← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

ولدت يوم الجمعة، وقالت: طلقتني يوم الخميس، وقال الزوج: بل طلقتك يوم السبت.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن هذا اختلاف في قوله، وهو أعلم به. المسألة الثانية: إذا اتفقا على وقت الطلاق، واختلفا في وقت الولادة، مثل: أن اتفقا: أنه طلقها يوم الجمعة، وقالت الزوجة: ولدت يوم السبت، وقال الزوج: بل ولدت يوم الخميس.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الولادة من فعلها، وهي أعلم بها. المسألة الثالثة: إذا قال الزوج: طلقتك بعد الولادة، فقالت هي: بل طلقتني قبل الولادة، ولم يتفقا على وقت الولادة، ولا على وقت الطلاق.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء العدة عليها. المسألة الرابعة: إذا جهلا جميعا أن الطلاق وقع قبل الولادة أو بعدها، ولم يدعيا سبق أحدهما.. فعليها العدة بالأقراء؛ لأن الأصل بقاؤها، وله أن يراجعها، والورع أن لا يراجعها؛ لاحتمال أن تكون الولادة بعد الطلاق. المسألة الخامسة: إذا علم أحدهما، وجهل الآخر، مثل: أن قال الزوج: طلقتك بعد الولادة، وقالت: لا أعلم، هل طلقتني قبل الولادة، أو بعدها.. قلنا: ليس هذا بجواب، إما أن تجيبي بتصديقه أو تكذيبه، وإلا جعلناك ناكلة، وحلف، وكانت عليك العدة. ولو كانت هي العالمة، وهو الجاهل، مثل: أن قالت: طلقتني، ثم ولدت بعده، وقال الزوج: لا أدري، هل طلقت قبل الولادة، أو بعدها.. قلنا له: إما أن تجيب بتصديقها أو تكذيبها، وإلا.. جعلناك ناكلا، وحلفناها، وحكمنا بانقضاء عدتها، كما نقول فيمن ادعى على رجل دينا، فقال المدعى عليه: لا أدري.. فإنه يقال له: إما أن تصدقه، وإما أن تكذبه، وإلا.. جعلناك ناكلا، ويحلف المدعي، ويستحق.

стр. 5567

[مسألة اختلاف المطلقة وزوجها في مكان الإقامة] ] . روى المزني عن الشافعي: (لو صارت إلى منزل أو بلد بإذنه، ولم يقل لها: أقيمي، ولا: لا تقيمي، ثم طلقها، فقال: لم أنقلك، فقالت: نقلتني.. فالقول قولها) . وجملة ذلك: أنه إذا أذن لها في الخروج إلى منزل أو بلد، ثم طلقها، واختلفا: فقالت: نقلتني إلى هذا الموضع، وقال: ما نقلتك.. فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال بظاهر ما نقله المزني، وأن القول قولها؛ لأن إذنه لها في المضي إلى الموضع ظاهره الانتقال، فكانت دعواها موافقة للظاهر. وقال أبو إسحاق: إن قال لها: انتقلي إلى المنزل الفلاني، أو اذهبي، أو صيري إليه، أو أقيمي فيه، ثم اختلفا: فقالت: نقلتني للسكنى فيه، وقال: بل نقلتك إليه للإقامة فيه مدة.. فالقول قولها؛ لأن الظاهر من قوله: (أقيمي) أنه أراد على التأبيد. وإن قال لها: اذهبي إليه، أو صيري إليه، أو امضي إليه، ولم يقل: أقيمي.. فالقول قول الزوج؛ لأنه يحتمل النقلة للسكنى وللإقامة مدة، فكان القول قول الزوج، وحمل النص على الأولى دون الثانية. ومن أصحابنا من قال: الحكم كما ذكر أبو إسحاق؛ لأن المزني نقل: (القول قولها) في المسألتين معا؛ لأنه قال: (ولم يقل لها: أقيمي، ولا: لا تقيمي) ، إلا أن ما نقله أخطأ فيه، وإنما القول قولها إذا اختلفت هي وورثة الزوج؛ لأنها استوت هي والورثة في قصد الزوج، إلا أن الظاهر معها؛ لأن الأمر بالخروج يقتضي خروجا من غير عودة، فكان القول قولها. والله أعلم بالصواب

стр. 5568

[باب استبراء الأمة وأم الولد] إذا ملك الرجل أمة بابتياع، أو هبة، أو ميراث، أو غنيمة.. لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، بكرا أو ثيبا، يوطأ مثلها أو لا يوطأ، ممن يحمل مثلها أو لا يحمل، وبه قال عمر، وعثمان، وابن مسعود، وهو قول أبي حنيفة. وقال ابن عمر: (إن كانت بكرا.. فلا يجب عليه استبراؤها، وإن كانت ثيبا.. وجب عليه استبراؤها) . وبه قال داود وشيعته.

стр. 5569

وقال مالك: (إن كانت ممن يوطأ مثلها.. لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها، وإن كانت ممن لا يوطأ مثلها.. لم يجب عليه استبراؤها) . وقال الليث بن سعد: (إن كانت ممن يحمل مثلها.. فلا توطأ حتى تستبرأ، وإن كانت ممن لا يحمل مثلها.. فإنها لا تستبرأ) . دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي- ﷺ قال عام أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض حيضة» وروي: «ولا غير حامل حتى تحيض» . ولم يفرق بين الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، وبين من تحبل ومن لا تحبل. ولأنه ملك استمتاع جارية بملك اليمين بعد أن كانت محرمة عليه، فوجب عليه استبراؤها، كالثيب مع داود، وكمن يوطأ مثلها مع مالك، وكمن تحبل مثلها مع الليث. فقولنا: (بملك اليمين) احتراز منه إذا تزوجها. وقولنا: (بعد أن كانت محرمة عليه) احتراز منه إذا اشترى زوجته.

стр. 5570

[مسألة ما يعتد من طهرها] وإذا وجب أن يستبرئ الأمة.. فلا يخلو: إما أن تكون حاملا، أو حائلا. فإن كانت حاملا.. لم يحصل الاستبراء إلا بوضع الولد؛ لحديث أبي سعيد. وإن كانت حائلا.. فلا تخلو: إما أن تكون ممن تحيض، أو ممن لا تحيض. فإن كانت ممن يحيض.. وجب استبراؤها بقرء، وفي القرء قولان، ومن أصحابنا من يحكيهما وجهين: أحدهما: أنه طهر؛ لأنه استبراء بقرء، فكان القرء هو الطهر، كما قلنا في العدة. والثاني: أن القرء هو الحيض، وهو الأصح؛ لقوله- ﷺ : «ولا حائل حتى تحيض حيضة» ، ولأن القرء يراد لمعرفة براءة الرحم، فإذا لم يكن بد من أحدهما.. كان بالحيض أولى؛ لأنه أدل على براءة الرحم، ويخالف الأقراء في العدة، فإنها تتكرر، ويتخللها الحيض. فإذا قلنا: إن القرء هو الطهر.. فلا يخلو: إما أن تكون حال وجوب الاستبراء طاهرا، أو حائضا. فإن كانت طاهرا.. فإنها تعتد ببقية الطهر قرءا، فإذا طعنت في الحيض.. فقد حصل القرء، إلا أنها لا يحل وطؤها، ولا تخرج من حكم الاستبراء حتى تطهر من الحيض، لتكون مضاهية للمعتدة، بأن يمر عليها الطهر المحسوب قرءا وحيضة على وجه التبع، فيعلم بذلك براءة رحمها. وإن كانت حال وجوب الاستبراء حائضا.. فإنها لا تعتد ببقية الحيض قرءا؛ لأن القرء الطهر، فإذا طهرت.. فقد طعنت في القرء، فإذا رأت الدم بعد الطهر.. فقد خرجت من الاستبراء؛ لأن في هذا الموضع قد تكرر رؤية الدم، فقويت المعرفة ببراءة رحمها، بخلاف الأولى، فإن رؤية الدم لم تتكرر.

стр. 5571

وإذا قلنا: إن القرء الحيض، فإن كانت حال وجوب الاستبراء طاهرا.. لم تعتد ببقية الطهر؛ لأنا قلنا: إن القرء الحيض، فإذا طعنت في الحيض.. دخلت في القرء، فإذا طهرت.. خرجت من الاستبراء، وحلت. وإن كانت حال وجوب الاستبراء حائضا.. لم تعتد ببقية الحيض قرءا، فإذا طهرت وطعنت في الحيض بعده.. دخلت في القرء، فإذا طهرت.. خرجت من الاستبراء، وحلت. فإن قيل: فلم قلتم: تعتد ببقية الطهر قرءا على القول الأول، ولا تقولون: تعتد ببقية الحيض قرءا على هذا؟ قلنا: لا نقول هذا؛ لأن النبي- ﷺ قال: «حتى تحيض حيضة» . وبعض الحيض لا يسمى حيضة. ولأن بعض الطهر إنما اعتد به قرءا؛ لأنا قد قلنا: لا بد أن يتعقبه حيضة كاملة تدل على براءة رحمها، وبعض الحيضة لا يتعقبه إلا الطهر، والطهر لا يدل على براءة رحمها، وإنما يدل عليه الحيض. وإن وجب الاستبراء وهي ممن تحيض، فارتفع حيضها.. فهو كما لو ارتفع حيضها في العدة، على ما بيناه. وإن وجب استبراؤها وهي ممن لا تحيض لصغر أو كبر.. ففيه قولان: أحدهما: أنها تستبرأ بشهر؛ لأن كل شهر في مقابلة قرء في حق المعتدة، فكذلك هذا مثله. والثاني: تستبرأ بثلاثة أشهر، وهو الأصح؛ لأن براءة الرحم لا تحصل في الشهور إلا بذلك. [فرع تبقى الجارية في يد المشتري لاستبرائها] وتكون الجارية في يد المشتري زمن الاستبراء، سواء كانت جميلة أو قبيحة. وقال مالك: (إن كانت جميلة.. لم تكن في يد المشتري، وإنما تترك في يد

стр. 5572

عدل، وإن كانت قبيحة.. كانت في يد المشتري؛ لأنه لا يؤمن أن يطأ الجميلة قبل الاستبراء، ويؤمن ذلك في القبيحة) . دليلنا: قوله- ﷺ : «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» . والنهي إنما يتوجه على من كان متمكنا من الوطء. ولأنه استبراء لاستحداث ملك، فوجب أن يكون في يد من حدث له الملك، كما لو كانت قبيحة. وما ذكره.. غير صحيح؛ لأنه لا يؤمن أن يطأ القبيحة الوحشة أيضا، كما لا يؤمن ذلك في الجميلة. [مسألة استبراء الوثنية] إذا اشترى أمة مجوسية أو وثنية، فاستبرأها وهي مشركة، ثم أسلمت.. لم يعتد بذلك الاستبراء. وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنها تعتد به. والمشهور هو الأول؛ لأنه استبرأها في وقت لا يحل له وطؤها، فلم يعتد به. فإن استبرأ المجوسية وكاتبها، فأسلمت، ثم حاضت بعد الإسلام، ثم عجزت عن أداء المال، ورجعت إلى ملكه.. لم تعتد باستبرائها في حال الكتابة والإسلام؛ لأنها كانت مدتها محرمة عليه بالكتابة. [فرع الاستبراء للاستباحة] وإن اشترى أمة مرتدة أو ذات زوج، فاستبرأها في هذه الحال.. لم يصح استبراؤها؛ لأن الاستبراء يراد للاستباحة، ولا توجد الاستباحة في هذه الأحوال. وإن استبرأ أمة معتدة.. فقال الشيخ أبو إسحاق: لا يصح استبراؤها، كالمرتدة. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يلزمه استبراؤها بعد عدتها؟ فيه قولان.

стр. 5573

وإن اشترى العبد المأذون له في التجارة أمة.. فالملك فيها للسيد، فإن أراد السيد وطأها، فإن لم يكن على المأذون له في التجارة دين.. كان له ذلك، ويصح استبراؤها. وإن كانت في يد العبد، فإن كان على المأذون له دين.. لم يكن للسيد وطؤها؛ لأن الدين متعلق بها، فهي كالمرهونة، وقد تحبل بوطء السيد، فتتلف. وإن استبرئت قبل قضاء الدين، ثم قضي الدين.. لم يعتد بالاستبراء الأول؛ لأنه لم يعقب إباحة، فلم يعتد به. وهكذا: لو اشترى الرجل أمة، فرهنها قبل الاستبراء، ثم استبرأها وهي مرهونة، ثم قضى الدين أو أبرأه منه المرتهن.. فإنه لا يعتد بالاستبراء؛ لأنه لم يعقب إباحة، فلم يعتد به. [مسألة وضعت قبل التفرق من البيع] قال الشافعي: (ولو لم يفترقا حتى وضعت حملا.. لم تحل حتى تطهر من نفاسها، ثم تحيض حيضة مستقبلة) . وجملة ذلك: أنه إذا اشترى أمة وقبضها، فولدت أو حاضت بعد انقضاء الخيار.. حصل الاستبراء، وإن قبضها، ثم ولدت أو حاضت قبل انقضاء خيار المجلس أو خيار الثلاث، فإن قلنا: إن المشتري لا يملكها قبل انقضاء الخيار.. لم يعتد بهذا عن الاستبراء؛ لأنه وجد وهي في ملك البائع، وإن قلنا: إن المشتري يملكها نفس بالعقد، أو قلنا: إنه موقوف، واختار الإجازة.. ففيه وجهان: أحدهما: يعتد به، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره؛ لأن الاستبراء حصل وهي في ملكه. والثاني: لا يعتد به؛ لأن ملكه كان غير مستقر؛ لأن للبائع أن يسترجعها.

стр. 5574

وإن استبرأها بعد انقضاء الخيار وقبل القبض، أو أوصى له بها وقبل الوصية واستبرأها قبل القبض.. فهل يعتد به؟ فيه وجهان: أحدهما: يعتد به، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن الشافعي قال: (حتى تطهر من النفاس، وتحيض حيضة) . ولم يشترط القبض. ولأنه استبرأها بعد تمام الملك، فأشبه إذا كان بعد القبض. والثاني: لا يعتد به؛ لأن الشافعي قال: (والاستبراء: أن تمكث عند المشتري طاهرا بعد ملكها) ، ولأن ملكه قبل القبض غير مستقر. وإن وهبت له الجارية، واستبرأها قبل القبض.. لم يعتد به؛ لأنه استبرأها قبل أن يملكها. وإن ورثها واستبرأها قبل القبض.. اعتد به؛ لأن الموروث قبل القبض كالمقبوض في تمام الملك وجواز التصرف فيه. [مسألة تزوج أمة ثم اشتراها انفسخ النكاح] إذا تزوج الحر أمة، ثم اشتراها.. انفسخ النكاح، والمنصوص: (أنه لا يلزمه استبراؤها) . وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه يلزمه. وليس بشيء؛ لأن الاستبراء يراد لئلا يختلط الماءان، ويفسد النسب، وهاهنا الماءان له، فلا يؤدي إلى ذلك. قال الشافعي: (وأستحب له أن يستبرئها) . وإنما استحب ذلك لمعنيين: أحدهما: أنها قد تكون حاملا وقت الشراء، فلا تصير به أم ولد، وإذا حملت بعد الشراء.. صارت به أم ولد؛ فاستحب الاستبراء؛ لتمييز حكمها. والثاني: أن الولد الذي حملت به قبل الشراء يملكه، ويعتق عليه، ويكون له عليه

стр. 5575

الولاء، والولد الذي تحمل به بعد الشراء لا يملكه، ولا يعتق عليه، ولا يثبت له عليه الولاء، فاستحب استبراؤها؛ لتمييز حكم الولد في ذلك. [مسألة ملك أمة ثم باعها ولزم البيع ثم تقايلا] إذا ملك الرجل أمة، ثم باعها من رجل أو امرأة أو خصي، ولزم البيع بينهما، ثم تقايلا البيع، وعادت إلى البائع.. فلا يجوز له وطؤها حتى يستبرئها، سواء قبضها المشتري أو لم يقبضها. وقال أبو يوسف: إن كان المشتري قد قبضها.. فلا يجوز للبائع وطؤها حتى يستبرئها. وإن لم يقبضها.. فالقياس: أنه يستبرئها، ولكن جوزنا له أن لا يستبرئها استحسانا. وهذا غلط؛ لأنها حرمت عليه بعقد معاوضة، وحلت له بفسخه، فوجب عليه استبراؤها، كما لو كان بعد القبض. [فرع كاتبها فعجزت ورجعت إليه] وإن كاتب الرجل أمته، فعجزت ورجعت إلى ملك سيدها، أو ارتد السيد أو الأمة أو ارتدا وعاد المرتد إلى الإسلام، أو زوج أمته وطلقها الزوج قبل الدخول.. لم يجز له وطؤها قبل استبرائها. وقال أبو حنيفة: (يحل له في جميع هذه المسائل قبل الاستبراء) . دليلنا: أنه عاد ملكه على استمتاعها بعد أن حرم عليه، فوجب عليه استبراؤها، كما لو باعها، ثم اشتراها. وإن زوج أمته، ودخل بها الزوج، وطلقها، واعتدت عن الزوج.. فهل يجب على السيد استبراؤها بعد انقضاء عدتها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه؛ لأنه تجدد له الملك على استمتاعها، فوجب عليه استبراؤها، كما لو باعها، ثم اشتراها.

стр. 5576

والثاني: لا يجب عليه استبراؤها، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة؛ لأن الاستبراء يراد لبراءة رحمها، وقد حصل ذلك بالعدة. وإن كانت له أمة، فرهنها، ففك الرهن.. لم يجب عليه استبراؤها؛ لأنها لم تخرج من ملكه، وإنما حرم عليه استمتاعها لعارض، وقد زال العارض، فلم يجب عليه الاستبراء، كما لو أحرمت بالحج أو صامت. [مسألة يحرم الوطء قبل الاستبراء] وإذا ملك الرجل أمة.. حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء؛ لحديث أبي سعيد، وهل يحل له التلذذ بها بغير وطء، كالقبلة، واللمس، والنظر بشهوة؟ ينظر فيها: فإن ملكها بغير السبي.. لم يحل له ذلك؛ لأنا إنما منعناه من الوطء مخافة أن تكون أم ولد لغيره، وهذا المعنى موجود في القبلة واللمس والنظر بشهوة. وإن ملكها بالسبي.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له تقبيلها، ولا لمسها، ولا النظر إليها بشهوة؛ لأن من حرم وطؤها بحكم الاستبراء.. حرم التلذذ بها بالقبلة واللمس والنظر بشهوة، كما لو ملكها بغير السبي، وفيه احتراز من امرأته الحائض، فإنه حرم وطؤها بغير حكم الاستبراء، فيجوز التلذذ بها بغير الوطء. والثاني: لا يحرم عليه ذلك، وهو الأصح؛ لما روي عن ابن عمر: أنه قال (وقع في سهمي من سبي جلولاء جارية، كأن عنقها إبريق فضة، فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون) ، ولأن المسبية أمته، حائلا كانت أو حاملا، وإنما

стр. 5577

حرم وطؤها؛ لئلا يختلط ماؤه بماء مشرك، وهذا لا يوجد في التلذذ بها بغير الوطء، بخلاف غير المسبية، فإنها يجوز أن لا تكون أمته. [فرع وجوب العدة على زوجته إن وطئت بشبهة] وإن كان لرجل زوجة، ووطئها غيره بشبهة.. فإنه يجب عليها العدة، ولا يجوز للزوج وطؤها في حال عدتها؛ لئلا يختلط الماءان، ويفسد النسب، وهل يحرم عليه التلذذ بها بالقبلة واللمس والنظر بشهوة؟ فيه وجهان، كالتي قبلها. [مسألة وجوب الاستبراء على المشتري] ] : وإذا ملك الرجل أمة، وأراد بيعها.. فإنه لا يجب عليه استبراؤها، وإنما يجب ذلك على المشتري. وقال عثمان البتي: الاستبراء يجب على البائع دون المشتري. دليلنا: ما روي: «أن النبي- ﷺ نهى أن توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» . وهذا أمر للمشتري بالاستبراء؛ لأنه قال: " لا «توطأ حامل حتى تضع» . والنهي يقتضي التحريم، والوطء إنما يكون محرما قبل الاستبراء على المشتري، فأما البائع: فلا يحرم عليه الوطء قبل الاستبراء، وإنما يقال له: إن اخترت بيعها.. فلا تبع حتى تستبرئها، وإن وطئتها.. فاستأنف الاستبراء. ولأنه علق التحريم بغاية، وهو الوضع والحيض، فدل على: أنه إذا وجدت الغاية.. ارتفع تحريم الوطء، وهذا المعنى لا يوجد إلا في حق المشتري، فأما البائع: فإنها إذا وضعت أو حاضت.. لم يرتفع التحريم في حقه على قول من أوجب

стр. 5578

الاستبراء عليه. ولأن المشتري ملك الاستمتاع بجارية بملك اليمين بعد تحريمها عليه، فوجب عليه استبراؤها، كالمسبية. [فرع استبراء المشتري لازم] وإذا اشترى أمة.. فلا يجوز له وطؤها حتى يستبرئها، سواء استبرأها البائع أو لم يستبرئها، وسواء إن اشتراها من امرأة أو من ولي طفل أو من رجل خصي؛ لحديث أبي سعيد الخدري، وهو إجماع. وإن وطئ الرجل أمته، ثم باعها قبل أن يستبرئها، وأراد المشتري أن يزوجها.. لم يصح حتى يستبرئها قبل النكاح. وكذلك: لو اشترى أمة واستبرأها، ووطئها، وأراد أن يزوجها.. لم يصح النكاح حتى يستبرئها قبل النكاح. وكذلك: لو اشترى أمة من رجل، ووطئها، وباعها قبل الاستبراء، فأعتقها المشتري قبل أن يستبرئها، وأراد أن يتزوج بها سيدها الذي أعتقها.. لم يصح حتى يستبرئها. وقال أبو حنيفة في هذه الثلاث المسائل: (يجوز النكاح قبل الاستبراء) . وقيل: إن الرشيد ابتاع جارية، وأراد وطأها في الحال، فقيل له: لا يجوز لك ذلك قبل الاستبراء، فتاقت نفسه إليها، فسأل أبا يوسف عن ذلك، فقال له: أعتقها، وتزوجها، ففعل ذلك، وعظم شأن أبي يوسف عنده بذلك. دليلنا: ما روي: أن النبي- ﷺ قال: «لا تسق ماءك زرع غيرك» . وأراد به:

стр. 5579

في الوطء، وهذا الزوج إذا وطئها.. فقد سقى ماءه زرع غيره؛ لأن البائع أو المشتري قد وطئها قبله، ولم تستبرأ، ولا يؤمن أن تكون حاملا. وروى أنس: أن النبي- ﷺ قال: «لا يحل للرجلين أن يتشاركا في وطء امرأة في طهر واحد» . وهذا الزوج إذا وطئها.. فقد اشتركا في طهر واحد. ولأنه وطء له حرمة، فلم يجز لغير الواطئ نكاحها، كالموطوءة بنكاح. وإن اشترى الرجل أمة من امرأة، أو أمة طفل لا يجامع مثله، أو من خصي، أو من رجل فحل وطئها، إلا أن البائع استبرأها قبل البيع.. فيجوز للمشتري أن يتزوجها ويزوجها غيره قبل الاستبراء، وإن أعتقها المشتري.. كان له أن يتزوجها قبل الاستبراء أيضا. هذا نقل البغداديين من أصحابنا. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا استبرأها البائع.. فهل يجوز للمشتري أن يزوجها غيره قبل الاستبراء، وهل يجوز له أن يتزوجها إذا أعتقها قبل أن يستبرئها؟ فيه وجهان، الأصح: أنه يجوز. فإن قيل: فقد منعتموه من وطئها في هذه المسائل قبل الاستبراء، فكيف يجوز له إنكاحها ونكاحها؟ قلنا: الفرق بينهما: أنه لا ضرر على أحد بترك الاستبراء في النكاح، والظاهر براءة رحمها من ماء كل أحد، ولو أتت بولد من غير الزوج.. أمكنه نفيه باللعان، وليس كذلك وطؤه بملك اليمين قبل الاستبراء؛ لأن على المشتري ضررا بذلك؛ لأنها لو أتت بولد لأقل من مدة الحمل.. لحقه، ولا ينتفي عنه باللعان، وإنما ينتفي ولد الأمة عن سيدها، بأن يدعي: أنه استبرأها، ويحلف عليه، وإذا لم يكن استبرأها.. لم يمكنه أن يحلف عليه. ولأن الاستبراء لحق الملك إنما يكون عقيب الملك، فلم يعتد بما تقدم من الاستبراء، والاستبراء في النكاح يكون قبل النكاح، وهو العدة، وقد تقدم الاستبراء، فوجب أن يعتد به.

стр. 5580

[مسألة أم الولد تستبرأ بقرء ولا عدة وفاة عليها] ] : إذا أعتق الرجل أم ولده في حياته، أو عتقت بموته.. لزمها أن تستبرئ بقرء، كالمسبية، ولا يلزمها عدة الوفاة بموته، وبه قال من الصحابة: ابن عمر، وعائشة، وهو قول الشعبي، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد. وقال أبو حنيفة: (يلزمها أن تعتد بثلاثة أقراء، كالحرة إذا طلقت) . وبه قال ابن مسعود. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: (إذا مات عنها سيدها.. لزمها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا) وبه قال داود، وأحمد. دليلنا: أنه استبراء بحكم ملك اليمين، فكان قرءا، كالمسبية.

стр. 5581

وعلى عبد الله بن عمرو: أن عدة الوفاة إنما تجب عن نكاح صحيح، وأم الولد ليست بزوجة لسيدها، فلم يلزمها عدة الوفاة، كما لو تزوج امرأة تزويجا فاسدا، ووطئها، ومات عنها. [فرع تزويج أم الولد] إذا كان للرجل أم ولد، وأراد تزويجها.. فهل يصح؟ وفيه ثلاثة أقوال، مضى ذكرها في (عتق أمهات الأولاد) . فإذا قلنا: لا يصح.. فلا كلام. وإن قلنا: يصح.. فلا يجوز تزويجها حتى يستبرئها قبل النكاح؛ لأنها قد صارت فراشا له، فإذا زوجها السيد، ثم مات عنها السيد أو أعتقها وهي تحت الزوج أو في عدة منه.. فإنه لا يلزمها الاستبراء عن السيد. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : وخرج ابن سريج وجها آخر: أنه يلزمها الاستبراء بعد فراغها من حق الزوج. والمنصوص هو الأول؛ لأنها ليست بفراش للسيد، فلم يلزمها الاستبراء عنه، كالأجنبي. وإن مات زوجها، واعتدت عنه عدة الوفاة وسيدها باق.. فالمنصوص: (أنها تعود فراشا لسيدها، ولا يلزمه استبراؤها بعد انقضاء عدتها) . قال ابن خيران: فيها قول آخر: أنها لا تعود فراشا للسيد حتى يستبرئها بعد انقضاء عدتها من الزوج ويطأها؛ لأنها حرمت عليه بعقد معاوضة، وحلت بفسخه، فلم تحل له قبل الاستبراء، ولا تعود فراشا له إلا بالوطء، كما لو وطئ أمته، ثم باعها، ثم اشتراها أو كاتبها، ثم عجزت ورجعت إلى ملكه. والأول أصح؛ لأن ملكه لم يزل عنها، وإنما حرمت عليه لعارض، وقد زال العارض، وعادت فراشا له، فلم يجب عليه استبراؤها، كالمرهونة.

стр. 5582

وإن مات سيدها بعد انقضاء عدتها.. فعلى قول الشافعي: يجب عليها أن تستبرئ عن سيدها بقرء؛ لأنها قد عادت فراشا له، وعلى القول الذي حكاه ابن خيران: لا يجب عليها أن تستبرئ عنه، بل لها أن تتزوج في الحال؛ لأنها لم تعد فراشا له. وإن استبرأ الرجل أم ولده، ثم أعتقها أو مات عنها.. قال المسعودي [في " الإبانة "] : فهل يجوز لها أن تتزوج قبل الاستبراء؟ فيه وجهان، كما قال: إذا استبرأ البائع الجارية.. زوجها المشتري قبل الاستبراء. والذي يقتضي قياس قول أصحابنا البغداديين هاهنا: أنه يجوز لها أن تتزوج قبل الاستبراء؛ قياسا على قولهم هناك. [فرع زوج أم ولد ومات السيد والزوج] وإن زوج الرجل أم ولده - إذا قلنا: يصح - ومات السيد والزوج، ولم يعلم السابق منهما.. ففيه ثلاث مسائل: إحداهن: أن يكون بين موتهما شهران وخمسة أيام بلياليها فما دون، إذا قلنا: إن عدة الأمة في الوفاة شهران وخمس ليال.. فيجب عليها هاهنا أن تعتد من أبعدهما موتا بأربعة أشهر وعشر، ولا يعتبر أن يكون فيها حيضة؛ لأن السيد إذا كان مات أولا.. فقد مات وهي مزوجة، ولا يجب عليها استبراء على المذهب الصحيح، خلافا لابن سريج. وإذا مات الزوج بعده.. لزمها أن تعتد عنه عدة الحرائر أربعة أشهر وعشرا. وإذا مات الزوج أولا.. فقد مات السيد وهي في عدة الزوج، ولا يلزمها الاستبراء عنه على المذهب أيضا، وقد عتقت بموت السيد في أثناء العدة، وهل يلزمها إتمام عدة الحرة؟ على قولين. فإذا احتمل الأمر هذين الحالين.. لم يجب عليها الاستبراء بالقرء عن السيد؛ لأنه

стр. 5583

لم يجب عليها بحال، ووجب عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من بعد آخرهما موتًا؛ ليسقط الفرض عنها بيقين. المسألة الثانية: إذا كان بين موتهما أكثر من شهرين وخمسة أيام بلياليها.. فإنه يجب عليها أن تعتد هاهنا بأكثر الأمرين من أربعة أشهر وعشر وقرء؛ لأن السيد إن مات أولًا.. فقد عتقت بموته، ولا يلزمها الاستبراء عنه، ولكن يلزمها أن تعتد عن الزوج عدة الحرائر أربعة أشهر وعشرًا، وإن مات الزوج أولًا.. فعدتها عنه شهران وخمسة أيام، فإذا مات السيد بعد انقضاء عدتها من الزوج.. عادت فراشًا للسيد على المذهب، خلاف لما حكاه ابن خيران، فإذا مات السيد.. لزمها الاستبراء عنه بقرء. وإذا احتمل الأمر هذين الحالين.. لزمها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر فيها قرء؛ ليسقط الفرض عنها بيقين. وحكى أبو إسحاق المروزي، عن بعض أصحابنا: أنه قال: ينبغي أن يكون القرء بعد شهرين وخمسة أيام من هذه الأربعة الأشهر والعشر؛ لأنه يمكن أن يكون الزوج مات أولًا، فتحتاج أن تعتد عنه بشهرين وخمسة أيام؛ ثم مات السيد بعده.. فلزمها الاستبراء عنه بقرء بعده؛ لئلا يجتمع الاستبراء عن السيد والاعتداد عن الزوج في زمان واحد. وقال عامة أصحابنا: لا فرق بين أن يوجد القرء في الشهرين الأولين، أو فيما بعدهما؛ لأن السيد إن مات أولًا.. فلا قرء عليها، وإن مات الزوج أولًا.. فقد مات السيد بعد مضي عدة الزوج، فلا تجتمع عدتهما. المسألة الثالثة: إذا أشكل الأمر، ولم يعلم: هل كان بين موتهما شهران وخمسة أيام بلياليها، أو أكثر من ذلك؟ فيجب عليها هاهنا أن تأخذ بأغلظ الأمرين، وهو: إن كان بين موتهما أكثر من شهرين وخمسة أيام بلياليها.. فتعتد بأكثر الأمرين من أربعة أشهر وعشر أو قرء؛ ليسقط الفرض بيقين، وإن كانت ممن لا تحيض.. يكفيها أربعة أشهر وعشر. إذا ثبت هذا: فنقل المزني عن الشافعي، قال: (وإن مات أحدهما قبل الآخر

стр. 5584

بيوم أو يومين، أو شهرين وخمس ليال، أو أكثر.. فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من عند آخرهما موتًا، فيها حيضة) . فقال المزني: هذا عندي غلط، بل عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر بلا حيضة إذا كان بين موتهما شهران وخمس ليال فما دون. قال أصحابنا: الفقه كما ذكره المزني، وهو مراد الشافعي، وما نقله.. فتأويله: أنه جمع بين المسائل، وأجاب عن الأخيرة، وهي: إذا كان بين موتهما أكثر من شهرين وخمس ليال، وقد يفعل مثل ذلك. [فرع لا ترث أم الولد حتى تستيقن وفاة سيدها] ] . قال الشافعي: (ولا ترث زوجها حتى تستيقن أن سيدها مات قبل زوجها، فترثه) . وجملة ذلك: أن السيد إذا زوج أم ولده، ومات السيد والزوج، ولم يعلم أيهما مات أولًا.. فإنه لا ميراث لها من الزوج، ولا يوقف لها من ماله شيء؛ لأن الأصل فيها الرق وعدم ميراثها، فلم ترث، ولم يوقف لها من مال الزوج شيء بالشك. [فرع لهما جارية فوطئاها وجب استبراؤها] ] : وإن كانت جارية بين رجلين، فوطئاها.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: يجب عليها استبراء؛ لأنه يجب لحقهما، فلم يتداخلا، كالعدتين. والثاني: يجب استبراء واحد؛ لأن القصد معرفة براءة رحمها، وذلك يحصل باستبراء واحد. وإن زوج الرجل أم ولده فمات زوجها، ووطئها السيد في عدتها جاهلًا بتحريم

стр. 5585

الوطء أو بالعدة، ثم مات المولى في عدتها.. فعليها أن تتم عدة الزوج، وهل تتم عدة حرة، أو أمة؟ فيه قولان. فإذا فرغت من عدة الزوج.. قال ابن الحداد: فعليها أن تأتي بحيضة؛ لوطء سيدها لها في العدة؛ لأنهما عدتان لرجلين، فلا تتداخلان، ولا يحتسب بما مر من الحيض في عدة الزوج. [مسألة اشترى جارية ظهر حملها] إذا اشترى رجل من رجل جارية، وقبضها المشتري، وظهر بها حمل، فقال البائع: هذا الحمل مني، فإن صدقه المشتري على ذلك.. فقد اتفقا على فساد البيع، فيحكم بفساده، ويرد الثمن، ويلحق النسب بالبائع، وتكون الجارية أم ولد له، وإن كذبه المشتري، وقال: هذا الولد ليس منك.. نظرت في البائع: فإن كان لم يسبق منه إقرار بوطء الجارية قبل البيع أو حال البيع.. كان القول قول المشتري مع يمينه: أنه لا يعلم أن الحمل من البائع؛ لأن البائع لا يقبل قوله فيما يفسد البيع، كما لو باع من رجل عبدًا، ثم أقر: أنه كان قد أعتقه قبل البيع أو غصبه، فإن حلف المشتري.. سقطت دعوى البائع، وكانت الجارية والولد مملوكين للمشتري. وهل يثبت نسب الولد من البائع؟ فيه قولان: [أحدهما] : قال في " الأم ": (يثبت نسبه منه؛ لأنه لا ضرر في الحال على المشتري؛ لأن الولد يجوز أن يكون ابنا لرجل ومملوكًا لآخر) . والثاني: لا يثبت نسبه منه؛ لأن على المشتري ضررًا بذلك، بأن يعتق الولد، فيكون ولاؤه وميراثه للبائع. وعلى القولين: لو ملك البائع بعد ذلك الجارية والولد أو أحدهما.. لزمه حكم إقراره. وإن نكل المشتري عن اليمين.. حلف البائع: أن الحمل منه قبل البيع، فإذا حلف.. حكم بفساد البيع، ولحقه الولد، وكانت الجارية أم ولد له.

стр. 5586

وإن لم يحلف البائع عند نكول المشتري.. فهل ترد اليمين على الجارية والولد؟ يحتمل أن تكون على طريقين، كما قلنا في الراهن إذا ادعى: أن المرتهن أذن له في وطء الجارية المرهونة، وأتت بولد لمدة الحمل، أو أعتقها بإذنه، وأنكر المرتهن، ونكلا عن اليمين.. فهل ترد اليمين؟ فيه طريقان. فأما إذا أقر البائع قبل البيع أو حال البيع: أنه كان قد وطئها قبل البيع، فإن كان البائع قد استبرأها قبل البيع.. نظرت: فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء.. لحقه الولد، وكان البيع باطلًا، والجارية أم ولد له؛ لأنا قد تبينا أن الولد كان موجودًا وقت الاستبراء، والظاهر أنه من البائع؛ لأنها حملت به وهي على فراشه. وإن أتت به لستة أشهر فما زاد من وقت الاستبراء.. لم يلحقه الولد، ولم يحكم بكون الجارية أم ولد له، ولا يحكم بفساد البيع؛ لأنه لو وطئ جاريته، واستبرأها، وأتت بولد لستة أشهر فما زاد من وقت الاستبراء وهي في ملكه.. لم يلحقه ولدها، فلأن لا يلحقه وهي في ملك غيره أولى. وإن لم يستبرئها قبل البيع، ولكن استبرأها المشتري بعد الشراء.. نظرت: فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء.. كان الولد لاحقا بالبائع، والجارية أم ولد له، والبيع باطلًا؛ لأنها أتت به على فراش البائع، والظاهر أنه منه. وإن أتت به لستة أشهر فما زاد من وقت الاستبراء.. لم يلحق الولد البائع، ولا يحكم بكونها أم ولد له، ولا بفساد البيع؛ لأن البائع لو اشتراها، وأتت بولد لستة أشهر فما زاد من حين استبرائها.. لم يلحقه ولدها، فبأن لا يلحقه إذ أتت به على هذه الصفة، وهي في ملك غيره أولى. وكل موضع لا يلحق الولد بالبائع، فإن كان المشتري لم يطأ الجارية.. فإن الجارية والولد مملوكان له، وإن وطئها بعد الاستبراء.. نظرت: فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من حين وطئه.. لم يلحقه الولد، وكانا مملوكين له.

стр. 5587

وإن وضعته لستة أشهر فما زاد من وقت وطئه.. لحقه نسب الولد، وكانت الجارية أم ولد له؛ لأن الظاهر أنه منه. وإن وطئها المشتري قبل أن يستبرئها، وأتت بولد.. فقد أتت به على فراش مشترك بين البائع والمشتري، فيكون الحكم فيه كما لو أتت الحرة بولد على فراش مشترك، على الأقسام الأربعة التي تقدم ذكرها. [فرع قبض الجارية فادعى: أنها حامل] ] : قال الشيخ أبو حامد: إذا اشترى جارية وقبضها، فظهر بها حمل، فادعى المشتري: أنه قبضها وهي حامل، فإن صدقه البائع.. فله ردها بالعيب؛ لأن الحمل ينقص من جمالها وكمالها، ويخاف عليها منه عند الولادة، وإن كذبه البائع أنها حامل.. عرضت على القوابل؛ لأن للحمل أمارات وعلامات يعرف بها، فإذا قلن: إنها حامل.. ثبت له ردها، فإذا ردها.. نظرت: فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من حين قبضها المشتري.. فالقول قول المشتري بلا يمين؛ لأنا نعلم يقينا أن هذا الحمل كان موجودا في يد البائع. وإن ولدته لأكثر من أربع سنين من حين قبضها المشتري.. كان القول قول البائع بلا يمين؛ لأنا نتحقق أنه حدث في يد المشتري، ولا رد للمشتري. وإن وضعته لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من حين قبضها المشتري.. فيحتمل أن يحدث في يد كل أحد منهما، فيكون القول قول البائع مع يمينه: أنه لم يحدث في يده؛ لأن الأصل عدم حدوثه في يده، ولا يثبت له الرد. وبالله التوفيق

стр. 5588

[كتاب الرضاع]

стр. 5589

كتاب الرضاع للرضاع تأثير في تحريم النكاح، وفي ثبوت الحرمة، وفي جواز النظر والخلوة. والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء: ٢٣] ، فذكر الله في جملة الأعيان المحرمات: الأم المرضعة، والأخت من الرضاعة، فدل على: أن له تأثيرًا في التحريم. وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» وروى سعيد بن المسيب، «عن علي ﵁: أنه قال: قلت: يا رسول الله،

стр. 5590

هل لك في ابنة عمك حمزة؛ فإنها أجمل فتاة في قريش؟ فقال: أما علمت أن حمزة أخي من الرضاع، وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب؟» ويدل على ثبوت الحرمة به: ما روي: «أن وفد هوازن قدموا على رسول الله ﷺ ، فكلموه في سبي أوطاس، فقال رجل من بني سعد: يا محمد، إنا لو كنا مجلنا للحارث بن أبي سمرة أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منزلك هذا منا.. لحفظ ذلك لنا وأنت خير للمكفولين، فاحفظ ذلك» وإنما قالوا له ذلك؛ لأن حليمة التي أرضعت النبي ﷺ كانت من بني سعد بن بكر بن وائل، ولم ينكر النبي ﷺ قولهم. ومعنى قوله: (ملجنا) ، أي: أرضعنا، و (الملج) : هو الرضاع. وروى الساجي في كتابه، «عن أبي الطفيل: أنه قال: رأيت النبي ﷺ وهو بالجعرانة وهو يقسم لحمًا، فجاءته امرأة، فدنت منه، ففرش لها إزاره، فجلست عليه، قلت: من هذه؟ قال: هذه أمه التي أرضعته» وإنما أكرمها لأجل الحرمة التي حصلت بينهما بالرضاع، فدل على: أن الحرمة تثبت به. وإذا ثبت هذا: فبلغت المرأة سن الحيض، وثار لها لبن.. فإنه يكون طاهرًا ناشرًا للحرمة، يجوز بيعه، ويضمن بالإتلاف، ويجوز الاستئجار عليه.

стр. 5591

قال المسعودي [في " الإبانة "] : ويحكم ببلوغها بذلك، سواء ولدت قبله أو لم تلد. وحكى ابن القاص وجهًا آخر: أنه إذا نزل لبن لها على غير ولد.. فهو كلبن الرجل لا حرمة له. والأول أصح؛ لأن جنسه معتاد. وأما إذا نزل للمرأة لبن قبل أن تستكمل تسع سنين.. فلا يثبت له حرمة، ولا تنتشر الحرمة بإرضاعه، ويكون نجسًا، ولا يجوز بيعه، ولا يضمن بالإتلاف، ولا يجوز عقد الإجارة عليه. قال الشاشي: وإن باع أمة فيها لبن بلبن آدمية.. صح البيع، وإن باع شاة في ضرعها لبن بلبن شاة.. لم يصح البيع. والفرق بينهما: أن لبن الشاة في الضرع حكمه حكم العين؛ ولهذا: لا يجوز عقد الإجارة عليه. ولبن الآدمية في ضرعها ليس له حكم العين، بل هو كالمنفعة؛ ولهذا: يجوز عقد الإجارة عليه. وإن باع لبن آدمية بلبن آدمية متفاضلًا.. لم يصح. [مسألة ظهور لبن في فم ولد يثبت النسب] ] : إذا ثار للمرأة لبن على ولد ثابت النسب من رجل ولد على فراشه، وأرضعت به طفلا رضاعًا تامًا.. انتشر حكم الرضاع في التحريم والحرمة بين الرضيع والمرضعة، وبين الرضيع وبين الفحل، وهو أبو ولد المرأة التي ثار اللبن له، وبه قال علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعطاء، وطاووس، ومالك، ومجاهد، والليث، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.

стр. 5592

وقال ابن عمر، وابن الزبير: (لا يثبت التحريم بين الرضيع وبين الفحل) . فيجوز للفحل أن ينكح الرضيع إن كان بنتًا، ويجوز للرضيع أن ينكح أخت الفحل - إن كان الرضيع رجلًا - وأخيه - إن كان الرضيع بنتًا - وبه قال ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وربيعة، وحماد، والأصم، وابن علية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النساء: ٢٣] فدليل خطابه: أنه يجوز له أن ينكح بحليلة ابنه من الرضاع. دليلنا: ما روي «عن علي بن أبي طالب: أنه قال: قلت للنبي ﷺ : هل لك في ابنة عمك حمزة، فإنها أجمل فتاة في قريش؟ فقال: أما علمت أن حمزة أخي من الرضاع، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟» . «وروت عائشة، قالت: استأذن علي أفلح أخو أبي القعيس بعد ما ضرب الحجاب، فلم آذن له، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال: " ائذني له، فإنه عمك من الرضاعة "، فقلت: يا رسول الله، إنما أرضعتني امرأة أخيه، فقال: ائذني له، فإنه عمك» وفي رواية: «فإنه عمك، فليلج عليك» . ولأن اللبن ثار لولد، وهو مخلوق من مائهما، فكان اللبن لهما. فأما الآية: فإنه قيده بابنه من الصلب ليبين أن حليلة الابن من التبني لا تحرم؛ لأن التبني كان مباحًا في صدر الإسلام، وكان النبي ﷺ تبنى زيد بن حارثة، وكان يقال له: زيد ابن محمد، ثم طلق زيد زوجته، وتزوجها النبي ﷺ .

стр. 5593

إذا ثبت هذا: فإن الحرمة تنتشر منهما إليه، فيصير كأنه ابنهما من النسب، وتنتشر الحرمة منه إليهما. فأما انتشار الحرمة منهما إليه: فلا يجوز للرضيع أن يتزوج بالمرضعة؛ لأنها أمه من الرضاعة، وتكون أمهاتها جدات الرضيع، وآباؤها أجداده، وإخوانها وأخواتها أخواله وخالاته، ويكون أولادها من الفحل وغيره إخوته وأخواته، وأولاد أولادها أولاد إخوته وأولاد أخواته، ويكون الفحل أبا الرضيع، وأولاده من المرضعة وغيرها إخوته وأخواته، وأولادهم أولاد إخوته وأولاد أخواته، ويكون آباء الفحل أجداده، وأمهاته جداته، وإخوته وأخواته أعمامه وعماته؛ لأن الله تعالى نص على تحريم الأم والأخت من الرضاع لينبه بهما على من سواهما من المحرمات بالسنة، وقال ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» . وهؤلاء يحرمن من النسب، فكذلك من الرضاع. وأما انتشار الحرمة من الرضيع إلى المرضعة والفحل: فإنه يحرم عليهما نكاحه، ويحرم عليهما نسله، ولا يحرم عليهما من هو في طبقته، ولا من هو أعلى منه، فيجوز للمرضعة أن تتزوج بأخي الرضيع ونسله، وبأبي الرضيع وأجداده وأعمامه وأخواله، ويجوز للفحل أن يتزوج بأخت الرضيع وبناتها، وبأم الرضيع وجداته وعماته وخالاته، ويجوز لأبي الرضيع من النسب أن يتزوج بالمرضعة وأختها؛ لقوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وحرمة الولد من النسب تنتشر إلى أولاده، ولا تنتشر إلى أمهاته وآبائه وإخوته وأخواته، فكذلك في الرضاع. قال أبو عبيد: والرضاعة إذا كان فيها هاء.. تفتح الراء، ولا اختلاف فيه، وأما الرضاع بغير هاء: فيقال بفتح الراء وكسرها.

стр. 5594

[فرع الرضاعة تثبت البنوة] إذا كان هناك أخوان، لكل واحد منهما زوجة، ولأحدهما ابنة من زوجته، فأرضعتها امرأة عمها بلبن عمها.. فإن الرضيعة تصير ابنة للمرضعة ولزوجها. فإن ولدت هذه المرضعة أولادًا من زوجها.. فهم إخوة الرضيعة من الرضاع لأبيها وأمها، وبنو عمها من النسب، فلا يحل لهم نكاحها. وإن ولدت المرضعة أولادًا من غير زوجها.. فهم إخوة الرضيعة من أمها. وإن رزق عمها أولادًا من غير زوجته المرضعة.. فهم إخوة الرضيعة من الأب من الرضاع، وبنو عمها من النسب، فلا يحل لهم نكاحها. وما تلده أم الرضيعة من النسب لا يحرمون على أولاد أمها من الرضاع؛ لأنهم إخوة أختهم، وليسوا بإخوة لهم، ومثل هذا يشرع في النسب؛ ولهذا: لو أن رجلًا له ابن تزوج بامرأة لها ابنة.. جاز لابن الرجل أن يتزوج بابنة زوجة أبيه. [مسألة الرضاع في الحولين] ] : الرضاع مؤقت، فلا يثبت التحريم بما يرتضعه الطفل بعد استكماله حولين، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وهو قول محمد، وأبي يوسف. وقال أبو حنيفة: (يثبت التحريم بما يرتضعه الطفل في ثلاثين شهرًا) . وقال زفر: يثبت التحريم بما يرتضعه الطفل في ثلاث سنين. وعن مالك ثلاث روايات: إحداهن: كقولنا. والثانية: بما يرتضعه بحولين وشهر. والثالثة: بحولين وشهرين. وقالت عائشة: (الرضاع غير مؤقت، فلو أن امرأة أرضعت شيخًا.. صار ابنًا

стр. 5595

لها) . و: (كانت إذا أرادت أن يدخل إليها رجل.. أنفذت إلى بنات أخيها ليرضعنه) . وبه قال داود؛ لما روت: «سهلة بنت سهيل زوجة حذيفة، قالت: يا رسول الله، كنا نرى سالما ولدًا، وكان يدخل علي وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد، فما تأمرني؟ فقال ﷺ : أرضعيه خمس رضعات معلومات، فيحرم بلبنك» ففعلت، فكانت تراه ابنا من الرضاع. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] [البقرة: ٢٣٣] فذكر أن تمام الرضاع في الحولين، فعلم أنه لم يرد أنه لا يجوز أكثر منه؛ لأن ذلك يجوز، وإنما أراد: أن تمام الرضاع الشرعي في الحولين، وأنه لا حكم لما زاد؛ بدليل: ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لا رضاع بعد الحولين» ، وقال ﷺ : «لا رضاع بعد فصال» . والفصال إنما هو في

стр. 5596

العامين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] [لقمان: ١٤] . وأما حديث سهلة: فكان خاصًا لها، بدليل: ما روي عن أم سلمة: أنها قالت: (رضاع سالم كان خاصًا) . قال الصيمري: وابتداء الحولين عند خروج بعض الولد، لا عند خروج جميعه. إذا ثبت هذا: فإن الرضاع في الحولين يتعلق به التحريم والحرمة، سواء كان الرضيع يستغني بالطعام والشراب عن اللبن أو لا يستغني. وقال مالك: (إن كان الرضيع مستغنيًا عن اللبن بالطعام والشراب.. لم يتعلق بإرضاعه التحريم) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] [البقرة: ٢٣٣] فجعل مدة الرضاع حولين، ولم يفرق بين أن يكون الولد مستغنيًا عنه، أو غير مستغن عنه. [مسألة عدد الرضعات المحرمات] والرضاع الذي يتعلق به التحريم والحرمة هو خمس رضعات، ولا يتعلق بما دون ذلك، وروي ذلك عن عائشة، وابن الزبير، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاووس، وأحمد، وإسحاق.

стр. 5597

وروي عن علي، وابن عمر، وابن عباس: (أن التحريم يتعلق بقليل الرضاع وكثيره) . وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو حنيفة وأصحابه. وقال زيد بن ثابت: (يتعلق التحريم بثلاث رضعات) . وبه قال داود، وأبو ثور، وابن المنذر. دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» . و (الإملاجة والإملاجتان) : الرضعة والرضعتان. وقد روي: «لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان» . فهذا يبطل قول من قال: يتعلق التحريم بقليل الرضاع وكثيره. فإن قيل: فدليل الخطاب هاهنا يدل على: أن الثلاث يحرمن. قلنا: قد ثبت النص: أنه لا يحرم إلا الخمس، وهو أقوى من دليل الخطاب. والنص: ما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس رضعات معلومات، فمات رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن» وهذا أمر لا تتوصل إليه عائشة إلا بتوقيف من النبي ﷺ ؛ لأن القرآن أنزل عليه. فإن قيل: فليس يتلى في القرآن عشر رضعات؛ لأن ما نسخ حكمه.. فإن رسمه يتلى في القرآن، كالآية في عدة الحول؟!

стр. 5598

فالجواب: أن النسخ في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم: نسخ رسمه وحكمه: وذلك مثل: ما روي: أن قومًا قالوا: يا «رسول الله، إنا كنا نقرأ سورة من القرآن، فنسيناها، فقال ﷺ : أنسيتموها» فأخبر: أنها نسخت تلاوتها وحكمها. والقسم الثاني: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] [البقرة: ٢٤٠] ومثل الوصية للوارث. والثالث: ما نسخ رسمه وتلاوته وبقي حكمه، وذلك مثل: ما روي عن عمر: أنه قال: (كان فيما أنزل الله من القرآن: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله "، ولولا أني أخشى أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله.. لأثبت آية الرجم في حاشية المصحف، وقد قرأناها في زمن النبي ﷺ ) وأراد: لأثبت حكم الآية. وهذه الآية مما نسخ رسمها وبقي حكم خمس رضعات. فإن قيل: فما معنى قولها: (فمات رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن) . والنسخ بعد النبي ﷺ لا يجوز؟ قلنا: فيه تأويلان: أحدهما: أنها أرادت أن حكم الخمس مما يتلى في القرآن، لا رسمها.

стр. 5599

والثاني - وهو تأويل أبي العباس -: أن هذه الآية نسخت تلاوتها في حياة الرسول ﷺ ، فمات النبي ﷺ ، وكان الصحابة قريبي العهد بتلاوتها، وكانت ألسنتهم جارية على تلاوتها كما كانوا قبل النسخ، حتى عودوا ألسنتهم تركها، فاعتادته ألسنتهم. ومم يدل على ما ذكرناه: حديث سهلة بنت سهيل، فإن النبي ﷺ أمرها أن ترضع سالمًا خمسًا ليجوز دخوله عليها؛ لأن زوجها حذيفة كان قد تبناه، ثم حرم التبني، وشق عليهم ترك دخوله، فنسخ النبي ﷺ محل الرضاع في الكبير بقوله: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» ، وبقي عدد الرضاع. إذا ثبت أن التحريم يتعلق بخمس رضعات.. فمن شرط الخمس أن تكون متفرقات. فإذا التقم الصبي الثدي، وارتضع منه، فأقل أو أكثر، ثم قطع الرضاع باختياره من غير عارض.. حسب ذلك رضعة، فإن عاد إليها بعد فصل طويل، وارتضع منها ما شاء إلى أن قطع باختياره.. حسب ذلك رضعة، إلى أن يستوفي خمس رضعات؛ لأن النبي ﷺ أمر سهلة أن ترضع سالمًا خمس رضعات يحرم بلبنها، ولم يحد الرضعة، وكل حكم ورد الشرع به مطلقًا، وليس له حد في الشرع ولا في اللغة.. رجع في حده إلى العرف والعادة، والعرف والعادة في الرضاع هو ما ذكرناه. وإن التقم الصبي الثدي، وارتضع منه، ثم أرسله ليتنفس أو ليستريح، ثم عاد إليه من غير فصل طويل، أو أرسله وانتقل إلى الثدي الآخر من غير فصل طويل، أو انتقل ليشرب الماء، ثم عاد إليه من غير طول فصل.. فالجميع رضعه واحدة، كما لو حلف: لا يأكل في النهار إلا أكلة، فقعد يأكل، فأكل، وقطع ليستريح أو ليتنفس أو ليشرب الماء، أو انتقل من لون إلى لون، وأكل بعده من غير أن يطول الفصل.. فالجميع أكلة واحدة، وإن أكل من أول النهار إلى آخره، أو أكل ثم قطع بفصل طويل، ثم رجع وأكل.. كان ذلك أكلتين.

стр. 5600

وإن قطع الرضاع لشيء يلهيه، ثم رجع إليه.. فقد قال الشيخ أبو إسحاق: كان كما لو قطعه لضيق النفس. وقال الشيخ أبو حامد: إذا قطعه لشيء يلهيه حتى طال الفصل ثم عاد إليه.. فالأول رضعة، والثاني رضعة، كما لو حلف: لا يأكل إلا أكلة، فأكل ثم قطع الأكل لشيء يلهيه حتى طال الفصل، ثم عاد إليه وأكل.. فإن ذلك أكلتان. وإن التقم ثديها، فارتضع منها، وانتزعت منه ثديها وقطعت عليه.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يحتسب بذلك رضعة؛ لأن الاعتبار في الرضاع بفعله، بدليل: أنه لو ارتضع منها وهي نائمة رضعة.. حسب ذلك، فإذا قطعت عليه.. لم يحتسب عليه، كما لو حلف: لا آكل اليوم إلا أكلة، فأخذ في الأكل، فجاء إنسان، فقطع عليه الأكل. والثاني: يحتسب بذلك رضعة؛ لأن الرضاع يحصل بفعلها؛ ولهذا: لو حلبت منها لبنًا، وأوجرته إياه وهو نائم.. حسب ذلك رضعة، وإذا حصل الرضاع بفعلها.. وجب أن يحسب بقطعها. [فرع الارتضاع من امرأتين] فإن ارتضع الصبي من امرأة، ثم انتقل منها إلى امرأة أخرى، وارتضع منها من غير أن يطول الفصل.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يحتسب بما ارتضع من كل واحدة منهما؛ لأن الطفل إذا ابتدأ وارتضع.. فكل ما والى به الارتضاع.. فهو رضعة واحدة؛ بدليل: أنه لو انتقل من أحد الثديين إلى الآخر من غير فصل طويل.. فهو رضعة واحدة، وكذلك: إذا انتقل من إحداهما إلى الأخرى من غير فصل طويل.. فإنه لم يكمل الرضعة من كل واحدة منهما، فلم يحتسب به. والثاني: يحتسب ما ارتضع من كل واحدة منهما رضعة؛ لأنه ارتضع من كل

стр. 5601

واحدة منهما وقطع باختياره، فحسب عليه رضعة، كما لو قطع من إحداهما، وانتقل إلى خبز أو لبن، ويخالف إذا قطع من ثدي إلى ثدي؛ لأن ذلك شخص واحد، فيبنى حكم أحد ثدييها على الآخر، بخلاف الشخصين. وإن ارتضع منها بعض الخمس في الحولين، ثم ارتضع باقي الخمس بعد الحولين.. فإن التحريم لا يحصل به؛ لأن التحريم يتعلق بخمس رضعات في الحولين، ولم يوجد ذلك. [فرع الشك في عدد الرضاع] إذا شكت المرضعة: هل أرضعته خمسًا، أو أقل، أو شكت: هل أرضعته، أم لا؟ لم يثبت التحريم، كما نقول في الرجل إذا شك: هل طلق امرأته طلقة، أو أكثر، أو هل طلقها، أم لا؟! والورع: أن يلتزم حكم التحريم في النكاح دون الحرمة؛ لقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . [مسألة ثبوت حرمة الرضاع بالوجور ونحوها] ويثبت التحريم بالوجور واللدود، وهو: أن يحلب لبن المرأة، ويصب في فم الصبي بغير اختياره. و (الوجور) : الصب في وسط فيه.

стр. 5602

و (اللدود) : الصب في أحد شقي فيه، وهو قول كافة العلماء، إلا عطاء، وداود، فإنهما قالا: (لا يثبت به التحريم) . دليلنا: قوله ﷺ : «الرضاعة من المجاعة» . وقوله: «الرضاع: ما أنبت اللحم، وأنشز العظم» وقوله ﵇: «الرضاع: ما فتق الأمعاء» . وهذه المعاني موجودة في الوجور واللدود. ولـ: «أن النبي ﷺ أمر سهلة أن ترضع سالمًا» . ومعلوم أنه لم يرد بذلك أن يرضع من ثديها؛ لأنه كان كبيرًا، وهي أجنبية منه، فكيف يجوز له النظر إلى ثدييها وهي أجنبية منه؟! فعلم أنه أراد الوجور أو اللدود. ويثبت التحريم بـ (السعوط) ، وهو: أن يصب لبن المرأة في أنف الطفل، فيبلغ إلى دماغه أو جوفه. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: فيه قولان، كالحقنة. والمشهور هو الأول. وقال عطاء، وداود: (لا يثبت به التحريم) . دليلنا: أن الدماغ محل للغذاء، بدليل: أنه من جف دماغه.. فإن الدهن يصب

стр. 5603

في أنفه إلى دماغه، فيرطبه، فوقع التحريم باللبن الحاصل فيه من المرأة، كالجوف. وإن صب اللبن في أذنه، فوصل إلى دماغه.. كان رضاعًا، وإن لم يصل إلى دماغه.. لم يكن رضاعًا. وهل يثبت التحريم بـ (الحقنة) وهو: أن يصب اللبن في دبر الطفل؟ فيه قولان: أحدهما: يثبت به التحريم، وهو اختيار المزني؛ لأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر، فتعلق التحريم بلبن المرأة إذا دخل فيه، كالفم. والثاني: لا يثبت به التحريم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وهو الأصح؛ لقوله ﷺ : " الرضاع: ما أنبت اللحم، وأنشز العظم ". وهذا لا يحصل بالحقنة، وإنما تراد الحقنة للإسهال. فإذا قلنا: يثبت به التحريم، فأرضعته مرة، وأوجرته مرة، ولدته مرة، وأسعطته مرة، وأحقنته مرة.. ثبت التحريم. وإن كان بالطفل جراحة نافذة إلى محل الفطر، فداواه إنسان بلبن آدمية.. فقد قال القفال: لا يحصل به الرضاع. وقال الصيدلاني: ينبغي أن يكون على قولين، كالحقنة. [مسألة حلب لبن امرأة وأطعمه طفلًا] ] : وإذا حلب من المرأة لبنًا كثيرًا، وأوجره الطفل.. ففيه خمس مسائل: إحداهن: أن يحلب منها لبن دفعة واحدة، فيوجره الطفل مرة واحدة.. فهذا رضعة واحدة. الثانية: أن يحلب منها اللبن خمس مرات في خمسة أوان، ثم يوجر الصبي ذلك اللبن في خمسة أوقات متفرقة لبن كل إناء في وقت.. فذلك خمس رضعات لتفرق الحلب والوجور.

стр. 5604

الثالثة: أن يحلب منها لبن كثير دفعة واحدة، ثم يوجره الصبي في خمسة أوقات متفرقة.. فنقل المزني، والربيع: (أن ذلك رضعة واحدة) . قال الربيع: وفيه قول آخر: (أنه خمس رضعات) . واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: هو رضعة واحدة، قولًا واحدًا، على ما نقلاه، وما حكاه الربيع.. من تخريجه؛ لأن ذلك لم يوجد في شيء من كتب الشافعي. ومنهم من قال: فيه قولان؛ لأن ما حكاه الربيع.. يحتمل على أنه سمع منه ذلك: أحدهما: أنه خمس رضعات؛ لقوله ﷺ : «الرضاعة من المجاعة» . وهذا اللبن قد حصل به سد الجوع خمس مرات. ولأن الرضعات كالأكلات، ومعلوم أنه لو حلف: لا يأكل خمس أكلات، فأكل من طعام واحد خمس أكلات في خمسة أوقات متفرقة.. حنث، فوجب أن يكون هاهنا خمس رضعات. والثاني: أن ذلك رضعة واحدة، قال الشيخان: وهو الأصح؛ لأن الوجور فرع للرضاع، ومعلوم أن التحريم لا يحصل في الرضاع إلا بأن ينفصل اللبن عن ثدي المرأة خمس مرات متفرقات، ويصل إلى جوف الصبي في خمسة أوقات متفرقة، وكذلك في الوجور لا بد أن ينفصل خمسة انفصالات، ويتصل خمسة اتصالات متفرقات. الرابعة: إذا حلب منها اللبن في خمسة أوقات متفرقة في خمسة أوان، فأوجره الصبي دفعة واحدة.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان كالتي قبلها؛ لأن الرضاع يفتقر إلى إرضاع وارتضاع، فلما ثبت أن اللبن إذا انفصل من المرضعة دفعة واحدة وأوجره الصبي دفعات كان فيه قولان.. فكذلك إذا انفصل منها خمس دفعات، وأوجره دفعة.. يجب أن يكون على قولين:

стр. 5605

ومنهم من قال: هي رضعة واحدة، قولًا واحدًا؛ لأن في التي قبلها حصل اللبن في جوف الصبي خمس مرات، وهاهنا لم يحصل في جوفه إلا مرة واحدة. الخامسة: أن يحلب اللبن في خمسة أوقات متفرقة، كل وقت في إناء، ثم خلط ذلك اللبن في إناء واحد، وأوجره الصبي في خمسة أوقات متفرقة، فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق: هي خمس رضعات، قولًا واحدًا؛ لأن اللبن انفصل من المرأة في خمسة أوقات، واتصل بالصبي في خمسة أوقات، ولا اعتبار بالخلط. ومن أصحابنا من قال: فيه طريقان؛ لأن التفريق في الحلب قد بطل حكمه بالخلط، وفي كل سقية حصل للطفل جزء من كل حلبة، فصار كما لو حلبته دفعة واحدة، وسقته إياه في خمسة أوقات فتكون: إحدى الطريقين له: أنه على قولين. والثاني: أنه رضعة، قولًا واحدًا. [فرع وضع حليب اثنتين في إناء خمس مرات وسقي الطفل] ] : إذا حلبت امرأتان لبنًا منهما في إناء في وقت واحد، وأوجرتاه صبيًا، ثم حلبتا منهما لبنا في إناء في وقت آخر، وأوجرتاه الصبي، إلى أن فعلا ذلك خمس مرات.. حصل لكل واحدة منهما خمس رضعات، ويصير ابنهما معًا؛ لأنه قد حصل في جوفه اللبن من كل واحدة منهما خمس مرات. [مسألة اختلاف صفة لبن المرضعة] وإن حلب من المرأة لبن، فجبن، أو طبخ، أو جعل أقطًا أو شيرازًا، وأطعم منه طفل له دون الحولين خمس مرات متفرقات.. نشر الحرمة والتحريم.
следующие страницы →