Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
ومنهم من قال: يحنث، وهو الأظهر؛ لأن الثاني يقع عليه اسم الباب، فتعلقت به اليمين وإن لم يكن موجودا حال عقد اليمين، كما لو قال: لا دخلت دار زيد، وليس لزيد دارٌ، فملك زيد بعد اليمين دارا، فدخلها.. فإنه يحنث. ومن قال بهذا.. تأول كلام الشافعي على: أنه عين الباب.
[فرع: حلفه لا يدخل دارا يقتضي التأبيد]
وإن حلف: لا يدخل هذه الدار.. اقتضى إطلاقه التأبيد.
فإن قال: نويت يوما أو شهرا، فإن كان يمينه بالطلاق، أو العتاق، أو بالله في الإيلاء.. لم يقبل قوله في الحكم؛ لأنه تعلق به حق لآدمي، وما يدعيه مخالف للظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
وإن كانت يمينه بالله في غير الإيلاء.. قبل قوله في الظاهر والباطن؛ لأنه أمين فيما يجب عليه من حقوق الله .
[مسألة: حلف لا يسكن بيتا وهو قروي أو بدوي]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن حلف: لا يسكن بيتا وهو بدوي أو قروي، ولا نية له.. فأي بيت من شعر، أو دم، أو خيمة، أو بيت حجارة، أو مدر، أو ما وقع عليه اسم البيت سكنه.. حنث) .
وجملة ذلك: أنه إذا حلف: لا يدخل بيتا، فدخل بيتا مبنيا من حجارة أو لبن أو آجر أو خشب أو قصب.. حنث بذلك، قرويا كان أو بدويا؛ لأنه يقع عليه اسم البيت شرعا ولغة.
وإن دخل في دهليز دار، أو صفتها، أو صحنها.. فقد قال بعض أصحابنا:
стр. 5392
لا يحنث؛ لأنه لا يسمى بيتا ولهذا يقال: لم يدخل البيت، وإنما وقف في الدهليز، والصفة، والصحن.
وقال صاحب " الفروع ": لا يحنث إلا أن يعد جميع الدار مبنيا، ولا يفرد للبيتوتة موضعا، فيحنث إذا حصل في دهليزها وصفتها.
وقال القاضي أبو الطيب: فيه نظر. وأراد: أنه يحنث، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن جميع الدار مهيأ للإيواء.
وإن دخل مسجدا، أو البيت الحرام، أو دخل بيتا في الحمام، أو بيعة، أو كنيسة.. لم يحنث.
وقال أحمد: (إذا دخل مسجدا، أو البيت الحرام، أو دخل بيتا في الحمام.. حنث؛ لأن المسجد يسمى بيتا. قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] [النور: ٣٦] . وأراد بها: المساجد) .
ودليلنا: أن البيت اسم لما بني للسكنى في العرف؛ ولهذا يقال: بيت فلان، ويراد: مسكنه، والمسجد وبيت الحمام لم يبنيا لذلك، فلم ينصرف الإطلاق إليه.
وأما الآية: فالجواب: أن المساجد تسمى بيوتا مجازا لا حقيقة، واليمين إنما تنصرف إلى الحقيقة دون المجاز.
وإن دخل بيتا من شعر، أو صوف، أو أدم، فإن كان الحالف بدويا.. حنث؛ لأنه بيت في حقه، وإن كان الحالف قرويا لا يسكن هذه البيوت.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو العباس: لا يحنث. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأيمان محمولة على العرف؛ ولهذا لو حلف: لا يأكل الرؤوس.. لم يدخل فيه إلا ما يعتاد أكله من الرؤوس منفردا، وهذه البيوت غير معتادة في حق أهل الأمصار والقرى، فلم يدخل تحت أيمانهم.
стр. 5393
وقال أكثر أصحابنا: يحنث. وهو المنصوص، واختلفوا في تعليله.
فقال أبو إسحاق: إنما يحنث؛ لأنها تسمى في البادية بيوتا، وإذا ثبت للشيء عرف اسم في موضع.. ثبت له في جميع المواضع، ألا ترى أنه لو حلف العراقي: لا يأكل الخبز، فأكل خبز الأرز.. حنث وإن كان ذلك غير متعارف في حقه، وإنما هو متعارف في حق الطبري؟
ومن أصحابنا من قال: إنما حنث؛ لأن هذه البيوت المتخذة من هذه الأشياء تسمى: بيوتا في الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] [النحل: ٨٠] .
وقال أبو الطيب: التعليل الصحيح: أن هذه تسمى: بيوتا حقيقة، وتسميتها: خيمة ومضربا إنما هو اسم للنوع، واسم البيت حقيقة يشمل الكل، واليمين تحمل على الحقائق.
والتعليل الأول لا يصح؛ لأنه يلزمه أن يقول: إذا حلف: لا يركب دابة.. أن يحنث بركوب الحمار؛ لأنه يسمى دابة بمصر.
والتعليل الثاني لا يستقيم؛ لأن المساجد سماها الله تعالى بيوتا بقوله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] [النور: ٣٦] ، ومع هذا فلا يحنث بدخولها.
[فرع: علق طلاق زوجته على دخول دار زيد بغير إذنه]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (إذا قال: إن دخلت دار زيد إلا بإذنه.. فامرأتي طالق، فإن أذن له زيد بالدخول.. ارتفعت اليمين، دخلها أو لم يدخلها، فإن دخلها.. بر في يمينه، فإن دخلها بعد ذلك بغير إذنه.. لم يحنث، فإن منعه زيد من الدخول بعد الإذن وقبل الدخول.. لم يقدح) .
قال ابن الصباغ: وفيه نظر؛ لأن رجوعه عن الإذن يبطله، ويكون داخلا بغير إذنه، ولهذا يأثم فيه، ومجرد الإذن لا يحل اليمين؛ لأن المحلوف عليه الدخول دون الإذن.
стр. 5394
[فرع: حلف لا يركب دابة عبد فخصه سيده بدابة]
] : وإن حلف: لا يركب دابة هذا العبد، فركب دابة جعلها سيده لركوب العبد.. لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: (يحنث) .
وهكذا: لو حلف: لا يركب دابة زيد، فركب دابة لزيد جعلها لركوب عبده.. حنث.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث) .
دليلنا: أن العبد لا يملكها، والإضافة تقتضي الملك في حق من يملك، كما لو ركب دابة استعارها المحلوف عليه.
فإن ملكه سيده دابة، فركبها الحالف، فإن قلنا: يملك العبد بالتمليك.. حنث الحالف، وإن قلنا: لا يملك.. لم يحنث.
وإن حلف: لا يركب دابة زيد، فركب دابة مكاتبه.. لم يحنث؛ لأن السيد لا يملكها، ولا ينفذ تصرفه فيها.
وإن حلف: لا يركب دابة للمكاتب.. قال ابن الصباغ: فأكثر أصحابنا قالوا: إذا ركب دابة المكاتب.. حنث؛ لأن المكاتب يملك التصرف فيها دون سيده.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنا إذا قلنا: إن العبد لا يملك.. يحتمل أن يقال: لا يحنث؛ لأن المكاتب لا يملكها.
قال ابن الصباغ: والأول أظهر؛ لأن الدابة إذا لم تضف إلى سيد المكاتب.. لا بد أن تكون مضافة إلى المكاتب.
[مسألة: حلف لا يأكل قمحا فأكله طحينا]
وإن حلف: لا يأكل خضرة الحنطة، أو لا يأكل منها، فطحنها، فأكلها.. لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 5395
وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث. وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أبي العباس؛ لأن الحنطة تؤكل هكذا، فهو كما لو حلف لا يأكل هذا الكبش، فذبحه فأكله، أو كما لو حلف لا يأكل هذا اللحم فشواه وأكله. ودليلنا: أن اسم الحنطة زال بالطحن.. فزال تعلق اليمين بها، كما لو حلف: لا أكلت من هذه الحنطة، فزرعها وأكل من حشيشها.
وكذلك إذا حلف: لا أكلت هذه البيضة، فصارت فرخا فأكله، ويخالف الكبش؛ فإنه لا يمكن أكله حيا، ولا يشبه اللحم أيضا؛ لأن اسم اللحم وصورته لم تزل.
وإن حلف: لا أكلت هذا الدقيق، فعجنه وخبزه وأكله، أو لا أكلت هذا العجين فخبزه وأكله.. لم يحنث..
وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو العباس: يحنث.
والأول أصح؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
[فرع: حلف لا يكلم الصبي فكبر]
وإن قال: والله لا كلمت هذا الصبي، فصار شابا، فكلمه، أو لا أكلم هذا الشاب، فصار شيخا، فكلمه، أو لا آكل من لحم هذا الجدي، فصار تيسا، وأكل من لحمه، أو لا آكل من هذه البسرة فصارت رطبة فأكلها، أو لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرة فأكلها.. فهل يحنث في جميع ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأن الاسم قد زال، فأشبه إذا قال: لا أكلت هذه الحنطة، فطحنها وأكلها.
والثاني: يحنث؛ لأن صورتها لم تزل، وإنما تغيرت الصفة، فأشبه إذا حلف: لا يأكل اللحم، فشواه وأكله. هذا مذهبنا.
стр. 5396
وقال أبو حنيفة في الحيوان: (يحنث) ، وفي الباقي: (لا يحنث) ؛ لأن قصده أن لا يكلم الصبي والشاب للاستخفاف به، وذلك لا يزول بالكبر. وكذلك معناه: لا يأكل لحم هذا الجدي وذلك المعنى لم يزل. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الاعتبار بالاسم دون القصد؛ ولهذا: لو حلف: لا أكلت هذا اللحم، فأكله نيئا.. حنث وإن كان قصده الامتناع من أكله مطبوخا.
وإن قال: والله لا كلمت صبيا، فكلم شابا، أو لا كلمت شابا، فكلم شيخا، أو لا أكلت لحم جدي، فأكل لحم تيس، أو لا أكلت بسرا، فأكل رطبا، أو لا أكلت رطبا، فأكل تمرا.. لم يحنث، وجها واحدا؛ لأن اليمين هاهنا تعلقت بالصفة دون العين، ولم توجد الصفة، فجرى مجرى ما لو حلف: لا يأكل تمرا بعينه، فأكل غيره.
[فرع: حلف لا يشرب عصيرا فصار خلا]
وإن حلف: لا يشرب هذا العصير، فصار خلا، فشربه، أو لا يشرب هذا الخمر، فصار خلا، فشربه.. لم يحنث، كما قلنا في الحنطة إذا صارت دقيقا.
وإن حلف: لا يلبس هذا الغزل، فنسج منه ثوب، فلبسه.. حنث؛ لأن الغزل لا يلبس إلا منسوجا، فصار كما لو حلف: لا يأكل هذا الكبش، فذبحه، وأكله.. فإنه يحنث.
[مسألة: حلف لا يشرب سويقا فمزجه بماء ثم شربه]
وإن حلف: لا يشرب سويقا، فطرح فيه ماء، وخلطه فيه حتى رق، وشربه.. حنث؛ لأنه شربه، وإن استفه قبل أن يطرح فيه الماء، أو طرح فيه الماء، وخلطه
стр. 5397
فيه، وأكله بالملعقة أو بأصبعه.. لم يحنث؛ لأنه حلف على الشرب، وهذا ليس بشرب.
وإن حلف: لا يأكل السويق، فطرح فيه الماء، وخلطه فيه حتى رق، وشربه.. لم يحنث؛ لأنه حلف على الأكل، ولم يأكل.
وإن حلف: لا يأكل الخبز، فمضغه وازدرده.. حنث؛ لأنه أكله، وإن دقه، وخلطه في الماء، وشربه، أو ابتلعه من غير مضغ.. لم يحنث؛ لأن الأفعال أجناس كالأعيان، ثم لو حلف على جنس من الأعيان.. لم يحنث بجنس آخر، فكذلك إذا حلف على جنس من الأفعال.. لم يحنث بجنس آخر.
وإن حلف لا يأكل هذا الطعام، أو لا يشربه، فذاقه ولم ينزل إلى حلقه.. لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب.
وإن حلف: لا يذوقه، فتطعم منه بفيه، ورمى به، ولم يبتلعه.. حنث.
ومن أصحابنا من قال: لا يحنث؛ لأنه لا يحصل بذلك الذوق؛ ولهذا لا يفطر به.
والأول أصح؛ لأن الذوق معرفة طعمه، وقد حصل ذلك.
وإن حلف: لا يذوقه، فأكله، أو شربه.. حنث؛ لأنه قد ذاق، وزاد.
وإن حلف: لا يأكل، أو لا يشرب، أو لا يذوق، فأوجره بنفسه، أو أوجره غيره باختياره في حلقه حتى وصل إلى جوفه.. لم يحنث؛ لأنه لم يأكل، ولم يشرب، ولم يذق.
وإن قال: والله لا طمعت هذا الطعام، فأوجره بنفسه، أو أوجره غيره باختياره.. حنث؛ لأن معناه: لا جعلته لي طعاما، وقد جعله طعاما له.
стр. 5398
[مسألة: حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا]
وإن حلف لا يأكل اللحم.. حنث بأكل كل ما يؤكل لحمه من الدواب والصيد؛ لأنه يقع عليه اسم اللحم.
وإن أكل لحم السمك.. لم يحنث.
وقال مالك، وأبو يوسف: (يحنث) . وبه قال بعض أصحابنا الخراسانيين؛ لأن الله تعالى سماه لحما، فقال: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] [النحل: ١٤] .
ودليلنا: أنه لا ينصرف إليه الإطلاق في اسم اللحم؛ ولهذا يصح أن ينفى عنه اسم اللحم، فيقول: ما أكلت اللحم، وإنما أكلت السمك.
وإنما سماه الله تعالى لحما مجازا لا حقيقة، والأيمان إنما تقع على الحقائق؛ ولهذا لو حلف لا أقعد تحت سقف، فقعد تحت السماء.. لم يحنث وإن كان الله قد سماها سقفا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] [الأنبياء: ٣٢] .
وإن أكل من لحم ما لا يؤكل، كالخنزير، والحمار.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأن يمينه ينصرف إلى ما يحل أكله في الشرع؛ ولهذا لو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا.. لم يحنث.
والثاني: يحنث، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه يقع عليه اسم اللحم وإن لم يحل أكله، فيحنث به، كما لو أكل لحما مغصوبا.
وإن حلف لا يأكل اللحم، فأكل شحم الجوف، أو لا يأكل الشحم، فأكل اللحم.. لم يحنث؛ لأنهما مختلفان في الاسم والصفة.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل الكبد والطحال.. لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: (يحنث) . وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه لحم حقيقة، ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم.
стр. 5399
والمذهب الأول؛ لأن اسم اللحم لا يتناولهما، وقد سماهما النبي ﷺ : دمين.
ولو قال لوكيله: اشتر لي لحما، فاشترى له كبدا أو طحالا.. لم يقع للموكل.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل المخ أو الكرش.. لم يحنث؛ لما ذكرناه في الكبد والطحال.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل القلب أو الأكارع.. فقد قال المسعودي [في " الإبانة "] ، والصيدلاني: يحنث.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يحنث؛ لما ذكرناه في الكبد والطحال.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل اللحم الأبيض الذي يكون على ظهر الحيوان وجنبيه.. فقد قال الشيخ أبو حامد: يحنث؛ لأنه لحم يكون عند هزال الحيوان أحمر، وإنما يبيض عندما يسمن الحيوان.
وإن حلف: لا يأكل الشحم، فأكل ذلك.. لم يحنث؛ لأنه ليس بشحم، واختلف قول القفال فيه: فقال مرة: هو لحم. وقال مرة أخرى: هو شحم. وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو زيد: إن كان الحالف عربيا.. فهو شحم في حقه؛ لأنهم يعرفونه شحما، وإن كان أعجميا.. فهو لحم في حقه؛ لأنهم يعرفونه لحما.
والمشهور قول الشيخ أبي حامد.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل شحم العين.. لم يحنث؛ لأنه ليس بلحم.
وإن حلف: لا يأكل الشحم، فأكل ذلك الشحم.. ففيه وجهان:
стр. 5400
أحدهما: يحنث؛ لدخوله في اسم الشحم.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الشحم.
وإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل لحم الخد، أو الرأس، أو اللسان.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه لحم.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم اللحم.
وإن حلف: لا يأكل الشحم، فأكل لحم الرأس، أو اللسان، أو أكل الكبد، أو الطحال، أو القلب، أو الكرش، أو المخ.. لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بشحم.
واختلف أصحابنا في الألية:
فمنهم من قال: هي لحم، فيحنث بأكلها في اليمين على اللحم، ولا يحنث بأكلها في اليمين على الشحم؛ لأنها نابتة في اللحم، وتشبه اللحم في الصلابة.
ومنهم من قال: هي شحم، فيحنث بأكلها في اليمين على الشحم، ولا يحنث بأكلها في اليمين على اللحم؛ لأنها تذوب كما يذوب الشحم.
ومنهم من قال: ليست بلحم ولا بشحم، فلا يحنث بأكلها في اليمين على اللحم ولا في اليمين على الشحم؛ لأنها مخالفة لهما في الاسم والصفة، فهي كالكبد والطحال.
[مسألة: حلف لا يأكل الرؤوس]
وإن حلف: لا يأكل الرؤوس.. حنث بأكل رؤوس الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم.
وقال أبو حنيفة: (لا تدخل رؤوس الإبل في يمينه) . في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا تتعلق يمينه إلا برؤوس الغنم خاصة.
دليلنا: أن رؤوس الإبل والبقر والغنم تفرد عن أجسادها، وتؤكل منفردة عنها، فاستوت في تعليق اليمين بها.
стр. 5401
وإن كان في بلد يكثر فيه السمك والصيد، وتباع رؤوسه منفردة عنه، وتؤكل.. حنث بأكلها من كان من أهل ذلك البلد؛ لأنها كرؤوس الأنعام في حقهم، وهل يحنث بأكلها غير أهل ذلك البلد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث بأكلها؛ لأنهم لا يعتادون ذلك ولا يعرفونه، فلم تنصرف أيمانهم إليها.
والثاني: يحنث بأكلها في جميع البلاد؛ لأنه إذا ثبت لها عرف في بلد.. ثبت لها ذلك العرف في جميع البلاد، ألا ترى أنه لو حلف: لا يأكل اللحم.. حنث بأكل لحم الفرس وإن كان لا يؤكل في جميع البلاد، ولو حلف: لا يأكل الخبز.. حنث بأكل خبز الأرز وإن كان لا يعتاد أكله إلا بطبرستان؟
[فرع: حلف لا يأكل البيض]
وإن حلف لا يأكل البيض.. حنث بأكل بيض كل ما يزايل بائضه في حال الحياة، كبيض الدجاج، والإوز، والعصافير، والنعام، وغير ذلك.
وحكى المحاملي وجها آخر: أنه لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج. وليس بشيء.
ولا يحنث بأكل بيض ما لا يزايل بائضه في حياته ولا يؤكل منفردا، كبيض الحيتان، والجراد؛ لأن إطلاق اسم البيض لا ينصرف إليها.
[مسألة: حلف لا يأكل لبنا فأكل لبن بقر]
] : وإن حلف: لا يأكل لبنا.. حنث بأكل لبن الأنعام ولبن الصيد؛ لأن اسم اللبن يقع على الجميع، ويدخل فيه الحليب والرائب.
وأما الشيراز: فيدخل في اسم اللبن، في قول أكثر أصحابنا.
стр. 5402
قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من توقف فيه؛ لأن له اسما يختص به.
وإن أكل الجبن أو اللبأ أو المصل أو الأقط أو السمن.. لم يحنث.
وقال أبو علي بن أبي هريرة، وأبو علي الطبري: يحنث.
والأول أصح؛ لأنه لا يسمى لبنا، ولأن ذلك ينتقض بمن حلف: لا يأكل السمسم، فأكل الشيرج.
وإن أكل الزبد، فإن كان اللبن فيه ظاهرا.. حنث، وإن كان غير ظاهر.. لم يحنث، على قول أكثر أصحابنا، ويحنث، على قول أبي علي.
[مسألة: حلف لا يأكل سمنا فأكله مع السويق]
وإن حلف: لا يأكل سمنا.. نظرت في السمن، فإن كان جامدا، فأكله منفردا.. حنث؛ لأنه أكل المحلوف عليه، وإن أكله بالخبز، أو السويق، أو العصيدة.. حنث.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يحنث؛ لأنه لم يأكل السمن منفردا، وإنما أكله مع غيره.
والمذهب الأول؛ لأنه أكل المحلوف عليه.
وإن كان مع غيره.. حنث، كما لو حلف: لا يكلم زيدا، فكلم زيدا وعمرا.
وإن كان السمن ذائبا فشربه أو حساه بيده.. لم يحنث؛ لأنه لم يأكله، وإنما شربه.
وإن أكله مع الخبز أو غيره.. حنث على المذهب؛ لأنه هكذا يؤكل، وعلى قول الإصطخري: لا يحنث.
стр. 5403
وإن أكل عصيدة متخذة بسمن.. فقال الشافعي: (حنث) .
وقال: (إذا حلف: لا يأكل خلا، فأكل سكباجا بخل.. لم يحنث) .
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما أراد بالخل إذا لم يكن ظاهرا، وأراد بالسمن إذا كان ظاهرا.
قال ابن الصباغ: ويتصور ذلك: إذا أكل من لحم السكباج دون مرقته. وهذا على المذهب أيضا، فأما على قول الإصطخري: فإنه لا يحنث بحال.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا حلف: لا يأكل الخل، فاتخذ منه طبيخا؛ فإن كان طعمه أو لونه ظاهرا.. حنث، وإلا.. فلا.
وإن حلف: لا يأكل زبدا أو سمنا، فأكل لبنا.. لم يحنث؛ لأن كل واحد منهما غير الآخر في الاسم والصورة، فهو كما لو حلف: لا يأكل دبسا، فأكل تمرا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه إذا حلف: لا يأكل الزبد، فأكل اللبن.. حنث. وليس بشيء.
[مسألة: حلف لا يأكل أدما فأكل جبنا]
وإن حلف: لا يأكل أدما.. حنث بأكل كل ما يؤتدم به في العادة، سواء كان مما يصطبغ به أو لا يصطبغ، كاللحم، والجبن، والبيض، والفنيد، والسكر،
стр. 5404
واللبن، والسمن، والزيت، والسيرج، والخل.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث بأكل اللحم) .
دليلنا: ما روي: (أن النبي ﷺ قال: «سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم» . ولأنه يؤتدم به في العادة، فهو كالخل.
ويحنث بأكل الملح؛ لأنه قد روي في بعض الأخبار: «سيد إدامكم الملح» .
وهل يحنث بأكل التمر؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يؤتدم به في العادة، وإنما يؤكل قوتا أو حلاوة.
والثاني: يحنث به؛ «لأن النبي ﷺ أعطى سائلا خبزا وتمرا، وقال: " هذا إدام هذا» .
стр. 5405
[مسألة: حلف لا يأكل فاكهة فأكل تفاحا]
وإن قال: والله لا أكلت فاكهة، فأكل التفاح، أو السفرجل، أو الأترج.. حنث؛ لأنها فاكهة.
وإن أكل الرطب، أو العنب، أو الرمان.. حنث.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] [الرحمن: ٦٨] . فلو كانا فاكهة.. لما عطفهما على الفاكهة.
دليلنا: أنهما يسميان فاكهة؛ بدليل: أنه يسمى بائعهما فاكهيا، فهما كالتفاح والسفرجل.
وأما الآية: فإنما أفردهما تخصيصا لهما وتمييزا؛ لأنهما أغلى الفاكهة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البقرة: ٩٨] . فعطف جبريل وميكال على الملائكة وإن كانا من أخص الملائكة؛ تخصيصا لهما وتمييزا.
وإن أكل النبق، أو التوت.. حنث؛ لأنهما ثمار أشجار، فهي كالتفاح والسفرجل.
قال أبو العباس: وإن أكل البطيخ.. حنث؛ لأنه يطبخ ويحلو.
وإن أكل القثاء والخيار والخربزة.. لم يحنث؛ لأنها ليست من الفواكه، وإنما هي من الخضراوات.
[فرع: حلف لا يأكل بسرا فأكل تمرا]
وإن حلف: لا يأكل بسرا، فأكل منصفا.. نظرت:
فإن أكل موضع الرطب منه لا غير.. لم يحنث؛ لأنه لم يأكل بسرا.
стр. 5406
وإن أكل موضع البسر منه لا غير.. حنث.
وإن أكل الجميع.. حنث، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري وأبو علي الطبري: لا يحنث.
دليلنا: أنه أكل المحلوف عليه وغيره، فهو كما لو كانا منفردين.
وهكذا لو حلف لا يأكل الرطب، فأكل موضع البسر من المنصف.. لم يحنث، وإن أكل موضع الرطب منه.. حنث، وإن أكل الجميع.. حنث على المذهب، ولا يحنث على قول أبي سعيد الإصطخري، وقول أبي علي الطبري.
وإن حلف: لا يأكل رطبة أو بسرة، فأكل منصفا.. لم يحنث؛ لأنها ليست برطبة ولا بسرة.
وإن حلف: لا يأكل هذه التمرة، فوقعت في تمر، فإن أكل الجميع.. حنث؛ لأنه أكل المحلوف عليها، وإن أكل جميعه إلا تمرة، فإن تيقن أنها غير التي حلف عليها.. حنث؛ لأنه يتيقن أنه فعل المحلوف عليه، وإن تيقن أن التي حلف عليها هي التي بقيت، أو شك: هل هي المحلوف عليها، أو غيرها؟ لم يحنث؛ لأنه إذا تيقن أنها بقيت.. فقد تيقن أنه لم يحنث، وإذا شك.. لم يحنث؛ لأنه يشك في وجوب الكفارة عليه، والأصل عدم وجوبها.
وهكذا إن هلك من التمر تمرة وأكل الباقي، فإن تيقن أن التي حلف عليها في جملة ما أكله.. حنث، وإن لم يتيقن أنها التالفة، أو شك: هل هي التالفة، أو غيرها؟ لم يحنث؛ لما ذكرناه.
стр. 5407
[فرع: حلف لا يأكل قوتا فأكل ذرة]
وإن حلف: لا يأكل قوتا، فأكل الحنطة، أو الذرة، أو الشعير، أو الدخن.. حنث.
وإن أكل التمر، أو الزبيب، أو اللحم، وكان ممن يقتات ذلك.. حنث، وهل يحنث به غيره؟ فيه وجهان، كما قلنا في رؤوس الصيد.
وإن حلف: لا يأكل طعاما.. حنث بأكل كل ما يطعم من قوت وأدم وفاكهة؛ لأن اسم الطعام يقع على الجميع، وهل يحنث بأكل الدواء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام.
والثاني: يحنث؛ لأنه يطعم في حال الاختيار.
[مسألة: حلف لا يشرب الماء أو لا يشرب ماء]
مسألة: [حلف: لا يشرب الماء أو ماء] :
وإن قال: والله لا شربت الماء، أو لا شربت ماء، فأي ماء شربه من ماء مطر، أو ثلج، أو برد أذيب، أو ماء بئر، أو ماء نهر.. فإنه يحنث، سواء كان عذبا أو ملحا؛ لأنه يقع عليه اسم الماء. وإن شرب من ماء البحر.. قال الشيخ أبو إسحاق: احتمل عندي وجهين:
стр. 5408
أحدهما: يحنث؛ لأنه يدخل في إطلاق اسم الماء؛ ولهذا تجوز الطهارة به.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يشرب.
وإن قال: والله لا شربت ماء فراتا، فإن شرب ماء عذبا من أي نهر كان، أو بئر.. حنث؛ لأنه وصفه بكونه فراتا، وذلك يقتضي الماء العذب، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] [المرسلات: ٢٧] . أي: عذبا. وإن شرب ماء مالحا.. لم يحنث؛ لأنه ليس بفرات.
وإن قال: والله لا شربت من الفرات، فإن الفرات إذا عرف بالألف واللام.. اقتضى ذلك النهر الذي بين الشام والعراق، فإن شرب من غيره من الأنهار.. لم يحنث، وإن شرب من ذلك النهر.. حنث، سواء كرع فيه، أو أخذه بيده، أو في إناء وشربه، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (إنما يحنث إذا كرع فيه كرعا، فأما إذا أخذه بيده أو في إناء.. لم يحنث، كما لو حلف: لا يشرب من هذا الكوز، فصب الماء الذي فيه في غيره، وشرب منه.. لم يحنث.
دليلنا: أن معنى ذلك: لا أشرب من ماء هذا النهر؛ لأن الشرب من ماء النهر في العرف لا من النهر؛ لأن ذلك اسم للأرض المحفورة، ولا يمكن الشرب منها، فحملت اليمين عليه، كما لو قال: لا شربت من هذه البئر، ويخالف الكوز؛ لأن الشرب يكون منه في العرف.
وإن شرب من نهر يأخذ من الفرات.. قال ابن الصباغ: ولم يذكره أصحابنا،
стр. 5409
فيحتمل أن يحنث، كما قلنا فيما أخذه من الفرات بإناء وشربه ويحتمل أن لا يحنث.
والفرق بينهما: أن ما يأخذه من الفرات بإناء ويشرب.. يقال: شرب من الفرات، وما يأخذه من النهر الآخر.. يكون مضافا إليه، وتزول إضافته عن الفرات.
وأما إذا قال: والله لا شربت من ماء الفرات.. فلا يزول عنه ذلك الاسم وإن حصل في غيره.
والذي يقتضي المذهب: أنه إذا حلف: لا يشرب من ماء الكوز، ثم صبه في غيره من الآنية وشربه.. أنه يحنث؛ لأن خروجه منه لا يبطل كونه من ماء الكوز، كما قلنا في ماء الفرات.
[مسألة: حلف لا يشم ريحانا فشم ريحانا فارسيا]
وإن حلف: لا يشم الريحان.. لم يحنث إلا بشم الريحان الفارسي، وهو الصيمران، ولا يحنث بشم النرجس، والمرزنجوش، والورد، والياسمين، والبنفسج؛ لأن إطلاق اسم الريحان لا يقع على ذلك.
وإن حلف: لا يشم المشموم.. حنث بشم الريحان الفارسي، والنرجس، والمرزنجوش، والورد، والياسمين، والبنفسج؛ لأن الجميع مشموم. قال الشيخ أبو إسحاق: والزعفران من المشموم.
وإن شم الكافور، والمسك، والعود، والصندل.. لم يحنث؛ لأنه لا يطلق عليه اسم المشموم.
وإن حلف: لا يشم الورد، والبنفسج، فشم وردهما وهو أخضر.. حنث، وإن شم دهنهما.. لم يحنث.
стр. 5410
وقال أبو حنيفة وأحمد: (يحنث) .
دليلنا: أن ذلك اسم لوردهما، فلا يحنث بشم غيره ودهنهما، وإنما يسمى وردا وبنفسجا مجازا.
وإن جف وردهما وشمه.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا يحنث، كما لو حلف: لا يأكل الرطب، فأكل التمر.
والثاني: يحنث لبقاء اسم الورد والبنفسج.
[مسألة: حلف لا يلبس فارتدى عمامة]
حنث] : وإن قال: والله لا لبست ثوبا.. حنث بلبس القميص والرداء والعمامة والسراويل؛ لأنه يقع عليه اسم الثوب.
وإن قال: والله لا لبست شيئا، ولبس شيئا من هذه الثياب.. حنث؛ لأن إطلاق اسم اللبس ينصرف إليها.
وإن لبس خاتما أو جوشنا أو خفا أو نعلا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه لبس شيئا.
الثاني: لا يحنث؛ لأن إطلاق اسم اللبس إنما ينصرف إلى الثياب.
[مسألة: حلف لا يلبس ثوبا فجعله قميصا]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن حلف: لا يلبس ثوبا وهو رداء، فقطعه قميصا، فلبسه، أو اتزر به، أو حلف: لا يلبس سراويل، فاتزر به، أو قميصا، فارتدى به.. فهذا كله ليس يحنث به، إلا أن يكون له نية، فلا يحنث إلا على نيته) .
واختلف أصحابنا في صورتها:
فذهب أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا إلى: أنه إذا قال: والله لا لبست هذا
стр. 5411
الثوب، وكان ذلك الثوب رداء، ولم يقل الحالف: وهو رداء، وإنما ذلك من كلام الشافعي، فقطعه قميصا، فلبسه، أو اتزر به، أو ارتدى به، أو جعله قلانس، فبسه.. حنث بذلك كله.
وهكذا: لو قال: لا لبست هذا الثوب، وكان سراويل، فلبسه، أو اتزر به، أو ارتدى به.. حنث؛ لأنه علق اليمين على لبس هذا الثوب بعينه، فعلى أي صفة لبسه.. فقد وجد منه فعل المحلوف عليه، فحنث، إلا أن يكون قد نوى أن لا يلبسه على الصفة التي هي عليها، فلا يحنث.
فأما إذا قال الحالف: لا لبست هذا الثوب وهو رداء، فقطعه، ثم لبسه.. فإنه لا يحنث الحالف، وكذلك في السراويل؛ لأنه علق اليمين على صفة في الثوب، فإذا لبسه على غير تلك الصفة.. لم يحنث.
ومن أصحابنا من وافق أبا إسحاق في الحكم فيما ذكره فيها، وخالفه في صورتها، فقال: هو رداء وسراويل من كلام الحالف، وإنما قال الشافعي: (هذا كله ليس يحنث به) . فنفى الحنث.
ومنهم من وافق أبا إسحاق في الصورة، فقال: وقوله: (وهو رداء) من كلام الشافعي، وخالفه في الحكم. وقوله: (هذا كله ليس يحنث به) أي: لا يحنث به؛ لأن قوله: لا لبست هذا الثوب - الذي يقتضي لبسه على صفته - فإذا غيره.. لم يكن ما انصرفت إليه اليمين.
والصحيح: قول أبي إسحاق ومن تابعه؛ لأن الشافعي قال في " الأم ": (وهذا كله لبس؛ وهو يحنث به) . وإنما أسقط المزني قوله: (وهو) ، فتصحف عليهم.
[مسألة: حلف لا يلبس حليا فلبس خاتما]
إذا حلف الرجل: لا يلبس حليا، فلبس خاتما من فضة أو ذهب.. حنث، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث) .
стр. 5412
دليلنا: أن حلي الرجل الخاتم، فحنث بلبسه، كالمرأة.
وقال الشيخ أبو إسحاق: فإن لبس مخنقة من لؤلؤ أو غيره من الجواهر.. حنث؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] [الحج: ٢٣] .
وإن حلفت المرأة: لا تلبس الحلي، فلبست اللؤلؤ وحده.. حنثت، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] [الحج: ٢٣] . ولم يفرق بين أن يكون اللؤلؤ وحده أو مع غيره.
ولأن الله تعالى قال في البحر: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] [النحل: ١٤] .
وإن لبس شيئا من الخرز والسبج، فإن كان ممن عادته التحلي به.. حنث، وهل يحنث به غيرهم؟ فيه وجهان، كالوجهين في بيوت الشعر، ورؤوس الصيد.
فإن تقلد سيفا محلى.. لم يحنث؛ لأن السيف ليس بحلي.
وإن لبس منطقة محلاة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنها من حلي الرجال.
والثاني: لا يحنث؛ لأنها من الآلات المحلاة، فهو كالسيف.
وإن حلف: لا يلبس خاتما، فلبسه في غير الخنصر، أو لا يلبس قميصا، فارتدى به، أو لا يلبس قلنسوة، فلبسها في رجله.. قال الشيخ أبو إسحاق: لا يحنث؛ لأن اليمين تقتضي لبسا متعارفا، وهذا غير متعارف.
стр. 5413
وأما ابن الصباغ فقال: إذا حلف: لا يلبس ثوبا، فلبس ثوبا كما يلبس في العادة أو بخلاف العادة.. حنث؛ لأنه لبسه.
[مسألة: حلف لا يستعمل ما من به عليه]
وإن حلف: لا يلبس ثوب رجل من به عليه، فوهبه له، أو باعه منه ولبسه، أو من عليه بما يطعمه ويسقيه، فقال: والله لا شربت له ماء من عطش، فأكل له خبزا، أو لبس له ثوبا، أو شرب له ماء من غير عطش، أو منت عليه زوجته بالغزل، فقال: والله لا لبست ثوبا من غزلك، فباع غزلها، واشترى بثمنه ثوبا، فلبسه.. فإنه لا يحنث بجميع ذلك وإن كان قصد بيمينه قطع منته، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، وأحمد: (إذا قصد قطع منته في يمينه بذلك كله.. لا يجوز له أن يأكل له خبزا، ولا يلبس له ثوبا، ولا ينتفع بشيء من ماله، فإن فعل شيئا من ذلك.. حنث في يمينه) .
دليلنا: أن يمين الحالف لا تنعقد إلا على لفظه، ولا يراعى فيها المعنى، وإنما يراعى فيها لفظه، وما فعله لم يلفظ به، فلم يحنث به وإن كان معناه موجودا في معنى لفظه، فلم يحنث به، كما لو حلف: لا يتزوج، فتسرى، أو كما لو حلف: لا كلمت فلانا عدوي.. فإن يمينه لا تنعقد على غيره من أعدائه.
[مسألة: حلف لا يضرب فضرب خفيفا]
وإن حلف: لا يضرب امرأته، فضربها ضربا غير مؤلم.. حنث؛ لأنه يقع عليه اسم الضرب، وإن عضها، أو نتف شعرها، أو خنقها.. لم يحنث.
وقال أحمد وأبو حنيفة: (يحنث) .
دليلنا: أن ذلك لا يسمى ضربا، فلا يحنث به في اليمين على الضرب.
وإن لكمها، أو لطمها، أو رفسها.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
стр. 5414
أحدهما: يحنث؛ لأنه ضربها.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الضرب المتعارف ما كان بآلة.
[فرع: حلف ليضربن زيدا مائة سوط]
وإن حلف: ليضربن عبده مائة سوط، فإن ضربه مائة سوط متفرقة.. بر في يمينه، وإن أخذ مائة سوط، وضربه بها ضربة واحدة.. نظرت:
فإن تيقن أنه أصابه كل واحد منها في بدنه.. بر في يمينه.
وقال مالك وأحمد: (لا يبر، ويحتاج إلى أن يضربه مائة ضربة متفرقة) .
ودليلنا: أنه قد أوصل الضرب بكل واحد منها إلى بدنه، فبر في يمينه، كما لو ضربه مائة متفرقة.
وإن تيقن أنه لم يصب بدنه بعضها.. لم يبر في يمينه، حتى يصل الجميع إلى بدنه.
قال ابن الصباغ: وكذلك إذا أصابه البعض ولم يغلب على ظنه إصابة الجميع.. لم يبر في يمينه، وإن لم يتيقن أنه أصابه الجميع، ولكن غلب على ظنه أنه أصابه الكل.. فإنه يبر في يمينه. هكذا قال ابن الصباغ.
وأما الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق - فقالا: إذا شك: هل أصابه الجميع، أم لا؟ فإنه يبر في يمينه.
قال الشافعي: (والورع أن يحنث نفسه؛ لجواز أن لا يكون قد أصابه الجميع منها) .
وقال أبو حنيفة والمزني: (يحنث) .
стр. 5415
دليلنا: أن الظاهر من السياط الرقاق أن جميعها أصابت بدنه، ولأن غلبة الظن أجريت في الأحكام مجرى اليقين، كما يحكم بخبر الواحد والقياس بغلبة الظن، فوجب أن يحكم به هاهنا في البر.
وإن حلف: ليضربن عبده مائة مرة.. لم يبر إلا بمائة ضربة متفرقة.
وإن حلف: ليضربنه مائة ضربة، فضربه بمائة عصا، أو بمائة سوط مشدودة، وتيقن أنه أصاب بدنه بجميع ذلك.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبر؛ لأنه ما ضربه إلا ضربة.
والثاني: يبر؛ لأنه أصابه بكل واحد من ذلك، فهو كما لو قال: مائة سوط؛ ولهذا لو ضرب به في الزنا.. حسبت له مائة.
فعلى هذا إذا شك هل أصابه بالجميع أو بالبعض؟ فإنه يبر في يمينه، كما قلنا في قوله: مائة سوط.
[فرع: حلف ليضربن عبد زيد فباعه فضربه الحالف]
إذا حلف: لأضربن عبد زيد، فباع زيد عبده، أو أعتقه، ثم ضربه الحالف.. لم يحنث؛ لأنه ليس بعبده.
وإن رهن زيد عبده، أو جنى وتعلق الأرش برقبته، ثم ضربه الحالف.. حنث في يمينه؛ لأن ملكه لا يزول عنه بذلك.
[مسألة: حلف لا يهبه فأعمره]
وإن حلف: لا يهب له، فوهب له، أو أعمره، أو أرقبه، وقبل الموهوب له.. حنث الحالف، وإن لم يقبل الموهوب له.. لم يحنث الحالف.
стр. 5416
وقال أبو حنيفة: (يحنث بمجرد الإيجاب) . وإلى ذلك ذهب أبو العباس ابن سريج.
دليلنا: أنه حلف على ترك عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول، فلم يحنث لمجرد الإيجاب، كالبيع.
وإن تصدق عليه صدقة التطوع.. حنث، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث) .
دليلنا: أن ذلك تمليك عين في حال الحياة تبرعا، فيحنث به، كما لو وهب له.
وإن أعطاه صدقة مفروضة.. قال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأن الهبة تمليك عين بغير عوض، وهذا موجود في ذلك، فصار كصدقة التطوع.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه أسقط بها واجبا عن نفسه.
وإن أوصى له.. لم يحنث؛ لأنه لا يملك بها إلا بعد موت الموصي، فلا يحنث بعد موته.
وإن وقف عليه، فإن قلنا: إن الوقف ينتقل إلى الله تعالى.. لم يحنث، وإن قلنا: ينتقل إلى الموقوف عليه.. حنث.
وإن أعاره عينا.. لم يحنث؛ لأن الهبة تمليك الأعيان، والعارية تمليك المنافع، ولأن المستعير لا يملك المنافع بالإعارة، وإنما يستبيحها؛ ولهذا لا يجوز له أن يؤجرها.
وإن كان المحلوف من هبته عبدا، فأعتقه الحالف.. لم يحنث؛ لأن ذلك لا يسمى هبة.
стр. 5417
[مسألة: حلف لا يتكلم فقرأ القرآن]
إذا حلف: لا يتكلم، فقرأ القرآن.. لم يحنث، سواء قرأه في الصلاة أو في غيرها، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (إن قرأ في غير الصلاة.. حنث) .
دليلنا: أن مطلق الكلام لا ينصرف إلا إلى كلام الآدمي. ولأن كل ما لا يحنث به في الصلاة.. لا يحنث به في غير الصلاة، كالإشارة.
وإن سبح أو كبر.. ففيه وجهان، ذكرهما ابن الصباغ.
أحدهما: لا يحنث؛ لقوله ﵊: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، وإنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن» .
والثاني: يحنث؛ لأنه يجوز للجنب أن يتكلم به، فأشبه سائر كلامه.
وقال أبو حنيفة: (إن كان في الصلاة.. لم يحنث، وإن كان خارج الصلاة.. حنث) .
دليلنا: أن ما حنث به خارج الصلاة.. حنث به في الصلاة، كسائر الكلام، وما لم يحنث به في الصلاة.. لم يحنث به خارج الصلاة، كالإشارة.
[فرع: حلف لا يكلم رجلا فسلم عليه]
وإن حلف: لا يكلم رجلا، فسلم عليه.. حنث؛ لأن السلام من كلام الآدميين؛ ولهذا تبطل به الصلاة.
وإن صلى الحالف خلفه، فسها الإمام، فسبح له الحالف، أو فتح عليه في القراءة.. قال ابن الصباغ: لا يحنث الحالف؛ لأن هذا ليس بكلام له.
وإن كان الحالف هو الإمام، والمحلوف عليه مؤتم به، فسلم الإمام.. قال ابن الصباغ: فالذي يقتضي المذهب: أنه يكون كما لو سلم الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه، على ما يأتي.
стр. 5418
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث) .
دليلنا: أنه شرع للإمام أن ينوي السلام على الحاضرين، فصار كما لو سلم عليهم في غير الصلاة.
وإن قال لرجل: والله لا كلمتك فاذهب أو فقم، أو ما أشبه ذلك موصولا بيمينه.. قال ابن الصباغ: ولم يذكره أصحابنا، والذي يقتضيه المذهب: أنه يحنث.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحنث، إلا أن ينوي بقوله: (فاذهب) الطلاق.
ووجه الأول: أن قوله: (فاذهب، أو فقم) كلام منه له حقيقة، فحنث به، كما لو فصله.
وعندي: أنها على وجهين، كما لو قال لامرأته: إن كلمتك.. فأنت طالق فاعلمي ذلك، وقد مضى ذكرهما في الطلاق.
[فرع: قوله والله لا كلمته تقع على التأبيد]
إذا قال رجل لآخر: كلم زيدا اليوم، فقال: والله لا كلمته.. فإن يمينه على التأبيد، إلا أن ينوي اليوم.
فإن كانت يمينه في الطلاق، وقال: نويت كلامه اليوم لا غير.. لم يقبل قوله في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يمينه على اليوم.
دليلنا: أن يمينه مطلقة، فوجب أن يحمل على التأبيد، كما لو ابتدأ بها.
[فرع: حلف لا يكلمه فكلمه نائما]
وإن حلف: أن لا يكلمه، فكلمه وهو نائم، أو ميت، أو في موضع بعيد لا يسمع كلامه في العادة.. لم يحنث، وإن كان في موضع يسمعه في العادة، إلا أنه لم يسمع لاشتغاله.. حنث.
وإن لم يسمعه لصمم.. ففيه وجهان، وقد مضى بيان ذلك في الطلاق.
стр. 5419
وإن كتب إليه، أو أرسل إليه.. فهل يحنث؟ فيه قولان - وقال أصحابنا: والرمز والإشارة كالكتابة -:
[الأول] : قال في القديم: (يحنث) . وبه قال مالك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] [آل عمران: ٤١] . فاستثنى الرمز من الكلام، والاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] [الشورى: ٥١] . والوحي: هو الرسالة، فدل على: أن الوحي كلام. ولأن الجميع وضع لتفهيم الآدمي، فأشبه الكلام.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يحنث) . وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] [مريم: ٢٦-٢٩] . فلو كانت الإشارة كلاما.. لم تفعله.
وما ذكره الأول.. فيجوز الاستثناء من غير جنس المستثنى منه.
ويحرم عليه أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، والسابق.. أسبقهما إلى الجنة» .
стр. 5420
فإن كتب إليه أو أرسل إليه.. فهل يخرج من مأثم الهجران؟ فيه وجهان، مأخوذان من القولين إذا حلف لا يكلمه.
فإن قلنا: يحنث إذا كاتبه أو راسله.. خرج بهما من مأثم الهجران.
وإن قلنا: لا يحنث به.. لم يخرج بهما من مأثم الهجران.
وينبغي أن يكون الرمز والإشارة في ذلك كالمكاتبة والمراسلة؛ لما ذكرناه في اليمين.
[فرع: حلف لا يكلم الناس]
وإن حلف: لا يكلم الناس.. قال ابن الصباغ: فإن كلم واحدا.. حنث؛ لأن الألف واللام للجنس، فإذا كلم واحدا من الجنس.. حنث، كما لو قال: لا أكلت الخبز، فأكل خبز أرز.. حنث.
وإن حلف: لا يكلم ناسا.. قال الطبري: انصرف إلى ثلاثة أنفس، ويتناول الرجال والنساء والأطفال.
[مسألة: حلف أن لا يكلم زيدا ولا يسلم عليه]
وإن حلف: لا يكلم زيدا أو لا يسلم عليه، فسلم على جماعة فيهم زيد، فإن علم أن زيدا فيهم، ونوى السلام عليهم وعليه معهم.. حنث؛ لأنه كلمه.
قلت: ويأتي على قول أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري: أنه لا يحنث، كما قال إذا حلف: لا يأكل السمن أو الخل، فأكلهما مع غيرهما.
وإن لم يعلم بزيد معهم، أو علمه ونسي اليمين، ونوى السلام على جميعهم.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كما تقول فيمن فعل المحلوف عليه ناسيا، ويأتي بيانهما.
وإن استثنى زيدا بقلبه.. فهل يحنث؟
стр. 5421
قال أكثر أصحابنا: لا يحنث؛ لأن اللفظ وإن كان عاما، فإنه يحتمل التخصيص، فجاز التخصيص بالنية.
وذكر صاحب " الفروع "، وابن الصباغ في موضع من " الشامل ": هل يحنث؟ على قولين. وذكر في موضع آخر: لا يحنث.
وأما إذا سلم وأطلق، ولم ينو السلام عليه، ولا استثناه بقلبه.. ففيه قولان، ومن أصحابنا من حكاهما وجهين:
أحدهما: يحنث؛ لأن السلام عام، فتناول جميعهم، وإنما يخرج بعضهم بالاستثناء.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اللفظ يصلح للجميع وللبعض، فلم تجب الكفارة بالشك.
وإن قال: والله لا دخلت على زيد بيتا، فدخل بيتا فيه زيد مع غيره.. نظرت:
فإن علم أن زيدا في البيت، فدخل عليه، ولم يستثنه بقلبه.. حنث؛ لأنه فعل المحلوف عليه.
وإن لم يعلم به في البيت، أو علمه ونسيه، أو نسي اليمين.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كمن فعل المحلوف عليه ناسيا.
وإن علم أنه في البيت، إلا أنه استثناه بقلبه، ونوى الدخول على غيره دونه.. قال المحاملي، وسليم، وابن الصباغ: فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، كما قلنا فيمن حلف: لا يكلم زيدا، فسلم على جماعة فيهم زيد، واستثناه بقلبه.. فهل يحنث؟ فيه قولان.
ومنهم من قال: يحنث، قولا واحدا؛ لأن الدخول فعل، فلا يصح فيه الاستثناء، والسلام قول، يصح فيه الاستثناء؛ ولهذا لو قال: سلام عليكم إلا على زيد.. كان كلاما صحيحا، ولو قال: دخلت عليكم إلا على زيد.. لم يكن كلاما صحيحا؛ لأنه قد دخل عليه، فلا معنى لاستثنائه. هذا ترتيب أصحابنا البغداديين.
وأما المسعودي [في " الإبانة "] : فرتب السلام على الدخول، وقال: إذا دخل على
стр. 5422
جماعة فيهم زيد، واستثناه بقلبه.. فهل يحنث؟ فيه قولان. وإن سلم على جماعة فيهم زيد، وقد حلف: أن لا يسلم عليه، واستثناه بقلبه عند السلام عليهم، فإن قلنا في الدخول: لا يحنث.. ففي السلام أولى أن لا يحنث، وإن قلنا: يحنث في الدخول.. ففي السلام قولان. وفرق بين الدخول والسلام بما مضى.
وإن حلف: لا يدخل على زيد بيتا، فدخل الحالف بيتا ليس فيه زيد، ثم دخل عليه زيد البيت، فإن خرج الحالف في الحال.. لم يحنث، وإن أقام معه.. فهل يحنث؟ يبنى على من حلف: لا يدخل دارا وهو فيها، فأقام فيها.. ففيه قولان:
فـ[أحدهما] : إن قلنا هناك: يحنث بالإقامة.. حنث هاهنا بالإقامة.
و [الثاني] : إن قلنا هناك: لا يحنث.. لم يحنث هاهنا.
وذكر القاضي أبو الطيب في " المجرد ": أن الشافعي نص في " الأم ": (أنه لا يحنث) .
قال ابن الصباغ: وهذا أولى؛ لأنا وإن قلنا: إن الاستدامة بمنزلة الابتداء، فكأنهما داخلان معا، ولا يكون أحدهما داخلا على الآخر، فلذلك لم يحنث.
[مسألة: حلف لا يصوم ونوى حنث]
وإن حلف: لا يصوم، فإذا نوى الصوم من الليل، وطلع الفجر.. حنث؛ لأن ذلك أول دخوله في الصوم، وإن نوى صوم التطوع بالنهار.. فإنه يحنث عقيب نيته؛ لأنه قد دخل في الصوم.
وإن حلف: أن لا يصلي.. فمتى يحنث؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها - ولم يذكر في " المهذب " غيره -: أنه يحنث إذا أحرم بالصلاة؛ لأنه يسمى حينئذ مصليا.
والثاني - وهو قول أبي العباس -: أنه يحنث بالركوع؛ لأنه إذا ركع.. فقد أتى
стр. 5423
بمعظم الركعة، فقام مقام جميعها، وإذا لم يركع.. فلم يأت بمعظمها.
والثالث - حكاه في " الفروع " -: أنه لا يحنث إلا بالفراغ منها، ووجهه: أنه لا يحكم بصحتها إلا بالفراغ منها.
والأول أصح؛ لأن الأيمان يراعى فيها الأسماء، وبالإحرام يسمى مصليا، فوجب أن يحنث، كما قلنا في الصوم، فإنا لم نعتبر فيه أن يأتي بمعظم اليوم ولا الفراغ منه.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث حتى يسجد) . وقد مضى الدليل عليه.
[فرع: حلف لا يبيع ونحوه من المعاملات]
وإن حلف: لا يبيع، أو لا يشتري، أو لا يهب، أو لا يتزوج.. لم يحنث إلا بالإيجاب والقبول في ذلك كله.
ومن أصحابنا من قال: يحنث في الهبة بالإيجاب وحده.
والأول أصح؛ لأنه عقد تمليك، فلم يحنث فيه إلا بالإيجاب والقبول، كالبيع. ولا يحنث إلا بالصحيح.
وقال محمد بن الحسن: إذا حلف: أن لا يتزوج، فتزوج تزويجا فاسدا، أو لا يصلي، فصلى صلاة فاسدة.. حنث. وهذا غلط؛ لأن الاسم لا يتناول الفاسد، فلم يحنث به.
[فرع: حلف لا يبيع وأمر غيره فباع]
وإن حلف: لا يبيع، أو لا يشتري، أو لا يضرب عبده، أو لا يتزوج، أو لا يطلق، فأمر غيره، فباع عنه، أو اشترى، أو ضرب العبد، أو نكح له، أو طلق.. لم يحنث.
وحكى الربيع عن الشافعي قولا آخر: (إذا كان الحالف سلطانا لا يتولى البيع ولا الشراء ولا الضرب بنفسه، فأمر غيره، ففعل عنه ذلك.. حنث، وإن أمر غيره،
стр. 5424
فنكح له، أو طلق عنه.. لم يحنث؛ لأن العادة أنه لا يتولى البيع ولا الشراء ولا الضرب بنفسه، وإنما يتولاه غيره عنه، وجرت العادة في النكاح والطلاق أنه يتولاه بنفسه، فانعقدت يمينه على ذلك) .
والمشهور: هو الأول؛ لأن اليمين تحمل على الحقيقة دون المجاز؛ ولهذا: لو حلف: لا أقعد في ضوء السراج، فقعد في ضوء الشمس.. لم يحنث وإن كان قد سماها الله: سراجا، حيث قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] [النبأ: ١٣] .
ولو حلف: لا يقعد تحت سقف، فقعد تحت السماء.. لم يحنث وإن كان الله تعالى قد سماها: سقفا، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] [الأنبياء: ٣٢] .
وقال أبو حنيفة: (إذا حلف: لا يشتري، فوكل من يشتري له.. لم يحنث - كقولنا - وإن حلف: لا يتزوج، فوكل من يتزوج له.. حنث؛ لأن حقوق العقد في الشراء تتعلق بالعاقد، وفي النكاح تتعلق بالمعقود له) . وهذا ليس بصحيح؛ لما بيناه من أن الاعتبار بالاسم دون الحكم.
وإن حلف: لا يبيع لي زيد متاعا، فوكل وكيلا يبيع متاعه، وأذن له في التوكيل، فدفع الوكيل المتاع إلى زيد، فباعه.. قال الطبري: حنث الحالف، سواء علم زيد أنه متاع الحالف أو لم يعلم؛ لأنه باعه باختياره؛ لأن العلم والنسيان إنما يعتبر في فعل الحالف.
وإن قال: والله لا بعت لزيد شيئا، فدفع زيد متاعه إلى وكيل له ليبيعه، وأذن له في التوكيل في بيعه، فدفعه الوكيل إلى الحالف ليبيعه، فباعه، فإن علم الحالف أنه متاع زيد، فباعه وهو ذاكر ليمينه.. حنث في يمينه، وإن لم يعلم أنه لزيد، أو علم أنه لزيد، ونسي يمينه وقت البيع.. فهل يحنث؟ فيه قولان.
стр. 5425
قال في " الأم ": (ولو قال: والله لا بعت له ثوبا، فدفعه إلى وكيله، فقال: بعه أنت، فدفعه إلى الحالف، فباعه.. لم يحنث؛ لأنه لم يبعه للذي حلف، إلا أن يكون نوى: لا يبيع سلعة يملكها فلان، وهذا يقتضي أنه أذن لوكيله في التوكيل بالبيع) .
[فرع: حلف لا يطلق زوجته ووكل لها أمرها]
] : وإن حلف: لا طلق زوجته، فجعل أمرها إليها، فطلقت نفسها.. لم يحنث.
وإن قال: إن شئت.. فأنت طالق، فقالت: قد شئت.. طلقت، وحنث؛ لأنه هو الموقع للطلاق.
[مسألة: حلف لا يتسرى]
وإن قال: والله لا تسريت.. فمتى يحنث؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه يحنث بالوطء وحده وإن لم ينزل - وهو قول أحمد - لأنه قد قيل: إن التسري مشتق من السراة، وهو الظهر، فكأنه حلف: لا يتخذها ظهرا، والجارية تتخذ ظهرا بالوطء. وقيل: هو مشتق من السر، وهو الجماع، وذلك يوجد بالوطء وحده.
والثاني: أنه لا يحنث إلا بمنعها من الخروج ووطئها، سواء أنزل أو لم ينزل - وهو قول أبي حنيفة - لأنه قد قيل: إنه مشتق من التسري، فكأنه حلف: لا يتخذها أسرى الجواري، وهذا لا يحصل إلا بسترها ووطئها.
стр. 5426
والثالث: أنه لا يحنث إلا بوطئها والإنزال فيها، وإن لم يمنعها عن الخروج؛ لأن التسري في العرف والعادة: اتخاذ الجارية لابتغاء الولد، وذلك لا يحصل إلا بالوطء والإنزال.
والرابع: أنه لا يحنث إلا بأن يمنعها من الخروج ويطأها وينزل فيها؛ لأنه قد قيل: إنه مشتق من السرور؛ والسرور لا يحصل إلا بذلك، وهذا هو المنصوص للشافعي، وقد قيل: إن المنصوص: هو الذي قبله.
[مسألة: حلف لا مال له وله نقود أو عقار]
وإن حلف: أنه لا مال له، وله شيء من النقود، أو العروض، أو العقار، وما أشبهه.. حنث.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث إلا إن كان له شيء من الأموال الزكاتية؛ استحسانا) .
دليلنا: أن ذلك كله يقع عليه اسم المال حقيقة فحنث به كالزكاتي.
والدليل على أنه يقع عليه اسم المال: ما روي: أن النبي ﷺ سئل عن خير المال، فقال: «خير المال سكة مأبورة، أو فرس مأمورة» .
و (السكة المأبورة) : هي النخلة المصطفة المؤبرة.
و (الفرس المأمورة) : هي المهرة الكثيرة النتاج.
стр. 5427
وهكذا الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة فيمن قال: إن شفى الله مريضي.. فعلي لله أن أتصدق بمالي:
فعندنا: عليه أن يتصدق بجميع ماله إذا شفى الله مريضه.
وعنده: ليس عليه أن يتصدق إلا بماله الزكاتي.
وإن كان له دين، فإن كان حالا.. فقد حنث في يمينه؛ لأنه كالعين في يده؛ بدليل: أنه يجب عليه فيه الزكاة، وإن كان مؤجلا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يملك المطالبة به.
والثاني: يحنث؛ لأنه يملك المعاوضة عليه والإبراء عنه.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث بالدين، حالا كان أو مؤجلا) . وقد مضى الدليل عليه.
وإن كان له مال مغصوب أو مودع أو معار.. حنث؛ لأنه على ملكه.
وإن كان له مال ضال.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأن الأصل بقاؤه.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يعلم بقاؤه، فلا يحنث بالشك.
وقال ابن الصباغ: وإن كان يملك بضع زوجته أو غير ذلك من المنافع.. لم يحنث؛ لأنه لا يسمى: مالا وإن كان في معنى المال.
وإن كان قد جني عليه خطأ أو عمدا، فعفا على مال.. حنث.
وإن جني عليه عمدا، ولم يقتص ولم يعف.. فيحتمل أن يبنى على القولين في موجب جناية العمد.
فإن قلنا: موجبها القود لا غير.. لم يحنث.
وإن قلنا: موجبها القود أو المال.. حنث.
стр. 5428
[فرع: حلف لا يملك عبدا وعنده مكاتب]
وإن حلف: أنه لا يملك عبدا، وله مكاتب.. فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يحنث؛ لقوله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» . ولأنه يملك عتقه، فهو كالقن.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه كالخارج عن ملكه؛ بدليل: أنه لا يملك منافعه، ولا أرش الجناية عليه، فصار كالحر.
ومنهم من قال: لا يحنث، قولا واحدا، وهو المنصوص؛ لما ذكرناه.
وإن كان له أم ولد، أو مدبر، أو عبد معلق عتقه على صفة.. حنث؛ لأنه في ملكه، ويملك منافعه وأرش ما يجنى عليه، فهو كالقن.
[مسألة: حلف أن يرفع المنكر إلى القاضي]
وإن قال: والله لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى فلان القاضي، فإن رأى منكرا، ورفعه إليه.. فقد بر في يمينه، وإن رأى منكرا، وتمكن من رفعه، فلم يرفعه حتى مات أحدهما.. حنث في يمينه؛ لأنه أمكنه رفعه، ففوته بتفريط منه، وإن رأى منكرا، فمضى ليرفعه إليه، فحجب عنه ومنع عنه حتى مات أحدهما.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كما إذا فعل المحلوف عليه مكرها.
وإن لم يتمكن من رفعه، فمضى ليرفعه إليه، فمات القاضي قبل أن يصل الحالف.. قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، كالمكره.
وقال أبو إسحاق المروزي والقاضي أبو الطيب: لا يحنث، قولا واحدا؛ لأن
стр. 5429
قوله: لا رأيت منكرا إلا رفعته، يعني: إن تمكنت منه، واتسع الزمان لي، وهاهنا لم يتسع له الزمان، فلم يحنث، وتفارق التي قبلها، فإن هناك اتسع له الزمان، ولكن منع من الفعل.
فأما إذا عزل هذا القاضي، فإن كان قال: إلى فلان القاضي، ونوى أنه يرفعه إليه وهو قاض، أو نطق بذلك، فقال: إلى فلان وهو قاض.. فقد فاته الرفع إليه بعزله، قال أكثر أصحابنا: فيكون كما لو مات القاضي.
فإن كان ذلك بعد أن تمكن من رفعه.. حنث في يمينه، وإن كان قبل أن يتمكن من رفعه، وحجب عنه إلى أن عزل.. فعلى قولين.
وإن لم يحجب عنه، ولكن عزل قبل أن يصل إليه.. فعلى الطريقين، كما قلنا في الموت.
وقال ابن الصباغ: لا يبر بالرفع إليه بعد العزل، كما قال أصحابنا، ولكن لا يحنث؛ لأن اليمين على التراخي، ويجوز أن يلي بعد عزله، فيرفعه إليه.
وإن قال: إلى فلان القاضي، ولم ينو وهو قاض، ولا نطق به.. فهل يبر برفعه إليه بعد العزل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبر بالرفع إليه؛ لأنه علق اليمين بعين موصوفة بصفة، وقد زالت الصفة، فلم يبر، كما لو قال: والله لا أكلت هذه الحنطة، فطحنها وأكلها.
فعلى هذا يكون الحكم فيه كما لو نوى وهو قاض، أو نطق به.
والثاني: يبرأ بالرفع إليه، وهو الأصح؛ لأنه علق اليمين على عين، وذكر القضاء تعريفا له لا شرطا، فهو كما لو حلف: لا دخلت دار زيد هذه، فباعها زيد، ودخلها.. فإنه يحنث.
стр. 5430
وإن قال: والله لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى قاض.. فلا يحنث هاهنا بترك الرفع إلى القاضي بموته ولا بعزله، ولا يحنث إلا بترك الرفع بعد إمكانه وموت الحالف؛ لأنه علق اليمين على الرفع إلى قاض منكر، وأي قاض رفع إليه.. بر في يمينه، سواء كان قاضيا وقت اليمين أو بعده.
وإن قال: والله لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى القاضي، فإن رأى منكرا، ورفعه إلى قاضي البلد حين رؤيته.. بر في يمينه، وإن مات ذلك القاضي، أو عزل بعد الرؤية وبعد التمكن من الرفع إليه.. فحكى ابن الصباغ، عن أبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي الطيب: أنه يحنث في يمينه؛ لأن لام التعريف تقتضي اختصاص من إليه القضاء عند رؤية المنكر.
وقال الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: لا يحنث، بل إذا رفعه إلى القاضي المولى بعده.. بر في يمينه؛ لأن الألف واللام يدخلان للجنس أو للعهد، ولم يرد بهما هاهنا الجنس، فثبت أن المراد بهما العهد، وذلك يتعلق بقاضي البلد.
[مسألة: حلف لا يكلمه زمانا أو حقبا]
وإن قال: والله لا كلمت فلانا زمانا، أو دهرا، أو حقبا، أو وقتا، أو حينا، أو مدة قريبة، أو بعيدة.. بر بأدنى زمان.
وقال أبو حنيفة: (الحين شهر، والحقب ثمانون عاما، والمدة القريبة دون الشهر، والبعيدة شهر) .
وقال مالك: (الحين سنة، والحقب أربعون عاما) .
دليلنا: أن هذه أسماء للزمان، ولم ينقل عن أهل اللغة فيه تقدير، وإنما يقع على القليل والكثير منه، وما من مدة إلا وهي قريبة بالإضافة إلى ما هو أبعد منها، وبعيدة بالإضافة إلى ما هو أقرب منها.
следующие страницы →