Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
- والله - عاقله، فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» . وموضع الدليل: قوله: (فمن) ، ومن: تستغرق الجماعة والواحد.
[فرع اشتركا في قتل وعلى أحدهما القود]
وإن اشترك اثنان في قتل رجل، وأحدهما يجب عليه القود لو انفرد دون الآخر.. نظرت:
فإن كان سقوط القود عن أحدهما لمعنى في فعله، مثل: أن كان أحدهما مخطئاً، والآخر عامداً.. لم يجب القصاص على واحد منهما، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (يجب القصاص على العامد منهما) .
دليلنا: أن الروح لم تخرج عن عمد محض، فلم يجب عليه القصاص، كما لو جرحه خطأ، فمات منه.
وإن كان سقوط القود عن الشريك لمعنى في نفسه، مثل: أن يشترك الأب والأجنبي في قتل الابن.. وجب القصاص على الأجنبي.
وكذلك: إذا اشترك الحر والعبد في قتل العبد.. وجب القصاص على العبد، وإن اشترك المسلم والكافر في قتل الكافر.. وجب القصاص على الكافر، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (سقوط القصاص عن أحد الشريكين يسقط القصاص عن الآخر، فإذا شارك الأب الأجنبي في قتل الابن.. لم يجب على الأجنبي القصاص) .
دليلنا: أنه لو انفرد.. وجب عليه القصاص، فإذا شارك من سقط عنه القصاص
стр. 5777
لا لمعنى في فعله.. لم يسقط عنه القصاص، كما لو كانا عامدين.
وإن شارك الصبي والمجنون وهما عامدان في الجناية.. بنى ذلك على عمدهما، وفيه قولان:
أحدهما: أن عمدهما في حكم الخطأ، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» . فأخبر أن القلم مرفوع عنهما، فدل على: أن عمدهما في حكم الخطأ، ولأن عمدهما لو كان في حكم العمد.. لوجب عليهما القصاص.
فعلى هذا: لا يجب على من شاركهما في الجناية القصاص.
القول الثاني: أن عمدهما في حكم العمد، فيجب على شريكهما القود؛ لأنهما قصدا الجناية، وإنما سقط القصاص عنهما لمعنى في أنفسهما، كشريك الأب، ولأن الصبي لو أكل في الصوم عامداً.. لبطل صومه، فلولا أن لعمده حكماً.. لما بطل صومه. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : المجنون الذي لا يميز، والطفل الذي لا يعقل عقل مثله، عمدهما خطأ، قولا ًواحداً، فلا يجب على شريكهما القصاص.
وإن شارك من لا ضمان عليه، مثل: أن جرح رجل نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر، أو قطعت يده بقصاص أو سرقة وجرحه آخره، ومات.. فهل يجب القصاص على الشريك الذي عليه الضمان؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القصاص؛ لأنه شارك في القتل عامداً، فوجب عليه القصاص، كشريك الأب.
والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأنه إذا سقط عنه القصاص إذا شارك المخطئ وجنايته مضمونة عليه.. فلأن لا يجب عليه القصاص إذا شارك من لا قصاص عليه أولى.
стр. 5778
[فرع جرحه جراحة يقتل مثلها فتداوى بقاتل]
وإن جرحه رجل جراحة يقتل مثلها عامداً، فداوى المجروح نفسه بسم، فمات.. نظرت:
فإن كان سماً موحياً يقتل في الحال.. لم يجب على الجارح قصاص في النفس؛ لأنه قطع سراية جرحه بالسم، فصار كما لو جرحه رجل، ثم ذبح نفسه.
وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب أنه لا يقتل.. لم يجب على الجارح قصاص في النفس؛ لأنه مات من فعلين، وأحدهما عمد خطأ، فهو كما لو شارك العامد مخطئاً.
وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب أنه يقتل.. فهل يجب القصاص على الجارح في النفس؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان؛ لأنه شارك قاصداً إلى الجناية، ولا يجب عليه الضمان، فهو كما لو جرح نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر.
ومنهم من قال: لا يجب عليه القصاص، قولاً واحداً؛ لأنه لم يقصد الجناية على نفسه، وإنما قصد المداواة به، فصار فعله عمد خطأ، بخلاف شريك السبع، وشريك من جرح نفسه، فإنهما قصدا الجناية.
[فرع جرح فخاط جرحه فمات]
وإن جرحه رجل، فخيط جرحه، فمات.. نظرت:
فإن خيط في لحم ميت، كاللحم إذا قطعه السيف.. فإن القود يجب على الجارح؛ لأنه لا سراية للخياطة في اللحم الميت.
وإن خيط في اللحم الحي.. نظرت:
стр. 5779
فإن خاطه المجروح بنفسه، أو خاطه غيره بأمره.. فهل يجب القود على الجارح في النفس؟ فيه طريقان، كما قلنا فيه إذا داوى جرحه بسم قد يقتل وقد لا يقتل إلا أنه يقتل في الغالب.
وإن خاطه رجل أجنبي بغير إذنه، أو أكرهه على ذلك.. وجب القود على الجارح والذي خاط الجراحة؛ لأنهما قاتلان.
وإن خاطه السلطان، وأكرهه على ذلك، فإن كان لا ولاية له عليه.. كان كغيره من الرعية، فيجب عليه القود في النفس مع الجارح، وإن كان له على المجروح ولاية، بأن كان صغيراً، أو مجنوناً، أو خاطها الولي عليه من غير أمر السلطان، أو كان على المولى عليه سلعة، فقطعها وليه، فمات.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه جرح جرحاً مخوفاً، فوجب عليه القود.
فعلى هذا: يجب على شريكه - وهو الجارح - القود.
والثاني: لا يجب عليه القود؛ لأنه لم يقصد الجناية، وإنما قصد المداواة، فصار فعله عمد خطأ.
فعلى هذا: لا يجب عليه أو على شريكه القود في النفس، ويجب على كل واحد منهما نصف دية مغلظة، وهل يكون ما وجب على الإمام من ذلك في ماله، أو في بيت المال؟ فيه قولان، يأتي بيانهما إن شاء الله تعالى.
[فرع جرحه جرحاً وآخر مائة جرح فمات]
وإن جرح رجل رجلاً جرحاً، وجرحه آخر مائة جرح، ثم مات.. فهما شريكان في القتل، فيجب عليهما القود؛ لأنه يجوز أن يموت من الجرح الواحد كما يجوز أن يموت من المائة، وإذا تساوى الجميع في الجواز.. فالظاهر أنه مات من الجميع، فصارا قاتلين، فيجب عليهما القود.
стр. 5780
فإن عفا عنهما.. وجبت الدية عليهما نصفين، ولا تقسط الدية على عدد الجراحات، كما قلنا في الجلاد إذا زاد جلدة على ما أمر به في أحد القولين؛ لأن الأسواط متماثلة، والجراحات لها مور في البدن، وقد يجوز أن تكون الواحدة منها هي القاتلة وحدها دون غيرها.
وإن أجافه رجل جائفة، وجرحه آخر جراحة غير جائفة، ثم مات منهما.. فهما سواء، وكون إحداهما أعمق من الأخرى لا يمنع من تساويهما، كما لا تمنع زيادة جراحات أحدهما في العدد التساوي بينهما.
[فرع اشتركوا في ذبحه وطعنه وقطعه]
إذا قطع رجل حلقوم رجل أو مريئه، ثم جاء آخر، فقطعه نصفين، أو خرق بطنه وقطع أمعاءه وأبانها منه، ثم جاء آخر، فذبحه.. فالأول قاتل يجب عليه القود، ولا يجب على الثاني إلا التعزير؛ لأن بعد جناية الأول لا تبقى فيه حياة مستقرة، وإنما يتحرك كما يتحرك المذبوح، ولأنه قد صار في حكم الموتى، بدليل: أنه لا يصح إسلامه، ولا تقبل توبته، ولا يصح بيعه، ولا شراؤه، ولا وصيته، ولا يرث، وإن جنى.. لم يجب عليه شيء، فصار كما لو جنى على ميت.
وإن قطع الأول يده أو رجله، ثم حز الآخر رقبته، أو أجافه الأول، ثم قطع الثاني رقبته.. فالأول جارح يجب عليه ما يجب على الجارح، والثاني قاتل؛ لأن بعد جناية الأول فيه حياة مستقرة؛ لأنه قد يعيش اليوم واليومين، وقد لا يموت من هذه
стр. 5781
الجناية، بدليل: أنه يصح إسلامه، وتوبته، وبيعه، وشراؤه، ووصيته؛ ولهذا: لما طعن عمر ﵁ في بطنه، فجاءه الطبيب، فسقاه لبناً، فخرج من بطنه، فقال له: اعهد إلى الناس، فـ: (عهد عمر ﵁ إلى الناس، ثم مات) . فعملت الصحابة ﵃ بعهده، فصار كالصحيح.
وبالله التوفيق
стр. 5782
[باب ما يجب به القصاص من الجنايات]
إذا جرح رجل رجلاً بما يجرح بحده، كالسيف، والسكين، أو بما حدد من الرصاص والقصب والذهب والخشب، أو (بالليطة) وهي: القصبة المشقوقة، أو بما له مور في البدن، كالسنان، والسهم، و (المسلة) وهي: المخيطة، فمات منها.. وجب على الجارح القود، سواء كان الجرح صغيراً أو كبيراً، وسواء مات في الحال أو بقي متألماً إلى أن مات، وسواء كان في مقتل أو في غير مقتل؛ لأن جميع ذلك يشق اللحم ويبضعه، ويقتل غالباً.
وأما إذا غرز فيه إبرة، فمات.. نظرت:
فإن غرزها في مقتل، مثل: أصول الأذنين، والعين، والقلب، والأنثيين.. وجب عليه القود؛ لأنها تقتل غالباً إذا غرزت في هذه المواضع.
وإن غرزت في غير مقتل، كالألية، والفخذ.. قال ابن الصباغ: فإن بالغ في إدخالها فيها.. وجب عليه القود، وإن لم يبالغ في إدخالها، بل غرزها فيه.. فاختلف أصحابنا فيه [على قولين] :
فـ[القول الأول] : قال الشيخان - أبو حامد،، وأبو إسحاق -: إن بقي من ذلك متألماً إلى أن مات.. فعليه القود؛ لأن الظاهر أنه مات منه، وإن مات في الحال.. ففيه وجهان:
[الأول] : قال أبو إسحاق: يجب عليه القود؛ لأن الشافعي ﵀ قال:
стр. 5783
(سواء صغر الجرح أو كبر، فمات المجروح.. فإن القود يجب فيه) ، ولأنه جرحه بحديدة لها مور في البدن، فوجب فيها القود، كالمسلة.
و [الثاني] : قال أبو العباس ابن سريج، وأبو سعيد الإصطخري: لا يجب به القود؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يموت من غرز إبرة، فإذا مات.. علمنا أن موته وافق غرزها، فهو كما لو رماه ببعرة أو ثوب، فمات.
و [القول الثاني] : قال ابن الصباغ: لا وجه لهذا التفصيل عندي؛ لأنه إذا كانت العلة لا تقتل غالباً.. فلا فرق بين أن يبقى ضمناً منه، أو يموت في الحال.
فإن قيل: لأنه إذا لم يزل ضمناً منه.. فقد مات منه، وإذا مات في الحال.. فلا يعلم أنه مات منه - قال - فكان ينبغي أن يكون الوجهان في وجوب الضمان دون القود، فيراعى في الفعل أن يكون بحيث يقتل في الغالب، ألا ترى أن الناس يحتجمون ويفتصدون، أفترى ذلك يقتل في الغالب، وهم يقدمون عليه؟
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يجب عليه القود؟ فيه وجهان: من غير تفصيل.
[مسألة الضرب بمثقل يقتل]
وإن ضربه بمثقل، فمات منه، فإن كان يقتل مثله، كالحجر الكبير، أو الخشبة، أو الدبوس، أو رمى عليه حائطاً أو سقفاً وما أشبهه.. وجب عليه القود، وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد.
стр. 5784
وقال النخعي، والشعبي، والحسن البصري، وأبو حنيفة: (لا يجب القصاص بالمثقل) .
دليلنا: ما روى طاووس، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «العمد قود، إلا أن يعفو ولي الدم، والخطأ دية لا قود فيه» . ولم يفرق.
وروى أنس: «أن جارية من الأنصار وجدت وقد رض رأسها بين حجرين وبها رمق، فقيل لها: قتلك فلان؟ قالت: لا، إلى أن ذكر يهودي، فأشارت برأسها - أي: نعم - فدعي اليهودي، فاعترف، فأمر رسول الله ﷺ به، فرضخ رأسه بين حجرين» . وفي هذا الخبر فوائد كثيرة:
أحدها: أن القود يجب بالقتل بالمثقل.
والثانية: أنه يستقاد به.
والثالثة: أن اليهودي يقتل بالمسلم.
стр. 5785
والرابعة: أن الرجل يقتل بالمرأة.
الخامسة: أن للإشارة حكماً؛ لأنها لو لم يكن لها حكم.. لأنكر عليهم النبي ﷺ .
«وروى حمل بن مالك بن النابغة: أنه قال: (كنت بين جاريتين لي - يعني: زوجتين - فاقتتلتا، فضربت إحداهما بطن الأخرى بمسطح، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة: عبد أو أمة، وأن تقتل مكانها» . و (المسطح) : الخشبة الكبيرة تركز في وسط الخيمة.
وروي عن علي ﵁: أنه قال: (العمد قود كله) . ولا مخالف له في الصحابة ﵃.
وإن ضربه بمثقل لا يقتل مثله غالباً، كالقلم، والحصاة، فمات.. لم يجب عليه القود ولا الدية ولا الكفارة؛ لأنا نعلم أنه لا يموت منه، وإنما وافق موته ضربه.
وإن ضربه بمثقل قد يقتل وقد لا يقتل، كالسوط، والعصا الخفيف، فمات، فإن
стр. 5786
والى عليه الضرب إلى أن بلغ عدداً يقتل مثله في الغالب على حسب حال المضروب، أو رمى به، بأن يضربه خمسمائة أو ألفا.. فإن ذلك يقتل في الغالب، وكذلك: إذا كان المضروب نضو الخلق أو في حر شديد أو في برد شديد، فضربه دون ذلك، فمات.. فإن القود يجب عليه.
وإن ضربه ضرباً لا يقتل مثله مثل المضروب في العادة، فمات.. لم يجب عليه القود؛ لأنه عمد خطأ، ويجب عليه الدية.
[فرع خنقه بيده أو بنحو ذلك]
وإن خنقه بيده أو بحبل، أو طرح على وجهه مخدة أو منديلا ًواتكأ عليه حتى مات، فإن فعل ذلك مدة يموت المخنوق من مثلها غالباً.. وجب على قاتله القود؛ لأنه تعمد قتله بما يقتل مثله غالباً، وإن كان في مدة يجوز أن يموت مثله في مثلها، ويجوز أن لا يموت، والغالب أنه لا يموت.. لم يجب عليه القود، وعليه دية مغلظة؛ لأن فعله عمد خطأ.
وإن خنقه خنقاً يموت مثله من مثله، ثم أرسله حياً، ثم مات، فإن كان قد أورثه الخنق شيئاً حتى لا يخرج نفسه، أو بقي متألماً إلى أن مات.. وجب على الخانق القود؛ لأنه مات بسراية فعله، وإن خنقه وأرسله حياً لا يتألم ولا به ضنى، فصبر، فبرأ وصح، ثم مات.. فلا يجب قود على الخانق ولا دية؛ لأنه مات بسبب آخر، كما لو جرحه، فاندمل جرحه، ثم مات.
وإن جعل في رقبته خراطة حبل، وتحت رجليه كرسياً، وشد الحبل إلى سقف
стр. 5787
بيت وما أشبهه، ونزع الكرسي من تحت رجليه، فانخنق، ومات.. وجب عليه القود؛ لأنه أوحى الخنق.
[مسألة ألقاه في حفرة تأجج ناراً]
وإن طرحه في نار في حفير، فلم يمكنه الخروج منها حتى مات.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً.
وإن كانت النار في بسيط من الأرض، فإن كان لا يمكنه الخروج منها لكثرتها أو لشدة التهابها، أو بأن كتفه وألقاه فيها، أو بأن كان ضعيفاً لا يقدر على الخروج.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً، وإن أمكنه الخروج منها، فلم يخرج حتى مات، وهو يعلم إمكان الخروج، بأن يقول: أنا أقدر على الخروج ولا أخرج.. لم يجب القود، وهل تجب عليه الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: تجب عليه الدية؛ لأنه ضمنه بطرحه في النار، فلم يسقط عنه الضمان بتركه الخروج مع قدرته عليه، كما لو جرحه جراحة، وأمكنه مداواتها، فلم يداوها حتى مات.
والثاني: لا تجب عليه الدية؛ لأن النفس لم تخرج بالطرح في النار، وإنما خرجت ببقائه فيها باختياره، فهو كما لو خرج منها، ثم عاد إليها، ويفارق ترك المداواة؛ لأنه لم يحدث أمراً كان به التلف، بخلاف بقائه في النار؛ فإنه أحدث أمراً حصل به التلف، ولأن البرء في الدواء أمر مظنون، فلم تسقط به الدية، والسلامة بالخروج أمر متحقق، فسقط بتركه الضمان.
فإذا قلنا بهذا: وجب على الطارح أرش ما عملت فيه النار، من حين طرحه فيها، إلى أن أمكنه الخروج فلم يخرج.
[فرع طرحه في بحر عميق أو نحوه]
قال الشافعي ﵀: (ولو طرحه في لجة بحر وهو يحسن العوم أو
стр. 5788
لا يحسن العوم، فغرق فيها.. فعليه القود) .
وجملة ذلك: أنه إذا طرحه في لجة البحر، فهلك.. فعليه القود، سواء كان يحسن العوم - وهو السباحة - أو لا يحسن؛ لأن لجة البحر مهلكة.
وإن طرحه في البحر بقرب الساحل، فغرق، فمات.. فإن كان مكتوفاً أو غير مكتوف وهو لا يحسن السباحة.. فعليه القود، وإن كان يحسن السباحة، وأمكنه أن يخرج فلم يخرج حتى غرق ومات، أو طرحه فيما يمكنه الخروج منه، فلم يخرج منه حتى مات.. فلا يجب عليه القود، وهل تجب عليه الدية؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو طرحه في نار يمكنه الخروج منها، فلم يخرج منها حتى مات.
و [الطريق الثاني] : منهم من قال: لا تجب عليه الدية، قولاً واحداً؛ لأن العادة لم تجر بأن يخوض الناس في النار، وجرت العادة أن يخوض الناس في الماء في البحر، فنفس الطرح في النار جناية.
وإن طرحه في البحر بقرب الساحل وهو ممن يمكنه الخروج منه، فابتلعه حوت.. فلا قود عليه؛ لأنه كان يمكنه الخروج لو لم يبتلعه الحوت، وعليه الدية؛ لأنه كان السبب في موته.
وإن طرحه في لجة البحر، فابتلعه حوت قبل أن يصل إلى الماء.. ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه لو لم يبتلعه الحوت.. لما كان يتخلص.
والثاني: لا يجب عليه القود، بل عليه الدية؛ لأن الهلاك لم يكن بفعله. والأول أصح.
стр. 5789
وإن طرحه في ساحل بحر قد يزيد إليه الماء وقد لا يزيد، فزاد الماء وغرقه.. لم يجب عليه القود؛ لأنه لم يقصد قتله، وتجب عليه دية مغلظة؛ لأنه عمد خطأ.
وإن كان الموضع لا يزيد الماء إليه، فزاد وغرقه.. لم يجب عليه القود، وتجب عليه دية مخففة، لأنه خطأ محض.
[مسألة حبسه فمات]
وإن حبس حراً وأطعمه وسقاه، فمات وهو في الحبس.. فلا قود عليه ولا دية، سواء مات حتف أنفه أو بسبب، كلدغ الحية، وسقوط الحائط، وما أشبهه.
وقال أبو حنيفة: (إن كان صغيراً، فمات حتف أنفه.. فلا شيء عليه، وإن مات بسبب، كلدغ الحية، أو سقوط الحائط.. فعليه الدية) .
ودليلنا: أنه حر، فلا يضمنه باليد، كما لو مات حتف أنفه.
وأما إذا حبسه ومنعه الطعام والشراب أو أحدهما حتى مات.. نظرت:
فإن حبسه عن ذلك مدة قد يموت مثله في مثلها غالباً.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل مثله غالباً، فهو كما لو قتله بالسيف.
وإن كانت مدة قد يموت مثله في مثلها، وقد لا يموت مثله في مثلها.. لم يجب القود، وإنما تجب عليه الدية.
وإن كانت مدة لا يجوز أن يموت مثله في مثلها بمنع الطعام والشراب.. فلا قود عليه ولا دية؛ لأنا نعلم أنه مات بسبب آخر، ويعتبر حال المحبوس، فإن حبسه وهو جائع.. فإنه لا يصبر عن الطعام والشراب إلا المدة القليلة، وإن كان شبعان.. فإنه يصبر أكثر من مدة صبر الجائع. ويعتبر الطعام على انفراده، والشراب على انفراده؛ لأن الإنسان يصبر عن الطعام أكثر مما يصبر عن الشراب.
وإن أمكنه الخروج إلى الطعام والشراب، فلم يخرج حتى مات.. قال الطبري: فلا قود عليه بحال.
стр. 5790
[فرع أمسك رجلاً فقتله آخر]
إذا أمسك رجل رجلاً، فجاء آخر فقتله.. وجب القود على القاتل دون الممسك، إلا أن الممسك إن كان أمسكه مداعبة أو ليضربه.. فلا إثم عليه ولا تعزير، وإن أمسكه ليقتله الآخر.. أثم بذلك وعزر. هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال ربيعة: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت.
وقال مالك ﵀: (إن حبسه ليضربه الآخر، أو أمسكه ليضربه، أو مداعبة، فجاء الآخر فقتله.. فلا قود عليه ولا دية، وإن أمسكه ليقتله الآخر.. فعليه القود) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] [البقرة: ١٩٤] فلو أوجبنا على الممسك القود.. كنا قد اعتدينا عليه بأكثر مما اعتدى.
وروى أبو شريح الخزاعي: أن النبي ﷺ قال: «إن من أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية في الإسلام، أو بصر عينيه في النوم ما لم تبصر» . فلو قتل الولي الممسك.. لكان قد قتل غير قاتله.
وروي: «أن النبي ﷺ سئل عن رجل أمسك رجلاً حتى جاء آخر فقتله، فقال: " يقتل القاتل، ويصبر الصابر» قال أبو عبيد: معنى قوله ﷺ : " يصبر
стр. 5791
الصابر " أي: يحبس، وأراد بالحبس: التعزير بالحبس.
ولأنه سبب غير ملجئ، اجتمع مع المباشرة، فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، كما لو حفر بئراً، أو نصب سكيناً، فدفع عليها آخر رجلاً، فمات.
ولأنه لو كان بالإمساك شريكاً.. لكان إذا مسك الرجل امرأة، وزنى بها آخر.. أن يجب عليهما الحد، فلما لم يجب الحد على الممسك.. لم يجب القود على الممسك.
[مسألة قيد شخصاً فأكله سبع]
وإن كتف رجلاً أو قيده، فأكله السبع.. ففيه ثلاث مسائل، ذكرها الشيخ أبو حامد:
إحداهن: إذا قيده أو كتفه وطرحه في أرض مسبعة، فجاء السبع فأكله.. فإنه لا قود على الطارح له، ولا دية؛ لأن السبع أكله باختياره، ولأن له اختياراً، كما لو أمسكه، فقتله آخر.
الثانية: إذا قيده في صحراء، ثم رمى بالسبع عليه، أو رمى به على السبع، فأكله.. فلا قود عليه ولا دية؛ لأن من طبع السبع إذا رمي به على إنسان، أو رمي بإنسان عليه.. أن ينفر عنه، فإذا لم ينفر عنه.. كان أكله له باختياره.
الثالثة: إذا كان السبع في مضيق أو بيت أو بئر أو زبية، فرمي بالإنسان عليه،
стр. 5792
أو كان الإنسان في المضيق أو في البيت أو في البئر أو في الزبية، فرمي بالسبع عليه، فضربه السبع، فمات، فإن ضربه السبع ضرباً يقتل مثله في الغالب.. وجب على الرامي القود؛ لأنه قد اضطر السبع إلى قتله، وإن ضربه ضرباً لا يقتل مثله في الغالب، فمات.. لم يجب على الرامي القود؛ لأن الغالب منه السلامة، وتجب عليه الدية في ماله. وكذلك حكم النمر، وما في معناه.
وإن أمسك السبع أو النمر، وأفرسه إياه، فأكله.. فعليه القود؛ لأنه قد اضطره إلى ذلك.
[فرع طرحه في أرض ذات حيات]
وإن قيد رجلاً وطرحه في أرض ذات حيات، فنهشته حية منها، فمات.. فلا قود عليه ولا دية، سواء كان في موضع ضيق أو واسع.
وكذلك: إذا رمي به على الحية، أو رمي بالحية عليه؛ لأن الحيات والعقارب من طبعها النفور من الإنسان.
وإن أخذ الحية أو العقرب بيده، وأنهشها إنساناً.. قال الشافعي ﵀: (ضغطها أو لم يضغطها، فنهشته، فمات، فإن كان من الحيات التي تقتل في الغالب، كحيات الطائف، وأفاعي مكة.. وجب عليه القود؛ لأنه توصل إلى قتله بما يقتل غالباً، فهو كما لو قتله بالسيف، وإن كان مما لا يقتل غالباً مثلها، كثعابين مكة والحجاز، وأفاعي مصر.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه القود؛ لأنه لا يقتل مثلها غالباً، ويجب عليه دية مغلظة؛ لأنه شبه عمد.
والثاني: يجب عليه القود؛ لأن جنسها يقتل غالباً، فهو بمنزلة الجراح) .
стр. 5793
[مسألة سقاه سماً فمات]
إذا سقى رجلاً سماً، فمات المسقي، فلا يخلو: إما أن يكرهه، أو لا يكرهه.
فإن أكرهه على شربه، بأن صبه في حلقه مكرهاً له على ذلك.. نظرت:
فإن أقر الساقي: أنه سم يقتل مثله غالباً.. وجب عليه القود؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً، فهو كما لو قتله بالسيف.
وإن ادعى ولي المقتول: أنه يقتل غالباً، وأنكر الساقي أنه يقتل غالبا، فإن أقام ولي المقتول بينة: أنه يقتل غالباً. وجب القود على الساقي؛ لأنه ثبت أنه يقتل غالبا.. وإن أقام ولي المقتول بينة: أنه يقتل نحيف الخلق، ولا يقتل قوي الخلق.. لم يجب عليه القود، وإنما تجب عليه دية مغلظة. وإن لم يقم ولي المقتول بينة، ولكن أقام الساقي بينة: أنه لا يقتل غالباً.. لم يجب عليه القود، وإنما تجب عليه دية مغلظة.
وإن لم يكن هناك بينة.. فالقول قول الساقي مع يمينه: أنه لم يكن يقتل غالباً؛ لأن الأصل عدم القود، فإذا حلف.. لم يجب عليه القود، وعليه دية مغلظة.
وإن قامت البينة: أنه كان يقتل غالباً، أو اعترف الساقي بذلك، إلا أنه ادعى: أنه لم يعلم أنه يقتل غالباً وقت السقي.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه القود؛ لأن ما ادعاه محتمل، وذلك شبهة توجب سقوط القود عنه.
والثاني: يجب عليه؛ لأنه قتله بما يقتل غالباً، فلا يصدق في دعواه، كما لو جرحه.
وإن خلط السم بطعام أو شراب، وأكرهه، فأوجره في حلقه، فمات، فإن كان الطعام أو الشراب قد كسر حدة السم، فصار لا يقتل غالباً.. لم يجب عليه
стр. 5794
القود، وإن لم يكسر حدته.. فهو كما لو سقاه السم منفرداً.
فإن لم يكرهه على ذلك، وإنما ناوله إياه، فشربه.. نظرت:
فإن كان الشارب صبياً لا تمييز له، أو كبيراً مجنوناً، أو أعجمياً يعتقد وجوب طاعة الأمر.. فعلى الدافع إليه الضمان؛ لأنه كالآلة له حيث اعتقد طاعته فيه.
وإن كان عاقلاً مميزاً.. فلا ضمان على الدافع؛ لأنه قتل نفسه باختياره أو بتفريطه.
وإن خلطه به، ولم يكسر الطعام حدة السم، فأكله إنسان، ومات.. نظرت:
فإن كان الطعام الذي خلط فيه السم قدمه إلى إنسان، وقال: كله، فأكله.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لما روى أبو هريرة ﵁: «أن يهودية بخيبر أهدت للنبي ﷺ شاة مصلية، فأكل منها رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم قال النبي ﷺ : " ارفعوا أيديكم، فإنها قد أخبرتني: أنها مسمومة "، فأرسل إلى اليهودية، وقال: " ما حملك على ما صنعت؟ "، فقالت: قلت: إن كنت نبياً.. لم يضرك الذي صنعت، وإن كنت ملكاً.. أرحت الناس منك. فأكل منها بشر بن البراء بن معرور، فمات، فأرسل رسول الله ﷺ إلى اليهودية، فقتلها، وقال ﷺ : " ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان قطعت أبهري» .
стр. 5795
ومعنى قوله: " تعادني " أي: يأتيني ألمها لوقت معلوم.
و (الأبهر) : عرق متصل بالقلب، متى انقطع.. مات الإنسان.
ولأن العادة جرت أن من قدم إليه الطعام.. فإنه يأكل منه، فصار كأنه ألجأه إلى أكله، فوجب عليه القود، كما لو أكرهه عليه.
والثاني: لا يجب عليه القود؛ لأنه أكله باختياره، فصار كما لو قتل نفسه بسكين.
فإذا قلنا بهذا: فهل تجب عليه الدية؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال القاضي أبو الطيب: فيه قولان:
أحدهما: لا تجب عليه الدية؛ لأنه هو الجاني على نفسه.
والثاني: تجب عليه الدية؛ لأن التلف حصل بسبب منه، فصار كما لو حفر بئراً في طريق الناس، فهلك فيها إنسان.
وقال الشيخ أبو حامد: تجب عليه الدية، قولا ًواحداً؛ لما ذكرناه. ولا يعرف هاهنا قولان.
وإن خلط السم بطعام، وقدمه إلى رجل، وقال: فيه سم يقتل غالباً، فأكله، فمات.. فلا قود عليه ولا دية؛ لأنه قتل نفسه.
وإن خلط السم بطعام، وقدمه إلى صبي لا يميز، أو إلى بالغ مجنون، أو إلى أعجمي لا يعقل ولا يميز، وقال: كله، فإن فيه سماً قاتلاً، فأكله، فمات.. وجب عليه القود؛ لأنه لا تمييز له، فهو كما لو قتله بيده.
стр. 5796
وإن خلط السم بطعام له، وتركه في بيته، فدخل رجل بيته، وأكل الطعام، ومات.. لم يجب عليه قود ولا دية؛ لأن الآكل فرط وتعدى بأكل طعام غيره بغير إذنه.
وإن خلط السم بطعام لغيره، فجاء صاحب الطعام، فأكل طعامه، ولم يعلم بالسم، فمات.. وجب على الذي خلط فيه السم قيمة الطعام؛ لأنه أفسده، وهل يجب عليه القود في الذي أكله؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، كما لو خلطه بطعام نفسه، وقدمه إلى من أكله؛ لأن الإنسان يأكل طعامه بحكم العادة والحاجة، فصار كما لو خلطه بطعام، ودعاه إلى أكله.
ومنهم من قال: لا يجب عليه القود، قولاً واحدا؛ لأنه لم يوجد منه أكثر من إفساد الطعام.
[مسألة سحر إنساناً فمات]
وإذا سحر رجل رجلاً، فمات المسحور.. سئل الساحر عن سحره، فإن قال: سحري يقتل غالباً، وقد قتلته به.. وجب عليه القود.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه القود) .
دليلنا: أنه قتله بما يقتل غالباً، فهو كما لو قتله بسيف.
وإن قال: سحري لا يقتل.. وجب عليه دية مخففة؛ لأنه خطأ.
стр. 5797
وإن قال: قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب منه السلامة.. وجبت عليه دية مغلظة في ماله.
وإن قال الساحر: قتلت بسحري جماعة، ولم يعين من قتل.. لم يقتل.
وقال أبو حنيفة: (يقتل حداً؛ لأنه يسعى في الأرض بالفساد) .
ودليلنا: أن السعي في الأرض بالفساد هو: إشهار السلاح، وإخافة الطريق، وأما القتل: فليس بالسعي بالفساد، كما لو قتل جماعة مستخفاً بقتلهم.
[مسألة أمر بقتل رجل]
] : إذا أمر الإمام رجلاً أن يقتل رجلا بغير حق، فقتله.. فلا يخلو: إما أن يكرهه على قتله، أو لا يكرهه.
فإن لم يكرهه، بل قال له: اقتله، فإن كان المأمور يعلم أنه أمر بقتله بغير حق.. لم يجز له قتله؛ لقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ،
стр. 5798
وقوله ﷺ : «من أمركم من الولاة بغير طاعة الله.. فلا تطيعوه» .
فإن خالف وقتله.. فسق المأمور بذلك، ووجب عليه القود والكفارة؛ لأنه قتله بغير حق، ولا يلحق الإمام إلا الإثم؛ لقوله ﷺ : «من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة.. جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله» . هذا نقل البغداديين.
وقال الخراسانيون: هل يكون مجرد أمر الإمام أو السلطان إكراهاً؟ فيه وجهان.
وأما إذا كان المأمور لا يعلم أنه أمر بقتله بغير حق.. وجب على الإمام القود والكفارة؛ لأن الإمام لا يباشر القتل بنفسه، وإنما يأمر به غيره، فإذا أمر غيره وقتله بغير حق.. تعلق الحكم بالإمام، كما لو قتله بيده، وأما المأمور: فلا يجب عليه إثم ولا قود ولا كفارة؛ لأن اتباع أمر الإمام واجب عليه؛ لأن الظاهر أنه لا يأمر إلا بحق.
قال الشافعي ﵀: (وأحب له أن يكفر) .
وأما إذا أمره أو أكرهه الإمام على القتل، وعلم المأمور أنه يقتل بغير حق.. فلا يجوز للمأمور القتل؛ لما ذكرناه إذا لم يكرهه، فإن قتل.. فإنه يأثم بذلك ويفسق، ويجب على الإمام القود والكفارة في ماله، وأما المكره المأمور: فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
стр. 5799
أحدهما: لا يجب عليه القود، وهو قول أبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» ، ولأنه قتله لاستبقاء نفسه.. فلم يجب عليه القود، كما لو قصد رجل نفسه، فلم يمكنه دفعه إلا بقتله.
والثاني: يجب عليه القود، وبه قال مالك، وأحمد رحمة الله عليهما، وهو الأصح؛ لقوله ﷺ : «من قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» . وهذا قاتل، ولأنه قصد قتل من يكافئه لاستبقاء نفسه، فوجب عليه القود، كما لو جاع.. فقتله ليأكله، ولأن رجلين لو كانا في مضيق أو بيت، فدخل عليهما أسد أو سبع، فدفع أحدهما صاحبه إليه خوفاً على نفسه، فأكله الأسد أو السبع.. لوجب القصاص على الدافع.
وكذلك: لو كان جماعة في البحر، فخافوا الغرق، فدفعوا واحداً منهم في البحر لتخف السفينة، وغرق، ومات.. وجب عليهم القود وإن كان ذلك لاستبقاء أنفسهم، فكذلك هذا مثله.
فإذا قلنا: يجب على المأمور القود.. كان الولي بالخيار: بين أن يقتل المكره، وبين أن يعفو عنهما، ويأخذ منهما الدية.
وإن قلنا: لا يجب على المأمور المكره القود.. فعليه نصف الدية؛ لأنه قد باشر القتل، ويجب على كل واحد منهما الكفارة على القولين معاً. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: إذا قلنا: لا يجب على المأمور القود.. فهل يجب عليه نصف الدية؟ فيه وجهان.
стр. 5800
فإن قلنا: عليه نصف الدية.. كان عليه الكفارة.
وإن قلنا: لا تجب عليه نصف الدية.. فهل تجب عليه الكفارة؟ فيه وجهان.
إذا ثبت هذا: فإنه لا فرق بين الإمام وبين النائب عنه في ذلك؛ لأن طاعته تجب كما تجب طاعة الإمام.
وكذلك: إذا تغلب رجل على بلد أو إقليم بتأويل، وادعى: أنه الإمام، كالإمام الذي نصبه الخوارج.. فحكمه حكم الإمام في ذلك؛ لأن الشافعي ﵀ لا يرد من أفعاله إلا ما يرد من أفعال الإمام العدل، وكذلك قاضيهم.
وأما إذا تغلب رجل على بلد بغير تأويل، بل باللصوصية، وأمر رجلاً بقتل رجل بغير حق، أو أمره رجل من الرعية بقتل رجل بغير حق، فإن لم يكرهه الآمر على القتل، فقتله.. وجب على المأمور القاتل القود والكفارة، سواء علم أنه أمره بقتله بحق أو بغير حق؛ لأنه لا يجب عليه طاعته بخلاف الإمام، ولا يلحق الإمام إلا الإثم؛ للمشاركة بالقول.
وأما القود والدية والكفارة: فلا تجب عليه؛ لأنه لم يلجئه إلى قتله.
وأما إذا أكرهه على قتله: وجب على الآخر القود والكفارة؛ لأنه توصل إلى قتله بالإكراه، فهو كما لو قتله بيده.
وأما المأمور: فإن كان يمكنه أن يدفع الآمر بنفسه أو بعشيرته أو بمن يستعين به.. فلا يجوز له أن يقتل، فإن قتل.. فعليه القود والكفارة. وإن لم يمكنه أن يدفع الآمر بنفسه، فقتل.. فهل يجب عليه القود؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: فيه قولان، كما قلنا في الذي أكرهه الإمام.
ومنهم من قال: يجب عليه القود، قولا ًواحداً؛ لأن الذي أكرهه الإمام له شبهة في أمر الإمام؛ لجواز أن يكون الإمام قد علم بأمر يوجب القتل على المقتول وإن لم يعلم به المأمور، وطاعة الإمام تجب، بخلاف المتغلب باللصوصية وآحاد الرعية،
стр. 5801
فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يجب على المأمور طاعته.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: لا يجب القود على من أكرهه الإمام، قولاً واحداً، ويجب القود على من أكرهه غير الإمام، قولاً واحداً؛ لما ذكرناه من الفرق بينهما. والطريق الأول أصح.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي ﵀ قال في " الأم ": (ولو أمر الإمام رجلاً بقتل رجل ظلماً، ففعل المأمور ذلك.. كان عليهما القود) . واختلف أصحابنا في تأويله:
فقال أبو إسحاق: أراد: إذا أكرهه وأجاب، على أحد القولين.
ومنهم من قال: لم يرد بذلك إذا أكرهه؛ لأنه ذكر الإكراه بعد ذلك، وإنما تأويله: أن يقتل مسلماً بكافر، والإمام والمأمور يعتقدان أنه لا يقتل به، إلا أن المأمور اعتقد أن الإمام قد أداه اجتهاده إلى ذلك.. فيجب عليهما القود؛ أما الإمام: فلأنه ألجأه إلى قتله بأمره؛ لأن طاعة أمره واجبة، وأما المأمور: فلأن القتل إذا كان محرماً.. لم يجز له أن يفعله، وإن كان الإمام يرى إباحته.. فيلزمهما القود.
[فرع كيفية الإكراه]
واختلف أصحابنا في كيفية الإكراه على القتل:
فقال ابن الصباغ: لا يكون الإكراه عليه إلا بالقتل، أو بجرح يخاف منه التلف، فأما إذا أكرهه بضرب لا يموت منه، أو بأخذ مال.. فلا يكون إكراهاً؛ لأن ذلك لا يكون عذراً في إتلاف النفس لحرمتها؛ ولهذا: يجب عليه الدفع عن نفسه في أحد الوجهين، ولا يجب عليه الدفع عن ماله، بل يجب عليه بذله لإحياء نفس غيره.
وقال الشيخ الإمام أبو حامد في " التعليق ": إذا أكرهه بأخذ المال عن القتل.. كان إكراهاً، كما قلنا في الإكراه على الطلاق.
стр. 5802
وقال الطبري: إذا أكرهه على القتل بما لا تحتمله نفسه.. كان إكراهاً، كما قلنا في الطلاق.
[فرع أمر الصغير والمطيع]
فإن أمر عبده الصغير الذي لا يميز، أو كان أعجمياً لا يميز، ويعتقد طاعته في كل ما يأمره به، بقتل رجل بغير حق، فقتله.. وجب القود والكفارة على الآمر، ولا يجب على المأمور شيء؛ لأن المأمور كالآلة للآمر، فصار كما لو قتله بيده.
وكذلك: إذا كان المأمور عبداً لغيره، أو حراً يعتقد طاعة كل من أمره.. فالحكم فيه وفي غيره واحد.
ولو أمره بسرقة نصاب لغيره من حرز مثله، فسرقه.. لم يجب على الآمر القطع؛ لأن وجوب القصاص آكد من وجوب القطع في السرقة؛ ولهذا: يجب القصاص في السبب، ولا يجب القطع بالسبب.
ولو قال للصغير الذي لا يميز، أو للأعجمي الذي يعتقد طاعته في كل ما يأمره به: اقتلني، فقتله.. كان دمه هدراً؛ لأنه آلة له، فهو كما لو قتل نفسه، ويجب عليه الكفارة في ماله.
وإن أمر الصغير الذي لا يميز، أو البالغ المجنون أن يذبح نفسه، فذبحها، أو يجرح مقتلاً من نفسه، فجرحه، فمات، فإن كان عبده.. لم يجب عليه ضمانه؛ لأنه ملكه، ولكنه يأثم، وتجب عليه الكفارة، وإن كان عبداً لغيره.. وجب عليه ضمانه والكفارة، ولا يجب عليه القود إن كان الآمر حراً، لأنه لا يكافئه، وإن كان الآمر له عبداً، أو كان المأمور حراً.. وجب على الآمر القود والكفارة، كما لو قتله.
وإن قال لأعجمي يعتقد طاعة كل من يأمره: اذبح نفسك، فذبحها.. لم يجب
стр. 5803
على الآمر الضمان؛ لأنه لا يجوز أن يخفى عليه أن قتل نفسه لا يجوز وإن جاز أن يخفى عليه أن قتل غيره يجوز.
وإن أمره أن يجرح مقتلاً من نفسه، فجرحه، ومات.. فإن الشيخ أبا حامد ذكر: أن حكمه حكم ما لو أمره بقتل نفسه.
وذكر ابن الصباغ في " الشامل ": أنه يجب على الآمر ضمانه؛ لأنه يجوز أن يخفى عليه أنه يقتله، بخلاف أمره له بقتله لنفسه.
وإن أمر عبداً أعجمياً، بالغاً، عاقلاً، لا يعتقد وجوب طاعة من يأمره بغير حق، بقتل إنسان بغير حق، فقتله، فإن لم يكرهه على القتل.. لم يجب على الآمر قود ولا دية ولا كفارة، وإنما عليه الإثم فقط، ويتعلق حكم القتل بالعبد، فيجب عليه القود، وإن عفا عن القود.. تعلقت الدية برقبته، وإن أكرهه على القتل.. وجب على الآمر القود، وهل يجب القود على العبد المأمور؟ على ما مضى في إكراه الحر.
وإن أمر عبداً مراهقاً، يعلم أن طاعته لا تجوز بما لا يوافق الشرع بقتل إنسان بغير حق، فإن لم يكرهه على القتل.. لم يجب على كل واحد منهما القود، وتتعلق الدية برقبة العبد، وإن أكرهه على القتل.. لم يجب على الصبي قود، وهل يجب القود على الآمر؟
إن قلنا: إن عمد الصبي عمد.. وجب عليه القود.
وإن قلنا: إن عمده خطأ.. لم يجب عليه القود.
[فرع الإكراه على إتلاف مال آخر]
] : وإن أكره رجلاً على إتلاف مال لغيره.. فإن الضمان يتقرر على الآمر، وهل للمالك أن يطالب المأمور؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري:
أحدهما: له أن يطالبه؛ لأنه باشر الإتلاف.
стр. 5804
فعلى هذا: يرجع المأمور على الآمر.
والثاني: ليس للمالك مطالبة المأمور؛ لأنه آلة للآمر.
[مسألة إذا قتل بشهادتهما فعليه القود]
وإن شهد شاهدان على رجل بما يوجب القتل بغير حق، فقتل بشهادتهما، وعمدا الشهادة عليه، وعلما أنه يقتل بشهادتهما.. وجب القود عليهما؛ لما روي: أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل: أنه سرق، فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما، فقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما الشهادة عليه.. لقطعت أيديكما) . وغرمهما دية يده. ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالباً، فهو كما لو جرحاه، فمات.
[فرع أمره بقطع يده فقطع فلا قود]
لو قال لرجل: اقطع يدي، فقطع يده.. فلا قود على القاطع ولا دية؛ لأنه أذن له في إتلافها، فهو كما لو أذن له في إتلاف ماله، فأتلفه.
وإن قال له: اقتلني، فقتله، أو أذن له في قطع يده، فقطعها، فسرى القطع إلى نفسه فمات.. لم يجب عليه القود.
وأما الدية: فقال أكثر أصحابنا: تبنى على القولين، متى تجب دية المقتول؟
فإن قلنا: تجب في آخر جزء من أجزاء حياته.. لم تجب هاهنا.
وإن قلنا: إنها تجب بعد موته.. وجبت ديته لورثته.
قال ابن الصباغ: وعندي في هذا نظر؛ لأن هذا الإذن ليس بإسقاط لما يجب بالجناية، ولو كان إسقاطاً لها.. لما سقط، كما لا يصح أن يقول له: أسقطت عنك
стр. 5805
ما يجب لي بالجناية أو إتلاف المال، وإنما سقط لوجود الإذن فيه، ولا فرق بين النفس فيه والأطراف، وهذا يدل على: أن الدية تسقط عنده، قولاً واحداً.
وإن فصده أو حجمه، فمات، فإن كان بغير أمره.. وجب عليه القود، وإن كان بأمره.. لم يجب عليه قود ولا دية، قولاً واحداً؛ لأن الفصد مباح، بخلاف القتل.
وبالله التوفيق والعون، وهو حسبي ونعم الوكيل
стр. 5806
[باب القصاص في الجروح والأعضاء]
قال الشافعي ﵀: (والقصاص فيما دون النفس شيئان: جرح يستوفى، وطرف يقطع) .
وجملة ذلك: أن القصاص يجب فيما دون النفس من الجروح والأعضاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] .
ولما روي: «أن الربيع بنت معوذ - وقيل: بنت أنس - كسرت ثنية جارية من الأنصار، فعرضوا عليهم الأرش، فلم يقبلوا، فطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي ﷺ ، فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق نبياً لا تكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ : " كتاب الله القصاص "، فعفا القوم، فقال النبي ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» .
ولأن القصاص في النفس إنما جعل لحفظ النفس، وهذا موجود فيما دون النفس.
إذا ثبت هذا: فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس.. جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم، ويد الكافر بيد الكافر، ويد المرأة بيد المرأة. وهذا إجماع.
وتقطع يد المرأة بيد الرجل، ويد الرجل بيد المرأة، ويد العبد بيد الحر والعبد عندنا، وبه قال مالك، وأحمد ﵏.
وقال أبو حنيفة: (إذا اختلف الشخصان في الدية.. لم يجز القصاص بينهما فيما دون النفس، فلا تقطع يد الرجل بيد المرأة، ولا يد المرأة بيد الرجل، ولا يد العبد بيد الحر، ولا يد العبد بيد العبد إذا اختلفت قيمتهما) .
стр. 5807
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ولم يفرق.
ولأن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس.. جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، كالحرين المسلمين.
[مسألة اشتراك جماعة في إبانة عضو]
وإن اشترك جماعة في إبانة عضو، أو جراحة يثبت بها القصاص، ولم يتميز فعل بعضهم عن بعض، مثل: أن أجرى جماعة سيفاً في أيديهم على يد رجل أو رجله، فقطعوها، أو على رأسه، فأوضحوه.. قطعت يد كل واحد منهم، وأوضح كل واحد منهم، وبه قال ربيعة، ومالك، وأحمد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: (لا يقتص منهم، بل ينتقل حق المجني عليه إلى الدية) .
دليلنا: ما روي: أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل بالسرقة، فقطع يده، ثم أتياه برجل آخر، وقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا في ذلك.. فلم يقبل شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية يد، وقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما.. لقطعت أيديكما) . وروي: (لقطعتكما) . ولا مخالف له في الصحابة.
ولأن كل جناية وجب بها القصاص على الواحد.. وجب بها القصاص على الجماعة، كالنفس.
وإن قطع أحدهما بعض العضو وأبانه الثاني، أو وضع أحدهما السكين على المفصل، ووضع الآخر عليه السكين من الجانب الآخر، ثم قطعاه وأباناه.. لم يجب على أحدهما قصاص في إبانة العضو؛ لأن جناية كل واحد منهما وقعت متميزة في بعض العضو، فلا يقتص منه في جميعه.
стр. 5808
[فرع يعتبر في المجني به ما يعتبر بالنفس]
ويعتبر في المجني به على ما دون النفس ما يعتبر في النفس، فإن رماه بحجر كبير يوضحه مثله في الغالب، فأوضحه.. وجب عليه القود.
وإن لطمه، وورم، وانتفخ، وصار موضحة.. فلا قود عليه فيها، وتجب فيها الدية.
وإن رماه بحجر صغير لا يوضح مثله في الغالب، فأوضحه.. لم يجب عليه القود، ووجبت عليه الدية، كما قلنا في النفس.
وحكى ابن الصباغ في " الشامل ": أن الشيخ أبا حامد قال: إذا كان الحجر مما يوضح غالباً، ولا يقتل غالباً.. فإنه يجب القصاص في الموضحة، فإذا مات.. لم يجب القصاص.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن من أوضح غيره بحديدة، فمات منها.. وجب عليه القود، فإذا كانت هذه الآلة توضح في الغالب.. كانت كالحديدة.
[مسألة القصاص في الجروح والأعضاء]
ويجب القصاص فيما دون النفس في شيئين: الجروح والأعضاء.
والجروح ضربان: جروح في الرأس والوجه، وجروح فيما سواهما من البدن.
فأما الجروح في الرأس والوجه: فتسمى: الشجاج.
قال الشافعي ﵀: (هي عشر:
أولها: (الخارصة) : وهي التي تكشط الجلد كشطاً لا يدمي، ومنه يقال: (خرص القصار الثوب) : إذا كشط درنه ووسخه.
وبعدها (الدامية) : وهي التي كشطت الجلد، وخرج منها الدم.
стр. 5809
وبعدها (الباضعة) : وهي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد.
وبعدها (المتلاحمة) : وهي التي تنزل في اللحم.
وبعدها (السمحاق) : وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجلدة: السمحاق.
وبعداه (الموضحة) : وهي التي أوضحت العظم، وكشفت عنه.
وبعدها (الهاشمة) : وهي التي هشمت العظم.
وبعدها (المنقلة) : قال الشيخ أبو حامد: ولها تأويلان:
أحدهما: أن تنقل العظم من موضع إلى موضع.
والثاني: أنه في تداويه لا بد من إخراج شيء من العظم منه.
وبعدها (المأمومة) : وتسمى: الآمة، وهي التي قطعت العظم، وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ.
وبعدها (الدامغة) : وهي التي بلغت إلى الدماغ) .
وحكي عن أبي العباس ابن سريج: أنه زاد الدامغة بعد الدامية، وقال: (الدامية) : التي يخرج منها الدم ولا يجري، و (الدامغة) : ما يخرج منها الدم ويجري.
وقال الأزهري: (الدامغة) : قبل الدامية، وهي التي يخرج منها الدم بقطرة، و (الدامية) : هي التي يخرج منها الدم أكثر.
стр. 5810
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي ﵀ قال في " الأم ": (لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج) ، ونقل المزني: لو جرحه، فلم يوضحه.. اقتص منه بقدر ما شق من الموضحة. واختلف أصحابنا فيه:
فقال الخراسانيون: هل يجب القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج؟ فيه قولان.
وقال أكثر أصحابنا البغداديين: لا يجب القصاص فيما دون الموضحة، وما نقله المزني فيه سهو؛ لأن القصاص هو المماثلة، ولا يمكن المماثلة فيما دون الموضحة، فلو أوجبنا فيها القصاص.. لم نأمن أن نأخذ في موضحة بمتلاحمة؛ لأنه قد يكون رأس المجني عليه غليظ الجلد كثير اللحم، ويكون رأس الجاني رقيق الجلد قليل اللحم، فإذا قدرنا العمق في المتلاحمة في رأس المجني عليه، وأوجبنا قدره في رأس الجاني.. فربما بلغت إلى العظم، وذلك لا يجوز.
وقال الشيخ أبو حامد: يمكن عندي القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج على ما نقله المزني، بأن يكون في رأس المجني عليه موضحة، وفي رأس الجاني موضحة، فينظر إلى المتلاحمة التي في رأس المجني عليه، وينظر كم قدرها من الموضحة التي في رأس الجاني، فإن كانت قدر نصفها.. نظر كم قدر الموضحة التي في رأس الجاني، فيقتص منه نصف موضحته التي في رأسه.
والمشهور: أنه لا قصاص في ذلك.
وأما الموضحة: فيجب فيها القصاص؛ لأن المماثلة فيها ممكنة من غير حيف، فتقدر الموضحة بالطول والعرض، ويعلم عليه بخيط أو سواد، ولا يعتبر العمق؛ لأنه يأخذ إلى العظم.
стр. 5811
وإن كانت الشجة في الرأس، وعلى موضعها في رأس الجاني شعر.. فالمستحب: أن يحلق ذلك الشعر؛ لأنه أسهل في الاستيفاء، وإن اقتص ولم يحلق الشعر.. جاز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه.
[فرع اختلاف كبر الرأس وصغره مع الشجة]
وإذا شج رجل رجلاً في رأسه شجة.. فلا يخلو: إما أن تستوي رأساهما في الصغر والكبر، أو تختلفا.
فإن استوى رأساهما في الصغر أو الكبر.. فإنه يستوفي مثل موضحته بالطول والعرض في موضعها، إما في مقدم الرأس، أو مؤخره، أو بين قرنيه.
وإن اختلفا.. نظرت:
فإن كان رأس الجاني أكبر، ورأس المجني عليه أصغر، فجنى عليه موضحة من منبت الشعر فوق الأذن إلى منبت الشعر فوق الأذن، وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني ينتهي إلى أعلى من ذلك الموضع لسعته.. فليس للمجني عليه أن يأخذ إلا قدر موضحته طولاً وعرضاً لا يزيد عليه، ولكن له أن يبتدئ بالاقتصاص من أي الجانبين شاء.
وإن أوضح جميع رأسه.. فللمجني عليه أن يقتص قدر موضحته طولاً وعرضاً في أي موضع شاء من رأس الجاني؛ لأنه قد جنى عليه في ذلك الموضع في رأسه.
فإن أراد أن يقتص بعضها في مقدم رأس الجاني، وبعضها في مؤخر رأس الجاني، ويكون بينهما فاصل.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له ذلك؛ لأنه يأخذ موضحتين بموضحة.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي إسحاق -: أنه يجوز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه، إلا إن قال أهل الخبرة: إن في ذلك زيادة ضرر، أو زيادة شين.. فيمنع من ذلك.
стр. 5812
وإن كان رأس المجني عليه أكبر من رأس الجاني، فأوضحه موضحة في مقدم رأسه، وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني يزيد على ذلك الموضع.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمجني عليه أن يقتص في مقدم رأس الجاني، ويستكمل قدر طول موضحته وعرضها مما يلي ذلك من مؤخر رأس الجاني؛ لأنه عضو واحد.
فإن زادت موضحته على قدر الرأس.. لم يكن له أن يستوفي باقيها في الوجه ولا في القفا، وهو: ما نزل عن منبت شعر الرأس من العنق؛ لأنهما عضوان آخران.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز له أن يتجاوز عن سمت موضع الشجة؛ لأنه غير موضع الشجة، فلم يتجاوزه، كما لا يجوز له أن يتجاوز عن موضحة الرأس إلى الوجه والقفا.
فعلى هذا: إن كانت الموضحة في مقدم الرأس، وزاد قدرها على مقدم رأس الجاني.. لم ينزل إلى مؤخره، وإن كانت بين قرني الرأس - وهما: جانباه - وزاد قدرها على ما بين قرني رأس الجاني. فللمجني عليه أن يقتص إلى ما فوق الأذنين؛ لأنه في سمتها، وليس له أن يستوفي في مقدم الرأس ولا في مؤخره؛ لأنه في غير سمته.
[فرع يقتص من الموضحة]
وأما الهاشمة والمنقلة والمأمومة: فله أن يقتص في الموضحة منها، وليس له أن يقتص فيما زاد عليها؛ لأن كسر العظم لا يمكن المماثلة فيه؛ لأنه يخاف فيه الحيف، وإتلاف النفس.
[فرع جراحة غير الرأس والوجه]
وأما الجراحة في غير الرأس والوجه: فينظر فيها:
فإن وصلت إلى عظم.. وجب فيها القصاص.
стр. 5813
ومن أصحابنا من قال: لا يجب فيها القصاص؛ لأنها لما خالفت موضحة الرأس والوجه في تقدير الأرش.. خالفتها في وجوب القصاص.
والمنصوص هو الأول؛ لأنه يمكن القصاص فيها من غير حيف، فهي كالموضحة في الرأس والوجه.
فعلى هذا: إن كانت في موضع عليه شعر كثير.. فالمستحب: أن يحلق موضعها، ويعلم على موضعها بسواد أو غيره، ويقدر الطول والعرض على ما ذكرناه في موضحة الرأس. وإن كانت الجراحة في العضد، فزاد قدرها على عضد الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى الساعد. وإن كانت في الفخذ، وزاد قدرها على فخذ الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى الساق. وإن كانت في الساق، وزاد قدرها على ساق الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى القدم، كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا.
وإن كانت فيما دون الموضحة.. لم يجب فيها القصاص، على المشهور من المذهب؛ لأنه لا يمكن المماثلة في ذلك، وعلى ما اعتبره الشيخ أبو حامد، وحكاه الخراسانيون فيما دون الموضحة من الجراحات على الرأس والوجه: يكون هاهنا مثله.
وإن كانت الجراحة جائفة، أو كسرت عظماً.. لم يجب القصاص فيها؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيها، ويخاف فيها الحيف، بل إن كانت في موضع، ووصلت إلى العظم، ثم كسرت أو أجافت.. وجب القصاص فيها إلى العظم، ووجب الأرش فيما زاد.
[مسألة القصاص في الأطراف]
وأما الأطراف: فيجب فيها القصاص في كل ما ينتهي منها إلى مفصل، فتؤخذ العين بالعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية [المائدة: ٤٥] ، ولأنها تنتهي إلى مفصل.
стр. 5814
فإذا ثبت هذا: فتؤخذ العين الصحيحة بالصحيحة، والقائمة بالقائمة، وهي: التي ذهب ضوءها، وبقيت حدقتها، ولا تؤخذ الصحيحة بالقائمة؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن تؤخذ القائمة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ أقل من حقه باختياره.
[فرع أوضح رأسه فذهب ببصره]
وإن أوضح رأسه رجل، فذهب ضوء العين.. فالمنصوص: (أنه يجب القصاص في الضوء) .
وقال الشافعي فيمن قطع إصبع رجل، فتآكل الكف وسقط: (إنه لا يجب عليه القصاص في الكف) .
واختلف أصحابنا في ضوء العين:
فنقل أبو إسحاق جوابه في الكف إلى العين، وجعل في ضوء العين قولين:
أحدهما: أنه لا يجب فيه القصاص؛ لأنه سراية فيما دون النفس، فلم يجب فيه القصاص، كالكف.
والثاني: يجب فيه القصاص؛ لأنه لا يمكن إتلافه بالمباشرة، وإنما يتلف بالجناية على غيره، فوجب فيه القصاص بالسراية، كالنفس.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجب القصاص في الكف بالسراية، قولاً واحداً، ويجب القصاص بالضوء في السراية، قولاً واحداً.
والفرق بينهما: أن الكف يمكن إتلافه بالمباشرة، فلم يجب فيه القصاص بالسراية، والضوء لا يمكن إتلافه بالمباشرة بالجناية، وإنما يتلف بالجناية على غيره، فوجب القصاص فيه بالسراية، كالنفس.
стр. 5815
[فرع الجفن بالجفن]
قال الشيخ أبو إسحاق: ويؤخذ الجفن بالجفن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنه ينتهي إلى مفصل، فيؤخذ جفن البصير بجفن الضرير، وجفن الضرير بجفن البصير؛ لأنهما متساويان في السلامة، وعدم البصر نقص في غيره.
[مسألة الأنف بالأنف]
ويؤخذ الأنف بالأنف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنه ينتهي إلى مفصل، فيؤخذ الأنف الكبير بالصغير، والغليظ بالدقيق، والأقنى بالأفطس؛ لأن الأطراف يجب القصاص فيها وإن اختلفت بالصغر والكبر.
ولا يجب القصاص في الأنف، إلا في المارن وهو: اللين، وأما القصبة: فلا يجب فيها القصاص؛ لأنها عظم.
ويؤخذ أنف الشام بأنف الأخشم، وأنف الأخشم بأنف الشام، لأن الخشم ليس بنقص في الأنف، وإنما هو لعلة في الدماغ، والأنفان متساويان في السلامة.
ويؤخذ الأنف الصحيح بالأنف المجذوم ما لم يسقط بالجذام شيء منه؛ لأن الطرف الصحيح يؤخذ بالطرف العليل، فإن سقط من الأنف شيء.. لم يؤخذ به الصحيح؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه.
следующие страницы →