Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
[فرع: علق وطئها على طلاق الأخرى]
وهل يمنع من الفيئة لو علقه على طلاقها ثلاثا؟] :
وإن قال لها: إن وطئتك فامرأتي الأخرى طالق، فوطئ المولي منها.. طلقت الأخرى - قال - لأنه علق طلاقها بصفة، وقد وجدت الصفة، فوقع الطلاق.
وإن قال لامرأته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا، وأراد أن يفيء إليها.. فهل يمنع؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو علي بن خيران: يمنع من الفيئة؛ لأن بإيلاج الحشفة في الفرج يقع عليها الطلاق الثلاثة ويتعقبه التحريم؛ لأنها تصير أجنبية منه، وكل إيلاج يعقبه التحريم.. منع منه، كما لو أراد أن يولج من امرأته قبل الفجر في شهر رمضان، وعلم أن الفجر يطلع قبل أن ينزع.
فعلى هذا: يتعين عليه الطلاق، فنوقع عليه طلقة رجعية؛ لأن من خير بين شيئين إذا تعذر عليه أحدهما.. تعين عليه الآخر، كمن تعذر عليه العتق والكسوة في كفارة اليمين ووجد الإطعام.. فإنه يتعين عليه.
وقال أكثر أصحابنا: لا يمنع من الفيئة، وهو المذهب؛ لأن الإيلاج يصادف الزوجية، وينزع في الحال فلا يتعقبه التحريم.
وأما الإخراج: فإنه ترك للجماع، فلا إثم عليه فيه وإن لم يصادف الزوجية، كما لو استأجر دارا مدة.. فله أن يسكنها تلك المدة بكاملها، فإذا خرج منها عقيب انقضاء المدة.. فإنه لا يكون غاصبا لها وقت الخروج.
وأما ما ذكره ابن خيران في الصوم.. فقد قال بعض أصحابنا: إنه لا يمنع أيضا. فلا فرق بينهما على هذا.
وقال بعضهم: يمنع. والفرق بينهما على هذا: أنه لا يقطع أن ذلك الوقت من الليل؛ لأنه إنما يعلم ذلك بغلبة الظن، ويجوز أن يكون ذلك الوقت من النهار،
стр. 5182
فلهذا منع من الوطء. وهاهنا يتحقق أن وطأه يصادف زوجية، فلم يمنع منه. فوزانه من الصوم: أن يعلم أن ذلك الوقت من الليل بإخبار النبي ﷺ في زمانه، فلا يمنع الرجل فيه من الإيلاج.
فإذا قلنا بالمذهب: إنه لا يمنع، فإنه إذا غيب الحشفة في الفرج.. طلقت ثلاثا لوجود الشرط في طلاقها. ثم ينظر فيه:
فإن نزعه في الحال.. فلا شيء عليه لها - قال - كما إذا خرج المستأجر من الدار المستأجرة عقيب انقضاء مدة الإجارة.. فلا أجرة عليه لمدة خروجه.
فإن زاد على تغييب الحشفة، أو غيب الحشفة ولم ينزع في الحال بل أقر ذكره في فرجها.. لم يجب عليه الحد وجها واحدا؛ لأنه إيلاج واحد، فإذا لم يجب الحد في أوله.. لم يجب في آخره، ولا في استدامته. وهل يجب عليه بذلك مهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه بذلك مهر المثل؛ لأن الاستدامة كابتداء الإيلاج في الكفارة في الصوم، فكذلك في المهر.
والثاني: لا يجب عليه المهر؛ لأن هذه الاستدامة تابعة للإيلاج، فإذا لم يجب مهر المثل من الإيلاج.. لم يجب في الاستدامة.
وأما إن نزع منها في الحال، ثم أولجه ثانيا.. فإن الإيلاج الثاني في غير زوجية، فلا يخلو: إما أن يكونا جاهلين بالتحريم أو عالمين، أو أحدهما جاهلا والآخر عالما.
فإن كانا جاهلين بالتحريم؛ بأن جهلا أن الطلاق يقع بالإيلاج.. فلا حد عليهما للشبهة، ويجب لها عليه مهر مثلها؛ لأنه وطء شبهة، ويجب عليها العدة، ويلحقه النسب منه.
وإن كانا عالمين بالتحريم.. فهل يكونا زانيين؟ فيه وجهان:
стр. 5183
أحدهما: أنهما زانيان؛ لأنه إيلاج تام محرم من غير شبهة، فهو كما لو طلقها ثلاثا، ثم وطئها.
فعلى هذا: يجب عليهما الحد، ولا يجب لها المهر.
والثاني: لا يكونان زانيين؛ لأن قولنا: (إن الطلاق الثلاث يقع بتغييب الحشفة) إنما قلنا ذلك من طريق الاستدلال وغلبة الظن، وإلا فالظاهر من قوله: (إن وطئتك) أنه أراد الوطء التام، فصار ذلك شبهة.
فعلى هذا: لا يجب الحد عليهما، ويجب لها عليه مهر المثل.
وإن كان أحدهما جاهلا والآخر عالما، فإن كانت الزوجة جاهلة بالتحريم، والزوج عالما بالتحريم.. لم يجب عليها الحد، ويجب لها المهر. وهل يجب الحد على الزوج، ويلحقه النسب، ويجب عليها العدة؟ على الوجهين.
وإن كان الزوج جاهلا بالتحريم، وهي عالمة بالتحريم.. فلا حد على الزوج، ويجب عليها العدة، ويلحقه النسب. وهل يجب على المرأة الحد، ويجب لها المهر؟ على الوجهين.
[مسألة: امتناعه عن الفيئة والطلاق ونيابة الحاكم وماذا لو طلقت]
؟] : وإن لم يختر الزوج الفيئة وطلقها طلقة.. فقد أوفاها حقها. وإن طلقها اثنتين أو ثلاثا.. فقد تطوع بما زاد على واحدة.
وإن امتنع الزوج من الفيئة والطلاق.. فإن الحاكم لا ينوب عنه في الفيئة؛ لأن النيابة لا تدخل فيها، وهل ينوب عنه في الطلاق؟ فيه قولان:
قال في القديم: (لا ينوب عنه في الطلاق، وإنما يحبسه ويضيق عليه حتى يطلق) - وهي إحدى الروايتين عن أحمد - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] [البقرة: ٢٢٧] . فأضاف الطلاق إلى الأزواج، فدل على: أن الحاكم لا يطلق عليهم.
стр. 5184
ولقوله ﷺ : «الطلاق لمن أخذ بالساق» ، والزوج هو الذي يأخذ بالساق دون الحاكم. ولأنه أحد ما يخرج به من الإيلاء، فلم يكن للحاكم فيه مدخل، كالفيئة.
وقال في الجديد: (يطلق عليه الحاكم) . وهو قول مالك، والرواية الأخرى عن أحمد، وهو الأصح؛ لأنه حق تدخله النيابة لمعين، فإذا امتنع المستحق عليه.. قام الحاكم مقامه، كقضاء الدين.
فقولنا: (تدخله النيابة) احتراز من الفيئة.
وقولنا: (لمعين) احتراز ممن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، وامتنع من اختيار أربع منهن.
إذا ثبت هذا: فإن الحاكم يطلق عليه طلقة. فإن طلق عليه أكثر من واحدة.. لم يقع أكثر من واحدة؛ لأنه إنما يقوم مقامه في الواجب عليه، والواجب عليه طلقة.
وإذا طلق الزوج بنفسه طلقة أو طلقتين، أو طلق عليه الحاكم.. فإن الطلاق يقع رجعيا. وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو ثور: (يقع الطلاق بائنا؛ لأن هذه فرقة لإزالة الضرر، فإذا كانت رجعية.. ملك رجعتها، فلا يزول الضرر عنها، فوجب أن تقع بائنة، كفرقة العنة والإعسار بالنفقة) .
وهذا خطأ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البقرة: ٢٢٨] ، ولم يفرق بين أن يكون الطلاق في الإيلاء أو غيره. ولأنه طلاق صادف مدخولا بها من غير عوض ولا استيفاء عدد.. فكان رجعيا، كالطلقة في غير الإيلاء. ويخالف فرقة العنة والإعسار؛ فإن تلك فسخ وهذا طلاق.
стр. 5185
وقوله: (إذا راجعها لم يزل الضرر عنها) غير صحيح؛ لأنه إذا راجعها.. ضربت له المدة ثانيا.
إذا ثبت هذا: فإن راجعها وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر.. استؤنفت له مدة التربص أربعة أشهر، ثم يطالب بالفيئة أو الطلاق، على ما مضى.
وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فتزوجها، وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر.. فهل يعود حكم الإيلاء؟
على القول القديم: يعود حكم الإيلاء قولا واحدا.
وعلى القول الجديد: فيه قولان.
[فرع: علق طلاق إحداهما على جماع الثانية]
] : فإن كان له امرأتان، فقال: إن وطئت إحداكما فالأخرى طالق، فإن قال ذلك على طريق التعليل، وأرادهما جميعا بذلك.. صار موليا من كل واحدة منهما. وإن أراد واحدة بعينها، أو واحدة منهما لا بعينها.. فقد صار حالفا بطلاق إحداهما، وموليا من الأخرى.
فإذا مضت أربعة أشهر.. قال له الحاكم: أنت مول من إحداهما وحالف بطلاق الأخرى، فبين ذلك. فإذا بين التي آلى منها.. كان لها أن تطالبه بالفيئة أو الطلاق، فإن طلقها.. فقد أوفاها حقها، وبقيت الأخرى على النكاح. وإن فاء إليها.. طلقت الأخرى.
فإن امتنع من الفيئة إلى التي آلى عنها، أو من طلاقها.. فهل يطلقها الحاكم عليه، أو يضيق عليه حتى يطلقها؟ على القولين.
وإن امتنع من بيان المولي منها والمحلوف بطلاقها، وقلنا: إن الحاكم يطلق عليه
стр. 5186
المولي منها المعينة إذا امتنع من الفيئة أو الطلاق.. فقد قال ابن الحداد: إن الحاكم يقول له: طلقت عليك التي آليت منها، ثم أنت ممنوع من وطئها حتى تراجع التي طلقت عليك؛ لأن التي منع نفسه من وطئها بيمينه إحداهما بغير عينها دون الأخرى، إلا أنها ليست بمعينة، فهو كما لو قال: إحداكما طالق.
ومن أصحابنا من قال: يكون موليا منهما. وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن المولي هو الذي يلزمه بوطء زوجته شيء، وهذا إذا وطئ أيتهما كان.. حنث في يمينه، ووقع الطلاق على الأخرى، فكان موليا منهما.
وقال القفال: لا يطلق عليه الحاكم؛ لأن المستحقة منهما غير متعينة، فهي كرجلين قدما إلى القاضي برجل، فقالا: لأحدنا على هذا كذا.. فإن دعواهما لا تسمع، فكان هذا مثله.
[فرع: تكرار الحلف في الإيلاء]
] : إذا كرر اليمين في الإيلاء، فإن كان ذلك في مدة واحدة؛ بأن قال لواحدة: والله لا وطئتك والله لا وطئتك.. فإن إطلاقه يقتضي التأبيد.
أو قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر، والله لا وطئتك خمسة أشهر، ثم جامعها في الخمسة الأشهر، فإن قال: أردت باليمين الثانية تأكيد الأولى، وقلنا: تجب عليه الكفارة.. وجبت عليه كفارة واحدة. وإن قال: أردت بالثانية الاستئناف.. فهل تجب عليه كفارة أو كفارتان.. فيه قولان:
أحدهما: تجب عليه كفارتان؛ لأنه حنث في يمينين، فوجب عليه كفارتان، كما لو حلف يمينين على فعلين.
والثاني: تجب عليه كفارة واحدة؛ لأن الحنث لا يتكرر.
وإن قال: لم أقصد التأكيد ولا الاستئناف.. ففيه وجهان مأخوذان من القولين فيمن قال لامرأته المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق ولم يرد التأكيد ولا الاستئناف.
стр. 5187
وإن كانت اليمينان على مدتين، فإن قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر، والله لا وطئتك سنة.. فقد ذكرنا: أن ابتداء السنة من حين اليمين على المذهب. فإن وطئها بعد الخمسة الأشهر.. لم تلزمه إلا كفارة واحدة بكل حال؛ لأنه لم يحنث إلا في اليمين الثانية. وإن وطئها في الخمسة الأشهر، وإن قال: أردت باليمين الثانية التأكيد.. لم تلزمه إلا كفارة واحدة. وإن قال: أردت بها الاستئناف.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: هي على قولين كالأولى.
ومنهم من قال: تجب عليه كفارتان قولا واحدا. وهو اختيار أبي علي الطبري؛ لأنهما يمينان مختلفان.
[مسألة: وجود عذر يمنع من الجماع بعد مضي مدة التربص]
] : وإن انقضت مدة التربص وهناك عذر يمنع الجماع.. نظرت: فإن كان لمعنى من جهتها؛ بأن انقضت المدة وحدث بها مرض لا يمكن الجماع معه، أو أحرمت بإذنه، أو بغير إذنه ولم يحللها، أو حبست بحق أو بغير حق، أو كانت صائمة صوما واجبا، أو معتكفة اعتكافا واجبا، أو حائضا، أو نفساء.. فليس لها المطالبة بالفيئة أو الطلاق؛ لأنه لا يمكنه وطؤها لو اختاره، فلم يكن لها المطالبة، كما لو أراد وطأها فمنعته.
فإن قيل: فهلا قلتم: إذا مرضت، أو حاضت، أو نفست.. لا تسقط مطالبتها؛ لأن هذه الأسباب وقعت عليها بغير اختيارها؟
قلنا: إذا كان المانع لمعنى من جهتها.. فلا فرق بين أن يقع باختيارها أو بغير اختيارها، كما تسقط مطالبة البائع بالثمن إذا تلف المبيع قبل القبض باختياره أو بغير اختياره.
стр. 5188
وإن جنت بعد انقضاء المدة، أو أغمي عليها.. فقد قلنا: إن الولي لا يطالب الزوج بشيء؛ لأن الحق لها في ذلك دونه.
وإن كان العذر من جهته.. نظرت: فإن كان مجنونا أو مغمى عليه.. فإنه لا يطالب؛ لأن المطالبة إيجاب تكليف، وليس هو من أهل التكليف. فإذا أفاق.. طولب من ساعته بالفيئة أو الطلاق.
وإن كان محبوسا بغير حق في موضع لا تصل إليه المرأة، أو كان مريضا مرضا لا يقدر معه على الجماع، أو يقدر معه على الجماع إلا أنه يخاف من الجماع الزيادة في العلة أو تباطؤ البرء، فإن اختار أن يطلقها وطلقها.. فقد أوفاها حقها. وإن لم يختر أن يطلقها.. لزمه أن يفيء فيئة المعذور.
قال الشيخ أبو حامد: و (فيئة المعذور) : هو أن يقول: قد ندمت على ما فات، ولو قدرت على الفيئة.. لكنت أفيء.
وقال القاضي أبو الطيب: يقول: إذا قدرت.. وطئت.
قال ابن الصباغ: وهذا أحسن؛ لأن الفيئة: هو الرجوع، والرجوع هاهنا: أن يظهر رجوعه عن المقام على اليمين، وعزمه يحصل بذلك.
وقال أبو ثور: (لا يلزم المعذور أن يفيء باللسان؛ لأن الضرر لا يزول عنها بذلك) .
وهذا خطأ؛ لأن الفيئة تجب عليه على حسب إمكانه، إما بالفعل إن كان قادرا. فإذا كان عاجزا.. قامت الفيئة باللسان مقام الفعل، كالرجل إذا ثبتت له الشفعة وكان حاضرا.. فإنه يطالب بها، وإن كان غائبا. فإنه يجب عليه أن يشهد على نفسه أنه مطالب بالشفعة.
إذا ثبت هذا: وفاء باللسان على ما ذكرناه.. سقطت عنه المطالبة في الحال.
فإذا زال عذره.. كلف الإصابة في الحال من غير أن تضرب له المدة، كما قلنا في الشفيع إذا أشهد على نفسه إذا كان غائبا، فإذا حضر.. أخذ بالشفعة، وإلا.. سقط حقه.
стр. 5189
فإن امتنع المعذور أن يفيء باللسان أو يطلق.. فإن الحاكم لا ينوب عنه بالفيئة باللسان؛ لأنه لا يمكنه الوفاء من المولي بذلك، ولكن هل يطلق عليه؟ على القولين.
[فرع: المطالبة حال سفره]
] : إذا انقضت المدة وهو غائب عن البلد التي هي بها.. حلت لها المطالبة.
وإن وكلت رجلا يطالبه.. جاز؛ لأنه يطالبه بالفيئة أو الطلاق، والنيابة تصح في المطالبة.
فإذا طالبه وكيلها، فإن أمكنه المسير إليها.. قال له الوكيل: إما أن تسير معي لتفيء، أو تطلق، فإن اختار الفيئة.. قال ابن الصباغ: فاء فيئة معذور؛ وهو أن يقول: إن وصلت إليها وطئتها.. فيلزمه أن يسير على حسب الإمكان. وإن امتنع من المسير إليها.. تعين عليه الطلاق. فإن طلق، وإلا.. طلق عليه الحاكم في أحد القولين. وإن لم يمكنه المسير.. قيل له: أنت بالخيار: بين أن تطلق أو تفيء فيئة المعذور، فإن فاء فيئة معذور.. سقطت عنه المطالبة في هذه الحال. فإذا أمكنه السير.. سار، وإن لم يفعل.. تعين عليه الطلاق، فإن طلق، وإلا.. طلق عليه الحاكم في أحد القولين.
قال ابن الصباغ: وإن أراد أن يستوطن الموضع الذي هو فيه.. كان له أن يستدعيها إلى الموضع الذي هو فيه، فإذا وصلت إليه.. فاء إليها.
[مسألة: انقضاء المدة حالة الإحرام في الإيلاء]
مسألة: [انقضاء المدة حالة الإحرام] : وإن انقضت المدة وهو محرم.. فلها المطالبة بالفيئة أو الطلاق؛ لأنه أدخل نفسه في الإحرام، فلا يمنع ذلك من مطالبته. فإن طلقها.. فقد أوفاها حقها. وإن أراد أن يطأها.. فإنا نقول له: لا يحل لك هذا، فإن فعلت.. أثمت، ويفسد نسكك، ويلزمك ما يلزم المفسد. فإن اختار ذلك.. فهل لها أن تمتنع من ذلك؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب:
стр. 5190
أحدهما: لها أن تمتنع من ذلك؛ لأن هذا الوطء محرم، فلها أن تمتنع منه كما لو كان لرجل على رجل دين، فدفع إليه مالا مغصوبا.. فله أن يمتنع من قبضه.
والثاني: ليس لها أن تمتنع؛ لأن حقها في الوطء، وإنما حرم عليه لأجل إحرامه؛ ولهذا إذا وطئها.. سقط حقها. بخلاف المال المغصوب؛ فإنه لو قبضه.. لم يستوف حقه.
قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأن موافقتها له على المعصية لا تجوز.
فإذا قلنا بهذا: تعين عليه الطلاق.
وإذا قلنا بالثاني، ولم تمكنه من نفسها.. سقط حقها.
وإن لم يطأ ولم يطلق.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: يقنع منه بفيئة معذور؛ لأنه غير قادر على الوطء، فهو كالمريض والمحبوس.
والثاني: لا يقنع منه بذلك. ولم يذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ غيره، وهو ظاهر النص؛ لأنه ممتنع من الوطء بسبب من جهته.
[مسألة: مضي زمن التربص حال ظهاره]
] : وإن انقضت مدة التربص وهو مظاهر منها، ولم يكفر.. فلها المطالبة بالفيئة أو الطلاق.
فإن كان موسرا بالكفارة، وسأل أن يمهل بالفيئة إلى أن يشتري رقبة ويعتقها.. أمهل اليوم واليومين والثلاثة؛ لأنه قد لا يمكنه شراء الرقبة إلا بذلك.
وإن كان معسرا، وسأل أن يمهل إلى الصوم.. لم يلزمها ذلك؛ لأن مدة الصوم تطول.
стр. 5191
وإن كان موسرا أو معسرا، واختار أن يطأها قبل التكفير.. فإنا نقول له: لا يحل لك هذا؛ لأنه وطء محرم. فإن خالف ووطئها.. أثم بذلك، وأوفاها حقها، وهل لها أن تمتنع من الوطء قبل التكفير؟ فيه وجهان:
أحدهما وهو قول الشيخ أبي حامد: أنه ليس لها أن تمتنع، فإذا امتنعت.. سقط حقها من المطالبة إلى أن يزول التحريم، كما لو دفع إليها نفقتها فقالت: لا آخذ هذا؛ لأنه غصبه من فلان.. فإنه يقال لها: إما أن تأخذي هذا أو تبرئيه عن قدره من النفقة.
والثاني وهو قول الشيخ أبي إسحاق: أن لها أن تمتنع؛ لأنه وطء محرم، فإن لها أن تمتنع، كوطء الرجعية. ويخالف المال المغصوب؛ فإن الظاهر أنه ملك لمن هو بيده. فوزانه من مسألتنا: أن يتفقا على أنه مغصوب.. فلا يلزم من له الدين قبضه.
قال الطبري في " العدة ": فإذا قلنا بهذا: فهل يتعين عليه الطلاق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتعين عليه؛ لأن كل من كان مخيرا بين أمرين فتعذر عليه أحدهما.. تعين عليه الآخر، كما قلنا في كفارة اليمين.
والثاني: لا يتعين عليه؛ لأنه محبوس عن الوطء والطلاق، وإذا تعذر عن الوطء.. لم يتعين عليه الطلاق، كالمريض.
فإن خالفت، ومكنت من نفسها، ووطئها.. قال الشيخ أبو حامد: فإنها لا تأثم بذلك.
قال: وإن مكنت الحائض من نفسها فوطئها.. أثمت؛ لأن التحريم في المظاهر منها لعينها، وفي الحائض ليس من جهتها.
وعلى قياس ما قال الشيخ أبو إسحاق: إذا علمت المظاهر منها بالتحريم.. أثمت بالتمكين، كالحائض.
стр. 5192
[مسألة: ادعاء العجز بعد مضي المدة]
] : وإن انقضت المدة، فطالبته بالفيئة أو الطلاق، وادعى أنه عاجز عن الوطء، فإن كانت بكرا أو ثيبا لم يطأها، فإن صدقته على أنه عاجز.. لم تطالبه بالفيئة، بل إن طلقها.. أوفاها حقها. وإن لم يطلقها.. كان لها أن ترفع الأمر إلى الحاكم ليضرب له مدة العنة، فإن لم يطأها.. فسخ عليه الحاكم النكاح. وإن لم تصدقه على أنه عاجز.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه لا يقبل قوله، بل يتعين الطلاق؛ لأنه مخير بين الفيئة والطلاق، فإذا أقر بالعجز عن الفيئة.. تعين عليه الطلاق، كالمخير في أنواع الكفارة.
والثاني وهو المنصوص: (أن القول قوله مع يمينه أنه عاجز؛ لأنه أعلم بنفسه ويلزمه أن يحلف؛ لأنه متهم في ترك الفيئة. فإذا حلف.. لم يلزمه حكم الإيلاء؛ لأن المولي هو: الذي يقصد الإضرار بالامتناع من وطئها باليمين، وإذا كان عاجزا ولم يقصد الإضرار.. فلم يكن موليا) .
فعلى هذا: لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم؛ ليضرب له مدة العنة، فإن لم يطأها.. فسخ عليه النكاح.
وإن كانت ثيبا وقد وطئها.. فإنه لا يقبل قوله أنه عاجز؛ لأن الإنسان لا يكون عنينا في نكاح واحد في بعض الأوقات دون بعض، بل يطالب بالفيئة أو الطلاق على ما مضى.
[مسألة: إيلاء المجبوب]
] : فإن آلى المجبوب، وقلنا: يصح إيلاؤه، وانقضت المدة.. فلها أن تطالبه بالفيئة أو الطلاق. فإن طلقها.. فقد أوفاها حقها، وإن أراد أن يفيء.. اقتصر منه على فيئة معذور؛ وهو أن يقول: ندمت على ما فعلت، ولو قدرت على الوطء.. لوطئت.
стр. 5193
ولا يحتاج أن يقول: إذا قدرت فعلت؛ لأنه لا يمكنه ذلك. فإن لم يفعل.. فهل يطلق عليه الحاكم؟ على القولين.
وإن آلى منها وهو صحيح الذكر، ثم جب ذكره.. ثبت لها الخيار في فسخ النكاح؛ لأجل الجب. فإن فسخت.. سقط الإيلاء. وإن اختارت البقاء معه، فإن قلنا: لا يصح إيلاء المجبوب.. فحدوث الجب هاهنا يسقط حكم الإيلاء. وإن قلنا يصح إيلاؤه وانقضت المدة.. طولب بالفيئة أو الطلاق. فإن طلق.. فلا كلام، وإن اختار الفيئة.. فاء فيئة معذور، على ما مضى، وإن امتنع من ذلك.. طلق عليه الحاكم في أحد القولين. وحبسه وضيق عليه إلى أن يطلق في القول الآخر.
[مسألة: ادعاء الزوجة الإيلاء واختلفا فيه أو في انقضاء المدة أو في الإصابة]
] : إذا ادعت الزوجة على زوجها أنه آلى منها، فأنكر ولا بينة لها.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإيلاء.
وإن اتفقا على الإيلاء، واختلفا في انقضاء مدة التربص، فادعت الزوجة أن المدة قد انقضت، وقال الزوج: لم تنقض.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤها.
وإن اختلفا في الإصابة؛ فقال: أصبتك، وقالت: لم تصبني، فإن كانت ثيبا.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن ما يدعيه كل واحد منهما ممكن، والأصل بقاء النكاح، والمرأة تريد رفعه، فكان القول قوله.
وإن كانت بكرا.. عرضت على أربع من النساء عدول، فإن قلن: إنها ثيب.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لما ذكرناه. وإن قلن: إنها بكر.. فالقول قولها مع يمينها: أنه لم يطأها؛ وإنما حلفناها لجواز أن يكون قد وطئها ولم يبالغ في الوطء، فعادت البكارة.
فإن حلفت.. فلا كلام، وإن نكلت عن اليمين.. حلف الزوج. فإن نكل عن اليمين.. ففيه وجهان، حكاهما الصيمري:
стр. 5194
أحدهما: يحكم لها؛ لأنه معها ظاهرا، وهي البكارة.
والثاني: لا يحكم لها؛ لأن هذه البكارة محتملة أن تكون هي الأصلية، وأن تكون عائدة.
[فرع: آلى من ثيب قبل الدخول وادعى إصابتها]
] : وإن آلى الرجل من امرأته قبل أن يدخل بها، وضربت له مدة التربص، وادعى أنه أصابها، وأنكرت، وكانت ثيبا، فحلف الزوج: أنه أصابها، وأنكرت.. سقطت دعواها في الإيلاء. فإن طلقها بعد اليمين طلقة، ثم أراد أن يراجعها، وأنكرت أنه أصابها.. قال ابن الحداد: فالقول قولها مع يمينها: إنه ما أصابها؛ لأن الأصل وقوع الطلاق وثبوت التحريم، والزوج يدعي ما يرفعه، فلا يقبل قوله، ويمين الزوج إنما تثبت في حكم الإيلاء، فأما إثبات الرجعة عليها: فلا يثبت بها، بل القول قولها فيها.
وبالله التوفيق
стр. 5195
[كتاب الظهار]
стр. 5196
كتاب الظهار الظهار مشتق من الظهر، وإنما خصوا الظهر من بين أعضاء البدن؛ لأن كل مركوب يسمى ظهرا؛ لحصول الركوب على ظهره، فشبهت الزوجة به.
وقد كان الظهار في الجاهلية طلاقا، ثم نقل في الشرع إلى التحريم والكفارة.
وقيل: إنه كان طلاقا في أول الإسلام. والأول أصح. والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآية [المجادلة: ٢] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] .
وروي «أن خولة بنت مالك بن ثعلبة - وقيل: اسمها خويلة - قالت: (ظاهر مني
стр. 5197
زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه، فذكرت أمورا، وقلت: قدمت منه صحبتي، ونثرت له كنانتي، ولي منه صبية؛ إن ضمهم إليه.. ضاعوا، وإن ضممتهم إلي.. جاعوا. أشكو إلى الله عجزي وكبري، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه، ويقول: " اتقي الله، فإنه ابن عمك "، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] الآيات [المجادلة: ١] ، فقال رسول الله ﷺ : " يعتق رقبة "، قلت: لا يجد، قال: " فيصوم شهرين متتابعين ". قلت: يا رسول الله، شيخ كبير ما به من صيام! قال: " فليطعم ستين مسكينا ". قلت: ما عنده شيء يتصدق به، قال: " فأتي ساعتئذ بعرق من تمر "، قلت: يا رسول الله، وأنا أعينه بعرق آخر، قال: " أحسنت، اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك» . قال الأصمعي: العرق - بفتح العين والراء -: ما يشق من خوص، كالزنبيل الكبير.
وروى سليمان بن يسار، «عن سلمة بن صخر، قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان.. خشيت أن أصيب من امرأتي شيئا يتابع بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينما هي تحدثني ذات
стр. 5198
ليلة، إذ انكشف لي شيء منها، فلم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت.. خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر، وقلت: امضوا معي إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: لا والله، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته الخبر، فقال: " حرر رقبة "، قلت: والذي بعثك بالحق نبيا! ما أملك رقبة غيرها - وضربت صفحة رقبتي - فقال: " فصم شهرين متتابعين "، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟! قال: " فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينا "، قلت: والذي بعثك بالحق نبيا! لقد بتنا ما لنا طعام، قال: " فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق، فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من التمر، وكل أنت وعيالك بقيتها "، فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم» .
إذا ثبت هذا: فالظهار محرم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] [المجادلة: ٢] . ومعنى هذا: أن الزوجة لا تكون محرمة كالأم.
стр. 5199
[مسألة: يلزم الظهار ممن يصح طلاقه]
] : ويصح الظهار من كل زوج يصح طلاقه، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا.
وقال بعض الناس: لا يصح ظهار العبد.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح ظهار الذمي) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] الآية [المجادلة: ٣] . ولم يفرق بين الحر والعبد، والمسلم والذمي.
فإن قيل: في الآية ما يدل على أن العبد والذمي غير داخلين في الآية؛ لأن العبد ليس من أهل الإعتاق، والذمي ليس من أهل الصيام؟
قلنا: الآية عامة في الجميع، فإذا دل الدليل على أن العبد لا يعتق، والذمي لا يصح منه الصوم.. خرج ذلك بدليل، وبقي الباقي في الظهار على عمومه.
ولأنه زوج يصح طلاقه.. فيصح ظهاره، كالحر المسلم.
[فرع: ظهار السيد من أمته]
فرع: [صحة ظهار السيد من أمته] : ولا يصح ظهار السيد من أمته، وبه قال من الصحابة: ابن عمر، ومن الفقهاء: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد.
وقال الثوري ومالك: (يصح) , وبه قال علي.
دليلنا: أن الظهار لفظ يوجب التحريم في الزوجية، فلم يتعلق بالإماء، كالطلاق.
ولأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فنقل حكمه وبقي محله، كالإيلاء.
ويصح الظهار من كل زوجة، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة كانت أو مجنونة، يمكن جماعها أو لا يمكن، مدخولا بها أو غير مدخول بها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . وهذا عام لجميع النساء.
ولأنه كان طلاقا في الجاهلية، فنقل في الإسلام إلى التحريم وإيجاب الكفارة، وكل من صح منه الأصل.. صح ما نقل إليه.
стр. 5200
[مسألة: ألفاظ الظهار]
] : والظهار هو: أن يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ لما روي: «أن خولة بنت مالك قالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت قال لي: أنت علي كظهر أمي» .. فنزلت الآية في شأنها.
فإن قال: هي معه كظهر أمه، أو هي عنده، أو هي منه، أو هي عليه مثل ظهر أمه.. كان ظهارا؛ لأنه بمعنى: هي عليه كظهر أمه.
فإن قال: هي كظهر أمي.. فقد قال الداركي: لا يكون ظهارا؛ لأنه ليس فيه ما يدل على أن ذلك في حقه، بخلاف قوله: أنت طالق؛ لأن الطلاق هو من جنس الزوجية، والجنس له دون غيره.
وإن قال: هي عليه كبدن أمه.. فهو ظهار؛ لأن الظهر من جملة البدن.
وإن قال: هي عليه كروح أمه.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو قول الداركي -: أنه ظهار، نوى به الظهار أم لم ينوه؛ لأن البدن لا يقوم إلا بالروح، ولا يستمتع بالبدن إلا مع الروح، فهو كما لو شبهها ببدن أمه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه ليس بظهار، وإن نوى به الظهار؛ لأن الروح لا توصف بالتحريم؛ لأنه ليس بعين.
والثالث - وهو قول المسعودي، [في " الإبانة "]-: إن نوى به الظهار.. فهو ظهار، وإن لم ينو به الظهار.. لم يكن ظهارا؛ لأنه يحتمل أنها كالروح في الكرامة، ويحتمل أنه كبدن أمه في التحريم، فلم يكن ظهارا من غير نية.
[فرع: كنايات الظهار]
] : وإن قال: هي عليه كأمه، أو مثل أمه، أو هي أمه.. فهو كناية، فإن أراد بها كأمه في الكرامة والتوقير.. فليس بظهار، وإن أراد في التحريم.. فهو ظهار، وإن لم يكن له نية فليس بظهار، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 5201
وقال مالك وأحمد ومحمد بن الحسن: (يكون ظهارا) .
دليلنا: أنه يحتمل أنها كأمه في الإعزاز والكرامة، ويحتمل أنها كأمه في التحريم.. فلم يكن ظهارا من غير نية، كقوله: أنت خلية.
[فرع: فيما يلحق بظهر الأم]
] : وإن شبه امرأته بظهر جدته.. فهو ظهار، سواء كانت من قبل الأم أو من قبل الأب؛ لأن اسم الأم يقع عليها مجازا.
وإن قال: أنت علي كظهر أبي أو جدي.. لم يكن ظهارا.
وقال أبو القاسم: إذا شبهها بالمحرمين من الرجال.. كان ظهارا.
دليلنا: أن الظهار: أن يشبه زوجته بمن في جنسها استمتاع، والأب لا استمتاع في جنسه، فهو كما لو قال: أنت علي كظهر بهيمتي، بخلاف الأم؛ فإن في جنسها استمتاعا.
ولأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فنقل حكمه، ولم ينقل محله، والطلاق لا يتعلق بجنس الأب، بخلاف الأم.
فإن شبهها بظهر امرأة من ذوات محارمه غير الأم والجدة؛ بأن قال: أنت علي كظهر ابنتي أو أختي أو عمتي أو خالتي أو ابنة أخي.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا يكون ظهارا) ؛ لأن الظهار الذي ورد به القرآن أن يشبهها بظهر أمه، وللأم من الحرمة ما ليس لغيرها؛ بدليل: أنه إذا ملك أمه.. عتقت عليه، وهذا المعنى لا يوجد في غير الأم، فلم يكن بالتشبيه بها مظاهرا.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يكون ظهارا) . وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] [المجادلة: ٢] . فأخبر: أن الظهار منكر من القول وزور. ولأنه يشبه زوجته بمن ليست كهي، وهذا المعنى موجود فيما إذا شبهها بذوات المحارم.
وإن شبهها بمحرمة عليه برضاع، أو مصاهرة.. نظرت:
стр. 5202
فإن شبهها بمن حلت له ثم حرمت عليه، كأم امرأته، ومن تزوجها أبوه بعد ولادته، وأخته من الرضاع بعد ولادته، أو بمحرمة عليه تحل له في الثاني، كأخت زوجته، وخالتها، وعمتها.. لم يكن ظهارا.
وقال مالك وأحمد: (يكون ظهارا) .
دليلنا: أنه لم يشبهها بالأم، ولا بمن يشبهها في التحريم، فلم يصر بذلك مظاهرا، كما لو شبهها ببهيمة.
وإن شبهها بمن تحرم عليه على التأبيد ولم تحل له قط؛ بأن شبهها بامرأة تزوجها أبوه قبل أن يولد، أو بأخت له من الرضاعة أرضعتها أمه قبل ولادته.. فهي كالأخت والعمة على القولين.
وإن شبهها بأجنبية ليست بمحرمة على التأبيد.. لم يكن مظاهرا.
وقال أصحاب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إن شبهها بظهرها.. كان مظاهرا.
وإن شبهها بغيره، فمنهم من قال: هو ظهار. ومنهم من قال: هو طلاق.
دليلنا: أن هذه ليست بمحرمة عليه على التأبيد، فلا يكون بالتشبيه بها مظاهرا، كما لو شبهها بالمحرمة أو الصائمة من نسائه.
[فرع: التشبيه بعضو غير الظهر]
] : وإن شبه امرأته بعضو من أعضاء أمه غير ظهرها، بأن قال: أنت علي كرأس أمي، أو كيدها أو كرجلها أو كفرجها، أو شبه عضوا من زوجته بظهر أمه؛ بأن قال: يدك أو رجلك أو فرجك علي كظهر أمي.. فالمنصوص: (أنه ظهار) ، وبه قال مالك.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو شبه امرأته بأخته أو عمته. وليس بشيء؛ لأن غير الأم ليست كالأم، وغير الظهر كالظهر في التحريم.
стр. 5203
وقال أبو حنيفة: (إذا شبه زوجته بعضو من أعضاء أمه يحرم نظره إليه، كفرجها، أو فخذها.. فهو ظهار.
وإن شبهها بعضو لا يحرم نظره إليه كرأسها أو يدها أو رجلها.. لم يكن ظهارا) .
دليلنا: أنه شبه زوجته بعضو من أعضاء أمه، فكان ظهارا، كما لو شبهها بفخذها أو فرجها.
[فرع: الظهار يمين]
] : وتنعقد يمين الزوج بالظهار، مثل أن يقول: إن كلمت زيدا.. فأنت علي كظهر أمي، كما يصح أن يقول: إن كلمت زيدا.. فأنت طالق.
ويصح أن يعلقه بصفة، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر.. فأنت علي كظهر أمي؛ لأن أصله كان طلاقا، فإذا جاز تعليق أصله بالصفة.. فكذلك هو.
وإذا قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت علي كظهر أمي فتزوجها.. لم يصر مظاهرا منها.
وقال مالك وأبو حنيفة: (يصير مظاهرا منها) . كما قالا في الطلاق، وقد مضى الدليل عليهما في الطلاق.
[مسألة: طلق بنية الظهار]
] : وإن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى به الظهار.. فهو طلاق.
وإن قال: أنت علي كظهر أمي، ونوى به الطلاق.. كان ظهارا؛ لأن كل واحد منهما صريح في حكمه في الزوجية، فلا ينصرف إلى غير موجبه في الزوجية بالنية.
وإن قال: أنت طالق كظهر أمي.. وقع عليها الطلاق بقوله: أنت طالق، وسئل ما نوى بقوله: كظهر أمي؟
стр. 5204
فإن قال: لم أنو به شيئا.. لم يتعلق به حكم؛ لأنه لم يقرن به لفظا يعلقه عليه، كقوله: أنت علي أو مني، ولا نوى به الظهار. فيحتمل أنه أراد به: أنت علي كظهر أمي، أو أنت على غيري، فصار كناية في الظهار، فلم يقع به الظهار من غير نية.
وإن قال: أردت أنها تحرم بالطلاق كما تحرم بالظهار.. كان ذلك تأكيدا في الطلاق، ولم يعد حكما.
وإن قال: أردت بقولي: (أنت طالق) الظهار.. كان طلاقا ولم يكن ظهارا؛ لأن الطلاق صريح في حكم الزوجية، فلم يصر كناية في حكم آخر من الزوجية، ولا ينتقص بكونه كناية في العتق؛ لأنا قد قلنا في الزوجية: وإن قال: أردت بقولي: (أنت طالق) الطلاق، وأردت بقولي: (كظهر أمي) الظهار، فإن كان الطلاق بائنا.. لم يلحقها الظهار، وإن كان رجعيا.. لحقها الظهار؛ لأنه كناية في الظهار، فوقع به الظهار مع النية، والرجعية يصح فيها الظهار.
стр. 5205
[مسألة: لفظ أنت علي كظهر أمي]
] : وإن قال لها: أنت علي حرام كظهر أمي.. ففيه خمس مسائل:
إحداهن: أن يطلق ذلك ولا نية له.. فيكون ظهارا؛ لأن قوله: (أنت علي حرام) كناية تصلح للطلاق والظهار، فإن اقترن به نية الظهار.. كان ظهارا، وإن اقترن به لفظ الظهار.. كان أقوى من النية.
ولأن قوله: (أنت علي كظهر أمي) صريح في الظهار، وقوله: (أنت علي حرام) تأكيد في التحريم؛ بدليل: أنه لو اقتصر على قوله: أنت علي كظهر أمي.. كان ظهارا.
الثانية: إذا قال: أردت به الظهار.. فهو ظهار؛ لأن قوله: (أنت علي كظهر أمي) صريح في الظهار، وقوله: (حرام) تأكيد.
الثالثة: إذا قال: نويت به الطلاق.. فروى الربيع: (أنه طلاق) . وكذلك في أكثر نسخ المزني، وفي بعض نسخ المزني: (أنه ظهار) . ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: أنه ظهار، وليس بطلاق، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن قوله: (أنت علي حرام) كناية تصلح للطلاق والظهار، وقد اقترن به قرينتان، إحداهما لفظ، والأخرى نية، فكان صريح اللفظ أقوى.
ولأن قوله: (أنت علي كظهر أمي) صريح في الظهار؛ بدليل: أنه لو لم يقل: حرام، أو لم ينو شيئا.. لكان ظهارا، فقدم وإن نوى به الطلاق، كما لو قال: أنت علي كظهر أمي، ونوى به الطلاق.
والثاني: أنه طلاق؛ لأن قوله: (أنت علي حرام) كناية في الطلاق، فإذا نوى به الطلاق.. كان طلاقا، كما لو قال: أنت طالق كظهر أمي.
стр. 5206
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: إن نوى الطلاق بقوله: أنت علي حرام.. كان طلاقا، وإن نواه بمجموع اللفظتين.. كان ظهارا، ولم يكن طلاقا.
وقال أكثر أصحابنا: هو طلاق، قولا واحدا؛ لما ذكرناه في الثاني. وما وقع في بعض النسخ.. فهو غلط. وما ذكره الأول.. لا يصح؛ لأن نية الطلاق قارنت لفظ التحريم، وهو سابق بصريح لفظ الظهار، فكان الحكم فيه كقوله: أنت طالق كظهر أمي.
والرابعة: إذا قال: نويت الطلاق بقولي: أنت حرام، والظهار بقولي: أنت كظهر أمي، فإن كان الطلاق رجعيا.. صح الطلاق والظهار، وإن كان بائنا.. لم يصح الظهار. هذا على قول أكثر أصحابنا. وعلى قول من قال من أصحابنا: لا يكون طلاقا، فإن نواه.. فإنه لا يقع الطلاق، ويقع الظهار.
الخامسة: إذا قال: نويت تحريم عينها بقولي: أنت علي حرام.. فهل يقبل منه؟
قال الشيخ أبو حامد: المذهب: أنه لا يقبل منه؛ لأن هذا صريح في الظهار؛ لأنه لو لم ينو شيئا.. لكان ظهارا، والظهار تجب به الكفارة العظمى، فإذا أخبر عن نيته: أنه أراد به تحريم عينها.. فقد أخبر بما ينقل الكفارة العظمى إلى الصغرى، فلم يقبل.
ومن أصحابنا من قال: يقبل منه؛ لأن اللفظ يصلح له. قال: وليس بشيء.
وأما الشيخ أبو إسحاق فقال: تجب عليه كفارة يمين. وعلى قول من قال: اللفظ أولى من النية هو مظاهر، والذي يقتضي القياس عندي: أنه إن قال: أردت بقولي: (أنت علي حرام) تحريم عينها، وبقولي: (كظهر أمي) الظهار.. لزمه كفارة يمين لتحريمه عينها، وصار مظاهرا؛ لأن لفظه يصلح لذلك، كما لو قال: أردت الطلاق والظهار، وكان الطلاق رجعيا.
стр. 5207
[فرع: نية الطلاق بصريح لفظ الظهار]
قال في " البويطي ": (لو قال لها: أنت علي كظهر أمي حرام، ويريد به الطلاق.. كان ظهارا) ؛ لأنه صريح به.
[فرع: أراد طلاقا وظهارا بلفظ كناية]
] : إذا قال لامرأته: أنت علي حرام، ثم قال: أردت به الطلاق والظهار.. فقد قال ابن الحداد: كلمة واحدة لا يكون طلاقا وظهارا، فاختر أيهما شئت.
ومن أصحابنا من خالفه، وقال: يكون طلاقا؛ لأنه بدأ بالإقرار به، فلزمه حكمه، وقوله بعد ذلك: (والظهار) رجوع عن الإقرار بالطلاق إلى الظهار، فلم يقبل رجوعه.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح هو الأول؛ وذلك أنه إذا أرادهما معا.. صحت إرادته لأحدهما بغير عينه؛ لأنه لا يصح إرادته لهما معا، فإذا صحت إرادته لأحدهما بغير عينه.. لزمه تعيين أحدهما، كما لو طلق إحدى امرأتيه بغير عينها.
[مسألة: توقيت الظهار]
] : إذا وقت الظهار؛ بأن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي يوما، أو شهرا، أو سنة.. فهل يصح ظهاره؟ فيه قولان.
أحدهما: لا يصح ظهارا، وبه قال ابن أبي ليلى والليث؛ لأن الظهار هو أن يشبه زوجته على التأبيد بمن تحرم عليه على التأبيد، فإذا ظاهر منها ظهارا مؤقتا.. لم يصر مظاهرا، كما لو شبهها بمن لا تحرم عليه على التأبيد، وإنما تحرم عليه إلى وقت؛ وهي مطلقته ثلاثا.
والثاني: يصح الظهار، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآية [المجادلة: ٢] . ولم يفرق بين المطلق والمؤقت.
стр. 5208
ولأن الله تعالى نبه على معنى الظهار بأنه منكر وزور، وهذا المعنى موجود في المؤقت. ولحديث سلمة بن صخر في أول الباب، فإنه ظاهر من امرأته شهر رمضان، فلما وطئها فيه.. أمره النبي ﷺ بالكفارة.
وقال مالك: (يصح الظهار، ويسقط التوقيت) . كما لو قال: أنت طالق يوما أو شهرا.
دليلنا: أن تحريم الظهار يرتفع بالتكفير، فارتفع بالتوقيت، بخلاف الطلاق.
[مسألة: علق الظهار بمشيئة الله أو رجل]
] : وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن شاء زيد.. تعلق ذلك بمشيئته.
وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله.. لم يكن ظهارا.
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد حكى: أن الشافعي ذكر في القديم في ذلك قولين، أحدهما: (يكون مظاهرا) . قال: وهذا لا يجيء على أصله.
وإن كان له امرأتان، فقال لإحداهما: إن تظاهرت من ضرتك، فأنت علي كظهر أمي، ثم ظاهر من الضرة.. كان مظاهرا منهما، إحداهما بالمباشرة، والأخرى بالصفة.
فإن ظاهر من إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، أو أنت شريكتها، أو أنت كهي، أو أنت مثلها، فإن نوى الظهار.. كان مظاهرا منها، وإن لم ينو به الظهار.. لم يكن مظاهرا منها.
وقال مالك وأحمد: (يكون مظاهرا منها وإن لم ينو به الظهار) .
دليلنا: أنه يحتمل أن يريد: أنت شريكتها في الظهار، ويحتمل من النكاح، ويحتمل في الحب، أو في البغض، أو في سوء الأخلاق، فلم يتخصص بالظهار من غير نية، كالكنايات في الطلاق.
стр. 5209
وإن قال لامرأتيه: أنتما علي كظهر أمي.. صار مظاهرا منهما، كما لو قال لهما: أنتما طالقتان.
[مسألة: إن ظاهر من أجنبية فهي كأمه]
] : وإن قال لامرأته: إن تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي.. سئل عما أراد:
فإن قال: أردت أني إذا تلفظت بظهارها فأنت علي كظهر أمي.. فمتى قال لهذه الأجنبية: أنت علي كظهر أمي.. صار مظاهرا من زوجته؛ لأنه علق ظهار زوجته بالشرط، فإذا وجد الشرط.. وقع الظهار.
وإن قال: أردت به الظهار الشرعي، إذا قال للأجنبية قبل أن يتزوجها: أنت علي كظهر أمي.. لم يصر مظاهرا منها؛ لأن الأجنبية لا يصح الظهار منها، ولا يصير مظاهرا من زوجته؛ لأنه لم يوجد الشرط.
وإن قال: قلت ذلك، ولم أنو شيئا.. فإن إطلاق ذلك يقتضي ظهارا شرعيا، فإذا قال لأجنبية قبل أن يتزوجها: أنت علي كظهر أمي.. لم يصر مظاهرا منها؛ لأن الأجنبية لا يصح الظهار منها، ولا يكون مظاهرا من امرأته؛ لأن الشرط لم يوجد، كما لو قال لامرأته: إذا طلقت فلانة الأجنبية.. فأنت طالق، ثم قال للأجنبية: أنت طالق.
فإن تزوج الأجنبية، ثم ظاهر منها. إذا أطلق، وقال: لم أنو شيئا، وإن قال: أردت بقولي: (إذا تظاهرت من فلانة الأجنبية) الظهار الشرعي.. فإنه يصير مظاهرا منها، وهل يصير مظاهرا من زوجته الأولى؟ فيه وجهان:
стр. 5210
أحدهما: لا يصير مظاهرا منها؛ لأنه جعل صفة الظهار عن الأجنبية، وهذه ليست بأجنبية منه بعد النكاح.. فلم يوجد الشرط.
والثاني: يصير مظاهرا منها؛ لأنه عين الأجنبية ووصفها، فكان الحكم للتعيين لا للصفة، كما لو قال: والله لا دخلت دار زيد هذه، فباع زيد داره، ثم دخلها.. فإنه يحنث. والأول أصح. وقيل: هذان الوجهان إذا حلف: لا يأكل بسرة، فأكلها بعدما صارت رطبة، أو لا أكلت لحم هذا الحمل، فأكله بعد أن صار كبشا، أو لا كلمت هذا الصبي، فكلمه بعد أن صار شيخا. ويأتي ذلك في الأيمان.
وإن قال لامرأته: إن تظاهرت من فلانة فأنت علي كظهر أمي، ولم يقل: الأجنبية، ولكنها أجنبية، فإن قال للأجنبية: أنت علي كظهر أمي.. لم يصر مظاهرا منها؛ لأن الظهار عن الأجنبية لا يصح، ولا يصير مظاهرا من زوجته؛ لأنه لم يوجد شرط ظهاره منها. وإن تزوج الأجنبية، فظاهر منها.. صار مظاهرا منها ومن زوجته الأولى، وجها واحدا؛ لأنه إنما علق ظهاره على امرأته بشرط؛ وهو ظهاره من فلانة، ولم يعلقه بغير ذلك، فإذا تزوجها، وظاهر منها.. فقد وجد الشرط، بخلاف الأولى؛ فإنه وصفها بأنها أجنبية، وبعد أن تزوجها فليست بأجنبية.
وإن قال لامرأته: إن تظاهرت من فلانة أجنبية، فأنت علي كظهر أمي، فإن قال للأجنبية: أنت علي كظهر أمي.. لم يصر مظاهرا منها؛ لأن الأجنبية لا يصح الظهار منها، ولا يصير مظاهرا من زوجته؛ لأن الصفة في ظهارها لم توجد، ولأن إطلاق الظهار يقتضي الظهار الشرعي. فإن تزوج الأجنبية، وظاهر منها.. صح ظهاره منها، ولم يصر مظاهرا من زوجته الأولى، وجها واحدا.
والفرق بين هذه وبين قوله: (فلانة الأجنبية) - حيث قلنا: يقع الظهار في أحد الوجهين -: أنه علق ظهار زوجته في الأولى بأن يتظاهر من فلانة بعينها، ووصفها بأنها أجنبية، ولم يجعل ذلك شرطا، والصفة تسقط مع التعيين، وهاهنا جعل كون فلانة
стр. 5211
أجنبية شرطا في ظهار امرأته؛ لأن قوله: (أجنبية) حال، فاقتضى أن يتظاهر منها في حال كونها أجنبية، فإذا تظاهر منها.. لم يوجد الشرط.
[مسألة: قولها أنت علي كأبي]
] : إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي، أو أنا عليك كظهر أمك.. لم يلزمها شيء.
قال الحسن البصري والنخعي: إذا قالت لزوجها: أنت علي كظهر أبي.. صارت مظاهرة، ولزمها الكفارة.
وقال الأوزاعي: (إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي.. لم تكن مظاهرة، وإن قالت ذلك لأجنبي، ثم تزوجها.. صارت مظاهرة) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . وهذا خطاب للذكور دون الإناث.
ولأنه قول يوجب تحريما في الزوجة يملك الزوج رفعه.. فاختص بالزوج، كالطلاق.
стр. 5212
فقولنا: (قول يوجب تحريما في الزوجة) احتراز من اليمين؛ فإنها لو حلفت لا وطئها الزوج.. انعقدت يمينها وإن لم يكن إيلاء.
وقولنا: (يملك الزوج رفعه) احتراز من فسخ النكاح بالعيوب، ومن الخلع، فإنه يصح منهما.
[مسألة: وجود العود في المولي يوجب الكفارة]
] : وإذا ظاهر الرجل من امرأته ووجد العود.. وجبت الكفارة، وبه قال الحسن البصري وطاوس والزهري ومالك وأحمد وداود.
وقال مجاهد والثوري: تجب الكفارة بمجرد الظهار دون العود.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب الكفارة بالظهار، ولا بالظهار والعود، وإنما تجب على المظاهر إذا أراد أن يطأ) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] .
فموضع الدليل منها على مجاهد والثوري: أن الله أوجب الكفارة بالظهار والعود، فمن قال: إنها تجب بأحدهما.. فقد خالف مقتضى الآية.
وعلى أبي حنيفة: أن الله أوجب الكفارة، ولم يفرق بين أن يريد أن يطأ أو لا يريد.
وحديث خولة بنت مالك في أول الباب، فإن النبي ﷺ أوجب على زوجها الكفارة، ولم يفرق بين أن يريد الوطء وبين أن لا يريد.
إذا ثبت هذا: فـ (العود) عندنا: هو أن يمسكها بعد الظهار زوجة زمانا يمكنه أن يطلقها فيه فلا يطلق.
стр. 5213
وقال مالك وأحمد: (العود: هو العزم على وطئها بعد الظهار وإن لم يطأها) .
وقال داود وشعبة: (العود: هو إعادة لفظ الظهار) .
وقال الحسن البصري وطاوس والزهري: العود: هو وطؤها. قال المسعودي [في " الإبانة "] : وهو قول مالك.
وقيل: هو قول الشافعي في القديم، وإحدى الروايتين لأبي حنيفة. والمشهور عنهم الأول.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآية [المجادلة: ٣] . فإذا أمسكها زوجة.. فقد عاد فيما قال؛ لأن تشبيهها بأمه يقتضي إبانتها وإزالة نكاحها، فإذا أمسكها زوجة.. فقد عاد فيما قال، ولم يفرق بين أن يعزم على وطئها وبين أن لا يعزم.
وموضع الدليل على داود: قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . ولم يقل: إلى ما قالوا؛ فالآية لا تقتضي العود إليه، وإنما تقتضي العود فيه، ولو احتملهما.. لكان ما قلناه أولى؛ لأنه أسبق.
وموضع الدليل منها على الحسن البصري ومن تابعه: قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . وهذا نص في إبطال قولهم.
وحديث «خولة بنت مالك، حيث قالت: يا رسول الله، ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت» .. الخبر إلى قوله ﷺ : «يعتق رقبة» . ولم يسأل: هل عزم على وطئها، أو هل أعاد لفظ الظهار، أو هل وطئها، أم لا؟ فلو كان الحكم يتعلق بذلك.. لسأل عنه النبي ﷺ .
وإن قال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم مات عقيبه، أو ماتت قبل أن يتمكن من
стр. 5214
طلاقها، أو طلقها عقيب الظهار.. لم تجب الكفارة؛ لأن العود: هو أن يمسكها على الزوجية، ولم يمسكها.
وإن ظاهر من الرجعية.. صح ظهاره، كما يصح طلاقه، ولا يكون عائدا قبل الرجعة؛ لأنها جارية إلى البينونة، فلا يوجد الإمساك منه.
فإن راجعها، أو قال: أنت علي كظهر أمي، أنت طالق، ثم راجعها قبل انقضاء عدتها.. ففيه قولان:
أحدهما: أن يكون عائدا بنفس الرجعة؛ لأن العود: هو الإمساك على الزوجية، وقد سمى الله تعالى الرجعة إمساكا، فقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البقرة: ٢٢٩] . يعني: الرجعة. ولأن استدامة الإمساك على الزوجية عود، فلأن تكون الرجعة - التي هي عقد أقوى من الاستدامة - عودا أولى.
فعلى هذا: تجب عليه الكفارة، سواء طلقها عقيب الرجعة أو لم يطلقها.
والقول الثاني: أن العود لا يحصل بنفس الرجعة، وإنما يحصل بأن يمسكها بعد الرجعة على الزوجية زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، فلا يطلق؛ لأن الرجعة رد إلى النكاح، والعود: هو أن يمسكها زوجة، وذلك لا يوجد إلا بعد الرجعة.
فعلى هذا: إن طلقت عقيب الرجعة.. لم تجب الكفارة.
وإن ظاهر من الرجعية ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجها، أو قال لها: أنت علي كظهر أمي أنت طالق ثلاثا، ثم نكحها بعد زوج، أو طلقها عقيب الظهار طلاقا رجعيا، ثم لم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجها.. فهل يعود حكم الظهار؟ فيه ثلاثة أقوال، كما قلنا في عود صفة الطلاق:
أحدها: يعود.
والثاني: لا يعود.
والثالث: إن عادت إليه بدون الثلاث.. عاد، وإن عادت إليه بعد الثلاث.. لم يعد.
стр. 5215
فإن قلنا: يعود.. فهل يصير عائدا بنفس العقد، أو بإمساكها بعد العقد زمانا يمكنه فيه الطلاق، فلا يطلق؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الرجعة.
[فرع: مظاهرة الكافر]
] : وإن ظاهر الكافر من امرأته.. فقد ذكرنا: أنه يصح ظهاره، فإن أسلمت الزوجة عقيب ظهاره، فإن كان قبل الدخول.. لم تجب الكفارة؛ لأنها تبين منه بإسلامها قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول.. لم يصر عائدا قبل إسلامها؛ لأنها جارية إلى بينونة.
فإن لم يسلم الزوج حتى انقضت عدتها.. لم يجب عليها الكفارة؛ لأنهما لم يجتمعا على النكاح. وإن أسلم قبل انقضاء العدة.. فهل يكون إسلامه عودا، أو لا يحصل العود إلا بأن يمسكها بعد الإسلام؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الرجعة.
وإن ظاهر الكافر من امرأته، ثم أسلم عقيب الظهار، فإن كانت ممن يقر المسلم على نكاحها، بأن كانت يهودية أو نصرانية.. لم يؤثر إسلامه في النكاح، فيجب عليه الكفارة. وإن كانت ممن لا يقر على نكاحها؛ بأن كانت مجوسية أو وثنية، فإن كان ذلك قبل الدخول.. انفسخ النكاح بإسلامه، ولم تجب عليه الكفارة؛ لأنه لم يمسكها بعد الظهار على الزوجية. وإن كان بعد الدخول.. وقف النكاح على انقضاء العدة، فإن لم تسلم الزوجة حتى انقضت عدتها.. بانت منه وقت إسلامه، ولم تجب عليه الكفارة، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها فقد اجتمعا على النكاح، ولا يكون إسلامها عودا، قولا واحدا؛ لأن العود بفعل الزوج لا بفعل الزوجة. فإن أمسكها الزوج بعد إسلامها زمانا يمكنه فيه الطلاق، فلم يطلق.. وجبت عليه الكفارة. وإن طلقها عقيب إسلامها، أو مات أحدهما.. لم تجب عليه الكفارة.
стр. 5216
[فرع: ظاهرها ثم ارتدا]
] : وإن ظاهر المسلم من امرأته المسلمة، فارتدا أو أحدهما عقيب الظهار، فإن كان قبل الدخول.. لم تجب الكفارة؛ لأن النكاح ينفسخ بالردة قبل الدخول. وإن كان بعد الدخول.. وقف النكاح على انقضاء العدة، فإن انقضت العدة قبل أن يسلم المرتد منهما.. لم تجب الكفارة، وإن أسلم المرتد منهما قبل انقضاء العدة.. فقد اجتمعا على النكاح.
فإن كان المرتد هو الزوج.. فهل يكون إسلامه عودا، أو لا يحصل العود إلا بإمساكه لها بعد الإسلام زمانا يمكنه فيه الطلاق، فلم يطلق؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الرجعة.
وإن كان المرتد منهما أو المسلم هي الزوجة.. فإن العود لا يحصل بإسلامها، وجها واحدا؛ لأن العود يحصل بفعله لا بفعلها، فإن أمسكها بعد إسلامها زمانا يمكنه فيه طلاقها، فلم يفعل.. كان عائدا.
[فرع: تزوج أمة وظاهر منها]
] : وإن تزوج أمة لغيره، ثم ظاهر منها.. صح ظهاره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] الآية [المجادلة: ٣] ولم يفرق.
فإن اشتراها الزوج أو اتهبها.. نظرت:
فإن كان ذلك بعد أن تمكن من طلاقها بعد الظهار، ولم يطلقها.. فقد وجبت عليه الكفارة، ولا تسقط عنه بملكها.
وإن اشتراها عقيب الظهار؛ بأن قال: أنت علي كظهر أمي، بعني إياها بكذا، فقال سيدها: بعتك. أو قال: أنت علي كظهر أمي، فقال سيدها: بعتكها بكذا، فقال الزوج: قبلت.. فقد ملكها، وانفسخ نكاحها، وهل يكون عائدا؟
стр. 5217
فيه وجهان:
أحدهما: يكون عائدا، وتجب عليه الكفارة؛ لأنه لم يحرمها على نفسه عقيب الظهار، وإنما أمسكها على الاستباحة، فهو كما لو لم يشترها.
والثاني وهو قول أبي إسحاق: أنه لا يصير عائدا، ولا تجب عليه الكفارة، وهو الأصح؛ لأن (العود) : هو أن يمسكها بعد الظهار على الزوجية زمانا يمكنه أن يطلق فيه، فلم يطلق، وهذا لم يمسكها على الزوجية؛ لأن الشراء يوجب فسخ النكاح.
فإذا قلنا بهذا: فأعتقها، ثم تزوجها، أو باعها من آخر، ثم تزوجها منه.. فهل يعود حكم الظهار؟ بينى على الوجهين في الفسخ، هل هو بمنزلة البينونة بما دون الثلاث، أو بالثلاث؟
فإن قلنا: إنه كالبينونة بما دون الثلاث.. عاد حكم الظهار على القول القديم، قولا واحدا، وهل يعود على القول الجديد؟ على قولين.
وإن قلنا: إنه كالبينونة بالثلاث.. لم يعد حكم الظهار على القول الجديد، قولا واحدا، وهل يعود على القديم؟ فيه قولان.
فإذا قلنا: يعود.. فهل يحصل العود بنفس النكاح، أو لا يحصل إلا بأن يمسكها بعد النكاح زمانا يمكن فيه الطلاق، فلم يطلق؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الرجعة.
[فرع: قوله أنت علي كظهر أمي يا زانية]
] : إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي يا زانية.. فالمشهور من المذهب: أنه يكون عائدا؛ لأن القذف لا تحصل به البينونة.
قال ابن الصباغ: وحكى المزني في " الجامع الكبير ": (أنه لو ظاهر منها، ثم أتبع الظهار قذفا.. لم يكن عودا) .
стр. 5218
قال أبو العباس: لا يعرف هذا للشافعي، ولا وجه له.
قال ابن الحداد: فإذا قال لها: أنت علي كظهر أمي يا زانية، أنت طالق.. وجبت عليه الكفارة. وهذا على المشهور من المذهب. وأما إذا قلنا بما حكاه المزني في " الجامع الكبير ": فلا يكون عائدا.
[مسألة: ظاهر فلاعن فسقط الظهار ولا يكون عائدا]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو تظاهر منها، ثم لاعنها مكانه بلا فصل.. سقط الظهار) .
وجملة ذلك: أنه إذا قذف امرأته ولاعنها، فأتى من اللعان بلفظ الشهادة، وبقي لفظ اللعن، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم أتى عقيبه بلفظ اللعن.. فإنه لا يكون عائد؛ لأن الفرقة تقع باللفظة الخامسة من لعانه، فهو كما لو طلقها. وإن قذفها، ثم ظاهر منها، ثم ابتدأ عقيب الظهار باللعان.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون عائدا؛ لأن باشتغاله بألفاظ اللعان قد أمسكها زوجة زمانا أمكنه فيه أن يطلقها، ولم يطلقها. وحمل هذا القائل كلام الشافعي على الأولى.
والثاني: لا يكون عائدا، وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه اشتغل عقيب الظهار باللعان، وهو سبب الفرقة؛ لأن الفسخ يحصل بجميع ألفاظ اللعان، فصار كما لو قال لها عقيب الظهار: أنت طالق، وأطال لفظ الطلاق، أو كما قال لها عقيب الظهار: فلانة بنت فلان طالق، أو فلانة وفلانة وفلانة طوالق.
[مسألة: علق ظهاره على مدة شهر]
] : إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي يوما، أو شهرا، أو سنة، وقلنا: يصح ظهاره، فمتى يصير عائدا؟ فيه وجهان:
стр. 5219
[أحدهما] : قال المزني، وبعض أصحابنا: إذا أمسكها بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، فلم يطلقها.. صار عائدا، كما قلنا في الظهار المطلق.
و [الثاني] : قال أبو العباس، وأبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: لا يصير عائدا بالإمساك، وإنما يصير عائدا إذا وطئها في اليوم، أو الشهر، أو السنة.
فإن لم يطأها حتى انقضت مدة الظهار.. لم تلزمه الكفارة؛ لأن إمساكه لها بعد الظهار يحتمل أن يكون أمسكها زوجة، فيكون قد رجع عن التحريم وعاد، فلزمته الكفارة. ويحتمل أن يكون أمسكها إلى أن تنقضي المدة، ويرتفع التحريم، وتصير مباحة له بالأمر الأول.. فلم تجب الكفارة بالشك.
فإذا وطئها قبل انقضاء مدة الظهار.. تحققنا عوده، فلزمته الكفارة.
[مسألة: ظاهر من أربع بكلمة ثم عاد]
لزمه أربع كفارات] : إذا كان له أربع زوجات، فظاهر من كل واحدة منهن بكلمة، ووجد العود.. لزمه أربع كفارات.
وإن ظاهر منهن بكلمة واحدة؛ بأن قال: أنتن علي كظهر أمي، ووجد العود.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يلزمه كفارة واحدة) . وبه قال مالك، وأحمد. وروي ذلك عن عمر؛ لأن الظهار يمين، بدليل «أن النبي ﷺ قال لأوس بن
стр. 5220
الصامت: " كفر عن يمينك» . فلزمه بمخالفتها كفارة واحدة، كالإيلاء.
و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب عليه أربع كفارات) . وهو الأصح؛ لأن كل واحدة منهن محرمة عليه قبل التكفير، فلا يرتفع التحريم بكفارة واحدة، كما لو أفرد كل واحدة بكلمة. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه إلا كفارة واحدة، سواء ظاهر منهن بكلمة أو كلمات) .
دليلنا: أن الظهار يمين، فإذا وجد منه إفراد كل واحدة بكلمة واحدة.. وجب عليه لكل واحدة كفارة، كما لو آلى من كل واحدة منهن بكلمة، وحنث.
[فرع: كرر الظهار فعلى أيها الكفارة]
وإن كرر لفظ الظهار.. نظرت:
فإن أتى به متواليا، مثل أن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي.. فقد صار عائدا في كل ظهار من ذلك، فيلزمه في الظهار الأول كفارة، وأما الثاني والثالث: فإن نوى بهما تأكيد الأول.. لم تلزمه إلا كفارة واحدة، وإن نوى بهما استئناف الظهار.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (تلزمه كفارة واحدة) . وبه قال أحمد؛ لأن الثاني والثالث لم يؤثرا في التحريم، فلم تجب بهما كفارة.
و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب لكل واحد منهما كفارة) . وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو الأصح؛ لأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة، فإذا كرره وقصد به الاستئناف.. تعلق بكل واحد حكمه، كالطلاق.
وإذا أطلق ذلك، ولم ينو بهما التأكيد ولا الاستئناف.. ففيه وجهان، بناء على
следующие страницы →