Полный текст (7 092 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
دليلنا: حديث عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها ذكرت السفر ولم تذكر القضاء. ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر، فاختصت بالقسم.
[فرع السفر بإحداهن بلا قرعة]
وإن سافر بواحدة منهن من غير قرعة.. لزمه القضاء للمقيمات. وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: (لا يقضي) .
دليلنا: أنه خص بعض نسائه بمدة على وجه تلحقه فيه التهمة، فلزمه القضاء، كما لو كان حاضرًا.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ] : فلو قصد الرجوع إليهن.. فهل تحتسب عليه المدة من وقت القصد؟ فيه وجهان:
[فرع سافر بقرعة ثم أقام أو غير جهة السفر]
وإن سافر بواحدة منهن بالقرعة، ثم نوى الإقامة في بعض البلاد وأقام بها معه، أو لم ينو الإقامة إلا أنه أقام بها أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج.. قضى ذلك للباقيات؛ لأنه إنما لم يجب عليه أن يقضي مدة السفر، وهذا ليس بسفر.
وإن سافر بها إلى بلد، فلما بلغه.. عنَّ له أن يسافر بها إلى بلد آخر فسافر بها.. لم يقض للمقيمات؛ لأنه سفر واحد وقد أقرع له.
[فرع انتقل بواحدة فيقضي للبواقي]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو أراد النقلة.. لم يكن له أن ينتقل بواحدة إلا أوفى البواقي مثل مقامه معها) . واختلف أصحابنا في تأويلها:
стр. 4867
فمنهم من قال: تأويلها إذا كان له نساء، فأراد النقلة إلى بلد، فنقل واحدة منهن معه، ونقل الباقيات مع وكيله إلى ذلك البلد، فلما وصل إلى ذلك البلد أقام مع التي نقلها.. فعليه أن يقضي للباقيات مدة إقامته مع التي نقلها بعد السفر دون مدة السفر؛ لأن مدة السفر لا تقضى.
وقال أبو إسحاق: تقضى مدة السفر ومدة الإقامة بعده؛ لأنه متى أراد نقل جميعهن.. فقد تساوت حقوقهن، فمتى خص واحدة بالكون معه.. لزمه أن يقضي للباقيات مدة الإقامة معها، كما لو أقام في الحضر معها، بخلاف السفر بإحداهن.
فعلى قول الأول.. يحتاج إلى القرعة. وعلى قول أبي إسحاق.. لا يحتاج إلى قرعة.
[فرع عنده اثنتان وزف إليه اثنتان معًا وأراد السفر أو سافر بإحداهما ثم تزوج]
] : إذا كان عنده امرأتان، فتزوج باثنتين وزفتا إليه في وقت واحد، وأراد السفر بإحداهن قبل أن يقضي حق العقد.. أقرع بينهن، فإن خرج السفر لإحدى الجديدتين.. سافر بها، ويدخل حق العقد في قسم السفر؛ لأن الأنس يحصل به.
فإذا قدم.. فهل يلزمه أن يقضي للجديدة الأخرى حق العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه، كما لو كانتا قديمتين، فسافر بإحداهما بالقرعة.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يلزمه أن يقضيها حق العقد، وهو الصحيح؛ لأنه سافر بالأخرى بعدما استحقت الجديدة حق العقد، فيلزمه قضاؤها، كما لو كان تحته أربع نسوة، فقسم لثلاث منهن، ثم سافر بغير الرابعة بالقرعة قبل أن يقضي للرابعة حقها.
وإن خرجت قرعة السفر لإحدى القديمتين.. سافر بها.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإذا قدم.. قضى حق العقد للجديدتين. وينبغي أن يكون في ذلك وجهان كالأولى، ولعله أجاب على الأصح.
قال في (الأم) : (وإن كان له امرأتان، فسافر بإحداهما بالقرعة، فلما كان في
стр. 4868
بعض الطريق تزوج بأخرى، فإن سافر بهما.. قضى للجديدة حق العقد، ثم قسم بينها وبين القديمة. وإن أراد أن يسافر بإحداهما.. أقرع بينهما، فإذا خرج السفر للجديدة.. سافر بها وترك الأخرى، ودخل حق العقد في قسم السفر. وإن خرج السفر للقديمة.. سافر بها، فإذا رجع..قضى للجديدة حق العقد؛ لأنه سافر بها بعد وجوبه عليه) . وهذا يدل: على صحة قول أبي إسحاق في التي قبلها.
[مسألة هبة المرأة قسمها]
] : ويجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها؛ لما روي: «أن النبي ﷺ تزوج سودة بنت زمعة بعد موت خديجة ﵄، وكان يقسم لها، فلما كبرت وأسنت.. هم النبي ﷺ بطلاقها، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني ودعني حتى أحشر في جملة أزواجك، وقد وهبت ليلتي لأختي عائشة ﵂، فتركها، فكان يقسم لكل واحدة ليلة ليلة ولعائشة أم المؤمنين ﵂ ليلتين» .
إذا ثبت هذا: فإن القبول فيه إلى الزوج؛ لأن الحق له، ولا يصح ذلك إلا برضاه؛ لأن الاستمتاع حق له عليها، ولا يعتبر فيه رضا الموهوبة؛ لأن ذلك زيادة في حقها.
فإن كانت ليلة الواهبة توالي ليلة الموهوبة.. والاهما لها. وإن كانتا غير متواليتين.. فهل للزوج أن يواليهما من غير رضا الباقيات؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن لها ليلتين، فلا فائدة في تفريقهما.
والثاني: ليس له ذلك، وهو المذهب، ولم يذكر غيره؛ لأنها قائمة مقام الواهبة.
وإن وهبتها لزوجها.. جاز له أن يجعلها لمن شاء من نسائه؛ لأن الحق له. فإن جعلها لواحدة تلي ليلتها ليلة الواهبة، إما قبلها أو بعدها.. والاهما لها. وإن جعلها لمن لا تلي ليلتها.. فهل له أن يواليهما لها؟ على الوجهين. هكذا نقل البغداديون.
стр. 4869
وقال المسعودي [في (الإبانة) ] : هل للزوج أن يخص بها بعض نسائه؟ فيه وجهان.
وإن وهبتها لجميع ضرائرها.. صح ذلك، وسقط قسمها، وصارت كأن لم تكن.
فإن رجعت الواهبة في هبة ليلتها.. لم تصح رجعتها فيما مضى؛ لأنها هبة اتصل بها القبض. ويصح رجعتها في المستقبل؛ لأنها هبة لم يتصل بها القبض.
فإن لم يعلم الزوج برجعتها حتى قسم ليلتها لغيرها.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لم يكن لها بدلها. فإن أخذت عن ليلتها عوضًا من الزوج.. لم يصح؛ لأنه ليس بعين ولا منفعة لها. فترد العوض، ويقضيها الزوج حقها؛ لأنها تركت حقها بعوض ولم يسلم لها العوض) .
[مسألة القسم للإماء]
مسألة: [لا يجب القسم للإماء] : وإن كان له جماعة إماء.. لم يجب عليه القسم لهن ابتداء ولا انتهاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] [النساء:٣] ، فدل على: أنه لا يجب عليه العدل فيما ملكت يمينه. ولأنه لا حق لها في الاستمتاع، بدليل: أنه لو آلى منها أو ظاهر.. لم يصح، ولو وجدته عنينًا أو مجبوبًا.. لم يثبت لها الخيار.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يعضلهن؛ لئلا يفجرن. وله أن يفصل بعضهن عن بعض. والمستحب أن يساوي بينهن) .
وإن كان تحته إماء وزوجات، فبات عند بعض إمائه.. لم يجب عليه القضاء؛ لأن قسم الإماء غير مستحق، فهو كما لو بات في المسجد.
стр. 4870
وله أن يطوف على إمائه بغسلٍ واحد،، وهو: أن يجامع واحدة بعد واحدة، ثم يغتسل.
وإن كان تحته زوجات.. فله أن يطوف عليهن بغسل واحد إذا حللنه عن ذلك في القسم؛ لما روي: «أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد» .
وبالله التوفيق
стр. 4871
[باب النشوز]
إذا ظهر من المرأة أمارات النشوز، بقول أو فعل.. وعظها.
فـ (أمارته بالقول) : هو أن يكون من عادته إذا دعاها.. أجابته بالتلبية، وإذا خاطبها.. أجابت خطابه بكلام جميل حسن، ثم صارت بعد ذلك إذا دعاها.. لا تجيب بالتلبية، وإذا خاطبها أو كلمها.. لا تجيبه بكلام جميل.
و (ظهور أمارته بالفعل) : هو أن يكون من عادته إذا دعاها إلى الفراش.. أجابته باشة طلقة الوجه، ثم صارت بعد ذلك تأتيه متكرهة. أو كان من عادتها إذا دخل إليها.. قامت له وخدمته، ثم صارت لا تقوم له ولا تخدمه.
فإذا ظهر له ذلك منها.. فإنه يعظها، ولا يهجرها ولا يضربها. هذا قول عامة أصحابنا.
وقال الصيمري: إذا ظهرت منها أمارات النشوز.. فله أن يجمع بين العظة والهجران.
والأول هو المشهور؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا النشوز بفعله فيما بعد، ويحتمل أن يكون لضيق صدرٍ من غير جهة الزوج، أو لشغل قلبٍ.
وإن نشزت منه، بأن دعاها إلى فراشه فامتنعت منه، فإن تكرر ذلك الامتناع منها.. فله أن يهجرها، وله أن يضربها.
والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] [النساء: ٣٤] .
стр. 4872
وإن نشزت منه مرة واحدة.. فله أن يهجرها، وهل له أن يضربها؟ فيه قولان:
أحدهما: ليس له أن يضربها- وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لأنها تستحق العقوبة على قدر جرمها؛ بدليل: أنها لا تستحق الهجران لخوف النشوز، فكذلك لا تستحق الضرب بالنشوز مرة واحدة.
فعلى هذا: يكون ترتيب الآية: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] : إذا نشزن، و: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] : إذا أصررن على النشوز.
والثاني: له أن يضربها، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] .
فظاهر الآية: أن له أن يفعل الثلاثة الأشياء لخوف النشوز، فدل الدليل على: أنه لا يهجرها ولا يضربها عند خوف النشوز، وبقيت الآية على ظاهرها إذا نشزت.
ولأنها معصية يحل هجرانها، فأحلت ضربها، كما لو تكرر منها النشوز.
إذا ثبت هذا: فـ (الموعظة) : أن يقول لها: ما الذي منعك عما كنت آلفه من برك، وما الذي غيرك، اتقي الله وارجعي إلى طاعتي؛ فإن حقي واجب عليك، وما أشبه ذلك.
و (الهجران) : هو أن لا يضاجعها في فراش واحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] ..
ولا يهجر بالكلام، فإن فعل.. لم يزد على ثلاثة أيام. فإن زاد عليها.. أثم؛ لما روي: (أن النبي ﷺ «نهى أن يهجر الرجل أخاه فوق ثلاثة أيام»
стр. 4873
وأما (الضرب) : فقال الشافعي: (لا يضربها ضربًا مبرحًا، ولا مدميًا، ولا مزمنًا، ويتقي الوجه) .
فـ (المبرح) : الفادح الذي يخشى تلف النفس منه، أو تلف عضو.
و (المدمي) : الذي يجرح، فيخرج الدم.
و (المزمن) : أن يوالي الضرب على موضع واحد؛ لأن القصد منه التأديب.
ويتوقى الوجه؛ لأنه موضع مجمع المحاسن. ويتوقى المواضع المخوفة.
قال الشافعي: (ولا يبلغ به حدّا) . ومن أصحابنا من قال: لا يبلغ به الأربعين؛ لأنها كحد الخمر أقل حدود الحد.
ومنهم من قال: لا يبلغ به العشرين؛ لأن العشرين حد في العبد؛ لأنه تعزير.
وليس للزوج أن يضرب زوجته على غير النشوز، بقذفها له أو لغيره؛ لأن ذلك إلى الحاكم. والفرق بينهما: أن النشوز لا يمكنه إقامة البينة عليه، بخلاف سائر جناياتها.
إذا ثبت هذا: فروي: أن النبي ﷺ قال: «لا تضربوا إماء الله» .
وروي «عن عمر ﵁: أنه قال: كنا معشر قريش يغلب رجالنا نساءنا، فقدمنا المدينة، فوجدنا نساءهم تغلب رجالهم، فخالط نساؤنا نساءهم، فذئرن
стр. 4874
على أزواجهن، فأتيت النبي ﷺ وقلت: ذئر النساء على أزواجهن! فأذن رسول الله ﷺ بضربهن، فأطاف بآل رسول الله نساء كثير كلهن يشتكين أزواجهن، فقال النبي ﷺ : لقد طاف بآل محمد سبعون امرأة، كلهن يشتكين أزواجهن، وما تجدون أولئك بخياركم» .
فإذا قلنا: يجوز نسخ السنة بالكتاب.. فيحتمل أن يكون النبي ﷺ نهى عن ضربهن، ثم نسخ الكتاب السنة يقوله: وَاضْرِبُوهُنَّ، ثم أذن رسول الله ﷺ في ضربهن موافقًا للكتاب، غير أنه بين أن تركه أولى بقوله: "وما تجدون أولئك بخياركم ".
وإن قلنا: إن نسخ السنة لا يجوز بالكتاب.. احتمل أن يكون النهي عن ضربهن متقدمًا، ثم نسخه النبي ﷺ وأذن في ضربهن، ثم ورد الكتاب موافقًا للسنة في ضربهن.
ومعنى قوله: (ذئر النساء على أزواجهن) أي: اجترأن على أزواجهنِ.
قال الصيمري: وقيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البقرة: ٢٢٨] : سبع تأويلات.
إحداها: أن حل العقدة إليه دونها.
والثاني: أن له ضربها عند نشوزها.
والثالث: أن عليها الإجابة إذا دعاها إلى فراشه، وليس عليه ذلك.
الرابع: أن له منعها من الخروج، وليس لها ذلك.
الخامس: أن ميراثه منها على الضعف من ميراثها منه.
السادس: أنه لو قذفها.. كان له إسقاط حقها باللعان، وليس لها ذلك.
السابع: موضع الدرجة اشتراكهما في لذة الوطء، واختص الزوج بتحمل مؤونة الصداق والنفقة والكسوة وغير ذلك.
стр. 4875
[مسألة نشوز الزوج]
وأما إذا ظهر من الزوج أمارات النشوز، بأن يكلمها بكلام غير لين، أو لا يستدعيها إلى الفراش كما كان يفعل وغير ذلك.. فلا بأس أن تترك له بعض حقها من النفقة والكسوة والقسم؛ تطيب بذلك نفسه، وبذلك ورد قَوْله تَعَالَى:
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] [النساء: ٢٨] .
قالت عائشة ﵂: (نزلت هذه الآية في امرأة إذا دخلت في السن.. جعلت يومها لامرأة أخرى) .
وإن ظهر من الزوج النشوز، بأن منعها ما يجب لها من نفقة وكسوة وقسم وغير ذلك.. أسكنها الحاكم إلى جنب ثقة عدل؛ ليستوفي لها حقها.
وإن ادعى كل واحد منهما على صاحبه النشوز بمنع ما يجب عليه.. أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة عدل؛ لكي يشرف عليهما، فإذا عرف الظالم منهما.. منعه من الظلم. وإن بلغ ما بينهما إلى الشتم أو إلى الضرب وتخريق الثياب.. بعث الحاكم حكمين ليجمعا بينهما أو يفرقا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] الآية [النساء: ٣٥] .
وهل هما وكيلان من قبل الزوجين، أو حكمان من قبل الحاكم؟ فيه قولان:
أحدهما: أنهما وكيلان من قبل الزوجين - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لما روى
стр. 4876
عبيدة السلماني قال: جاء إلى علي بن أبي طالب ﵁ رجل وامرأة، ومع كل واحد منهما فئام من الناس - يعني: جماعة - فقال علي ﵁: (ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) ، ثم قال للحكمين: (أتدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا.. جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا.. فرقتما) ، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الرجل: أما الجمع: فنعم، وأما الفرقة: فلا، فقال علي: (كذبت: لا والله، لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك) ، فاعتبر رضاه.
ولأن الطلاق بيد الزوج، وبدل العوض بيد المرأة، فافتقر إلى رضاهما.
فعلى هذا: لا بد أن يوكل كل واحد منهما الحكم من قبله على الجمع أو التفريق.
والثاني: أنهما حكمان من قبل الحاكم. وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق، وهو الأشبه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] [النساء: ٣٥] ، وهذا خطاب لغير الزوجين، وسماهما الله تعالى حكمين.
فعلى هذا: لا يفتقر إلى رضا الزوجين.
إذا ثبت هذا: فإن الحكمين يخلو كل واحد منهما بأحد الزوجين وينظر ما عنده، ثم يجتمعان ويتشاوران. فإن رأيا الجمع بينهما.. لم يتم إلا برضاهما.
وإن رأيا التفريق بينهما، فإن رأيا أن يفرقا فرقة بلا عوض.. أوقعها الحاكم من قبل الزوج. وإن رأيا أنهما يفرقان بينهما بعوض.. بذل الحاكم من قبلها العوض عليها، وأوقع الحاكم من قبل الزوج الفرقة.
стр. 4877
والمستحب: أن يكونا من أهلهما؛ للآية. ولأنهما أعلم بباطن أمرهما. وإن كان من غير أهلهما.. جاز؛ لأن الحاكم والوكيل يصح أن يكون أجنبيًا.
ولا بد أن يكونا من حرين مسلمين ذكرين عدلين؛ لأنا إن قلنا: إنهما حكمان.
فلا بد أن يكون الحكم بهذه الشرائط. وإن قلنا: إنهما وكيلان، إلا أنه توكيل من قبل الحاكم.. فلا بد أن يكونا كاملين.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإن قلنا: إنهما حكمان.. فلا بد أن يكونا فقيهين. وإن قلنا: إنهما وكيلان.. جاز أن يكونا من العامة.
وإن غاب الزوجان أو أحدهما، فإن قلنا: إنهما وكيلان.. صح فعلهما؛ لأن تصرف الوكيل يصح بغيبة الموكل. وإن قلنا: إنهما حاكمان.. لم يصح فعلهما؛ لأن الحكم لا يصح للغائب وإن صح الحكم عليه؛ لأن كل واحد منهما محكوم له وعليه.
وإن جنا أو أحدهما.. لم يصح فعلهما؛ لأنا إن قلنا: إنهما وكيلان.. بطلت وكالة من جن موكله. وإن قلنا: إنهما حاكمان.. فإنهما يحكمان للشقاق، وبالجنون زال الشقاق.
وإن لم يرضيا أو أحدهما، فإن قلنا: إنهما حاكمان.. لم يعتبر رضاهما، وإن قلنا: إنهما وكيلان.. لم يجبرا على الوكالة، فينظر الحاكم فيما يدعيه كل واحد منهما، فإذا ثبت عنده.. استوفاه له من الآخر.
وإن كان لهما أو لأحدهما حق على الآخر من مهر أو دين.. لم يصح للحكمين المطالبة به إلا بالوكالة قولا واحدًا، كالحاكم.
وبالله التوفيق
стр. 4878
[كتاب الخلع]
سمي الخلع خلعا؛ لأن المرأة تخلع نفسها منه، وهي لباس له؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] [البقرة: ١٨٧] .
ويسمى: الافتداء؛ لأنها تفتدي نفسها منه بما تبذله من العوض.
إذا ثبت هذا: فالخلع ينقسم ثلاثة أقسام: مباحين، ومحظور.
فـ (أحد المباحين) : إذا كرهت المرأة خلق الزوج أو خلقته أو دينه، وخافت أن لا تؤدي حقه، فبذلت له عوضا ليطلقها.. جاز ذلك وحل له أخذه بلا خلاف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البقرة: ٢٢٩] .
وروى الشافعي عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن حبيبة بنت سهل: «أن النبي ﷺ خرج إلى صلاة الصبح وهي على بابه، فقال: " من
стр. 4879
هذه؟ " فقالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: " ما شأنك " فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت - تعني: زوجها ثابت بن قيس - فلما جاء ثابت قال له رسول الله ﷺ : " هذه حبيبة تذكر ما شاء الله أن تذكر "، فقالت: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال النبي ﷺ لثابت: " خذ منها "، فأخذ منها، وجلست في أهلها» . وفي رواية غير الشافعي: (أنها اختلعت من زوجها) .
وقال الشيخ أبو إسحاق: جميلة بنت سهل.
وروي: «أن الربيع بنت معوذ بن عفراء اختلعت على عهد رسول الله ﷺ » .
(القسم الثاني من المباح) : أن تكون الحال مستقيمة بين الزوجين، ولا يكره أحدهما الآخر، فتراضيا على الخلع.. فيصح الخلع، ويحل للزوج ما بذلت له. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم.
стр. 4880
وقال النخعي، والزهري، وعطاء، وداود، وأهل الظاهر: (لا يصح الخلع، ولا يحل له ما بذلته) . واختاره ابن المنذر.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] [النساء: ٤] ، ولم يفرق. ولأن رفع عقد الزواج يجوز عند خوف الضرر، فجاز من غير ضرر، كالإقالة في البيع.
(القسم الثالث) : هو أن يضربها، أو يخوفها بالقتل، أو يمنعها نفقتها وكسوتها لتخالعه، فهذا المحظور؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] [النساء: ١٩] . و (العضل) : المنع.
فإن خالعته في هذه الحالة.. وقع الطلاق، ولا يملك الزوج ما بذلته على ذلك. فإن كان بعد الدخول.. كان رجعيا؛ لأن الرجعة إنما تسقط لأجل ملكه المال، فإذا لم يملك المال.. كان له الرجعة.
فإن ضربها للتأديب للنشوز فخالعته عقيب الضرب.. صح الخلع؛ لـ: «أن ثابت بن قيس كان قد ضرب زوجته، فخالعته مع علم النبي ﷺ بالحال، ولم ينكر عليهما» . ولأن كل عقد صح قبل الضرب صح بعده، كما لو حد الإمام رجلا ثم اشترى منه شيئا عقيبه.
قال الطبري: وهكذا لو ضربها لتفتدي منه، فافتدت نفسها منه عقيبه طائعة.. صح ذلك؛ لما ذكرناه.
وإن زنت فمنعها حقها لتخالعه، فخالعته.. ففيه قولان:
стр. 4881
أحدهما: أنه من الخلع المباح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] [النساء: ١٩] ، فدل على: أنها إذا أتت بفاحشة.. جاز عضلها.
والثاني: أنه من الخلع المحظور؛ لأنه خلع أكرهت عليه بمنع حقها، فهو كما لو أكرهها بذلك من غير زنا. وأما الآية: فقيل: إنها منسوخة بالإمساك بالبيوت، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] [النساء: ١٥] ، ثم نسخ ذلك بالجلد والرجم.
[مسألة ما يصح الخلع به ومقداره]
] : ويصح الخلع بالمهر المسمى، وبأقل منه، وبأكثر منه. وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأكثر أهل العلم.
وقال طاوس، والزهري، والشعبي، وأحمد، وإسحاق: (لا يصح الخلع بأكثر من المهر المسمى) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البقرة: ٢٢٩] ، ولم يفرق، ولأنه عوض مستفاد بعقد فلم يتقدر، كالمهر والثمن.
ويصح بالدين والعين والمنفعة، كما قلنا في المهر.
[مسألة: لا يحق للأب تطليق زوجة ابنه القاصر]
] : ولا يجوز للأب أن يطلق امرأة ابنه الصغير أو المجنون بعوض ولا بغير عوض.
وقال الحسن وعطاء وأحمد: (له أن يطلقها بعوض وبغير عوض) .
وقال مالك: (له أن يطلقها بعوض، ولا يصح بغير عوض) .
стр. 4882
دليلنا: قوله ﷺ : «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» . ولأن في ذلك إسقاط حقه من النكاح، فلم يصح من الأب، كالإبراء عن دينه.
[فرع: طلب الأب من ختنه طلاق ابنته ويبرئه من مهرها]
وإن قال رجل لآخر: طلق ابنتي وأنت بريء من مهرها، أو على أنك براء من مهرها، فطلقها الزوج.. وقع الطلاق، ولا يبرأ من مهرها، سواء كانت كبيرة أو صغيرة؛ لأنها إن كانت كبيرة.. فلأنه لا يملك التصرف في مالها. وإن كانت صغيرة.. فلا يجوز له التصرف في مالها بما لا حظ لها فيه. ولا يلزم الأب شيء للزوج؛ لأنه لم يضمن له.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إذا قلنا: إن الولي الذي بيده عقدة النكاح.. صح إذا كانت صغيرة أو مجنونة. وهذا ليس بشيء؛ لأن هذا الإبراء قبل الطلاق.
وإن قال: طلقها وأنت بريء من مهرها وعلي ضمان الدرك، أو إذا طالبتك فأنا ضامن، فطلقها.. وقع الطلاق بائنا، ولا يبرأ الزوج من المهر، ويكون له الرجوع على الأب، وبماذا يرجع عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: بمهر مثلها.
والثاني: بمثل مهرها المسمى. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا قال: طلقها على أنك بريء من مهرها، فطلقها.. لم يقع الطلاق. وأما إذا قال: وأنت بريء من صداقها وأنا ضامن، أو إذا طالبتك فأنا ضامن.. ففيه وجهان، بناء على القولين فيمن بيده عقدة النكاح.
стр. 4883
ولو خالعه الأب بعين من أعيان مالها، وضمن الأب دركها.. وقع الطلاق بائنا، ولا يملك الزوج العين. وبماذا يرجع على الأب؟ على قولين:
أحدهما: بمهر مثلها.
والثاني: ببدل العين. هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا كان الزوج جاهلا بأنها من مالها.. فسد العوض، وفيما يرجع به على الأب قولان. وإن علم أنها من مالها، فإن نسب الأب ذلك إلى مالها.. وقع الطلاق رجعيا. وإن أطلق.. فوجهان:
أحدهما: يقع رجعيا؛ لأنه قد علم أنه من مالها.
والثاني: يقع بائنا، ولا يملك العين. وبماذا يرجع على الأب؟ على القولين؛ لأنه إذا لم يضف ذلك إلى مالها.. احتمل انتقال ملكها إلى الأب.
[مسألة: لا تخالع السفيهة]
] : ولا يجوز للسفيهة أن تخالع بشيء من مالها ولا في ذمتها، سواء أذن لها الولي أو لم يأذن؛ لأنه لا حظ لها في ذلك. فإن فعلت ذلك.. وقع الطلاق رجعيا؛ لأن الرجعة لا تسقط؛ لأن الزوج يملك العوض، ولم يملكه.
[فرع: جواز مخالعة العبد والمكاتب]
] : ويجوز للعبد أن يخالع زوجته بإذن سيده وبغير إذنه؛ لأنه يملك أن يطلقها بغير عوض بغير إذن سيده، فلأن يملك ذلك بالعوض أولى. ولكن لا يجوز للزوجة أن تسلم العوض إليه بغير إذن سيده؛ لأنه ملك للسيد، فإن أذن لها في تسليم المال إلى العبد فسلمته إليه.. برئت بذلك.
стр. 4884
ويجوز للمكاتب أن يخالع زوجته بإذن السيد وبغير إذنه؛ لما ذكرناه في العبد. ويجوز له أن يقبض المال منها بغير إذن سيده؛ لأنه من أهل القبض.
[فرع: الإذن للأمة والمكاتبة بالمخالعة]
] : وإذا أذن السيد لأمة أن تخالع زوجها.. فإطلاق إذنه ينصرف إلى الخلع بمهر مثلها.
فإذا خالعت بمهر مثلها أو أقل في ذمتها.. صح ذلك. فإن كانت مأذونا لها في التجارة.. أدت المال مما في يدها. وإن كانت مكتسبة.. أدت العوض من كسبها. وإن كانت غير مكتسبة ولا مأذون لها.. ثبت ذلك في ذمتها إلى أن تعتق.
وقال المسعودي [في الإبانة] : هل يكون السيد ضامنا له بإذنه لها؟ فيه قولان، كما قلنا فيه إذا أذن لعبده في النكاح، وكان العبد غير مأذون له ولا مكتسب.
وإن اختلعت على أكثر من مهر مثله.. كان مهر مثلها في كسبها، وكانت الزيادة على مهر مثلها في ذمتها إلى أن تعتق.
وإن اختلعت بغير إذن سيدها.. صح الخلع. فإن كان بعوض في ذمتها.. كان ذلك في ذمتها إلى أن تعتق. وإن كان على عين في يدها.. وقع الطلاق بائنا، ولا يملك الزوج العين؛ لأنها ملك للسيد. وهل يرجع عليها بمهر مثلها، أو ببدل العين في ذمتها إلى أن تعتق؟ على القولين.
وإن خالعت المكاتبة زوجها بغير إذن سيدها.. فهي كالأمة إذا اختلعت بغير إذن سيدها.
وإن كان بإذن سيدها.. فقد نص الشافعي: (أنه لا يصح الخلع) . وأراد تسمية العوض، وأما الطلاق: فيقع. وقال: (إذا وهبت لغيرها عينا في يدها بإذن سيدها.. هل يصح؟ فيه قولان) .
стр. 4885
فـ[الأول] : من أصحابنا من قال: في الخلع قولان، كالهبة، وإنما نص على أحدهما.
و [الثاني] : منهم من قال: لا يصح إذنه في عوض الخلع قولا واحدا. والفرق بينهما: أن في الهبة يحصل الثواب لهما جميعا، والخلع إنما يستفاد به رجوع البضع إليها، فلا يجوز أن يشاركها السيد في العقد وتنفرد هي بملك البضع.
فإن قلنا: لا يصح.. فهو كما لو اختلعت بغير إذن سيدها.
وإن قلنا: يصح، فإن قدر لها العوض فزادت عليه.. كانت الزيادة في ذمتها تتبع بها إذا عتقت، والمأذون فيه فيما بيدها أو بكسبها.
وإن أطلق الإذن.. اقتضى ذلك مهر مثلها. فإن زادت عليه.. كانت الزيادة في ذمتها، وقدر مهر مثلها فيما بيدها أو بكسبها.
[مسألة: طلب الأجنبي الطلاق أو الخلع على مال]
] : إذا قال رجل لآخر: طلق امرأتك بألف علي، فطلقها.. وقع الطلاق بائنا، واستحق الزوج الألف على السائل.
وبه قال عامة أهل العلم، إلا أبا ثور فإنه قال: (يقع الطلاق رجعيا، ولا يستحق على السائل عوض) .
دليلنا: أن الزوج له حق على المرأة يجوز لها أن تسقطه عن نفسها بعوض، فجاز ذلك لغيرها، كما لو كان عليها دين.
قال المسعودي [في الإبانة] : وإن سأل رجل امرأة أن تختلع من زوجها على ألف، فاختعلت.. فإن الألف على السائل.
стр. 4886
[مسألة: صحة الخلع في الحيض ومن غير حاكم]
] : ويصح الخلع في الحيض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البقرة: ٢٢٩] ، ولم يفرق. وخالعت حبيبة بنت قيس زوجها بإذن النبي ﷺ ، ولم يسألها: هل هي حائض أم طاهر؟ فدل على: أن الحكم لا يختلف.
ويصح الخلع من غير حاكم. وبه قال عامة أهل العلم.
وقال الحسن البصري وابن سيرين: لا يصح إلا بالحكم.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البقرة: ٢٢٩] ، ولم يفرق. ولأنه عقد معاوضة، فصح من غير حاكم، كالبيع والنكاح.
[مسألة: الخلع بصريح أو كنايات الطلاق]
] : إذا خالعها بصريح الطلاق، أو بشيء من كنايات الطلاق ونوى به الطلاق.. فهو طلاق ينقص به عدد الطلاق.
وإن خالعها بلفظة الخلع ولم ينو به الطلاق.. ففيه قولان:
أحدهما - وهو قوله في القديم -: (أنه فسخ) . وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وطاوس، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، واختاره ابن المنذر، والمسعودي [في الإبانة] ؛ لأنه نوع فرقة لا تثبت فيه الرجعة بحال، فكان فسخا، كما لو أعتقت الأمة تحت عبد ففسخت النكاح.
فعلى هذا: لا ينقص به عدد الطلاق، بل لو خالعها ثلاث مرات وأكثر.. حلت له قبل زوج.
стр. 4887
والثاني: (أنه طلاق) . وبه قال عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه؛ لأنه فرقة لا تفتقر إلى تكرار اللفظ، ولا تنفرد به المرأة، فكان طلاقا كصريح الطلاق.
فقولنا: (لا تفتقر إلى تكرار) احتراز من اللعان. وقولنا: (لا تنفرد به المرأة) احتراز من الردة.
فإذا قلنا بهذا: فهل هو صريح أو كناية؟ فيه قولان:
[أحدهما] : قال في " الإملاء ": (هو صريح في الطلاق؛ لأن دخول العوض فيه كدخول النية في كنايات الطلاق) .
و [الثاني] : قال في " الأم ": (هو كناية في الطلاق، فلا يقع به الطلاق إلا بالنية، كسائر كنايات الطلاق) .
فإذا قلنا: إنه طلاق.. نقص به عدد الطلاق.
وإذا قلنا: إن الخلع فسخ.. كان صريحه: الخلع والمفاداة؛ لأن الخلع وردت به السنة وثبت له عرف الاستعمال، والمفاداة ورد بها القرآن وثبت لها عرف الاستعمال.
وإن قالت: فاسخني على ألف، أو افسخني بألف، فقال: فاسختك أو فسختك.. فهل هو صريح في الفسخ، أو كناية فيه؟ على وجهين:
أحدهما: أنه كناية في الفسخ، فلا يقع به الفسخ حتى ينويا الفسخ؛ لأنه لم يثبت له عرف الاستعمال، ولم يرد به الشرع.
стр. 4888
والثاني: أنه صريح فيه، فينفسخ النكاح من غير نية، وهو الأصح؛ لأنه حقيقة فيه ومعروف في عرف أهل اللسان.
وإن قالت: خلني على ألف، أو بتني على ألف، وغير ذلك من كنايات الطلاق، فقال: خليتك أو بتتك، ولم ينويا الطلاق، فإن قلنا: إن الخلع صريح في الطلاق بدخول العوض.. صارت هذه الكنايات صريحة في الطلاق بدخول العوض فيها.
وإن قلنا: إن الخلع كناية في الطلاق، فإن نويا الطلاق في هذه الكنايات.. كان طلاقا بائنا واستحق العوض.
وإن لم ينويا الطلاق.. لم يقع الطلاق ولم يستحق العوض؛ لأن الكناية لا يقع بها الطلاق من غير نية. وإن نوت الطلاق ولم ينو الزوج.. لم يقع الطلاق؛ لأنه هو الموقع. وإن نوى الزوج الطلاق ولم تنو هي.. ففيه وجهان، وحكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يقع طلقة رجعية ولا يستحق العوض؛ لأنه نوى الطلاق ولم يوجد منها استدعاء الطلاق.
والثاني - وهو المذهب -: أنه لا يقع طلاقا؛ لأنه أوقعه بعوض، فإذا لم يثبت العوض.. لم يقع به الطلاق.
وإن قلنا: إن الخلع فسخ ونويا بهذا الكنايات الفسخ.. فهل ينفسخ النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينفسخ؛ لأن الفسخ لا يصح تعليقه بالصفة، فلم يصح بالكناية.
والثاني: ينفسخ، وهو المذهب؛ لأنه أحد نوعي الفرقة، فانقسم إلى الصريح والكناية، كالطلاق.
وإن خالعها بصريح الخلع ونويا به الطلاق، فإن قلنا: إن الخلع صريح في الطلاق، أو كناية فيه.. وقع الطلاق.
стр. 4889
وإن قلنا: إنه فسخ.. فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا يقع به الطلاق، ويكون فسخا؛ لأنه صريح في الفسخ، فلم يجز أن يكون كناية في حكم آخر من النكاح، كما لا يجوز أن يكون الطلاق كناية في الظهار.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: أنه يقع به الطلاق؛ لأنه يحتمل الطلاق، وقد اقترنت به نية الطلاق.
[فرع: طلبت الخلع عن عوض فطلقها وعكسه]
] : إذا قالت: خالعني على ألف ونوت به الطلاق، فقال: طلقتك.. وقع الطلاق بائنا واستحق الألف، سواء قلنا: الخلع صريح في الطلاق أو كناية؛ لأنا إن قلنا: إنه صريح.. فقد أجابها إلى ما سألت. وإن قلنا: إنه كناية.. فقد سألت كناية وأجابها بالصريح، فكان أكثر مما سألت.
وإن قالت: طلقني على ألف، فقال: خالعتك ونوى به الطلاق، وقلنا: إنه صريح في الطلاق.. استحق الألف.
وقال ابن خيران: إذا قلنا: إنه كناية.. لم يقع عليها طلاق ولم يستحق الألف؛ لأنها بذلت الألف للصريح ولم يجبها إليه.
والأول أصح؛ لأن الكناية مع النية كالصريح.
وإن لم ينو به الطلاق.. لم يقع به طلاق ولا فسخ؛ لأنه لم يجبها إلى ما سألت.
وإن قالت: اخلعني على ألف، فقال: طلقتك على ألف، وقلنا: الخلع فسخ.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقع عليه طلاق ولا يستحق عوضا؛ لأنه لم يجبها إلى ما سألت.
والثاني: يقع عليها الطلاق ويستحق الألف؛ لأنه أجابها إلى أكثر ما سألت منه.
стр. 4890
[فرع: الخلع من غير ذكر العوض]
] : وإن قال: خالعتك، فقالت: قبلت، ولم تذكر العوض، فإن قلنا: الخلع طلاق، فإن نوى به الطلاق.. وقع عليها رجعيا ولا شيء عليها؛ لأنها لم تلتزم له عوضا.
وإن قلنا: إن الخلع فسخ.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يكون هذا شيئا؛ لأنه لم يذكر المال.
والثاني: أنه خلع فاسد، فيلزمها مهر مثلها؛ لأنه قد وجد اللفظ الصريح في الخلع.
وهكذا: لو قال: بعتك هذا العبد، فقال: قبلت، ولم يذكر الثمن، فقبضه المشتري.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه ليس ببيع، فيكون أمانة في يد المشتري.
والثاني: أنه بيع فاسد، فيضمنه بالقبض.
[مسألة: صحة الخلع منجزا ومعلقا]
] : يصح الخلع منجزا؛ لما فيه من المعاوضة. ويصح معلقا بشرط؛ لما فيه من الطلاق.
فـ (المنجز) : أن يوقع الفرقة بعوض، مثل أن يقول الزوج: طلقتك، أو خالعتك، أو خلعتك، أو فاديتك، أو فديتك بألف، فتقول الزوجة عقيب قوله: قبلت، كما يقول البائع: بعتك هذا بألف، ويقول المشتري: قبلت. وللزوج أن يرجع في الإيجاب قبل القبول، كما قلنا في البيع.
فإن قالت الزوجة: طلقني بألف، فقال الزوج عقيب استدعائها: طلقتك، أو قالت: اخلعني أو خالعني بألف، فقال عقيب استدعائها: خلعتك أو خالعتك.. صح، كما يقول المشتري: بعني هذا بألف فيقول البائع: بعتك. فإن تأخرت إجابته لها
стр. 4891
على الفور.. بطل الاستدعاء، ولها أن ترجع قبل أن يجيبها، كما قلنا في المشتري.
فإن قالت الزوجة: خالعتك بألف، فقال الزوج: قبلت.. لم يصح ولم يقع بذلك فرقة؛ لأن الإيقاع إليه دونها، وقوله: قبلت ليس بإيقاع، فهو كما لو قالت له: طلقتك بألف، فقال: قبلت.
وإن قالت له: إن طلقتني، أو إذا طلقتني، أو متى طلقتني، أو متى ما طلقتني فلك علي ألف، فقال: طلقتك.. وقع الطلاق بائنا، واستحق الألف عليها؛ لأنه الطلاق لا يحتاج إلى استدعائها ورضاها به. ولهذا: لو طلقها بنفسه.. صح. وإنما الذي يحتاج إليه منها هو التزامها للمال وقد وجد الالتزام منها. ويعتبر أن يكون جوابه على الفور؛ لأنه معاوضة محضة من جهتها، فاقتضى الجواب على الفور.
وإن قال: إن بعتني هذا فلك ألف.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في الإبانة] :
أحدهما: يصح، كما قلنا في الخلع.
والثاني: لا يصح، وهو المشهور؛ لأن البيع تمليك يحتاج فيه إلى رضا المملك، وقوله: إن بعتني، ليس بقبول ولا جار مجراه.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: إن قالت له: أجزت لك ألفا لتطلقني أو على أن تطلقني، فقال: أنت طالق.. طلقت، واستحق عليها الألف.
وقال ابن الصباغ: إذا استأجرته على أن يطلق ضرتها.. لم يصح.
وأما (المعلق) : فمثل أن يعلق الطلاق على ضمان مال أو إعطاء مال، فينظر فيه:
فإن كان بحرف (إن) مثل أن يقول: إن ضمنت لي ألفا فأنت طالق، فإن قالت: ضمنت لك، بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه.. وقع الطلاق؛ لأنه وجد الشرط. وإن تأخر الجواب عن قوله بزمان طويل أو بعد أن أخذت في كلام.. لم يقع
стр. 4892
الطلاق، ولم يلزمها الألف؛ لأنه معاوضة، ومن شرطها القبول فيه على الفور. وإن ضمنت له في المجلس بعد زمان ليس بطويل.. ففيه وجهان، حكاهما الصيمري، قال: وظاهر النص: أنه يلزم ذلك.
وإن قال: إن أعطيتني ألفا.. فأنت طالق، فأعطته ألفا، بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه.. وقع الطلاق، ويكفي أن تحضر الألف وتأذن له في قبضها، سواء أخذها أو لم يأخذها؛ لأنه يقع عليها اسم العطية. وإن تأخرت العطية عن الفور بسبب منها، بأن لم تعطه إياها، أو بسبب منه، بأن غاب أو هرب.. لم يقع الطلاق؛ لأنه لم يوجد الشرط. وإذا أخذ الألف.. فهل يملكها؟
قال عامة أصحابنا: يملكها؛ لأنه معاوضة، فملكها كما لو قال: طلقتك على هذه الألف، فقالت: قبلت.
وحكى أبو علي السنجي فيها وجهين:
أحدهما: يملكها؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يملكها، وهو قول المزني وابن القاص؛ لأنه معاوضة، فلم يصح تعليقها على الصفة، كالبيع.
فعلى هذا: يرد الألف إليها ويرجع عليها بمهر مثلها. والأول هو المشهور.
فإن قال: إن قبضت منك ألفا.. فأنت طالق، فجاءته بألف ووضعته بين يديه وأذنت له في قبضه، فلم يقبضه.. لم يقع عليها الطلاق؛ لأن الصفة لم توجد. وإن أكرهها على الإقباض فقبض.. قال المسعودي [في الإبانة] : وقع الطلاق رجعيا، ورد المال إليها.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويصح رجوع الزوج قبل الضمان والعطية، كما قلنا فيما عقد بلفظ المعاوضة.
فإن قالت: طلقني بألف، فقال: أنت طالق إن شئت، فإن وجدت المشيئة منها
стр. 4893
بالقول جوابا لكلامه على الفور.. وقع الطلاق بائنا، ولزمها الألف؛ لأنه علق الطلاق بالمشيئة منها وقد وجدت. وإن تأخرت مشيئتها عن الفور.. لم يقع الطلاق؛ لأن الشرط لم يوجد؛ لأنه لم يرض بطلاقها إلا بعوض ولا يلزم العوض إلا بالقبول على الفور.
وإن قالت: طلقني بألف، فقال لها: طلقي نفسك إن شئت، فإن قالت: طلقت نفسي.. طلقت، ولزمها الألف. ولا يشترط أن تقول: شئت؛ لأن طلاقها لنفسها يدل على مشيئتها.
وإن كان ذلك بحرف من الحروف التي لا تقتضي الفور، كقوله: متى ضمنت لي ألفا.. فأنت طالق، أو متى ما ضمنت لي، أو أي وقت ضمنت لي، أو أي حين ضمنت لي، أو أي زمان، فمتى ضمنت له على الفور أو على التراخي.. وقع عليها الطلاق؛ لأن هذه الألفاظ تستغرق الزمان كله وتعمه في الحقيقة، بخلاف (إن) : فإنه لا يعم الزمان ولا يستغرقه، وإنما هو كلمة شرط يحتمل الفور والتراخي، إلا أنه لما قرن به العوض.. حمل على الفور؛ لأن المعاوضة تقتضي الفور.
فإن رجع الزوج قبل الضمان.. لم يصح رجوعه؛ لأنه تعليق طلاق بصفة، فلم يصح رجوعه كما لو قال لها: إن دخلت الدار.. فأنت طالق.
وإن كان ذلك بحرف (إذا) ، بأن قال: إذا أعطيتني ألفا، أو إذا ضمنت لي ألفا فأنت طالق.. فقد ذكر أكثر أصحابنا: أن حكمه حكم قوله: إن ضمنت لي ألفا، أو إن أعطيتني ألفا؛ لأنها كلمة شرط لا تستغرق الزمان، فهي كقوله: إن ضمنت لي.
وقال الشيخ أبو إسحاق: حكمه حكم قوله: متى ضمنت لي، أو أي وقت ضمنت لي؛ لأنها تفيد ما تفيده متى، وأي وقت، ولهذا: لو قال: متى ألقاك.. جاز أن يقول: إذا شئت، كما يجوز أن يقول: متى شئت، وأي وقت شئت. بخلاف (إن) : فإنها لا تفيد ما تفيد متى، ولهذا: لو قال له: متى ألقاك.. لم يجز أن يقول: إن شئت. وهكذا إذا قال: أنت طالق أن أعطيتني ألفا - بفتح الهمزة - وقع الطلاق في الحال، وتقديره: لأجل أنك أعطيتني ألفا.
стр. 4894
وإن قال: أنت طالق إذ أعطيتني ألفا.. وقع عليها الطلاق وكان مقرا: بأنها أعطته ألفا، فترد إليها.
[فرع: شرط عليها ضمان مبلغ وتطليق نفسها]
] : إذا قال لها: إن ضمنت لي ألفا فطلقي نفسك.. فإنه يقتضي ضمانا وتطليقا على الفور، بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه. وسواء قالت: ضمنت الألف وطلقت نفسي، أو قالت: طلقت نفسي وضمنت الألف.. فإنه يصح؛ لأنه تمليك بعوض، فكان القبول فيه على الفور، كالنكاح والبيع.
[فرع: الطلاق المؤجل على عوض]
] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو أخذ منها ألفا على أن يطلقها إلى شهر، فطلقها.. فالطلاق ثابت، ولها الألف، وعليه مهر المثل) .
قال أصحابنا: وهذا يحتمل ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه أراد إذا مضى الشهر طلقها.. فلا يصح؛ لأنه سلف في الطلاق.
الثاني: أنه أراد أن يطلقها الآن، ثم يرفع الطلاق بعد شهر.. فلا يصح؛ لأن الطلاق إذا وقع.. لم يرتفع.
الثالث: أنه أراد أن يطلقها إن شاء الساعة، وإن شاء إلى مضي شهر.. فلا يصح لأنه سلف في الطلاق، ولأن وقت إيقاع الطلاق مجهول.
وإن قالت له: إذا جاء رأس الشهر وطلقتني.. فلك علي ألف، فطلقها عند رأس الشهر، أو قال لها: إذا جاء رأس الشهر.. فأنت طالق على الألف، فقالت قبلت.. ففيه وجهان:
стр. 4895
أحدهما: يصح؛ لأن الطلاق يصح تعليقه على الصفات.
الثاني: لا يصح، وهو الأصح؛ لأن المعاوضة لا يصح تعليقها على الصفات. فإذا قلنا: يصح.. قال ابن الصباغ: وجب تسليم العوض في الحال؛ لأنها رضيت بتأجيل المعوض.
وإن قلنا: لا يصح، فأعطته ألفا.. وقع عليها الطلاق، وردت الألف إليها، ورجع عليها بمهر مثلها.
[مسألة: الخلع المنجز على العوض المملوك أو الفاسد]
] : وإن خالعها خلعا منجزا على عوض معلوم بينهما تملكه.. صح الخلع وملك العوض بالعقد. فإن هلك العوض قبل القبض.. رجع عليها ببدله، وفي بدله قولان:
[أحدهما] : قال في الجديد.. (مهر مثلها) .
و [الثاني] : قال في القديم: (مثل العوض إن كان له مثل، أو قيمته إن لم يكن له مثل) . كما قلنا في الصداق إذا تلف في يد الزوج قبل القبض.
وإن خالعها على خمر، أو خنزير، أو شاة ميتة، وما أشبه ذلك فيما لا يصح بيعه.. وقع الطلاق بائنا، ورجع عليها بمهر مثلها قولا واحدا.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: (يقع الطلاق، ولا يرجع عليها بشيء) .
دليلنا: أن هذا عقد على البضع، وإذا كان المسمى فاسدا.. وجب مهر مثلها، كما لو نكحها على ذلك.
وإن خالعها على ما في هذا البيت من المتاع ولا شيء فيه.. وقع الطلاق بائنا، ورجع عليها بمهر مثلها قولا واحدا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: (يرجع عليها بمثل المتاع المسمى) .
دليلنا: أنه عقد على البضع بعوض فاسد، فوجب مهر المثل، كما لو سمى ذلك في النكاح.
стр. 4896
وإن قال: خالعتك على ما في هذه الجرة من الخل، فبان خمرا.. وقع الطلاق بائنا. قال الشافعي في " الأم ": (وله مهر مثلها) .
قال أصحابنا: ويحكى فيه القول القديم: (أنه يرجع عليها بمثل الخل) .
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن الخل مجهول فلا يمكن الرجوع إليه. هذا مذهبنا.
وقال أحمد: (يرجع عليها بقيمة الخل) .
دليلنا: ما مضى في التي قبلها.
[مسألة: خالعها على شرط رضاع وحضانة ولده]
] : إذا خالع امرأته على أن ترضع ولده وتحضنه وتكفله بعد الرضاع، وبين مدة الرضاع، وقدر الطعام وصفته، والأدم وصفته، وكم يحل منه في كل يوم، وكان الطعام والأدم مما يجوز السلم فيه، وبين مدة الكفالة بعد الرضاع.. فالمنصوص (أنه يصح) .
ومن أصحابنا من قال: هل يصح العوض؟ فيه قولان؛ لأن هذا جمع أصولا للشافعي في كل واحد منها قولان:
أحدها: البيع والإجارة؛ لأن في هذا إجارة الرضاع، وابتياعا للنفقة.
والثاني: السلم على شيئين مختلفين.
والثالث: فيه السلم على شيء إلى آجال.
والصحيح: يصح قولا واحدا؛ لأن السلم والبيع إنما لم يصح على أحد القولين؛ لأن كل واحد منهما مقصود، والمقصود هاهنا هو الرضاع والباقي تبع له، ويجوز في التابع ما لا يجوز في غيره، ألا ترى أنه يجوز أن يشتري الثمرة على الشجرة مع الشجرة قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع، ولو اشترى الثمرة وحدها.. كذلك لم يصح.
стр. 4897
وأما السلم على شيء إلى آجال، وعلى شيئين إلى أجل.. فإنما لم يصح؛ لأنه لا حاجة به إليه، وهاهنا به إلى هذا حاجة؛ لأنه كان يمكنه أن يسلم على كل واحد وحده، وهاهنا لا يمكنه الخلع على ذلك مرتين.
إذا ثبت هذا: فإن عاش الولد حتى استكمل مدة الرضاع وحل وقت النفقة.. فللأب أن يأخذ كل يوم قدر ما يحل عليها من النفقة والأدم فيه، فإن شاء أخذه لنفسه وأنفق على ولده من ماله، وإن شاء أنفقه على ولده. فإن كان ذلك أكثر من كفاية الولد. كانت الزيادة للأب. وإن كان أقل من كفاية الولد. كان على الأب تمام نفقة الولد.
وإن أذن لها في إنفاق ذلك على الولد.. فقد قال أكثر أصحابنا: يصح ذلك، كما لو كان في ذمته لغيره دين فأمره بدفعه إلى إنسان.. فإنه يبرأ بدفعه إليه، وسواء كان المدفوع إليه ممن يصح قبض أو ممن لا يصح قبضه، كما لو كان له في يده طير فأمره بإرساله.
وقال ابن الصباغ: يكون في ذلك وجهان، كالملتقط إذا أذن له الحاكم في إنفاق ماله على اللقيط.
وإن مات الصبي بعد استكماله الرضاع دون مدة النفقة.. لم يبطل العوض؛ لأنه قد استوفى الرضاع، ويمكن الأب أخذ النفقة، فيأخذ ما قدره من النفقة. وهل يحل عليها ذلك بموت الولد، أو لا يستحق الأب أخذه إلا على نجومه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل عليها، فيطالبها به الأب؛ لأن تأجيله إنما كان لحق الولد.
والثاني: لا يستحق أخذه إلا على نجومه، وهو الأصح؛ لأنه وجب عليها هكذا، وإنما مات المستوفي.
وإن مات الصبي بعد أن رضع حولا، وكانت مدة الرضاع حولين.. فهل تنفسخ الإجارة في الحول الثاني، أو لا تنفسح بل يأتيها بصبي آخر لترضعه؟
قال المسعودي [في الإبانة] : إن لم يكن الصبي الميت منها.. لم تنفسخ الإجارة قولا واحدا، بل يأتيها بصبي آخر لترضعه. وإن كان الولد الميت منها.. فهل تنفسح
стр. 4898
الإجارة، أو لا تنفسح بل يأتيها بصبي آخر لترضعه؟ فيه قولان.
والفرق بينهما: أنها تدر على ولدها ما لا تدر على غيره. وسائر أصحابنا حكوا القولين من غير تفصيل.
أحدهما: لا تنفسخ، فيأتيها بصبي آخر؛ لأن الصبي الميت مستوفى به، فلم تبطل الإجارة بموته، كما لو اكترى دابة ليركبها إلى بلد فمات قبل أن يستوفي الركوب.
والثاني: ليس له أن يأتيها بغيره، بل تنفسخ الإجارة؛ لأن الرضاع يتقدر بحاجة الصبي إليه، وحاجتهم تختلف، فلم يقم غيره مقامه، بخلاف الركوب، ولأنه عقد على إيقاع منفعة في عين، فإذا تلفت تلك العين.. لم يقم غيرها مقامها، كما لو اكترى دابة ليركبها إلى بلد فماتت.
فإذا قلنا بهذا، أو قلنا بالأول، ولم يأت بمن يقيمه مقامه.. انفسخ العقد في الحول الثاني. وهل ينفسخ في الحول الأول وفيما بقي من العوض؟ فيه طريقان، كما قلنا فيمن استأجر عينا حولين فتلفت في أثنائها.
فإن قلنا: لا يبطل العقد في الحول الأول ولا في النفقة.. فقد استوفى الرضاع في الحول الأول، وله أن يستوفي النفقة. وهل يحل جميعها عليها، أو يستوفيها على نجومها؟ على الوجهين. وأما الحول الثاني: فقد انفسخ العقد فيه، وبماذا يرجع عليها؟ فيه قولان:
أحدهما: بأجرة الحول الثاني.
والثاني: بقسطه من مهر المثل.
فعلى هذا: يقسم مهر المثل على أجرة الرضاع في الحولين وعلى قيمة النفقة والأدم، فما قابل أجرة الحول الثاني.. أخذه، وما قابل غيره.. لم يستحقه عليها.
وإن قلنا: يبطل العقد عليها في الجميع.. رجع عليها بمهر مثلها، ورجعت عليه بأجرة رضاعها في الحول الأول.
وإن قلنا: له أن يأتيها بولد آخر، فإن أتاها به.. فحكمه حكم الأول. وإن أمكنه
стр. 4899
أن يأتي به، فلم يفعل حتى مضى الحول الثاني.. ففيه وجهان:
أحدهما: يسقط حقه من إرضاعها في الحول الثاني؛ لأنه أمكنه استيفاء حقه وفوته باختياره، فهو كما لو اكترى دابة ليركبها شهرا، فحبسها حتى مضى الشهر ولم يركبها.
والثاني: لا يسقط حقه؛ لأن المستحق بالعقد إذا تعذر تسليمه حتى تلف.. لم يسقط حق مستحقه، سواء كان بتفريط منه أو بغير تفريط، كما لو اشترى عبدا وقدر على قبضه فلم يقبضه حتى مات في يد البائع، بخلاف الدابة؛ فإن منفعتها تلفت تحت يده.
وإن ماتت المرأة.. نظرت: فإن ماتت بعد الرضاع.. لم يبطل العقد، بل يستوفي النفقة من مالها. وإن ماتت قبل الرضاع أو في أثنائه، أو انقطع لبنها.. انفسخ العقد فيما بقي من مدة الرضاع؛ لأن المعقود عليه إرضاعها، وقد تعذر ذلك، فبطل العقد، كما لو استأجر دابة ليركبها فماتت قبل استيفاء الركوب. وهل يبطل العقد فيما بقي من العوض؟ على الطريقين فيمن استأجر عبدا سنة فمات في يده في أثنائها، والتفريع على الطريقين كما مضى.
وإن خالعها على خياطة ثوب، فهلك الثوب قبل الخياطة.. فهل يبطل العقد، أو لا يبطل العقد ويأتيها بثوب آخر لتخيطه؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الصبي إذا مات.
[مسألة: علق طلاقها بشرط حصوله على عبد]
] : وإن قال: إن أعطيتني عبدا فأنت طالق، فأعطته على الفور عبدا تملكه، صغيرا كان أو كبيرا، سليما كان أو معيبا.. فإنها تطلق؛ لوجود الصفة، ولا يملكه؛ لأنه مجهول، ويرجع عليها بمهر مثلها قولا واحدا؛ لأنه مجهول.
وإن أعطته عبدا مكاتبا، أو مغصوبا، أو مرهونا.. لم تطلق؛ لأن إطلاق العطية إنما ينصرف إلى عبد يصح تملكه، وهذا مما لا يصح تملكه، فلم يوجد الشرط.
стр. 4900
وإن قال: إن أعطيتني عبدا من صفته كذا وكذا - ووصفه بالصفات التي يصح السلم فيها على العبيد - فأعطته عبدا على الفور بتلك الصفات، فإذا قبضه.. طلقت عليه؛ لوجود الصفة. فإن كان سليما.. استقر ملكه عليه، وإن كان معيبا.. فهو بالخيار: بين أن يمسكه وبين أن يرده؛ لأن إطلاق العبد يقتضي السليم. فإن أمسكه.. استقر ملكه عليه، وإن رده.. رجع عليها بقيمته في قوله القديم، وبمهر مثلها في القول الجديد، كما لو خالعها على عبد معين فتلف في يدها قبل القبض. وإن أعطته عبدا ناقصا عن الصفات التي وصفها.. لم تطلق؛ لأن الصفة لم توجد.
وإن خالعها على عبد موصوف في ذمتها خلعا منجزا.. وقعت الفرقة بينهما بالإيجاب والقبول. فإن دفعت إليه عبدا بتلك الصفات.. لزمه أخذه، كما قلنا في من أسلم في عبد. فإن وجده معيبا.. فهو بالخيار: بين أن يمسكه، وبين أن يرده. فإن أمسكه.. فلا كلام، وإن رده.. طالبها ببدله سليما؛ لأن العوض في ذمتها. وإن قالت: طلقني على هذا العبد، فقال: طلقتك.. وقع الطلاق وملكه. فإن كان سليما.. استقر ملكه عليه، وإن كان معيبا.. فهو بالخيار: بين أن يمسكه، وبين أن يرده. فإن رده.. رجع عليها بقيمته في قوله القديم، وبمهر مثلها في قوله الجديد، ولا تطالب بعبد سليم؛ لأن العقد تعلق بعينه، فهو كما لو اشترى عبدا فوجده معيبا.
وإن كانت لا تملكه.. وقع عليها الطلاق ولم يملكه الزوج، ورجع عليها بقيمته في قوله القديم، وبمهر مثلها في قوله الجديد.
وإن قال: إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق، وأشار إلى عبد بعينه، فأعطته إياه وكانت تملكه.. طلقت لوجود الصفة. فإن كان سليما.. استقر ملكه عليه، وإن كان معيبا.. فله أن يمسكه، وله أن يرده. فإن أمسكه.. فلا كلام، وإن رده.. رجع بقيمته في قوله القديم، وبمهر مثلها في قوله الجديد. هذا قول عامة أصحابنا.
стр. 4901
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجيء على قوله القديم أن لا يرده، ويرجع بأرش العيب؛ لأن الواجب قيمته، وما يجب قيمته.. فإنما يجب عند تلفه دون نقصانه، كالمغضوب.
والأول أصح؛ لأن العيب الموجود في المعقود عليه إنما يثبت الرد، فلا يجوز الرجوع بالأرش مع إمكان الرد.
وإن أعطته العبد المعين وهي لا تملكه.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو علي بن أبي هريرة: لا يقع عليها الطلاق؛ لأن الإعطاء يقتضي ما تملكه، فهو كما لو قال: إن أعطيتني عبدا فأنت طالق، فأعطته عبدا مغصوبا أو مكاتبا.
والثاني: يقع عليها الطلاق، وهو المذهب؛ لأنه علق الطلاق على عطية ذلك العبد بعينه، وقد وجدت الصفة، فوقع الطلاق وإن كانت لا تملكه، كما لو علقه على عطية خمر أو خنزير فأعطته إياها. ويخالف إذا علق الطلاق على عطية عبد غير معين، فأعطته عبدا مغصوبا.. فإن فوض الاجتهاد إليها، فانصرف الإطلاق إلى عبد تملكه.
قال ابن الصباغ: وهذان الوجهان يشبهان الوجهين فيمن وكل رجلا ليشتري له عبدا بعينه فوجده الموكل معيبا.. فهل له رده؟ على الوجهين.
فإذا قلنا: يقع الطلاق.. فإنه لا يملك العبد، ولكن يرجع عليها بقيمته في قوله القديم، وبمهر مثلها في قوله الجديد.
[فرع: خالعته على هذا الثوب المروي فكان هرويا أو كتانا]
] : وإن قالت: خالعني على هذا الثوب على أنه مروي، فقال: خالعتك، فخرج الثوب هرويا.. صح الخلع؛ لأنهما جنس واحد من القطن، وإنما هما نوعان، ويكون بالخيار: بين إمساكه ورده؛ لأنه لم يسلم له النوع المشروط، فهو كما لو وجده معيبا، فإن رده.. رجع بقيمته في قوله القديم، وبمهر المثل في قوله الجديد.
стр. 4902
فإن قيل: هلا قلتم: إذا رد العوض بالعيب في الخلع ارتفع الطلاق، كما قلتم في السيد إذا كاتب عبده على عوض فقبضه، فوجده معيبا، فرده.. ارتفع العتق؟
قلنا: الفرق بينهما: أن الخلع والكتابة الصحيحة يجمع كل واحد منهما صفة ومعاوضة، إلا أن المغلب في الكتابة الصحيحة المعاوضة، والمغلب في الخلع الصفة؛ بدليل أنه لو كاتب عبدا على مالين في ذمته كتابة صحيحة ثم أبرأه عنهما.. عتق.. ولو علق طلاق امرأته على مال في ذمتها ثم أبرأها منه.. لم تطلق. فوزان الخلع: الكتابة الفاسدة؛ فإن المغلب فيها الصفة.
وإن قال لامرأته: إن أعطيتني ثوبا مرويا فأنت طالق، فأعطته ثوبا هرويا.. لم تطلق؛ لأن الصفة لم توجد.
وإن قالت: خالعني على هذا الثوب على أنه مروي، فقال: خالعتك، فخرج كتانا.. صح الخلع؛ لأنه وقع على ثوب معين، ولكن لا يملك الزوج الثوب؛ لأنه من غير جنس الثوب المسمى، فهو كما لو خالعها على خل فخرج خمرا، فيرجع عليها بقيمته في قوله القديم، وبمهر مثلها في قوله الجديد.
وحكى المحاملي: أن الشيخ أبا حامد حكى وجها آخر: أن الزوج بالخيار: بين إمساكه ورده، كما لو خرج هرويا؛ لأن العين واحدة وإنما اختلف جنسه.
والأول هو المشهور.
[فرع: خالعته على حمل الجارية أو ما في جوفها]
] : إذا قالت له: طلقني على ما في جوف هذه الجارية من الحمل، فقال: أنت طالق.. وقع الطلاق بائنا، ورجع عليها بمهر مثلها.
وقال أبو حنيفة: (إن خرج الولد سليما.. استحقه الزوج، وإن لم يكن شيئا فعليها مهر مثلها) .
стр. 4903
دليلنا: أن كل ما لا يصح أن يكون عوضا في غير الخلع.. لا يصح أن يكون عوضا في الخلع، كالخمر.
وإن قالت: طلقني على ما في جوف هذه الجارية، ولم تقل: من الحمل، فقال: أنت طالق.. فهي كالأولى عندنا.
وقال أبو حنيفة: (إن خرج الولد سليما.. استحقه الزوج، وإن لم يكن شيئا.. فلا شيء له؛ لأنها إذا قالت: من الحمل.. فقد وقع الخلع على مال، وإذا لم تقل ذلك.. لم يقع على مال) .
ودليلنا: أن الخلع وقع على مجهول، فهو كما لو قالت: اخلعني على ثوب.
[مسألة: طلبتا الطلاق على مبلغ فأجابهما أو إحداهما]
] : وإن كان له امرأتان، فقالتا له: طلقنا على ألف درهم، فقال: أنتما طالقان - جوابا لكلامهما - وقع عليهما الطلاق، وهل يصح تسميتهما للألف؟ فيه قولان، كما قلنا فيمن كاتب عبدين على عوض واحد.
فإذا قلنا: تصح التسمية.. قسمت الألف عليهما على قدر مهر مثلهما. وإن قلنا: إن التسمية لا تصح.. رجع عليهما بمثل الألف في القول القديم؛ لأن لها مثلا، فيقسم عليهما على مهر مثلهما وعلى القول الجديد: يرجع على كل واحدة منهما بمهر مثلها.
وإن أخر الطلاق عن الفور، ثم طلقها.. كان رجعيا، إلا أن يقول: أنتما طالقان على ألف، فتقولان عقيب قوله: قبلنا، فتكون كالأولى.
وإن قالتا له: طلقنا على ألف بيننا نصفين، فطلقهما عقيب قولهما.. وقع الطلاق بائنا، واستحق على كل واحدة منهما خمسمائة قولا واحدا؛ لأن كل واحدة منهما استدعت الطلاق بعوض معلوم.
وإن قالتا له: طلقنا بألف، فطلق إحداهما على الفور ولم يطلق الأخرى.. وقع طلاق التي طلقها. وهل تصح التسمية بقسطها من الألف؟ على القولين.
стр. 4904
فإذا قلنا: تصح.. قسمت الألف على مهر مثلها ومهر مثل الأخرى، فما قابل مهر مثل المطلقة.. استحقه عليها.
وإن قلنا: التسمية فاسدة.. رجع عليها بحصتها من الألف في قوله القديم، وبمهر مثلها في قوله الجديد.
وإن طلقهما عقيب استدعائهما الطلاق، ثم ارتدتا.. لم تؤثر الردة؛ لأنها وقعت بعد الفرقة.
وإن ارتدتا عقيب استدعائهما الطلاق، ثم طلقهما في مجلس الخيار، فإن كانتا غير مدخول بهما.. بانتا بالردة، فلا يقع الطلاق ولا يلزمهما عوض.
وإن كانتا مدخولا بهما.. فإن طلاقهما موقوف على حكم نكاحهما، فإن انقضت عدتهما قبل أن يرجعا إلى الإسلام.. تبينا أن الفرقة وقعت بردتهما، فلا يقع عليهما الطلاق، ولا يلزمهما العوض. وإن رجعتا إلى الإسلام قبل انقضاء عدتهما.. تبينا أن الطلاق وقع عليهما، فلزمهما العوض. وفي قدر ما يلزم كل واحدة منهما ما ذكرناه في الأولى. وإن رجعت إحداهما إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها، وانقضت عدة الأخرى وهي باقية على الردة.. وقع الطلاق على التي رجعت إلى الإسلام - وفي قدر ما يلزمها من العوض ما ذكرناه إذا طلق إحداهما - ولم يقع الطلاق على الأخرى، ولا يلزمها عوض.
[فرع: قالتا طلقنا بألف فأجابهما على مشيئتهما]
] : وإن قالتا له: طلقنا بألف، فقال لهما على الفور: أنتما طالقان إن شئتما، فإن قالتا له على الفور: شئنا.. طلقتا، وفي قدر ما يلزم كل واحدة منهما من العوض ما ذكرناه إذا لم يعلق طلاقهما بمشيئتهما. وإن أخرتا المشيئة على الفور.. لم تطلقا؛ لأنه لم يوجد الشرط. وإن شاءت إحداهما على الفور ولم تشأ الأخرى.. لم تطلق واحدة منهما؛ لأنه علق طلاقهما بمشيئتهما، ولم توجد مشيئتهما.
стр. 4905
وإن كانت بحالها، وإحداهما بالغة رشيدة، والأخرى كبيرة محجور عليها، فقالتا: شئنا على الفور.. وقع عليهما الطلاق، إلا أن البالغة الرشيدة يقع الطلاق عليها بائنا، وفيما يستحقه عليها من العوض ما ذكرناه من القولين. وأما المحجور عليها: فيقع عليها الطلاق، ولا عوض عليه؛ لأنها ليست من أهل المعاوضة وإن كانت من أهل المشيئة، ولهذا يرجع إليها في النكاح وما تأكله.
وإن كانت صغيرة مميزة.. فهل تصح مشيئتها؟ فيه وجهان يأتي بيانهما.
وإن كانت صغيرة غير مميزة.. فهل تصح مشيئتها؟ فيه وجهان.
أو كبيرة مجنونة.. فلا مشيئة لها وجها واحدا.
[فرع: قالت طلقني وضرتي بألف]
فرع: [قالت إحداهما: طلقني وضرتي بألف أو طلقني بألف على أن تطلق ضرتي أو لا تطلقها] :
وإن قالت له إحدى زوجتيه: طلقني وضرتي بألف، فقال على الفور: أنتما طالقان.. وقع الطلاق عليهما بائنا؛ لأنها بذلت له العوض على طلاقها وطلاق ضرتها، وبذل العوض على الطلاق من الأجنبي يصح. وهل تصح التسمية؟
قال أصحابنا: فيه قولان؛ لأنه أوقع به الطلاق على امرأتين، فكان كما لو سألتاه الطلاق.
قال ابن الصباغ: ويحتمل عندي أن يقال هاهنا: يصح المسمى قولا واحدا؛ لأنه عقد واحد والعاقد واحد، وإن كان مقصوده يقع لهما، فهو كما لو كان لرجل على رجلين دين فصالحه أجنبي عنهما. فإن طلق إحداهما.. وقع عليها الطلاق.
فإن قلنا - لو طلقهما -: إن التسمية على قولين.. كان فيما يستحقه على الباذلة لأجل المطلقة قولان:
أحدهما: مهر مثل المطلقة.
والثاني: حصتها من الألف.
следующие страницы →