← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

«من حلف بغير الله.. فقد كفر» . وروي: " فقد أشرك ". القسم الثالث: أن يجري ذلك على لسانه من غير قصد إلى الحلف به.. فلا يكره، بل يكون بمعنى لغو اليمين، وعلى هذا يحمل «قول النبي ﷺ للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : " أفلح وأبيه إن صدق» ، وكذا «قوله ﵊ في خبر أبي العشراء الدارمي: " وأبيك، لو طعنت في فخذها.. لأجزأك» . فإن قيل: فقد ورد في القرآن أقسام كثيرة بغير الله؟ فالجواب: أن الله تعالى أقسم بمصنوعاته الدالة على قدرته تعظيما له تعالى لا لها. إذا ثبت هذا: فإن حلف بالنبي ﷺ أو بالكعبة، وحنث.. لم تلزمه كفارة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.

стр. 5357

وقال أحمد: (إذا حلف بالنبي ﷺ وحنث.. وجبت عليه الكفارة) . دليلنا: أنه حلف بمخلوق، فلم تلزمه بالحنث به الكفارة، كما لو حلف بالكعبة. وإن قال: إن فعلت كذا وكذا.. فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الله، أو من النبي ﷺ ، أو من الإسلام، أو مستحل للخمر، أو للميتة.. لم يكن يمينا، ولم تجب عليه الكفارة بالحنث به، وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث. وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق: (هي يمين، وتجب عليه الكفارة بالحنث بها) . دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من حلف على أنه بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا.. فهو كما قال - وروي: فقد قال - وإن كان صادقا.. فلن يرجع إلى الإسلام سالما» . ولم يذكر الكفارة. ولأنه لو قال: والإسلام.. لم يكن حالفا؛ لأنه يمين بمحدث، فهو كاليمين بالكعبة، فلأن لا يكون يمينا إذا حلف أنه بريء من الإسلام أولى. [مسألة: من حلف بالله وحنث فعليه الكفارة] ] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (من حلف بالله، أو باسم من أسماء الله، فحنث.. فعليه الكفارة) . وجملة ذلك: أن الحالف لا يخلو: إما أن يحلف باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفاته. فإن حلف باسم من أسماء الله.. فأسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب: أحدها: اسم الله، لا يشاركه فيه غيره، كقوله: والله، والرحمن، ومقلب

стр. 5358

القلوب، والإله، وخالق الخلق، وبارئ النسمة، والحي الذي لا يموت، والذي نفسي بيده، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والواحد الذي ليس مثله شيء، وما أشبه ذلك. فإذا حلف بشيء من ذلك وحنث.. لزمته الكفارة؛ لأن هذه الأسماء لا يسمى بها غير الله، فانصرفت إلى الله، سواء نوى اليمين أو أطلق. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هي يمين إذا نوى بها اليمين أو أطلق، فإذا نوى بها غير اليمين.. لم يصدق في الحكم، وهل يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان. والضرب الثاني: أسماء الله التي يشاركه في التسمية بها غيره، إلا أن الإطلاق ينصرف إلى الله تعالى، كقوله: والخالق، والرازق، والبارئ، والرب، والرحيم، والرؤوف، والقادر، والقاهر، والمالك، والجبار، والمتكبر.

стр. 5359

فإذا حلف بشيء من ذلك، فإن لم ينو بها غير الله.. كان يمينا؛ لأن إطلاق هذه الأسماء لا ينصرف إلا إلى الله، وإن نوى بها الله تعالى.. كان تأكيدا، وإن نوى بها غير الله.. لم تنعقد يمينه؛ لأنها قد تستعمل في غير الله تعالى مع التقييد؛ يقال: فلان خالق الكذب، قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] [العنكبوت: ١٧] ، وفلان يرزق فلانا: إذا كان ينفق عليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] [النساء: ٨] ، وفلان بارئ العصا، وفلان رب فلان، أي: مالكه، قال الله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: ٥٠] [يوسف: ٥٠] ، ويقال: فلان رحيم القلب، ورؤوف القلب، قال ﷺ : " إن الله رحيم يحب الرحماء "، ويقال:

стр. 5360

فلان قادر، وقاهر للعدو، ومالك للمال، وجبار متكبر. والضرب الثالث: أسماء يسمى بها الله تعالى، ويسمى بها غيره، ولا ينصرف الإطلاق بها إلى الله، كقوله: والحي والموجود والعالم والمؤمن والكريم. فإن حلف بشيء من ذلك.. اختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو إسحاق: لا تنعقد يمينه إلا أن ينوي بها الله تعالى؛ لأن هذه الأسماء مشتركة بين الله وبين الخلق، وتستعمل في الجميع استعمالا واحدا؛ فلم تنصرف إلى الله من غير نية، كالكنايات في الطلاق. وقال الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ وأكثر أصحابنا: لا يكون يمينا، سواء نوى بها الله تعالى أو أطلق؛ لأن اليمين إنما تنعقد إذا حلف باسم معظم له حرمة، وهذه الأسماء ليست بمعظمة، ولا حرمة لها؛ لاشتراك الخالق والمخلوق بها اشتراكا واحدا. وهكذا إذا حلف بالشيء والمتكلم.. وإن حلف بصفة من صفات الله تعالى.. نظرت: فإن حلف بعظمة الله، أو بجلاله، أو بعزته، أو بكبريائه، أو ببقائه، أو بمشيئته، أو بإرادته، أو بكلامه، أو بالقرآن، أو بعلمه ولم ينو به المعلوم، أو بقدرته ولم ينو به المقدور.. انعقدت يمينه؛ لأن هذه صفات الذات لم يزل موصوفا بها، فصار كما لو حلف بالله. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هي يمين إذا نوى بها اليمين أو أطلق، وإن نوى

стр. 5361

بها غير اليمين.. صدق فيما بينه وبين الله تعالى.. وهل يصدق في الحكم؟ على وجهين. وإن نوى بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور.. لم تكن يمينا؛ لأنه محدث؛ ولهذا يقال: انظروا إلى قدرة الله، أي: إلى مقدوره. ويقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، أي: معلومك فينا. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: (إذا حلف بالعلم.. لم يكن يمينا، وإذا حلف بكلام الله أو بالقرآن.. لم يكن يمينا) . فمنهم من قال: لأن أبا حنيفة كان يقول: (القرآن مخلوق) . ومنهم من قال: لم يكن يقول: القرآن مخلوق، وإنما لم تجر العادة بالحلف به. دليلنا: ما روى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «القرآن كلام الله، وليس بمخلوق» . وإذا كان غير مخلوق.. كان صفة من صفات الذات، كعظمة الله، وجلاله.

стр. 5362

قال الشافعي: (من قال إن القرآن مخلوق.. فقد كفر) . وأما العلم: فلأنه صفة من صفات الذات، فهو كما لو حلف بعظمة الله وقدرته. وإن قال: وحق الله، فإن نوى به العبادات.. لم يكن يمينا؛ لأنه حلف بمحدث، وإن نوى به ما يستحقه الله من الصفات، أو أطلق ذلك.. كان يمينا، وبه قال مالك وأحمد. واختلف أصحابنا في علته: فمنهم من قال: لأنها قد ثبت لها عرف الاستعمال وإن لم يثبت لها عرف الشرع، وما ثبت له أحد العرفين.. كان يمينا. وقال أبو جعفر الأستراباذي: حق الله هو قرآن الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] [الحاقة: ٥١] ، يعني: القرآن، ولو حلف بالقرآن.. كان يمينا، سواء نوى اليمين، أو لم ينو أو أطلق، فكذلك هذا مثله. والأول أصح. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (لا يكون يمينا؛ لأن حقوق الله تعالى طاعته، وذلك محدث) . ودليلنا: أن لله حقوقا يستحقها لنفسه، وحقوقا على غيره، فإذا اقترن عرف

стр. 5363

الاستعمال في اليمين.. انصرف إلى ما يستحقه لنفسه من البقاء والعظمة وغير ذلك من الصفات، فصار كقوله: وعظمة الله. قال الطبري في " العدة ": وإن حلف بصفة من صفات الله التي من صفات الفعل، كقوله: وخلق الله، ورزق الله.. لم يكن يمينا. [مسألة: في قوله عهد الله وميثاقه وكفالته وأمانته] ] : إذا قال: علي عهد الله، وميثاقه، وكفالته، وأمانته، لا فعلت كذا، أو قال: وعهد الله، وميثاقه، وكفالته، وأمانته، لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين، وإن نوى به العبادات التي أخذ الله علينا العهد بأدائها.. لم يكن يمينا؛ لأنها محدثة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] [الأحزاب: ٧٢] . قيل في التفسير: هي الأعمال بالثواب. فإن أطلق ذلك.. ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو إسحاق: هو يمين؛ لأن العادة قد جرت بالحلف بذلك، فانصرف إطلاقها إلى اليمين، كقوله: وعظمة الله. والثاني - وهو المنصوص -: (أنه ليس بيمين) ؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى ما وجب له على خلقه من العبادات، فلم تصر يمينا من غير نية، وتخالف العظمة؛ فإنها صفة ذاته. إذا ثبت هذا: فقال: وعهد الله، وميثاقه، وكفالته، وأمانته، لأفعلن كذا، وأراد به يمينا.. كانت يمينا واحدة. وإذا حنث.. لزمته كفارة واحدة. وقال مالك: (يجب لكل لفظة كفارة) . دليلنا: أن الجمع بين هذه الألفاظ تأكيد لليمين، واليمين واحدة، فهو كقوله: والله الطالب، الغالب، المهلك، المدرك.

стр. 5364

[فرع: في قوله علي يمين] ] : قال الطبري: لو قال: علي يمين.. فظاهر المذهب: أنه لا يكون يمينا. وقال الإمام سهل: يحتمل وجهين. وقال أبو حنيفة: (يكون يمينا استحسانا، والقياس: لا يلزمه) . ودليلنا: أن قوله: (علي يمين) يحتمل الإخبار به، ويحتمل الإنشاء والابتداء، فلا يحمل على أحدهما. وإن قال: أيمان البيعة لازمة لي لأفعلن كذا.. فإن البيعة كانت في زمن النبي ﷺ بالمصافحة، فلما ولي الحجاج.. رتبها على أيمان تشتمل على اسم الله، وعلى الطلاق، والعتاق، والحج، وصدقة المال. قال ابن الصباغ: وإذا قال رجل: أيمان البيعة لازمة لي، فإن لم ينو الأيمان التي رتبها الحجاج.. لم يتعلق بقوله حكم، وإن أراد ذلك، فإن قال: أيمان البيعة لازمة لي بطلاقها وعتاقها.. فقد صرح بذكرها، ولا يحتاج إلى نية، وتنعقد يمينه بالطلاق والعتاق، وإن لم يصرح بذلك، ونوى أيمان البيعة التي فيها الطلاق والعتاق.. انعقدت يمينه بالطلاق والعتاق خاصة؛ لأن اليمين بها تنعقد بالكناية مع النية. وظاهر قول ابن الصباغ أن يمينه لا تنعقد بالله تعالى؛ لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية مع النية. [مسألة: في قوله والله لأفعلن] ] : إذا قال: والله لأفعلن كذا.. كان ذلك يمينا إذا نوى بها اليمين أو أطلق؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع؛ وهو قوله ﵊: «والله لأغزون قريشا» ، وثبت لها عرف الاستعمال؛ لأن الناس هكذا يحلفون، فإن نوى بها غير اليمين.. لم يقبل. وقد مضى خلاف المسعودي [في " الإبانة "] فيها، وهذا هو المشهور.

стр. 5365

وإن قال: بالله لأفعلن كذا - بالباء المعجمة بواحدة من تحت - فإن نوى بها اليمين أو أطلق.. كان يمينا؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع، قال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] [التوبة: ٧٤] ، وثبت لها عرف اللغة؛ لأن أهل اللغة يقولون: الباء إنما هي أصل حروف القسم، وغيرها بدل عنها. فإن صرفها بنيته عن اليمين؛ بأن نوى: بالله أستعين، أو أثق بالفعل الذي أشرت إليه، أو بالله أومن.. لم يكن يمينا؛ لأنه يحتمل ما نواه. وإن قال: تالله لأفعلن كذا - بالتاء المعجمة باثنتين من فوق - فقد نص الشافعي في (الإيلاء) : (لو قال: تالله لا أصبتك.. كان موليا) . قال المزني: وقال الشافعي في (القسامة) : (إنها ليست بيمين) . واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هي يمين في القسامة وغيرها إذا نوى بها اليمين أو أطلقها؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع؛ وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] [يوسف: ٨٥] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] [يوسف: ٩١] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] [الأنبياء: ٥٧] ، وما حكاه المزني عن (القسامة) .. فهو تصحيف منه، وإنما قال الشافعي في (القسامة) : (إذا قال: يا الله.. لا يكون يمينا) ، وتعليله يدل على ذلك؛ لأنه قال: (لأنه دعاء) وأراد به الاستغاثة، بفتح اللام من اسم الله. ومنهم من حملها على ظاهرها، فقال: إن كان في الإيلاء.. كان يمينا، وإن كان في القسامة.. لم يكن يمينا؛ لأن في القسامة أثبت لنفسه حقا، فلم يقنع منه إلا بصريح اليمين التي لا تحتمل، وفي الإيلاء يتعلق به حق غيره، فحمل اللفظ على ظاهره.

стр. 5366

[فرع: الخطأ أو اللحن في صورة القسم] ] : وإن قال: والله لأفعلن كذا، أو والله لأفعلن - بضم اسم الله أو بنصبه - فقد قال أكثر أصحابنا: إن يمينه ينعقد، سواء تعمده أو لم يتعمده؛ لأنه لحن لا يحيل المعنى. وقال القفال: إذا قال: والله لا فعلت كذا - بضم اسم الله - لم يكن يمينا، إلا أن ينوي به اليمين؛ لأنه ابتداء كلام، فإن نوى اليمين به.. كان يمينا؛ لأنه قد يخطئ في الإعراب، فيرفع مكان الخفض. والمنصوص للشافعي في (القسامة) : هو الأول. وإن قال: الله لأفعلن كذا - برفع اسم الله أو نصبه أو كسره - فإن أراد به اليمين.. فهو يمين؛ لما روي في «حديث ركانة، أنه قال: " الله - بالرفع - ما أردت إلا واحدة» . وفي «حديث ابن مسعود لما أخبر النبي ﷺ : أنه قتل أبا جهل، فقال النبي ﷺ : " آلله إنك قتلته؟ "، فقال: آلله إني قتلته. بنصب اسم الله» .

стр. 5367

وإن لم ينو به اليمين.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يمين؛ لأن حرف القسم قد يحذف، كما يحذف حرف النداء، ولا يتغير المعنى ولا الإعراب. والثاني: أنها ليست بيمين، وهو المشهور؛ لأن العادة لم تجر بالحلف به، ولا يحلف به إلا خواص الناس، فلم يجعل يمينا من غير نية. [مسألة: القسم بـ لعمر الله] ] : وإن قال: لعمر الله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. كان يمينا؛ لأن معناه: بقاء الله وحياته. وقيل معناه: علم الله، وذلك صفة من صفات الذات. وإن نوى به غير اليمين، بأن نوى به حقوق الله.. لم يكن يمينا؛ لأن حقوق الله محدثة. وإن أطلق.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يمين، وهو اختيار أبي علي الطبري، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد؛ لأنه قد ثبت لها عرف الاستعمال في الشرع، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] [الحجر: ٧٢] ، وثبت لها عرف الاستعمال في اللغة، قال الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان

стр. 5368

والثاني: أنه ليس بيمين، وهو المنصوص؛ لأنه ليس فيها حرف القسم، وإنما يكون يمينا بتقدير خبر محذوف؛ فكأنه قال: لعمر الله ما أقسم به، فكانت مجازا، والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق. وأما الآية: فلم يرد [تعالى] : أنها يمين في حقنا، وإنما أقسم الله بها، وقد أقسم الله بأشياء كثيرة، وليست بقسم في حقنا. [مسألة: القسم بـ وايم وأيمن] ] : وإن قال: وايم الله، أو وأيمن الله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين؛ لأن «النبي ﷺ قال في حق أسامة بن زيد: " وايم الله إنه لخليق بالإمارة» . وإن لم يكن له نية.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يمين؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في اللغة. والثاني: أنه ليس بيمين؛ لأنه لا يعرفه إلا خواص الناس.

стр. 5369

وقد اختلف في اشتقاقه: فقيل: هو مشتق من اليمين؛ وكأنه قال: ويمن الله. وقيل: هو مشتق من اليمين. وإن قال: لاها الله، لأفعلن كذا، ونوى به اليمين.. كان يمينا؛ لما روي: «أن أبا بكر الصديق قال في سلب قتيل قتله أبو قتادة: لاها الله، إذن يعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : " صدق» . وإن لم ينو به اليمين.. لم يكن يمينا؛ لأنه لم يجر به عرف عام في الاستعمال، وإنما يستعمله بعض الناس دون بعض. [مسألة: أقسم مع التوكيد أو النفي] ] : وإن قال: أقسمت بالله لأفعلن كذا، أو أقسم بالله لا فعلت كذا، فإن نوى به اليمين، أو أطلق.. كان يمينا؛ لأن هذا اللفظ قد ثبت له عرف الاستعمال في الشرع،

стр. 5370

قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] [الأنعام: ١٠٩] ، وقال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٧] [المائدة: ١٠٧] . فإن قال: لم أرد به اليمين، وإنما أردت بقولي: (أقسمت بالله) الخبر عن يمين ماضية، وبقولي: (أقسم بالله) الخبر عن يمين مستأنفة، فإن كان صادقا.. لم تلزمه كفارة بالمخالفة فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم: فإن كان قد علم أنه تقدمت منه يمين في ذلك.. قبل قوله في قوله: (أقسمت بالله) قولا واحدا؛ لأنه يحتمل ما يدعيه، وهو أعلم بما أراد، ولا يجيء مثله في قوله: (أقسم) ، وإن لم يعلم منه يمين بالله في الماضي على ذلك.. فهل يقبل قوله في: (أقسمت) ، وفي قوله: (أقسم) ؟ قال الشافعي هاهنا: (يقبل منه) ، وقال في " الإملاء ": (لا يقبل منه) . وهكذا قال في (الإيلاء) : (إذا قال: أقسمت بالله لا وطئتك، وقال: أردت به في زمان متقدم.. أنه لا يقبل) . واختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق: فـ[أحدها] : منهم من قال: لا يقبل منه، قولا واحدا على ما نص عليه في " الإملاء "؛ لأن ما يدعيه خلاف الظاهر، وحيث قال الشافعي: (يقبل) أراد: فيما بينه وبين الله. و [الطريق الثاني] : منهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين: أحدهما: لا يقبل منه؛ لما ذكرناه. والثاني: يقبل؛ لأن قوله: (أقسمت) يصلح للماضي حقيقة، وكذلك قوله: (أقسم) يصلح للمستقبل حقيقة، فإذا أراده.. قبل منه. و [الطريق الثالث] : منهم من حملهما على ظاهرهما: فحيث قال في " الإملاء ": (لا يقبل قوله) أراد بذلك على ما نص عليه في (الإيلاء) ؛ لأنه يتعلق به حق الزوجة، فلم يقبل قوله فيما يخالف الظاهر.

стр. 5371

وحيث قال: (يقبل) أراد به في غير (الإيلاء) ؛ لأن الحق فيه مقدر فيما بينه وبين الله، فقبل قوله فيه. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا قال: أقسم، أو أحلف باله، أو أقسمت، أو حلفت بالله، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين. وإن لم ينو به اليمين.. فليس بيمين. وإن أطلق.. ففيه وجهان. [مسألة: قوله أشهد بالله] مسألة: [أشهد بالله] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن قال: أشهد بالله، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين، وإن لم ينو.. لم يكن يمينا) . وجملة ذلك: أنه إذا قال: أشهد بالله، أو شهدت بالله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. كان يمينا؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في الشرع، قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] [النور: ٦] ، وإن نوى بالشهادة توحيد الله.. لم يكن يمينا؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في ذلك. وإن أطلق ولم ينو شيئا.. فاختلف أصحابنا فيه: [الأول] : منهم من قال: هو يمين؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في الشرع في اليمين، فحمل الإطلاق عليه. والثاني: منهم من قال: ليس بيمين، وهو المنصوص؛ لأنه لم يثبت له عرف الاستعمال، وأما الشرع: فقد ورد والمراد به اليمين، وورد والمراد به الشهادة، فلم يحمل إطلاقه على اليمين. [فرع: أعزم بالله ونحوها ولا نية] ] : قال الشافعي: (وإن قال: أعزم بالله، ولا نية له.. لم يكن يمينا) . وجملة ذلك: أنه إذا قال: أعزم بالله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. كان يمينا؛ لأنه يحتمل اليمين بقوله: (بالله) ، وإن نوى أنه يعزم بمعونة الله.. لم يكن

стр. 5372

يمينا، وإن لم ينو شيئا.. لم يكن يمينا؛ لأنه لم يثبت له عرف في الشرع ولا في الاستعمال. وإن قال: أقسم لأفعلن كذا، أو أقسمت لأفعلن كذا، أو أحلف، أو أشهد لأفعلن كذا، ولم يقل: بالله.. لم يكن يمينا، سواء نوى به اليمين أو لم ينو. وقال أبو حنيفة: (هو يمين، سواء نوى به اليمين أو لم ينو) . وهي إحدى الروايتين عن أحمد. وقال مالك: (إذا نوى به اليمين.. كان يمينا، وإن لم ينو به اليمين.. لم يكن يمينا) . وهي الرواية الأخرى عن أحمد. دليلنا: أنها يمين عريت عن اسم الله وصفته، فلم تكن يمينا، كما لو قال: أقسمت بالنبي أو بالكعبة. وأما الخبر الذي روي: «أن رجلا ذكر رؤيا بحضرة النبي ﷺ ، ففسرها أبو بكر ﵁، فقال أبو بكر: أصبت يا رسول الله، أو أخطأت؟ فقال ﷺ : " أصبت بعضا، وأخطأت بعضا "، فقال أبو بكر: أقسمت عليك لتخبرني بالخطأ، فقال رسول الله ﷺ : " لا تقسم» .. فهو قسم في اللغة، لا أنه قسم في الشرع؛ بدليل: قوله ﷺ : " لا تقسم "، أي: لا تقسم قسما شرعيا تجب فيه الكفارة. وإن قال رجل: أعتصم بالله، أو أستعين بالله، أو توكلت على الله لأفعلن كذا.. لم يكن يمينا، سواء نوى به اليمين أو لم ينو؛ لأن ذلك لا يصلح لليمين.

стр. 5373

[مسألة: السؤال بالله أو القسم لفعل] ] : إذا قال رجل لآخر: أسألك بالله، أو أقسم عليك بالله لتفعلن كذا، فإن أراد بذلك الشفاعة إليه بالله.. لم يكن يمينا، وإن أراد أن يعقد للمسؤول بذلك يمينا.. لم تنعقد لأحدهما يمين؛ لأن كل واحد منهما لم يعقدها يمينا لنفسه. وإن أطلق، ولم ينو اليمين ولا غيرها.. لم ينعقد يمينا؛ لأنه لم يثبت لها عرف في الشرع ولا في الاستعمال. وإن أراد السائل أن يعقد اليمين لنفسه بذلك.. انعقدت اليمين في حقه؛ لأنها تصلح لليمين بقوله: بالله، وإن لم يفعل المسؤول ما حلف عليه السائل.. حنث السائل، ووجبت الكفارة عليه. وقال أحمد: (تجب الكفارة على المسؤول؛ لأن الكفارة وجبت بفعله) . دليلنا: أن المسؤول لم يعقد اليمين، فلم تلزمه الكفارة، كما لو لم يحلف عليه. [مسألة: الاستثناء في اليمين] ] : الاستثناء في اليمين جائز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] [القلم: ١٧ - ١٨] . وروي: أن النبي ﷺ قال: «والله لأغزون قريشا " إلى أن قال في الثالثة: " إن شاء الله» . والاستثناء في اليمين ليس بواجب، وحكي عن بعض الناس: أنه قال: هو واجب؛ لأن الله تعالى ذم قوما أقسموا ولم يستثنوا. دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ حلف على نسائه شهرا ولم يستثن» .

стр. 5374

إذا ثبت هذا: فقال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، ففعله.. لم يحنث؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله.. لم يحنث» . ولأنه علق الفعل على مشيئة الله، ومشيئة الله لا تعلم، وإنما يعمل الاستثناء إذا وصله بيمينه، فإن فصله عن يمينه بغير عذر.. لم يرتفع اليمين، وإن فصله عن يمينه لضيق نفس، أو عي، أو لتذكر يمينه الذي يريد أن يحلفها، أو كان

стр. 5375

بلسانه فأفأة لم يمكنه وصله باليمين لذلك.. كان في حكم الموصول. هذا مذهبنا. وقال الحسن البصري: وعطاء: إذا استثنى وهو في مجلسه.. صح. وحكي عن ابن عباس: أنه قال: (إذا استثنى بعد سنة.. صح) . وحكي عنه: أنه يصح الاستثناء أبدا. وقيل: إنه رجع عن ذلك. ودليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها.. فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» . ولو كان الاستثناء يعمل بعد تمام اليمين والانفصال عنها.. لكفاه ذلك عن الكفارة. ولا يصح الاستثناء حتى ينويه، وهو أن ينوي تعليق الفعل بمشيئة الله تعالى؛ لأن اليمين بالله لا تصح إلا بالنية، فكذلك الاستثناء، وهل من شرطه أن ينوي الاستثناء من أول اليمين، أو يصح أن ينوي الاستثناء في بعض ألفاظ اليمين؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في الطلاق. وإن حلف واستثنى، ولم ينو الاستثناء.. صح الاستثناء في الظاهر دون الباطن. [فرع: إن شاء الله لا أفعل] قال القاضي أبو الطيب: إذا قال: إن شاء الله والله لا أفعل كذا.. لم يحنث. وكذلك: إذا قال لامرأته: إن شاء الله أنت طالق.. لم تطلق، أو: إن شاء الله أنت طالق وعبدي حر.. لم تطلق امرأته، ولم يعتق عبده؛ لأنه لا فرق بين أن يقدم الاستثناء أو يؤخره. وكذلك: إذا قال: أنت طالق إن شاء الله عبدي حر - من غير واو العطف - لم تطلق امرأته، ولم يعتق عبده؛ لأنه علقهما بمشيئة الله، وواو العطف يجوز حذفها، كما

стр. 5376

روي عن ابن عباس: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات» من غير واو العطف. وتقول العرب: أكلت خبزا سمنا. قال ابن الصباغ: وهذا وإن كان مجازا، فإنه إذا قصده.. صح الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يكون إلا بالقصد. [فرع: قوله والله لأفعلن كذا إن شاء زيد] ] : وإن قال: والله لأفعلن كذا إن شاء زيد.. فإن هذا ليس باستثناء، وإنما هو تعليق عقد اليمين بمشيئة زيد. فإن فعل ذلك الشيء قبل أن يعلم مشيئة زيد.. لم يتعلق بذلك حكم. وإن قال زيد: شئت أن تفعله.. انعقدت يمينه، فإن فعله.. بر في يمينه، وإن لم يفعله، وتعذر فعله.. حنث في يمينه. وإن قال زيد: لست أشاء أن تفعله.. لم تنعقد يمينه؛ لأنه لم يوجد شرط انعقاد اليمين، فإن فعله أو لم يفعله.. لم يحنث. وإن فقدت مشيئة زيد بالجنون، أو الغيبة، أو الموت.. لم تنعقد اليمين؛ لأنه لم يوجد شرط انعقادها. وإن قال: والله لا دخلت الدار اليوم إن شاء زيد، فإن قال زيد: شئت أن تدخلها.. انعقدت، فإن دخلها في اليوم.. بر في يمينه، وإن انقضى اليوم ولم يدخلها.. حنث في يمينه. وإن قال زيد: شئت أن لا تدخلها، أو لست أشاء أن تدخل.. لم تنعقد يمينه. وإن فقدت مشيئته بالموت، أو الغيبة، أو الجنون، فانقضى اليوم ولم يدخلها.. لم يحنث؛ لأن يمينه لم تنعقد. [فرع: أقسم على عدم الدخول إلا بمشيئة زيد] وإن قال: والله لأدخلن هذه الدار اليوم إلا أن يشاء زيد.. فقد انعقدت يمينه على دخول الدار في اليوم، إلا أن يشاء زيد أن لا يدخلها، فتنحل اليمين؛ لأن الاستثناء ضد المستثنى منه، فإن دخل الدار في يومه.. بر في يمينه، وإن قال زيد:

стр. 5377

قد شئت أن لا يدخلها.. انحلت اليمين، فيتخلص من الحنث في اليمين بأحد هذين. وإن قال زيد: قد شئت أن تدخلها، أو قال: لست أشاء أن لا تدخلها.. فقد زال حكم الاستثناء، ولم يتخلص من الحنث إلا بأن يدخلها في يومه، فإن انقضى اليوم قبل أن يدخلها.. حنث في يمينه. وإن فقدت المشيئة من زيد بغيبة، أو جنون، أو خرس، أو موت، ومضى اليوم ولم يدخلها.. فقد قال الشافعي في " المختصر ": (يحنث في يمينه؛ لأن الأصل أن لا مشيئة) . وإن قال: والله لا دخلت هذه الدار اليوم إلا أن يشاء زيد.. فاليمين هاهنا على النفي، فيكون الاستثناء على الإثبات، فإن مضى اليوم ولم يدخل الدار.. بر في يمينه، سواء شاء زيد أو لم يشأ. وإن قال زيد: شئت أن تدخلها.. فقد تخلص من الحنث، سواء دخلها أو لم يدخلها. وإن قال زيد: شئت أن لا تدخلها، أو لست أشاء أن تدخلها.. فقد تعذر التخلص من الحنث بالاستثناء، فإن لم يدخل الدار حتى انقضى اليوم.. فقد بر في يمينه، وإن دخل الدار في يومه.. حنث. وإن تعذرت مشيئة زيد بغيبة، أو جنون، أو خرس.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (لم يحنث) . وهذا مخالف للنص في الأولى. واختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق: فـ[الطريق الأول] : قال أبو إسحاق وغيره: يحنث فيهما، قولا واحدا، كما نقله المزني؛ لأن الأصل عدم المشيئة، وأما ما ذكره الشافعي في " الأم ": فالظاهر أنه رجع عنه؛ لأن المزني لو وجده لاعترض به عليه، ويحتمل: أن الربيع نقلها قبل أن يتحقق رجوعه عنها. و [الطريق الثاني] : منهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين:

стр. 5378

أحدهما: لا يحنث فيهما؛ لأنه يجوز أن يكون قد شاء، ويجوز أنه لم يشأ، فحصل شك في حصول الحنث، والأصل أن لا حنث. والثاني: أنه يحنث فيهما؛ لأنه قد وجد عقد اليمين والمخالفة، ويمكن حصول المشيئة وارتفاع اليمين، ويمكن عدم المشيئة وبقاء حكم اليمين، والأصل عدم المشيئة. وأما المزني: فقد قال عقيب نقله: وهذا خلاف قوله في باب: (جامع الأيمان) ، ويريد بذلك: إذا حلف ليضربنها مائة، فضربها بضغث فيه مائة شمراخ، وخفي عليه، هل وصل جميعها إلى بدنها، أم لا؟ أنه لا يحنث، فلم يحنثه مع الشك في فعل ما حلف عليه. و [الطريق الثالث] : منهم من قال: هما على اختلاف حالين: فحيث قال: (حنث) أراد: إذا أيس من معرفة مشيئته بموته؛ لأنه أيس من معرفة مشيئته، والأصل عدمها. وحيث قال: (لا يحنث) أراد: إذا لم ييأس من مشيئته، بأن غاب أو خرس، فيرجى أن يرجع من غيبته، أو ينطلق لسانه، فيعلم ذلك منه. [فرع: علق يمينه على يمين صاحبه] إذا قال رجل لآخر: يميني في يمينك.. نظرت: فإن كان المقول له قد حلف بالله تعالى.. لم تنعقد يمين القائل، سواء نوى اليمين أو لم ينو؛ لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية مع النية.

стр. 5379

وإن كان المقول له قد حلف بالطلاق، أو الظهار، أو العتاق.. نظرت في القائل: فإن نوى ذلك.. انعقدت يمينه بذلك؛ لأن اليمين تنعقد بالكناية مع النية. وإن كان المقول له لم يحلف قبل هذا.. لم تنعقد يمين الحالف بشيء، سواء نوى اليمين بالطلاق، أو الظهار، أو العتق، أو لم ينو؛ لأن يمينه إنما تنعقد بذلك بالصريح، أو بالكناية مع النية، وليس هاهنا لفظ صريح، ولا كناية مع نية؛ لأن المقول له لم يحلف. وبالله التوفيق

стр. 5380

[باب جامع الأيمان] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا كان في دار، فحلف: لا يسكنها.. أخذ في الخروج من مكانه، فإن تخلف ساعة وهو يمكنه الخروج منها.. حنث) . وجملة ذلك: أنه إذا كان ساكنا في دار، فحلف: لا يسكنها، فإن أمكنه الخروج منها وأقام أي زمان كان.. حنث. وقال مالك: (إن أقام دون اليوم والليلة.. لم يحنث) . دليلنا: أن استدامة السكون بمنزلة ابتدائه، فإذا أمكنه الخروج ولم يخرج.. حنث، كما لو أقام يوما وليلة. وإن خرج من الدار في الحال.. لم يحنث. وقال زفر: يحنث وإن انتقل في الحال؛ لأنه لا بد أن يكون ساكنا بها زمانا ما. وهذا ليس بصحيح؛ لأن ما لا يمكنه الاحتراز منه لا يدخل في اليمين، ولأنه تارك للسكنى بالخروج، والتارك لا يسمى ساكنا، كما لو أولج في ليلة الصيام، ونزع مع طلوع الفجر. قال المسعودي [في " الإبانة "] : وإن كانت اليمين في جوف الليل، فخاف من العسس إذا خرج ذلك الوقت.. فإنه لا يحنث بالمكث إلى وقت الإمكان. وإن وقف في الدار بعد اليمين لينقل قماشه ورحله من الدار.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول القفال، وبه قال أبو حنيفة -: (إنه لا يحنث) ؛ لأنه من أسباب الخروج.

стр. 5381

والثاني - وهو قول البغداديين من أصحابنا، وهو المشهور -: إنه يحنث؛ لأنه أقام في الدار بعد اليمين مع تمكنه من الخروج، فحنث، كما لو أقام لا لنقل القماش. فإن خرج من الدار عقيب اليمين، وترك رحله فيها.. لم يحنث. وقال أبو حنيفة: (يحنث، إلا أن ينقل أهله وماله) . وبه قال أحمد. وحكي عن مالك: أنه اعتبر نقل عياله دون ماله. دليلنا: أنه حلف على أن لا يسكن، فإذا تحول بنفسه منها عقيب يمينه، فلم يسكن.. فوجب أن لا يحنث، كما لو حلف أن لا يسكن بلدا، فخرج منها، وترك رحله فيها. فإن رجع إلى الدار بعد الخروج؛ لنقل القماش، أو لعيادة مريض فيها، وما أشبه ذلك.. لم يحنث؛ لأنه قد وجد منه المفارقة للدار ومزايلة السكنى، وبعوده إليها لا يسمى به ساكنا، فلم يحنث. [مسألة: حلف بالله لا يساكن زيدا] وإن قال: والله لا ساكنت فلانا، وهو ساكن معه في مسكن، فإن خرج أحدهما في أول حال إمكان الخروج.. لم يحنث؛ لأنه لم يساكنه، وإن أقام بعد إمكان الخروج.. حنث؛ لأن المساكنة تقع على الاستدامة كما تقع على الابتداء. قال الشافعي: (والمساكنة: أن يكونا في بيت، أو في بيتين حجرتهما واحدة ومدخلهما واحد) . فإن كانا في مدخلين، أو في حجرتين في درب نافذ، أو غير نافذ، متفرقتين أو متلاصقتين.. فليسا بمتساكنين، وإنما هما متجاوران.

стр. 5382

وإن سكن كل واحد منهما في بيت من خان، وكان البيتان متفرقين أو متلاصقين.. فهما غير متساكنين؛ لأن بيوت الخان كل بيت منها مسكن على الانفراد. وإن سكن كل واحد منهما في بيت في دار صغيرة، وكل واحد منهما ينفرد بغلق.. فهما متساكنان؛ لأن الدار الواحدة مسكن واحد، ويخالف الخان وإن كان صغيرا؛ لأنه بني للمساكن. وإن كانا في بيتين في دار كبيرة ذات بيوت كل بيت منفرد بباب وغلق.. فقد ذكر أكثر أصحابنا: أن ذلك ليس بمساكنة؛ لأنها كبيوت الخان. وقال الشيخ الحسن الطبري في " عدته ": وفي هذا نظر؛ لأن جميع الدار تعد في العادة مسكنا واحدا، بخلاف بيوت الخان. وإن كانت الدار كبيرة، إلا أن أحدهما في البيت، والآخر في الصفة، أو كانا في صفتين، أو كانا في بيتين ليس لأحدهما غلق دون الآخر.. فهما متساكنان. فكذلك: إذا كانا في بيتين في دار كبيرة ذات بيوت لا أبواب عليها.. كان ذلك مساكنة؛ لأن اشتراكهما في مرافق الصحن الجامع للبيتين، وفي الباب المدخول منه إليهما، كاشتراكهما في موضع السكون. قال الشافعي: (إلا أن يكون له نية.. فهو على ما نواه) . وإن أراد: أنه نوى أن لا يساكنه في درب أو بلد أو بيت واحد.. كان على ما نواه؛ لأنه يحتمل ما نواه من ذلك. وفيه وجه آخر، حكاه الطبري: إذا نوى لا يساكنه في هذه البلدة.. لم يصح، كما لو نوى لا يساكنه بخراسان.

стр. 5383

إذا ثبت هذا: فحلف: لا يساكنه، وهما في بيتين في حجرة، قال الشافعي: (فجعل بينهما جدار، ولكل واحدة من الحجرتين باب.. فليست هذه بمساكنة) . قال أصحابنا البغداديون: ظاهر هذا الكلام أنهما إذا أقاما في بيتهما، وجعل بينهما جدار، ولكل واحد من الحجرتين باب.. لم يحنث. وليس هذا على ظاهره، وإنما أراد بذلك: إذا انتقل أحدهما في الحال، وعاد لبناء الجدار والباب، فأما إذا أقاما مع إمكان الانتقال لبناء الجدار والباب.. حنث الحالف. قال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا اشتغلا ببناء الجدار فيما بينهما عقيب اليمين.. فهل يحنث الحالف؟ فيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأن البناء يحتاج إلى مدة طويلة، ولم تجر العادة به. والثاني: لا يحنث؛ لأنه اشتغل بسبب الفرقة. [فرع: حلف لا يفعل أمرا وهو متلبس به] وإن حلف: لا يلبس ثوبا، وهو لابسه، أو لا يركب دابة، وهو راكبها، فإن نزع الثوب، أو نزل عن الدابة أول حال إمكانه.. لم يحنث، وإن استدام ذلك مع إمكان تركه.. حنث؛ لأن استدامة اللبس والركوب تسمى: لبسا وركوبا؛ ولهذا يقال: لبست الثوب شهرا، وركبت الدابة شهرا. وإن قال: والله لا تزوجت، وهو متزوج، فاستدام، أو لا تطهرت، وهو متطهر، فاستدام.. لم يحنث؛ لأن استدامة ذلك لا يجري مجرى ابتدائه؛ ولهذا: لا يقال: تزوجت شهرا، وتطهرت شهرا، وإنما يقال: تزوجت من شهر، وتطهرت من شهر، فإن عقد النكاح، أو ابتدأ الطهارة.. حنث. وإن قال: والله لا تطيبت، وهو متطيب، فاستدام.. ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأن اسم التطيب يقع على الاستدامة، ألا ترى أنه يقال: تطيبت شهرا، كما يقال: لبست شهرا؟

стр. 5384

والثاني - وهو الأصح، ولم يذكر في " المهذب " غيره -: أنه لا يحنث؛ لأن استدامة الطيب لم تجعل في الشرع بمنزلة ابتدائه، ألا ترى أن المحرم ممنوع من ابتداء التطيب، غير ممنوع من استدامته؟ ولأنه كالطهارة؛ لأنه يقال: تطيبت من شهر، كما يقال: تطهرت من شهر، ولا يقال: تطيبت شهرا. وإن حلف: لا يدخل دارا شهرا، وهو فيها، فاستدام الكون فيها.. قال القاضي أبو الطيب: فيه وجهان، وحكاهما الشيخان قولين: [أحدهما] : قال في " الأم ": (يحنث؛ لأن استدامة الكون في الدار بمنزلة ابتداء الدخول في التحريم في ملك الغير، فكان كالدخول في الحنث باليمين) . و [الثاني] : قال في " حرملة ": (لا يحنث) . وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج الدار إلى داخلها، وهذا لا يوجد في استدامة الكون فيها؛ ولهذا لا يقال: دخلت الدار شهرا، وإنما يقال: دخلتها منذ شهر. فإن قلنا بالأول: فإن أقام بعد اليمين بعد أن أمكنه الخروج.. حنث، وإن خرج عقيب اليمين.. لم يحنث، وإن عاد لنقل المتاع.. حنث؛ لأنه قد دخلها، بخلاف ما لو حلف على السكنى؛ لأن السكنى لا توجد بمجرد الدخول. وإن قلنا بالثاني: فاستدام الكون فيها.. لم يحنث، فإن خرج، ثم دخلها.. حنث. [فرع: حلف لا يسافر وهو مسافر] وإن حلف: لا يسافر، وهو في السفر، فإن وقف ولم يسافر، وأخذ في العود.. لم يحنث؛ لأنه لم يسافر، وإن سار مسافرا بعد اليمين ولو خطوة.. حنث؛ لأنه سافر.

стр. 5385

[فرع: حلف لا يدخل دارا فدخل الممر] وإن حلف: لا يدخل الدار، فدخل الدهليز بجميع بدنه.. حنث؛ لأنه قد دخل الدار، وإن دخل ببعض بدنه، إما برأسه دون باقي بدنه، أو بإحدى رجليه.. لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها. وإن كان على باب الدهليز كن - وهو: الطاق - فدخله.. فهل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه خارج الدار. والثاني: يحنث؛ لأنه من جملة الدار؛ لأنه يكن الباب، فهو كالدهليز. فإن حلف: لا يخرج من الدار، فأخرج بعض بدنه.. لم يحنث؛ لأنه لم يخرج بدليل: أنه لو كان معتكفا، فأخرج بعض بدنه من المسجد.. لم يخرج من الاعتكاف؛ ولهذا روي: «أن رسول الله ﷺ كان معتكفا، وكان يخرج رأسه من المسجد إلى عائشة لترجله» . [مسألة: حلف لا يدخل دارا فصعد على سطحها] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو حلف: لا يدخلها، فرقى فوقها.. لم يحنث) . وجملة ذلك: أنه إذا حلف: لا يدخل دارا، فرقى فوقها حتى حصل على سطحها ولم ينزل إليها، فإن كان السطح غير محجر.. لم يحنث.

стр. 5386

وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: (يحنث؛ لأن حكم السطح حكم الداخل؛ بدليل: أن الاعتكاف يصح في سطح المسجد كما يصح في داخله، ولأنه لو قال: والله لا خرجت من داري، فصعد السطح.. لم يحنث) . ودليلنا: أن السطح حاجز يقي الدار من الحر والبرد، فلم يصر بحصوله فيه داخلا في الدار، كما لو وقف على الحائط. وما ذكروه من سطح المسجد.. فلا يلزم؛ لأن الشرع جعل سطحه بمنزلة داخله في الحكم، دون التسمية. ألا ترى أن الرحبة حكمها حكم المسجد في الاعتكاف، ومنع الجنب منها، وجواز الصلاة فيها بصلاة الإمام، وإن لم تكن في حكم المسجد بالتسمية، ولو حلف لا يدخل المسجد، فدخل الرحبة.. لم يحنث؟ وما ذكروه فيمن حلف: لا يخرج من داره، فصعد سطحها.. لا يسلم، بل يحنث؛ لأن صعوده خروج من الدار. وإن كان السطح محجرا، فحصل فيه.. ففيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يحنث، وهو ظاهر النص؛ لما ذكرناه فيه إذا كانت غير محجرة. و [الثاني] : منهم من قال: يحنث؛ لأنه يحيط به سور الدار، فهو كما لو حصل داخل الدار. ومن قال بهذا: قال: إنما قال الشافعي: (لا يحنث) على عادة أهل الحجاز؛ فإن سطوحهم غير محجرة. [فرع: يحنث بدخول الدار بأية وسيلة شاء] وإن حلف: لا يدخل الدار، وفيها شجرة ولها أغصان منتشرة إلى خارج الدار، فتعلق بغصن منها، فصعد عليه.. نظرت: فإن أحاط به سور الدار.. حنث، كما لو دخل من الباب.

стр. 5387

وإن أحاط به السطح لا غير، فإن كان غير محجر.. لم يحنث، وإن كان محجرا.. فعلى الوجهين. وإن كان في الدار نهر، فطرح نفسه فيه من الخارج، وسبح حتى دخل الدار، أو دخل في سفينة، ثم سير السفينة حتى دخلت الدار.. حنث؛ لأنه قد دخل الدار، فهو كما لو دخلها من بابها. [مسألة: حلف على دار لزيد لا يدخلها فباعها ثم دخلها] وإن حلف: لا يسكن دار زيد هذه، أو لا يدخلها، فباعها زيد، ودخلها.. حنث، إلا أن ينوي أن لا يدخلها وهي ملك له، فلا يحنث بدخولها بعد زوال ملكه عنها. وهكذا: لو حلف: لا يكلم عبد زيد هذا، فباعه زيد، ثم كلمه، أو لا يكلم زوجة فلان هذه، فطلقها زيد، ثم كلمها الحالف.. حنث، وبه قال مالك، وأحمد، ومحمد، وزفر. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يحنث في الدار والعبد، ويحنث في الزوجة؛ لأن الدار لا توالى ولا تعادى، وإنما يكون الامتناع لأجل مالكها، فتعلقت اليمين بذلك) . دليلنا: أنه اجتمع في اليمين التعيين والإضافة، فكان الحكم للتعيين، كما قلنا في الزوجة. ولأن العبد يوالي ويعادي، فهو كالزوجة. وإن حلف: لا يدخل دار زيد، ولم يقل: هذه، فباع زيد داره، ودخلها.. لم يحنث. وكذلك: إذا حلف: لا يكلم عبد زيد ولا زوجته، فباع زيد عبده، وطلق زوجته، وكلمهما.. لم يحنث؛ لأن اليمين تعلقت بالإضافة خاصة، وقد زال ملكه عنه.

стр. 5388

وإن قال: والله لا كلمت زيدا هذا، فغير زيد اسمه، وصار يعرف بما غيره إليه، فكلمه بعد ذلك.. حنث؛ لأن الاعتبار بالنفس دون الاسم. [فرع: أقسم لا يدخل دار زيد فدخل دارا يملكها معه عمرو] وإن حلف لا يدخل دار زيد، فدخل دارا يملكها زيد وعمرو.. لم يحنث؛ لأن اليمين معقودة على دار يملكها زيد، وزيد لا يملكها وإنما يملك بعضها. وإن قال: والله لا دخلت بيت زيد، فدخل بيتا يسكنه زيد بإجارة أو إعارة ولا يملكه؛ فإن قال: نويت البيت الذي يسكنه.. حنث. وإن قال: لا نية لي.. لم يحنث. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: (يحنث؛ لأن الدار تضاف إلى ساكنها، كما تضاف إلى مالكها؛ ولهذا: قال الله : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [الطلاق: ١] . وأراد بيوت أزواجهن لسكناهن بهن) . ودليلنا: أن الإضافة إلى من يملك تقتضي إضافة الملك؛ ولهذا لو قال: هذه الدار لزيد.. اقتضى ذلك ملكها. فلو قال: أردت به ملك سكناها.. لم يقبل، فإذا اقتضت الإضافة الملك.. انصرف الإطلاق إليه. وأما الآية: فإنما أضافت بيوت أزواجهن إليهن مجازا لا حقيقة؛ بدليل: أنه يصح نفي الدار عنه، بأن يقال: ما هذه الدار لزيد، وإنما يسكنها. والأيمان إنما تتعلق بالحقائق دون المجاز. وإن قال: والله لا دخلت مسكن زيد، فدخل دارا يسكنها زيد بملك، أو إجارة، أو إعارة.. حنث؛ لأن اسم مسكن زيد يقع على ذلك، إلا أن ينوي مسكنه الذي يملكه، فلا يحنث إلا بدخوله دارا يملكها. قال في " الأم ": (ولو حلف: لا يسكن دارا لزيد، فسكن دارا لزيد فيها شركة لزيد.. لم يحنث، سواء كان له أقلها أو أكثرها؛ لأنها لا تضاف إليه خاصة) .

стр. 5389

[مسألة: حلف لا يدخل دارا فدخل عرصتها] وإن حلف: لا يدخل هذه الدار، فانهدمت وزال بناؤها، فدخلها.. لم يحنث. وكذلك إذا حلف لا يدخل هذا البيت، ثم انهدم وصار عرصة، فدخل عرصته.. لم يحنث. وقال أبو حنيفة: (إذا حلف لا يدخل هذه الدار.. حنث بدخولها بعد هدمها) . ووافقنا في الدار المطلقة وفي البيت؛ أنه لا يحنث بدخول عرصتها بعد هدمها. وقال أحمد في الدار والبيت: (إذا عينها.. حنث بدخولهما بعد هدمهما) . دليلنا: أن كل ما لا يتناوله الاسم في إطلاق اليمين.. وجب أن يخرج منها مع التعيين، كما لو حلف: لا يأكل هذه الحنطة، فطحنت، أو لا يدخل هذا البيت، فخرب. إذا ثبت هذا: فإن أعيدت تلك الدار بغير آلتها، فدخلها.. لم يحنث؛ لأنها غير تلك الدار، وإن أعيدت بتلك الآلة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنها غير تلك الدار. والثاني: يحنث؛ لأنها عادت كما كانت. [مسألة: حلف لا يدخل من باب فنقل من مكانه] قال الشافعي: (ولو حلف: لا يدخل من باب هذه الدار، وهو في موضع، فحول.. لم يحنث، إلا أن ينوي أن لا يدخلها، فيحنث) . وجملة ذلك: أنه إذا حلف: لا يدخل هذه الدار، فدخلها من بابها، أو بسور من سطحها، أو من كوة، أو من نقب، فدخلها.. حنث؛ لأنه قد دخلها.

стр. 5390

وإن قال: والله لا دخلت هذه الدار من هذا الباب، فدخلها من كوة، أو من السطح.. لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها من الباب، قال الشافعي: (إلا أن ينوي أنه لا يدخلها، فيحنث بأي دخول كان) . وإن فُتح لها ممر من موضع آخر، ولم ينصب عليه ذلك المصراع الذي على الباب الأول، فدخل منه.. لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها من الباب الذي حلف عليه. وإن نقل الباب - وهو المصراع الذي كان على الأول - إلى الممر الثاني، ثم دخلها منه.. ففيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: إن دخلها من الممر الأول الذي نصب عليه الباب.. لم يحنث، وإن دخلها من الممر الثاني الذي نصب عليه المصراع الأول الذي كان على الممر الأول وقت اليمين.. حنث؛ لأن الباب هو المصراع. والثاني: منهم من قال: إن دخلها من الممر الأول.. حنث، سواء نقل عنه المصراع أو لم ينقل، وإن دخلها من ممر آخر للدار.. لم يحنث، وهو الأصح؛ لأن الباب: هو الموضع الذي يدخل منه ويخرج، وهو الفتحة فيما دون المصراع المنصوب؛ لأن المصراع المنصوب يراد للمنع من الدخول، ولا يراد للدخول والخروج، وإنما تراد لهما الفتحة، إلا أن ينوي بقوله: (الباب) هو المصراع المنصوب.. فيحنث إذا دخلها من حيث كان منصوبا فيه؛ لأن قوله يحتمل ذلك. وإن قال: والله لا دخلت هذه الدار من بابها، أو لا دخلت من باب هذه الدار، ولها باب، فسد وفتح لها باب آخر، فدخل منه.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من تعلق بظاهر كلام الشافعي، وأنه لا يحنث إلا أن ينوي بأنه لا يدخلها جملة فيحنث؛ لأن الإضافة اقتضت تعريف الباب الموجود وقت اليمين، فصار كما لو قال: والله لا دخلت هذه الدار من هذا الباب.

стр. 5391

ومنهم من قال: يحنث، وهو الأظهر؛ لأن الثاني يقع عليه اسم الباب، فتعلقت به اليمين وإن لم يكن موجودا حال عقد اليمين، كما لو قال: لا دخلت دار زيد، وليس لزيد دارٌ، فملك زيد بعد اليمين دارا، فدخلها.. فإنه يحنث. ومن قال بهذا.. تأول كلام الشافعي على: أنه عين الباب. [فرع: حلفه لا يدخل دارا يقتضي التأبيد] وإن حلف: لا يدخل هذه الدار.. اقتضى إطلاقه التأبيد. فإن قال: نويت يوما أو شهرا، فإن كان يمينه بالطلاق، أو العتاق، أو بالله في الإيلاء.. لم يقبل قوله في الحكم؛ لأنه تعلق به حق لآدمي، وما يدعيه مخالف للظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. وإن كانت يمينه بالله في غير الإيلاء.. قبل قوله في الظاهر والباطن؛ لأنه أمين فيما يجب عليه من حقوق الله . [مسألة: حلف لا يسكن بيتا وهو قروي أو بدوي] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن حلف: لا يسكن بيتا وهو بدوي أو قروي، ولا نية له.. فأي بيت من شعر، أو دم، أو خيمة، أو بيت حجارة، أو مدر، أو ما وقع عليه اسم البيت سكنه.. حنث) . وجملة ذلك: أنه إذا حلف: لا يدخل بيتا، فدخل بيتا مبنيا من حجارة أو لبن أو آجر أو خشب أو قصب.. حنث بذلك، قرويا كان أو بدويا؛ لأنه يقع عليه اسم البيت شرعا ولغة. وإن دخل في دهليز دار، أو صفتها، أو صحنها.. فقد قال بعض أصحابنا:

стр. 5392

لا يحنث؛ لأنه لا يسمى بيتا ولهذا يقال: لم يدخل البيت، وإنما وقف في الدهليز، والصفة، والصحن. وقال صاحب " الفروع ": لا يحنث إلا أن يعد جميع الدار مبنيا، ولا يفرد للبيتوتة موضعا، فيحنث إذا حصل في دهليزها وصفتها. وقال القاضي أبو الطيب: فيه نظر. وأراد: أنه يحنث، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن جميع الدار مهيأ للإيواء. وإن دخل مسجدا، أو البيت الحرام، أو دخل بيتا في الحمام، أو بيعة، أو كنيسة.. لم يحنث. وقال أحمد: (إذا دخل مسجدا، أو البيت الحرام، أو دخل بيتا في الحمام.. حنث؛ لأن المسجد يسمى بيتا. قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] [النور: ٣٦] . وأراد بها: المساجد) . ودليلنا: أن البيت اسم لما بني للسكنى في العرف؛ ولهذا يقال: بيت فلان، ويراد: مسكنه، والمسجد وبيت الحمام لم يبنيا لذلك، فلم ينصرف الإطلاق إليه. وأما الآية: فالجواب: أن المساجد تسمى بيوتا مجازا لا حقيقة، واليمين إنما تنصرف إلى الحقيقة دون المجاز. وإن دخل بيتا من شعر، أو صوف، أو أدم، فإن كان الحالف بدويا.. حنث؛ لأنه بيت في حقه، وإن كان الحالف قرويا لا يسكن هذه البيوت.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو العباس: لا يحنث. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأيمان محمولة على العرف؛ ولهذا لو حلف: لا يأكل الرؤوس.. لم يدخل فيه إلا ما يعتاد أكله من الرؤوس منفردا، وهذه البيوت غير معتادة في حق أهل الأمصار والقرى، فلم يدخل تحت أيمانهم.

стр. 5393

وقال أكثر أصحابنا: يحنث. وهو المنصوص، واختلفوا في تعليله. فقال أبو إسحاق: إنما يحنث؛ لأنها تسمى في البادية بيوتا، وإذا ثبت للشيء عرف اسم في موضع.. ثبت له في جميع المواضع، ألا ترى أنه لو حلف العراقي: لا يأكل الخبز، فأكل خبز الأرز.. حنث وإن كان ذلك غير متعارف في حقه، وإنما هو متعارف في حق الطبري؟ ومن أصحابنا من قال: إنما حنث؛ لأن هذه البيوت المتخذة من هذه الأشياء تسمى: بيوتا في الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] [النحل: ٨٠] . وقال أبو الطيب: التعليل الصحيح: أن هذه تسمى: بيوتا حقيقة، وتسميتها: خيمة ومضربا إنما هو اسم للنوع، واسم البيت حقيقة يشمل الكل، واليمين تحمل على الحقائق. والتعليل الأول لا يصح؛ لأنه يلزمه أن يقول: إذا حلف: لا يركب دابة.. أن يحنث بركوب الحمار؛ لأنه يسمى دابة بمصر. والتعليل الثاني لا يستقيم؛ لأن المساجد سماها الله تعالى بيوتا بقوله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] [النور: ٣٦] ، ومع هذا فلا يحنث بدخولها. [فرع: علق طلاق زوجته على دخول دار زيد بغير إذنه] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (إذا قال: إن دخلت دار زيد إلا بإذنه.. فامرأتي طالق، فإن أذن له زيد بالدخول.. ارتفعت اليمين، دخلها أو لم يدخلها، فإن دخلها.. بر في يمينه، فإن دخلها بعد ذلك بغير إذنه.. لم يحنث، فإن منعه زيد من الدخول بعد الإذن وقبل الدخول.. لم يقدح) . قال ابن الصباغ: وفيه نظر؛ لأن رجوعه عن الإذن يبطله، ويكون داخلا بغير إذنه، ولهذا يأثم فيه، ومجرد الإذن لا يحل اليمين؛ لأن المحلوف عليه الدخول دون الإذن.

стр. 5394

[فرع: حلف لا يركب دابة عبد فخصه سيده بدابة] ] : وإن حلف: لا يركب دابة هذا العبد، فركب دابة جعلها سيده لركوب العبد.. لم يحنث. وقال أبو حنيفة: (يحنث) . وهكذا: لو حلف: لا يركب دابة زيد، فركب دابة لزيد جعلها لركوب عبده.. حنث. وقال أبو حنيفة: (لا يحنث) . دليلنا: أن العبد لا يملكها، والإضافة تقتضي الملك في حق من يملك، كما لو ركب دابة استعارها المحلوف عليه. فإن ملكه سيده دابة، فركبها الحالف، فإن قلنا: يملك العبد بالتمليك.. حنث الحالف، وإن قلنا: لا يملك.. لم يحنث. وإن حلف: لا يركب دابة زيد، فركب دابة مكاتبه.. لم يحنث؛ لأن السيد لا يملكها، ولا ينفذ تصرفه فيها. وإن حلف: لا يركب دابة للمكاتب.. قال ابن الصباغ: فأكثر أصحابنا قالوا: إذا ركب دابة المكاتب.. حنث؛ لأن المكاتب يملك التصرف فيها دون سيده. وذكر الشيخ أبو حامد: أنا إذا قلنا: إن العبد لا يملك.. يحتمل أن يقال: لا يحنث؛ لأن المكاتب لا يملكها. قال ابن الصباغ: والأول أظهر؛ لأن الدابة إذا لم تضف إلى سيد المكاتب.. لا بد أن تكون مضافة إلى المكاتب. [مسألة: حلف لا يأكل قمحا فأكله طحينا] وإن حلف: لا يأكل خضرة الحنطة، أو لا يأكل منها، فطحنها، فأكلها.. لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة.

стр. 5395

وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث. وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أبي العباس؛ لأن الحنطة تؤكل هكذا، فهو كما لو حلف لا يأكل هذا الكبش، فذبحه فأكله، أو كما لو حلف لا يأكل هذا اللحم فشواه وأكله. ودليلنا: أن اسم الحنطة زال بالطحن.. فزال تعلق اليمين بها، كما لو حلف: لا أكلت من هذه الحنطة، فزرعها وأكل من حشيشها. وكذلك إذا حلف: لا أكلت هذه البيضة، فصارت فرخا فأكله، ويخالف الكبش؛ فإنه لا يمكن أكله حيا، ولا يشبه اللحم أيضا؛ لأن اسم اللحم وصورته لم تزل. وإن حلف: لا أكلت هذا الدقيق، فعجنه وخبزه وأكله، أو لا أكلت هذا العجين فخبزه وأكله.. لم يحنث.. وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو العباس: يحنث. والأول أصح؛ لما ذكرناه في التي قبلها. [فرع: حلف لا يكلم الصبي فكبر] وإن قال: والله لا كلمت هذا الصبي، فصار شابا، فكلمه، أو لا أكلم هذا الشاب، فصار شيخا، فكلمه، أو لا آكل من لحم هذا الجدي، فصار تيسا، وأكل من لحمه، أو لا آكل من هذه البسرة فصارت رطبة فأكلها، أو لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرة فأكلها.. فهل يحنث في جميع ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأن الاسم قد زال، فأشبه إذا قال: لا أكلت هذه الحنطة، فطحنها وأكلها. والثاني: يحنث؛ لأن صورتها لم تزل، وإنما تغيرت الصفة، فأشبه إذا حلف: لا يأكل اللحم، فشواه وأكله. هذا مذهبنا.
следующие страницы →