Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
فإن لم ينصرف؟ فإن قصد إلى استماع المنكر.. أثم بذلك. وإن لم يقصد إلى استماعه، بل سمعه من غير قصد.. لم يأثم بذلك؛ لما روى نافع ﵁ قال: (كنت أسير مع ابن عمر ﵄ وأرضاهما -، فسمع زمارة راع، فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: أتسمع يا نافع؟ حتى قلت: لا، فأخرج إصبعيه من أذنيه، ثم رجع إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع) .
فموضع الدليل: أن ابن عمر ﵄ وأرضاهما - لم ينكر على نافع سماعه. ولأن رجلًا لو كان له جار وفي داره منكر ولا يقدر على إزالته.. فإنه لا يلزمه التحول من داره لأجل المنكر.
وإن دعي إلى موضع فيه تصاوير، فإن كانت صور ما لا روح فيه، كالشمس والقمر والأشجار.. جلس، سواء كانت معلقة أو مبسوطة؛ لأن ذلك يجري مجرى النقوش.
وإن كانت صور حيوان، فإن كان على بساط أو مخاد توطأ أو يتكأ عليها.. فلا بأس أن يحضر؛ لما روي: أن النبي ﷺ «رأى سترًا معلقًا في بيت عائشة ﵂ عليه صور حيوان، فقال النبي ﷺ : اقطعيه مخاد» ولأنه يبتذل ويهان. وإن كان على ستور معلقة.. فقد قال عامة أصحابنا: لا يجوز له الدخول إليها؛ لما روى «علي ﵁ قال: اتخذت طعامًا فدعوت النبي ﷺ ، فلما أتى الباب.. رجع ولم يدخل، وقال: لا أدخل بيتًا فيه صور؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صور» وقيل: إن أصل
стр. 4832
عبادة الأوثان كانت الصور؛ وذلك لأن آدم - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لما مات.. جعل في تابوت، فكان بنوه يعظمونه، ثم افترقوا، فحصل قوم منهم على ذروة جبل، وقوم منهم في أسفله، وحصل التابوت مع أهل ذروة الجبل، فلم يقدر من في أسفله على الصعود إليهم، فاشتد عليهم ذلك، فصوروا مثاله من حجارة وعظموه، فلما طال الزمان ونشأ من بعدهم.. رأوا آباءهم يعظمون تلك الصور، فظنوا أنهم كانوا يعبدونها من دون الله فعبدوها. فإذا كان هذا هو السبب.. وجب أن يكون محرمًا.
وقال ابن الصباغ: هذا عندي لا يكون أكثر من المنكر، مثل الخمر والميسر والملاهي، وقد جوزوا له الدخول إلى المواضع التي هي فيه، سواء قدر على إزالتها أو لم يقدر، وما روي عن النبي ﷺ .. فلا يدل على التحريم، بل يدل على الكراهية، وما روي عن الملائكة.. يحتمل أن يكون في ذلك الزمان؛ لأن الأصنام كانت تعظم فيه التماثيل، فأما الزمان الذي لا يعتقد فيه تعظيم شيء من ذلك.. فلا يجري مجراه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (فإن كانت المنازل مسترة.. فلا بأس أن يدخلها، وليس فيه شيء أكرهه سوى السرف) ؛ لما روي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: (لا تستر الجدر) ، ولأن في ذلك سرفًا، فكره لمن فعله دون من يدخل إليه.
[مسألة الحاضر للوليمة وهو صائم أو مفطر]
) : وإذا حضر المدعو إلى طعام.. فلا يخلو: إما أن يكون صائمًا، أو مفطرًا.
فإن كان صائمًا.. نظرت: فإن كان الصوم فرضًا.. فإنه يجب عليه الإجابة، ولا يجب عليه الأكل؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: «من دعي إلى وليمة.. فليأتها،
стр. 4833
فإن كان مفطرًا.. فليأكل، وإن كان صائمًا.. فليدع "، وروي: " فليصل " - و (الصلاة) : الدعاء - و: " ليَقُل: إني صائم»
ولما روي: (أن ابن عمر دعي وهو صائم، فلما حضر الطعام.. مد يده، فلما مد الناس أيديهم.. قال: باسم الله كلوا؛ إني صائم) . وإن كان صوم تطوع.. استحب له أن يفطر؛ لأنه مخير بين الأكل والإتمام، وفي الإفطار إدخال المسرة على صاحب الوليمة. فإن لم يفطر.. جاز؛ لقوله ﷺ : «وإن كان صائمًا.. فليدع» ، ولم يفرق.
وإن كان المدعو مفطرًا.. فهل يلزمه أن يأكل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه أن يأكل؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام.. فليجب، فإن كان مفطرًا.. فليأكل، وإن كان صائمًا.. فليصل» ولأن الإجابة واجبة، والمقصود منها الأكل، فكان واجبًا.
стр. 4834
والثاني: لا يجب عليه الأكل؛ لما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام.. فليجب، فإن شاء.. فليأكل، وإن شاء.. ترك» ولأنه لو كان واجبًا.. لوجب عليه ترك صوم التطوع؛ لأنه ليس بواجب. ولأن التكثير والتبرك يحصل بحضوره، وقد حضر.
[فرع آداب الطعام]
) : في آداب الطعام روي عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده» يريد بذلك: غسل اليد.
وروت عائشة ﵁: النبي ﷺ قال: «إذا حضر الأكل إلى أحدكم..فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله.. فليقل إذا ذكر: باْسم الله في أوله وآخره» .
وروى أبو جحيفة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم.. فلا يأكل من أعلى القصعة، إنما يأكل من أسفلها؛ فإن البركة تنزل في أعلاها»
стр. 4835
وروى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»
وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ «- ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه.. أكله، وإن كرهه.. تركه»
وروى أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة.. فيحمد الله عليها» ويستحب أن يدعو لصاحب الطعام؛ لما روى ابن الزبير ﵄: «أن النبي ﷺ أفطر عند سعد بن معاذ ﵁، فقال: أفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة، وأكل طعامكم الأبرار»
стр. 4836
[مسألة نثر الحلوى والنقود]
) : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في نثر السكر واللوز والجوز: (لو ترك.. كان أحب إلي؛ لأنه يؤخذ بخلسة ونهبة، ولا يتبين لي: أنه حرام) .
وجملة ذلك: أن نثر السكر واللوز والجوز والزبيب والدراهم والدنانير وغير ذلك لا يستحب، بل يكره. وروي: (أن أبا مسعود الأنصاري ﵁ كان إذا نثر للصبيان.. يمنع صبيانه عن التقاطه، واشترى لهم) . وبه قال عطاء وعكرمة وابن سيرين وابن أبي ليلى ومالك.
وقال أبو حنيفة، والحسن البصري، وأبو عبيد، وابن المنذر: (لا يكره) .
وقال القاضي أبو القاسم الصيمري: يكره التقاطه، وأما النثر نفسه: فمستحب، وقد جرت العادة للسلف به. وروي (أن النبي ﷺ «- لما زوج عليا ﵁ وأرضاه فاطمة ﵂ وأرضاها - نثر عليهما» والأول هو المشهور، والدليل عليه: أن النثار يؤخذ نهبة ويزاحم عليه، وربما أخذه من يكرهه صاحبه، وفي ذلك دناءة وسقوط مروءة. وما ذكره الصيمري غير
стр. 4837
صحيح؛ لأنه لا فائدة في نثر إذا كان يكره التقاطه. فإن خالف ونثر، فالتقطه رجل.. فهل للذي نثره أن يسترجعه؟ فيه وجهان، حكاهما الداركي:
أحدهما: له أن يسترجعه؛ لأنه لم يوجد منه لفظ يملك به.
والثاني: ليس له أن يسترجعه، وهو اختيار المسعودي (في " الإبانة ") ؛ لأنه نثر للتملك بحكم العادة.
قال المسعودي (في " الإبانة ") : لو وقع في حجر رجل.. كان أحق به. فلو التقطه آخر من حجره.. أو قام فسقط من حجره، فهل يملكه الملتقط؟ الصحيح: أنه لا يملكه.
قال الشيخ أبو حامد: وحكي أن أعربيًا تزوج امرأة فنثر على رأسه زبيبًا، وأنشد يقول:
ولما رأيت السكر العام قد غلا ... وأيقنت أني لا محالة ناكح
نثرت على رأسي الزبيب لصحبتي ... وقلت كلوا, أكل الحلاوة صالح
قال أبو العباس: ولا يكره للمسافرين أن يخلطوا أزوادهم ويأكلوا، وإن أكل بعضهم أكثر من بعض، بخلاف النثار؛ لأن النثار يؤخذ بقتال وازدحام، بخلاف الزاد.
قال القاضي أبو الطيب: الكتب التي يكتبها الناس بعضهم إلى بعض قال بعض أصحابنا: لا يملكها المحمولة إليهم، ولكن لهم الانتفاع بها بحكم العادة؛ لأن العادة إباحة ذلك.
وبالله التوفيق
стр. 4838
[باب عشرة النساء والقسم]
إذا تزوج الرجل امرأة كبيرة أو صغيرة يجامع مثلها، بأن تكون ابنة ثمان سنين أو تسع، وسلم مهرها وطلب تسليمها.. وجب تسليمها إليه؛ لما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها قالت: «تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع سنين، وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين» .
فإن طلبت المرأة أو ولي الصغيرة من الزوج الإمهال لإصلاح حال المرأة.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يؤخر يومًا ونحوه، ولا يجاوز بها الثلاث) .
وحكى القاضي الشيخ أبو حامد ﵀: أن الشافعي ﵀ قال في " الإملاء ": (إذا دفع مهرها ومثلها يجامع.. فله أن يدخل بها ساعة دفع إليها المهر، أحبوا أو كرهوا) .
واختلف أصحابنا فيها:
فقال الشيخ أبو حامد: يجب على الزوج الإمهال قولًا واحدًا، وما قاله في " الإملاء ".. أراد به بعد الثلاث.
وقال القاضي أبو حامد: هل يجب عليه الإمهال؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه الإمهال؛ لأنه قد سلم العوض، فوجب تسليم المعوض، كالمتبايعين.
والثاني: يجب عليه الإمهال؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا تطرقوا النساء
стр. 4839
ليلًا لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة» ، فإذا منع الرجل أن يطرق امرأته التي قد تقدمت صحبتها وألف بعضهما بعضًا ليلًا لكي تصلح شأنها.. فلأن يكون ذلك في التي لم يصحبها أولى. ولا يجب عليه الإمهال أكثر من ثلاثة أيام؛ لأنها كثيرة.
وإن عرضت الزوجة التي يجامع مثلها على الزوج.. وجب عليه تسلمها.
وإن كانت المنكوحة صغيرة لا يجامع مثلها، أو مريضة مرضًا يرجى زواله وطالب الزوج بها.. لم يجب تسليمها إليه؛ لأن المعقود عليه هو المنفعة، وذلك لا يوجد في حقها؛ وذلك لأنه لا يؤمن أن يحمله فرط الشهوة على جماعها فيوقع بذلك جناية بها. وإن عرضت على الزوج.. لم يجب عليه تسلمها؛ لما ذكرناه إذا طالب بها، ولأنها تحتاج إلى حضانة، والزوج لا يجب عليه حضانة زوجته.
وإن كانت المرأة نضوة من أصل الخلق - بأن خلقت دقيقة العظام قليلة اللحم - وطلب الزوج تسليمها إليه.. وجب تسليمها إليه. فإن كان يمكن جماعها من غير ضرر بها.. كان له ذلك. وإن كان لا يمكن جماعها إلا بالإضرار بها.. لم يجز له جماعها، بل يستمتع بها فيما دون فرجها، ولا يثبت له الخيار في فسخ النكاح. والفرق بينها وبين القرناء والرتقاء: أن تعذر الجماع في الرتقاء والقرناء من جهتها؛
стр. 4840
ولهذا لا يتمكن أحد من جماعها، وهاهنا العذر من جهته وهو كبر خلقه؛ ولهذا: لو كان مثلها.. أمكنه جماعها. وهكذا: إن كانت مريضة مرضًا لا يرجى زواله.. فحكمه حكم نضوة الخلقة.
فإن أقضها.. منع من وطئها حتى يلتئم الجرح. فإن اختلفا، فادعى الزوج: أنه قد التأم الجرح التئامًا لا يخاف تخريقه، وادعت الزوجة: أنه لم يلتئم.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها أعلم بذلك.
[مسألة إجبار الزوجة على الغسل]
) : وللزوج أن يجبر زوجته الذمية والمسلمة على الاغتسال من الحيض والنفاس.
وقال أبو حنيفة: (ليس له إجبار الذمية) .
دليلنا: أن الوطء يقف عليه، فأجبرها عليه، كما يجبرها على الوقوف في بيته.
وهل له أن يجبرها على الاغتسال من الجنابة؟ فيه قولان:
أحدهما: ليس له إجبارها؛ لأنه يجوز وطء الجنب.
والثاني: له أن يجبرها؛ لأن النفس تعاف من وطء الجنب. هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال القفال: إن طالت مدتها، بحيث يقذرها الزوج.. فله أن يجبرها، وإلا.. فلا.
وهذا إنما يأتي في الذمية أو المسلمة الصغيرة، فأما المسلمة الكبيرة: فلا يتأتى فيها طول المدة على الجناية؛ لأنه يجب عليها الغسل للصلاة، وتجبر عليه قولًا واحدًا.
стр. 4841
[فرع إجبار الزوجة على قص الأظفار وحلق الشعور وغير ذلك]
) : وهل له أن يجبرها على قص الأظفار وحلق العانة؟ ينظر فيه:
فإن كان ذلك قد طال وصار قبيحًا في المنظر.. فله أن يجبرها عليه قولًا واحدًا؛ لأن ذلك يمنع من الاستمتاع بها.
وأما إذا صار بحيث يوجد في العادة.. فهل له إجبارها على إزالته، وعلى إزالة الدرن الوسخ من البدن؟ قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان، وحكماهما الشيخ أبو حامد وغيره قولين:
أحدهما: ليس له إجبارها عليه؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع بها.
والثاني: له إجبارها؛ لأنه يمنع كمال الاستمتاع.
وهل له أن يمنعها من أكل ما يتأذى برائحته، كالبصل والثوم والكراث؟
قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين، وتعليلهما ما مضى.
وقال القاضي أبو الطيب: له أن يمنعها منه قولًا واحدًا؛ لأنه يتأذى برائحته، إلا أن تميته طبخًا؛ لأن رائحته تذهب.
[فرع يمنع زوجته من تعاطي ما يسكر أو أكل لحم الخنزير]
وإن كانت ذمية فأرادت أن تشرب الخمر.. فله أن يمنعها من السكر؛ لأنه يمنعه من الاستمتاع، ولا يؤمن أن تجني عليه. وهل له أن يمنعها من القدر الذي لا تسكر منه؟
حكى الشيخ أبو إسحاق فيه وجهين، وسائر أصحابنا حكوهما قولين:
أحدهما: ليس له أن يمنعها منه؛ لأنها مقرة عليه، ولا يمنعه من الاستمتاع.
والثاني: له منعها منه؛ لأنه لا يتميز القدر الذي تسكر منه عن القدر الذي لا تسكر منه مع اختلاف الطباع، فمنعت الجميع، ولأنه يتأذى برائحته، ويمنعه كمال الاستمتاع.
стр. 4842
وإن كانت الزوجة مسلمة.. فله منعها من شرب الخمر؛ لأنه محرم عليها. فإن أرادت أن تشرب ما يسكر من النبيذ.. فله منعها منه؛ لأنه محرم بالإجماع. وإن أرادت أن تشرب منه ما لا يسكر، فإن كانا شافعيَّيْن.. فله منعها منه؛ لأنهما يعتقدان تحريمه. وإن كانا حنفيَّيْن أو هي حنفية.. فهل له منعها منه؟ فيه قولان، كما قلنا في الذمية إذا أرادت أن تشرب القليل من الخمر.
وهل له أن يمنع الذمية من أكل لحم الخنزير؟
قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، كشرب القليل من الخمر. وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين، وتعليلهما ما مضى.
قال ابن الصباغ: وظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إن كان يتقذره وتعافه نفسه.. فله منعها منه. وإن لم تعفه نفسه.. لم يكن له منعها منه.
إذا ثبت هذا: فإن شربت الخمر، أو أكلت لحم الخنزير، أو شربت الحنفية النبيذ.. فله أن يجبرها على غسل فيها؛ لأنه نجس وإذا قبلها.. نجس فمه.
[فرع لا يمنعها لبس الحرير ونحوه ويمنعها من جلد الميتة ونحوه]
) : وليس له أن يمنع زوجته من لبس الحرير والديباج ولا الحلي؛ لأن ذلك مباح لها. وله أن يمنعها من لبس جلد الميتة الذي لم يدبغ؛ لأنه نجس، وربما نجسه إذا التصق به. وله أن يمنعها من لبس الثوب المنتن؛ لأنه يمنع القرب إليها والاستمتاع بها.
[مسألة للزوج منع المرأة من الخروج إلى المسجد وغيره]
وللزوج أن يمنع زوجته من الخروج إلى المسجد وغيره؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تخرج من بيت زوجها وهو كاره.
»
стр. 4843
وروى ابن عمر ﵄ وأرضاهما -: «أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: ما حق الزوج على زوجته؟ فقال: (أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت.. لعنها الله وملائكة الرحمة وملائكة الغضب حتى تؤوب أو ترجع) ، قالت: يا رسول الله وإن كان لها ظالمًا؟ قال: وإن كان لها ظالمًا» .
وقال رسول الله ﷺ : «مثل الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة؛ لا نور لها» وروي: أن النبي ﷺ قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت.. استشرفها الشيطان» ولأنها تفوت بالخروج من يملك عليها من الاستمتاع.
فإن قيل: فقد روي: أن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»
وروي: «لا تمنعوا نساءكم المساجد» ؟! قيل: له ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه أراد به الاستحباب في غير ذوات الهيئات.
والثاني: أنه أراد به الاستحباب في الجمع والأعياد.
والثالث: أنه أراد به المسجد الحرام إذا أرادت الحج. وهذا التأويل ضعيف؛ لأنه قال: (مساجد الله) ، وذلك جمع.
ٍ
[مسألة للزوج منعها من شهود الجنائز وعيادة المرضى]
] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وله منعها من شهود جنازة أبيها وأمها وولدها) .
وجملة ذلك: أن للزوج أن يمنع زوجته من عيادة أبيها وأمها إذا مرضا، ومن
стр. 4844
حضور موتهما وتشييعهما إذا ماتا؛ لما روى ثابت البناني عن أنس ﵄ «-: أن رجلًا سافر فنهى امرأته من الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت النبي ﷺ في عيادته، فقال لها: (يا هذه اتقي الله ولا تخالفي زوجك) - قال- فمات أبوها، فاستأذنت النبي ﷺ في تشييع جنازته، فقال النبي ﷺ : " يا هذه اتقي الله ولا تخالفي زوجك "، فأوحى الله إلى النبي ﷺ أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها» .
ولأن عيادة أبيها وأمها وحضور مواراتهما ليس بواجب عليها، فلا تترك له واجبًا عليها.
ويستحب للزوج أن لا يمنعها من ذلك؛ لأن ذلك ربما أدى إلى العداوة بينهما.
[مسألة معاشرة الأزواج بالمعروف]
ويجب على كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الأحزاب:٥٠] ، ولقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] [النساء:٣٤] يعني: بالإنفاق عليهن وكسوتهن، ولقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البقرة:٢٢٨] والمماثلة هاهنا بالتأدية لا في نفس الحق؛ لأن حق الزوجات النفقة والكسوة وما أشبه ذلك، وحق الأزواج على الزوجات التمكين من الاستمتاع، وقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] [النساء:١٩] .
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وجماع المعروف بين الزوجين: كف المكروه، وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته، فأيهما مطل بتأخيره.. فمطل الغني ظلم بتأخيره) .
قال أصحابنا: و (كف المكروه) هاهنا هو: أن لا يؤذي أحدهما الآخر بقول ولا فعل، ولا يأكل أحدهما، ولا يشرب ولا يلبس ما يؤذي الآخر.
وقوله: (وإعفاء صاحب الحق من المؤونة في طلبه) : إذا وجب لها على الزوج نفقة أو كسوة.. بذله لها، ولا يحوجها إلى أن ترفعه إلى الحاكم، فيلزمها في ذلك
стр. 4845
مؤونة؛ لقوله ﷺ : «مطل الغني ظلم» وكذلك: إذا دعاها إلى الاستمتاع.. لم تمتنع، ولم تحوجه إلى أن يرفع ذلك إلى الحاكم، فيلزمه في ذلك مؤنة؛ لما روى أبو هريرة ﵁، وأرضاه: أن النبي ﷺ قال: «إذا دعا أحدكم امرأته إلى فراشه فأبت عليه، فبات وهو عليها ساخط.. لعنتها الملائكة حتى تصبح» .
وقوله: (لا بإظهار الكراهية في تأديته) : إذا طلبت الزوجة حقها منه أو طلب الزوج حقه منها.. بذل كل واحد منهما ما وجب عليه لصاحبه وهو باش الوجه ضاحك السن؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي - صلى الله عيه وسلم - قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم»
وقال ﷺ : «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد.. لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها» .
стр. 4846
[فرع حق الاستمتاع وترك الزوج له وجمعه بين زوجتيه بمسكن]
ولا يجب على الزوج الاستمتاع بها.
وحكى الصيمري: أن مالكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (إذا ترك جماع زوجته المدة الطويلة.. أمر بالوطء، فإن أبى.. فلها فسخ النكاح) .
وقال آخرون: يجبر على أن يطأ في كل أربع ليالٍ ليلة.
وهذا غير صحيح؛ لأنه حق له فجاز له تركه. ولأن الداعي إليه الشهوة، وذك ليس إليه.
والمستحب: أن لا يخليها من الجماع؛ لقوله ﷺ : «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي.. فليس مني» ولأنه إذا لم يجامعها.. لم يؤمن منها الفساد، وربما كان سببًا للعداوة والشقاق بينهما.
وإن كان له زوجتان.. لم يجمع بينهن في مسكن واحد إلا برضاهما؛ لأن ذلك يؤدي إلى خصومتهما. ولا يطأ إحداهما بحضرة الأخرى؛ لأن ذلك قلة أدب وسوء عشرة.
[مسألة ما يقوله أول ما يرى زوجته أو عند إرادته الجماع]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في القديم: (وإذا تزوج رجل امرأة.. فأحب له أول ما يراها أن يأخذ بناصيتها ويدعو باليمن والبركة، فيقول: بارك الله لكل واحد منا في
стр. 4847
صاحبه؛ لأن هذا بدء الوصلة بينهما، فأستحب له أن يدعو بالبركة) . ويستحب له إذا أراد أن يجامعها أن يقول: (باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) ؛ لما روي: أن الني ﷺ قال: «إذا أراد أحدكم أن يجامع امرأته، فقال ذلك، فإن رزقا ولدًا.. لم يقربه الشيطان» .
[مسألة إتيان المحاش من النساء]
قال المزني: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ذهب بعض أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهن إلى إحلاله، وآخرون إلى تحريمه، ولا أرخص فيه، بل أنهى عنه) .
وروى محمد بن عبد الحكم: أن الشافعي ﵀ قال: (ما صح فيه عن النبي ﷺ شيء في تحريمه، ولا في تحليله شيء، والقياس أنه حلال) .
قال الربيع: كذب ابن عبد الحكم والذي لا إله إلا هو، فقد نص الشافعي ﵀ على تحريمه في ستة كتب، فلا يختلف مذهبنا: في أنه محرم. وبه قال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه -، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو الدرداء ﵃، ومجاهد، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وأحمد، وعامة أهل العلم ﵃.
وحكى العراقيون من أصحاب مالك عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مثل مذهبنا.
وحكى المصريون وأهل الغرب عنه: أنه مباح، ونص عليه في (كتاب السير) .
стр. 4848
وحكي: أن مالكًا سئل عن ذلك، فقال: (الآن اغتلست منه) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البقرة:٢٢٢] ، فأمر باعتزال النساء في المحيض للأذى، وأذى الحيض أخف من أذى الموضع المكروه.
وروي عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأته في دبرها» وروى خزيمة بن ثابت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» .
وروي: «أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يكون في الفلاة وتكون معه الزوجة ويكون في الماء قلة؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن، إن الله لا يستحيي من الحق» وسئل قتادة عن ذلك، فقال: سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده ﵃: «أن النبي ﷺ سئل عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال رسول الله ﷺ : هي اللوطية الصغرى» .
[فرع جواز التلذذ بين الأليتين مقبلة مدبرة]
ويجوز التلذذ بما بين الأليتين من الزوجة من غير إيلاج في الدبر؛ لأنه إنما نهي عن الإيلاج في الدبر لما فيه من الأذى، وذلك لا يوجد فيما بين الأليتين.
стр. 4849
ويجوز الوطء في الفرج مقبلة ومدبرة؛ لما روى جابر ﵁ قال: قالت اليهود: إذا جامع الرجل امرأته من ورائها.. جاء ولده أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآية [البقرة:٢٢٣] .
[فرع حرمة الاستمناء]
ويحرم الاستمناء، وهو: إخراج الماء الدافق بيده. وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال ابن العباس ﵄: (نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنا) .
وروي: أن عمرو بن دينار ﵄ رخص فيه عند الاضطرار وخوف الهلكة. وبه قال أحمد ابن حنبل - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] * ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] [المؤمنون ٥-٦] ، فمنها دليلان:
أحدهما: أنه أباح الاستمتاع بالفرج بالزوجة أو ملك اليمين، وهذا ليس بواحد منهما.
والثاني: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] [المؤمنون:٧] ، والاستمناء وراء ذلك.
وروي: أن النبي ﷺ قال: «ملعون ناكح كفه» ولأن فيه قطع النسل والامتناع من التزويج، وقد قال ﷺ : «تناكحوا تكْثُرُوا» .
стр. 4850
[مسألة كراهية العزل]
ويكره العزل، وهو: أن يولج، فإذا قارب الإنزال.. نزع وأنزل خارج الفرج؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «ذكرنا العزل عند رسول الله ﷺ فقال: لم يفعل ذلك أحدكم؟» .
وروت جدامة بنت وهب قالت: «حضرت رسول الله ﷺ فسألوه عن العزل فقال: ذلك الوأد الخفي» .
و (الوأد) هو: أن أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت لهم ابنة.. قتلوها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] [التكوير:٨-٩] .
وهل يحرم عليه ذلك؟ ينظر فيه:
فإن كان في وطء أمته.. لم يحرم عليه؛ لأن الاستمتاع حق له.
وإن كان في وطء زوجته: فإن كانت زوجته أمة.. جاز له العزل بغير إذنها وغير
стр. 4851
إذن سيدها؛ لأن له غرضًا في ذلك، وهو: أن لا يكون ولده منها مملوكًا. وإن كانت حرة: فإن أذنت له في ذلك.. جاز؛ لأن الحق لهما، وإن لم تأذن له.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحرم عليه ذلك؛ لما روي: عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ أنهما قالا: (تستأذن الحرة، ولا تستأذن الأمة) ولأنه لا غرض له في ذلك.
والثاني: لا يحرم عليه؛ لما روى أبو سعيد ﵁: أن النبي ﷺ «سئل عن ذلك فقال: (أو تفعلون ذلك؟) فقيل له: نعم، فقال: ولا عليكم أن تفعلوا، إن الله لم يقض لنفس أن يخلقها إلا وهي كائنة» ولأن حقها في الإيلاج دون الإنزال؛ بدليل: أن العنين والمولى إذا أولج فيها ولم ينزل.. سقط حقها، فلا معنى لاعتبار إذنها.
[فرع استحباب خدمة الزوجة]
] : ولا يجب على الزوجة الخدمة للزوج في الخبز والطبخ والغزل وغير ذلك؛ لأن المعقود عليه هو الاستمتاع دون هذه الأشياء.
[مسألة القسم للزوجات]
وإذا كان له زوجتان أو أكثر.. لم يجب عليه القسم ابتداء، بل يجوز له أن ينفرد عنهن في بيت؛ لأن المقصود بالقسم هو الاستمتاع، وهو حق له.. فجاز له تركه.
وإن أراد أن يقسم بينهن.. جاز؛ لأن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه.
ولا يجوز له أن يبدأ بواحدة منهن من غير رضا الباقيات إلا بالقرعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 4852
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] [النساء:١٢٩] .
وروي عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان يميل إلى إحداهما دون الأخرى.. جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» وفي البداءة بإحداهن من غير قرعة ميل.
فإن كان له زوجتان.. أقرع بينهما مرة واحدة، وإن كان ثلاثًا.. أقرع مرتين، وإن كن أربعًا.. أقرع ثلاث مرات؛ لأنهن إذا كن ثلاثًا فخرجت القرعة لواحدة.. قسم لها، ثم أقرع بين الباقيتين. وهكذا في الأربع.
وإن قام عند واحدة منهن من غير قرعة.. لزمه القضاء للباقيات؛ لأنه إذا لم يقض.. صار مائلًا.
[مسألة القسم للمريضة والحائض والمحرمة وغيرهن]
ويقسم للمريضة، والرتقاء، والقرناء، والحائض، والنفساء، والمحرمة، والتي آلى منها أو ظاهر؛ لأن المقصود الإيواء والسكن، وذلك موجود في حقهن.
وأما المجنونة: فإن كان يخاف منها.. سقط حقها من القسم؛ لأن الإيواء والألفة لا تحصل معها. وإن لم يخف منها.. وجب لها القسم؛ لأن الإيواء يحصل معها.
وإن دعاها إلى منزل له فامتنعت.. سقط حقها من القسم، كالعاقلة.
стр. 4853
[فرع القسم على المريض والمحرم ونحوه]
ويقسم المريض والمجبوب والعنين والمحرم؛ لأن الأنس يحصل به.
وإن كان مجنونا يخاف منه.. لم يقسم له الولي؛ لأنه لا يحصل به الأنس. وإن كان لا يخاف منه.. نظرت: فإن كان قد قسم لواحدة في حال عقله، ثم جن قبل أن يقضي.. لزم الولي أن يقضي للباقيات قسمهن منه، كما لو كان عليه دين.
وإن جن قبل أن يقسم لواحدة منهن، فإن لم ير الولي أن له مصلحة في القسم.. لم يقسم لهن، وإن رأى الولي المصلحة له في القسم.. قسم لهن؛ لأنه قائم مقامه.
وهل يجب على الولي ذلك أم لا؟ على قولين، وحكاهما بعض الأصحاب وجهين:
أحدهما: لا يجب عليه، كما يجب على العاقل.
والثاني: يجب عليه ذلك؛ لأن العاقل له اختيار في ترك حقه، والمجنون لا اختيار له، فلزم الولي أن يستوفي له حقه بذلك.
فإن حمله إلى واحدة.. حمله ليلة أخرى، وكان بالخيار: بين أن يطوف على نسائه، وبين أن يتركه في منزله ويستدعيهن واحدة واحدة إليه. وإن طاف به على البعض واستدعى البعض.. جاز. فإن قسم الولي لبعضهن ولم يقسم للباقيات.. أثم الولي. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ] : هل يقسم الولي للمجنون؟ فيه وجهان- قال- فإن كان يجن يومًا، ويفيق يومًا فأقام ليلة جنونه عند واحدة، وليلة عقله عند الأخرى.. لم تحتسب بليلة جنونه عندها حتى يقضي لها.
ولو أقر الولي أنه ظلم إحداهن.. لم يسمع إقراره حتى تقر المقسومة لها للمظلومة.
[مسألة النفقة والقسم للمسافرة]
وإن سافرت المرأة مع زوجها.. فلها النفقة والقسم؛ لأنها في مقابلة الاستمتاع، وذلك موجود. وهكذا: إذا أشخصها من بلد إلى بلد للنقلة أو لحاجة له.. فلها النفقة والقسم وإن لم يكن معها.
стр. 4854
وإن سافرت من بلد إلى بلد وحدها لحاجة لها بغير إذنه.. فلا نفقة لها ولا قسم؛ لأنها ناشزة عنه. وإن سافرت لحاجة لها وحدها بإذنه.. ففيه قولان:
أحدهما: لا نفقة لها ولا قسم، لأنها في مقابلة الاستمتاع. وذلك متعذر منها.
والثاني: لها النفقة والقسم، لأنها غير ناشزة، فهو كما لو أشخصها لحاجة له.
والأول أصح.
[مسألة التسوية في القسم بين المسلمة والذمية]
] : وإن كان عنده مسلمة وذمية.. سوى بينهما في القسم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وعاشروهن بالمعروف) [النساء:١٩] ، ولم يفرق. ولعموم الوعيد في الخبر.
[مسألة القسم للحرة والأمة]
وإن اجتمع عنده حرة وأمة.. قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة. وبه قال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه -، وأبو حنيفة، وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يسوي بينهما) .
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا تنكح الأمة على الحرة؛ للحرة الثلثان من القسم، وللأمة الثلث» .
وللأمة أن تحلل الزوج من قسمها أو تهبه لبعض ضرائرها بغير إذن سيدها؛ لأن الحق لها فيه دون سيدها.
[فرع القسم للحرة والأمة إذا عتقت]
وإن كانت عنده حرة وأمة، فقسم للحرة ليلتين، ثم انتقل إلى الأمة فأعتقت، فإن أعتقت بعد أن أقام عندها ليلة ويومًا.. فلا شيء عليه لها غير ذلك. وإن أعتقت قبل
стр. 4855
استكمال الليلة واليوم.. تمم لها ليلتين ويومين، لأنه لم يوفها حقها حتى صارت مساوية للحرة.
وإن قسم للأمة أولًا ليلة ويومًا، ثم دار إلى الحرة، فأعتقت الأمة، فإن أعتقت في الليلة الأولى ويومها.. لم يزد الحرة على ذلك، لأنها صارت مساوية لها. وإن أعتقت بعد انقضاء الليلتين.. لم يلزمه أن يقضي للأمة لليلة، لأنه قسم للحرة ليلتين وهي مستحقة لهما. ويستأنف القسم لهما من الآن متساويًا.
[مسألة القسم في الليل إن كان معاشه بالنهار]
وإذا كان طلب معاش الرجل بالنهار.. فعماد قسمته الليل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] [الأنعام:٩٦] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١] [النبأ ١٠-١١]
وإن كان طلب معاشه بالليل.. فعماد قسمته النهار.
والمستحب: أن يقسم مياومة، وهو: أن يقيم عند واحدة يومًا ثم عند الأخرى يومًا، لأن النبي ﷺ هكذا كان يقسم، ولأنه أقرب إلى إيفاء الحق.
وإن أراد أن يقسم لكل واحدة ليلتين أو ثلاثًا.. جاز، لأن ذلك قريب.
وإن أراد أن يقيم عند كل واحدة أكثر من الثلاث..فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الإملاء ": إن أراد أن يقسم لهن مياومة، أو مشاهرة، أو مساناة.. كرهت له، وأجزأه) .
قال أصحابنا: يجوز له ما زاد على الثلاث برضاهن، وأما بغير رضاهن: فلا يجوز، لأنه كثير.
ويدخل النهار في القسم، لما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم لنسائه، ولكل واحدة يومها وليلتها، غير أن سودة
стр. 4856
وهبت ليلتها لعائشة) ، وقالت عائشة ﵂: (توفي رسول الله ﷺ في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري» ، فأضافت اليوم إليها، لأنه كان يوم نوبتها. و (السحر) : الرئة، لأنه كان متكئا على صدرها.
وروي: «أن النبي ﷺ دخل إلى بيت حفصة فلم يصادفها، فقعد عند مارية جاريته ﵂، فقالت: يا رسول الله، أفي بيتي، وفي يومي!» ، فأضافت اليوم إليها.
والأولى: أن يجعل اليوم تابعًا لليلة التي مضت قبله، لأن الشهر هلالي. وإن جعل النهار تابعًا لليلة التي بعده.. جاز.
[مسألة من ترك القسم مدة قضاه]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (وإذا كان له أربع زوجات، فترك إحداهن من القسم أربعين ليلة.. قضى لها عشر ليال) . واختلف أصحابنا في تأويله:
فقال أكثرهم: أراد أنه أقام عند كل واحدة من الثلاث عشرًا، ثم أقام عشرًا وحده في بيت، فيقضي للرابعة عشرًا.. فأما لو أقام عند الثلاث أربعين ليلة.. قضى للرابعة ثلاث عشرة ليلة وثلثًا.
وقال ابن الصباغ: ظاهر كلامه أنه أقام عندهن أربعين ليلة.. وما قال.. له وجه جيد عندي، لأن الذي تستحقه بالقضاء عشر وثلاث ليال وثلث تستحقها أداء، لأن زمان القضاء، لها فيه قسم.
стр. 4857
[فرع يقسم للناشزة من حين طاعتها ويخص البكر بسبع والثيب بثلاث]
قال في " الأم ": وإن كان له أربع نسوة، فسافرت واحدة منهن بغير إذنه، وأقام عند اثنتين ثلاثين يومًا، عند كل واحدة خمسة عشر يومًا، فلما أراد أن يقيم عند الثالثة رجعت الناشزة وصارت في طاعته.. فلا حق لها فيما مضى من القسم، لأنها كانت عاصية، ولا يمكن أن يقسم للثالثة خمس عشرة ليلة، لأن القادمة تستحق الربع، فيجعل الليالي أربعًا، ويقيم عند القادمة ليلة وهو حقها، ويجعل للثالثة ثلاث ليال: ليلة هي حقها، وليلتين من حق الأولتين. فإذا دار بين القادمة والثالثة خمسة أدوار كذلك.. استوفت الثالثة خمس عشرة ليلة، والقادمة خمسا، واستأنف القسم بين الأربع.
ولو كان بدل المسافرة زوجة جديدة تزوجها قبل أن يوفي الثالثة.. خص الجديدة إن كانت بكرًا بسبع، وإن كانت ثيبًا بثلاث، ثم يقسم ثلاثًا للثالثة الأولى وليلة للجديدة حتى يدور خمسة أدوار، واستأنف القسم للأربع) .
[فرع سقوط حق الناشزة ويقضي لمن وجب لها قبل طلاقها لو راجعها]
قال في " الأم ": (وإن كان له أربع زوجات فقسم لثلاث ليلة ليلة، فلما كان ليلة الرابعة نشزت عنه وأغلقت دونه بابها، وادعت عليه الطلاق.. فقد سقط حقها. فإن عادت إليه وأطاعته.. استأنف لهن القسم ولم يقض لها، لأن حقها قد سقط.
ولو قسم للثلاث، ثم طلق الرابعة قبل أن يوفيها حقها.. أثم بذلك، لأنه أسقط حقها بعد وجوبه. فإن راجعها أو بانت منه فتزوجها.. قضى لها تلك الليلة، لأنها كانت واجبة لها) .
[مسألة الطواف على النساء في منازلهن أو باستدعائهن]
والمستحب: أن يطوف على نسائه في منازلهن؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولأن ذلك أصون لهن.
стр. 4858
وإن قعد في منزل واستدعى كل واحدة إليه في ليلتها.. كان له ذلك؛ لأن ذلك ليس بأكثر من السفر بهن.
وإن طاف على بعض نسائه في منازلهن واستدعى البعض إلى منزله.. كان له ذلك، فإن لم تأته واحدة منهن إلى حيث استدعاها.. سقط حقها من القسم، لأنها ناشزة.
وإن كان محبوسًا في مكان يصلن إليه ويصلح للسكنى، وأراد أن يقسم بينهن ويستدعيهن إليه.. كان له ذلك؛ لأنه كالمنزل.
وإن كان له امرأتان في بلدين فأقام في بلد إحداهما، فإن أقام معها.. قضى للأخرى. وإن لم يقم معها.. لم يقض للأخرى، لأن إقامته في البلد التي هي بها من غير أن يقيم معها ليس بقسم.
[مسألة لا يشترط الوطء في القسم]
وليس من شرط القسم الوطء، غير أن المستحب: أن يساوي بينهن في الوطء، لأنه هو المقصود.
فإن وطئ بعضهن دون بعض.. لم يأثم بذلك؛ لأن الوطء طريقه الشهوة، وقد تميل شهوته إلى بعضهن دون بعض، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] [النساء: ١٢٩] ، قيل في التفسير: في الحب والجماع.
وروي: أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه ويقول: «اللهم، إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» ، يعني: قلبه.
стр. 4859
[مسألة دخوله ليلًا على ضرة المقسم لها]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يدخل في الليل على التي لم يقسم لها) .
وجملة ذلك: أنه إذا قسم بين نسائه.. فلا يجوز أن يخرج من عند المقسوم لها في ليلتها لغير ضرورة من غير إذنها؛ لأن عماد القسم الليل. فإن دعت ضرورة إلى ذلك، بأن مرض غيرها وأشرفت على الموت، فاحتاج إلى أن يخرج إليها لتوصي إليه، أو تكون تحتاج إلى قيم ولا قيم لها، أو ماتت واحتاج إلى الخروج لتجهيزها.. جاز له الخروج؛ لأن هذا موضع عذر. فإن برئت المريضة التي خرج إليها.. قضى للتي خرج من ليلتها من قسم ليلة المريضة مثل الذي أقام عندها. وإن ماتت.. لم يقض، بل يستأنف القسم للباقيات.
إذا ثبت هذا: فنقل المزني: (ويعودها في ليلة غيرها) .
قال أصحابنا: هذا سهو في النقل أيضًا، إنما هو في يوم غيرها.
فإن خالف وخرج عنها في ليلتها لغير عذر إلى غيرها، وأقام عندها قليلًا.. فقد أساء، ولا يقضي ذلك؛ لأن ذلك يسير لا يضبط.
وإن أقام عندها مدة طويلة من الليل.. قضى للأخرى من ليلة التي أقام عندها مثل ذلك في وقته من الليل. وإن قضى مثله في غير وقته من الليل.. جاز؛ لأن المقصود الإيواء، وجميع الليل وقت للإيواء.
وإن دخل إلى غيرها في ليلتها، وجامعها وخرج سريعًا.. فما الذي يجب عليه؟ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 4860
أحدها: لا يجب عليه القضاء؛ لأن القصد الإيواء، ولم يفوت عليها بجماع غيرها الإيواء؛ لأن قدر مدته يسير.
والثاني: يجب عليه أن يقضيها بليلة من حق الموطوءة؛ لأن المقصود بالإيواء هو الجماع، فإن وقع ذلك لغيرها في ليلتها.. وجب عليه أن يقضيها بليلة الموطوءة.
والثالث: أنه يدخل عليها في ليلة الموطوءة فيطؤها؛ لأنه أعدل.
[فرع حبس أو فوت نصف ليلتها]
فرع: [إن حبس أو فوت نصف ليلتها قضاه] :
فإن أخرجه السلطان عنها في ليلتها وحبسه نصف ليلتها، أو خرج عنها إلى بيت وقعد فيه نصف الليل.. وجب عليه أن يقضيها مثل الذي فوت عليها.
فإن فوت عليها النصف الأول من الليل.. فإنه يأوي إليها النصف الأول من الليل، ثم يخرج منها إلى منزل له أو لغيره، وينفرد عنها وعن سائر نسائه النصف الأخير.
وقال ابن الصباغ: قال بعض أصحابنا: إلا أن يخاف العسس، أو يخاف اللصوص.. فيقيم عندها في باقي الليل ولا يخرج للعذر، ولا يقضي للباقيات.
وإن فوت عليها النصف الأخير من الليل.. فالمستحب: أن يقضيها في النصف الأخير، وينفرد عنها وعن سائر نسائه النصف الأول من الليل، ويأوي إليها النصف الأخير. وإن أوى إليها النصف الأول وانفرد في النصف الأخير.. جاز.
[فرع خروجه للحاجة ودخوله على ضرة المقسم لها نهارًا]
ويجوز أن يخرج في نهار المقسوم لها؛ لطلب المعيشة إلى السوق ولقضاء الحاجات.
стр. 4861
وإن دخل إلى غيرها في يومها، فإن كان لحاجة، مثل: أن يحمل إليها نفقتها، أو كانت مريضة فدخل عليها يعودها، أو دخل لزيارتها لبعد عهده بها، أو يكلمها بشيء، أو تكلمه، أو يدخل إلى بيتها شيئًا، أو يأخذ منه شيئًا، ولم يطل الإقامة عندها.. جاز، ولا يلزمه القضاء لذلك؛ لأن المقصود بالقسم الإيواء، وذلك يحصل بالليل دون النهار. ولا يجامعها؛ لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «ما كان يوم إلا كان رسول الله ﷺ يطوف علينا جميعًا، فيقبل ويلمس، فإذا جاء إلى التي هي يومها.. أقام عندها» .
وهل له أن يستمتع بالتي يدخل إليها في غير يومها بغير جماع؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن ذلك مما يحصل به السكن فأشبه الجماع.
والثاني - وهو المشهور -: أنه يجوز؛ لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂.
فإن دخل إليها في يوم غيرها وأطال المقام عندها.. لزمه القضاء، كما قلنا في الليل.
وإن أراد الدخول إليها في غير يومها لغير حاجة.. لم يجز؛ لأن الحق لغيرها.
وإن دخل إليها في يوم غيرها، ووطئها وانصرف سريعًا.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا يلزمه القضاء؛ لأنه غير مستحق، ووقته لا ينضبط.
والثاني: يلزمه أن يدخل إليها في يوم الموطوءة فيطأها؛ لأنه أعدل.
стр. 4862
[مسألة زواجه بجديدة يقطع الدور سبعًا للبكر وثلاثًا للثيب]
إذا كان تحته زوجة أو زوجتان فتزوج بأخرى.. قطع الدور للجديدة. فإن كانت بكرًا.. أقام عندها سبعًا، ولا يقضي. وإن كانت ثيبا.. كان بالخيار: بين أن يقيم عندها ثلاثا ولا يقضي، وبين أن يقيم عندها سبعًا ويقضي ما زاد على الثلاث.
ومن أصحابنا من قال: يقضي السبع كلها. والأول هو المشهور.
هذا مذهبنا، وبه قال أنس بن مالك ﵁، والشعبي، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم.
وقال ابن المسيب والحسن البصري: يقيم عندها إذا كانت بكرًا ليلتين، وعند الثيب ليلة.
وقال الحكم وحماد وأبو حنيفة وأصحابه: (يقيم عند البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، ويقضي مثل ذلك للباقيات) .
دليلنا: ما روي عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «للبكر سبع، وللثيب ثلاث» وما روي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ فقال: (ما بك على أهلك هوان! فإن شئت.. سبعت عندك وقضيت لهن، وإن شئت.. ثلثت عندك ودرت) ، فقلت: ثلث. وروي: " إن شئت.. سبعت عندك، وسبعت عندهن» .
стр. 4863
فإن قلنا: يجب عليه قضاء السبع إذا أقامها عند الثيب.. فوجهه قوله ﷺ : «سبعت عندك، وسبعت عندهن» .
وإذا قلنا: يقضي ما زاد على الثلاث.. فوجهه قوله ﷺ : «ثلثت عندك ودرت» فلو كان يجب قضاء الثلاث كما كان يجب قضاء ما زاد.. لما كان للتخيير معنى. ولأن الثلاثة مستحقة لها، بدليل: أنها لو اختارت أن يقيم عندها الثلاث لا غير.. لم يجب عليه قضاؤها، فكذلك لا يجب قضاؤها إذا أقامها مع الأربع.
[فرع زفاف اثنتين بليلة]
فرع: [كراهة زفاف اثنتين بليلة] :
ويكره أن تزف إليه امرأتان في ليلة واحدة؛ لأنه لا يمكنه أن يوفيهما حق العقد معًا، وإذا أقام عند إحداهما.. استوحشت الأخرى.
فإن زفتا إليه، فإن كانت إحداهما قبل الأخرى.. أوفى الأولى حق العقد ثم الثانية؛ لأن الأولى لها مزية بالسبق. وإن زفتا إليه في حالة واحدة.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وإن كان عنده امرأتان فبات عند إحداهما ليلة، فزفت إليه زوجة جديدة قبل أن يوفي الثانية حقها.. قضى للجديدة حق العقد؛ لأن حقها آكد؛ لأنه متعلق بالعقد، وحق الأولى متعلق بفعله، فإذا قضى حق العقد؛.. فقد بقي للثانية من الأوليين ليلة: نصفها من حقها ونصفها من حق الأولى، فيوفيها إياها. ويجب للجديدة بحق القسم نصف ليلة؛ لأجل هذه الليلة، ثم يستأنف القسم بينهن.
[فرع زفت أمة إلى عبد وعنده زوجة]
وإن زفت إلى عبد أمة وعنده امرأة أخرى، سواء كانت حرة أو أمة.. ففي الذي تستحقه الأمة بحق العقد ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ:
стр. 4864
أحدها: أنها كالحرة، فإن كانت بكرًا.. أقام عندها سبعًا. وإن كانت ثيبًا، فإن شاءت.. أقام عندها ثلاثًا ولا يقضي، وإن شاءت.. أقام عندها سبعًا ويقضي؛ لأن هذا يراد للأنس وزوال الوحشة، والأمة كالحرة في ذلك.
والثاني: أن الأمة على النصف من الحرة، كما قلنا في القسم الدائم، إلا أن الليالي والأيام تكمل.
فعلى هذا: إن كانت بكرًا.. أقام عندها أربع ليال. وإن كانت ثيبًا، فإن شاءت.. أقام عندها ليلتين ولا يقضي، وإن شاءت.. أقام عندها أربع ليال ويقضي، كما قلنا في الأقراء.
والثالث: أنها على النصف، ولا تكمل الليالي والأيام، فيقيم عند البكر ثلاث ليال ونصفًا، وعند الثيب إن شاءت.. ليلة ونصفًا ولا يقضي، وإن شاءت.. ثلاث ليال ونصفًا ويقضي؛ لأنها تتبعض، بخلاف الأقراء.
[فرع ملازمة صلاة الجماعة ونحوها نهارًا إذا أقام عند الجديدة]
فرع: [استحباب ملازمة صلاة الجماعة ونحوها نهارًا إذا أقام عند الجديدة] :
قال في (الأم) : (ولا أحب له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، ولا يمنعه ذلك من عيادة مريض، ولا شهود جنازة، ولا إجابة وليمة) .
وجملة ذلك: أنه إذا أقام عند الجديدة بحق العقد.. فهو كالقسم الدائم، فعماده الليل. وأما بالنهار: فله أن ينصرف في طلب معاشه، ويصلي مع الجماعة، ويشهد الجنازة، ويعود المريض، ويجيب الولائم؛ لأن الإيواء عندها بالنهار مباح، وهذه الأشياء طاعات، فلا يترك الطاعات للمباح.
قال ابن الصباغ: فأما بالليل: فقال أصحابنا: لا يخرج فيه لشيء من ذلك؛ لأن حق الزوجة فيه واجب، وما يخرج له.. فليس بواجب، بخلاف الكون عندها بالنهار.. فإنه ليس بواجب.
стр. 4865
[مسألة المعدد إذا أراد السفر وتخييره]
وإذا كان لرجل زوجتان أو أكثر، وأراد السفر.. كان بالخيار: بين أن يسافر وحده ويتركهن في البلد؛ لأن عليه النفقة والكسوة والسكنى دون المقام معهن، كما لو كان بالحضر وانفرد عنهن.
وإن أراد أن يسافر بهن جميعهن.. لزمهن ذلك، كما يجوز أن ينتقل بهن من بلد إلى بلد.
وإن أراد أن يسافر ببعضهن.. جاز؛ لـ «أن النبي ﷺ سافر ببعض نسائه» . وإذا أراد أن يسافر ببعض نسائه.. أقرع بينهن؛ لما روت عائشة أم المؤمنين ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقرع بين نسائه إذا أراد السفر، فأيتهن خرج سهمها.. خرج بها» وهو بالخيار: بين أن يكتب الأسماء ويخرج على السفر والإقامة، وبين أن يكتب السفر والإقامة ويخرج على الأسماء. فإذا خرج السفر على واحدة.. لم يلزمه المسافرة بها، بل لو أراد أن يدعها ويسافر وحده.. كان له ذلك. وإن أراد أن يسافر بغيرها.. لم يجز؛ لأن ذلك يبطل فائدة القرعة.
وإن اختار أن يسافر باثنتين، وعنده أكثر.. أقرع بينهن. فإن خرجت قرعة السفر على اثنتين.. سافر بهما، ويسوي بينهما في القسم في السفر، كما لو كان في الحضر.
وإذا سافر بها بالقرعة، فإن كان السفر طويلًا.. لم يلزمه القضاء للمقيمات. وإن كان السفر قصيرًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه القضاء للمقيمات، كالسفر الطويل.
والثاني: يلزمه؛ لأنه في حكم الحضر.
هذا مذهبنا. وقال داود: (يلزمه القضاء للمقيمات في الطويل والقصير) .
стр. 4866
دليلنا: حديث عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها ذكرت السفر ولم تذكر القضاء. ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر، فاختصت بالقسم.
[فرع السفر بإحداهن بلا قرعة]
وإن سافر بواحدة منهن من غير قرعة.. لزمه القضاء للمقيمات. وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: (لا يقضي) .
دليلنا: أنه خص بعض نسائه بمدة على وجه تلحقه فيه التهمة، فلزمه القضاء، كما لو كان حاضرًا.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ] : فلو قصد الرجوع إليهن.. فهل تحتسب عليه المدة من وقت القصد؟ فيه وجهان:
[فرع سافر بقرعة ثم أقام أو غير جهة السفر]
وإن سافر بواحدة منهن بالقرعة، ثم نوى الإقامة في بعض البلاد وأقام بها معه، أو لم ينو الإقامة إلا أنه أقام بها أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج.. قضى ذلك للباقيات؛ لأنه إنما لم يجب عليه أن يقضي مدة السفر، وهذا ليس بسفر.
وإن سافر بها إلى بلد، فلما بلغه.. عنَّ له أن يسافر بها إلى بلد آخر فسافر بها.. لم يقض للمقيمات؛ لأنه سفر واحد وقد أقرع له.
[فرع انتقل بواحدة فيقضي للبواقي]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو أراد النقلة.. لم يكن له أن ينتقل بواحدة إلا أوفى البواقي مثل مقامه معها) . واختلف أصحابنا في تأويلها:
стр. 4867
فمنهم من قال: تأويلها إذا كان له نساء، فأراد النقلة إلى بلد، فنقل واحدة منهن معه، ونقل الباقيات مع وكيله إلى ذلك البلد، فلما وصل إلى ذلك البلد أقام مع التي نقلها.. فعليه أن يقضي للباقيات مدة إقامته مع التي نقلها بعد السفر دون مدة السفر؛ لأن مدة السفر لا تقضى.
وقال أبو إسحاق: تقضى مدة السفر ومدة الإقامة بعده؛ لأنه متى أراد نقل جميعهن.. فقد تساوت حقوقهن، فمتى خص واحدة بالكون معه.. لزمه أن يقضي للباقيات مدة الإقامة معها، كما لو أقام في الحضر معها، بخلاف السفر بإحداهن.
فعلى قول الأول.. يحتاج إلى القرعة. وعلى قول أبي إسحاق.. لا يحتاج إلى قرعة.
[فرع عنده اثنتان وزف إليه اثنتان معًا وأراد السفر أو سافر بإحداهما ثم تزوج]
] : إذا كان عنده امرأتان، فتزوج باثنتين وزفتا إليه في وقت واحد، وأراد السفر بإحداهن قبل أن يقضي حق العقد.. أقرع بينهن، فإن خرج السفر لإحدى الجديدتين.. سافر بها، ويدخل حق العقد في قسم السفر؛ لأن الأنس يحصل به.
فإذا قدم.. فهل يلزمه أن يقضي للجديدة الأخرى حق العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه، كما لو كانتا قديمتين، فسافر بإحداهما بالقرعة.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يلزمه أن يقضيها حق العقد، وهو الصحيح؛ لأنه سافر بالأخرى بعدما استحقت الجديدة حق العقد، فيلزمه قضاؤها، كما لو كان تحته أربع نسوة، فقسم لثلاث منهن، ثم سافر بغير الرابعة بالقرعة قبل أن يقضي للرابعة حقها.
وإن خرجت قرعة السفر لإحدى القديمتين.. سافر بها.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإذا قدم.. قضى حق العقد للجديدتين. وينبغي أن يكون في ذلك وجهان كالأولى، ولعله أجاب على الأصح.
قال في (الأم) : (وإن كان له امرأتان، فسافر بإحداهما بالقرعة، فلما كان في
стр. 4868
بعض الطريق تزوج بأخرى، فإن سافر بهما.. قضى للجديدة حق العقد، ثم قسم بينها وبين القديمة. وإن أراد أن يسافر بإحداهما.. أقرع بينهما، فإذا خرج السفر للجديدة.. سافر بها وترك الأخرى، ودخل حق العقد في قسم السفر. وإن خرج السفر للقديمة.. سافر بها، فإذا رجع..قضى للجديدة حق العقد؛ لأنه سافر بها بعد وجوبه عليه) . وهذا يدل: على صحة قول أبي إسحاق في التي قبلها.
[مسألة هبة المرأة قسمها]
] : ويجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها؛ لما روي: «أن النبي ﷺ تزوج سودة بنت زمعة بعد موت خديجة ﵄، وكان يقسم لها، فلما كبرت وأسنت.. هم النبي ﷺ بطلاقها، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني ودعني حتى أحشر في جملة أزواجك، وقد وهبت ليلتي لأختي عائشة ﵂، فتركها، فكان يقسم لكل واحدة ليلة ليلة ولعائشة أم المؤمنين ﵂ ليلتين» .
إذا ثبت هذا: فإن القبول فيه إلى الزوج؛ لأن الحق له، ولا يصح ذلك إلا برضاه؛ لأن الاستمتاع حق له عليها، ولا يعتبر فيه رضا الموهوبة؛ لأن ذلك زيادة في حقها.
فإن كانت ليلة الواهبة توالي ليلة الموهوبة.. والاهما لها. وإن كانتا غير متواليتين.. فهل للزوج أن يواليهما من غير رضا الباقيات؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن لها ليلتين، فلا فائدة في تفريقهما.
والثاني: ليس له ذلك، وهو المذهب، ولم يذكر غيره؛ لأنها قائمة مقام الواهبة.
وإن وهبتها لزوجها.. جاز له أن يجعلها لمن شاء من نسائه؛ لأن الحق له. فإن جعلها لواحدة تلي ليلتها ليلة الواهبة، إما قبلها أو بعدها.. والاهما لها. وإن جعلها لمن لا تلي ليلتها.. فهل له أن يواليهما لها؟ على الوجهين. هكذا نقل البغداديون.
стр. 4869
وقال المسعودي [في (الإبانة) ] : هل للزوج أن يخص بها بعض نسائه؟ فيه وجهان.
وإن وهبتها لجميع ضرائرها.. صح ذلك، وسقط قسمها، وصارت كأن لم تكن.
فإن رجعت الواهبة في هبة ليلتها.. لم تصح رجعتها فيما مضى؛ لأنها هبة اتصل بها القبض. ويصح رجعتها في المستقبل؛ لأنها هبة لم يتصل بها القبض.
فإن لم يعلم الزوج برجعتها حتى قسم ليلتها لغيرها.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لم يكن لها بدلها. فإن أخذت عن ليلتها عوضًا من الزوج.. لم يصح؛ لأنه ليس بعين ولا منفعة لها. فترد العوض، ويقضيها الزوج حقها؛ لأنها تركت حقها بعوض ولم يسلم لها العوض) .
[مسألة القسم للإماء]
مسألة: [لا يجب القسم للإماء] : وإن كان له جماعة إماء.. لم يجب عليه القسم لهن ابتداء ولا انتهاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] [النساء:٣] ، فدل على: أنه لا يجب عليه العدل فيما ملكت يمينه. ولأنه لا حق لها في الاستمتاع، بدليل: أنه لو آلى منها أو ظاهر.. لم يصح، ولو وجدته عنينًا أو مجبوبًا.. لم يثبت لها الخيار.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يعضلهن؛ لئلا يفجرن. وله أن يفصل بعضهن عن بعض. والمستحب أن يساوي بينهن) .
وإن كان تحته إماء وزوجات، فبات عند بعض إمائه.. لم يجب عليه القضاء؛ لأن قسم الإماء غير مستحق، فهو كما لو بات في المسجد.
стр. 4870
وله أن يطوف على إمائه بغسلٍ واحد،، وهو: أن يجامع واحدة بعد واحدة، ثم يغتسل.
وإن كان تحته زوجات.. فله أن يطوف عليهن بغسل واحد إذا حللنه عن ذلك في القسم؛ لما روي: «أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد» .
وبالله التوفيق
следующие страницы →