Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
[مسألة يستحب أن يعتق الجارية ثم يتزوجها]
يستحب للرجل إذا ملك جارية ذات جمال أن يعتقها ثم يتزوجها؛ لما روى أبو موسى الأشعري ﵁: «أن النبي ﷺ قال: " ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين: عبد أدى حق الله تعالى وحق مواليه، ورجل كانت عنده جارية وضيئة، فأدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها، ثم تزوجها يبتغي بذلك وجه الله تعالى، ورجل آمن بالكتاب الأول، ثم جاء الكتاب الآخر فآمن به» .
إذا ثبت هذا: فإن قالت الأمة لسيدها: أعتقني على أن أتزوجك ويكون عتقي صداقي فأعتقها، أو قال الرجل لأمته: أعتقتك على أن تتزوجي بي ويكون عتقك صداقك، فقالت: قبلت.. عتقت ولا يلزمها أن تتزوج به.
وقال الأوزاعي: (يلزمها أن تتزوج به، فإن لم تفعل.. يجبرها الحاكم) .
وقال أحمد رحمة الله عليه: (إذا كان ذلك بحضرة شاهدين.. انعقد النكاح بذلك؛ «لأن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها» ، ولم ينقل أكثر من ذلك، وقد كانت صفية زوج النبي ﷺ .
دليلنا ـ على الأوزاعي ﵀ ـ: أنه سلم في عقد فلم يصح، كما لو قال: أسلفتك هذه الألف على أن تتزوجي بي. ولأن ما يثبت في الذمة فعل أو عين، فـ (الفعل) : كالخياطة والبناء وما أشبهه من الأفعال.
و (العين) : أن يسلم إليه في ثوب موصوف أو غيره. وأما العقود: فلا تثبت في الذمة بحال، ألا ترى أنه لو قال: خذ هذه الدراهم على أن تبيعني دارك.. لم يصح؟
стр. 4727
ودليلنا ـ على أحمد رحمة الله عليه ـ: أن العتق يزيل ملك السيد عن الاستمتاع بأمته، فلا يجوز أن يزول ملكه عن استمتاعها بحق الملك، ويملك استمتاعها بحق النكاح، كما لا يستبيح استمتاعها ببيعها. وأما خبر صفية: فقد روي: «أنه ﷺ أعتق صفية، وتزوجها» وهذا أزيد، فكان الأخذ به أولى. وإن ثبت الرواية أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.. فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مخصوص بذلك دون غيره.
واختلف أصحابنا في موضع تخصيص النبي ﷺ من هذا:
فقال أبو إسحاق: موضع التخصيص منه: أن غير النبي ﷺ إذا أعتق جارية بشرط أن تتزوج به، أو أعتقها مطلقا.. لم يجز له أن يتزوجها إلا بمهر، والنبي ﷺ إذا أعتق جارية بشرط أن تتزوج به، أو أعتقها مطلقا.. جاز له أن يتزوجها بغير مهر؛ لأن نكاح النبي ﷺ يجوز أن يخلو عن المهر، فموضع تخصيصه: خلو نكاحه عن المهر. فقول الراوي: «أعتق صفية ﵂ وجعل عتقها صداقها» ، يعني: لم يجعل لها شيئا غير العتق.
ومن أصحابنا من قال: موضع تخصيصه من هذا: أن غير النبي ﷺ إذا أعتق أمة بشرط أن تتزوج به.. لم يلزمها أن تتزوج به وإذا أعتق النبي ﷺ أمة بشرط أن تتزوج به.. لزمها أن تتزوج به.
ومنهم من قال: موضع التخصيص: أن غير النبي ﷺ إذا أعتق أمة بشرط أن تتزوج به، ثم أراد أن يتزوج بها على قيمتها.. فلا بد أن يكونا عالمين بقدر قيمتها؛ لأن المهر المجهول لا يصح. والنبي ﷺ إذا أعتق أمة بشرط أن تتزوج به.. جاز له أن يتزوج بها على قيمتها وإن كانا لا يعلمان قدرها؛ لأن الجهل بالمهر ليس بأكثر من عدمه.
إذا ثبت هذا: وأنه لا يلزمها أن تتزوج به، فرضيت بأن تتزوج به.. لم يجبر السيد عليه؛ لأنه إذا لم يلزمها ذلك.. لم يجبر السيد على قبوله، كما لو أعتقها على خمر أو خنزير، ويلزمها قيمتها لسيدها.
стр. 4728
وحكي عن مالك وزفر - رحمة الله عليهما -: أنهما قالا: (لا يلزمها) .
دليلنا: أنه أزال ملكه عن رقبتها ببدل، ولم يسلم له ذلك البدل، ولا يمكنه الرجوع إلى رقبتها، فرجع إلى قيمتها - كما لو ابتاع عبدًا بعوض محرم وتلف العبد في يده - وتعتبر قيمتها يوم العتق؛ لأنه وقت زوال ملكه عنها.
فإن لم يتراضيا على تزويجها.. طالبها بقيمتها إن كانت موسرة بها، وإن كانت معسرة.. أنظرها إلى يسارها.
وإن تراضيا على تزويجها بغير قيمتها، فتزوجها به.. صح، واستحقت عليه المهر، واستحق عليها القيمة. فإن كانا من نقد واحد في الذمة.. فهل يسقط ما استويا فيه من ذلك؟ على الأربعة الأقوال في المقاصة.
وإن تزوجها على قيمتها وهما يعلمان قدر قيمتها.. صح النكاح والصداق، كما لو تزوج رجل امرأة على دين له في ذمتها، فإذا انعقد النكاح.. سقطت القيمة من ذمتها، ولم تستحق عليه مهرًا. وإن كانا لا يعلمان قدر القيمة.. فهل يصح الصداق؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : قال أبو علي بن خيران: يصح، كما لو تزوجها على عبد لا يعرفان قدر قيمته.
و (الثاني) : قال أكثر أصحابنا: لا يصح الصداق، وهو الصحيح؛ لأن الصداق غير القيمة، والقيمة مجهولة عندهما فلم يصح، كما لو تزوجها على ثوب مجهول. ويخالف العبد؛ فإن عينه معلومة عندهما، فلا يضر الجهل بقيمته، كما لو اشترى عبدًا عرف عينه ولم يعرف قيمته.
[فرع علق عتق أمته على الزواج بها وعكسه]
) : قال ابن الصباغ: إذا قال لأمته: أنا أعتقك على أن أتزوج بك، أو تزوجيني نفسك، فقبلت.. عتقت، ووجب له عليها قيمتها؛ لأنه شرط عليها النكاح في مقابلة العتق.
стр. 4729
وإذا أراد حيلة يعتق بها أمته ويلزمها أن تتزوج به، فقال: أعتقك على أنه إن كان في معلوم الله - تعالى - أني أتزوجك بعد عتقك، أو قال لها: إن كان في معلوم الله - تعالى - أني إذا أعتقتك تزوجت بك، فأنت حرة، ثم تزوجها.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو علي بن خيران: يصح النكاح وتعتق؛ لأنه إذا تزوجها بعد هذا القول.. تبينا أنها كانت في معلوم الله حرة حين عقد النكاح، فصح النكاح.
وقال أكثر أصحابنا: لا يصح النكاح ولا تعتق؛ لأنه حالما يعقد عليها النكاح يشك: أنها مملوكة له أو ليست بمملوكة له، وعقد النكاح لا يصح على من يشك في صحة نكاحها، وإذا لم يصح عقد النكاح.. لم يوجد شرط العتق.
[فرع علقت عتق العبد على الزواج به وعكسه]
) : وإن قالت امرأة لعبدها: أعتقك على أن تتزوج بي فقبل العبد، أو قال لها: أعتقيني بشرط أن أتزوج بك، فأعتقته.. عتق، ولا يلزمه أن يتزوج بها؛ لما ذكرناه في الأمة، ولا يلزم العبد لمولاته قيمته؛ لأنها لم تشرط عليه في مقابلة العتق شيئًا تملكه عليه، وإنما شرطت له أن تملكه مع رقبته شيئا، فهو كما لو قالت له: أعتقتك على أن أزيدك مائة درهم.
[فرع قال له أعتق عبدك عني أو عن نفسك أزوجك ابنتي]
إذا قال رجل لآخر: أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي، فأعتقه عنه.. عتق عن السائل، وله ولاؤه، ولا يلزمه تزويجه ابنته؛ لأنه سلف في عقد، ويلزم السائل لمالك العبد قيمة العبد؛ لأنه لم يسلم له ما شرط له.
وإن قال له: أعتق عبدك عن نفسك على أن أزوجك ابنتي، فأعتقه.. عتق العبد على سيده، وله ولاؤه، ولا يلزم السائل تزويج ابنته مولى العبد؛ لأنه سلف في عقد. وهل يلزم السائل قيمة العبد لسيده؟ فيه وجهان، مأخوذان من القولين فيمن قال لآخر: أعتق عبدك عن نفسك على أن أدفع لك مائة درهم، فأعتقه.. فهل تلزمه المائة؟ فيه قولان:
стр. 4730
أحدهما: تلزمه المائة؛ لأنه أعتقه بعوض بذل له، فلزم الباذل ما بذله، كما لو قال له: أعتق عبدك عني على مائة، وكما لو قال لآخر: طلق امرأتك ولك مائة درهم.
فعلى هذا: يلزم الطالب هاهنا قيمة العبد.
والثاني: لا تلزمه المائة، وهو الصحيح؛ لأنه بذل له العوض على ما لا منفعة له فيه، فلم يلزمه العوض، كما لو اشترى ما لا منفعة فيه. ويخالف إذا قال: أعتق عبدك عني؛ فإنه يحصل له الثواب والولاء، وفي الزوجة قد يكون له غرض في أن يتزوجها أو يعلمها على نكاح باطل، فيريد تخليصها.
فعلى هذا: لا يلزم الطالب هاهنا قيمة العبد.
[مسألة عقد على أن لها ألفًا، وألفًا لأبيها أو لأبيها وأمها]
) : قال الشافعي ﵀: (وإذا عقد النكاح بألف على أن لأبيها ألفًا.. فالمهر فاسد) .
وجملة ذلك: أنه إذا تزوج امرأة بألف على أن لأبيها أو لعمها ألفًا أخرى.. فالنكاح صحيح، والمهر فاسد، وله مهر مثلها. وإنما صح النكاح؛ لأنه لا تفتقر صحته إلى صحة المهر. وإنما فسد المهر؛ لأن قوله: (على أن لأبيها ألفًا) ، إن أراد: أن ذلك هبة منه لأبيها.. فهذا شرط غير لازم له. وإن أراد أن جميع الألفين صداق لها - والصداق لا يستحقه غير الزوجة - فإذا فسد الشرط.. سقط المهر وقد نقصت المرأة من صداقها جزءًا لأجل الشرط، وإذا سقط الشرط.. وجب أن يرد إلى المهر الجزء الذي نقصته لأجل الشرط وذلك مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم.. صار الجميع مجهولًا. ولو أصدقها صداقًا مجهولًا.. لم يصح، ووجب لها مهر مثلها بالغًا ما بلغ.
وقال الشافعي ﵀ في القديم: (إذا تزوجها على ألف على أن لأبيها ألفًا ولأمها ألفًا.. صح النكاح، واستحقت الثلاثة الآلاف، ولا شيء للأم والأب) ، وبه قال مالك.
стр. 4731
قال أبو علي بن أبي هريرة: ويجيء على هذا: أن الألفين في الأولى للزوجة، وهذا مخالف لما نقله المزني وذكره الشافعي ﵀ في " الأم " في التي قبلها.
والأول أصح؛ لأنه إنما أصدقها ألفا لا غير، وما شرطه لأبيها وأمها لا يستحقانه ولا تستحقه الزوجة؛ لما قدمناه في التي قبلها.
إذا ثبت هذا، فقد ذكر المزني بعد الأولى: ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطي أباها ألفًا.. كان جائزًا، ولها منعه وأخذها منه؛ لأنها هبة لم تقبض أو وكالة.
قال أصحابنا: أخطأ المزني في النقل؛ ولا فرق بين هذه والأولى، ويكون المهر فاسدًا، وإنما نقل المزني جواب مسألة ثالثة ذكرها الشافعي ﵀ في " الأم " (٥/٦٥) : (وهو: إذا تزوجها بألفين على أن تعطي أباها منهما ألفًا.. فيكون المهر جائزًا؛ لأنها قد ملكت الألفين بالعقد، وما شرطه عليها من دفعها لأبيها ألفًا لا يلزمها؛ لأنه إن كان هبة منها.. فلا تلزم عليها قبل القبض، أو على سبيل الوكالة منها لأبيها في القبض وذلك لا يلزم عليها، وإذا لم يلزمها.. سقط، ولا يؤثر ذلك في المهر؛ لأن المرأة لم تنقص من مهرها شيئًا لأجل هذا الشرط، ولأن الزوج زاد في مهرها لكي تعطي أباها؛ لأنه لا منفعة له في ذلك) .
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك إذا أصدقها ألفين على أن يعطي الزوج منهما ألفًا لأبيها.. لم يؤثر ذلك؛ لأن ذلك هبة منها أو توكيل في قبضها، والتصرف لها، لا حق للزوج في ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: ومعنى هذا عندي: أنه لم يرد به الشرط، وإنما أراد به: أنه تزوجها على ألفين على أن لها أن تعطي أباها ألفًا.. أو يعطي هو أباها ألفًا، فالحكم ما ذكرناه.
وأما إذا خرج ذلك مخرج الشرط: فينبغي أن يفسد المهر؛ لأنه لم يملكها المهر ملكًا تامًا؛ لأنه إذا شرط أن يعطي بعضه لغيرها.. فلم يملكها ملكًا تامًا، فبطل.
وقد حكى الصيمري هذا عن بعض أصحابنا، ثم قال الصيمري: وهذا هو قياس
стр. 4732
التحقيق: أن لو كان من عقود المعاوضات وما الغرض فيه الغبن، فأما ما هو خلاف ذلك.. فلا.
[فرع لا يضر شرط من مقتضى العقد]
) : إذا تزوج امرأة بألف على أن يطأها ليلًا ونهارًا، أو على أن ينفق عليها ويكسوها ويسافر بها، أو على أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه.. صح ذلك، ولم يؤثر في الصداق؛ لأن ذلك من مقتضى العقد. وإن شرط على أن له أن يتزوج عليها، أو يتسرى عليها.. صح ولم يؤثر؛ لأنه لا ينافي مقتضاه.
وإن تزوجها بمائة على أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى عليها، أو على أن لا يسافر بها، أو على أن لا تكلم أباها أو أمها، أو على أن لا يكسوها، أو على أن لا ينفق عليها، أو على أن لها أن تخرج من بيتها متى شاءت.. فالنكاح صحيح، والشرط والمهر فاسدان. وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمة الله عليهما.
وقال أحمد ﵀: (الشرط صحيح، ومتى لم يف لها به.. ثبت لها الخيار في فسخ النكاح) .
وروى ذلك عن عمر، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، وأبي الشعثاء ﵃.
دليلنا: قوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى.. فهو باطل» وهذا الشرط ليس في كتاب الله.
ويجب لها مهر مثلها؛ لأنها تركت لأجل الشرط جزءًا من المهر، فإذا سقط الشرط.. وجب رد الجزء وهو مجهول، وإذا صار الصداق مجهولًا.. وجب لها مهر المثل.
وقال أبو علي بن خيران: يجب لها أقل الأمرين: من المسمى، أو مهر المثل.
والمذهب الأول؛ لأن المسمى قد سقط اعتباره، وإنما الاعتبار بمهر المثل.
وإن تزوجها على ألف إن لم يخرجها من بلدها، وعلى ألفين إن أخرجها.. فالمهر فاسد، ويجب لها مهر مثلها.
стр. 4733
وقال أبو حنيفة: (إن وفى لها بالشرط الأول.. كان لها الألف، وإن لم يف لها.. كان لها مهر مثلها) .
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان.
دليلنا: أنه دخل في العقد على التخيير بين عوضين، فكان العوض فاسداَ، كما لو قال: بعتك بألف نقدًا وبألفين نسيئة.
[فرع الشرط المنافي لعقد النكاح يبطله]
) : إذا اشترطت المرأة على الزوج حال العقد أن لا يطأها، أو على أن يطأها في الليل دون النهار، أو على أن لا يدخل عليها سنة.. بطل النكاح؛ لأن ذلك شرط ينافي مقتضى العقد.
وإن شرط الزوج ذلك عليها في العقد.. لم يبطل النكاح؛ لأن ذلك حق له يجوز له تركه، فلم يؤثر شرطه، ولا يلزمه الوفاء بالشرط؛ لقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى.. فهو باطل» . وهذا ليس في كتاب الله، فكان باطلًا.
[فرع شرط الخيار في عقد النكاح أو في الصداق]
) : إذا تزوج امرأة بمهر وشرط خيار المجلس، أو خيار الثلاث في عقد النكاح.. فسد النكاح؛ لأن النكاح لا يقع إلا لازمًا، فإذا شرط فيه الخيار.. نافى ذلك مقتضاه، فأبطله.
وإن شرط الخيار في الصداق.. فقد قال الشافعي ﵀ في " المختصر ": (كان المهر فاسدًا) . وظاهر هذا: أن النكاح صحيح. وقال في " الإملاء ": (إن المهر والنكاح باطلان) .
واختلف أصحابنا فيهما:
فمنهم من قال: هي على حالين:
فحيث قال: يبطلان.. أراد إذا شرط الخيار في النكاح والمهر، أو في النكاح وحده.
стр. 4734
وحيث قال: لا يبطل النكاح.. أراد إذا شرط الخيار في المهر وحده.
ومنهم من قال: إذا شرط الخيار في المهر وحده.. فهل يصح النكاح؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه أحد عوضي النكاح، فبطل النكاح بشرط الخيار فيه، كما لو شرطه في البضع.
والثاني: يصح النكاح، وهو الصحيح؛ لأنه لو جعل الصداق خمرًا أو خنزيرًا.. لم يفسد النكاح، فلأن لا يفسد إذا شرط الخيار في المهر أولى.
فإذا قلنا بهذا: ففي المهر والخيار.. ثلاثة أوجه حكاها الشيخ أبو حامد:
أحدها: أن المهر والخيار صحيحان؛ لأن المهر كالثمن في البيع، فلما ثبت جواز الخيار في الثمن.. ثبت جوازه في المهر.
والثاني: أن المهر صحيح والخيار باطل؛ لأن المقصود هو الصداق، والخيار تابع، فثبت المقصود وبطل التابع.
والثالث: أن المهر والخيار باطلان، وهو المنصوص؛ لأن الخيار لما لم يثبت في المعوض، وهو البضع.. لم يثبت في العوض، وإذا سقط الخيار.. فقد ترك لأجله جزء من المهر، فيجب رده وذلك مجهول، وإذا كان المهر مجهولًا.. وجب مهر المثل.
قال الشيخ أبو حامد: والوجهان الأولان يساويان استمتاعهما.
[فرع عيب المهر يثبت خيار الرد]
) : ويثبت في الصداق خيار الرد بالعيب المتفاحش، واليسير مما يعد عيبًا في مثله.
وقال أبو حنيفة، وصاحباه ﵏: (يرد بالمتفاحش دون اليسير) .
دليلنا: أن إطلاق العقد يقتضي سلامة المهر من العيب، فإذا رد بالمتفاحش.. رد باليسير، كالمبيع.
стр. 4735
[مسألة تملك المهر الصحيح عندنا بنفس العقد وحكم قبض وليها له]
) : وتملك المرأة جميع المهر المسمى لها بنفس العقد إن كان ما سماه صحيحًا، وإن كان باطلًا.. ملكت مهر المثل. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (تملك نصف المسمى بالعقد، والنصف الباقي أمانة في يدها للزوج، فإن دخل بها.. استقر ملكها على الجميع) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] [النساء: ٤] ، فلولا أنهن ملكنه.. لما أمر بتسليمه إليهن. ولأنه عوض في مقابلة معوض، فملك في الوقت الذي يملك به المعوض، كالأثمان في البيع.
وإن كانت المنكوحة صغيرة، أو كبيرة مجنونة، أو سفيهة.. فللأب أو الجد أن يقبض صداقها؛ لأن له ولاية على مالها.
وإن كانت بالغة عاقلة رشيدة.. سلم المهر إليها أو إلى وكيلها، وليس لوليها قبضه بغير إذنها.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب أو الجد.. جاز له أن يقبض المهر بغير إذنها؛ لأنه إذا جاز له العفو عنه.. فلأن يجوز له قبضه أولى.
والأول أصح؛ لأنه إنما يجوز له العفو على هذا القول عن مهر الصغيرة أو المجنونة، فأما الكبيرة العاقلة: فليس له العفو عن مهرها بلا خلاف. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إن كانت المنكوحة ثيبًا.. لم يكن للأب أو الجد قبض صداقها بغير إذنها. وإن كانت بكرًا.. فله قبض صداقها بغير إذنها إلا أن تنهاه عن قبضه) .
دليلنا: أنها بالغة رشيدة، فلم يكن له قبض صداقها بغير إذنها، كالثيب.
стр. 4736
[فرع متى تجبر الزوجة على تسليم نفسها باعتبار المهر حالًا أو مؤجلًا]
؟) : إذا كان الصداق حالًا فطالبته الزوجة بتسليمه، فقال الزوج: لا أجده، وطلب الزوج إمهاله إلى أن يجمعه، وطالب بتسليم الزوجة إليه.. لم تجبر الزوجة على تسليم نفسها إليه، إلا أن يجمع صداقها ويسلمه إليها؛ لأن المهر في مقابلة البضع وعوض عنه، فإذا امتنع الزوج من تسليم العوض.. لم تجبر المرأة على تسليم المعوض، كما لا يجبر البائع على تسليم المبيع إذا امتنع المشتري من تسليم الثمن.
فإن قال الزوج: لا أسلم الصداق حتى تسلم الزوجة نفسها. وقالت الزوجة: لا أسلم نفسي حتى يسلم إليَّ الصداق.. فقد ذكرنا فيمن اشترى سلعة بثمن في ذمته، فقال البائع: لا أسلم السلعة حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض السلعة ثلاثة أقوال مشهورة:
أحدها: لا يجبر واحد منهما على التسليم، بل أيهما تطوع بالتسليم.. أجبر الآخر.
والثاني: أنهما يجبران معًا، فيجبر البائع على تسليم السلعة إلى عدل، ويجبر المشتري على تسليم الثمن إلى عدل، ثم تسلم السلعة إلى المشتري، والثمن إلى البائع، وبأيهما بدأ.. جاز.
والثالث: أن البائع يجبر على تسليم السلعة إلى المشتري، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إلى البائع.
وأما الصداق: فلا يجيء فيه إلا القولان الأولان:
أحدهما: لا يجبر واحد منهما على التسليم، بل يقال لهما: أيكما تطوع بالتسليم.. أجبرنا الآخر على التسليم.
والثاني: يجبر الزوج على تسليم الصداق إلى عدل، فإذا حصل الصداق في يد عدل.. أجبرت الزوجة على تسليم نفسها إلى الزوج.
стр. 4737
ولا يجيء في هذا القول: أن تسلم المرأة نفسها إلى عدل، كما قلنا في البائع؛ لأن معنى قولنا: (تسلم نفسها) نعني به: ليطأها الزوج، وهذا لا يحصل بتسليمها نفسها إلى العدل.
وسقط هاهنا القول الثالث في البيع، وهو قولنا: يجبر البائع أولًا على تسليم السلعة إلى المشتري؛ لأنا إذا أجبرنا البائع على تسليم السلعة.. أخذ الثمن من المشتري إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا.. حجر على المشتري في السلعة وفي جميع أمواله إلى أن يسلم الثمن. والزوجة هاهنا بمعنى البائع، فلو أجبرناها على تسليم نفسها - وهو: تمكينها الزوج من وطئها - ربما أتلف ماله بعد وطئها، أو أفلس وقد أتلف بُضعَها؛ لأنه لا يتأتى فيها ما ذكرناه في السلعة. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة ") : بل في الصداق ثلاثة أقوال أيضًا:
أحدها: لا يجبران.
والثاني: يجبران؛ بأن يوضع الصداق على يد عدل، وتجبر المرأة على التمكين.
والثالث: يجبر الزوج.
والأول هو المشهور.
فإذا قلنا لا يجبران.. لم تجب لها عليه نفقه في حال امتناعها؛ لأن الزوج لا يختص بالامتناع.
وإن قلنا: يجبر الزوج أولًا.. فلها النفقة في حال امتناعها قبل تسليم الزوج المهر؛ لأن المنع من جهته.
فإن تبرعت المرأة وسلمت نفسها إليه ووطئها الزوج.. لم يكن لها أن تمتنع بعد
стр. 4738
ذلك، بل يجبر الزوج على تسليم الصداق إن كان موسرًا. وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لها أن تمتنع بعد ذلك حتى تقبض صداقها) .
دليلنا: أن التسليم الأول تسليم استقر به المسمى برضاها، فلم يكن لها الامتناع بعد ذلك، كما لو سلم البائع السلعة قبل قبض الثمن ثم أراد أخذها.
وإن أكرهها الزوج فوطئها.. فهل لها أن تمتنع بعد ذلك إلى أن تقبض المهر؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة ":
أحدهما: لها أن تمتنع؛ كما لو قبض المشتري العين المبيعة وأكره البائع على ذلك قبل قبض الثمن.
والثاني: ليس لها أن تمتنع؛ لأن المهر قد تقرر بذلك، والبائع إذا استرد المبيع.. ارتفع التقرير.
وإن كان الصداق مؤجلًا، فطلب الزوج تسليمها إليه قبل حلول الأجل.. لم يكن لها أن تمتنع. فإن امتنعت.. أجبرت؛ لأنها رضيت بتأخير حقها إلى الأجل، فلم يكن لها الامتناع من التسليم، كما لو باع سلعة بثمن مؤجل.. فليس له الامتناع من تسليمها قبل حلول الأجل.
فإن تأخر تسليمها لنفسها حتى حل الأجل.. فهل لها الامتناع إلى أن تقبض الصداق؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : قال الشيخ أبو حامد: ليس لها أن تمتنع؛ لأن التسليم مستحق عليها قبل المحل، فلم يسقط ما وجب عليها بحلول دينها.
و (الثاني) : قال القاضي أبو الطيب: لها أن تمتنع. قال: وقد ذكر المزني في " المنثور ": أنه إذا باع سلعة بثمن مؤجل، فلم يقبض السلعة حتى حل الأجل.. فإن للبائع الامتناع من تسليم السلعة حتى يقبض الثمن.
стр. 4739
ووجهه: أن لها المطالبة بالمهر، فكان لها الامتناع، كما لو كان حالًا.
وإن كان بعض الصداق مؤجلًا وبعضه حالًا.. فلها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض الحال منه، كما لو كان جميعه حالًا. فإذا قبضت الحال منه.. لم يكن لها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض المؤجل، كما لو كان جميعه مؤجلًا.
[مسألة تصرف الزوجة بالصداق قبل قبضه]
) : إذا كان الصداق عينا فأرادت الزوجة أن تتصرف فيها بالبيع أو الهبة وما أشبههما قبل القبض.. لم يصح.
وقال بعض الناس: يصح.
دليلنا: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما لم يقبض» . وهذا لم يقبض.
وإن كان الصداق دينًا في الذمة.. فهل يصح لها أن تبيعه قبل قبضه؟ فيه قولان، كالثمن في الذمة. وهذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة ") : إذا أرادت بيع الصداق قبل أن تقبضه.. فهل يصح بيعها له؟ فيه قولان:
إن قلنا: إنه مضمون في يد الزوج ضمان العقد.. لم يصح.
وإن قلنا: ضمان اليد.. صح، وأراد بذلك إذا كان الصداق عينًا.
[مسألة الصداق العين مضمون على الزوج حتى يدفعه]
) : وإذا أصدق الرجل امرأته عينا معينة، إما عبدًا أو ثوبًا.. فإنها تكون مضمونة على الزوج ما لم تقبضها الزوجة؛ لأنها مضمونة عليه بعقد معارضة فكانت مضمونة، كالمبيع.
فإن قبضتها الزوجة.. سقط الضمان عنه، وصار ضمانها على الزوجة.
стр. 4740
وإن هلكت العين في يد الزوج قبل أن تقبضها الزوجة.. سقط حقها من العين؛ لأنها قد تلفت ولا يبطل النكاح؛ لأن النكاح ينعقد بغير مهر، فلا يبطل بتلف الصداق، ويجب على الزوج ضمان الصداق للزوجة؛ لأنا قد تبينا أنه مضمون عليه إلا أن تقبضه الزوجة. وفيما يضمنه به قولان:
(أحدهما) : قال في الجديد: (ترجع عليه بمهر مثلها) - وهو اختيار المزني، وأبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي الطيب - لأنه عوض معين تلف قبل القبض، وتعذر الرجوع إلى المعوض، فوجب الرجوع إلى بدل المعوض، لا إلى بدل العوض، كما لو اشترى عبدًا بثوب، وقبض العبد وتلف العبد، والثوب عنده.. فإنه يجب عليه قيمة العبد لا قيمة الثوب.
فقولنا: (عوض معين) احتراز من العوض في الذمة.
وقولنا: (تعذر الرجوع إلى المعوض به) ؛ لأن الشرع قد منع الزوجة من الرجوع إلى بُضعِها بتلف الصداق، فرجعت إلى بدله. وفيه احتراز من المبيع إذا تلف قبل القبض والثمن باق.
و (الثاني) : قال في القديم: (ترجع عليه ببدل العين التالفة) - وهو قول أبي حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما، واختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ - لأن كل عين يجب تسليمها.. لا يسقط ضمانها بتلفها، فإذا تلفت.. ضمنت ببدلها، كالعين المغصوبة.
فقولنا: (عين يجب تسليمها) احتراز مما لم يجب تسليمه، كالعين المبيعة والثمن قبل البيع.
وقولنا: (لا يسقط ضمانها بتلفها) احتراز من العين المبيعة والثمن إذا تلفا قبل القبض.
стр. 4741
فإذا قلنا بقوله الجديد فإن تلفت العين بآفة سماوية أو بفعل الزوج.. وجب لها مهر مثلها، سواء سلمت نفسها إلى الزوج وطالبته بها فمنعها، أو لم تطالبه بها ولم يمنعها. وإن أتلفتها الزوجة.. كان ذلك قبضًا لها.
وإن أتلفها أجنبي.. فظاهر قول الشافعي ﵀: أنها بالخيار: بين أن ترجع على الزوج بمهر المثل ويرجع الزوج على الأجنبي ببدل الصداق الذي أتلف، وبين أن ترجع الزوجة على الأجنبي ببدل ما أتلف.
وإن نقص الصداق في يد الزوج بآفة سماوية أو بفعل الزوج.. فهي بالخيار: بين أن تأخذ الصداق ناقصًا ولا شيء لها، وبين أن ترجع على الزوج بمهر مثلها.
فإن كان النقص بفعل أجنبي.. فهي بالخيار: بين أن ترجع على الزوج بمهر مثلها ويأخذ الزوج من الأجنبي الأرش، وبين أن تأخذ الصداق والأرش من الأجنبي.
وإن نقص الصداق بفعل الزوجة.. أخذته ناقصًا ولا شيء لها.
وإن قلنا بقوله القديم.. فحكمه في يد الزوج حكم المغصوب، إلا أنه لا يأثم إذا لم يمنعها من أخذه. فإذا تلف في يد الزوج بآفة سماوية أو بفعل الزوج.. رجعت عليه بمثله إن كان له مثل، أو بقيمته إن لم يكن له مثل. ومتى تعتبر قيمته؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال: هما وجهان:
المنصوص: (أنه تعتبر قيمته أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين التلف) ؛ لأنه مضمون على الزوج في جميع هذه الأحوال، فهو كالمغصوب ٠ والثاني: ترجع عليه بقيمته يوم التلف. والأول أصح. وإن نقص في يد الزوج.. نظرت: فإن كان بآفة سماوية.. كانت بالخيار: بين أن ترد الصداق لأجل النقص وترجع ببدله عليه، وبين أن تأخذه ناقصًا وتأخذ منه أرش النقص؛ لأنه كالغاصب. وإن نقص بفعل الزوج، فإن اختارت رده وأخذ بدله.. كان لها. وإن اختارت أخذه، فإن لم يكن للجناية أرش مقدر.. أخذت الصداق وما نقص من قيمته.
وإن كان لها أرش مقدر، بأن كان عبدًا فقطع يده.. رجعت عليه مع العبد بأكثر
стр. 4742
الأمرين: من نصف قيمته، أو ما نقص من قيمته بذلك؛ لأنه اجتمع فيه ضمان اليد والجناية.
وإن نقص بفعل أجنبي، فإن اختارت رده على الزوج وأخذ بدل منه.. كان لها ذلك لأجل النقص، ورجع الزوج على الأجنبي بالأرش. وإن اختارت أخذه.. أخذته، فإن كان الأرش غير مقدر.. رجعت به إن شاءت.. على الزوج، وإن شاءت على الأجنبي. وإن كان الأرش مقدرًا، فإن كان مثل أرش النقص، أو أكثر من أرش النقص٠٠رجعت به على من شاءت منهما. وإن كان الأرش المقدر أقل من أرش النقص.. كانت بالخيار: بين أن ترجع بأرش النقص على الزوج، وبين أن ترجع على الأجنبي بالأرش المقدر وترجع على الزوج بتمام أرش النقص.
[فرع اختلال صفة المهر من جائز إلى محرم أو غيره]
) : إذا أصدقها عبدًا فخرج حرًا أو مستحقًا، أو شاة فخرجت خنزيرًا، أو خلا فخرج خمرًا.. فهو كما لو تلف الصداق قبل القبض، فيكون على قولين:
أحدهما: ترجع عليه بمهر مثلها.
والثاني: ترجع عليه بقيمته.
ومن أصحابنا من قال: إذا قال: تزوجتك على هذه الجرة الخل فخرج خمرًا.. رجعت عليه بمهر مثله قولًا واحدًا؛ لأن الخل مجهول لا تعلم قيمته. وإن قال: تزوجتك على هذا الجرو، أو الخنزير، أو الخمر، أو هذا المغصوب.. وجب لها مهر المثل قولًا واحدًا؛ لأنه لم يسم لها شيئًا له بدل، بخلاف الأولى؛ فإنه قد سمى لها شيئاٍ له بدل.
وإن قبضت الصداق فوجدت به عيبًا فردته، أو كان الصداق تعليم سورة فلم تحفظ لها، أو تعلمتها من غير الزوج.. فهو كما لو تلف الصداق قبل القبض. فعلى قوله الجديد: ترجع إلى مهر مثلها. وعلى قوله القديم: ترجع إلى بدل المردود بالعيب، وإلى أجرة التعليم.
стр. 4743
[مسألة ثبوت المهر بالوطء في مكان الحرث]
) : ويستقر المهر المسسمى للزوجة بالوطء في الفرج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (البقرة: ٢٣٧) ، فلما أثبت للزوج الرجوع بنصف الصداق بالطلاق قبل المسيس.. دل على: أنه لا يرجع عليها بشيء منه بعد المسيس.
وقال في آية أخرى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] [النساء: ٢١] ، وفسر (الإفضاء) : بالجماع:
وإن وطئها في دبرها.. فهل يستقر به المسمى؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : من أصحابنا من قال: لا يستقر لها به المسمى؛ لأن المهر في مقابلة ما يملكه بالعقد، والوطء في الدبر غير مملوك في العقد، فلم يستقر به المهر.
والثاني - وهو المذهب ـ: أنه يستقر به المسمى؛ لأنه موضع يجب بالإيلاج فيه الحد، فاستقر به المهر، كالفرج.
قال أصحابنا: وجميع الأحكام التي تتعلق بالوطء في القبل.. تتعلق بالوطء في الدبر، إلا خمسة أحكام: الإحلال للزوج الأول، والإحصان، وإيفاء المولي، والخروج من العنة، وتغير إذن المنكوحة.
فإن وطئ أجنبية في دبرها بشبهة.. وجب لها مهر المثل. وإن حلف أن لا يطأ امرأة فوطئها في دبرها.. حنث في يمينه.
قال الصيمري: فإن آلى من امرأته أكثر من أربعة أشهر فوطئها في دبرها.. لم يسقط بذلك حقها، وينبغي أن يحنث في يمينه.
وإن أتت امرأته بولد يلحقه بالإمكان ولم يقر بوطئها.. فهل يستقر عليه المهر المسمى؟ فيه قولان: أحدهما: يستقر عليه؛ لأن إلحاق النسب به يقتضي وجود الوطء.
стр. 4744
والثاني: لا يستقر عليه؛ لأن الولد يلحق بالإمكان، والمهر لا يستقر إلا بالوطء، والأصل عدم الوطء.
[فرع موت أحد الزوجين يثبت الصداق]
) : وإن مات أحد الزوجين قبل الدخول.. استقر لها المهر.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إن كانت أمة فماتت قبل الدخول.. لم يستقر لها المهر.
والمذهب الأول؛ لأن النكاح إلى الموت، فاستقر به المهر، كالإجارة إذا انقضت مدتها.
[فرع لا اعتبار للخلوة في الجديد إلا مع الوطء]
) : وإن خلا الزوج بها ولم يجامعها.. فهل حكم الخلوة حكم الوطء في تقرير المهر ووجوب العدة؟ اختلف العلماء فيها:
فذهب الشافعي ﵀ في الجديد إلى: (أنه لا تأثير للخلوة في تقرير المهر، ولا في وجوب العدة) . وبه قال ابن عباس، وابن مسعود ﵃. ومن التابعين: الشعبي، وابن سيرين، وطاوس. ومن الفقهاء: أبو ثور.
وذهبت طائفة إلى: أن الخلوة كالوطء في تقرير المهر ووجوب العدة. وذهب إليه
стр. 4745
عمر، وعلي بن أبي طالب - وابن عمر ﵃ وأرضاهم -. وبه قال الزهري، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه ﵏.
وقال مالك ﵀: (إن خلا بها خلوة تامة، بأن يخلو بها في بيته دون بيت أبيها أو أمها.. رجح بها قول من يدعي الإصابة منهما عند اختلافهما فيها، ولا تكون الخلوة كالوطء في تقرير المهر ووجوب العدة) .
وقال الشافعي ﵀ في القديمِ: (للخلوة تأثير) .
فمن أصحابنا من قال: مذهب الشافعي ﵀ في القديم في الخلوة كقول مالك ﵀ في أنه: يرجح بها قول من ادعى الإصابة لا غير، إلا أنه لا فرق - عندنا - على هذا بين أن يخلو بها في بيته، أو في بيت أبيها أو أمها.
ومنهم من قال: مذهب الشافعي ﵀ في القديم كقول أبي حنيفة، وهو المنصوص في القديم.
стр. 4746
فإذا قلنا بهذا.. فوجهه: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «من كشف عن قناع امرأة.. فقد وجب عليه المهر» .
وروي عن عمر ﵁ وأرضاه -: أنه قال: إذا أغلق الباب وأرخي الستر.. فقد وجب المهر؛ ما ذنبهن إن جاء العجز من قِبَلِكُمْ؟.
ولأنه عقد على المنفعة، فكان التمكين منها كالاستيفاء في تقرير البدل، كالإجارة.
وإذا قلنا بقوله الجديد، وهو الأصح.. فوجهه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البقرة: ٢٣٧] ، ولم يفرق بين أن يخلو بها، أو لا يخلو بها. ولأن الخلوة لو كانت كالإصابة في استقرار المهر ووجوب العدة.. لكانت كالإصابة في وجوب مهر المثل في الشبهة. وأما الخبر: فمحمول على أنه كنى عن الجماع بكشف القناع. وما روي عن أمير المؤمنين عمر.. فقد روينا عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ خلاف ذلك.
فإذا قلنا بقوله الجديد، فوطئها فيما دون الفرج فسبق الماء إلى فرجها.. وجبت عليها العدة وجهًا واحدًا؛ لأن رحمها قد صار مشغولًا بمائه. وإن أتت من ذلك بولد.. لحقه نسبه، وهل يستقر بذلك صداقها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يستقر؛ لأن رحمها قد صار مشغولًا بمائه، فهو كما لو وطئها.
стр. 4747
والثاني: لا يستقر به المهر؛ لأنه لم يوجد الجماع التام، فهو كما لو لم يسبق ماؤه إلى فرجها.
ولو استدخلت المرأة ماء غير ماء زوجها وظنته ماء زوجها.. لم يثبت له حكم من الأحكام؛ لأن الشبهة تعتبر في الرجل.
[مسألة الفرقة بعد الدخول أو قبله باعتبار المهر]
وإن تزوج رجل امرأة ودخل بها ثم افترقا.. لم ترجع إلى الزوج بشيء من المهر، سواء كانت الفرقة من جهة الزوج، أو من جهة الزوجة، أو من جهتهما، أو من جهة أجنبي؛ لأن المهر قد استقر بالدخول، فلم تؤثر الفرقة، وهذا لا خلاف فيه.
وإن أصدقها تعليم سورة من القرآن ودخل بها، ثم طلقها قبل أن يعلمها، فإن كان الصداق تحصيل التعليم.. لم يتعذر ذلك بالطلاق، بل يستأجر لها امرأة أو محرما لها ليعلمها. وإن كان الصداق على أن يعلمها بنفسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن التعليم لا يتعذر بذلك، بل يعلمها من وراء حجاب، كما يجوز أن يسمع مها أخبار رسول الله ﷺ من وراء حجاب.
والثاني: أن تعليمه لها قد تعذر؛ لأنه يخاف عليهما الافتتان، ويخالف سماع الأخبار؛ لأنا لو لم نجوز ذلك.. لضاع ما عندها من الأخبار.
فإذا قلنا بهذا.. كان كما لو تلف الصداق قبل القبض، فترجع في قوله الجديد إلى مهر مثلها، وفي قوله القديم إلى أجرة التعليم.
وإن وقعت الفرقة بينهما قبل الدخول.. نظرت: فإن بسبب من جهتها، بأن أسلمت، أو ارتدت، أو أرضعته، أو أرضعت زوجة له صغيرة، أو وجد أحدهما بالآخر عيبًا ففسخ النكاح.. سقط جميع المهر؛ لأن البضع تلف قبل الدخول بسبب من جهتها، فسقط ما يقابله، كالمبيع إذا تلف قبل القبض.
стр. 4748
وإن كانت بسبب من جهة الزوج، بأن طلقها.. سقط عنه نصف المسمى إن كانت لم تقبضه، ووجب عليها رد نصفه إن كانت قد قبضته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البقرة: ٢٣٧] .
وهكذا: إن أسلم أو ارتد.. فحكمه حكم الطلاق؛ لأن الفرقة من جهته، فهي كالطلاق.
وإن كانت الفرقة بسبب منهما.. نظرت: فإن كانت بخلع.. فحكمه حكم الطلاق؛ لأن المغلب فيه: جهة الزوج؛ بدليل: أنه يصح خلعه مع الأجنبي. وإن كانت بردة منهما، بأن ارتدا معًا في حالة واحدة.. ففيه وجهان:
أحدهما: حكمه حكم الطلاق؛ لأن حال الزوج في النكاح أقوى، فهو كما لو ارتد وحده.
والثاني: يسقط جميع المهر؛ لأن المغلب في المهر: جهة المرأة؛ لأنها صاحبة الحق وقد أقدمت على ما هو سبب الفرقة، فيسقط حقها.
وإن اشترت المرأة زوجها قبل الدخول.. ففيه وجهان:
أحدهما: حكمه حكم الطلاق؛ لأن البيع تم بالزوجة وسيد العبد، وهو قائم مقام العبد، فهو كالخلع.
والثاني: يسقط جميع المهر، وهو المنصوص؛ لأنه لا صنع للزوج في البيع، فهو كما لو أرضعته وكان صغيرًا.
فإذا قلنا بالأول، فإن كانت الزوجة قد قبضت جميع صداقها من كسب العبدِ.. رجع عليها سيده بنصفه. وإن كان الصداق في ذمة العبد.. فهل يبقى لها نصفه في الذمة؟ فيه وجهان يأتي بيانهما.
وإن قلنا بالثاني، وكانت قد قبضته.. رجع سيده بجميعه عليها. وإن كان في ذمة العبد.. سقط جميعه عن ذمته.
стр. 4749
[مسألة قتل الزوجة نفسها أو بغيرها وسقوط المهر]
) : وإن كانت المنكوحة أمة فقتلت نفسها، أو قتل السيد قبل الدخول.. قال الشافعي ﵀: (سقط جميع المهر) . وقال في الحرة إذا قتلت نفسها، أو قتلها وليها قبل الدخول: (إنه لا يسقط شيء من المهر) . واختلف أصحابنا فيهما:
فذهب أبو العباس، وبعض أصحابنا إلى: أن فيهما قولين:
أحدهما: يسقط مهرها؛ لأن النكاح انفسخ بسبب من جهتها، فهو كما لو ارتدت.
والثاني: لا يسقط، وهو الأصح؛ لأنها فرقة حصلت بانقضاء أجلها، فهو كما لو ماتت.
وذهب أبو إسحاق، وبعض أصحابنا إلى: أنهما على ظاهرهما، ففي الأمة يسقط، وفي الحرة لا يسقط؛ لأن الحرة مسلمة لنفسها بالعقد، ولهذا: لا يجوز لها السفر بغير إذن الزوج، والأمة غير مسلمة لنفسها، ولهذا: يجوز لسيدها السفر بها بغير إذن زوجها؛ لأن زوج الحرة يغنم ميراثها فجاز أن يغرم مهرها، وزوج الأمة لا يغنم ميراثها فلم يغرم مهرها.
فإذا قلنا: يسقط المهر بذلك.. فإن الحرة لا يسقط مهرها إلا إذا قتلت نفسها قبل الدخول، وإن قتلها وليها أو زوجها أو أجنبي.. لم يسقط مهرها.
وأما الأمة: فإن قتلت نفسها قبل الدخول.. سقط مهرها؛ لأنها هي الزوجة، وإن قتلها سيدها.. سقط مهرها؛ لأن المهر له. وإن قتل الأمة زوجها أو الأجنبي قبل الدخول.. لم يسقط مهرها.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يسقط مهرها إذا قتلها أجنبي؛ لأنها كالسلعة المبيعة، والسلع المبيعة إذا أتلفها أجنبي قبل القبض.. انفسخ البيع وسقط الثمن.
والمذهب الأول؛ لأنها إنما تكون كالسلعة إذا بيعت، فأما في النكاح: فهي كالحرة.
стр. 4750
قال الشيخ أبو حامد وأبو سعيد الإصطخري: إنما تخالف في الأمة إذا قتلها الأجنبي لا غير.
قال ابن الصباغ: وحكى بعض أصحابنا: أنها إن ماتت قبل الدخول.. كان كما لو قتلها أجنبي - وهي طريقة صاحب " المهذب " وقد مضى ذكرها - قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأمة في النكاح كالحرة يصح طلاقها وظهارها والإيلاء منها، فلا تجري مجرى السلعة.
[مسألة زوج أمته ثم باعها واعتبار النفقة والمهر]
) : قال الشافعي ﵀: (وإن باعها حيث لا يقدر عليها.. فلا مهر لها حتى يدفعها إليه) .
وجملة ذلك: أنه إذا زوج أمته ثم باعها من آخر.. فقد ذكرنا: أنه يصح البيع ولا يكون طلاقًا، وقد مضى.
فإن كان المشتري يريد السفر بها، أو كان بدويًا وأراد الخروج بها إلى البادية.. كان له ذلك؛ لأن حق المالك للرقبة آكد من حق المالك للمنفعة. فإن كان الزوج قد دخل بها.. فقد استقر عليه المهر، فيجب عليه دفعه إلى البائع، وإن كان قد دفعه.. لم يسترجعه ٠وإن كان ذلك قبل الدخول.. لم يجب على الزوج دفع المهر، وإن كان قد دفعه ٠٠استرجعه؛ لأن المهر إنما يجب بالتمكين من الاستمتاع ولم يوجد ذلك ٠ لأن المهر إنما يجب بالتمكين من الاستمتاع ولم يوجد ذلك.
وإن لم يرد المشتري السفر بها وسلمها إلى الزوج ليلًا ونهارًا.. وجب على الزوج جميع نفقتها، ولزمه تسليم مهرها إلى البائع إن لم تكن مفوضة.
وإن قال المشتري: لا أسلمها إلا ليلًا، ولا أسلمها نهارًا.. كان له ذلك؛ لأنه عقد على إحدى منفعتيها وهو الاستماع، فلم يلزمه تسليمها في غير زمان الاستمتاع، كما لو أجرها للخدمة ليلًا.
стр. 4751
قال أبو إسحاق: إلا أن تكون صانعة تنسج التِّكَكَ، أو تغزل.. فيلزمه إرسالها إلى الزوج ليلًا ونهارًا، وتعمل ذلك في بيت زوجها.
قال الشيخ أبو حامد: وفي هذا نظر؛ لأنه لا يتعين على السيد استعمالها في تلك الصنعة وحدها.
فإذا سلمها السيد بالليل دون النهار.. فهل يجب على الزوج شيء من النفقة؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : قال أبو علي بن أبي هريرة: يجب على الزوج نصف نفقتها اعتبارًا بما سلمت إليه من الزمان.
والمذهب: أنه لا يلزمه شيء من النفقة؛ لأنه لم يمكن من الاستمتاع التام بها.
وأما المهر: فحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: إذا لم يسلمها تسليمًا تامًا ليلا ونهارًا.. لم يلزمه تسليم المهر.
وقال غيره من أصحابنا: يلزمه، وهو الصحيح؛ لأنه يتمكن من وطئها ليلًا، فإذا وطئها.. استقر عليه المهر.
[مسألة الطلاق قبل الدخول وطروّ الزيادة أو النقصان على الصداق]
وإذا طلق الزوج امرأته قبل الدخول وقد قبضت الصداق.. فقد ذكرنا: أن الزوج يرجع عليها بنصفه.
فإن كان الصداق قد تلف بيدها، فإن كان له مثل.. رجع عليها بنصف مثله؛ لأنه أقرب. وإن كان لا مثل له.. رجع عليها بنصف قيمته؛ لأن ما لا مثل له يضمن بالقيمة. فإن اختلفت قيمته من حين العقد إلى حين قبضه.. رجع عليها بنصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض؛ لأن قيمته إن كانت حين العقد أقل ثم
стр. 4752
ازدادت.. فإن الزيادة حدثت في ملكها، فلا يلزمها ضمانها. وإن كانت قيمته وقت العقد أكثر ثم نقصت.. فإن النقص مضمون على الزوج لها، فلا تضمنه الزوجة له.
وإن كان الصداق باقيًا في يدها.. فلا يخلو من أربعة أحوال:
إما أن يكون باقيًا على حالته من حين القبض إلى حين الطلاق، أو يكون ناقصًا من جميع الوجوه عن حالته التي قبضته عليها، أو يكون زائدًا على حالته التي قبضته عليها من جميع الوجوه، أو يكون زائدًا من وجه ناقصًا من وجه.
فإن كان باقيًا على حالته.. رجع بنصفه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]
[البقرة ٢٣٧] وإن كان ناقصًا من جميع الوجوه، بأن كانت جارية سمينة فهزلت أو مرضت أو ما أشبه ذلك.. فالزوج بالخيار: بين أن يرجع بنصف الصداق ناقصًا ولا شيء له غير ذلك، وبين أن يرجع عليها بنصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البقرة: ٢٣٧] وإذا كان ناقصًا.. فليس هو المفروض.
وإن كان الصداق زائدًا من جميع الوجوه.. فلا تخلو الزيادة: إما أن تكون متميزة، أو غير متميزة:
فإن كانت متميزة، بأن أصدقها بهيمة حائلًا فحملت وولدت ثم طلقها، أو شجرة لا ثمرة عليها فأثمرت وجذت ثم طلقها.. رجع عليها بنصف الصداق دون النماء؛ لأنه نماء حدث في ملكها وتميز، فلم يكن له فيه حق، كما قلنا في المشتري إذا حدث في ملكه نماء متميز ثم وجد بالمبيع عيبًا فرده.
وإن كانت الزيادة غير متميزة، كالسمن، وتعلم القرآن، والعلم، والصنعة، فإن اختارت الزوجة تسليم نصفه.. أجبر الزوج على أخذه؛ لأنه يرجع إليه أكمل مما دفع إليها. وإن لم تختر تسليم نصفه.. لم تجبر عليه. وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وقال محمد بن الحسن: تجبر الزوجة على تسليم نصفه مع زيادته المتصلة.
دليلنا: أن هذه زيادة حدثت في ملكها، فلم يلزمها تسليمها، كما لو كانت الزيادة
стр. 4753
متميزة، ويلزمها نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض.
وإن كان على الزوجة ديون فأفلست وحجر عليها.. فهل للزوج أن يرجع عليها في نصف الصداق مع زيادته المتصلة به؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : قال أبو إسحاق: يرجع بنصف الصداق مع زيادته المتصلة؛ لأنا إنما لا نوجب الرجوع إلى نصف الصداق مع زيادته إذا كانت غير مفلسة؛ لأن ذمتها عامرة فيتوصل الزوج إلى استيفاء حقه من القيمة، وإذا كانت مفلسة.. فذمتها خربة، فلا يمكنه الوصول إلى استيفاء حقه بالقيمة، فثبت له الرجوع إلى نصفها.
و (الثاني) : قال أكثر أصحابنا: لا يرجع الزوج إلى نصف الصداق مع زيادته المتصلة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى؛ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البقرة: ٢٣٧] ، والزائد غير المفروض، ولم يفرق بين المفلسة وغير المفلسة.
وإن كان الصداق زائدًا من وجه ناقصًا من وجه، بأن كان عبدًا فتعلم صنعة ومرض، فإن اتفقا على أن يأخذ الزوج نصفه.. جاز؛ لأن الحق لهما. وإن طلب الزوج نصفه فامتنعت الزوجة من ذلك.. لم تجبر على ذلك؛ لزيادته. وإن بذلت المرأة نصفه وامتنع الزوج من أخذه ٠٠لم يجبر على ذلك؛ لنقصانه، ويرجع إلى نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض.
وإن طلقها قبل الدخول والصداق في يده، فإن كان الصداق بحاله لم يزد ولم ينقص.. كان لها النصف.
وإن كان ناقصًا من جميع الوجوه، بأن مرض في يده أو عمي.. فالزوجة بالخيار: بين أن تأخذ نصفه ناقصًا ولا شيء لها - كالمبيع إذا نقص في يد البائع - وبين أن تفسخ الصداق لأجل نقصه. فإذا فسخت الصداق.. لم ينفسخ النكاح، وإلى ماذا يرجع؟ فيه قولان، كما لو تلف قبل القبض:
(أحدهما) : قوله الجديد: (يرجع إلى نصف مهر المثل) .
و (الثاني) : قوله القديم: (يرجع إلى بدل نصف الصداق) .
стр. 4754
وإن كان الصداق زائدًا.. نظرت: فإن كانت زيادة متميزة، كالولد، واللبن، والثمرة.. كان لها نصف أصل الصداق وجميع الزيادة.
وحكى المسعودي (في " الإبانة ") : أن أبا حنيفة ﵀ قال: (للزوج نصف الزيادة المنفصلة الحادثة في يده) .
دليلنا: أنها زيادة حدثت في ملكها، فلم يكن للزوج فيها حق، كما لو حدثت في يدها.
وإن كانت الزيادة غير متميزة، كالسِّمَن، وتعليم الصنعة.. فالمرأة بالخيار: بين أن تأخذ نصف الصداق وتدفع إلى الزوج نصفه مع زيادته فيجبر الزوج على قبوله، وبين أن تأخذ جميع الصداق وتدفع إلى الزوج نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض.
وإن كان الصداق زائدًا من وجه ناقصا من وجه، بأن كانت جارية تعلمت صنعة ونسيت أخرى.. فهي بالخيار: بين أن تأخذ نصفه وتسلم إلى الزوج نصفه فيجبر الزوج على ذلك؛ لأن النقص في يده مضمون عليه، وبين أن تفسخ الصداق لأجل النقص. فإذا فسخت.. رجعت عليه في قوله الجديد إلى نصف مهر مثلها، وفي قوله القديم إلى نصف بدل الصداق.
[فرع وقت تملك الزوج نصف الصداق إذا طلق قبل الدخول]
) : كل موضع قلنا: يرجع الزوج إلى نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول.. فمتى يملك الزوج ذلك النصف؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : قال أبو إسحاق: لا يملكه إلا بالطلاق واختيار التملك - وهو قول أبي حنيفة - لأن الملك من غير اختيار لا يقع إلا بالإرث، وهذا ليس بإرث.
والثاني - وبه قال زفر، وهو المنصوص ـ: أنه يملكه بنفس الطلاق وإن لم يختر
стр. 4755
التملك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البقرة: ٢٣٧] ، ولم يفرق بين أن يختار التملك أو لا يختار.
وما ذكره الأول: أن الإنسان لا يملك شيئاَ غير الميراث إلا باختيار التملك.. غير مسلم؛ فإن الإنسان لو أخذ صيدًا لينظر إليه لا ليتملكه.. لملكه بالأخذ من غير اختيار التملك.
فإن زاد الصداق بعد الطلاق وقبل اختيار التملك، فإن قلنا بقول أبي إسحاق.. كانت الزيادة للزوجة وحدها. وإن قلنا بالمنصوص.. كانت الزيادة بينهما.
وإن نقص الصداق في يدها بعد الطلاق وقبل الاختيار، فإن قلنا بقول أبي إسحاق.. لم يلزمها ضمان النقص. وإن قلنا بالمنصوص.. لزمها ضمان النقص.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي ﵀ قال: (وهذا كله ما لم يقض القاضي بنصفه، فتكون هي حينئذ ضامنة لما أصابه في يدها) .
وقال الصيمري: هل يشترط قضاء القاضي في تملك الزوج نصف الصداق؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : ظاهر كلام الشافعي: أن ذلك شرط.
والثاني - وهو الأصح ـ: أن ذلك ليس بشرط.
وسائر أصحابنا قالوا: لا خلاف أن قضاء القاضي ليس بشرط؛ لأن الرجوع بنصف الصداق ثبت له بنص الكتاب والإجماع، فلم يشترط قضاء القاضي فيه.
فعلى هذا: اختلف أصحابنا في تأويل كلام الشافعي ﵀:
فمنهم من قال: أراد بقضاء القاضي: إذا اختلفا في وقت ملك الزوج، بأن قال الزوج: ملكته من شهرين ثم نقص بعد ما ملكته، فعليك ضمان النقص. وقالت: بل ملكته من شهر ونقص قبل أن تملكه، فلا يلزمني ضمان النقص.. فإنهما يترافعان إلى القاضي، فإذا قضى له القاضي بملكه من وقت.. كانت ضامنة لما حدث بعده من النقص.
وقال أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: عطف الشافعي ﵀ بهذا الكلام عليه إذا
стр. 4756
طلقها قبل الدخول وقد نقص الصداق في يدها من جميع الوجوه.. فإن الزوج بالخيار: بين أن يرجع في نصفه ناقصًا ولا أرش له، وبين أن يرجع بقيمة نصفه. ومتى يملك نصفه؟
على قول أبي إسحاق: يملكه بالطلاق واختيار التملك.
وعلى المنصوص: يملكه بالطلاق، ولا يفتقر إلى قضاء القاضي، وإنما عبر الشافعي عن وقت الملك بقضاء القاضي؛ لأنه أوضح ما يعلم به عود نصف الصداق، فمتى علم وقت عوده إليه ثم نقص بعد ذلك.. وجب عليها ضمان النقص؛ لأنها قبضت الصداق بعقد المعاوضة وقد انفسخت المعاوضة، فكان عليها ضمان ما نقص في يدها، كما لو اشترى سلعة فوجد بها عيبًا ففسخ البيع ثم نقصت في يده.. فإنه يجب عليه ضمان النقص.
وقد نص الشافعي في " الأم " (٥/٥٤) على: (أنه إذا طلقها قبل الدخول، والصداق في يدها فمنعته إياه.. كان عليها ضمان ما يحدث فيه من النقص) .
فمن أصحابنا من قال بظاهر هذا: وأنها إذا لم تمنعه.. لم يلزمها ضمان النقص، بل هو أمانة في يدها؛ لأنه حصل في يدها من غير تفريط.
ومنهم من قال: يجب عليها ضمان ما نقص في يدها، سواء منعته أم لم تمنعه، وهو الأصح، كما قلنا فيمن اشترى عينًا فوجد بها عيبًا ففسخ البيع، ثم نقصت في يده.. فإن عليه ضمان النقص بكل حال. وتأولوا كلام الشافعي ﵀ في " الأم " على أنه أراد: ضمان الغصب؛ لأن ضمان الغصب يطرأ على ما هو مضمون بالقيمة، كالعارية إذا منعها صاحبها. وقال أبو العباس: بل عطف الشافعي ﵀ بهذا إذا زاد الصداق في يد الزوجة من جميع الوجوه.. فقد قلنا: إن الزيادة كلها لها، فقال الشافعي ﵀: (ما لم يقض القاضي بنصفه) يعني: ما لم يقض له قاض مالكي بنصفه مع زيادته؛ لأن
стр. 4757
مالكًا يقول: (نصف الصداق باق على ملك الزوج إلى أن يدخل بها) . فإذا قضى له قاض مالكيٌ بنصفه مع زيادته.. كان بينهما، ولا ينقض حكمه؛ لأنه موضع اجتهاد.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا تأويل حسن، إلا أن الشافعي قال بعده: (فتكون حينئذ ضامنة لما أصابه في يدها) ، ولا يمكن حمل هذا على مذهب مالك ﵀؛ لأنه يقول: (هو أمانة في يدها، لا يلزمها ضمان النصف ولا زيادته) .
[مسألة أصدقها نخلًا، ثم طلقها قبل الدخول]
) : وإن أصدقها نخلا لا ثمرة عليها، فأثمرت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول.. ففيها ست مسائل:
الأولى: إذا أراد الزوج أن يرجع في نصف النخل بنصف ثمرتها فامتنعت الزوجة من ذلك.. فإنها لا تجبر على ذلك؛ لأن الثمرة إن كانت غير مؤبرة.. فهي زيادة متصلة بالنخل، وإن كانت مؤبرة.. فهي كالزيادة المنفصلة، وقد بينا أن الجميع لها.
الثانية: إذا بذلت له المرأة نصف النخل مع نصف الثمرة.. فهل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر على قبوله؛ لأن هذه الزيادة ملك لها، فلا يجبر على قبولها، كما لو وهبت له شيئًا.. فإنه لا يجبر على قبوله.
والثاني - وهو المذهب ـ: أنه يجبر على قبوله؛ لأنها زيادة متصلة بالصداق، فأجبر الزوج على قبولها، كالجارية إذا سمنت.
قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": والوجهان إنما هما في الثمرة المؤبرة، فأما غير المؤبرة: فيجبر الزوج على قبولها وجهًا واحدًا.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أن الوجهين في غير المؤبرة، ولم يذكر المؤبرة ٠ فإذا قلنا: يجبر على القبول.. فإنه يجبر إلا أن يطول النخل طولا يكون عيبا فيها
стр. 4758
من الكبر، ويصير قحامًا - وهو: النخل الذي قل سعفه ودق أصله - فلا يجبر الزوج على قبولها؛ لما فيها من النقص بذلك.
الثالثة: إذا قال الزوج لها: اقطعي الثمرة لأرجع في نصف النخل بلا ثمرة.. فلا تجبر المرأة على ذلك؛ لأن في قطع الثمرة قبل أوان قطعها إضرارًا بها، وقد قال ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» ، وهذه ليست بظالمة.
الرابعة: أن تقول المرأة للزوج: اصبر عن الرجوع حتى تدرك الثمرة فتجذ، ثم ترجع في نصف النخل.. فلا يجبر الزوج على ذلك؛ لأن حقه متعجل فلا يجبر على التأخير، ولأنه لا يؤمن أن يتلف النخل فلا يمكنه الرجوع فيها. فإن صبر باختياره إلى أن جذت الثمرة أو قطعت المرأة الثمرة قبل أوان جذاذها.. لم يكن للزوج إلا نصف النخل، إلا أن يحدث بها نقص.. فلا يجبر على نصفها.
الخامسة: أن يقول الزوج: أنا أصبر إلى أن تدرك الثمرة فتجذ، ثم أرجع في نصف النخل.. فإن المرأة لا تجبر على ذلك؛ لأن النخل بعد أن يرجع إليه نصفها يكون من ضمانها، فيلزمها الضرر بدخولها في ضمانها، ولأن النخل يزيد فإذا رجع في نصفها بعد ذلك.. رجع في نصفها وفي نصف زيادتها المتصلة الحادثة في يدها، ولأن حقه قد تعلق بالقيمة، فلا ينتقل عنها إلى النخل إلا برضا المرأة.
السادسة: إذا قال الزوج: أنا أرجع في نصف النخل في الحال مشاعًا، وأترك الثمرة لها إلى أن تجذها.. ففيه وجهان:
(أحدهما) : قال أبو إسحاق: له ذلك، وتجبر المرأة على ذلك؛ لأنه لا ضرر على المرأة بذلك.
و (الثاني) : من أصحابنا من قال: لا تجبر المرأة على ذلك؛ لأن حقه قد صار في القيمة، فلا تجبر على تسليم نصف النخل.
стр. 4759
[فرع أصدقها أرضًا فحرثتها ثم طلقها قبل الدخول]
وإن أصدقها أرضًا فحرثتها ثم طلقها قبل الدخول، فإن بذلت له نصفها.. أجبر على قبولها؛ لأن الحرث زيادة من غير نقصان. وإن امتنعت من بذل نصفها.. لم تجبر على ذلك، وكان له نصف قيمتها؛ لأنها قد زادت في يدها.
فإن زرعتها أو غرستها وطلقها قبل الدخول والزرع والغرس فيها، فإن بذلت له نصف الأرض ونصف الزرع ونصف الغرس، وكانت قيمة الأرض قبل الزرع والغرس كقيمتها بعد الزرع والغرس.. قال الشيخ أبو حامد: أجبر على قبول ذلك على المذهب، كما قلنا فيه إذا بذلت له نصف النخل ونصف الثمرة.
وقال ابن الصباغ: لا يجبر الزوج على قبول ذلك؛ لأن الثمرة لا ينقص بها النخل، والزرع تنقص به الأرض وتضعف، ولأن الثمرة متولدة من النخل، فهي تابعة لها، والزرع والغرس ملك لها أودعته في الأرض، فلا يجبر على قبوله.
وإن نقصت قيمة الأرض بالزرع والغراس ٠٠لم يجبر الزوج على قبول نصفها. فإن طلقها وقد استحصد الزرع ولم تحصده بعد، فقالت: أنا أحصده وأسلم نصف الأرض فارغة.. أجبر على قبول ذلك إلا أن يحدث بالأرض نقص.
وإن حصدت الزرع ثم طلقها، أو طلقها ثم حصدت الزرع.. كان له الرجوع في نصف الأرض إلا أن تكون قد نقصت بالزرع.. فلا يجبر على قبولها؛ لأن المانع من الرجوع.. الزرع، وقد زال.
[مسألة أصدقها جارية حائلًا فحملت ثم طلقها قبل الدخول]
) : وإن أصدقها جارية حائلًا فحملت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول وهي حامل.. فإن الحمل زيادة فيها من وجه ونقصان من وجه؛ لأنه يخاف عليها منه.
فإن تراضيا على أن يأخذ نصفها حاملًا.. جاز. وإن طلب الزوج أن يرجع بنصفها، وامتنعت الزوجة.. لم تجبر الزوجة؛ لزيادة الحمل.
стр. 4760
وإن بذلت المرأة له نصفها وامتنع الزوج.. لم يجبر؛ لما يخاف عليها منه.
وإن أصدقها شاة حائلًا فحملت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المذهب ـ: أن حكمها حكم الجارية؛ لأنه يخاف عليها منه، كما يخاف على الجارية.
والثاني: أنه زيادة من كل وجه.
فإن بذلت له المرأة نصفها.. أجبر الزوج على قبوله؛ لأنه لا يخاف عليها منه بحال. والأول أصح.
[مسألة أصدقها شاة حائلًا فولدت في يده وطلقها قبل الدخول]
إذا أصدقها شاة حائلًا فولدت في يده.. فإن الولد ملك لها؛ لأنه متولد من ملكها.
فإن طلقها قبل الدخول، فإن كانا باقيين في يده لم ينقصا.. فإن الزوج يرجع بنصف الأم، وتأخذ الزوجة نصف الأم وجميع الولد.
وإن كانت الأم سالمة، وقد تلف الولد في يد الزوج.. رجع الزوج في نصف الأم، وهل يلزمه ضان الولد؟ ينظر فيه:
فإن طالبته بتسليمه فمنعها.. لزمه ضمانه؛ لأنه صار بالمنع لها كالغصب.
وإن لم تطالبه بتسليمه فهل يلزمه ضمانه؟ فيه قولان، نص عليهما في القديم - ومن أصحابنا من يحكيهما وجهين ـ:
أحدهما: (يلزمه ضمانه) ؛ لأنه متولد من عين مضمونة، فهو كولد المغصوبة ٠ والثاني (لا يلزمه ضمانه) لأنه حصل في يده بغير تعد، لا على وجه المعاوضة، فكان أمانة، كما لو ألقت الريح إلى بيته ثوبا ٠ وإن كان الولد باقيًا في يده إلا أنه قد نقص، فإن كانت قد طالبته بتسليمه فمنعها منه.. لزمه أرش النقص. وإن لم تطالبه بتسليمه.. فهل يلزمه أرش النقص؟ على هذين الوجهين ٠
стр. 4761
وإن كانت الأم باقية في يده إلا أنها قد نقصت، فإن كانت قد طالبته بتسليمها فامتنع.. كانت بالخيار: بين أن تطالبه بنصفها ونصف أرش نقصها قولًا واحدًا، وبين أن تفسخ الصداق للنقص. فإذا فسخت.. كان كما لو تلفت، ولو تلفت قبل القبض.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف قيمتها في قوله القديم. وإن لم تطالبه بتسليمها أو عرضها عليها فأقرتها في يده.. ففيه قولان نص عليهما في " لأم ":
أحدهما: (لا يجب عليه أرش النقص) ؛ لأنه غير متعد في إمساكها.
فعلى هذا: تكون المرأة بالخيار: بين أن تأخذ نصف الأم ناقصة ولا شيء لها غير ذلك، وبين أن تفسخ الصداق للنقص. فإذا فسخت.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف بدل العين في قوله القديم. والقول الثاني: (أنها تأخذ نصف العين ناقصة، ونصف أرش النقص) ؛ لأنه ضامن للعين بعقد المعاوضة، فضمن أرش نقصها في يده.
قال ابن الصباغ: وعندي أن هذا لا يستقيم إلا على القول القديم الذي يقول: (إذا تلف الصداق قبل القبض.. كان مضمونًا عليه بالقيمة) . وأما إذا قلنا بالجديد و: (أنه مضمون ضمان العقد) .. فلا فرق بين أن تطالب به أو لا تطالب به، ألا ترى أن البائع إذا نقص المبيع في يده.. فليس للمشتري مطالبته بالأرش، سواء كان قد طالب بتسليمه أو لم يطالب؟.
وكل موضع قلنا: تأخذ نصف الأم ونصف الأرش، أو قلنا: تفسخ ففسخت وقلنا: تأخذ نصف قيمتها.. فإن الولد لها؛ لأنه نماء ملكها.
стр. 4762
وكل موضع قلنا: لها فسخ الصداق والرجوع بنصف مهرها، ففسخت.. ففي الولد وجهان:
أحدهما: أن الولد لها؛ لأنه انفصل في ملكها، فهو كما لو اشترى بهيمة حائلًا فولدت في يده، ثم وجد بها عيبًا فردها.
والثاني - وهو المنصوص ـ: (أنه لا شيء لها في الولد) ؛ لأنها إذا فسخت الصداق.. ارتفع من أصله، فكأن الولد حدث في غير ملكها.
وإن كانت الأم تالفة والولد باقيًا، وقد تلفت الأم قبل القبض.. فترجع عليه - على قوله الجديد - بنصف مهر مثلها، وعلى قوله القديم بصف قيمتها.
وأما الولد: فإن قلنا بقوله القديم و: (أنها ترجع بنصف قيمتها) .. كان الولد لها؛ لأن الأم هلكت على ملكها، والولد نماء ملكها. وإن قلنا بقوله الجديد و: (أنها ترجع إلى نصف مهر مثلها) .. ففي الولد وجهان:
(أحدهما) : من أصحابنا من قال: يكون الولد لها؛ لأنه حدث في ملكها، فكانت أحق به، كما لو اشترت بهيمة حاملًا فولدت في يد البائع ثم ماتت قبل القبض.
والثاني - وهو المنصوص ـ: (أنه لا شيء لها في الولد) ؛ لأن العقد ارتفع من أصله، فكأن الولد حدث في ملك الزوج.
وإن كانت الأم والولد تالفين، فأما الأم: فإنها ترجع عليه بنصف قيمتها في قوله القديم، وبنصف مهر مثلها في قوله الجديد. وأما الولد: فإن قلنا بقوله القديم.. فإنه يكون لها، فإن طالبته به فمنعها.. فعليه ضمانه، وإن لم يمنعها منه.. فهل يجب عليه ضمانه؟ على القولين أو الوجهين في التي قبلها. وإن قلنا بقوله الجديد: و: (أنها ترجع إلى نصف مهر مثلها) ، فإن قلنا بالمنصوص، وهو: أنه لا حق لها في الولد.. فلا كلام، وإن قلنا بقول بعض
стр. 4763
أصحابنا: إن الولد لها، فإن طالبته به فمنعها.. فعليه ضمانه، وإن لم يمنعها منه.. فهل يضمنه؟ فعلى القولين أو الوجهين.
[مسألة أصدقها جارية حائلًا فحملت في يده وطلقها قبل الدخول]
) : وإن أصدقها جارية حائلًا فحملت في يد الزوج من زوج أو زنا، ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن تضع الجارية.. فهذا الحمل زيادة من وجه ونقصان من وجه، فتخير المرأة بين ثلاثة أشياء: بين أن ترضى بالنقص وتعطي الزوج نصفها ونصف حملها ويكون لها نصفهما، وبين أن تأخذ الكل لأجل الزيادة ويكون للزوج نصف قيمتها أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، وبين أن تفسخ الصداق لأجل النقص، فإذا فسخت.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف قيمتها أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين الطلاق.
فأما إذا ولدت الجارية في يد الزوج ثم طلقها.. فالحكم فيها حكم البهيمة إذا ولدت في يده - وقد بيناه في التي قبلها - إلا في شيء واحد، وهو: أن الزوج هاهنا لا يرجع في نصف الأم إذا كان الولد صغيرًا؛ لأنه يكون تفرقة بينها وبين الولد، فيرجع الزوج في نصف قيمة الأم؛ لأن التفرقة إذا لم تجز بين الولد وبين جميعها.. فكذلك بين الولد وبين نصفها؛ لأنه يؤدي إلى التفرقة بينه وبينها في بعض الزمان.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن البويطي قال: وفيه قول آخر: أنهما يباعان فيكون لها ثمن الولد ونصف ثمن الأم، وللزوج نصف ثمن الأم. والأول هو المشهور.
فرع: (أصدقها جارية حاملًا فولدت في يده وطلقها قبل الدخول) :
وإن أصدقها جارية حاملًا من زوج أو زنا فولدت في يده، ثم طلقها قبل الدخول، فإن لم تنقص بالولادة عما كانت عليه.. كانت الأم بينهما. وإن نقصت، فإن كانت قد
стр. 4764
طالبته بها قبل الولادة فمنعها من أخذها.. كان عليه أرش النقص، وإن لم يمنعها.. ففيه قولان:
أحدهما: أنها بالخيار: بين أن تأخذ نصفها ناقصة ولا شيء لها، وبين أن تفسخ الصداق وترجع إلى نصف قيمتها في القديم، وبنصف مهر مثلها في الجديد. والقول الثاني: أنها تأخذ نصفها ونصف أرش النقص.
فإن قيل: أليس الرجل إذا باع سلعة فنقصت في يد البائع قبل القبض.. لم يكن للمشتري أرش النقص، بل له الخيار: بين أن يفسخ البيع، أو يجيزه ولا شيء له؟
قلنا: الفرق بينهما: أن في البيع إذا فسخ.. رجع المشتري إلى الثمن، فلا معنى لأن يعطى الأرش، وهاهنا إذا فسخ الصداق.. لا ينفسخ النكاح، فكان لها أخذ الأرش.
وأما الولد: فإن قلنا: إن الحمل لا حكم له.. قال الشيخ أبو حامد: كان الولد للمرأة ولا حق للزوج فيه؛ لأنه حدث في ملكها.
قلت: وينبغي على هذا أن لا يثبت للزوج الرجوع في نصف الأم، وإنما يرجع في القيمة؛ لئلا يؤدي ذلك إلى التفرقة بينهما، كما قلنا فيه إذا أصدقها جارية حاملًا فولدت في يد الزوج ثم طلقها قبل الدخول.
وإن قلنا: للحمل حكم.. فقد تناول العقد الجارية وولدها، إلا أن الولد قد زاد بالولادة، فإن رضيت الزوجة بأن يرجع الزوج في نصف الأم ونصف الولد.. أجبر الزوج على ذلك، وإن لم ترض بذلك.. لم يكن له أن يرجع في نصف الأم؛ لأنه تفرقه بينها وبين ولدها الصغير، ويكون له نصف قيمة الأم. وهل يلزمها نصف قيمة الولد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمها نصف قيمة الولد؛ لأن حال العقد لا يمكن تقويمه، وحال
стр. 4765
الانفصال قد زاد في ملكها فلا يجوز تقويمه عليها.
والثاني: يلزمها نصف قيمته يوم الوضع؛ لأن العقد تناوله ولا يمكن تقويمه حال العقد، فقوم حال الانفصال؛ لأنه أول حالة إمكانه، كما قلنا في ولد المغرور.
[فرع أصدقها خشبًا أو فضة أو ذهبًا فصنعته ثم طلقها قبل الدخول]
) : وإن أصدقها خشبًا، فشقتها أبوابًا، فزادت قيمتها بذلك، ثم طلقها قبل الدخول.. لم تجبر المرأة على تسليم نصفها؛ لزيادة قيمتها. وإن بذلت له نصفها بزيادته ٠٠لم يجبر الزوج على قبوله؛ لأنها كانت تصلح وهي خشب لما لا تصلح له الآن٠ وإن أصدقها فضة أو ذهبا، فصاغتها آنية، فزادت قيمتها بذلك، ثم طلقها قبل الدخول.. لم تجبر المرأة على تسليم نصفها؛ لزيادتها. وإن بذلت النصف بزيادته.. أجبر الزوج على القبول؛ لأنه يصلح وهو مصوغ لجميع ما كان يصلح له قبل ذلك.
هكذا ذكر الطبري في " العدة ".
وعندي: أنا إذا قلنا: لا يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة.. أن المرأة تجبر على تسليم نصفها وإن كانت قيمتها زائدة؛ لأن صنعتها لا قيمة لها.
[فرع أصدقها حليًا أو قدحًا زجاجًا فكسرته ثم أعادته ثم طلقها قبل الدخول]
) : وإن أصدقها حليًا فكسرته، ثم أعادت صياغته كالأولى، ثم طلقها قبل الدخول.. فقد قال ابن الحداد: لا تجبر المرأة على تسليم نصف، بل يرجع الزوج إلى نصف قيمته؛ لأن هذه زيادة حدثت في ملكها لم تدخل في عقد الصداق، فلم يجب عليها تسليم نصفها، كما لو أصدقها ذهبًا غير مصوغ فصاغته.
ومن أصحابنا من خالفه وقال: تجبر المرأة على تسليم نصفه؛ لأن الرجوع بنصف القيمة للإضرار بها، فالإضرار به إذا كان ناقصًا، والإضرار بها إذا كان زائدًا، وهذه الزيادة هي مثل ما أخذته عليه، فلم يكن عليها ضرر.
следующие страницы →