثلث عتق الشقصين وتقويم باقيهما.. عتق عليه الشقصان بالمباشرة، وباقي العبدين بالسراية والتقويم.
وإن لم يحتمل الثلث إلا عتق الأول وتقويم باقيه.. قدم تقويم باقي الأول على عتق الثاني.
فإن احتمل الثلث عتق الشقص الأول وتقويم باقيه، والشقص الثاني دون تقويم باقيه.. عتق جميع العبد الأول عليه بالمباشرة والسراية، والشقص الثاني، ولا يقوم باقي الثاني عليه.
وإنما قدمنا تقويم باقي الأول على الشقص الثاني؛ لأنا إن قلنا: إن السراية تقع
стр. 4133
باللفظ.. فقد سبق عتق باقي الأول. وإن قلنا: لا تقع إلا بدفع القيمة.. فقد استحق إعتاق بقيته في الثلث قبل الثاني.
وإن أعتق الشقصين في حالة واحدة.. عتق الشقصان وقوم باقي العبدين عليه إن احتملهما الثلث. وإن لم يحتمل الثلث إلا عتق الشقصين.. عتق الشقصان لا غير ورق باقي العبدين.
وإن لم يحتمل الثلث إلا عتق أحد الشقصين.. أقرع بينهما.
وإن خرج الشقصان من الثلث وباقي أحد العبدين لا غير.. ففيه وجهان:
قال ابن الحداد: عتق الشقصان، وقسم الباقي بينهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
ومن أصحابنا من قال: يعتق الشقصان، ثم يقرع بينهما فيما بقي من الثلث بعد الشقصين، كما إذا أعتق عبدين.. فخرج أحدهما من الثلث. والأول أصح.
[مسألة يعتبر الثلث في عتق عبد بمرض موته]
إذا أعتق عبداً له في مرض موته.. فقد ذكرنا أن قيمته تعتبر من ثلث ماله.
وقال مسروق: تعتبر من رأسماله، كما لو أتلف شيئاً من ماله.
دليلنا: حديث عمران بن الحصين في: «الرجل الذي أعتق ستة أعبد له في مرض موته، فأقرع النبي ﷺ بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة» .
وإن أعتق شركاً له في عبد في مرض موته.. عتق نصيبه من ثلث تركته، وقوم عليه نصيب شريكه أن احتمله الثلث.
وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: (لا يقوم عليه نصيب شريكه) .
стр. 4134
دليلنا: أنه موسر بقيمة نصيب شريكه ولا يتعلق به حق أحد فقوم عليه، كعتق الصحيح.
وإن أوصى بعتق شرك له في عبد، أو بعتق بعض عبد له.. أعتق عليه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه، ولا يسري إلى عتق باقي العبد سواء احتمله الثلث أو لم يحتمله؛ لأن ملكه يزول عن ماله إلا عن القدر الذي أوصى به، فصار كالمعسر إذا أعتق شركاً له في عبد.
وإن أوصى بعتق شقص له من عبد وأوصى أن يعتق عليه نصيب شريكه فإن احتمله الثلث أعتق عليه نصيب شريكه ودفعت قيمته إلى شريكه؛ لأن له التصرف في الثلث بما فيه قربة.
قال القاضي أبو الطيب في " المجرد ": عندي أنه إنما تقوم حصة الشريك إذا رضي الشريك بذلك، ولا تقوم إذا لم يرض؛ لأن التقويم لم يجب على الموصي وإنما وجب بالوصية، فجرى ذلك مجرى المعسر إذا أعتق شقصاً له في عبد ثم أيسر، فإنه لا يقوم عليه نصيب شريكه إلا برضاه.
قال ابن الصباغ: وأصحابنا أطلقوا ذلك، وما قالوه له وجه صحيح؛ لأن التقويم لا يجب؛ لأن العتق وقع حال زوال ملك الميت عن المال، فجرى ذلك مجرى المعسر إذا أعتق شقصاً له من عبد.
فأما إذا أوصى بتكميله.. كانت قيمته باقية كالباقية على حكم ملكه، فصار كالموسر إذا أعتق، وهكذا لو قال: إذا مت فنصيبي حر.. عتق نصيبه إن خرج من الثلث ولم يسر إلى نصيب شريكه.
[فرع أوصى بعتق شقصين من عبدين]
إذا كان له شقصان من عبدين فأوصى بعتقهما بعد موته، وبأن يكمل باقي عتق العبدين من الثلث، فإن احتملهما الثلث.. أعتقا عنه، وإن لم يحتمل الثلث إلا قيمة
стр. 4135
باقي أحدهما.. قال ابن الحداد: أقرع بينهما ولا يقسم بينهما؛ لأن الموصي قصد تكميل العتق فيهما، فإذا لم يكن ذلك فيهما.. كان في أحدهما.
وإن كان له ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم، وقيمتهم سواء، فقال: نصف كل واحد منكم حر بعد موتى، ولم تجز الورثة:
قال ابن الحداد: أقرع بينهم، وهو بأن يكتب في رقعة عتق، وفي رقعة رق، ويخرج إحدى الرقعتين على واحد منهم، فإن خرجت عليه رقعة الرق.. رق جميعه وعتق من كل واحد من الآخرين نصفه. وإن خرجت على الأول رقعة العتق.. عتق نصفه، ثم تعاد القرعة بين الآخرين، فمن خرجت عليه رقعة العتق.. عتق نصفه ورق نصفه وجميع الآخر، فيعتق نصفا عبدين.
قال القاضي أبو الطيب: وهذه لا يختلف فيها أصحابنا، ودل هذا على أن المعتق إذا فرق العتق في شخصين.. لم يجمع في شخص واحد.
فإن كان له عبدان سالم وغانم، وقيمتهما سواء، فقال: إذا مت فنصف سالم حر، وثلث غانم حر، فمات ولا مال له غيرهما، ولم تجز الورثة.. فقد زاد على الثلث سدس أحدهما.
قال ابن الحداد: فيقرع بينهما، فيكتب رقعة عتق وفي رقعة رق، ويخرج إحداهما على أحدهما، فإن خرجت رقعة العتق على أحدهما.. عتق منه ما أعتق لا غير وتمم الثلث من الثاني. فإن خرجت رقعة العتق على سالم عتق نصفه وعتق من غانم سدسه. وإن خرجت رقعة العتق على غانم.. عتق ثلثه وعتق من سالم ثلثه؛ لأن ذلك قدر الثلث.
وإن كان له ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم، فقال في مرض موته: أثلاثكم أحرار.. عتق ثلث كل واحد منهم - اتفقت قيمتهم أو اختلفت - ولا يقرع بينهم؛ لأنه عين العتق ولم يزد على الثلث.
следующие страницы →