Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
[فرع: ظاهرها ثم ارتدا]
] : وإن ظاهر المسلم من امرأته المسلمة، فارتدا أو أحدهما عقيب الظهار، فإن كان قبل الدخول.. لم تجب الكفارة؛ لأن النكاح ينفسخ بالردة قبل الدخول. وإن كان بعد الدخول.. وقف النكاح على انقضاء العدة، فإن انقضت العدة قبل أن يسلم المرتد منهما.. لم تجب الكفارة، وإن أسلم المرتد منهما قبل انقضاء العدة.. فقد اجتمعا على النكاح.
فإن كان المرتد هو الزوج.. فهل يكون إسلامه عودا، أو لا يحصل العود إلا بإمساكه لها بعد الإسلام زمانا يمكنه فيه الطلاق، فلم يطلق؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الرجعة.
وإن كان المرتد منهما أو المسلم هي الزوجة.. فإن العود لا يحصل بإسلامها، وجها واحدا؛ لأن العود يحصل بفعله لا بفعلها، فإن أمسكها بعد إسلامها زمانا يمكنه فيه طلاقها، فلم يفعل.. كان عائدا.
[فرع: تزوج أمة وظاهر منها]
] : وإن تزوج أمة لغيره، ثم ظاهر منها.. صح ظهاره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] الآية [المجادلة: ٣] ولم يفرق.
فإن اشتراها الزوج أو اتهبها.. نظرت:
فإن كان ذلك بعد أن تمكن من طلاقها بعد الظهار، ولم يطلقها.. فقد وجبت عليه الكفارة، ولا تسقط عنه بملكها.
وإن اشتراها عقيب الظهار؛ بأن قال: أنت علي كظهر أمي، بعني إياها بكذا، فقال سيدها: بعتك. أو قال: أنت علي كظهر أمي، فقال سيدها: بعتكها بكذا، فقال الزوج: قبلت.. فقد ملكها، وانفسخ نكاحها، وهل يكون عائدا؟
стр. 5217
فيه وجهان:
أحدهما: يكون عائدا، وتجب عليه الكفارة؛ لأنه لم يحرمها على نفسه عقيب الظهار، وإنما أمسكها على الاستباحة، فهو كما لو لم يشترها.
والثاني وهو قول أبي إسحاق: أنه لا يصير عائدا، ولا تجب عليه الكفارة، وهو الأصح؛ لأن (العود) : هو أن يمسكها بعد الظهار على الزوجية زمانا يمكنه أن يطلق فيه، فلم يطلق، وهذا لم يمسكها على الزوجية؛ لأن الشراء يوجب فسخ النكاح.
فإذا قلنا بهذا: فأعتقها، ثم تزوجها، أو باعها من آخر، ثم تزوجها منه.. فهل يعود حكم الظهار؟ بينى على الوجهين في الفسخ، هل هو بمنزلة البينونة بما دون الثلاث، أو بالثلاث؟
فإن قلنا: إنه كالبينونة بما دون الثلاث.. عاد حكم الظهار على القول القديم، قولا واحدا، وهل يعود على القول الجديد؟ على قولين.
وإن قلنا: إنه كالبينونة بالثلاث.. لم يعد حكم الظهار على القول الجديد، قولا واحدا، وهل يعود على القديم؟ فيه قولان.
فإذا قلنا: يعود.. فهل يحصل العود بنفس النكاح، أو لا يحصل إلا بأن يمسكها بعد النكاح زمانا يمكن فيه الطلاق، فلم يطلق؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الرجعة.
[فرع: قوله أنت علي كظهر أمي يا زانية]
] : إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي يا زانية.. فالمشهور من المذهب: أنه يكون عائدا؛ لأن القذف لا تحصل به البينونة.
قال ابن الصباغ: وحكى المزني في " الجامع الكبير ": (أنه لو ظاهر منها، ثم أتبع الظهار قذفا.. لم يكن عودا) .
стр. 5218
قال أبو العباس: لا يعرف هذا للشافعي، ولا وجه له.
قال ابن الحداد: فإذا قال لها: أنت علي كظهر أمي يا زانية، أنت طالق.. وجبت عليه الكفارة. وهذا على المشهور من المذهب. وأما إذا قلنا بما حكاه المزني في " الجامع الكبير ": فلا يكون عائدا.
[مسألة: ظاهر فلاعن فسقط الظهار ولا يكون عائدا]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو تظاهر منها، ثم لاعنها مكانه بلا فصل.. سقط الظهار) .
وجملة ذلك: أنه إذا قذف امرأته ولاعنها، فأتى من اللعان بلفظ الشهادة، وبقي لفظ اللعن، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم أتى عقيبه بلفظ اللعن.. فإنه لا يكون عائد؛ لأن الفرقة تقع باللفظة الخامسة من لعانه، فهو كما لو طلقها. وإن قذفها، ثم ظاهر منها، ثم ابتدأ عقيب الظهار باللعان.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون عائدا؛ لأن باشتغاله بألفاظ اللعان قد أمسكها زوجة زمانا أمكنه فيه أن يطلقها، ولم يطلقها. وحمل هذا القائل كلام الشافعي على الأولى.
والثاني: لا يكون عائدا، وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه اشتغل عقيب الظهار باللعان، وهو سبب الفرقة؛ لأن الفسخ يحصل بجميع ألفاظ اللعان، فصار كما لو قال لها عقيب الظهار: أنت طالق، وأطال لفظ الطلاق، أو كما قال لها عقيب الظهار: فلانة بنت فلان طالق، أو فلانة وفلانة وفلانة طوالق.
[مسألة: علق ظهاره على مدة شهر]
] : إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي يوما، أو شهرا، أو سنة، وقلنا: يصح ظهاره، فمتى يصير عائدا؟ فيه وجهان:
стр. 5219
[أحدهما] : قال المزني، وبعض أصحابنا: إذا أمسكها بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، فلم يطلقها.. صار عائدا، كما قلنا في الظهار المطلق.
و [الثاني] : قال أبو العباس، وأبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: لا يصير عائدا بالإمساك، وإنما يصير عائدا إذا وطئها في اليوم، أو الشهر، أو السنة.
فإن لم يطأها حتى انقضت مدة الظهار.. لم تلزمه الكفارة؛ لأن إمساكه لها بعد الظهار يحتمل أن يكون أمسكها زوجة، فيكون قد رجع عن التحريم وعاد، فلزمته الكفارة. ويحتمل أن يكون أمسكها إلى أن تنقضي المدة، ويرتفع التحريم، وتصير مباحة له بالأمر الأول.. فلم تجب الكفارة بالشك.
فإذا وطئها قبل انقضاء مدة الظهار.. تحققنا عوده، فلزمته الكفارة.
[مسألة: ظاهر من أربع بكلمة ثم عاد]
لزمه أربع كفارات] : إذا كان له أربع زوجات، فظاهر من كل واحدة منهن بكلمة، ووجد العود.. لزمه أربع كفارات.
وإن ظاهر منهن بكلمة واحدة؛ بأن قال: أنتن علي كظهر أمي، ووجد العود.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يلزمه كفارة واحدة) . وبه قال مالك، وأحمد. وروي ذلك عن عمر؛ لأن الظهار يمين، بدليل «أن النبي ﷺ قال لأوس بن
стр. 5220
الصامت: " كفر عن يمينك» . فلزمه بمخالفتها كفارة واحدة، كالإيلاء.
و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب عليه أربع كفارات) . وهو الأصح؛ لأن كل واحدة منهن محرمة عليه قبل التكفير، فلا يرتفع التحريم بكفارة واحدة، كما لو أفرد كل واحدة بكلمة. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه إلا كفارة واحدة، سواء ظاهر منهن بكلمة أو كلمات) .
دليلنا: أن الظهار يمين، فإذا وجد منه إفراد كل واحدة بكلمة واحدة.. وجب عليه لكل واحدة كفارة، كما لو آلى من كل واحدة منهن بكلمة، وحنث.
[فرع: كرر الظهار فعلى أيها الكفارة]
وإن كرر لفظ الظهار.. نظرت:
فإن أتى به متواليا، مثل أن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي.. فقد صار عائدا في كل ظهار من ذلك، فيلزمه في الظهار الأول كفارة، وأما الثاني والثالث: فإن نوى بهما تأكيد الأول.. لم تلزمه إلا كفارة واحدة، وإن نوى بهما استئناف الظهار.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (تلزمه كفارة واحدة) . وبه قال أحمد؛ لأن الثاني والثالث لم يؤثرا في التحريم، فلم تجب بهما كفارة.
و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب لكل واحد منهما كفارة) . وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو الأصح؛ لأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة، فإذا كرره وقصد به الاستئناف.. تعلق بكل واحد حكمه، كالطلاق.
وإذا أطلق ذلك، ولم ينو بهما التأكيد ولا الاستئناف.. ففيه وجهان، بناء على
стр. 5221
القولين فيمن كرر لفظ الطلاق، ولم ينو التأكيد ولا الاستئناف:
أحدهما: حكمه حكم ما لو قصد التأكيد، فتلزمه كفارة واحدة.
والثاني: حكمه حكم ما لو قصد الاستئناف.
فعلى هذا: هل تلزمه كفارة، أو كفارات؟ على قولين.
وإن كرر ذلك في أوقات متراخية.. نظرت:
فإن أتى بالثاني بعد أن كفر عن الأول.. لزمه للثاني كفارة. وكذلك: إذا كفر عن الثاني، ثم أتى بالثالث.. كفر عن الثالث.
وإن أتى بالثاني قبل أن يكفر عن الأول.. فهل تلزمه كفارة، أو كفارات؟ على القولين، كما لو أتى به متواليا، ونوى بالثاني الاستئناف، ولا يقبل قوله: إنه أتى بما بعد الأول للتأكيد؛ لأن التأكيد لا يكون إلا بعدم الانفصال عن الأول بزمان. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: هل يصدق أنه أتى بما بعد الأول للتأكيد؟ فيه وجهان.
وإن كان له امرأتان، فقال لإحداهما: إن تظاهرت منك فضرتك علي كظهر أمي، فتظاهر من الأولى.. صار مظاهرا منهما. فإذا وجد العود فيهما.. لزمه كفارتان، قولا واحدا؛ لأنهما ظهاران وجد العود فيهما، إلا أن أحدهما بالمباشرة، والآخر بالصفة.
[مسألة: حرمة وطء المظاهر منها قبل الكفارة]
] : وإذا ظاهر من امرأته، ووجد العود.. حرم عليه وطؤها قبل أن يكفر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٣ - ٤] . فنص على تحريم الوطء قبل العتق
стр. 5222
والصيام، وقسنا عليهما الإطعام؛ لأنه في معناهما. وهل تحرم عليه مباشرتها بشهوة قبل التكفير؟ فيه قولان، ومنهم من يحكيهما وجهين.
أحدهما: تحرم؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . و (المس) : يقع على الجماع، وعلى المس باليد، والقبلة. ولأنه قول يؤثر في تحريم الوطء، فحرم ما دونه من المباشرة، كالطلاق.
والثاني: لا تحرم، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . وإطلاق المس في النساء إنما ينصرف إلى الجماع.
ولأنه تحريم وطء لا يتعلق به مال، فوجب أن لا يحرم دواعي الوطء، كالحيض، وفيه احتراز من وطء المطلقة؛ فإنه يتعلق بتحريمه المال، وهو المهر.
فإن خالف، ووطئها قبل التكفير وهو عالم بالتحريم.. فقد أثم بذلك، ولا تسقط الكفارة بالوطء، بل يلزمه إخراج الكفارة، ويكون إخراجها قضاء؛ لأن وقت أدائها من حين الظهار إلى أن يطأ.
فإذا وطئ قبل التكفير.. فقد فات وقت الأداء، وصار قاضيا، ولا يلزمه بهذا الوطء كفارة أخرى. هذا مذهبنا.
وقال بعض الناس: تسقط الكفارة بالوطء.
وقال مجاهد: تلزمه كفارة ثانية للوطء.
دليلنا: ما روى عكرمة، عن ابن عباس: «أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني تظاهرت من امرأتي، وواقعتها قبل أن أكفر؟ فقال النبي ﷺ : " لم فعلت ذلك، يرحمك الله؟ " قال: رأيت بياض ساقها في ضوء القمر، فقال ﷺ : " لا تقربها حتى تكفر» . وروي: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» . فلم يسقط
стр. 5223
النبي ﷺ الكفارة بالوطء، ولم يأمره بكفارة ثانية للوطء.
ويحرم عليه وطؤها بعد الوطء الأول إلى أن يكفر؛ لما ذكرناه في الخبر.
[فرع: ظاهر من أمة ثم اشتراها لا يعود حتى يكفر]
] : وإن ظاهر من امرأته الأمة، ووجد العود، ثم اشتراها قبل أن يكفر.. حرم عليه وطؤها إلى أن يكفر. نص عليه الشافعي؛ لأن الفرج كان حراما عليه إلا بعد التكفير، وهذا التحريم باق لم يزل.
ولم يختلف أصحابنا في هذه، وإن اختلفوا في المطلقة ثلاثا إذا ملكها زوجها قبل زوج، والنص هاهنا يدل على صحة أحد الوجهين هناك.
وإن ظاهر من امرأته، وعاد، ووجبت عليه الكفارة، فأخر وطأها والتكفير حتى مضت أربعة أشهر.. لم يصر موليا منها، غير أنه إن قصد بتأخير التكفير والوطء الإضرار بها.. أثم بذلك، وإن لم يقصد ذلك.. لم يأثم.
وقال مالك: (يصير موليا، فيطالب بالفيئة أو بالطلاق) .
دليلنا: أن لفظ الظهار يوقع التحريم في الزوجية، فلم يصر به موليا، كالطلاق.
والله أعلم بالصواب.
стр. 5224
[باب كفارة الظهار]
وكفارة الظهار على الترتيب؛ فيجب عتق رقبة لمن وجد، فإن لم يجد.. فعليه الصيام، فإن لم يستطع.. فعليه الإطعام.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآية [المجادلة: ٣] .
ولما ذكرناه من حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر.
إذا ثبت هذا: وجب عليه الكفارة في الظهار، فإن كانت معه رقبة تجزئ في الكفارة فاضلة عن كفايته على الدوام، وهو لا يحتاج إلى خدمتها.. كان فرضه العتق، ولم يجزئه الصيام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٣ - ٤] . وهذا واجد.
وإن لم يكن معه رقبة تجزئ في الكفارة، إلا أنه واجد لثمنها، وكان ذلك فاضلا عن كفايته على الدوام.. لزمه أن يشتري رقبة ويعتقها؛ لأن كل حق تعلق بالذمة فإن قدرته على ثمنه وشرائه كالقدرة عليه، كما قلنا فيمن في ذمته دين من ذهب وعنده فضة.
وإنما قلنا: (تعلق بالذمة) ؛ كيلا ينتقض بمن وجبت عليه ابنة مخاض في الزكاة
стр. 5225
وليست في إبله، ولكنه قادر على ثمنها وشرائها، وعنده ابن لبون.. فإنه لا يجب عليه شراء ابنة مخاض، بل له أن يخرج ابن لبون.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : وإن كان واجدا لثمن رقبة، وهي معدومة.. فعليه أن يصبر إلى أن يجدها.
وإن وجد رقبة تباع نسيئة، وله مال في بلد آخر.. لزمه الشراء.
وإن كان معه رقبة وهو محتاج إلى خدمتها، وهو ممن لا يخدم نفسه؛ بأن كان يضعف عن خدمة نفسه، أو كان ممن يقدر على خدمة نفسه، إلا أنه ممن لا يخدم نفسه في العادة؛ كذوي الهيئات من الناس، ولا يجد ما يشتري به خادما يخدمه فاضلا عن كفايته.. لم يلزمه العتق، بل فرضه الصوم.
وكذلك إذا لم يكن معه رقبة، ومعه مال لا يفضل عن كفايته وكفاية من تلزمه نفقته على الدوام.. فلا يلزمه شراء الرقبة، بل له أن ينتقل إلى الصيام. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (إذا وجد ثمن الرقبة وهو محتاج إليها في نفقته وكفايته على الدوام.. لم يلزمه العتق - كما قلنا - وإن كان واجدا للرقبة في ملكه.. لزمه إعتاقها وإن كان محتاجا إلى خدمتها) .
وقال مالك والأوزاعي: (إذا وجد الرقبة في ملكه، أو ما يشتري به الرقبة.. لزمه العتق وإن كان محتاجا إلى الرقبة، أو إلى ما في يده من المال) .
دليلنا: ما روي «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني تظاهرت من امرأتي، ثم واقعتها، فقال له النبي ﷺ : " أعتق رقبة "، فضرب على صفحة عنقه، وقال: ما أجد غير هذه الرقبة، قال: " صم شهرين متتابعين "، قال: لا أستطيع، فقال: " أطعم ستين مسكينا "، قال: لا أجد، فأمر النبي ﷺ بتمر، فأتي به، فقال: " خذ هذا، فتصدق به "، فقال: فهل أفقر مني ومن أهل بيتي؟ فقال النبي ﷺ : " كله أنت وأهل بيتك» .
стр. 5226
فموضع الدليل: أن النبي ﷺ ملكه التمر، وأمره أن يتصدق به عن كفارته، ثم أخبره الرجل أنه محتاج إليه، فأباح له أكله ولم يلزمه إخراجه مع وجوده، فدل على أن ما تستغرقه حاجته.. لا يلزمه إخراجه؛ لأنه وجد ما تستغرقه حاجته، فكان كالعادم له في جواز الانتقال إلى بدله، كما لو وجد ماء وهو محتاج إليه لعطشه.
وإن كان معه رقبة، وهو يقدر على خدمة نفسه في العادة، كمن يخرج إلى الأسواق ويبيع ويشتري.. ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه إعتاقها؛ لأنه يمكنه أن يخدم نفسه، وأكثر الناس لا خادم له.
والثاني: لا يلزمه إعتاقها، بل له أن يصوم؛ لأنه ما من أحد إلا ويحتاج إلى من يخدمه؛ ليترفه، ولأنه يشق على الإنسان خدمة نفسه في جميع الأشياء.
وإن كان له رقبة تخدمه وهو محتاج إلى خادم، ويمكنه أن يبيعها ويشتري بثمنها رقبتين، تخدمه إحداهما، ويعتق الأخرى.. لزمه العتق.
وإن كان له دار يسكنها، أو ضيعة يأتي له منها قدر كفايته، أو له بضاعة يتجر فيها ويحصل له من ربحها قدر كفايته.. لم يلزمه بيع ذلك وصرفه في العتق.
وإن كانت الدار تزيد على ما يحتاج إليه، أو كانت الضيعة تكفيه غلة بعضها، أو كان يمكنه أن يتجر ببعض تلك البضاعة، ويحصل منها قدر كفايته.. لزمه بيع ما زاد على قدر حاجته من ذلك لشراء الرقبة.
وإن وجبت عليه الكفارة وهو معسر بها في موضعه وله مال غائب عن موضعه يمكنه أن يشتري به رقبة، فإن كان ذلك كفارة الجماع في رمضان والقتل.. لم يجز له أن ينتقل إلى الصوم، بل يصبر إلى أن يصل إلى المال، ويشتري الرقبة ويعتق؛ لأنه لا ضرر عليه في التأخير.
وإن كان ذلك في كفارة الظهار.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم؛ لأن له مالا فاضلا عن كفايته يمكنه أن يشتري به رقبة، فلم يجز له أن ينتقل إلى الصوم، كما قلنا في كفارة الجماع في رمضان والقتل.
стр. 5227
والثاني: يجوز له الانتقال إلى الصوم. قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح؛ لأن عليه ضررا في التأخير؛ لأنه لا يجوز له أن يجامع قبل التكفير، فجاز له الانتقال إلى البدل، كما لو عدم الماء وثمنه في موضعه وهو واجد لثمنه في غير موضعه.
[مسألة: وجبت كفارة ثم اختلفت الحال]
] : إذا وجبت عليه كفارة مرتبة، واختلف حاله من حين الوجوب إلى حين الأداء.. فمتى يعتبر حاله؟ نص الشافعي ﵁ فيها على قولين:
أحدهما: (يعتبر حاله حين الوجوب) .
والثاني: (يعتبر حاله حين الأداء) .
قال الشيخ أبو حامد: وخرج أصحابنا قولا ثالثا: أنه يعتبر حاله بأغلظ الأحوال.
فإذا قلنا: يعتبر حاله حين الوجوب - وبه قال أحمد - فوجهه: أنه حق يقع به التكفير، فاعتبر حال وجوبه، كالحدود؛ لأن الحدود كفارة؛ بدليل قوله ﷺ : «الحدود كفارات لأهلها» .
ثم ثبت أنه لو زنى وهو عبد، فأعتق قبل أن يقام عليه الحد.. لم يجب عليه إلا حد العبد، ولو زنى وهو بكر، فأحصن قبل أن يقام عليه الحد.. لم يقم عليه إلا حد البكر، فكذلك هذا مثله.
فعلى هذا: إذا كان من أهل العتق حين الوجوب، فأعسر قبل أن يعتق.. لم يسقط عنه العتق، بل يثبت في ذمته إلى أن يوسر به.
стр. 5228
وإن كان معسرا بالعتق حين الوجوب.. ففرضه الصيام، فإن أيسر قبل أن يصوم.. لم يلزمه العتق.
قال الشافعي: (فإن أعتق.. كان أحب إلي؛ لأنه أفضل) .
وإذا قلنا: يعتبر حاله حين الأداء - وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو الأصح - فوجهه: أنه حق ذو بدل من غير جنسه.. فوجب أن يعتبر بحالة الأداء، كالطهارة؛ وذلك أنه لو دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء، فوجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة والتيمم.. لكان فرضه الطهارة بالماء. ولو كان واجدا للماء في أول الوقت، فلم يتوضأ به حتى تلف الماء.. لجاز له التيمم. يؤيد هذا: أنه لو دخل عليه وقت الصلاة وهو صحيح قادر على القيام، فلم يصل حتى عجز عن القيام بمرض.. لجاز له أن يصلي قاعدا، ولو دخل عليه الوقت وهو عاجز عن القيام، فلم يصل حتى قدر على القيام.. لوجب عليه القيام في الصلاة.
فعلى هذا: يعتبر حاله عند التكفير، فإن كان موسرا بالرقبة.. ففرضه العتق، سواء كان موسرا حال الوجوب أو معسرا. وإن كان معسرا عند التكفير.. ففرضه الصوم، سواء كان موسرا بالرقبة حال الوجوب أو معسرا.
وإذا قلنا: إن الاعتبار بأغلظ الأحوال.. فمتى كان موسرا بالرقبة في حال الوجوب، أو حال الأداء، أو فيما بينهما ففرضه العتق؛ لأنه حق يتعلق بالذمة بوجود المال، فاعتبر فيه أغلظ الأحوال، كالحج.
[مسألة: المجزئ في الكفارة رقبة مؤمنة]
] : ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة، وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يجزئ في كفارة القتل إلا رقبة مؤمنة، فأما كفارة الظهار وكفارة اليمين.. فيجزئ فيها المؤمنة والكافرة) .
стр. 5229
دليلنا: أن الله تعالى ذكر الرقبة في كفارة القتل، وقيدها بالإيمان، وذكر الرقبة في كفارة الظهار وكفارة اليمين، وأطلق ذكرها، فوجب أن يحمل المطلق على المقيد، كما ذكر الشهود في موضع، وقيدهم بالعدالة، وذكرهم في مواضع، وأطلق ذكرهم ولم يقيدهم بالعدالة، فلما حمل مطلق الشهود على المقيد في العدالة.. فكذلك هذا مثله.
وروى أبو هريرة: «أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية، وقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها رقبة، أفأعتق عنها هذه؟ فقال لها النبي ﷺ : " أين الله؟ "، فقالت: في السماء، فقال: " من أنا؟ "، قالت: رسول الله ﷺ ، فقال: " أعتقها فإنها مؤمنة» . وهذا يقتضي أن كل رقبة واجبة لا يجزئ فيها إلا مؤمنة؛ لأن النبي ﷺ لم يفرق.
ولأنه تكفير بعتق، فلم يجز فيه إلا مؤمنة، ككفارة القتل.
إذا ثبت هذا فيجزئ عتق الرقبة الفاسقة؛ لأن الفسق لا يوجب القتل، ولا يجيز الاسترقاق، وإنما هو نقص، فلم يمنع الإجزاء، كالأنوثية.
ويجزئ عتق الرقبة الأعجمية إذا ثبت إسلامها؛ لما روى أبو هريرة: «أن رجلا أتى
стр. 5230
النبي ﷺ بجارية أعجمية، فقال: علي يا رسول الله رقبة، أفأعتق هذه؟ فقال لها ﵊: " أين الله؟ " فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: " من أنا " فأشارت إليه - أي: أنت رسول الله - فقال ﵊: " أعتقها؛ فإنها مؤمنة» .
فإن كان مولاها أو الحاكم يعرف لغتها، فسمع الإسلام منها.. جاز إعتاقها، وإن كانا لا يعرفان ذلك، وترجم عنها رجلان عدلان، وأخبرا بإسلامها.. أجزأ عتقها.
[فرع: إجزاء الرقبة الصغيرة المسلمة]
ويجزئ عتق الرقبة الصغيرة إذا كان أحد أبويها مسلما، أو سبي ولم يسب معه أحد أبويه وقلنا: يتبع السابي في الإسلام، سواء كان ابن يوم أو شهر أو سنة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (لا يتبع الصغير الأم في الإسلام) . وقد مضى ذلك، ثم قال: (لا يعجبني إلا رقبة صلت وصامت) .
وقال أحمد: (لا تعجبني الصغيرة؛ لأن الإيمان قول وعمل، والصغيرة لا عمل لها) . وهذا يدل من قوله: أنها لا تجزئ.
ومن الناس من قال: لا تجزئ الصغيرة؛ لأنها كالذمية.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] . ولم يفرق بين الصغير والكبير.
ولأنها رقبة مؤمنة سليمة تامة الملك، فأجزأ عتقها، كالبالغة.
وإن كانت الرقبة جلبية؛ جلبت من دار الشرك، أو مولودة في دار الإسلام، ولا يعرف أبواها.. لم يجز عتقها حتى تصف الإسلام.
стр. 5231
قال الشافعي في موضع: (إذا أتت بالشهادتين.. كانت مسلمة) .
وقال في موضع: (حتى تأتي بالشهادتين، وتبرأ من كل دين خالف الإسلام) .
وقال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على حالين:
فحيث قال: (يحكم بإسلامه إذا أتى بالشهادتين) إذا كان من عبدة الأوثان الذين لا يقرون بالله ولا بأحد من الأنبياء، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. حكم بإسلامه؛ لأنه لا تأويل له في كفره.
والموضع الذي قال: (يأتي بالشهادتين، ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام) إذا كان يهوديا أو نصرانيا؛ لأن منهم من يعتقد أن محمدا نبي أرسل إلى العرب وحدهم، أو أنه نبي يخرج في آخر الزمان.
قال الشافعي: (وأحب أن يمتحنه بالإقرار بالبعث والنشور مع الشهادتين، ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام؛ لأنه أبلغ في الإيمان) . فإن لم يفعل ذلك.. جاز؛ لأن الإسلام يتضمن ذلك، وكل من كان مسلما.. فإنه يؤمن بذلك، فلم يحتج إلى الإقرار به.
[مسألة: أيجزئ عتق رقبة مؤمنة معيبة]
؟] : ولا يجزئ في الكفارة عتق رقبة معيبة، وهو قول كافة العلماء. وقال داود: (تجزئ) .
دليلنا: أنه أحد ما يكفر به، فلم يجز فيه معيب، كالطعام المسوس.
إذا ثبت هذا: فإنما يريد بالعيوب التي تمنع الإجزاء العيوب التي تضر بالعمل ضررا بينا؛ لأن المقصود بالعتق تمليك المنفعة؛ لأن العبد لا يملك نفسه بالعتق، وإنما يملك المنفعة، وكل عيب أضر بالعمل ضررا بينا.. منع الإجزاء في الكفارة، كما أن المقصود بالمبيعات العين والثمن، وكل عيب وجد في المبيع ينتقص من العين والثمن.. فإنه يثبت له الرد. وكذلك: المقصود بالنكاح الاستمتاع، وإذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيبا يمنع الاستمتاع.. يثبت له الخيار، وكذلك هذا مثله.
стр. 5232
فإذا أعتق عبدا أعمى.. لم يجزئه عن الكفارة؛ لأن العمى يضر بالعمل ضررا بينا، بل هو يذهب بمعظم المنفعة.
وإن أعتق عبدا أعور.. أجزأه؛ لأن العور لا يضر بالعمل ضررا بينا.
وحكي: أن الشعبي كان يختلف إلى إبراهيم النخعي؛ يتعلم منه، ثم امتنع الشعبي، فقال له النخعي: لم امتنعت؟ فقال: قد استكفيت من العلم، فقال له النخعي: ما تقول في العبد الأعور، أيجزئ في الكفارة، أم لا؟ فقال الشعبي: لا يجزئ، فقال له النخعي: ويحك! شيخ مثلي لا يجزئ في الكفارة؟! - وكان النخعي أعور - فقال الشعبي: بل مثل هذا الشيخ يجزئ، فقال النخعي: أخطأت من وجهين:
أحدهما: أن العبد الأعور يجزئ في الكفارة، وأنت منعت.
والثاني: أن الحر الأعور لا يجزئ في الكفارة، وأنت جوزت.
[فرع: لا يجزئ قن مقطع بعض أوصاله]
] : ولا يجزئ مقطوع اليدين أو الرجلين؛ لأنه يضر بالعمل ضررا بينا.
وكذلك لا يجزئ مقطوع اليد والرجل من جانب بلا خلاف.
ولا يجزئ مقطوع اليد والرجل من خلاف.
وقال أبو حنيفة: (يجزئ) .
دليلنا: أنه يضر بالعمل ضررا بينا، فلم يجزئ، كما لو كانا من جانب واحد.
ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل؛ لأنه يضر بالعمل ضررا بينا.
وإن كانت له أصبع مقطوعة من اليد.. نظرت:
فإن كانت الإبهام أو السبابة أو الوسطى.. منعت الإجزاء؛ لأن ذلك يضر بالعمل ضررا بينا؛ لأن معظم منفعة اليد تذهب بذلك.
стр. 5233
وإن كانت الخنصر أو البنصر.. لم تمنع الإجزاء؛ لأن منفعة اليد لا تذهب بذلك وإن كان مقطوع الخنصر والبنصر، فإن كانتا من يد.. منع ذلك الإجزاء؛ لأن معظم منفعة اليد تذهب بذلك؛ لأنه يذهب بمنفعة نصف الكف، وإن كانتا من يدين. لم يمنع الإجزاء؛ لأن منفعة اليد لا تذهب بذلك.
وإن كان مقطوع الأنملتين من أصبع من أصابع اليد، فإن كان ذلك من الخنصر أو البنصر.. لم يمنع الإجزاء؛ لأن ذهاب الخنصر أو البنصر لا يمنع الإجزاء، فذهاب الأنملتين منها أولى أن لا يمنع. وإن كان من السبابة أو الوسطى.. منع الإجزاء؛ لأن منفعتها تتعطل بذلك، فهو كما لو قطعت.
وإن كان مقطوع الأنملة من أصبع في اليد، فإن كان ذلك من الإبهام.. منع الإجزاء؛ لأن منفعتها تتعطل بذلك. وإن كانت من غير الإبهام.. لم يمنع الإجزاء؛ لأن منفعتها لا تذهب بذلك.
قال ابن الصباغ: وإن كان قد قطع من جميع أصابع يده أنملة أنملة، إلا الإبهام لم يقطع منه شيء.. فإن ذلك لا يمنع الإجزاء؛ لأنها كالأصابع القصار، ولا يضر ذلك بالعمل ضررا بينا.
[مسألة: عتق الأعرج والأصم ومقطوع الأذن في الكفارة]
] : وأما الأعرج: فإن كان عرجه قليلا لا يمنع متابعة المشي، ولا يناله في المشي كبير مشقة.. أجزأ عتقه في الكفارة؛ لأن ذلك لا يضر بالعمل ضررا يبنا. وإن كان عرجه يمنع متابعة المشي.. لم يجزئ عتقه في الكفارة؛ لأنه يضر بالعمل ضررا بينا.
ويجزئ الأصم؛ لأنه لا يضر بالعمل، بل يتوفر على العمل؛ لأنه لا يسمع ما يشغله.
стр. 5234
ويجزئ مقطوع الأذنين، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، وزفر: (لا يجزئ) .
دليلنا: أن قطعهما لا يضر بالعمل ضررا بينا، وإنما يخاف منه الصمم، والأصم يجزئ في الكفارة، فكذلك مقطوع الأذنين.
[فرع: عتق الأخرس في الكفارة]
فرع: [عتق الأخرس] : وأما الأخرس: فقد قال الشافعي في " المختصر ": (يجزئ) .
وقال في القديم: (لا يجزئ) .
فقال أصحابنا البغداديون: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، واختلفوا في الحالين.
فمنهم من قال: الموضع الذي قال: (يجزئ) إذا لم يكن مع الخرس صمم، بل يسمع؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررا بينا.
والموضع الذي قال: (لا يجزئ) إذا كان مع الخرس صمم؛ لأنه يضر بالعمل ضررا بينا.
ومنهم من قال: بل هو على اختلاف حالين غير هذا:
فالموضع الذي قال: (يجزئ) إذا كان يعقل الإشارة.
والموضع الذي قال: (لا يجزئ) إذا كان لا يعقل الإشارة.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : فيه قولان.
فإذا قلنا: يجزئ عتق الأخرس، فإن كان مسلما تبعا لأحد أبويه.. أجزأ عتقه، وإن كان مجلوبا من الشرك، أو مولودا في دار الإسلام، ولا يعرف أبواه، وهو بالغ، وأشار إلى الإسلام إشارة مفهومة.. فقد قال الشافعي في موضع: (يجزئ) . وقال في " الأم " [٥/٢٦٧] : (إن أشارت وصلت.. أجزأت) .
فمن أصحابنا من قال: إذا أشارت إلى الإسلام.. أجزأت وإن لم تصل؛ لحديث
стр. 5235
أبي هريرة الذي مضى في الأعجمية، ولأن سائر أحكامه تتعلق بالإشارة، كبيعه، وشرائه، ونكاحه، وطلاقه، فكذلك إسلامه. وقول الشافعي: (وصلت) تأكيد، لا شرط.
ومنهم من قال: لا يجزئ عتقها حتى تصلي مع الإشارة؛ لأن بالصلاة تتحقق صحة إشارتها.
[فرع: عتق المجنون والأحمق والقرناء والمجبوب وضروبهم في الكفارة]
] : وهل يجزئ عتق المجنون؟ ينظر فيه:
فإن كان جنونه مطبقا.. لم يجزئ؛ لأنه لا منفعة له.
وإن كان يجن في وقت، ويفيق في غيره.. فقد ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: أنه يجزئ من غير تفصيل؛ لأنه يمكنه الاكتساب في وقت الإفاقة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إن كان زمان الإفاقة أكثر.. أجزأ، وإن كان زمان الجنون أكثر.. لم يجزئ.
ويجزئ عتق الأحمق؛ وهو الذي يفعل ما يضره مع علمه بقبحه؛ لأن ذلك لا يضر بالعمل.
ويجزئ عتق الأمة القرناء والرتقاء، وعتق الخصي والمجبوب؛ لأن ذلك لا يضر بالعمل.
ويجزئ مقطوع الأنف.
وقال مالك: (لا يجزئ) .
دليلنا: أن ذلك لا يضر بالعمل ضررا بينا.
ويجزئ عتق ولد الزنا، وهو قول عامة أهل العلم.
وقال الأوزاعي، والزهري: (لا يجزئ) ؛ لقوله ﷺ : «ولد الزنا شر الثلاثة» .
стр. 5236
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . ولم يفرق.
ولأن ذلك لا يضر بالعمل، وإنما هو ناقص النسب، والنسب غير معتبر في الكفارة.
وأما الخبر: فله تأويلان.
أحدهما: أنه أراد: ولد الزنا شر من الزاني والمزني بها نسبا.
والثاني: أنه أراد بذلك الإشارة إلى ثلاثة رجال بأعيانهم، أحدهم ولد الزنا؛ كقوله ﷺ : «الجالس في وسط الحلقة ملعون» . ولم يرد لجلوسه فيها، وإنما ذلك علامة له.
وأما المريض: فإن كان مرضا يرجى زواله، كالحمى، والصداع، وما أشبهه.. أجزأ عتقه في الكفارة، وإن كان لا يرجى زواله، كالسل، وما أشبهه.. لم يجزئ؛ لأنه يدوم ولا يزول.
وأما النحيف ونضو الخلق من أصل الخلقة لا لمرض، فإن كان لا يستطيع العمل ولا كثيرا منه.. لم يجزئ عتقه في الكفارة؛ لأنه يضر بالعمل ضررا بينا، وإن كان يستطيع أكثر العمل.. أجزأ عتقه؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررا بينا.
стр. 5237
[فرع: عتق المرهون والجاني ونحوه في الكفارة]
] : ومن أعتق عبدا عن الكفارة، مرهونا أو جانيا، وقلنا: يصح عتقهما.. أجزأه عن الكفارة؛ لأنه أعتق عبدا بملكه ملكا تاما لا عيب فيه، فأجزأه، كما لو كان غير مرهون ولا جان.
وإن غصب عبدا من غيره، وأعتقه الغاصب عن الكفارة.. لم يجزئه؛ لأنه لا يملكه، وإن أعتقه المغصوب منه عن الكفارة.. عتق عليه، ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأن الغاصب يحول بين العبد وبين منافعه، فلا يحصل للعبد المقصود من العتق، فصار كما لو أعتق عن كفارته عبدا زمنا.. فإنه يعتق ولا يجزئه عن الكفارة. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: يجزئه؛ لأنه يملكه ملكا تاما.
وإن أعتق حمل جارية عن كفارته.. عتق الحمل؛ لأن العتق صادف ملكه ولا يتعلق به حق غيره فيعتق، كالمنفصل، ولا يجزئ عتقه عن الكفارة؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، والكفارة حكم، فلم يجز في الحمل.
[فرع: التكفير بعتق العبد الغائب]
] : وإن أعتق عن كفارته عبدا له غائبا، فإن كانت غيبته غير منقطعة، بل يعرف مكانه ويسمع بخبره.. أجزأه عن الكفارة؛ لأنه بمنزلة الغائب عنه في البيت، وإن كانت غيبته منقطعة، لا يعلم مكانه ولا يسمع بخبره.. عتق عليه. قال الشافعي: (ولا يجزئه عن الكفارة) . وقال في (زكاة الفطر) : (عليه زكاة فطره) .
فمن أصحابنا من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين:
أحدهما: يجزئ عتقه عن الكفارة، وتجب عليه زكاة فطره؛ لأن الأصل حياته.
стр. 5238
والثاني: لا يجزئ عتقه عن الكفارة، ولا تجب عليه زكاة فطره؛ لأنه يشك في سقوط الكفارة عنه بعتقه، والأصل بقاؤها في ذمته، ويشك في حياته لتجب عليه زكاة فطره، والأصل براءة ذمته من الزكاة.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما، فقال: لا يجزئ عتقه عن الكفارة؛ لأنه يشك في إسقاط الكفارة عن ذمته بعتقه، والأصل بقاؤها في ذمته، ويشك في سقوط الزكاة عنه بموته، والأصل بقاؤها.
[مسألة: أعتق أم ولد عن كفارة]
] : وإن أعتق أم ولده في كفارته.. عتقت عليه، ولم تجزئه عن الكفارة؛ لأن عتقها مستحق بالاستيلاد، فلم يقع عن الكفارة، كما لو باع من فقير طعاما، ثم دفعه إليه عن الكفارة. هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يجزئ عتقها عن الكفارة؟ فيه قولان، بناء على القولين في جواز بيعها، وقد مضى ذلك في البيوع.
وإن أعتق مكاتبه عن الكفارة.. عتق عليه، ولم يجزئه عن الكفارة، سواء قلنا: يصح بيعه، أو لا يصح؛ لأنا وإن قلنا: يصح بيعه.. فإن الكتابة لا تبطل بالبيع، وإنما يقوم المشتري مقام البائع، فمتى أدى إليه باقي النجوم.. عتق عليه. هذا مذهبنا، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري.
وقال أبو حنيفة: (إن كان قد أدى إليه شيئا من كتابته.. لم يجزئه عتقه عن الكفارة، وإن لم يؤد إليه شيئا من كتابته.. أجزأه عن الكفارة) . وبه قال الليث.
وقال أحمد وأبو ثور: (يجزئ عن الكفارة بكل حال) .
دليلنا: أن عتقه مستحق بسبب سابق لعتقه عن الكفارة.. فلم يجزئه عن الكفارة، كأم الولد.
стр. 5239
وإن أعتق عبدا مدبرا، أو معلقا عتقه بصفة عن الكفارة.. عتق عليه، وأجزأه عن الكفارة؛ لأن عتقهما غير مستحق عليه، فأجزأه عن الكفارة، كالقن.
[مسألة: اشترى من يعتق عليه للكفارة]
] : وإن اشترى من يعتق عليه؛ كأحد أولاده، أو أحد والديه، ونوى عتقه عن الكفارة.. عتق عليه، ولم يجزئه عن الكفارة، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجزئه) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . والتحرير من التفعيل، وهو أن يفعل التحرير، فإذا ملك أحد والديه، أو أحد أولاده.. لم يحرر رقبة، وإنما يحرر بالشرع.
ولأن عتقه مستحق عليه بالقرابة، وهو سبب للكفارة، فلم يقع عن الكفارة، كما لو استحق عليه القريب النفقة بالقرابة، فدفع إليه نفقته، ونوى الكفارة.. فإنها لا تجزئه.
[فرع: اشترى عبدا بشرط أن يعتقه]
] : إذا اشترى عبدا بشرط أن يعتقه.. فقد ذكرنا في (البيوع) : أن المشهور من المذهب: أن البيع صحيح، وهل يلزمه أن يعتقه؟ فيه وجهان.
وإن أعتقه عن الكفارة؟ فإن قلنا: إن البيع باطل.. لم يعتق؛ لأنه لا يملكه، ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه لم يعتق عليه. وإن قلنا: يصح البيع، فأعتقه عن الكفارة.. عتق عليه، ولم يجزئه عن الكفارة، سواء قلنا: يجب عليه إعتاقه، أو لا يجب؛ لأنا إن قلنا: يجب عليه إعتاقه.. لم يجزئه عن الكفارة؛ لأن عتقه استحق عليه بسبب سابق لعتق الكفارة، فلم يجزئه عن الكفارة، كما لو نذر عتقه قبل هذا. وإن قلنا:
стр. 5240
لا يجب عليه إعتاقه.. لم يجزئ عن الكفارة، كما لو نذره؛ لأن هذا العتق لم يقع خالصا للكفارة، وإنما هو مشترك للكفارة ولأجل هذا الشرط في البيع؛ بدليل أنه يسقط خيار البائع في فسخ البيع لذلك. هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إن قلنا: إن العتق في العبد المبيع بشرط العتق حق لله، أو حق للآدمي، فطالب البائع بإعتاقه، فأعتقه المشتري عن الكفارة.. لم يجزئه عن الكفارة. وإن قلنا: إنه حق للآدمي، فأعتقه المشتري قبل أن يطالب بإعتاقه، ونوى عتقه عن الكفارة.. فهل يجزئه عن الكفارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لأنه لم يجز عليه إعتاقه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه كان بعوض، وقد سامحه البائع في الثمن؛ حيث باعه بشرط العتق.
قال: فإن باعه بشرط أن يعتقه عن كفارته، وقلنا: يصح البيع، فأعتقه عن كفارته.. فهل يجزئه؟ فيه وجهان، بناء على ما لو قال: إن وطئتك.. فعلي لله أن أعتق عبدي عن ظهاري، فإذا وطئ وأعتق.. فهل يجزئ؟ على وجهين، مضى ذكرهما.
[مسألة: النية في العتق]
] : ولا يقع العتق عن الكفارة إلا بالنية؛ لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» .
стр. 5241
وصفة النية: أن ينوي العتق عن الكفارة، فإن نوى عن الكفارة الواجبة.. كان ذلك تأكيدا، وإن نوى عن الكفارة، ولم ينو عن الواجبة.. أجزأه؛ لأن الكفارة لا تكون إلا واجبة.
وإن نوى العتق عن الواجب عليه أو الفرض.. قال الشيخ أبو حامد: لم يجزه عن الكفارة؛ لأن الرقبة الواجبة عليه قد تكون عن الكفارة، وقد تكون عن غير كفارة، فلم يجزه عن الكفارة؛ لأنه لم يخلص النية لها.
قال: وكذلك إذا أخرج زكاة ماله، ونوى عن الصدقات الواجبة، أو عن الفرض.. لم يجزه عن الزكاة؛ لأنه قد يكون عليه صدقة واجبة عن زكاة وعن غير زكاة، فإذا لم ينو الزكاة.. لم يجزه.
وهل يجب أن تكون نية العتق مقارنة للعتق، أو يجوز تقديمها على العتق؟ فيه وجهان، كما قلنا في وقت نية إخراج الزكاة، وقد مضى ذلك.
[مسألة: جواز التكفير بالمشترك بنية جميعه]
] : وإن كان بينه وبين غيره عبد مشترك، فأعتق أحدهما نصيبه.. فقد ذكرنا: أنه إن كان موسرا بقيمة نصيب شريكه.. عتق عليه نصيب شريكه، ومتى يعتق عليه؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: بنفس اللفظ.
والثاني: يقع بدفع القيمة بعد العتق.
стр. 5242
والثالث: أنه موقوف.
فإن قلنا: يعتق بنفس اللفظ.. فهل وقع عتق الجميع دفعة واحدة، أو عتق نصيبه، ثم سرى إلى نصيب شريكه؟ فيه وجهان.
وإن كان معسرا.. لم يعتق عليه نصيب شريكه.
إذا ثبت هذا: فالكلام هاهنا إذا أعتقه عن الكفارة، فإن أعتق العبد، ونوى عتق جميعه عن الكفارة، وكان موسرا بقيمة نصيب شريكه.. أجزأه عن الكفارة؛ لأنه كالمالك للجميع؛ بدليل: أنه إذا أعتق نصيبه.. سرى إلى نصيب شريكه.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن نصيب الشريك لا يعتق إلا بدفع القيمة بعد العتق.. لا يجزيه نصيب شريكه؛ لأنه حين يدفع القيمة، ويحكم بعتقه.. يكون عتقا مستحقا، فيكون كما لو اشترى أباه بنية الكفارة. والأول هو المشهور؛ لأن نية التكفير هنا قارنت سبب العتق، وهو إعتاقه لنصيبه بنية الكفارة، وإذا اشترى أباه.. فإن سبب العتق هو القرابة، ونية الكفارة تأخرت عنه؛ فلذلك لم يجزه.
وأما وقت نية التكفير: فإن قلنا: إن نصيب شريكه يعتق بنفس اللفظ أو مراعى.. فلا بد أن ينوي عتق جميع العبد عن الكفارة حال العتق، أو قبله إذا قلنا: يجوز تقديم النية. وإذا قلنا: إن نصيب الشريك لا يعتق إلا بأداء القيمة.. فأما نصيب نفسه: فإنه ينوي عتقه عن الكفارة حال العتق، أو قبله إذا قلنا: يجوز تقديم النية. وأما نصيب الشريك: ففيه وجهان:
أحدهما: قال أكثر أصحابنا: أنه بالخيار: إن شاء.. نوى عتقه عن الكفارة مع اللفظ؛ لأنه وقت الوجوب، وإن شاء.. نواه عند أداء القيمة؛ لأنه حين العتق.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: عندي: أنه لا بد أن ينوي حال اللفظ؛ لأن تلك الحال حالة سبب العتق.
стр. 5243
وأما إذا نوى عتق نصيبه عن الكفارة حال العتق، ولم ينو عتق نصيب شريكه، فإن قلنا: إن العتق يسري باللفظ، أو قلنا: إنه مراعى.. فإن نصيب شريكه يعتق، ولا يجزيه عن الكفارة.
ومن أصحابنا من قال: يجزيه؛ لأنه يسري إلى العتق الواقع عن الكفارة؛ لأن قوله: (أعتقت نصيبي منك) كقوله: (أعتقت جميعك) ، إذ كان لا يملك عتق نصيب شريكه إلا كذلك، ألا ترى أنه لو قال: أعتقت نصيب شريكي.. لم يصح؟
والأول أصح؛ لأن العتق يسري، ولم ينوه عن الكفارة.
وأما إذا قلنا: يسري بأداء القيمة، ثم نوى مع أداء القيمة.. فعلى الوجهين الأولين:
أحدهما: يجزيه؛ لأنه نوى مع سبب العتق.
والثاني: لا يجزيه، وهو قول الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب؛ لأن سبب استحقاق العتق إنما هو عتق النصيب الأول، فإذا لم يقارن النية سبب الاستحقاق.. لم يجزه.
وأما إذا كان معسرا، ونوى عتق نصيبه عن الكفارة.. عتق عليه نصيبه، ولا يسري إلى نصيب شريكه؛ لأن في ذلك ضررا على الشريك.
فإن ملك بعد ذلك نصيب شريكه، وأعتقه عن الكفارة.. أجزأه؛ لأنه قد أعتق رقبة عن الكفارة وإن كان في وقتين، كما لو أطعم المساكين في وقتين.
[مسألة: عتق عبدين معا عن كفارتين]
] : إذا كان على رجل كفارتان من جنس أو جنسين، فأعتق عنهما عبدين.. ففيه أربع مسائل:
إحداهن: أن يعتق عن كل كفارة عبدا بعينه، فيجزيه ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] [المجادلة: ٣] . وهذا قد حرر عن كل كفارة رقبة.
الثانية: أن يعتق عبدا عن إحدى الكفارتين لا بعينها، ويعتق الآخر عن الأخرى
стр. 5244
لا بعينها، فيجزيه ذلك أيضا؛ لأن تعيين سبب الكفارة ليس بواجب.
الثالثة: أن يعتقها عن الكفارتين؛ بأن يقول: أعتقتكما عن كفارتي.. فإن الشيخ أبا حامد قال: يجزيه، ويقع كل واحد عن كفارة.
قال ابن الصباغ: ووجهه عندي: أن عرف الاستعمال والشرع إعتاق الرقبة عن الكفارة، فإذا أطلق ذلك.. وجب حمل ذلك عليه.
قال: وذكر صاحب " المجموع ": أنها بمنزلة الرابعة؛ وهي: إذا قال: أعتقتكما، وكل واحد منكما عن كفارتي.. قال الشافعي: (أجزأه، وكمل العتق) . ولا خلاف بين أصحابنا أنه يجزيه.
واختلفوا في كيفية وقوع العتق:
فقال أبو العباس، وأبو علي بن خيران: يقع كل واحد منهما عن كفارة؛ لأنه إذا قال: أعتقتكما.. وقع العتق، وقوله بعد ذلك: (وكل واحد منكما) لغو، فينقلب العتق في كل واحد عن كفارة.
ومنهم من قال: يعتق نصف كل واحد من العبدين عن كل واحدة من الكفارتين، وهو ظاهر النص؛ لأنه قال: أجزأه، وكمل العتق؛ لأنه أعتقهما عن الكفارتين، فاقتضى وقوع كل واحد منهما عنهما، كما لو قال: هاتان الداران لزيد وعمرو. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إن كانتا من جنس واحد، فأعتق العبدين بنية التكفير.. أجزأه - كما قلنا - وإن كانتا من جنسين.. لم يجزه حتى يعين العتق عن كل واحدة من الكفارتين) .
دليلنا: أنها حقوق تخرج في التكفير، فلم يجب فيها تعيين النية، كما لو كانتا من جنس واحد.
стр. 5245
[فرع: عليه كفارة فأعتق نصف عبدين]
] : وإن كان عليه كفارة، فأعتق عنها نصف عبدين.. فهل يجزيه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجزيه؛ لأن نصف الاثنين في الشرع يقوم مقام الواحد الكامل؛ بدليل: أنه إذا ملك نصف عبدين.. لزمه عنهما زكاة الفطر، كعبد.
والثاني: لا يجزيه؛ لأن الله أوجب على المكفر تحرير رقبة، وهذا ما حرر رقبة.
والثالث: إن كان باقي العبدين حرا.. أجزأه؛ لأنه يحصل لهما تكميل الأحكام، وإن كان باقيهما مملوكا، بأن كان معسرا.. لم يجزه؛ لأنه لا يحصل لهما تكميل الأحكام.
[فرع: الشك في موجب الكفارة]
] : وإن كان عليه كفارة، فشك أنها من ظهار أو قتل أو يمين، فأعتق رقبة عنها.. أجزأه؛ لأن تعيين السبب ليس بواجب عليه.
وإن كان عليه ثلاث كفارات، وكان واجدا لرقبة لا غير، فأعتقها بنية التكفير، ثم صام شهرين بنية التكفير، ثم مرض فأطعم ستين مسكينا بنية التكفير.. أجزأه ذلك، وسقط عنه الكفارات الثلاث؛ لأن عليه أن ينوي الكفارة، وليس عليه أن يعين جنسها.
قال الطبري: إذا أعتق رقبة ونوى عتقها عن كفارة الظهار، ثم بان أنه لم يكن عليه كفارة الظهار، وإنما عليه كفارة القتل.. لم يجزه ذلك؛ لأن تعيين جنس الكفارة وإن كان غير واجب، إلا أنه إذا عينها عن جنس، وبان أن ذلك الجنس ليس عليه.. لم يجزه، كما لو نوى الاقتداء في الصلاة بالإمام وهو فلان، فبان أنه غيره، أو نوى الصلاة على جنازة رجل، فبان أنه امرأة.. لا يجزيه.
[مسألة: له عبد عليه كفارة]
] : إذا كان لرجل عبد وعليه كفارة الظهار، فقال له آخر: أعتق عبدك عن ظهارك على أن علي عشرة، أو وعلي عشرة، فقال: أعتقت عبدي عن ظهاري على أن عليك
стр. 5246
عشرة، أو قال: أعتقت عبدي على أن عليك عشرة عن ظهاري.. فإن العبد يعتق عليه، ولا يجزيه عن الظهار؛ لأنه لم يعتقه عتقا خالصا عن الظهار، وإنما أعتقه عتقا مشتركا بين العتق عن الظهار وبين العوض، فلم يقع عن الظهار.
وقال أبو إسحاق: إن قال: أعتقت عبدي على أن عليك عشرة عن ظهاري.. استحق العوض، ولم يجزه عن الظهار؛ لأن بقوله: (أعتقت عبدي على أن عليك عشرة) وقع العتق بالعوض، فقوله: (عن ظهاري) يكون لغوا، لا يتعلق به حكم.
وإن قال: أعتقت عبدي عن ظهاري على أن عليك عشرة.. أجزأه عن الظهار، ولم يستحق العوض؛ لأن بقوله: (أعتقت عبدي عن ظهاري) يقع العتق عن الظهار، وقوله بعد هذا: (على أن عليك عشرة) لغو لا يتعلق به حكم.
والمنصوص في " الأم ": هو الأول؛ لأن الكلام إذا اتصل بعضه ببعض.. كان حكم أوله حكم آخره.
فإذا قلنا بهذا: فإنه يستحق على السائل العشرة التي بذلها. هذا قول عامة أصحابنا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أن التسمية فاسدة. وبه قال ابن الصباغ؛ لبطلان الشرط الذي شرطه.
فإن قال: أعتق عبدك عن ظهارك وعلي عشرة، فقال: أعتقت عبدي عن ظهاري، وسكت عن ذكر العوض.. أجزأه عن الظهار؛ لأنه لم يجبه إلى ما دعاه إليه، بل أخلص العتق عن الكفارة.
[مسألة: عتق عبده نيابة عن غيره]
] : إذا أعتق عبده عن غيره.. فلا يخلو المعتق عنه: إما أن يكون حيا، أو ميتا.
فإن كان حيا.. نظرت:
فإن أعتق عنه بإذنه.. وقع العتق عن المعتق عنه، والولاء له، سواء كان بعوض أو
стр. 5247
بغير عوض. وإن كان على المعتق عنه كفارة، وأعتق عنه مالك العبد عبده عن كفارة أخرى.. أجزأ المعتق عنه عن كفارته، وكان الولاء له، سواء كان بعوض أو بغير عوض.
وقال أبو حنيفة: (إن أعتق عنه عن واجب عليه بعوض.. وقع عن المعتق عنه عن الواجب عليه، وإن كان بغير عوض.. لم يقع العتق عن المعتق عنه، ووقع عن المعتق) . وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
دليلنا: أنها رقبة تجزئ عن كفارة المعتق عنه، فإذا أعتقها عنه غيره بإذنه.. وقع عنه، كما لو أعتقها عنه بعوض.
ولأنه إذا كان بعوض.. فهو بمنزلة البيع، وإذا كان بغير عوض.. فهو بمنزلة الهبة، والهبة إذا أقبضت.. لزمت، والعتق بمنزلة القبض.
وهكذا: إذا زكى عنه ماله بإذنه.. أجزأه؛ لما ذكرناه في العتق. وإن أعتقه عنه بغير إذنه.. لم يقع العتق عن المعتق عنه، ويقع عن المعتق له، والولاء له، سواء كان العتق عن تطوع أو واجب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (إذا أعتق عن غيره بغير إذنه عن تطوع.. لم يقع عن المعتق عنه، وإن أعتق عنه عن عتق واجب عليه.. وقع عن المعتق عنه، وكان الولاء له، كما لو قضى عنه دينا بغير إذنه) .
دليلنا: قوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» . والمعتق هو هذا.. فكان الولاء له.
ولأنه لو باشر العتق بنفسه ولم ينو العتق عن الكفارة.. لم يجزه، فلأن لا يجزيه بإعتاق غيره عنه بغير إذنه أولى.
ولأنها عبادة من شرطها النية، فلا يصح أداؤها عن الغير بغير إذنه، كالزكاة، ويخالف قضاء الدين، فإنه لا يفتقر إلى النية.
стр. 5248
وإن كان المعتق عنه ميتا، فإن كان العتق تطوعا، لم يجب على المعتق عنه في حياته.. نظرت: فإن كان قد أذن بالعتق عنه قبل موته.. وقع العتق عن الميت، وكان الولاء له، كما لو أعتق عنه في حال الحياة بإذنه.
وإن أعتق عنه بغير إذنه.. لم يقع العتق عن المعتق عنه، بل يقع عن المعتق، والولاء له.
فإن قيل: أليس لو تصدق عنه بعد موته بغير إذنه.. لوقع عن المصدق عنه؟
قلنا: الفرق بينهما: أن العتق يتضمن ثبوت الولاء، و «الولاء لحمة كلحمة النسب» ، ولا يمكن إلحاق ذلك بالميت بغير إذنه.
وإن كان العتق واجبا على الميت، فإن أعتق عنه أجنبي ليس بوارث له ولا وصي له، فإن كان بإذن الميت.. وقع العتق عن الميت، وأجزأ عما عليه، وكان الولاء له، كما لو أذن له في حال الحياة، وإن أعتق عنه بغير إذنه.. لم يقع العتق عن الميت، ووقع عن المعتق، كما لو أعتق عنه في حياته بغير إذنه. وإن كان المعتق وارثا له أو وصيا له.. نظرت:
فإن كان العتق متحتما على الميت، ككفارة القتل أو الظهار، فإن كانت له تركة.. وجب على الوصي أو الوارث إخراج ذلك من تركته؛ لأنه يقوم مقامه في أداء الواجبات عليه من تركته، وإن عتق عنه من مال نفسه.. جاز؛ لأن نيته تقوم مقام نيته، وإنما تحصل منه النيابة في المال فحسب، وذلك جائز.
وإن كان العتق غير متحتم عليه، ككفارة اليمين، فإن كفر عنه الوصي أو الوارث بالكسوة أو الإطعام.. صح ذلك، وإن كفر عنه بعتق، فإن كان بإذنه.. صح، وإن كان بغير إذنه.. فهل يقع عن الميت ويكون الولاء للميت، أو عن المعتق ويكون الولاء للمعتق؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما:
стр. 5249
أحدهما: لا يقع عن الميت؛ لأنه كان غير متحتم عليه، فلم يقع عنه، كما لو تطوع عنه بالعتق بغير إذنه.
والثاني: يقع عن الميت، وهو الأصح؛ لأنه مخير بين الثلاثة، فإذا فعل أحدها.. تعين بالفعل، وبان أنه فعل واجبا، فوقع عن الميت، كما لو كان العتق متحتما.
إذا ثبت هذا: فقال رجل لآخر: أعتق عبدك عني، فأعتقه عنه.. فلا يختلف أصحابنا أن العبد قد دخل في ملك المعتق عنه، ولكن اختلفوا، متى ملكه وعتق عليه؟ على أربعة أوجه:
فـ[أحدها] : منهم من قال: دخل في ملكه بالاستدعاء، وعتق عليه بالإعتاق. وهذا ضعيف؛ لأن الإيجاب شرط في الملك، فلا يتقدم الملك عليه.
و [الثاني] : منهم من قال: إذا شرع المعتق في العتق دخل في ملك المعتق عنه، وبإكمال قوله: (أعتقت) عتق عليه. وهذا ضعيف أيضا؛ لأنه يدخل عليه ما ذكرناه على الأول.
الثالث - وهو قول أبي إسحاق المروزي -: أنه يقع الملك والعتق في حالة واحدة، وهو عقيب قوله: (أعتقت) ؛ لأنه إنما يمتنع اجتماع الضدين في طريق المشاهدة، فأما من طريق الحكم.. فلا يمتنع. وهذا ليس بشيء؛ لأن ما امتنع في العقل من اجتماع الضدين في المشاهدة.. لا يجوز إثباته في الأحكام؛ لأنه يكون حكما بالمحال.
الرابع - وهو اختيار الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق، والقاضي أبي الطيب، وابن الصباغ -: أنه يقع الملك عقيب قوله: (أعتقت) ، ثم يعتق عليه بعد ذلك؛ لأن من شرط العتق الملك، فما لم يوجد الملك.. لا يوجد العتق، ولا يمتنع أن
стр. 5250
يوجد لفظ العتق ولا يتعقبه العتق؛ لعدم الشرط، وهو إذا قال: أعتقته عنك بألف.. فإن العتق لا يتعقب لفظة العتق، وإنما يقع بعد قوله: قبلت.
[فرع: ظاهر من أمة غيره، ثم اشتراها وأعتقها عن كفارة ظهار منها]
] : إذا تزوج الحر أمة لغيره وظاهر منها ووجد العود، ثم اشتراها وأعتقها عن كفارة ظهاره.. أجزأه؛ لأنه أعتق أمة يملكها ملكا تاما فأجزأه، كما لو أعتقها عن ظهاره من غيرها، ولا يمتنع أن يجزئ عتقها وإن كانت سببا لوجوب العتق، كما لو قال: إن اشتريت أمة.. فعلي لله أن أعتق رقبة، فملك أمة، وأعتقها عن نذره.. جاز.
فإن أتت هذه الجارية بولد بعد العتق، فإن لم يطأها المشتري بعد الابتياع.. نظرت:
فإن أتت بالولد لأربع سنين فما دونها من وقت الشراء.. حكمنا بأن الولد أتت به من الزوجية، ويلحقه نسبه، ويعتق عليه بالشراء، ولم يسر إلى عتق أمه. فإن أعتق الأم بعد الشراء عن الكفارة.. أجزأه؛ لأنه أعتق أمة ليست بأم ولد له.
وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت الشراء.. لم يلحقه نسب الولد. فإذا أعتق الأم.. تبعها الولد، وأجزأه ذلك عن الكفارة.
وإن وطئها بعد الابتياع، فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت الوطء.. فالحكم فيه كما لو لم يطأها، وقد مضى.
وإن أتت به لستة أشهر فما زاد لأربع سنين من وقت الوطء.. علمنا أن هذا الولد حدث وهي في ملكه، فلم يمسه رق، ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه أعتقها بعد أن صارت أم ولد له؛ لأن الظاهر من هذا: أن هذا الحمل من هذا الوطء الموجود في الملك؛ لأنه يعقبه.
стр. 5251
[مسألة: عدم وجدان الرقبة يلزم الصوم]
] : وإن لم يجد المظاهر رقبة تفضل عن كفايته على الدوام وهو قادر على الصيام.. لزمه أن يصوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] الآية [المجادلة: ٣] . ولما ذكرنا من حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر.
إذا ثبت هذا: فإن كان قد نوى الصوم عن الكفارة أول ليلة من الشهر.. صام شهرين متتابعين هلاليين، سواء كانا تامين أو ناقصين، أو أحدهما تاما والآخر ناقصا؛ لأن الله تعالى أوجب عليه صوم شهرين، وإطلاق الشهر ينصرف إلى الشهر الهلالي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] [البقرة: ١٨٩] .
وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا " وأومأ بأصابع يديه، وحبس إبهامه في الثالثة، كأنه يعد ثلاثين» .
وروي: أنه قال: «قد يكون الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا " وحبس إبهامه في الثالثة» .
وإن كان ابتدأ الصوم وقد مضى من الشهر يوم أو أكثر.. صام ما بقي من الشهر بالعدد، وصام الشهر الذي بعده بالهلال، تاما كان أو ناقصا، وتمم عدد الأول من
стр. 5252
الثالث ثلاثين يوما، تاما كان أو ناقصا؛ لأنه لما فاته شيء من الشهر الأول.. لم يصمه، ولم يمكن اعتباره بالهلال، فاعتبر بالعدد، واعتبر الثاني بالهلال؛ لأنه أمكنه ذلك.
[فرع: الفطر في أثناء كفارة الصيام]
] : وإن أفطر في يوم في أثناء الشهرين، فإن كان أفطر لغير عذر.. انقطع التتابع، ولزمه أن يبدأ صوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] [المجادلة: ٤] . ومعنى التتابع: أن يوالي بالصوم أيامهما، ولا يفطر فيهما لغير عذر، وإن لم يفعل ذلك.. صار كما لو لم يصم.
وإن جامع في ليلة في أثناء الشهرين عامدا عالما بالتحريم.. أثم بذلك، ولا ينقطع تتابعه.
وإن وطئها بالنهار ناسيا.. لم يفسد صومه، ولم ينقطع تتابعه، وبه قال أبو يوسف، وهي إحدى الروايتين عند أحمد.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (ينقطع تتابعه بذلك) . إلا أن مالكا يقول: (إذا وطئها ناسيا.. فسد صومه) . وأبو حنيفة يقول: (لا يفسد، إلا أنه يقطع التتابع) .
دليلنا على أنه لا يقطع التتابع: أنه وطء لم يفسد به الصوم.. فلم يقطع التتابع كما لو وطئ امرأة أخرى.
стр. 5253
وإن كان الفطر بعذر.. نظرت:
فإن كان العذر حيضا.. فلا يتصور ذلك في كفارة الظهار، وإنما يتصور في كفارة القتل والجماع في رمضان؛ إذا قلنا: تجب عليها الكفارة.. فإن التتابع لا ينقطع؛ لأن زمان الحيض مستحق للفطر، فهو كليالي الصوم، ولأن الحيض حصل بغير اختيارها، ولا يمكنها الاحتراز منه، فلو قلنا: إنه ينقطع التتابع.. لأدى إلى أنه لا يمكن للمرأة أن تكفر بالصوم إلا بعد اليأس من الحيض، وفي ذلك تأخيرها عن وقت وجوبها، وربما ماتت قبل اليأس؛ ولذلك قلنا: لا ينقطع التتابع.
وإن أفطرت للنفاس.. احتمل أن يكون فيه وجهان، كما قلنا في الإيلاء.
وإن كان الفطر للمرض.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا ينقطع التتابع) . وبه قال مالك، وأحمد؛ لأن سبب الفطر حدث بغير اختياره، فهو كالحيض، ولأنا لو قلنا: إنه ينقطع بالفطر في المرض.. لأدى ذلك إلى أن يتسلسل؛ لأنه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البرء.
و [الثاني] : قال في الجديد: (ينقطع تتابعه) . وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه أفطر باختياره، فهو كما لو أفطر بغير المرض.
وإن أفطر بالسفر، فإن قلنا: إن المريض إذا أفطر قطع التتابع.. فالمسافر أولى. وإن قلنا: إن الفطر بالمرض لا يقطع التتابع.. ففي المسافر قولان:
أحدهما: لا ينقطع التتابع؛ لأن السفر عذر يبيح الفطر، فهو كالمرض.
والثاني: أنه ينقطع التتابع؛ لأنه أحدث سبب الفطر، وهو السفر.
وإن نوى الصوم من الليل، ثم أغمي عليه في أثناء النهار.. فهل يبطل صومه؟ فيه طرق، مضى ذكرها في الصوم.
فإذا قلنا: لا يبطل.. لم ينقطع تتابعه بذلك.
стр. 5254
وإن قلنا: يبطل صومه.. قال الشيخ أبو إسحاق والمحاملي: هو كالفطر في المرض على قولين. وفيه نظر؛ لأنه لا يفطر باختياره، بخلاف الفطر في المرض؛ فإنه أفطر باختياره.
وإن أفطرت الحامل والمرضعة في أثناء الشهرين، فإن كان خوفا على أنفسهما.. فهو كالفطر في المرض، وإن كان خوفا على ولديهما.. فهل ينقطع التتابع؟ فيه طريقان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالفطر في المرض.
و [الثاني] : منهم من قال: ينقطع التتابع، قولا واحدا؛ لأنهما أفطرتا لحق غيرهما، بخلاف المريض.
[فرع: الصيام أثناء الكفارة يقطع التتابع]
] : وإن صام في أثناء الشهرين تطوعا، أو عن نذر، أو قضاء.. انقطع تتابعه بذلك؛ لأن ذلك لا يقع عن الشهرين، وانقطع تتابعه به، كما لو أفطر.
فإن صام بعض الشهرين ثم تخللهما زمان لا يجزئ صومه عن كفارته؛ مثل: رمضان، وعيد الأضحى.. انقطع تتابعه؛ لأن رمضان مستحق للصوم، وعيد الأضحى مستحق للفطر، وقد كان يمكنه أن يبتدئ صوما لا يقطعه ذلك، فإن لم يفعل.. فقد فرط، كما لو أفطر في أثناء الشهرين بغير عذر. ولا يجيء أن يقال: تخللهما عيد الفطر، ولا أيام التشريق؛ لأن عيد الفطر يتقدمه رمضان، وأيام التشريق يتقدمها عيد الأضحى.
فأما إذا ابتدأ الصوم عن الشهرين في رمضان.. لم يصح صومه عن رمضان؛ لأنه لم ينو الصيام عنه ولا عن الشهرين؛ لأن الزمان مستحق لصوم رمضان، فلا يقع عن غيره.
стр. 5255
وإن ابتدأ صوم الشهرين يوم عيد الفطر.. لم يصح؛ لأنه مستحق للفطر، ويصح صوم باقي الشهر.
وإن ابتدأ الصوم أيام التشريق، فإن قلنا بقوله الجديد، وأن صومها لا يصح عن صوم التمتع، أو قلنا بأحد الوجهين على القديم؛ لا يصح صومها عن التمتع.. لم يصح صومه عن الشهرين. وإن قلنا: يصح صومها عن التمتع.. صح صومها عن الشهرين.
[مسألة: القدرة على العتق بعد الابتداء في الصوم]
] : وإن دخل في الصوم، ثم أيسر وقدر على إعتاق الرقبة.. لم يجب عليه الانتقال إلى الرقبة، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، والمزني: (يلزمه الانتقال) .
دليلنا: أنه وجد المبدل بعد شروعه في البدل، فلم يلزمه الانتقال إليه، كما لو وجد الهدي بعد شروعه في صوم التمتع.
قال الشافعي: (لو أعتق.. كان أفضل؛ لأنه الأصل، وليخرج بذلك من الخلاف) .
[فرع: تبييت النية لصيام الكفارة]
فرع: [وجوب تبييت النية لصيام الكفارة] : ولا يجزيه الصوم عن الكفارة حتى ينوي الصيام كل ليلة؛ لقوله ﷺ : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . وهذا عام في كل صوم. وقد وافقنا أبو حنيفة على ذلك، وهل يلزمه نية التتابع؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يلزمه نية التتابع كل ليلة؛ لأن التتابع واجب كالصوم، فلما وجب عليه نية الصوم كل ليلة.. فكذلك نية التتابع.
следующие страницы →