← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

أحدهما: أنه لا يجر ولاء ولده إلى مولى نفسه؛ لأنا لا نعلم أن العتق لحقه. والثاني: أن ولاء الولد يكون موقوفاً، فإن بان أن الأب كان حياً يوم أعتق.. جر ولاء ولده. وإن بان أنه كان ميتاً، أو مضت مدة لا يعيش مثله إليها قبل العتق.. ثبت ولاء الولد المولى أمه؛ لأنا قد حكمنا بموت الأب قبل العتق. [فرع تزوج عتيقة لآخر وأبوه مملوك] ] : وإن تزوج عبد لرجل بمعتقة لآخر فأولدها ولداً، ولهذا الزوج أب مملوك.. فإن الولد حر تبعاً لأمه، وولاؤه لمولى أمه، فإن أعتق أبو الزوج - وهو جد هذا الولد ـ فهل يجر ولاء ولد ولده؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق: فيه ثلاثة أوجه: أحدها ـ وهو اختيار القاضيين: أبي حامد، وأبي الطيب ـ: أنه يجر ولاء ولد ولده ما دام الأب مملوكاً، سواء كان الأب حياً أو ميتاً؛ لأنه ينسب إليه كما ينسب إلى الأب، فجر ولاءه كالأب. فإذا قلنا بهذا: فأعتق الأب بعد ذلك.. جر ولاء الولد عن مولى الجد إلى مولى الأب؛ لأنه أقوى من الجد في نسب الولد وأحكامه. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وأبي علي الطبري ـ: أن الجد لا يجر ولاء ولد ولده، سواء كان الأب حياً أو ميتاً؛ لأنه يدلي إليه بواسطة، فلا يجر ولاءه، كالأخ والعم. والثالث ـ وهو اختيار ابن اللبان ـ: إن كان الأب حياً.. لم يجر الجد ولاء ولد ولده. وإن كان الأب ميتاً.. جر الجد ولاء ولد ولده؛ لأنه إذا كان الأب ميتاً.. استقر جر الجد، وإذا كان حياً.. لم يستقر جر الجد، ولا يجوز أن ينجر الولاء إلى من لا يستقر له عليه. وقال الشيخ أبو حامد: إن كان الأب ميتاً.. جر الجد ولاء ولد ولده وجهاً واحداً. وإن كان الأب حياً مملوكاً.. فهل يجر الجد ولاء ولد ولده؟ فيه وجهان:

стр. 4342

أحدهما ـ وهو قول مالك ـ: (أنه يجر) . والثاني ـ وهو قول أبي حنيفة، وهو الأشبه ـ: (أنه لا يجر) ووجههما ما ذكرناه. وقال القفال: إن كان الأب حياً.. فإن الجد لا يجر ولاء ولد ولده وجهاً واحداً. وإن كان الأب ميتاً.. فهل يجر الجد ولاء ولد ولده؟ فيه وجهان. [مسألة تزوج بأمة لآخر فأولدها] ] : إذا تزوج عبد لرجل بأمة لآخر فأولدها ولداً.. فإن الولد يكون مملوكاً لمالك الأم، فإن أعتق مولى الأمة هذه الأمة وولدها.. ثبت له عليهما الولاء. فإن أعتق مولى العبد عبده بعد ذلك.. لم يجر ولاء ولده إلى مولاه؛ لأن الأب إنما يجر ولاء ولده إلى سيد نفسه إذا لم يكن قد مس الولدَ الرقُّ بل خلق حراً، وهاهنا قد مسه الرق وأنعم عليه بالعتق مولاه الذي باشر عتقه، فكان مولاه الذي أنعم عليه أحق بولائه ممن أنعم على أبيه. [فرع تزوج عبد بأمة آخر فعتقت] وإن تزوج عبد الرجل بأمة لآخر، فأعتق مولى الأمة أمته ولم تختر فراق الزوج، ثم أعتق مولى العبد عبده، ثم أتت الجارية بولد.. فإنه يكون حراً؛ لأنه إن كان موجوداً وقت العتق.. فقد ناله العتق، وإن حدث بعد العتق.. فهو ولد حرة، فكان حراً. ولمن يكون ولاؤه؟ ينظر فيه: فإن ولدته لدون ستة أشهر من يوم أعتقت الأم.. كان ولاؤه لمولى أمه؛ لأنا نعلم أنه كان موجودا وقت العتق، وقد ناله العتق من مولى أمه، فهو كما لو أعتقه مولى الأم بعد الانفصال. فإن ولدته لستة أشهر فصاعداً من يوم عتق الأم وكان الزوج غير ممنوع من وطئها.. فولاؤه لمولى أبيه؛ لأنا لا نعلم أنه كان موجوداً يوم أعتقت الأمة، ويجوز أن يكون العبد حدث بعد ذلك.

стр. 4343

وإن اختارت فراقه ساعة أعتقت، أو أبانها زوجها، ثم أعتقها سيدها، ثم أعتق الأب، ثم أتت بولد.. فإن الولد يكون حراً؛ لأنه إما أن يكون موجوداً وقت العتق فعتق بالمباشرة، أو حدث بعد العتق من حرة فكان حراً. إذا ثبت هذا: فإن ولاءه يكون لمولى أمه دون موالي أبيه؛ لأنها إن أتت به لأربع سنين فما دونها من وقت البينونة.. فإنا نلحقه بالزوج ويحكم بوجوده وقت العتق، وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت البينونة.. فإنا لا نلحقه بالزوج، وإذا لم يكن ابنا له.. لم يجر ولاؤه إلى مواليه. [فرع تزوج بمعتقة لآخر فأولدها ثم عتق] ] : إذا تزوج عبد لرجل بمعتقة لآخر فأولدها ولداً ثم أعتق الأب.. فقد ذكرنا أن ولاء الولد يكون لمولى أبيه، ثم لعصبة المولى. فإن عدم مولى الأب ومن يرث بسببه من العصبات والموالي.. فإن مال الميت ينتقل إلى بيت المال ولا ينتقل إلى مولى أمه. وحكي عن ابن عباس: أنه قال: (يكون ذلك لمولى أمه) . دليلنا: هو أنه لا خلاف إذا كان هناك عصبة للميت مناسبين أو عصبة لموالي أبيه.. لم يرث مولى الأم شيئاً. فإذا لم يكن له عصبة مناسبون ولا مولى ولا عصبة مولى.. فالمسلمون عصبته وعصبة مواليه، فكانوا أحق بميراثه من مولى الأم. [مسألة تزوج من لا ولاء له بمعتقة] ] : وإذا تزوج حر لا ولاء عليه بمعتقة لقوم وأولدها ولداً.. فإن الولد حر لا ولاء عليه لأحد، سواء كان الأب عربي الأصل. أو أعجمي الأصل وبه قال أبو يوسف. وقال أبو حنيفة: (إن كان الأب عربي الأصل.. فلا ولاء على الولد، وإن كان أعجمي الأصل.. ثبت الولاء على الولد لمولى أمه) . دليلنا: أن استدامة الشيء آكد من ابتدائه، بدليل: أن الردة والعدة ينافيان ابتداء النكاح لضعفه، ولا ينافيان استدامته لقوته، ثم ثبت أن ابتداء حرية الأب تسقط الولاء

стр. 4344

الثابت لمولى الأم.. فكانت استدامة حريته أولى بأن تمنع الولاء لمولى الأم. وإن تزوج رجل مجهول النسب، إلا أنه محكوم بحريته في الظاهر بمعتقة لرجل فأولدها ولداً، فهل يكون على هذا الولد ولاء لمولى أمه؟ فيه وجهان: قال أبو العباس ابن سريج: لا ولاء عليه كالعربي المعروف النسب. وقال ابن اللبان: ثبت عليه الولاء لمولى أمه؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (أرأيتم المولاة المعتقة تلد من مملوك أو ممن لا يعرف، أليس يكون ولاء ولدها تبعاً لولائها؟) . ولو أن حراً حربياً معروف النسب كان تحته حرة معتقه فأولدها ولداً.. فلا ولاء على هذا الولد لمولى أمه؛ لأن أباه حر لا ولاء عليه في الحال، وإن كان يجوز أن يسترق ويعتق.. فيثبت عليه الولاء، إلا أنه في الحال معروف النسب لا ولاء عليه، وكما يجوز أن يسترق.. يجوز أن يموت على كفره قبل الاسترقاق، ويجوز أن يسلم فتستقر حريته. [فرع تزوج بحرة فأتت بولد فلا ولاء عليه] ] : وإن تزوج عبد لرجل بحرة الأصل فأتت منه بولد. فالولد حر لا ولاء عليه. فإن عتق الأب بعد ذلك: قال البندنيجي: فإن معتق الأب يكون لهذا الولد مولى عصبة، فيرثه عند عدم ورثته من النسب. وإن تزوج مولى قوم بحرة الأصل فأتت منه بولد.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يثبت على الولد الولاء لمولى أبيه؛ لأن أحد أبويه حر الأصل، فلم يثبت عليه الولاء، كما لو كان الأب حر الأصل والأم معتقة. والثاني: أن عليه الولاء لمولى أبيه وهو المنصوص في (البويطي) ؛ لأن الولد يتبع الأب في النسب دون الأم، كما لو تزوج العامي بهاشمية ... فإن الولد عامي تبعاً لأبيه، فكذلك هذا مثله. فإن تزوج عبد بحرة معتقة وحرة أصلية، فأولد من الحرة المعتقة ولداً، ثم مات

стр. 4345

هذا الولد ولا وارث له غير أمه ومولاها.. كان لأمه الثلث ولمولى أمه الثلثان. فإن ولدت الحرة الأصلية ولداً بعد ذلك، فإن وضعته لدون ستة أشهر من حين موت الولد الأول.. كان هذا الولد أحق بالثلثين اللذين أخذهما مولى الأم فيسترجع من مولى الأم؛ لأنه عصبة مناسب. وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر من حين موت الأول.. لم يسترجع ذلك من مولى الأم؛ لأنه يحتمل أن يكون الثاني موجوداً وقت موت الأول، ويحتمل أنه حدث بعد ذلك، والأصل عدمه. [فرع ثبوت الولاء لموالي الأم] ] : قال القاضي أبو الطيب: فإن كان رجل حراً لم يعتق، وأبوه وجده حرين لم يعتقا، وأمه معتقة، وأم أبيه معتقة، وأم جده معتقة، وأبو جده مملوكاً.. فإن الولاء لمولى أم جده؛ لأن الجد إذا كان أبوه مملوكاً وأمه معتقة.. ثبت عليه الولاء لمولى أمه، وإذا ثبت الولاء على الجد لمولى أمه.. ثبت على أولاده. فلا يثبت لمولى أم أبيه على أبيه ولاء؛ لأنه تابع لأبيه وهو الجد فيما عليه من الولاء وعلى أولاده. ولو كان أبو الجد حراً عربياً.. لم يثبت عليه الولاء لمولى أمه، ولا على أولاده وإن سفلوا. وإن كان حراً مجهول النسب.. كان في ثبوت الولاء عليه لمولى أمه وجهان، مضى توجيههما. [فرع ثبوت الولاء لمولى الأم] ] : قال القاضي أبو الطيب: وإذا كان رجل حراً لم يعتق، وأبوه مملوك وأمه حرة لم تعتق، وأبوا الأم حران معتقان.. كان الولاء عليه لمولى أبي الأم؛ لأن الأم إذا كان

стр. 4346

على أحد طرفيها ولاء.. يجب أن يكون عليها ولاء مولى أبيها دون ولاء مولى أمها، وإذا ثبت عليها ولاء مولى أبيها.. ثبت ذلك على أولادها وإن سفلوا ما لم يقع فيه حر بإعتاق الأب. وإن مات رجل حر لم يعتق، وأبوه مملوك وأمه حرة لم تعتق، وأم الأم حرة معتقة، وأبو الأم حر لم يعتق، وأم أبي الأم حرة معتقة، وأبو أبي الأم مملوك.. ثبت الولاء على الميت لمولى أم أبي أمه؛ لأن أبا الأم إذا ثبت عليه الولاء لمولى أمه.. ثبت ذلك له على أولاده وإن سفلوا. فإذا مات هذا الرجل.. كان ميراثه لمولى أبي أمه دون مولى أم أمه. ولو كان أبو أبي أمه عربياً.. لم يثبت الولاء عليه لموالي أم أبي أمه. ولو كان حراً مجهول النسب.. فهل يثبت الولاء على ولده؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما. [فرع تزوج بمعتقة لآخر فأولدها فولده حر] ] : وإن تزوج عبد لرجل بمعتقة لآخر فأولدها ولداً.. فإن هذا الولد حر، ويكون عليه الولاء لمولى أمه. فإن بلغ هذا الابن ثم اشترى أباه.. عتق عليه، ومن حكم الأب إذا عتق أن يجر ولاء ولده عن مولى أمه إلى مولى نفسه، واختلف أصحابنا في هذه [على قولين] : فـ[الأول] : منهم من قال: إن الأب لا يجر ولاء ولده هاهنا إلى مولاه عن مولى أمه، بل يبقى ولاء مولى أمه عليه، وهو المنصوص؛ لأن الأب لو جر ولاء ولده إلى مولاه.. لجره إلى ولده؛ لأنه مولاه، والإنسان لا يملك الولاء على نفسه، فبقي ولاء مولى الأم كما كان. والثاني - وهو قول أبي العباس -: أن الأب يجر ولاء الولد عن مولى أمه ويسقط؛ لأن عتق الأب يسقط الولاء عن مولى الأم.

стр. 4347

فعلى قول أبي العباس: يكون هذا الولد حراً لا ولاء عليه، وأبواه عليهما الولاء. ويتصور مثل هذا في موضعين: أحدهما: إذا كان الإنسان كافراً فأسلم بعد بلوغه وله أبوان كافران، فسبيا واسترقا، ثم أعتقا. والثاني: إذا تزوج عبد بأمة لآخر، وغره وكيل سيدها بحريتها، فأتت منه بولد قبل أن يعلم برقها.. فإنه يكون حراً، ثم أعتق العبد والأمة، فإن هذا الولد يكون حراً لا ولاء عليه، وأبواه موليين. قال القاضي أبو الفتوح: وهذه المسائل الثلاث لا توجد رابعة في معناهن. فإن قيل لك: رجلان كل واحد منهما مولى لصاحبه من فوق.. قال أصحابنا: فيتصور ذلك: بأن يعتق الذمي عبداً ثم يلحق السيد بدار الحرب فيسبى، فيملكه عتيقه ويعتقه فيثبت لكل واحد منهما على صاحبه الولاء وأيهما مات.. ورثه الآخر. ويتصور أيضاً: إذا تزوج عبد لرجل بمعتقة لآخر فأولدها ولداً.. فإن الولد حر، وولاؤه لمولى أمه. فإن اشترى هذا الولد عبداً فأعتقه.. ثبت له عليه الولاء؛ لأنه أعتقه. فإن اشترى هذا العبد المعتق أبا سيده فأعتقه.. ثبت له عليه الولاء، وجر الأب ولاء ولده عن مولى أمه إلى مولى نفسه، ومولى الأب هو عتيق ولده، فيكون كل واحد منهما مولى لصاحبه من أعلى، فإن مات العبد المعتق.. فماله للابن. وإن مات الأب ثم مات الابن.. فماله لمعتق أبيه وهو مولاه. فإن مات معتق الأب بعد ذلك، فإن قلنا بقول أبي العباس: إن الولد الذي إذا اشترى أباه أسقط ولاء مولى أمه عن نفسه.. فمال معتق الأب لبيت المال ولا يرثه مولى أم الابن؛ لأن ولاءه قد انتقل عنه. وإن قلنا بالمنصوص، وأن الولد إذا اشترى أباه لا يسقط ولاء مولى أمه عن

стр. 4348

نفسه.. فإن مال معتق الأب هاهنا لمولى أم الابن؛ لأن الأب يجر ولاء ابنه إلى معتقه ثم إلى عصبته بعده، فإذا لم تكن عصبة.. كان الابن هو وارثه لو كان حياً؛ لأنه معتقه. فإذا كان ميتاً.. ورثه مولى أمه. [فرع تزوج بمعتقة فأتت ببنت ثم تزوجها آخر] ] : إذا تزوج عبد لرجل بمعتقة لآخر فأتت منه ببنت، ثم تزوج هذه البنت عبد لآخر فأولدها ولداً، ثم مات هذا الولد.. ورثت منه الأم ميراثها، والباقي لمولاه، ومولاه هو مولى أمه، وهو مولى جدته أم أمه؛ لأن من أعتق جارية.. فله ولاؤها وولاء ولدها وولد ولدها وإن سفلوا ما لم يعتق الأب، وأبو هذا الولد مملوك لم يعتق. فإن لم يمت هذا الولد حتى أعتق جده أبو أمه، ثم مات الولد قبل أن يعتق أبوه.. انتقل ولاء أمه إلى مولى أبيها عن مولى أمها. قال ابن الحداد: وانتقل ولاء الولد إلى مولى أمه تبعاً لأمه؛ لأنه إذا كان تابعاً لها.. وجب أن ينتقل بانتقاله. قال القاضي أبو الطيب: ولا يختلف أصحابنا أن أبا الأم إذا أعتق أنه ينتقل ولاء ولد ابنته إلى مواليه تبعاً لأمه، وهذا يدلي في الجد أبي الأب.. أن الصحيح: أنه يجر ولاء ولد ابنه إلى مواليه. [فرع كان مملوكاً لرجل وابنه لآخر فتزوج الأب معتقة الآخر] ] : إذا كان الرجل مملوكاً لرجل وله ابن مملوك لآخر وابن ابن مملوك لآخر، فتزوج ابن الابن معتقة لآخر وأولدها ولداً.. فإن هذا الولد حر، وولاؤه لمولى أمه. فإن أعتق بعد ذلك أبو هذا الولد وجده وجد أبيه.. انجر ولاء الولد عن مولى أمه إلى مولى أبيه دون مولى جده وجد أبيه.

стр. 4349

فإن مات الولد ولا مناسب له.. كان ماله لمولى أبيه أو لعصبة مولى أبيه، فإن عدم مولى أبيه ومن يدلي به من عصبة أو مولى.. فماله لبيت المال، ولا يرثه مولى جده ولا مولى جد أبيه. وقال الحسن البصري: يرثه مولى جده، وهذا غلط؛ لأنه لو كان عصباته أو عصبة مولى أبيه موجودين.. لم يرث مولى جده، فإذا عدموا.. كان المسلمون عصباته وعصبة مولى أبيه، فكانوا أحق بميراثه من مولى جده. [فرع اشترتا أباهما فعتق] ] : ابنتان اشترتا أباهما فعتق عليهما: فإن مات الأب.. كان لابنتيه الثلثان بالنسب، والباقي لهما بالولاء. فإن ماتت إحداهما بعد ذلك.. كان لأختها نصف مالها بالنسب، والنصف الباقي لمولى أبيها، ومولى أبيها هي هذه الابنة الباقية، فتأخذ نصفه، فيكون لها ثلاثة أرباع مالها. وأما الرابع الباقي، فإن لم يكن عليهما ولاء لمولى أمهما.. كان لبيت المال، وإن كان عليهما ولاء لمولى أمهما.. فعلى قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يكون لمولى أمهما. وعلى قول أبي العباس: يكون لبيت المال. فإن ماتت إحداهما قبل أبيها.. كان مالها لأبيها، وإن مات الأب بعد ذلك.. كان لابنته الباقية سبعة أثمان المال، والثمن لبيت المال؛ لأن لها النصف بحق النسب- وهو كونها بنتاً- ولها نصف الباقي بحق ولائها على الأب. والربع الباقي: كان يكون للميتة بحق ولائها على الأب، وقد جر الأب إلى ابنته الحية بنصف الولاء الذي لها عليه نصف ولاء الميتة، فاستحقت به نصف ما كان لها- وهو: الثمن- فيحصل لها سبعة أثمان المال، والثمن لبيت المال. وإن تزوج عبد لرجل بمعتقة لآخر فأولدها ابنتين، ثم اشتريا أباهما.. فإنه يعتق

стр. 4350

عليهما. فإن مات الأب.. كان ماله لابنتيه: الثلثان بالنسب والباقي بالولاء. فإن ماتت إحدى الابنتين بعد ذلك.. فنقل المزني أنه: (يكون للباقية ثلاثة أرباع مالها، والربع لمولى أمها) . ونقل الربيع والبويطي: (أن لها سبعة أثمان المال) ، واختلف أصحابنا فيها: فمنهم من قال: الصحيح ما نقله المزني: أن لها ثلاثة أرباع المال، والربع لمولى الأم. وما نقله الربيع فغلط في صورة المسألة وتابعه البويطي على ذلك. والمسألة التي يستحق فيها سبعة أثمان المال هي: إذا ماتت إحدى الابنتين أولاً، ثم مات الأب بعد ذلك.. فإن للبنت الباقية سبعة أثمان المال، وأما إذا مات الأب أولاً، ثم ماتت إحدى الابنتين بعده.. فإن للباقية ثلاثة أرباع مالها، والربع لمولى أمها؛ لأن لها نصف مالها بكونها أختاً، ولها الربع بما جره إليها الأب من ولاء الميتة؛ لأن ولاء مولى الأم كان ثابتا عليهما، فلما عتق الأب عليهما.. جر إلى كل واحد منهما نصف ولاء أختها، ويبقى لمولى الأم الربع بما لم يجره الأب عن ولاء الميتة. ومنهم من قال: فيها قولان: أحدهما: ترث الابنة الباقية ثلاثة أرباع مال الميتة، والربع لمولى الأم؛ لما ذكرناه. والثاني: ترث الباقية سبعة أثمان مال الميتة؛ لأنها ترث نصف مالها بكونها أختاً، وترث نصف الباقي- وهو: الربع- بما جر الأب إليها من ولاء أختها، وترث نصف الباقي- وهو: الثمن- لأنها مولاة العصبة الميتة، وهو الأب. فيحصل الخلاف بين هذا القول والقول الذي قبله، في أنها هل ترث لكونها مولى العصبة، أم لا؟ فعلى الأول: لا ترث. وعلى الثاني: ترث به. وعلى قول أبي العباس: أن الأب يجرعن مولى الأم جميع ولاء الابنتين، فالقدر الذي جعلناه على القولين الأولين لمولى الأم يكون لبيت المال.

стр. 4351

[فرع شقيقتان اشترت إحداهما الأب والأخرى الأم] ] : قال القاضي أبو الطيب: ولو أن أختين لأب وأم لا ولاء عليهما، اشترت إحداهما أباهما، واشترت الأخرى أمهما.. يعتق على كل واحدة منهما ما اشترت. فإن مات الأب وورثت ابنتاه بالنسب الثلثين، والباقي للتي أعتقته منهما. فإن كانت أمهما زوجة له.. ورثت معهما الثمن، وإن لم تكن زوجة له.. فلا ميراث لها معهما. وإن ماتت الأم بعد ذلك.. كان لابنتيها الثلثان بالنسب، والباقي للتي أعتقتها. فإن ماتت بعد ذلك البنت التي أعتقت الأم.. كان للباقية النصف بالنسب، والباقي لها ميراثاً بالولاء على أبيها؛ لأن ثبوت الولاء الذي لها على أبيها، يثبت على ولده. وإن كانت الميتة معتقة الأب.. كان لمعتقة الأم النصف لكونها أختاً، والباقي لها أيضاً؛ لأنها معتقة أمها، ومولاة أمها مولاتها إذا لم يكن عليها ولاء من جهة معتقها. وعلى قول أبي العباس: أن ولاء مولى الأم يبطل، فيكون الباقي لبيت المال. [فرع تزوج معتقة لآخر فأتت بولد فهو حر] ] : إذا تزوج عبد لرجل بمعتقة لآخر فأتت منه بولد.. فإن الولد يكون حراً وولاءه لمولى أمه. فإن كاتب السيد عبده، ثم اختلف مولى المكاتب ومولى الولد، فقال مولى المكاتب: قد أدى إلى كتابته فعتق وجر إلى ولاء ولده، وقال مولى الأم: لم يؤد إليك، ولم يعتق فولاء الولد باق لي، فإن كان هذا الاختلاف في حياة المكاتب وقبل موت الولد.. حكم بحرية المكاتب بإقرار سيده، ولا يفتقر إلى بينة ولا يمين.

стр. 4352

وإن كان هذا الاختلاف بعد موت المكاتب أو بعد موت الولد، فإن كان مع مولى المكاتب بينة على الأداء قبل الموت.. حكم له بولاء الولد، ويقبل في ذلك شاهد وامرأتان، وشاهد ويمين؛ لأنه بينة على المال. وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قول مولى الولد مع يمينه؛ لأنا تيقنا رق المكاتب وثبوت الولاء على الولد لمولى أمه.. فلا ينتقل عنه إلا بيقين. قلت: والذي يقتضي المذهب: أن مولى الأم يحلف أنه لا يعلم أن المكاتب قد أدى جميع مال الكتابة؛ لأنها يمين على نفي فعل الغير، فكانت على نفي العلم. والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق

стр. 4353

[كتاب الفرائض] الأصل في الحث على تعلم الفرائض: ما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنها نصف العلم، وهي أول ما ينسى، وأول شيء ينزع من أمتي» . وروى ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وسيقبض العلم، وتظهر الفتنة حتى يختصم الرجلان في الفريضة فلا يجدان أحدا يفصل بينهما» .

стр. 4354

وروي عن عمر ﵁: أنه قال: (إذا لهوتم.. فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم.. فتحدثوا بالفرائض) . وقال علقمة: إذا أردت أن تتعلم الفرائض.. فأمت جيرانك. إذا ثبت هذا: فإن التوارث كان في الجاهلية بالحلف والنصرة، فكان الرجل يقول للرجل: تنصرني وأنصرك، وترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، وربما تحالفوا على ذلك. فإذا كان لأحدهما ولد.. كان الحليف كأحد أولاد حليفه، وإن لم يكن له ولد.. كان جميع المال للحليف، فجاء الإسلام والناس على هذا، فأقرهم الله تعالى على ذلك في صدر الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] [النساء: ٣٣] وروي: " أن أبا بكر ﵁ حالف رجلاً، فمات، فورثه أبو بكر) . ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بالإسلام والهجرة، فكان الرجل إذا أسلم وهاجر.. ورثه من أسلم وهاجر معه من مناسبيه دون من لم يهاجر معه من مناسبيه، مثل: أن يكون له أخ وابن مسلمان، فهاجر معه الأخ دون الابن فيرثه أخوه دون ابنه.

стр. 4355

والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] [الأنفال: ٧٢] . ثم نسخ الله ذلك بالميراث بالرحم بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] ، وفسر المعروف بالوصية. وقال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] [النساء: ٧] فذكر: أن لهم نصيباً في هذه الآية ولم يبين قدره، ثم بين قدر ما يستحقه كل وارث في ثلاثة مواضع من كتابه، على ما نذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى. إذا تقرر هذا: فإن الميت إذا مات.. أخرج من ماله كفنه وحنوطه ومؤنة تجهيزه من رأس ماله مقدما على دينه ووصيته، موسراً كان أو معسراً. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأكثر أهل العلم ﵏ تعالى. وقال الزهري: إن كان موسراً.. احتسب ذلك من رأس ماله، وإن كان معسراً احتسب من ثلثه. وقال خلاس بن عمرو: يحتسب من ثلثه بكل حال. دليلنا: ما روى خباب بن الأرت قال: «قتل مصعب بن عمير يوم أحد وليس له إلا نمرة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال النبي ﷺ : غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر» ، ولم يسأل عن ثلث ماله. وروي: أن الرجل الذي وقص وهو محرم، قال النبي ﷺ : «كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما» ، ولم يعتبر الثلث.

стр. 4356

ولأن الميراث إنما نقل إلى الورثة لاستغناء الميت عنه، وهذا غير مستغن عن كفنه ومؤنة تجهيزه، فقدم على الإرث. ثم يقضى دينه إن كان عليه دين، ثم تخرج وصاياه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] [النساء: ١١] . وأجمعت الأمة: على أن الدين مقدم على الوصية. وهل انتقل ماله إلى ورثته قبل قضاء الدين؟ اختلف أصحابنا فيه. فذهب أكثرهم إلى: أنه ينتقل إليهم قبل قضاء الدين. وقال أبو سعيد الإصطخري: لا ينتقل إليهم حتى يقضى الدين. هكذا ذكر الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق - عن أبي سعيد من غير تفصيل. وأما ابن الصباغ: فحكي عنه: أنه إن كان الدين لا يحيط بالتركة.. فإن عند أبي سعيد الإصطخري: لا يمنع الدين من انتقال المال إلى الورثة إلا بقدره، واحتج بأنه لو بيع شيء من مال الميت بعد موته.. لكانت العهدة على الميت دون الورثة، فدل على بقاء ملكه. فعلى هذا: إذا حدث من المال فوائد قبل قضاء الدين.. كان ذلك ملكا للميت، فيقضى منه دينه وينفذ منه وصاياه. وقال أبو حنيفة: (إن كان الدين يحيط بالتركة.. منع انتقال الملك إلى الورثة، وإن كان الدين لا يحيط بالتركة.. لم يمنع انتقال الملك إلى الورثة) . والمذهب: أن الدين لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة بحال، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] الآية: [النساء: ١٢] ، ولم يفرق. ولأنه لا خلاف: في أن رجلاً لو مات وخلف ابنين وعليه دين، فمات أحدهما قبل قضاء الدين وخلف ابنا، ثم أبرأ من له الدين الميت عن الدين.. فإن تركة من كان عليه الدين تقسم بين الابن وبين ابن الابن، فلو كان الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة.. لكانت التركة للابن وحده.

стр. 4357

فعلى هذا: إن حصل من التركة فوائد قبل قضاء الدين.. فإنها للورثة لا يتعلق بها حق الغرماء ولا الوصية. وإن كان الدين أكثر من التركة، فقال الوارث: أنا أدفع قيمة التركة من مالي ولا تباع التركة، وطلب الغرماء بيعها.. فهل يجب بيعها؟ فيه وجهان بناء على العبد الجاني، إذا بذل سيده قيمته، وطلب المجني عليه بيعه، وكان الأرش أكثر من قيمته.. فهل يجب بيعه؟ فيه قولان. [مسألة: أصناف الإرث والوارثين والتعريف بأولي الأرحام] ] : ثم يصرف مال الميت بعد قضاء الدين وإخراج وصيته إلى ورثته. والإرث ضربان: عام وخاص. فأما (العام) : فهو أن يموت رجل من المسلمين ولا وارث له خاص.. فإن ماله ينتقل إلى المسلمين إرثا بالتعصيب، يستوي فيه الذكر والأنثى، وهل يدخل فيه القاتل؟ فيه وجهان. وأما (الإرث الخاص) : فيكون بأحد أمرين: بسبب أو نسب. فأما (السبب) : فينقسم قسمين: ولاء ونكاحاً. فأما (الولاء) : فقد مضى بيانه. وأما (النكاح) : فهو إرث أحد الزوجين من الآخر على ما يأتي بيانه. وأما (النسب) : فهم الوارثون من القرابة من الرجال والنساء. فالرجال المجمع على توريثهم: خمسة عشر، منهم أحد عشر لا يرثون إلا بالتعصيب، وهم: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأخ للأب والأم، والأخ للأب، وابن الأخ

стр. 4358

للأب والأم، وابن الأخ للأب، والعم للأب والأم، والعم للأب، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب، والمولى المعتق. فكل هؤلاء لا يرث واحد منهم فرضاً، وإنما يرث تعصيباً إلا الأخ للأب والأم.. فإنه قد يرث بالفرض في المشتركة لا غير، على ما نذكره في موضعه. واثنان من الرجال الوارثين يرثان تارة بالفرض، وتارة بالتعصيب، وتارة بالفرض والتعصيب معا، وهما: الأب، والجد أبو الأب وإن علا. واثنان لا يرثان إلا بالفرض لا غير، وهما: الأخ للأم، والزوج. وأما النساء المجمع على توريثهن: فعشر، وهن: الابنة، وابنة الابن وإن سفلت، والأم، والجد أم الأم، والجدة أم الأب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب، والأخت للأم، والزوجة، والمولاة المعتقة. فأربع منهن يرثن تارة بالفرض وتارة بالتعصيب، وهن: الابنة، وابنة الابن، والأخت للأب والأم، والأخت للأب. وخمس منهن لا يرثن إلا بالفرض، وهن: الأم، وأم الأم، وأم الأب، والأخت للأم، والزوجة. وواحدة منهن لا ترث إلا بالتعصيب، وهي: المولاة المنعمة. والورثة من الرجال والنساء ينقسمون ثلاثة أقسام: قسم يدلي بنفسه، وقسم يدلي بغيره، وقسم قد يدلي بنفسه وقد يدلي بغيره. فأما (القسم الذي يدلي بنفسه) : فهم ستة: الأب، والأم، والابن، والابنة، والزوج، والزوجة. وهؤلاء لا يحجبون بحال.

стр. 4359

وأما (القسم الذي يدلي بغيره) : فهو من عدا من ذكرنا من القرابات، وقد يحجبون. وأما (القسم الثالث الذي قد يدلي بنفسه مرة وبغيره أخرى) : فهو من يرث بالولاء، وقد يحجب أيضاَ. وقد ورد الشرع بتوريث جميع من ذكرنا، على ما يأتي بيانه. وأما (ذوو الأرحام) وهم: ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وولد الإخوة للأم، والخال، والخالة، والعم للأم، والعمة، وبنات الأعمام، وكل جد بينه وبين الميت أم، ومن يدلي بهؤلاء. فاختلف أهل العلم في توريثهم على ثلاثة مذاهب: فـ[الأول] : ذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى: أنهم لا يرثون بحال. وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت وابن عمر. وهي إحدى الروايتين عن عمر، ومن الفقهاء: الزهري ومالك والأوزاعي وأهل الشام وأبو ثور. و [الثاني] : ذهبت طائفة إلى: أنهم يرثون ويقدمون على المولى والرد. وذهب إليه من الصحابة: علي بن أبي طالب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء، وهو الصحيح عن عمر. [والثالث] : ذهب الثوري وأبو حنيفة إلى: (أن ذوي الأرحام يرثون ولكن يقدم عليهم المولى والرد، فإن كان له مولى منعم.. ورث، وإن لم يكن له مولى منعم، وهناك من له فرض كالابنة والأخت.. كان الباقي لصاحب الفرض بالرد، وإن لم يكن هناك أحد من أهل الفروض.. ورث ذوو الأرحام) ، وبه قال بعض أصحابنا إن لم

стр. 4360

يكن هناك إمام عادل، وهي إحدى الروايتين عن علي إلا أنها رواية شاذة، ولا سلف لأبي حنيفة في مذهبه غير هذه الرواية الشاذة. دليلنا: ما روى أبو أمامة الباهلي: أن النبي ﷺ قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» . فظاهر الخبر يقتضي: أنه لا حق في الميراث لمن لم يعطه الله شيئا، وجميع ذوي الأرحام لم يعطهم الله في كتابه شيئاً، فثبت: أنه لا ميراث لهم. وروى أبو سلمة، عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ سئل عن ميراث العمة والخالة، فقال: " لا أدري حتى يأتي جبريل "، ثم قال ﷺ : " أين السائل عن ميراث العمة والخالة؟ أتاني جبريل فسارني: أن لا ميراث لهما» . وروى عطاء بن يسار، عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان يأتي قباء على حمار أو

стр. 4361

حمارة، يستخير الله في ميراث العمة والخالة، فأنزل الله : أن لا ميراث لهما» . ولأن كل من لم يرث مع من هو أبعد منه.. لم يرث إذا انفرد، كابنة المولى، لأن ابنة المولى لما لم ترث مع ابن ابن المولى - وهو أبعد منها - لم ترث أيضاً إذا انفردت. وكذلك العمة لما لم ترث مع ابن العم - وهو أبعد منها - لم ترث أيضا إذا انفردت. ولأن ابنة الأخ لما لم ترث مع أخيها.. لم ترث إذا انفردت، كابنة المولى، وعكسه الابنة والأخت، لأنهما لما ورثتا مع أخيهما.. ورثتا إذا انفردتا. [فرع: لا توارث بالموالاة عندنا] ] : مولى الموالاة لا يرث عندنا بحال، وهو أن يقول رجل لآخر: واليتك على أن ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك. ولا يتعلق بهذه الموالاة عندنا حكم إرث ولا عقل ولا غيره. وبه قال زيد بن ثابت. ومن التابعين: الحسن البصري والشعبي. ومن الفقهاء: الأوزاعي ومالك. وذهب النخعي إلى: أن هذا العقد يلزم بكل حال، ويتعلق به التوارث والعقل، ولا يكون لأحدهما فسخه بحال. وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (مولى الموالاة يرث، ولكنه يؤخر عن المناسبين والمولى، وهو عقد جائز، لكل واحد منهما فسخه ما لم يعقل أحدهما عن الآخر، فإذا عقل.. لزمه ذلك ولم يكن له سبيل إلى فسخه) . دليلنا: ما روي: «أن عائشة ﵂ أرادت أن تشتري بريرة، فامتنع أهلها من بيعها إلا على أن يكون الولاء لهم، فقال لها النبي ﷺ : " اشتري واشترطي لهم الولاء "، فاشترتها واشترطت لهم الولاء، فصعد النبي ﷺ المنبر، فقال: " ما بال

стр. 4362

أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ كل شرط ليس في كتاب الله.. فهو باطل، كتاب الله أحق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق» ، فجعل جنس الولاء للمعتق فلم يبق، ولا يثبت لغيره. ولأن كل سبب لم يورث به مع وجود السبب.. لم يورث به مع فقده، كما لو أسلم رجل على يد رجل. ولأن عقد الموالاة لو كان سبباً يورث به.. لم يجز فسخه وإبطاله، كالنسب والولاء. [مسألة: الكافر والمسلم لا يتوارثان] ] : لا يرث الكافر من المسلم بلا خلاف، وأما المسلم: فلا يرث الكافر عندنا. وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، وزيد بن ثابت. وهو مذهب الفقهاء كافة. وقال معاذ ومعاوية: (يرث المسلم من الكافر) . دليلنا: ما روى أسامة بن زيد الليثي: أن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» . وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» ، الإسلام والكفر ملتان شتى، فوجب أن لا يتوارثا. ِِ

стр. 4363

[فرع: يتوارث أهل الملة وحكم من دخل إلينا من أهل الحرب] ] : ويرث الكافر من الكافر إذا اجتمعا في الذمة أو في الحرب. فيرث اليهودي من النصراني، ويرث النصراني من اليهودي، وكذا المجوسي إذا جمعتهم الذمة أو كانوا حربا لنا. فأما أهل الحرب وأهل الذمة: فإنهم لا يتوارثون وإن كانوا من اليهود أو النصارى. وبه قال من الصحابة: عمر وعلي وزيد بن ثابت. ومن الفقهاء: مالك والثوري وأبو حنيفة. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٧٥] : الذمي هل يرث الحربي؟ فيه قولان: أحدهما: يرثه؛ لأن ملتهما واحدة. والثاني: لا يرثه، لأن حكمنا لا يجري على الحربي. هذا مذهبنا، وذهب الزهري والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى: (أن اليهودي لا يرث من النصراني، ولا النصراني من اليهودي وإن جمعتهما الملة، وإنما يرث النصراني من النصراني، واليهودي من اليهودي) . دليلنا: قوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر» . دليله: أن غير المسلم يرث الكافر. وقال ﷺ «ولا الكافر المسلم» . دليله: أنه يرث غير المسلم. ويرث أهل الحرب بعضهم بعضاً إذا تحاكموا إلينا وإن اختلفت دارهم وكان بعضهم يرى قتل بعض. وحكم من دخل إلينا بأمان أو رسالة أو تجارة.. حكم أهل الذمة، ويرث بعضهم من بعض.

стр. 4364

ومتى كانت امرأة الكافر ذات رحم منه من نسب أو رضاع.. لم يتوارثا بالنكاح، وإن كانت غير ذات رحم محرم منه ممن لو أسلما أقرا على ابتداء النكاح.. أقرا على نكاحهما، وتوارثا بالنكاح وإن عقدا بغير ولي ولا شهود. [فرع: ميراث المرتد لبيت المال عندنا] ] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وميراث المرتد لبيت المال) . وجملة ذلك: أن العلماء اختلفوا في إرث مال المرتد بعد موته على أربعة مذاهب: فـ[الأول] : ذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى: أن ماله لا يورث، بل يكون فيئا لبيت المال، سواء في ذلك ما اكتسبه في حال إسلامه أو في حال ردته، وسواء قلنا: إن ملكه يزول، أو لا يزول، أو موقوف. وبهذا قال ابن عباس، وهي إحدى الروايتين عن علي. وبه قال ربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأحمد. [والثاني] : ذهب ابن مسعود إلى: (أن جميع ما يخلفه لورثته، سواء كسبه قبل الردة أو بعدها) . وهي إحدى الروايتين عن علي، وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد. و [الثالث] : ذهب قتادة وعمر بن عبد العزيز إلى: أن ماله يكون لأهل الملة التي انتقل إليها، فإن انتقل إلى اليهود..كان ماله لهم، وإن انتقل إلى النصارى.. كان ماله لهم. و [الرابع] : قال أبو حنيفة والثوري: (ما اكتسبه قبل الردة.. ورث عنه، وما اكتسبه بعد الردة.. يكون فيئاً) . دليلنا: قوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» ، والمرتد كافر. ولأنه لا يرث بحال، فلم يورث كالكافر.

стр. 4365

والجواب على أبي حنيفة هو: أن كل من لم يرث المسلم ما اكتسبه في حال إباحة دمه.. لم يرث ما اكتسبه في حال حقن ٍدمه، كالذمي إذا لحق بدار الحرب. إذا ثبت هذا: فهل يخمس مال المرتد؟ فيه قولان، يأتي بيانهما في موضعهما إن شاء الله تعالى. [مسألة: لا يرث العبد أقاربه الأحرار ولا يرثهم عندنا] ] : إذا مات العبد وفي يده مال.. لم ترثه قراباته الأحرار، لأن من الناس من يقول: إنه لا يملك المال، ومنهم من يقول: إنه يملك المال، ومنهم من يقول: إنه يملكه إذا ملكه السيد ولكنه ملك ضعيف يزول بزوال ملك سيده عن رقبته. ولهذا: إذا باعه.. زال ملك العبد عنه. وإذا مات العبد.. فقد زال ملك العبد عن المال، فيصير كمن مات ولا مال له. وأما إذا مات للعبد مناسب يملك المال.. فإن العبد لا يرثه عندنا. وبه قال كافة أهل العلم. وقال ابن مسعود: (يشتري نفسه ببعض التركة فيعتق، ثم يدفع إليه الباقي) . وقال طاووس: يرث العبد ويدفعه إلى مولاه. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] [النحل: ٧٥] ، فنفى أن يقدر العبد على شيء، والإرث شيء. وقَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] [الروم: ٢٨] ، فثبت بهذا: أن العبد لا يرث، لأن الميراث مما رزقه الله للأحرار، وهو يشارك الحر فيما رزقه الله. ولأن العبد لا يملك المال، فلم يرث، كالبهيمة. وحكم المكاتب والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة. حكم العبد في الميراث، لأنهم ناقصون بالرق.

стр. 4366

[فرع: إرث المبعض] ] : وأما من نصفه حر ونصفه مملوك: فإنه لا يرث بنصفه الحر. وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٧٥] عن علي بن أبي طالب ﵁ وابن أبي ليلى، وعثمان البتي، والمزني: أنهم قالوا: (يرث بنصفه الحر) . وهذا غلط، لأنه ناقص بالرق، ولهذا لا تقبل شهادته ولا يتزوج أربعا ولا يطلق ثلاثاً، هو كما لو لم يعتق شيء منه. وهل يرث عنه ورثته الأحرار ما جمعه بنصفه الحر؟ فيه قولان: [أحدهما] : قال في الجديد، (يرثه ورثته المناسبون، فإن لم يكن له مناسب. كان كمن أعتق نصفه) ، لأنه مال ملكه بما فيه من الحرية، فورثه ورثته المناسبون، كالحر. و [الثاني] : قال في القديم: (لا يرثه ورثته المناسبون) ، لأنه ناقص بالرق، فلم يرثه المناسبون له، كالعبد. ولأنه لا يرث بحال، فلم يورث كالمرتد. فإذا قلنا بهذا: فلمن يكون ما جمعه بما فيه من الحرية؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يكون لمالك نصفه) ، لأنه لا يجوز أن يكون لمناسبه، لأن المناسب يأخذ المال إرثا وهذا لا يورث، ولا يجوز أن يكون لمولاه الذي اعتق نصفه بالولاء، لأن الولاء أضعف من النسب، فإذا يستحقه المناسب.. فالمعتق أولى، فلم يبق إلا أن يكون لمن يملك نصفه. والثاني - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه يكون لبيت المال، لأنه لا يجوز أن يكون لمناسبه ولا لمن أعتق نصفه، لما ذكرناه في الأول، ولا يجوز أن يكون لمالك نصفه، لأنه ملكه بنصفه الحر، ولا ملك لمالك نصفه في ذلك النصف ولا

стр. 4367

ولاء، فلم يبق إلا أنه يكون لبيت المال. هذا نقل البغداديين من أصحابنا. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٧٥] : إذا قلنا بقوله الجديد فمات، فإن لم يكن بينه وبين سيده مهايأة.. كان لمالك نصفه النصف من الذي في يده، والنصف للوارث. وإن كان بينهما مهايأة، وقد أعطى السيد حقه وبقي حقه في يده.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه لورثته، لأن السيد قد أخذ حقه. والثاني: أنه بين السيد وبين الورثة نصفان؛ لأنه شخص لا يورث إلا بعض ماله، فلم يكن للورثة إلا بعض ما في يده. وإن قلنا بقوله القديم ومات وفي يده مال، فإن كان قد أعطى السيد حقه.. كان فيمن يستحق ما بقي بيده وجهان: أحدهما: أنه لمالك نصفه. والثاني: أنه لبيت المال. وإن كان لم يعط السيد حقه من الكسب، بل الجميع في يده.. كان لمالك نصفه نصف ما بيده، وفي النصف الباقي وجهان: أحدهما: أن جميع ذلك النصف لبيت المال. والثاني: أن لبيت المال نصف ذلك النصف، والنصف لمالك نصفه. وإن كان بينه وبين مالك نصفه مهايأة، وكان ما بقي في يده خالص ملكه.. ففيه وجهان:

стр. 4368

أحدهما: أنه لبيت المال. والثاني: أن نصفه لمالك نصفه. ونصفه لبيت المال. [فرع: خلف أولاداً مسلمين أحراراً ومملوكين وكافرين] ] : إذا مات مسلم حر وخلف أولادا أحراراً مسلمين، وأولاداً مملوكين مسلمين، وأولاداً كفاراً.. ورثه الأولاد المسلمون الأحرار. فإن أسلم الكفار أو أعتق العبيد بعد قسمة الميراث.. لم يشاركوا في الإرث بلا خلاف. وإن أسلموا أو أعتقوا بعد موت أبيهم وقبل قسمة تركته.. لم يشاركوا في الميراث عندنا، وبه قال أكثر أهل العلم. وقال عمر وعثمان ﵄: (إذا أسلموا أو أعتقوا قبل القسمة. شاركوا في الإرث) . دليلنا: أن كل من لم يرث حال الموت.. لم يرث بعد ذلك، كما لو أسلم أو أعتق بعد القسمة. [فرع: دبر أخاه فمات أو علق عتقه على موته] أو آخر جزء من حياته] : وإن دبر رجل أخاه فمات.. عتق، ولم يرث من أخيه شيئاَ، لأنه صار حرا بعد الموت. قال الشيخ أبو إسحاق: فإن قال: أنت حر في آخر جزء من حياتي المتصل بالموت، ثم مات.. عتق من ثلثه، وهل يرثه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرثه، لأن العتق في المرض وصية، والإرث والوصية لا يجتمعان.

стр. 4369

والثاني: يرثه، ولا يكون عتقه وصية؛ لأن الوصية ما يملك بموت الموصي، وهذا لم يملك نفسه بموته. وإن قال له في مرض موته: إن مت بعد شهر فأنت اليوم حر، فمات بعد شهر.. عتق يوم تلفظ، وهل يرثه؟ على الوجهين. [مسألة: القاتل لا يرث عندنا] ] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والقاتلون عمداً أو خطأ لا يرثون) . وجملة ذلك: أن العلماء اختلفوا في ميراث القاتل من المقتول. فذهب الشافعي إلى: أن القاتل لا يرث المقتول، لا من ماله ولا من ديته، سواء قتله عمداً أو خطأ، أو مباشرة أو بسبب، لمصلحة - كسقي الدواء أو بط الجرح- أو لغير مصلحة، متهما كان أو غير متهم، وسواء كان القاتل صغيراً أو كبيراً، عاقلاً كان أو مجنوناً. وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃، وعمر بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل. وقال أبو إسحاق: من أصحابنا من قال: إذا كان القاتل غير متهم، بأن كان حاكماًً، فجاء مورثه فأقر عنده بقتل رجل عمداً، فطلب وليه القود، فمكنه الحاكم من قتله، أو اعترف عنده بالزنا وهو محصن فرجمه، أو اعترف بقتل المحاربة فقتل.. فإنه يرثه، لأنه غير متهم في قتله. ومن أصحابنا من قال: إن كان القتل مضموناً..لم يرث القاتل، لأنه قتل بغير حق. وإن كان غير مضمون، بأن قتله قصاصاً، أو في الزنا، أو كان باغياً فقتله العادل، وما أشبه ذلك.. ورث؛ لأنه قتله بحق، فلم يمنع الإرث. وقال عطاء وابن المسيب ومالك والأوزاعي: (إن كان القتل عمداً.. لم يرث

стр. 4370

القاتل لا من ماله ولا من ديته، وإن كان القتل خطأ.. ورث ماله ولم يرث من ديته) . وقال أبو حنيفة وأصحابه: (إن قتله مباشرة.. فلا يرثه، سواء قتله عمداً أو خطأ، إلا إن كان القاتل صبياً أو مجنوناً أو عادلا فقتل الباغي.. فإنهم يرثون. وإن قتله بسبب، مثل: أن حفر بئرا أو نصب سكينا فوقع عليها مورثه، أو كان يقود دابة أو يسوقها فرفسته.. فإنه يرثه) . وإن كان راكبا للدابة فرفست مورثه أو وطئته فمات.. فقال أبو حنيفة: (لا يرثه) . وقال أبو يوسف ومحمد: يرثه. دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال «لا يرث القاتل شيئاً» . وروى عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يقاد والد بولده، وليس للقاتل شيء» . وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا يرث القاتل» . وهذه نصوص في أن القاتل لا يرث، ولم تفرق بين العمد والخطأ، والبالغ

стр. 4371

والصغير، وعن المضمون وغير المضمون. ولأنه معني أسقط إرثه من الدية، فأسقط إرثه من المال، كالرق والردة، وعكسه الجنون والصغر. فإن قيل: إنما لم يرث الدية؛ لأن العاقلة تعقل عنه، فلا يجوز أن تعقل عنه له! فالجواب: أن العاقلة قد تعقل عنه له، وهو: أن رجلا لو كان له ابنان، فقتل أحدهما أباه خطأ.. ورثه ابنه الذي لم يقتل، فلو مات الأخ الوارث للأب.. ورثه الأخ القاتل وورث الدية التي على العاقلة، وكانت العاقلة تعقل عنه له. [فرع: الشهادة على القتل هل تمنع من الإرث] فرع: [الشهادة على القتل تمنع الإرث] وإن شهد شاهدان على رجل بقتل العمد فقتل بشهادتهما.. لم يرثه الشاهدان؛ لأنه قتل بشهادتهما، فهو كما لو باشرا قتله. وكذلك إن شهد أربعة على رجل بالزنا وهو محصن فقتل، أو شهد عليه شاهدان بالإحصان وزنا ثم قتل.. لم ترثه الشهود، لما ذكرناه. [مسألة: إرث المطلقة في مرض الموت] ] وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته.. وقع الطلاق، وهو إجماع لا خلاف فيه؛ لأن المرض لا يزيل التكليف، فهو كالصحيح. فإن كان الطلاق رجعيا، فمات وهي في العدة، أو ماتت قبله في العدة.. ورث أحدهما صاحبه بلا خلاف أيضاً، لأن الرجعية حكمها حكم الزوجة إلا في إباحة وطئها، فهي كالحائض. وإن كان الطلاق بائناً، فإن ماتت قبل الزوج.. لم يرثها الزوج، وهو إجماع أيضا لا خلاف فيه. وإن مات الزوج قبلها.. فهل ترثه؟ فيه قولان: قال في القديم: (ترثه) . وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي ﵃. ومن الفقهاء ربيعة، ومالك، والأوزاعي، والليث، وسفيان بن عيينة،

стр. 4372

وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد. ووجه هذا: ما روي: أن عمر قال: (المبتوتة في حال المرض ترث من زوجها) . وروي: (أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت أصبغ الكلبية في مرض موته، فورثها منه عثمان بن عفان) . وروي: (أن عثمان لما حوصر طلق امرأته، فورثها منه علي بن أبي طالب، وقال: كان قد أشرف على الموت) . ولأنه متهم في قطع ميراثها، فغلظ عليه وورثت منه، كالقاتل لما كان متهما في القتل لاستعجال الميراث.. غلظ عليه، فلم يرث. وقال في الجديد: (لا ترثه) . وبه قال عبد الرحمن بن عوف، وابن الزبير، وأبو ثور، وهو الصحيح، لأنها فرقة تقطع ميراثه عنها فقطعت ميراثها منه، كما لو أبانها في حال الصحة، وعكسه الرجعية. ولأنها فرقة لو وقعت في الصحة.. لقطعت ميراثها عنه، فإذا وقعت في المرض.. قطعت ميراثها عنه، كاللعان. ولأنها ليست بزوجة له، بدليل: أنها لا يلحقها طلاقه ولا إيلاؤه ولا ظهاره ولا عدة وفاته، فلم ترثه، كالأجنبية. وأما ما روي عن عمر وعثمان وعلي: فإن ابن الزبير وعبد الرحمن بن عوف خالفاهم في ذلك، فإن ابن الزبير قال: (أما أنا: فلا أرى أن ترث مبتوتة) ، وعبد الرحمن بن عوف إنما طلق امرأته في مرض موته ليقطع ميراثها عنه. فإذا قلنا بقوله الجديد.. فلا تفريع عليه.

стр. 4373

وإذا قلنا بقوله القديم.. فإلى متى ترثه؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ترثه ما دامت في عدتها منه، فإذا انقضت عدتها منه.. لم ترثه - وبه قال أبو حنيفة وسفيان والليث والأوزاعي، وإحدى الروايتين عن أحمد - لأن الميراث للزوجة إنما يكون لزوجة أو لمن هي في حكم الزوجات، فما دامت في عدتها منه.. فهي في حكم الزوجات، وإذا انقضت عدتها.. فليست بزوجة ولا في حكم الزوجات. والثاني: أنها ترثه ما لم تتزوج بغيره، فإذا تزوجت بغيره لم ترثه - وبه قال ابن أبي ليلى، وهي الرواية الصحيحة عن أحمد - لأن حقها قد ثبت في ماله، فإذا لم يسقط ببينونتها.. لم يسقط بانقضاء عدتها، وإنما يسقط برضاها، فإذا تزوجت.. فقد رضيت بفراقه، وقطع حقها عنه. والثالث: أنها ترثه أبدا، سواء تزوجت أو لم تتزوج - وبه قال مالك - لأنها قد ثبت لها حق في ماله، فإذا لم يسقط ببينونتها.. لم يسقط بانقضاء عدتها ولا بتزويجها، كمهرها. [فرع: الإقرار في مرض الموت بطلاق الزوجة في حال الصحة] فرع: [أقر في مرض موته بطلاق زوجته في صحته ثلاثاً] : إذا أقر في مرض موته: [أنه قد كان طلق امرأته في صحته ثلاثاً.. بانت منه. قال الشيخ أبو حامد: ولا ترثه قولاً واحداً، لأن ما أقر به في مرض موته وأضافه إلى حال الصحة.. كالذي يفعله في الصحة، كما لو أقر في مرض موته: أنه كان وهب ماله في صحته وأقبضه.. فإن ذلك لا يعتبر من الثلث. وحكى القاضي أبو الطيب عن بعض أصحابنا في ذلك قولين، كما لو طلقها ثلاثا في مرض موته، لأنه متهم في إسقاط حقها فلم يسقط، بدليل: أنه لا يسقط بهذا الإقرار نفقتها ولا سكناها في حال النكاح وإن أضاف ذلك إلى وقت ماض. [فرع: طلقها بطلبها ثلاثاً في مرض الموت] ] : إذا كان الرجل مريضاً فسألته امرأته أن يطلقها ثلاثاً فطلقها ثلاثاً ومات في مرضه ذلك، أو قال لها في مرض موته: أنت طالق ثلاثاً إن شئت، فقالت: شئت.. طلقت، وهل ترثه؟ اختلف أصحابنا فيه:

стр. 4374

فقال أبو علي بن أبي هريرة: هي على قولين، لأن الأصل في هذا قصة عثمان في توريثه تماضر من زوجها عبد الرحمن بن عوف في مرض موته، وقد كانت سألته الطلاق. وقال الشيخ أبو حامد: لا ترثه قولا واحدا، وهو المذهب، لأنها إذا سألته الطلاق.. فلا تهمة عليه في طلاقها، وأما قصة تماضر: فلا حجة فيها، لأن عبد الرحمن قال لنسائه: (من اختارت منكن أن أطلقها.. طلقتها، فقالت تماضر: طلقني، فقال لها: إذا حضت فأعلميني، فأعلمته، ثم قال لها: إذا طهرت فأعلميني، فأعلمته فطلقها) . وليس طلاقه لها في هذا الوقت جوابا لكلامها، لأن قولها: طلقني.. يقتضي الجواب في الحال، فإذا تأخر، ثم طلقها.. كان ذلك ابتداء الطلاق. [فرع: سألته في مرض موته طلاقاً واحدا فطلقها ثلاثاً] ً] : وإن سألته في مرض موته: أن يطلقها واحدة، فطلقها ثلاثاً، ثم مات من مرضه ذلك.. فهل ترثه؟ فيه قولان، لأنها سألته تطليقة، فإذا طلقها ثلاثاً.. صار متهما بذلك، لأنه قصد قطع ميراثها، فصار كما لو طلقها ثلاثاً ابتداء من غير سؤال منها. [فرع: تعليق الطلاق بصفة ثم وجدت في مرض الموت] فرع: [تعليق المريض أو الصحيح طلاقه بصفة ثم وجدت في مرض موته] : إذا علق المريض طلاق امرأته ثلاثاً بصفة، ثم وجدت تلك الصفة في مرضه ومات منه.. فهل ترثه؟ نظرت: فإن كانت صفة لها منها بد، مثل أن قال لها: إن دخلت الدار، أو خرجت منها. أو كلمت فلانا، أو صليت النافلة، أو صمت النافلة، فأنت طالق ثلاثاً، ففعلت ذلك في مرض موته.. لم ترثه قولاً واحداً، لأنها إذا فعلت ذلك مع علمها بالطلاق.. فقد اختارت وقوع الطلاق عليها بما لها بد منه، فصارت كما لو سألته الطلاق.

стр. 4375

وإن كانت صفة لا بد لها منها، بأن قال: إن تنفست، أو صليت الفرض، أو صمت الفرض، أو كلمت أباك أو أمك، فأنت طالق ثلاثاً، ففعلت ذلك في مرض موته ومات منه.. فهل ترثه؟ على القولين، لأنها لا بد لها من فعل هذه الأشياء، فصار كما لو طلقها ثلاثا طلاقاً منجزاً. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : وهكذا إن قال لها: إن قمت أو قعدت فأنت طالق ثلاثاً، فقامت أو قعدت في مرض موته.. فهل ترثه؟ على القولين، لأنها لا تجد بدا من القيام أو القعود. وإن قال لها: إذا مرضت فأنت طالق ثلاثاً، فمرض.. طلقت ثلاثاً، فإن مات منه.. فهل ترثه؟ قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، لأنه لما جعل مرض موته صفة في وقوع الطلاق عليها.. كان متهما في ذلك، فهو كما لو طلقها في المرض. فإن قال لها وهو صحيح: إذا جاء رأس الشهر، أو جاء الحاج، أو طلعت الشمس، وما أشبه ذلك فأنت طالق ثلاثاً، فوجدت هذه الصفات في مرض موته.. فهل ترثه؟ قال البغداديون من أصحابنا: لا ترثه قولا واحدا، لأنه غير متهم في ذلك، لأن اتفاق ذلك في مرضه مع هذه الصفات لم يكن من قصده. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : من أصحابنا من قال: في ميراثها منه قولان، كما لو قال فيمن قال لعبده: إذا قدم زيد فأنت حر، فقدم زيد في مرض موت السيد.. فهل يعتق العبد من الثلث أو من رأس المال؟ على قولين. وأصحابنا البغداديون قالوا: يعتق من رأس المال قولا واحدا أيضاً. [فرع: علق طلاقها قبل موته بشهر أو بآخر حياته أو صحته] ] : إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً قبل موتي بشهر، فإن عاش هذا الزوج بعد هذا القول أقل من شهر، ثم مات.. لم يحكم بوقوع الطلاق، لأنا لو حكمنا بوقوعه.. لأوقعناه

стр. 4376

قبل إيقاعه وهذا لا يجوز. وإن عاش بعد ذلك شهرا أو مات مع الشهر.. لم يقع الطلاق، لأن الطلاق إنما يقع عقيب الإيقاع لا معه. وإن عاش شهرا وجزءا، ثم مات.. طلقت قبل موته بشهر. قال الشيخ أبو حامد: وهل ترثه؟ فيه قولان؛ لأنه متهم في ذلك، ثم إنه إنما قصد بذلك منعها من الميراث. قال الصيمري: وإن قال لامرأته: إن مت من مرضي فأنت طالق ثلاثاً، فمات.. فلا طلاق، ولها الميراث. ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً في آخر أجزاء حياتي..فهل ترثه؟ فيه قولان. ولو قال هذا القول وهو صحيح.. فهو بمنزلة من طلق في المرض، لأن أحدا لا يموت إلا من سبب قبل وفاته. قال: ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً في آخر أجزاء صحتي المتصلة بسبب وفاتي.. فلا ميراث لها، والطلاق واقع. قال: والأجود أن يقول: المتصل بمرض موتي: لأنه قد يموت فجأة أو بهدم أو بغرق. قلت: والذي يتبين لي: أنها على قولين، لأنه متهم في ذلك، كما قلنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق قبل موتي بشهر، فعاش شهراً وجزءا ثم مات.. فإنه لا فرق بين أن يقول ذلك في الصحة أو في المرض. [فرع: طلقها ثلاثاً في مرضه ثم تخلل بين مرضه وموته حالة لا ترث فيها] ] : إذا طلقها ثلاثاً في مرضه، ثم صح من مرضه، ثم مرض، ثم مات.. فإنها لا ترثه قولاً واحداً؛ لأنه قد تخلل بين المرض والموت حالة لو طلقها ثلاثاً فيها.. لم ترث شيئاً، فكذلك لو طلقها قبل تلك الحالة.. وجب أن لا ترث. وهكذا: إذا طلقها في مرض موته ثلاثاً، ثم ارتد الزوج أو الزوجة، ثم رجعا، ثم مات الزوج.. لم ترثه قولا واحداً، لأنه قد تخلل بينهما حالة لا ترث فيها.

стр. 4377

[فرع: قذف امرأته في صحته أو مرضه ثم لاعنها في مرض موته] فرع: [قذف امرأته في صحته أو مرض موته ثم لاعنها أو فسخ نكاحها بعيب في مرض موته] : إذا قذف امرأته في صحته، ثم لاعنها في مرض موته.. لم ترثه قولًا واحدا؛ لأنه مضطر إلى اللعان لدرء الحد عنه، فلا تلحقه التهمة. فإن قذفها في مرض موته ثم لاعنها.. قال ابن الصباغ: فإنها لا ترثه قولاً واحداً، لأن به حاجة إلى اللعان لإسقاط الحد عن نفسه. قال ابن اللبان: وهو ظاهر تعليل الشافعي. قال ابن اللبان: ويحتمل أن يقال: إذا قذفها في حال مرضه.. فقد تلحقه التهمة، لأنه قصد تعييرها لتطالب بما يدفع العار عنها، فتلاعن، فتقع الفرقة، فلا ترث. وقال: يحتمل أن يقال: إن كان قد نفى الحمل.. فإنها لا ترث، لأنه مضطر إلى قذفها. وإن لم ينف الولد.. ورثته - يعني: في أحد القولين - لأنه لم يكن مضطرا إلى قذفها. وإن فسخ نكاحها في مرض موته بأحد العيوب.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: أنه كالطلاق في المرض، فيكون في ميراثها منه قولان. والثاني: لا ترثه قولا واحدا؛ لأنه يستند إلى معنى من جهتها، ولأن به حاجة إلى الفسخ، لما عليه من الضرر في المقام معها على العيب. [فرع: طلق أمة ثلاثاً أو طلاقا رجعياً في مرض موته] ] : إذا كانت تحته أمة فطلقها ثلاثاً في مرض موته، ثم أعتقت، ثم مات الزوج.. فإنها لا ترثه قولاً واحداً؛ لأنها وقت طلاقها لم تكن وارثة، فكان غير متهم في قطع ميراثها منه.

стр. 4378

وإن قال لها في مرض موته: أنت طالق غداَ ثلاثا، فأعتقها سيدها قبل مجيء الغد، ثم جاء الغد، ثم مات الزوج.. فإنها لا ترث قولاً واحداً، لأن الزوج وقت عقد الطلاق لم تكن الزوجة ممن يرث أيضاً. فإن أعتقت الأمة في مرض موته، ثم طلقها ثلاثاً.. فهل ترثه؟ فيه قولان. وإن طلقها في مرض موته وأعتقت، ثم مات الزوج، فقالت الزوجة: أعتقت، ثم طلقت فلي الميراث، وقال الورثة: بل طلقت، ثم أعتقت، فلا ميراث لك.. فالقول قول الورثة مع أيمانهم، لأن الأصل أن لا عتق. وإن طلقها في مرضه طلاقاً رجعيا، ثم أعتقت، ثم مات الزوج من مرضه، فإن مات وهي في العدة.. فلها الميراث قولا واحداً، لأنها في حكم الزوجات. وإن مات بعد انقضاء عدتها. فلا ميراث لها قولاً واحداً، لأنها ليست بزوجة ولا في معنى الزوجات. [فرع: طلق نساءه الأربع في مرض موته طلاقاً بائناً ثم تزوج أربعاً] ً] : إذا كان تحته أربع نسوة فطلقهن في مرض موته طلاقاً بائناً، ثم تزوج بعدهن أربعا سواهن، ثم مات من مرضه ذلك، فإن قلنا بقوله الجديد: وأن المبتوتة في مرض الموت لا ترث.. كان ميراثه للأربع الزوجات دون المطلقات. وإن قلنا بقوله القديم: وأن المبتوتة في مرض الموت ترث.. ففي ميراث هذه ثلاثة أوجه حكاها الشيخ أبو حامد: أحدها: أنه للزوجات الجديدات دون المطلقات؛ لأنه لا يجوز أن يرث الرجل أكثر من أربع زوجات، ولا بد من تقديم بعضهن على بعض، فكان تقديم الزوجات أولى، لأن ميراثهن ثابت بنص القرآن، وميراث المطلقات ثبت بالاجتهاد. والثاني: أنه للزوجات المطلقات دون الزوجات الجديدات، لأنه لا يجوز أن يرثه أكثر من أربع، فكان تقديم المطلقات أولى، لأن حقهن أسبق. والثالث: أنه يكون بين الزوجات والمطلقات بالسوية، لأن إرث الزوجات ثابت بنص القرآن، وإرث المطلقات ثابت بالاجتهاد، فشرك بينهن.

стр. 4379

وقول من قال: لا يجوز أن يرثه أكثر من أربع زوجات.. ليس بصحيح، لأن الشرع إنما منع من نكاح ما زاد على أربع: وأما توريث ما زاد على أربع: فلم يمنع الشرع منه. [مسألة: مات متوارثان معا] ] وإذا مات متوارثان- كالرجل وابنه، أو كالزوجين - بالغرق أو الهدم، فإن علم أن أحدهما مات أولا وعرف عينه.. ورث الثاني من الأول. وإن علم أن أحدهما مات أولاً وعرف عينه، ثم نسي.. وقف الأمر إلى أن يتذكر من الأول منهما، فيرث منه الثاني، لأن الظاهر ممن علم ثم نسي أنه يتذكر، وهذا لا خلاف فيه. وإن علم أنهما ماتا معا، أو علم أن أحدهما مات أولا ولم تعرف عينه - قال الشيخ أبو حامد: مثل أن غرقا في ماء فرئي أحدهما يصعد من الماء وينزل ولم يعرف بعينه، والآخر قد نزل ولا يصعد.. فإنه يعلم لا محالة أن الذي يصعد وينزل لم يمت، وأن الذي نزل ولم يصعد قد مات - أو لم يعلم: هل ماتا في حالة واحدة، أو مات أحدهما قبل الآخر.. فمذهبنا في هذه الثلاث المسائل: أنه لا يرث أحدهما من الآخر، ولكن يرث كل واحد منهما ورثته غير الميت معه، وبه قال أبو بكر، وعمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم.

стр. 4380

وذهب علي بن أبي طالب ﵁ إلى: (أنه يرث كل واحد منهما الآخر ثم يرثهما ورثتهما) . وبه قال داود. دليلنا: ما روي عن زيد بن ثابت: أنه قال: (ولاني أبو بكر مواريث قتلى اليمامة، فكنت أورث الأحياء من الأموات، ولا أورث الموتى من الموتى) . ولأن كل من لم تعلم حياته عند موت مورثه.. لم يرثه، وأصله الحمل، وهو: أن الرجل إذا مات وخلف امرأة حاملاً، فإنه إن خرج حياً.. ورث، لأنا تيقنا حياته عند موت مورثه.. وإن خرج ميتاً.. لم يرث، لأنا لا نعلم حياته عند موت مورثه. ولأن توريث كل واحد منهما من الآخر خطأ بيقين، لأنهما إن ماتا معاً في حالة واحدة.. لم يرث أحدهما من الآخر. وإن مات أحدهما قبل الآخر.. فتوريث السابق منهما موتاً من الآخر خطأ، فإذا كان كذلك.. لم يرث أحدهما من الآخر، لأنه ليس أحدهما أن يكون مات أولا بأولى من الآخر. [مسألة: يرث الأسير ما دام حيا] ] : وإن مات رجل وخلف ولداً أسيراً في أيدي الكفار.. فإنه يرث ما دام تعلم حياته. وبه قال كافة أهل العلم. وقال النخعي: لا يرث الأسير. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] [النساء: ١١] . ولم يفرق بين الأسير وغيره. فأما إذا لم تعلم حياته.. فحكمه حكم المفقود. وإذا فقد رجل وانقطع خبره.. لم يقسم ماله حتى يعلم موته أو يمضي عليه من
следующие страницы →