← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

وإن كانت الأم باقية في يده إلا أنها قد نقصت، فإن كانت قد طالبته بتسليمها فامتنع.. كانت بالخيار: بين أن تطالبه بنصفها ونصف أرش نقصها قولًا واحدًا، وبين أن تفسخ الصداق للنقص. فإذا فسخت.. كان كما لو تلفت، ولو تلفت قبل القبض.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف قيمتها في قوله القديم. وإن لم تطالبه بتسليمها أو عرضها عليها فأقرتها في يده.. ففيه قولان نص عليهما في " لأم ": أحدهما: (لا يجب عليه أرش النقص) ؛ لأنه غير متعد في إمساكها. فعلى هذا: تكون المرأة بالخيار: بين أن تأخذ نصف الأم ناقصة ولا شيء لها غير ذلك، وبين أن تفسخ الصداق للنقص. فإذا فسخت.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف بدل العين في قوله القديم. والقول الثاني: (أنها تأخذ نصف العين ناقصة، ونصف أرش النقص) ؛ لأنه ضامن للعين بعقد المعاوضة، فضمن أرش نقصها في يده. قال ابن الصباغ: وعندي أن هذا لا يستقيم إلا على القول القديم الذي يقول: (إذا تلف الصداق قبل القبض.. كان مضمونًا عليه بالقيمة) . وأما إذا قلنا بالجديد و: (أنه مضمون ضمان العقد) .. فلا فرق بين أن تطالب به أو لا تطالب به، ألا ترى أن البائع إذا نقص المبيع في يده.. فليس للمشتري مطالبته بالأرش، سواء كان قد طالب بتسليمه أو لم يطالب؟. وكل موضع قلنا: تأخذ نصف الأم ونصف الأرش، أو قلنا: تفسخ ففسخت وقلنا: تأخذ نصف قيمتها.. فإن الولد لها؛ لأنه نماء ملكها.

стр. 4762

وكل موضع قلنا: لها فسخ الصداق والرجوع بنصف مهرها، ففسخت.. ففي الولد وجهان: أحدهما: أن الولد لها؛ لأنه انفصل في ملكها، فهو كما لو اشترى بهيمة حائلًا فولدت في يده، ثم وجد بها عيبًا فردها. والثاني - وهو المنصوص ـ: (أنه لا شيء لها في الولد) ؛ لأنها إذا فسخت الصداق.. ارتفع من أصله، فكأن الولد حدث في غير ملكها. وإن كانت الأم تالفة والولد باقيًا، وقد تلفت الأم قبل القبض.. فترجع عليه - على قوله الجديد - بنصف مهر مثلها، وعلى قوله القديم بصف قيمتها. وأما الولد: فإن قلنا بقوله القديم و: (أنها ترجع بنصف قيمتها) .. كان الولد لها؛ لأن الأم هلكت على ملكها، والولد نماء ملكها. وإن قلنا بقوله الجديد و: (أنها ترجع إلى نصف مهر مثلها) .. ففي الولد وجهان: (أحدهما) : من أصحابنا من قال: يكون الولد لها؛ لأنه حدث في ملكها، فكانت أحق به، كما لو اشترت بهيمة حاملًا فولدت في يد البائع ثم ماتت قبل القبض. والثاني - وهو المنصوص ـ: (أنه لا شيء لها في الولد) ؛ لأن العقد ارتفع من أصله، فكأن الولد حدث في ملك الزوج. وإن كانت الأم والولد تالفين، فأما الأم: فإنها ترجع عليه بنصف قيمتها في قوله القديم، وبنصف مهر مثلها في قوله الجديد. وأما الولد: فإن قلنا بقوله القديم.. فإنه يكون لها، فإن طالبته به فمنعها.. فعليه ضمانه، وإن لم يمنعها منه.. فهل يجب عليه ضمانه؟ على القولين أو الوجهين في التي قبلها. وإن قلنا بقوله الجديد: و: (أنها ترجع إلى نصف مهر مثلها) ، فإن قلنا بالمنصوص، وهو: أنه لا حق لها في الولد.. فلا كلام، وإن قلنا بقول بعض

стр. 4763

أصحابنا: إن الولد لها، فإن طالبته به فمنعها.. فعليه ضمانه، وإن لم يمنعها منه.. فهل يضمنه؟ فعلى القولين أو الوجهين. [مسألة أصدقها جارية حائلًا فحملت في يده وطلقها قبل الدخول] ) : وإن أصدقها جارية حائلًا فحملت في يد الزوج من زوج أو زنا، ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن تضع الجارية.. فهذا الحمل زيادة من وجه ونقصان من وجه، فتخير المرأة بين ثلاثة أشياء: بين أن ترضى بالنقص وتعطي الزوج نصفها ونصف حملها ويكون لها نصفهما، وبين أن تأخذ الكل لأجل الزيادة ويكون للزوج نصف قيمتها أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، وبين أن تفسخ الصداق لأجل النقص، فإذا فسخت.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف قيمتها أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين الطلاق. فأما إذا ولدت الجارية في يد الزوج ثم طلقها.. فالحكم فيها حكم البهيمة إذا ولدت في يده - وقد بيناه في التي قبلها - إلا في شيء واحد، وهو: أن الزوج هاهنا لا يرجع في نصف الأم إذا كان الولد صغيرًا؛ لأنه يكون تفرقة بينها وبين الولد، فيرجع الزوج في نصف قيمة الأم؛ لأن التفرقة إذا لم تجز بين الولد وبين جميعها.. فكذلك بين الولد وبين نصفها؛ لأنه يؤدي إلى التفرقة بينه وبينها في بعض الزمان. وحكى الشيخ أبو حامد: أن البويطي قال: وفيه قول آخر: أنهما يباعان فيكون لها ثمن الولد ونصف ثمن الأم، وللزوج نصف ثمن الأم. والأول هو المشهور. فرع: (أصدقها جارية حاملًا فولدت في يده وطلقها قبل الدخول) : وإن أصدقها جارية حاملًا من زوج أو زنا فولدت في يده، ثم طلقها قبل الدخول، فإن لم تنقص بالولادة عما كانت عليه.. كانت الأم بينهما. وإن نقصت، فإن كانت قد

стр. 4764

طالبته بها قبل الولادة فمنعها من أخذها.. كان عليه أرش النقص، وإن لم يمنعها.. ففيه قولان: أحدهما: أنها بالخيار: بين أن تأخذ نصفها ناقصة ولا شيء لها، وبين أن تفسخ الصداق وترجع إلى نصف قيمتها في القديم، وبنصف مهر مثلها في الجديد. والقول الثاني: أنها تأخذ نصفها ونصف أرش النقص. فإن قيل: أليس الرجل إذا باع سلعة فنقصت في يد البائع قبل القبض.. لم يكن للمشتري أرش النقص، بل له الخيار: بين أن يفسخ البيع، أو يجيزه ولا شيء له؟ قلنا: الفرق بينهما: أن في البيع إذا فسخ.. رجع المشتري إلى الثمن، فلا معنى لأن يعطى الأرش، وهاهنا إذا فسخ الصداق.. لا ينفسخ النكاح، فكان لها أخذ الأرش. وأما الولد: فإن قلنا: إن الحمل لا حكم له.. قال الشيخ أبو حامد: كان الولد للمرأة ولا حق للزوج فيه؛ لأنه حدث في ملكها. قلت: وينبغي على هذا أن لا يثبت للزوج الرجوع في نصف الأم، وإنما يرجع في القيمة؛ لئلا يؤدي ذلك إلى التفرقة بينهما، كما قلنا فيه إذا أصدقها جارية حاملًا فولدت في يد الزوج ثم طلقها قبل الدخول. وإن قلنا: للحمل حكم.. فقد تناول العقد الجارية وولدها، إلا أن الولد قد زاد بالولادة، فإن رضيت الزوجة بأن يرجع الزوج في نصف الأم ونصف الولد.. أجبر الزوج على ذلك، وإن لم ترض بذلك.. لم يكن له أن يرجع في نصف الأم؛ لأنه تفرقه بينها وبين ولدها الصغير، ويكون له نصف قيمة الأم. وهل يلزمها نصف قيمة الولد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمها نصف قيمة الولد؛ لأن حال العقد لا يمكن تقويمه، وحال

стр. 4765

الانفصال قد زاد في ملكها فلا يجوز تقويمه عليها. والثاني: يلزمها نصف قيمته يوم الوضع؛ لأن العقد تناوله ولا يمكن تقويمه حال العقد، فقوم حال الانفصال؛ لأنه أول حالة إمكانه، كما قلنا في ولد المغرور. [فرع أصدقها خشبًا أو فضة أو ذهبًا فصنعته ثم طلقها قبل الدخول] ) : وإن أصدقها خشبًا، فشقتها أبوابًا، فزادت قيمتها بذلك، ثم طلقها قبل الدخول.. لم تجبر المرأة على تسليم نصفها؛ لزيادة قيمتها. وإن بذلت له نصفها بزيادته ٠٠لم يجبر الزوج على قبوله؛ لأنها كانت تصلح وهي خشب لما لا تصلح له الآن٠ وإن أصدقها فضة أو ذهبا، فصاغتها آنية، فزادت قيمتها بذلك، ثم طلقها قبل الدخول.. لم تجبر المرأة على تسليم نصفها؛ لزيادتها. وإن بذلت النصف بزيادته.. أجبر الزوج على القبول؛ لأنه يصلح وهو مصوغ لجميع ما كان يصلح له قبل ذلك. هكذا ذكر الطبري في " العدة ". وعندي: أنا إذا قلنا: لا يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة.. أن المرأة تجبر على تسليم نصفها وإن كانت قيمتها زائدة؛ لأن صنعتها لا قيمة لها. [فرع أصدقها حليًا أو قدحًا زجاجًا فكسرته ثم أعادته ثم طلقها قبل الدخول] ) : وإن أصدقها حليًا فكسرته، ثم أعادت صياغته كالأولى، ثم طلقها قبل الدخول.. فقد قال ابن الحداد: لا تجبر المرأة على تسليم نصف، بل يرجع الزوج إلى نصف قيمته؛ لأن هذه زيادة حدثت في ملكها لم تدخل في عقد الصداق، فلم يجب عليها تسليم نصفها، كما لو أصدقها ذهبًا غير مصوغ فصاغته. ومن أصحابنا من خالفه وقال: تجبر المرأة على تسليم نصفه؛ لأن الرجوع بنصف القيمة للإضرار بها، فالإضرار به إذا كان ناقصًا، والإضرار بها إذا كان زائدًا، وهذه الزيادة هي مثل ما أخذته عليه، فلم يكن عليها ضرر.

стр. 4766

وهكذا: إذا أصدقها قدحًا من زجاج فكسرته ثم أعادته مثل صنعته الأولى، أو أصدقها جارية سمينة فهزلت في يدها ثم سمنت ورجعت إلى حالتها الأولى، ثم طلقها قبل الدخول.. فهل تجبر المرأة على تسليم نصف العين؟ على هذين الوجهين. وإن صاغت الحلي أو القدح على غير هيئته الأولى.. رجع الزوج بنصف قيمته وجهًا واحدًا؛ لأنه يجوز أن يكون لها غرض في الصياغة الأخرى. فإن رضي الزوج بأخذ نصفه.. قال القاضي أبو الطيب: فالذي يقتضيه مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أن لها أن تمتنع؛ لأن هذا زيادة من وجه ونقصان من وجه - قال - وبهذا يفسد قول من خالف ابن الحداد؛ لأنه قد لا يكون عليها إضرار مع اختلاف الصياغتين إذا كانت الأجرة واحدة والقيمة واحدة، ومع ذلك فلا يجب عليها تسليم نصف العين. فإن قلنا: يرجع بنصف قيمته، وكانت قيمته تزيد على وزنه، ونقد البلد من جنسه.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يقوم بجنس آخر؛ لئلا يؤدي إلى الربا. والثاني: يقوم بجنسه؛ لأن الزيادة لأجل الصنعة. [فرع ذمي أصدق ذمية خمرًا أو جلد ميتة ثم طلقها قبل الدخول] ) : وإن أصدق ذمي ذمية خمرًا فقبضتها، ثم طلقها قبل الدخول، فتحاكما إلينا قبل الإسلام، أو أسلما، أو أسلم أحدهما، فإن كانت الخمر باقية.. لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء؛ لأن العقد والقبض في حال الكفر لا ينقض، ولا يرجع عليها الزوج بشيء؛ لأن الخمر لا تملك بحكم الإسلام ولا قيمة لها. فإن أسلمت الزوجة.. أريقت الخمر، وإن لم تسلم.. لم يتعرض لها. وهكذا الحكم لو استهلكت الخمر. وإن صارت الخمر خلا في يدها بغير علاج، ثم طلقها قبل الدخول والخل في يدها.. قال ابن الحداد: رجع عليها بنصفه.

стр. 4767

فمن أصحابنا من خالفه وقال: لا يرجع عليها بشيء؛ لأن الصداق زاد في يدها، والصداق إذا زاد في يدها.. سقط حقه من العين إلى القيمة، والقيمة تعتبر أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، والصداق كان ذلك الوقت خمرًا، والخمر لا قيمة لها. ومنهم من نصر ابن الحداد وقال: إنما يسقط حقه من العين إلى القيمة إذا أمكنه الرجوع إلى القيمة، وهاهنا لا يمكنه الرجوع إلى القيمة، فلم يسقط حقه من الرجوع بالعين لأجل زيادته، كما لو وهب لولده عينًا، فزادت في يد الولد، ورجع الأب فيها.. فإنه يرجع في العين وفي زيادتها. فإن استهلكت المرأة الخل، ثم طلقها قبل الدخول.. لم يرجع الزوج عليها بشيء وجهًا واحدًا؛ لأن العين إذا هلكت.. سقط حقه إلى القيمة أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، ولا قيمة للصداق في ذلك الوقت. وإن صارت الخمر خلًا في يده قبل التسليم، ثم طلقها قبل الدخول.. قال ابن الحداد: يكون الخل بينهما نصفين. وخالفه هاهنا من خالفه في الأولى وقال: يكون الخل له، وترجع عليه بنصف مهر مثلها؛ لأن القبض لم يحصل. وإن ترافعا قبل القبض وكان فاسدًا.. أفسدناه وأوجبنا مهر المثل. وهكذا: إذا أصدقها جلد ميتة فدبغته، ثم طلقها قبل الدخول.. فالحكم فيه كالحكم في الخمر إذا تخللت. [فرع أصدقها تعليم سورة ثم طلقها قبل الدخول] وإن أصدقها تعليم سورة، فعلمها السورة ثم طلقها قبل الدخول.. رجع عليها بنصف أجرة التعليم. وإن طلقها قبل الدخول وقبل التعليم.. فقد سقط عنه نصف التعليم وبقى عليه

стр. 4768

النصف، فإن قلنا: إنه يجوز أن يعلمها من وراء حجاب.. علمها نصف السورة. وإن قلنا: لا يجوز أن يعلمها من وراء حجاب.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في القول الجديد، وبنصف أجرة التعليم في القول القديم. [فرع أصدقها خياطة ثوب معين ثم طلقها قبل الدخول] ) : إذا تزوج امرأة وأصدقها خياطة ثوب بعينه، فهلك الثوب قبل الخياطة.. فهل لها أن تأتيه بثوب مثله ليخيطه؟ فيه وجهان: أحدهما: لها ذلك، كما لو اكترى دابة ليركبها إلى مكان، فمات قبل أن يركبها.. فلوارثه أن يركبها إن كان مثل مورثه، أو يركبها مثله. فعلى هذا: لو أتته بثوب مثله ليخيطه مع بقاء الثوب.. لزمه ذلك. والثاني: لا يلزمه أن يخيطه؛ لأنه جعل صداقها إيقاع منفعة في عين بعينها، فإذا تلفت تلك العين.. بطل العقد ولا يقوم غيرها مقامها، كما لو استأجرته ليحصد لها زرعًا بعينه، فتلف الزرع قبل الحصاد.. فإن الإجارة تبطل، ولا يجوز أن يقال: يحصد لها زرعًا مثله. فعلى هذا: ترجع عليه بمهر مثلها في قوله الجديد، وبأجرة الخياطة في قوله القديم. وإن كان الثوب باقيًا، فطلقها قبل الدخول وبعد الخياطة.. رجع عليها بنصف أجرة الخياطة. وإن طلقها قبل الخياطة وقبل الدخول، فإن كان يمكنه أن يخيط نصفه وينضبط ذلك.. لزمه أن يخيط نصفه. وإن لم تنضبط خياطة نصفه.. كان كما لو تلف الصداق قبل القبض، فترجع عليه بنصف مهر مثلها في القول الجديد، وبنصف أجرة الخياطة في القول القديم. وهكذا ذكره أكثر أصحابنا. قال ابن الصباغ: وعندي: أن الزوج إذا اختار خياطة جميعه.. لا يكون لها المطالبة بغير ذلك.

стр. 4769

[مسألة أصدقها عينًا فتصرفت بها ثم طلقها قبل الدخول] ) : وإن أصدقها عينًا، فقبضتها، ثم باعتها أو وهبتها وأقبضتها، ثم طلقها قبل الدخول.. رجع عليها بنصف بدلها؛ لأن ملكها قد زال عنها، فهو كما لو تلفت في يدها. فإن رجع إليها ما باعته أو وهبته ببيع أو هبة أو إرث، ثم طلقها قبل الدخول.. فإن المسعودي قال (في " الإبانة ") : هل يرجع إلى نصف العين أو إلى نصف القيمة؟ فيه وجهان، كالوجهين فيمن وهب لولده عينًا، فخرجت عن ملك الولد ثم رجعت إليه. وقال أصحابنا البغداديون: يرجع الزوج إلى نصف العين وجهًا واحدًا. والفرق بين الزوج والأب على الصحيح من الوجهين: أن الصداق لو تلف في يد الزوجة.. لرجع الزوج عليها بنصف بدله، فكان له الرجوع بنصف العين إذا وجدت في ملكها، والعين لو تلفت في يد الولد.. لم يرجع الأب عليه ببدلها، فلم يرجع عليه بها إذا خرجت من ملكه ثم عادت إليه، على الصحيح. [فرع أصدقها عبدًا فدبرته أو تصرفت بالصداق بما لا يلزمها ثم طلقها قبل الدخول] ) : إذا أصدقها عبدًا فدبرته، ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن ترجع في التدبير.. فقد روى المزني: أنه لا يرجع في نصفه؛ لأن الرجوع لا يكون إلا بإخراجها إياه عن ملكها. واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق: فـ (الطريق الأول) : منهم من قال: فيه قولان: إن قلنا: إن التدبير وصية٠٠رجع إلى نصفه؛ لأنه باق على ملكها، فهو كما لو وصت به.

стр. 4770

وإن قلنا: إنه عتق بصفة.. لم يكن له الرجوع بنصفه؛ لأنه لا يمكن الرجوع فيه إلا بإزالة الملك. وحمل النص على هذا القول. و (الطريق الثاني) : منهم من قال: لا يرجع بنصفه، وإنما يرجع بنصف قيمته قولًا واحدًا، وهو ظاهر النص؛ لأن العبد قد ثبت له حق الحرية، وفي الرجوع إلى نصف القيمة جمع بين الحقين، فكان أولى، كما لو وهبته وأقبضته. و (الطريق الثالث) : منهم من قال: له أن يرجع بنصف العبد قولًا واحدًا؛ لأن على القول الذي يقول: (التدبير وصية) .. فهو تصرف غير لازم، فلا يمنع الرجوع. وعلى القول الذي يقول: (هو عتق بصفة) .. يصح الرجوع فيه بما يزيل الملك، ودفعها لنصفه إلى الزوج يزيل ملكها عنه، فهو كالبيع. إذا ثبت هذا - وقلنا: له أن يرجع إلى نصفه ـ: فإن الشيخ أبا حامد قال في " التعليق ": تجبر المرأة على الرجوع بنصفه بالقول، إذا قلنا: (إن التدبير وصية) . قال ابن الصباغ: فإذا قلنا: يرجع الزوج إلى نصفه.. كان الزوج مخيرًا: بين أن يرجع إلى نصفه، وبين أن يرجع إلى قيمة نصفه؛ لأن العبد إذا كان نصفه مدبرًا.. نقصت قيمة النصف الثاني؛ لأنه لا يأمن أن يرافعه إلى حاكم حنفي، فيحكم بتدبير جميعه، فيسقط حقه. وإن دبرته ثم رجعت في التدبير بالقول - إذا قلنا: (إنه وصية) - أو بإزالة الملك، ثم رجع إليها، ثم طلقها قبل الدخول.. ثبت له الرجوع بنصفه. وإن طلقها وهو مدبر، وقلنا: لا يكون له الرجوع بنصفه، فقبل أن يأخذ نصف قيمته رجعت في التدبير بالقول والفعل، ورجع إلى ملكها.. فقال الشافعي ﵀ في " الأم " (٥/٦٠) : ليس له الرجوع بنصفه؛ لأنه رجع إلى ملكها، وقد تعلق حقه بنصف قيمته) .

стр. 4771

ومن أصحابنا من قال: يرجع إلى نصفه؛ لأن المانع من رجوعه إلى نصفه هو التدبير وقد زال، وقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على مثل هذا في النخل حيث قال: (ولو طلقها وقد أثمرت، فلم يرجع في القيمة حتى جذت.. كان حقه في نصف النخل) . وإن وهبت الصداق لرجل ولم تقبضه، أو وصت به ثم طلقها الزوج قبل الدخول.. رجع الزوج بنصفه؛ لأن ذلك تصرف غير لازم، وإنما هو بمنزلة الوعد. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ". وقال القاضي أبو حامد: إذا وهبته ولم تقبضه.. ففيه قولان: أحدهما: لا تجبر الزوجة على الرجوع عن الهبة؛ لأنه عقد عقدته في ملكها في وقت لم يكن للزوج فيه حق. والثاني: تجبر؛ لأن الهبة قبل القبض ليست بلازمة لها، ولو أرادت أن تسلم إلى الزوج نصفه.. كان لها، وإذا امتنعت من ذلك.. أجبرت عليه. قال القاضي أبو حامد: وهكذا إذا باعته بشرط الخيار، ثم طلقها الزوج قبل الدخول وقبل انقضاء الخيار.. فعلى هذين القولين. [فرع أصدقها جارية فزوجتها أو تصرفت بالصداق بما يلزمها ثم طلقها قبل الدخول] ) : وإن أصدقها جارية فزوجتها، ثم طلقت المولاة قبل الدخول.. كان زوجها بالخيار: بين أن يرجع بنصف الأمة، وبين أن يرجع بنصف قيمتها؛ لأنها قد نقصت بالتزويج. وإن أجرت الزوجة الصداق مدة، ثم طلقها الزوج قبل انقضاء المدة.. كان للزوج أن يرجع بنصف قيمته؛ لنقصانه بالإجارة، فإن قالت الزوجة: اصبر حتى تنقضي مدة الإجارة، ثم ترجع في نصفه.. لم يلزمه ذلك؛ لأن حقه تعجل فلا يلزمه تأخيره.

стр. 4772

فإن قال الزوج: أنا أصبر حتى تنقضي مدة الإجارة، ثم أرجع في نصف العين.. لم تجبر المرأة على ذلك؛ لأن الصداق يكون في ضمانها ولا تدري: هل يهلك أو يبقى؟ وإن قال الزوج: أنا أرجع في نصف العين في الحال وأقبضه، وأصبر حتى تنقضي مدة الإجارة وآخذها.. لم يكن لها أن تمتنع من ذلك؛ لأنه لا ضرر عليها في ذلك. وقد ذكرنا: أنه إذا أصدقها نخلًا فأثمرت في يدها، فقال الزوج: أرجع في نصفها في الحال، وأتركها إلى أن تجذ الثمرة وجهين: أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له ذلك. والفرق بينهما على هذا: أن في النخل يؤدي إلى اشتراك الأيدي في الثمرة التي لها، ولا يوجد ذلك هاهنا. وإن رهنت الصداق وأقبضته، ثم طلقها قبل الدخول.. رجع الزوج بنصف قيمته؛ لأن حق المرتهن متعلق برقبة الرهن. [مسألة أصدقها نخلًا مثمرًا أو غير مثمر ثم اجتناها ودبسها] إذا أصدقها نخلًا مثمرًا وشرط أن الثمرة للمرأة، أو نخلًا عليه طلع مؤبر، فلما بدا الصلاح في الثمرة.. اجتنى الزوج الثمرة وجعلها في قوارير - يعني: براني - وجعل عليها شيئًا من الذي يسيل من الرطب - ويسمى: الرُّبَّ والدبس بعد الطبخ، يفعل ذلك ليحفظ رطوبة الثمرة - فقد خلط الصداق بعضه ببعض، فإن لم تنقص قيمتهما بذلك في الحال ولا في الثاني، أو زادت قيمتهما بذلك.. فإن الزوجة تأخذ الثمرة وما جعل

стр. 4773

عليها مما سال منها، ولا شيء على الزوج، وإن نقصت قيمتهما في الحال أو في الثاني.. فقد نقص الصداق في يد الزوج. فإن قلنا بقوله الجديد: (إنه إذا تلف في يد الزوج قبل القبض ورجعت إلى مهر المثل) .. كانت المرأة بالخيار: بين أن تأخذهما ناقصين ولا شيء لها على الزوج، وبين أن تردهما على الزوج وتأخذ مهر مثلها. وإن قلنا بقوله القديم.. كانت بالخيار: بين أن تأخذهما ناقصين وأرش نقصهما، وبين أن ترجع بمثل الثمر إن كان قد شمسه؛ لأن له مِثلًا، وإن جعله قبل التشميس.. رجعت بقيمته. وأما ما سال من الثمرة، فإن كان قد أغلاه.. رجعت عليه بقيمته؛ لأنه لا مثل له، وإن لم يغله.. رجعت عليه بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال. وإن قالت الزوجة: أنا آخذ النخل، وأرد الثمرة وما سال منها، وأرجع عليه ببدله.. فهل لها ذلك؟ فيه قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة. وإن جعل عليها الزوج الدبس من نخله.. فهي كالأولى إلا في شيء واحد وهو: أنه لا يعتبر النقص في الدبس؛ لأنه ملكه. وإن أصدقها نخلًا لا ثمرة عليها، فأثمرت في يده، فلما بدا صلاحها اجتناها الزوج وجعلها في قوارير وجعل عليها شيئًا مما سال من ثمرتها أو ثمرته.. فهو بمنزلة من غصب من غيره ثمرة ودبَّسها وخلطهما؛ لأن عقد الصداق لم يتناولهما. [فرع أصدقها جارية فوطئها] وإن أصدقها جارية فوطئها وأحبلها، فإن أقر: بأنه يعلم بتحريمه، أو ادعى الجهالة ومثله لا يخفى عليه ذلك ٠٠فهو زنًا، فيجب عليه الحد، ولا يلحقه نسب الولد، ويكون الولد مملوكًا لها. فإن أكره الجارية على الوطء.. وجب عليه المهر، وإن طاوعته.. فوجهان، المنصوص: أنه لا يجب عليه المهر. وإن كان جاهلًا بتحريم الوطء؛ بأن نشأ في بادية لا معرفة له في الأحكام، أو قريب العهد بالإسلام، أو كان يعتقد مذهب مالك ﵀: (أن المرأة لا تملك

стр. 4774

جميع الصداق إلا بالدخول) .. فهو وطء شبهة، فلا يجب عليه الحد، ويكون الولد حرًا، ويلحقه نسبه، ويلزمه قيمته يوم الوضع، ويجب عليه المهر، ولا تصير الجارية أم ولد له في الحال. فإذا ملكها.. فهل تصير أم ولد له؟ فيه قولان. [مسألة ارتداد المرأة قبل الدخول أو طلقها وكان صداقها صيدًا ثم أحرم] ) : وإن ارتدت المرأة قبل الدخول.. فقد ذكرنا: أن جميع الصداق يعود إلى الزوج؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، والحكم فيه في الزيادة والنقصان حكم النصف الذي يعود إليه بالطلاق على ما مضى. إذا ثبت هذا: فقال ابن الحداد: إذا أصدقها صيدًا بريًا وهما حلالان، ثم ارتدت المرأة قبل الدخول والزوج محرم.. رجع الزوج بالصيد؛ لأنه دخل في ملكه بغير اختياره. قال القاضي أبو الطيب: هذا على القول الذي يقول: إن الحلال إذا اصطاد صيدًا وأحرم.. لا يزول ملكه عنه، فأما إذا قلنا: يزول ملكه عنه.. فلا يرجع في الصيد وإنما يرجع في قيمته؛ لأنه كالمعدوم. فإذا قلنا: يرجع إلى الصيد.. قال ابن الحداد: دخل في ملكه ويلزمه إرساله. قال القاضي أبو الطيب: وهذا الذي ذكره ابن الحداد مخالف لما ذكره أصحابنا بالعراق؛ فإنهم قالوا: إذا قلنا: لا يزول ملكه عنه.. يجوز له التصرف فيه بالبيع والهبة والإمساك، وإنما لا يجوز له ذبحه. وأما إذا طلقها قبل الدخول، فإن قلنا بقول أبي إسحاق: إن نصف الصداق لا يدخل في ملك الزوج إلا بالطلاق واختيار التملك.. لم يجز له هاهنا أن يختار تملك نصف الصيد، وإنما يرجع إلى نصف قيمته. وإذا قلنا بالمنصوص من: (أنه يدخل في ملكه بالطلاق) ، فإن قلنا: يزول ملكه عنه بالإحرام.. لم يكن له أن يرجع في نصفه، وإنما يرجع في نصف قيمته. وإن قلنا: لا يزول ملكه عنه.. رجع بنصفه.

стр. 4775

قال القاضي أبو الطيب: ويقال لابن الحداد: إذا كان الصيد واحدًا، ورجع إليه نصفه، وأنت توجب عليه الإرسال.. فكيف يرسل نصفه ولا سبيل إلى إرسال نصيب الشريك؟ وكذلك: إذا كان صيد بين رجلين، فأحرم أحدهما، وقلنا: يزول ملك المحرم عن الصيد.. فإنه يجب عليه إرساله إذا كان منفردًا به.. وأما إذا كان مشتركًا بينه وبين غيره.. لم يجز إرسال نصيب الحلال، وقد قال بعض أصحابنا: سقط الإرسال هاهنا للضرورة، ولكن تزال يد المحرم عنه. قال القاضي أبو الطيب: وهذا لا بأس به عندي. [مسألة زوج ابنه أو تزوج بنفسه ثم ارتدت الزوجة أو طلقت قبل الدخول] وإذا زوج ابنه الصغير وكان الابن موسرًا.. فإن الصداق يجب على الابن؛ لأن النكاح حصل له، فلا يجب على الأب إلا إن ضمنه عن ابنه الصغير. وإن كان الابن معسرًا.. قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: فلا خلاف: أن الصداق يجب للزوجة في ذمة الابن؛ لأن النكاح له، ولكن هل يجب الصداق على الأب بالضمان؟ فيه قولان: (أحدهما) : قال في القديم: (يجب عليه) ؛ لأنه لما زوجه مع العلم بإعساره.. كان رضًا منه بوجوب ضمانه عليه. و (الثاني) : قال في الجديد: (لا يجب عليه) ، لأن النكاح للصغير، فلا يجب على الأب المهر، كما لو كان الابن موسرًا، ولو أن رجلًا معسرًا وكل رجلًا موسرًا ليتزوج له، فتزوج له.. لم يجب على الوكيل ضمان المهر، فكذلك هذا مثله. فإن قلنا: يجب على الأب بالإطلاق أو ضمنه.. فللمرأة مطالبة الأب به. فإن ارتدت المرأة قبل الدخول، أو بلغ الابن وطلقها قبل الدخول، فإن كان الأب لم يدفع الصداق إليها، بل هو في ذمته.. سقط جميعه بردة الزوجة، وسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول، وكان لها مطالبته بالنصف. وإن كان الأب قد دفعه إليها من ماله، أو كان الابن الصغير موسرًا فتطوع الأب بدفع الصداق عنه.. فإن ذمة الابن تبرأ بذلك، كما لو قضى عن رجل دينًا بغير إذنه، ويكون ذلك هبة منه لابنه. فإذا

стр. 4776

ارتدت، أو طلقها الابن قبل الدخول.. فإن جميع الصداق يعود إلى الابن بردتها قبل الدخول، ونصفه بالطلاق قبل الدخول. وهل للأب أن يرجع بذلك على الابن؟ ينظر فيه: فإن رجع إلى الابن بدل الصداق.. لم يرجع به الأب عليه، كما لو وهب لابنه شيئًا فأتلفه، أو أتلفه متلف.. لم يرجع الأب عليه ببدله. وإن رجع إلى الابن الصداق بعينه.. فهل للأب أن يرجع به عليه؟ فيه وجهان، كالوجهين فيما إذا وهب له عينا فخرجت من ملكه ثم رجعت إليه. وإن كان الأب أصدقها عينا من ماله، فطلقها الابن قبل الدخول والعين في يد الأب.. فللابن أن ينزع نصفها من الأب؛ لأنه قد عاد إليه بالطلاق، ولأن ملك المرأة كان ثابتًا عليه. فإذا انتزعه الابن.. فهل للأب أن يرجع به عليه؟ على الوجهين في التي قبلها. وإن تزوج الابن البالغ الرشيد بنفسه، وأصدقها صداقًا في ذمته، فدفع الأب عنه الصداق إليها من ماله.. برئت ذمة الابن، كما لو قضى عن غيره دينًا. فإن طلقها الابن قبل الدخول.. رجع إليه نصف الصداق. فإن كان أخذ بدل الصداق.. لم يرجع به الأب عليه، كما قلنا في الذي دفعه عن الصغير. وإن رجع إلى الابن الذي دفعه الأب بعينه.. فهل للأب أن يرجع به عليه؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان، كما قلنا فيما دفعه عن الصغير. ومنهم من قال: لا يرجع به الأب وجها واحد، والفرق بينهما: أن للأب أن يهب للصغير ويقبل الهبة له من نفسه، فيكون دفعه للصداق عنه هبة له. ولا يملك أن يقبل الهبة للبالغ الرشيد، فيكون دفعه للصداق عنه إسقاط حق عنه، فهو كما لو قضى عن الأجنبي دينًا. [فرع تزوج بصداق في ذمته فأدى عنه آخر ثم طلقها قبل الدخول] ) : وإن تزوج امرأة بصداق في ذمته، فأدى عنه أجنبي الصداق.. برئ الزوج، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه. فإن طلقها الزوج قبل الدخول.. فهل يرجع نصفه إلى الزوج أو إلى الأجنبي؟ فيه وجهان:

стр. 4777

أحدهما: يعود إلى الزوج؛ لأن الأجنبي ملك الزوج إياه بقضائه عنه. والثاني: يعود إلى الأجنبي؛ لأن الأجنبي لم يملكه إياه؛ لأنه لا يملكه إلا باختيار تملكه، ولم يختر ذلك، وإنما أسقط عنه الحق، فإذا سقط عنه نصف الحق بالطلاق.. رجع النصف إلى الذي دفعه القضاء. [مسألة وهبت له الصداق أو نصفه أو أبرأته فطلقها قبل الدخول] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو وهبت له صداقها قبل القبض أو بعده، ثم طلقها قبل أن يمسها.. ففيه قولان) . وجملة ذلك: أنه إذا أصدقها عينًا، ثم وهبتها من الزوج وأقبضته إياها، ثم طلقها قبل الدخول.. ففيه قولان: أحدهما: لا يرجع عليها بشيء، لأنه قد تعجل له ما كان يستحقه بالطلاق قبل محله، فلا يستحقه عند محله، كما لو تعجل دينه المؤجل قبل محله ثم جاء وقت محله. والثاني: يرجع عليها بنصف مثله إن كان له مثل، أو بنصف قيمته إن لم يكن له مثل، وهو الأصح؛ لأنه عاد إليه بعقد، فلا يمنع ذلك رجوعه عليها ببدل نصفه، كما لو اشتراه منها، أو وهبته لأجنبي ثم وهبه الأجنبي منه. قال المحاملي وابن الصباغ: وسواء قبضت الصداق، أو لم تقبضه. وإن كان الصداق دينا، فإن عينه الزوج في شيء وأقبضه إياها، ثم وهبته منه.. فهي كالأولى. وإن أبرأته منه ثم طلقها قبل الدخول، فإن قلنا: لا يرجع عليها إذا كان عينًا فوهبتها منه.. فهاهنا أولى أن لا يرجع عليها. وإن قلنا: يرجع عليها في العين..

стр. 4778

فهل يرجع عليها في الدين؟ فيه قولان، ومنهم من يقول: هما وجهان: أحدهما: يرجع عليها بنصفه؛ لأنها قد ملكت الصداق بالعقد، فهو كالعين. والثاني: لا يرجع عليها بشيء، وهو الصحيح، والفرق بينهما: أن الصداق إذا كان عينا.. فقد ضمنته بالقبض، وفي الدين لم تضمنه بالقبض، فلم يرجع عليها بشيء، ألا ترى أن الصداق لو نقص في يده ثم طلقها قبل الدخول.. لم برجع بالنقص؛ لأنها لم تضمنه؟ هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي (في " الإبانة ") : إن قلنا في العين: يرجع عليها.. ففي الدين أولى أن يرجع عليها. وإن قلنا: لا يرجع عليها في العين.. ففي الدين قولان، والفرق بينهما: أن هناك عاد إليه بعقد جديد، بخلاف هذا. وإن قبضت نصف الصداق، ثم وهبته النصف الباقي منه، ثم طلقها قبل الدخول، فإن قلنا: يرجع عليها إذا وهبت جميع الصداق له.. رجع عليها هاهنا بالنصف أيضًا. وإن قلنا هناك: لا يرجع عليها بشيء.. فهاهنا قولان: (أحدهما) : قال في " الأم ": (لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه إنما يرجع عليها بالنصف، وقد تعجل له ذلك النصف، فلم يرجع عليها بشيء) . و (الثاني) : قال في " الإملاء ": (يرجع عليها بنصف الباقي؛ لأنها لو وهبته جميعه.. لم يرجع عليها بشيء، فإذا وهبته نصفه.. كان ذلك من حقها وحقه؛ لأن حقهما شائع في الجميع) . فإذا قلنا بهذا.. ففي كيفية رجوعه ثلاثة أقوال: أحدها: يرجع عليها بالنصف الباقي؛ لأنه يستحق عليها النصف، وقد وجده. والثاني: يرجع عليها بنصف النصف الباقي وقيمة نصف الموهوب؛ لأن حقهما شائع في الجميع، فصار الموهوب كالتالف.

стр. 4779

والثالث: أنه بالخيار: بين أن يرجع بالنصف الباقي، وبين أن يرجع بنصف النصف الباقي ونصف قيمة الموهوب؛ لأنه تبعض عليه حقه. [فرع وهبته الصداق أو أبرأته ثم ارتدت قبل الدخول] وإن وهبته امرأته الصداق أو أبرأته منه، ثم ارتدت قبل الدخول.. فحكم الرجوع عليها بجميع الصداق كالحكم في رجوعه عليها بالنصف عند الطلاق؛ لأنه يستحق عليها الرجوع بالجميع عند ردتها، كما يستحق عليها الرجوع بالنصف عند الطلاق. [فرع هبة البائع ثمن العبد للمشتري أو السيد نجوم المكاتب] ) : وإن اشترى رجل من رجل عبدا بثمن، ثم وهب البائع المشتري الثمن، ثم وجد المشتري بالعبد عيبًا فرده.. فهل يرجع على البائع بالثمن؟ فيه وجهان بناء على القولين في الصداق. وإن وجد بالعبد عيبًا وقد حدث به عنده عيب آخر.. فهل يرجع عليه بالأرش؟ فيه وجهان. قال الشيخ أبو حامد: وإن كاتب عبده على نجوم، ثم وهبها السيد منه.. عتق المكاتب. وهل للمكاتب أن يطالب سيده بالإيتاء؟ على الوجهين. وإن باع من رجل عبدا بثمن في الذمة، ثم إن المشتري وهب العبد من البائع وأفلس المشتري بالثمن.. فللبائع أن يضرب بالثمن مع الغرماء قولا واحدا؛ لأنه حق تعلق بالثمن دون العبد.

стр. 4780

[مسألة خالعته على شيء من مهرها قبل الدخول] ) : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو خالعته على شيء مما عليه من المهر، فما بقي.. فعليه نصفه) . وجملة ذلك: أنه إذا خالعها على نصف مهرها قبل الدخول.. نظرت: فإن كان الصداق عينًا، فخالعها على نصفها، فإن قلنا: إن الزوج يملك نصف الصداق بالطلاق.. لم يصح الخلع على نصف ما سماه في الخلع؛ لأن الخلع بمنزلة الطلاق الذي يوقعه ابتداء، فلم يصح خلعها على النصف الذي يملكه الزوج، وهل يصح في نصف ما سماه في الخلع؟ فيه قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة. وما فسد من المسمى في الخلع.. فهل يرجع الزوج عليها ببدله أو بمهر المثل؟ فيه قولان، كما قلنا فيه إذا تلف الصداق قبل القبض. وإن قلنا: إن الزوج لا يملك النصف إلا بالطلاق واختار التملك.. صح الخلع على النصف المسمى في الخلع، ويرجع عليها بالنصف. وهل يرجع عليها بجميع النصف الباقي في يدها، أو بنصفه وبنصف قيمته؟ على الأقوال الثلاثة التي مضت في التي قبلها. وإن كان الصداق ألفًا في ذمة الزوج فخالعها على خمسمائة قبل الدخول.. قال ابن الصباغ: فإن قلنا: إنه يملك نصف الصداق.. فسدت التسمية في الخلع في نصف الخمسمائة، ولا ينصرف ذلك إلى نصيبها من الألف بعد الطلاق؛ لأن وقت التسمية هي مالكة لجميعه، فكان ما سمته من الجملة. وهل تفسد التسمية في نصفها الباقي؟ على القولين. وهل يرجع عليها ببدلها أو بمهر مثلها؟ على القولين. وإن قلنا: إنه لا يملك النصف إلا بالطلاق واختيار التملك.. صح الخلع على ما سمى فيه ويسقط الباقي عن ذمته باختيار التملك.

стр. 4781

إذا ثبت هذا: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فما بقي.. فعليه نصفه) . وظاهر هذا: أن الخلع يصح بخمسمائة، ويسقط عن ذمته من الخمسمائة الباقية مئتان وخمسون. واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فقال أبو علي بن خيران: أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذا تخالعا علي خمسمائة من الألف وهما يعلمان أن الخلع لا يصح إلا على مائتين وخمسين منها؛ لأن نصفها يسقط عنه بالطلاق قبل الدخول، فإذا علما بذلك.. فقد رضيا أن يكون عوض الخلع مائتين وخمسين لا غير، فإذا بقي على الزوج خمسمائة، سقط عنه نصفها بالطلاق قبل الدخول. وحكي: أن ابن خيران ألزم، إذا باع عبده وعبد غيره بألف وهما يعلمان أن بيع عبد الغير لا يصح، وأن البيع يصح في عبده بالألف، فالتزمه. ومن أصحابنا من قال: بل أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذا قال: اخلعيني بما يخصني من خمسمائة مصرحا بذلك. وقال أبو إسحاق: تأويلها: أن العقد وقع على جميع الخمسمائة؛ لأنها كانت ملكا للزوجة، وإنما يعود نصفها إلى الزوج بعد الطلاق. فإذا تم الخلع..رجع إلى الزوج نصفها، فيكون هذا النصف كالتالف قبل القبض، فيرجع الزوج إلى بدل هذا النصف في القول القديم، وبدل الدراهم دراهم، فيستحق عليها في ذمتها بدل المائتين والخمسين التي كان يستحقها بالطلاق، ويبقى لها عليه خمسمائة، فيسقط عنه نصفها بالطلاق، ويبقى لها عليه مئتان وخمسون، فيتقاصان، فيكون معنى قوله: (فما بقي.. فعليه نصفه) يعني: الخمسمائة التي لم يقع بها الخلع، فذكر ما بقي لها عليه، ولم يذكر ما له عليها، ولا ذكر المقاصة أيضًا. قال الشيخ أبو حامد: وهذه طريقة صالحة. وقال القاضي أبو الطيب: إن الذي قاله الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنما قاله على أن الزوج لا يملك بالطلاق، وإنما يملك بالطلاق والاختيار، فقد صح الخلع بالخمسمائة ويرجع عليها بنصف الباقي وبقيمة نصف ما خالعها به، وإنما لم يذكر نصف ما خالعها به.

стр. 4782

وقال الشيخ أبو حامد: لا يمكن حمل كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على هذا؛ لأنه قال: (فما بقي.. فعليه نصفه) ، ولو أراد: أنه لا يملك إلا بالاختيار.. لقال: فعليه كل ما بقي إلا أن يختار تملك نصيبه. قال أصحابنا: فإن أرادت الخلاص.. خالعته على خمسمائة في ذمتها، ويسقط عنه خمسمائة من الألف، ويبقى لها عليه خمسمائة فيتقاصان، أو تقول: اخلعني على ما تسلم لي من الألف أو على أن لا يبقى بيننا علقة ولا تبعة. [مسألة العفو عن المهر قبل الدخول ومن بيده عقدة النكاح] ) : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (قال الله تعالى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البقرة ٢٣٧] وجملة ذلك: أنه إذا طلق امرأته قبل الدخول.. جاز لها أن تعفو عن نصف المهر الذي وجب لها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] البقرة [٢٣٧] ، ولا خلاف: أن المراد به النساء. وجاز للزوج أن يعفو عن النصف الذي له الرجوع فيه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البقرة: ٢٣٧] ، ولا خلاف: أن المراد بذلك الأزواج. وفي الذي بيده عقدة النكاح قولان: (أحدهما) : قال في القديم: (المراد به ولي المرأة) . وبه قال ابن عباس ﵄، والحسن البصري، والزهري، وطاوس، وربيعة، ومالك، وأحمد رحمة الله عليهم. فيكون تقدير الآية- على هذا -: إلا أن تعفو الزوجات عن النصف الذي وجب لهن

стр. 4783

فيكون جميع الصداق للزوج، أو يعفو الولي عن نصيب الزوجة فيكون الجميع للزوج ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، يعني: الأزواج. فيكون الجميع للزوجة، لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وهذا ورد فيما بعد الطلاق، والذي بيده عقدة النكاح عليها: هو الولي دون الزوج. ولأن الكناية ترجع إلى أقرب مذكور قبله، وأقرب مذكور قبل هذا: هو النصف الذي للمرأة. ولأن الله تعالى ذكر العفو في الآية في ثلاثة مواضع، فإذا حمل هذا على الولي.. حصل لكل عفو فائدة، وإذا حمل على غيره.. جعل أحدهما مكررًا. و (الثاني) : قال في الجديد: (الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج) . وبه قال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وجبير بن مطعم ﵁، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وشريح ﵏، وأهل الكوفة: الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه. فيكون تقدير الآية: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ؛ يعني به: الزوجات. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، يعني به: الأزواج. ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، يعني أن عفو الأزواج أفضل من عفو الزوجات، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وعقدة النكاح: عبارة عن معقوده، ومعقود النكاح بيد الزوج دون الولي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وهذه مفاضلة بين عفوين تقدم ذكرهما، ولا يصح ذلك إلا إذا كان المراد بالذي بيده عقدة النكاح هو: الزوج. ولأن المهر مال للصغيرة، فلا يصح للولي إسقاطه، كسائر أموالها. فإذا قلنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي.. لم يصح العفو إلا بخمسة شروط: أحدها: أن يكون الولي أبا أو جدًا؛ لأنهما لا يتهمان فيما يريان من الحظ.

стр. 4784

الثاني: أن تكون المنكوحة صغيرة أو مجنونة، أو سفيهة، فإما البالغة العاقلة الرشيدة: فلا يملكان التصرف في مالها بغير إذنها. الثالث: أن تكون بكرًا، فأما إذا كانت ثيبًا: فلا يملكان العفو عن مهرها؛ لأن الزوج إن كان قد دخل بها.. فقد استهلك بعضها. وإن لم يدخل بها.. فقد لحقها ابتذال، فلا يعفوان عن صداقها. الرابع: أن يكون ذلك بعد الطلاق، فأما قبل الطلاق: فلا يجوز؛ لأن بضعها معرض للتلف. الخامس: أن يكون ذلك قبل الدخول، فأما بعد الدخول: فلا يجوز للولي العفو عن مهرها؛ لأن بضعها قد استهلك. فأما إذا زوج ابنه الصغير، فرجع إليه المهر بانفساخ النكاح: برضاع أو بردتها قبل الدخول، أو زوج ابنه الكبير السفيه، فرجع إليه المهر بردتها قبل الدخول، أو نصفه بطلاقه.. فلا يجوز للأب والجد العفو عنه قولا واحدا؛ لأنه أخرجه من مالهما وقد عاد إليهما بخلاف الصغيرة؛ فإن الأب أكسبه إياها بالتزويج. ولأنه قد يرى لها الحظ في ذلك؛ لأن الناس يرغبون في نكاحها إذا علموا مسامحة الأب وحسن معاملته، بخلاف الابن. [فرع كون الصداق في ذمة أو يد أحدهما ثم طلق قبل الدخول] ) : وإن كان الصداق دينا في ذمة الزوج وطلقها قبل الدخول، وأرادت المرأة العفو عن النصف الذي لها.. صح عفوها بأحد ستة ألفاظ: بأن تقول: أبرأتك عن كذا، أو وهبت لك، أو ملكتك، أو تركت لك، أو أسقطت عنك، أو عفوت عما لي في ذمتك. وهل يفتقر إلى قبول الزوج؟ فيه وجهان مضى ذكرهما، المنصوص: (أنه لا يفتقر) . وإن أراد الزوج أن يعفو عن النصف الذي رجع إليه بالطلاق، فإن قلنا: إنه لا يملك ذلك إلا بالطلاق واختيار التملك ولم يختر بعد.. فله أن يسقط حقه، بأن

стр. 4785

يقول: عفوت عنك، أو تركت، أو أسقطت حقي، أو تركت حقي من الاختيار وما أشبه ذلك. وإن قلنا: إنه يملك النصف بالطلاق.. لم يصح عفوه؛ لأن ذمته قد برئت من نصفه بالطلاق. وإن كان الصداق في ذمتها، بأن سلم إليها الصداق وأتلفته، أو تلف ثم طلقها قبل الدخول، فإن أرادت أن تعفو عن النصف الذي لها.. لم يصح عفوها عنه؛ لأنه قد هلك على ملكها وفي يدها. وإن أراد الزوج أن يعفو عنها، فإن قلنا: إنه لا يملك النصف إلا بالطلاق والاختيار.. صح عفوه قبل الاختيار بكل لفظ يتضمن إسقاط حقه، كالعفو، والإسقاط، والترك، كما قلنا فيمن له شفعة فأسقطها، ولا يفتقر إلى قبولها وجها واحدًا. وإن قلنا بالمنصوص، و: (أنه يملك نصفه بالطلاق) .. صح عفوه عنها بأحد الألفاظ الستة من الهبة، والتمليك، والإسقاط، والإبراء، والعفو، والترك. وهل يفتقر إلى قبولها؟ على الوجهين. وإن كان الصداق عينًا في يد الزوج، وأرادت أن تعفو عن النصف الذي لها.. صح بلفظ الهبة، أو التمليك. ولا بد من قبول الزوج، ولا بد من مضي مدة القبض. وهل يفتقر إلى إذنها بالقبض؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما في (الرهن) . ولا يصح عفوها بلفظ: الإبراء والإسقاط؛ لأن ذلك إنما يصح عما في الذمم. وهل يصح بلفظ العفو؟ فيه وجهان، حكاهما في " التعليق "، الصحيح: أنه لا يصح. وإن أراد الزوج أن يعفو عن النصف الذي له، فإن قلنا بقول أبي إسحاق: إنه لا يملك إلا بالطلاق والاختيار، ولم يختر بعد.. صح عفوه بكل لفظ يتضمن إسقاط الخيار. وإن قلنا بالمذهب: (إنه يملك بنفس الطلاق) .. احتاج إلى شرائط الهبة من الإيجاب، والقبول، والإذن بالقبض، والقبض. وإن كان الصداق عينًا في يد الزوجة، فأرادت الزوجة أن تعفو عن نصفها.. افتقر إلى شروط الهبة.

стр. 4786

وإن أراد الزوج أن يعفو عنها، فإن قلنا: إنه لا يملك إلا بالطلاق والاختيار، ولم يختر بعد.. سقط حقه بما يتضمن إسقاط حقه من الخيار. وإن قلنا: (إنه يملك بنفس الطلاق) .. فهو يهبها شيئًا في يدها، فلا بد فيه من الإيجاب، والقبول، ومضي مدة القبض. وهل يفتقر إلى إذنه بالقبض؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما. [فرع تزوج بمهر حرام أو مجهول] ) : إذا تزوج امرأة بمهر حرام أو مجهول.. وجب لها مهر مثلها. فإن أبرأته عنه وكانت تعلم قدره.. صحت البراءة. وإن كانت لا تعلم قدره وأبرأته عنه.. لم تصح البراءة. وقال أبو حنيفة: (تصح) . دليلنا: أنه إزالة ملك بلفظ لا يسري، فلم يصح مع الجهل به، كالبيع. وفيه احتراز من العتق. وإذا ثبت أن الإبراء في الكل لا يصح.. فهل يصح في قدر ما يتحققه؟ قال الشيخ أبو حامد: المعروف أنه لا يصح. وقال أبو إسحاق: يصح؛ لأنا إنما منعنا صحة البراءة في الكل لأجل الغرر، وهذا لا يوجد فيما يتحقق أنه لها. وإن كانت تعلم أن المهر يزيد على مائة ولا يبلغ ألفا، فقالت: أبرأتك من مائة إلى ألف.. صح؛ لأن الغرر قد زال. [مسألة نكاح المفوضة] التفويض- في اللغة-: أن يكل الرجل أمره إلى غيره. ومنه قول الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا

стр. 4787

يعني: إذا لم يكن لهم رأس، وإنما يكل بعضهم الأمور إلى بعض. وأما التفويض - في الشرع-: فهو تفويض المرأة البضع في النكاح. يقال: امرأة مفوضة- بكسر الواو-: إذا أضفت التفويض إليها. ومفوضة - بفتح الواو-: إذا أضفت التفويض إلى غيرها. والتفويض على ضربين: تفويض مهر، وتفويض بضع. فأما (تفويض المهر) : فمثل أن يقول: تزوجتك على أي مهر شئت أو شئت أو شئنا.. فالنكاح صحيح، ويجب لها مهر مثلها في العقد. وأما (تفويض البضع) : فبأن يقول الولي: زوجتكها ويسكت عن المهر، أو زوجتكها بلا مهر في الحال، وكان ذلك بإذن المرأة لوليها وهي من أهل الإذن.. فإن النكاح ينعقد. وأما المهر: فقد قال الشيخ أبو حامد: لا يجب لها مهر في العقد قولًا واحدًا، ولكنها قد ملكت بالعقد أن تملك مهرا ما؛ لأن لها المطالبة بفرضه، فهي كالشفيع ملك أن يملك الشقص. وأي مهر ملكت أن تملكه؟ فيه قولان: أحدهما: مهر المثل، والمفروض بدل عنه. والثاني: ما يتفقان عليه. وقال أبو حنيفة: (يجب لها مهر المثل بالعقد) . وحكى الشيخ أبو إسحاق: أنه أحد قولينا؛ لأنه لو لم يجب بالعقد.. لما استحقت المطالبة به، ولما استقر بالدخول.

стр. 4788

ودليلنا - على أنه لا يجب بالعقد -: أنه لو وجب المهر لها بالعقد.. لتنصف بالطلاق، كالمسمى في العقد. فإذا قلنا: إنها ملكت أن تملك مهر المثل، ويكون المفروض بدلا عنه؛ فلأنه إذا عقد عليها النكاح.. فقد استهلك بضعها، فوجب أن يكون لها بدله، وبدله هو مهر المثل. وإذا قلنا: ملكت أن تملك مهرا ما، وإنما يتقدر ذلك بالفرض- قال أبو إسحاق: وهو أقواهما - ولأن المهر الذي تملكه المرأة بعقد النكاح مهران: مهر تملكه بالتسمية، ومهر تملكه بالفرض، ثم ثبت: أن المهر الذي تملكه بالتسمية لا يتقدر إلا بالتسمية، فكذلك المهر الذي تملكه بالفرض لا يتقدر إلا بالفرض. ولأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نص: (على أنهما إذا فرضا لها أكثر من مهر المثل.. لزم لها الجميع) ، ولو كانت الزيادة على مهر المثل هبة.. لم يلزم بالفرض، وإنما يلزم بالقبض. [فرع المفوضة تطالب بفرض المهر] ) : وللمفوضة أن تطالب بفرض المهر؛ لأن إخلاء العقد عن المهر خالص للنبي ﷺ . فإن ترافعا إلى الحاكم.. فرض لها مهر مثلها؛ لأن زيادته على ذلك.. ميل على الزوج، ونقصانه عنه.. ميل عليها. ولا يصح فرضه إلا بعد معرفته بقدر مهر مثلها؛ لأنه لا يمكنه الفرض إلا بذلك. وإن تراضى الزوجان ففرضاه بينهما، فإن كانا عالمين بقدر مهر مثلها.. صح فرضهما، فإن فرضا لها مهر مثلها.. صح، وإن فرضا أكثر من ذلك.. صح، ولزم وقد سمح الزوج، وإن فرضا أقل منه.. صح، ولم يلزم الزوج أكثر منه؛ لأنها سمحت.

стр. 4789

وإن كانا جاهلين بقدر مهر مثلها أو أحدهما، فإن قلنا: إنها ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل.. لم يصح فرضهما؛ لأن المفروض بدل عن مهر المثل، فلا بد أن يكون المبدل معلومًا عندهما. وإن قلنا: ملكت بالعقد أن تملك مهرا ما.. صح فرضهما. وإذا فرض لها الحاكم.. لم يفرض لها إلا من نقد البلد؛ لأنه بدل بضعها التالف، فهو كما لو أتلف عليها عينًا من مالها. وإن فرضه الزوجان بينهما.. جاز أن يفرضا نقدًا أو عرضًا مما يجوز تسميته في العقد، ولا يلزم إلا ما اتفقا عليه من ذلك. وإذا فرض لها مهر صحيح.. فكان ذلك كالمسمى لها في العقد يستقر بالدخول أو بالموت، ويتنصف بالطلاق قبل الدخول. وقال أبو حنيفة: (إذا طلقها قبل الدخول.. سقط المفروض ووجبت لها المتعة) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . [البقرة ٢٣٧] ولأنه مهر واجب قبل الطلاق فينصف بالطلاق، كالمسمى لها في العقد. [فرع استحباب فرض المهر للمفوضة قبل الدخول وحصول طلاق أو موت] ويستحب أن لا يدخل بها حتى يفرض لها لئلا تشتبه بالموهوبة. فإن لم يفرض لها حتى وطئها.. استقر عليه مهر المثل؛ لأن الوطء في النكاح من غير مهر خالص لرسول الله ﷺ . فإن طلقها قبل الفرض والمسيس.. لم يجب لها المهر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وهذا لم يفرض. وإن مات أحدهما قبل الفرض والمسيس.. توارثا، ووجب عليها عدة الوفاة إن مات الزوج قبلها بلا خلاف؛ لأن الزوجية ثابتة بينهما إلى الموت، وهل يجب لها مهر المثل؟ فيه قولان:

стр. 4790

أحدهما: يجب لها مهر مثلها. وبه قال ابن مسعود ﵁، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق - رحمة الله عليهم -، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول: (يجب لها مهر مثلها بالعقد) . ووجه هذا القول: ما روى عبد الله بن عتبة بن مسعود: (أن ابن مسعود- ﵁ سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يسمِّ لها مهرا، فمات عنها قبل الدخول، فردد السائل شهرًا، ثم قال: أقول فيها برأيي، فإن أصبت.. فمن الله تعالى، وإن أخطأت.. فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان: لها الميراث، وعليها العدة، ولها مهر مثلها لا وكس ولا شطط. فقام إليه معقل بن سنان الأشجعي وقال: أشهد، لقد قضيت مثل ما قضى به رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق، ففرح ابن مسعود ﵁ بذلك) .

стр. 4791

ولأن الموت سبب يستقر به المسمى، فاستقر به مهر المفوضة، كالدخول. والثاني: لا يجب لها المهر. وبه قال علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت ﵃ وأرضاهم -، وأهل المدينة: الزهري وربيعة ومالك، والأوزاعي من أهل الشام. ولأنها فرقة وردت على المفوضة قبل الفرض والمسيس، فلم يجب لها المهر، كالطلاق. وأما خبر ابن مسعود ﵁ فهو مضطرب، فروي: (أنه قام إليه ناس من أشجع) ، وروي: (أنه قام إليه رجل من أشجع) ، وروي (أنه قام إليه معقل بن سنان ﵁) ، وروي: (أنه قام إليه معقل بن يسار) ، وروي: (أنه قام إليه أبو سنان) . ويجوز أن تكون بروع مفوضة المهر لا مفوضة البضع. [فرع تزويج الولي وليته بدون مهر] وإن زوج الولي وليته بإذنها وهي من أهل الإذن على أن لا مهر لها في الحال، ولا فيما بعد.. فهل يصح النكاح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح النكاح؛ لأنها في معنى الموهوبة، وذلك لا يصح إلا للنبي ﷺ . والثاني: يصح النكاح ويبطل الشرط؛ لأن النكاح لا يخلو من مهر، فإذا شرط أن

стр. 4792

لا مهر لها بحال.. ألغي الشرط؛ لبطلانه، ولا يبطل النكاح؛ لأنه لا يبطل لبطلان المهر. فعلى هذا: تكون مفوضة البضع، وقد مضى حكمها. فإن زوج الأب أو الجد الصغيرة، أو الكبيرة المجنونة، أو البكر البالغة العاقلة بغير إذنها، وفوض بضعها، أو أذنت المرأة لوليها في تزويجها ففوض بضعها بغير إذنها.. لم تكن مفوضة، بل يجب لها مهر المثل؛ لأن التفويض إنما يتقرر بإذنها إذا كانت من أهل الإذن. هذا هو: المشهور من المذهب. وقال أبو علي بن أبي هريرة: إذا قلنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب أو الجد.. صح تفويضه لبضع الصغيرة والمجنونة، كما يصح عفوه. والأول أصح؛ لأنه إنما يصح عفوه على أحد القولين بعد الطلاق، فأما مع بقاء النكاح.. فلا يصح. [فرع تفويض السيد بضع أمته] ) : وإن فوض السيد بضع أمته.. كانت مفوضة، وللسيد أن يطالب بفرض المهر، كما قلنا في الحرة. فإن أعتقها أو باعها قبل الفرض والمسيس، فإن قلنا: إن الحرة المفوضة ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل.. كان المهر هاهنا للبائع أو المعتق. وإن قلنا: ملكت أن تملك مهرًا ما.. كان المهر لها إن أعتقت، أو لمشتريها. [فرع وطء الزوج المفوضة بعد سنين أو امرأة بنكاح فاسد واعتبار المهر] قال ابن الصباغ: إذا وطئ الزوج المفوضة بعد سنين وقد تغيرت صفتها.. فإنه يجب لها مهر المثل معتبرًا بحال العقد؛ لأن سبب وجوب ذلك إنما هو بالعقد، فاعتبر به.

стр. 4793

وقال القاضي أبو الطيب: يعتبر مهرها أكثر ما كان من حين العقد إلى حين الوطء؛ لأن لها أن تطالبه بفرض المهر في كل وقت من ذلك. وإن نكح امرأة نكاحًا فاسدًا ووطئها.. اعتبر مهرها حال وطئها. فإن أبرأته من مهرها قبل الفرض.. لم تصح البراءة؛ لأن المهر لم يجب، والبراءة من الدين قبل وجوبه لا تصح. وإن أسقطت حقها من المطالبة بالمهر.. قال ابن الصباغ: لم يصح إسقاطه عندي؛ لأن إثبات المهر ابتداء حق لها يتعلق به حق الله تعالى؛ لأن الشرع منعها من هبة بضعها، وإنما خص به النبي ﷺ ، ولهذا لا يصح أن يطأها بغير عوض. [مسألة اعتبار العصبات في مهر المثل ومواضعه] ) : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ومتى قلت: لها مهر نسائها.. فإنما أعني: نساء عصباتها، وليس أمها من نسائها) . وجملة ذلك: أن أصحابنا قالوا: يجب لها مهر المثل في سبعة مواضع: أحدها: مفوضة المهر. الثاني: مفوضة البضع إذا دخل بها الزوج قبل الفرض، أو مات عنها في أحد القولين. الثالث: إذا فوض الولي بضعها بغير إذنها. الرابع: إذا نكحت المرأة بمهر فاسد أو مجهول. الخامس: إذا نكحها نكاحا فاسدًا ووطئها. السادس: إذا وطئ امرأة بشبهة. السابع: إذا أكره امرأة على الزنا. وكل موضع وجب للمرأة مهر مثلها.. فإنها تعتبر بنساء عصباتها، كالأخوات وبنات الإخوة والعمات وبنات الأعمام. ولا تعتبر بنساء ذوي أرحامها، كأمهاتها وخالاتها، ولا بنساء بلدها من غير عصباتها مع وجود نساء عصباتها.

стр. 4794

وقال مالك: (تعتبر بنساء بلدها) . وقال ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: (تعتبر بنساء عصباتها، وبنساء ذوي أرحامها) . دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق: أن لها مهر نساء قومها» وهذا يقتضي قومها الذين تنسب إليهم. ولأنه إذا لم يكن بد من اعتبارها بغيرها من النساء.. فاعتبارها بنساء عصباتها أولى؛ لأنها تساويهن في النسب. وتعتبر بمن هي في مثل حالها في الجمال، والعقل، والأدب، والسن، والبكارة، والثيوبة، والدين، وصراحة النسب. وإنما اعتبر الجمال؛ لأن له تأثيرا في الاستمتاع، وهو المقصود في النكاح. واعتبر العقل والأدب؛ لأن مهر العاقلة الأديبة أكثر من مهر من لا عقل لها ولا أدب. وكذلك مهر الشابة والبكر أكثر من مهر العجوز والثيب. ومهر العفيفة أكثر من مهر الفاسقة. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وصراحتها) . فمن أصحابنا من قال: أراد الفصاحة في اللسان. وقال أكثرهم: أراد صراحة النسب؛ لأن العرب أكمل من العجم. فإن كانت بين عربيين.. لم تعتبر بمن هي بين عربي وعجمية؛ لأن الولد بين عربي وعجمية هجين، والولد بين عربية وعجمي مقرف ومذرع. قال الشاعر في المقرف: وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل فإن نتجت مهرًا كريمًا فبالحرى ... وإن يك إقرافًا فما أنجب الفحل

стр. 4795

وقال في المذرع: إن المذرع لا تغني ضؤولته ... كالبغل يعجز عن شوط المحاضير ويعتبر بالأقرب فالأقرب، فإن لم يكن في أخواتها مثلها.. صعد إلى بنات أخيها، ثم إلى عماتها، ثم إلى بنات عمها. فإن كان لها نساء عصبات في بلاد متفرقة، ومهور أهل تلك البلاد تختلف.. اعتبرت بنساء عصباتها من أهل بلدها؛ لأنها أقرب إليهن. فإن لم يكن لها نساء عصبة، أو كان لها نساء عصبة ولم يوجد فيهن مثلها.. اعتبرت بأقرب النساء إليها من ذوي أرحامها، كأمهاتها وخالاتها. فإن لم يكن لها من يشبهها منهن.. اعتبرت بنساء بلدها، ثم بنساء أقرب بلد إلى بلدها. [فرع عادات الآباء في المهور] ) : فإن كان من عادتهم إذا زوجوا من عشيرتهم خففوا المهر، وإذا زوجوا من الأجانب ثقلوا المهر.. حمل الأمر على ذلك. فإن كان زوجها من عشيرتها.. خفف المهر، وإن كان من الأجانب.. ثقل؛ لأن المهر يختلف بذلك.

стр. 4796

قال ابن الصباغ: وينبغي على هذا: إذا كان الزوج شريفًا، والعادة جارية أن يخفف المهر لشرف الزوج.. أن يعتبر ذلك. [فرع وجوب مهر المثل حالًا من نقد البلد] ) : ويجب مهر المثل حالًا من نقد البلد. وقال الصيمري: إن جرت عادتهم في ناحية بالثياب وغير ذلك.. قضي لها بذلك. والمنصوص: هو الأول؛ لأنه بدل متلف، فأشبه سائر المتلفات. قال الطبري: وإن كان عادة نساء عصباتها التأجيل في المهر.. فإنه لا يجب لها المهر مؤجلًا، بل يجب حالًا، وينقص منه لأجل التأجيل؛ لأن القيم لا تكون مؤجلة. [مسألة إعسار الزوج بالصداق] ) : وإذا أعسر الرجل بالصداق.. فهل يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؟ فيه ثلاثة طرق، حكاها ابن الصباغ. ومن أصحابنا من قال: إن كان بعد الدخول.. لم يثبت لها الخيار قولًا واحدًا، وإن كان قبل الدخول.. ففيه قولان: أحدهما: يثبت لها الخيار؛ لأنه تعذر عليها تسليم العوض والمعوض باق بحاله، فكان لها الرجوع إلى المعوض، كما لو أفلس المشتري بالثمن والمبيع باق بحاله. والثاني: لا يثبت لها الخيار؛ لأن تأخير المهر ليس فيه ضرر متحقق، فهو بمنزلة الخادم في النفقة إذا أعسر بها الزوج. ومنهم من قال: إن كان قبل الدخول.. ثبت لها الخيار قولًا واحدًا، وإن كان بعد الدخول.. ففيه قولان: أحدهما: لا يثبت لها الخيار؛ لأن المعقود عليه قد تلف، فهو كما لو تلف المبيع في يد المشتري ثم أفلس.

стр. 4797

والثاني: يثبت لها الخيار، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق؛ لأن المرأة يجب عليها التمكين من الوطء، وجميعه في مقابلة الصداق وإن سلمت بعضه فكان لها الفسخ في الباقي، فهو كما لو وجد البائع بعض المبيع في يد المفلس. ومنهم من قال: إن كان قبل الدخول.. ثبت لها الخيار قولًا واحدًا، وإن كان بعد الدخول.. لم يثبت لها الخيار قولًا واحدًا؛ لأن قبل الدخول لم يتلف البضع، وبعد الدخول قد تلف البضع؛ لأن المسمى يستقر بالوطأة الأولى، كما يستقر الثمن بتسليم جميع المبيع، وباقي الوطآت تبع للأولى. فإذا تزوجت امرأة رجلًا مع العلم بإعساره بالمهر، وقلنا: يثبت لها الخيار إذ لم تعلم به.. فهل يثبت لها الخيار هاهنا؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: لا يثبت لها الخيار؛ لأنها رضيت بتأخيره، بخلاف النفقة؛ فإن النفقة لا تجب بالعقد، ولأنه قد يتمكن المعسر من النفقة بالكسب والاجتهاد، بخلاف الصداق. والثاني: يثبت لها الخيار؛ لأنه يجوز أن يقدر عليه بعد العقد، فلا يكون علمها بإعساره.. رضًا بتأخير الصداق، كالنفقة. وإن أعسر بالصداق، فرضيت بالمقام معه.. لم يكن لها الخيار بعد ذلك؛ لأن حق الصداق لم يتجدد، بخلاف النفقة، هذا ترتيب البغداديين. وقال المسعودي (في " الإبانة ") : إذا رضيت بإعساره بالمهر ثم رجعت، فإن كان قبل الدخول.. كان لها الامتناع، وإن كان بعد الدخول.. لم يكن لها الامتناع. وإن رضيت بالمقام معه بعد ما أعسر بالصداق.. سقط حقها من الفسخ، ولا يلزمها أن تسلم نفسها، بل لها أن تمتنع حتى يسلم صداقها؛ لأن رضاها إنما يؤثر في إسقاط الفسخ دون الامتناع، ولا يصح الفسخ للإعسار بالصداق إلا بالحاكم؛ لأنه مجتهد فيه، فهو كفسخ النكاح بالعيب.

стр. 4798

[مسألة إذن السيد بالنكاح لعبده وتعلق المهر والنفقة] ) : وإن أذن السيد لعبده في النكاح.. فإن إطلاق إذنه يقتضي نكاحه بمهر المثل؛ لأنه محجور عليه، فلم يكن له الزيادة على مهر المثل، كالسفيه. فإن نكح بمهر المثل أو دونه نكاحًا صحيحًا.. لزمه المهر بالعقد، ولزمه نفقتها إذا أمكنته من الاستمتاع بها، كما قلنا في الحرة. إذا ثبت هذا: فلا يخلو العبد: إما أن يكون مكتسبًا غير مأذون له في التجارة، أو مأذونًا له في التجارة، أو غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة. فإن كان مكتسبًا غير مأذون له في التجارة.. تعلق المهر والنفقة في كسبه؛ لأنه لا يخلو: إما أن يتعلق ذلك بذمة السيد، أو برقبة العبد، أو بذمته إلى أن يعتق، أو بكسبه، فبطل أن يقال: يتعلق بذمة السيد؛ لأنه لم يضمن ذلك، وإنما أذن في النكاح، وذلك ليس بضمان. وبطل أن يقال: يتعلق ذلك برقبة العبد؛ لأنه حق وجب برضا من له الحق، وإنما يتعلق برقبته ما وجب بغير رضا من له الحق. وبطل أن يقال يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأنه يجب في مقابلة ما يستحقه من الاستمتاع حالًا. فإذا بطلت هذه الأقسام.. لم يبق إلا تعلقه بكسبه. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين الدين الذي يلزم المأذون له في التجارة، حيث قلنا: لا يقضى من كسبه، وإنما يتعلق بذمته إلى أن يعتق؟ قلنا الفرق بينهما: أن هذا الدين لزمه بغير إذن السيد؛ لأنه إن دفع إليه مالا وقال: اتجر به، فما لزمه من غيره.. لم يلزمه بإذنه، وإن قال: اتجر بجاهك.. فقد أمره أن يأخذ ويعطي، فإذا أخذ ولم يعط حتى ركبه الدين.. كان لازمًا له بغير إذنه، فصار كما لو استدان بغير إذنه، والمهر والنفقة لزماه بإذنه. ولأن المقصود بالنكاح

стр. 4799

الاستمتاع، وذلك لا يحصل إلا بالمهر والنفقة، والمقصود من التجارة حصول الربح للسيد، وفي المنع من قضاء الدين من كسبه توفير على السيد. إذا ثبت هذا: وأن المهر والنفقة في كسبه.. فعلى السيد تخليته بالنهار للاكتساب، وبالليل للاستمتاع؛ لأن إذنه بالنكاح يتضمن ذلك، إلا أن يختار السيد أن يستخدمه نهارًا.. فإنه يلزمه نفقته ونفقة زوجته. هكذا ذكر ابن الصباغ. وذكر الشيخ أبو حامد: أنه لا يجوز له استخدامه بالنهار إلا أن يضمن عنه المهر والنفقة. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (ولا يتعلق المهر والنفقة إلا في الكسب الحادث بعد النكاح) . فأما ما اكتسبه قبل النكاح.. فلا يتعلقان به؛ لأنهما إنما يجبان بالنكاح، فتعلقا بالكسب الحادث بعده دون ما قبله. قال أصحابنا: وهكذا لو كان المهر مؤجلًا.. فإنه يتعلق بالكسب الحادث بعد حلوله دون ما اكتسبه قبل حلوله. وإن كان العبد مأذونًا له في التجارة.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم " ونقله المزني - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إنه يعطي مما في يده) . واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يدفع المهر والنفقة من أصل المال الذي في يده للتجارة؛ لأنه يجوز أن يقضي منه دين التجارة، والمهر والنفقة دين عليه لزمه برضا السيد، فهو كدين التجارة. ومنهم من قال: لا يجوز له أن يدفع المهر والنفقة من المال الذي بيده للتجارة، وإنما يدفعهما من فضل المال الذي بيده للتجارة، كما لا يجوز أن يدفعهما من المال الذي اكتسبه قبل النكاح؛ لأن ذلك مال السيد، وحمل النص على فضل المال. وإن كان العبد غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة.. فمن أين يستوفى المهر والنفقة؟

стр. 4800

حكى الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق ـ: فيهما قولين، وحكاهما القاضي أبو الطيب وجهين: أحدهما: يتعلقان بذمة العبد إلى أن يعتق؛ لأنه حق وجب برضا من له الحق فتعلق بذمته، كما لو استدان شيئًا. فعلى هذا: يثبت لها الخيار في فسخ النكاح. والثاني: يجبان في ذمة السيد؛ لأنه لما أذن له في النكاح مع علمه بوجوب المهر والنفقة، وعلمه بحاله.. كان ذلك رضًا منه بضمانهما. [فرع يصح تزوج العبد بأكثر من مهر المثل] وإن أذن السيد لعبده في النكاح، فتزوج بأكثر من مهر المثل.. صح النكاح والمهر، إلا أن قدر مهر المثل يتعلق بكسبه، وما زاد عليه يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأنه لا ضرر على المولى بذلك. [فرع النكاح بغير إذن السيد أو أذن له فنكح نكاحًا فاسدًا] ) : وإن نكح العبد بغير إذن سيده.. لم يصح النكاح. وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يصح، وللسيد فسخه) . وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يكون النكاح موقوفًا على إجازة السيد) ، بناء على أصله. دليلنا: ما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه.. فهو عاهر» و (العاهر) : الزاني، ولم يرد أنه زان في الحقيقة، وإنما أراد: أنه فعل فعلًا محرمًا كالزاني. وروى ابن عمر ﵄ وأرضاهما -: أن النبي ﷺ قال: «إذا نكح العبد بغير إذن سيده.. فنكاحه باطل»
следующие страницы →