Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
وإن كانت الشجة في الرأس، وعلى موضعها في رأس الجاني شعر.. فالمستحب: أن يحلق ذلك الشعر؛ لأنه أسهل في الاستيفاء، وإن اقتص ولم يحلق الشعر.. جاز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه.
[فرع اختلاف كبر الرأس وصغره مع الشجة]
وإذا شج رجل رجلاً في رأسه شجة.. فلا يخلو: إما أن تستوي رأساهما في الصغر والكبر، أو تختلفا.
فإن استوى رأساهما في الصغر أو الكبر.. فإنه يستوفي مثل موضحته بالطول والعرض في موضعها، إما في مقدم الرأس، أو مؤخره، أو بين قرنيه.
وإن اختلفا.. نظرت:
فإن كان رأس الجاني أكبر، ورأس المجني عليه أصغر، فجنى عليه موضحة من منبت الشعر فوق الأذن إلى منبت الشعر فوق الأذن، وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني ينتهي إلى أعلى من ذلك الموضع لسعته.. فليس للمجني عليه أن يأخذ إلا قدر موضحته طولاً وعرضاً لا يزيد عليه، ولكن له أن يبتدئ بالاقتصاص من أي الجانبين شاء.
وإن أوضح جميع رأسه.. فللمجني عليه أن يقتص قدر موضحته طولاً وعرضاً في أي موضع شاء من رأس الجاني؛ لأنه قد جنى عليه في ذلك الموضع في رأسه.
فإن أراد أن يقتص بعضها في مقدم رأس الجاني، وبعضها في مؤخر رأس الجاني، ويكون بينهما فاصل.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له ذلك؛ لأنه يأخذ موضحتين بموضحة.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي إسحاق -: أنه يجوز؛ لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه، إلا إن قال أهل الخبرة: إن في ذلك زيادة ضرر، أو زيادة شين.. فيمنع من ذلك.
стр. 5812
وإن كان رأس المجني عليه أكبر من رأس الجاني، فأوضحه موضحة في مقدم رأسه، وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني يزيد على ذلك الموضع.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمجني عليه أن يقتص في مقدم رأس الجاني، ويستكمل قدر طول موضحته وعرضها مما يلي ذلك من مؤخر رأس الجاني؛ لأنه عضو واحد.
فإن زادت موضحته على قدر الرأس.. لم يكن له أن يستوفي باقيها في الوجه ولا في القفا، وهو: ما نزل عن منبت شعر الرأس من العنق؛ لأنهما عضوان آخران.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز له أن يتجاوز عن سمت موضع الشجة؛ لأنه غير موضع الشجة، فلم يتجاوزه، كما لا يجوز له أن يتجاوز عن موضحة الرأس إلى الوجه والقفا.
فعلى هذا: إن كانت الموضحة في مقدم الرأس، وزاد قدرها على مقدم رأس الجاني.. لم ينزل إلى مؤخره، وإن كانت بين قرني الرأس - وهما: جانباه - وزاد قدرها على ما بين قرني رأس الجاني. فللمجني عليه أن يقتص إلى ما فوق الأذنين؛ لأنه في سمتها، وليس له أن يستوفي في مقدم الرأس ولا في مؤخره؛ لأنه في غير سمته.
[فرع يقتص من الموضحة]
وأما الهاشمة والمنقلة والمأمومة: فله أن يقتص في الموضحة منها، وليس له أن يقتص فيما زاد عليها؛ لأن كسر العظم لا يمكن المماثلة فيه؛ لأنه يخاف فيه الحيف، وإتلاف النفس.
[فرع جراحة غير الرأس والوجه]
وأما الجراحة في غير الرأس والوجه: فينظر فيها:
فإن وصلت إلى عظم.. وجب فيها القصاص.
стр. 5813
ومن أصحابنا من قال: لا يجب فيها القصاص؛ لأنها لما خالفت موضحة الرأس والوجه في تقدير الأرش.. خالفتها في وجوب القصاص.
والمنصوص هو الأول؛ لأنه يمكن القصاص فيها من غير حيف، فهي كالموضحة في الرأس والوجه.
فعلى هذا: إن كانت في موضع عليه شعر كثير.. فالمستحب: أن يحلق موضعها، ويعلم على موضعها بسواد أو غيره، ويقدر الطول والعرض على ما ذكرناه في موضحة الرأس. وإن كانت الجراحة في العضد، فزاد قدرها على عضد الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى الساعد. وإن كانت في الفخذ، وزاد قدرها على فخذ الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى الساق. وإن كانت في الساق، وزاد قدرها على ساق الجاني.. لم ينزل في الزيادة إلى القدم، كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا.
وإن كانت فيما دون الموضحة.. لم يجب فيها القصاص، على المشهور من المذهب؛ لأنه لا يمكن المماثلة في ذلك، وعلى ما اعتبره الشيخ أبو حامد، وحكاه الخراسانيون فيما دون الموضحة من الجراحات على الرأس والوجه: يكون هاهنا مثله.
وإن كانت الجراحة جائفة، أو كسرت عظماً.. لم يجب القصاص فيها؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيها، ويخاف فيها الحيف، بل إن كانت في موضع، ووصلت إلى العظم، ثم كسرت أو أجافت.. وجب القصاص فيها إلى العظم، ووجب الأرش فيما زاد.
[مسألة القصاص في الأطراف]
وأما الأطراف: فيجب فيها القصاص في كل ما ينتهي منها إلى مفصل، فتؤخذ العين بالعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية [المائدة: ٤٥] ، ولأنها تنتهي إلى مفصل.
стр. 5814
فإذا ثبت هذا: فتؤخذ العين الصحيحة بالصحيحة، والقائمة بالقائمة، وهي: التي ذهب ضوءها، وبقيت حدقتها، ولا تؤخذ الصحيحة بالقائمة؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن تؤخذ القائمة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ أقل من حقه باختياره.
[فرع أوضح رأسه فذهب ببصره]
وإن أوضح رأسه رجل، فذهب ضوء العين.. فالمنصوص: (أنه يجب القصاص في الضوء) .
وقال الشافعي فيمن قطع إصبع رجل، فتآكل الكف وسقط: (إنه لا يجب عليه القصاص في الكف) .
واختلف أصحابنا في ضوء العين:
فنقل أبو إسحاق جوابه في الكف إلى العين، وجعل في ضوء العين قولين:
أحدهما: أنه لا يجب فيه القصاص؛ لأنه سراية فيما دون النفس، فلم يجب فيه القصاص، كالكف.
والثاني: يجب فيه القصاص؛ لأنه لا يمكن إتلافه بالمباشرة، وإنما يتلف بالجناية على غيره، فوجب فيه القصاص بالسراية، كالنفس.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجب القصاص في الكف بالسراية، قولاً واحداً، ويجب القصاص بالضوء في السراية، قولاً واحداً.
والفرق بينهما: أن الكف يمكن إتلافه بالمباشرة، فلم يجب فيه القصاص بالسراية، والضوء لا يمكن إتلافه بالمباشرة بالجناية، وإنما يتلف بالجناية على غيره، فوجب القصاص فيه بالسراية، كالنفس.
стр. 5815
[فرع الجفن بالجفن]
قال الشيخ أبو إسحاق: ويؤخذ الجفن بالجفن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنه ينتهي إلى مفصل، فيؤخذ جفن البصير بجفن الضرير، وجفن الضرير بجفن البصير؛ لأنهما متساويان في السلامة، وعدم البصر نقص في غيره.
[مسألة الأنف بالأنف]
ويؤخذ الأنف بالأنف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنه ينتهي إلى مفصل، فيؤخذ الأنف الكبير بالصغير، والغليظ بالدقيق، والأقنى بالأفطس؛ لأن الأطراف يجب القصاص فيها وإن اختلفت بالصغر والكبر.
ولا يجب القصاص في الأنف، إلا في المارن وهو: اللين، وأما القصبة: فلا يجب فيها القصاص؛ لأنها عظم.
ويؤخذ أنف الشام بأنف الأخشم، وأنف الأخشم بأنف الشام، لأن الخشم ليس بنقص في الأنف، وإنما هو لعلة في الدماغ، والأنفان متساويان في السلامة.
ويؤخذ الأنف الصحيح بالأنف المجذوم ما لم يسقط بالجذام شيء منه؛ لأن الطرف الصحيح يؤخذ بالطرف العليل، فإن سقط من الأنف شيء.. لم يؤخذ به الصحيح؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه.
стр. 5816
فإن قطع من سقط بعض مارنه مارناً صحيحاً.. قطع جميع ما بقي من مارن الجاني، وأخذ منه من الدية بقدر ما كان ذهب من مارنه.
وإن قطع بعض مارن غيره.. نظر، كم القدر الذي قطع؟ فإن كان نصف المارن أو ثلثه أو ربعه.. اقتص من مارنه بنصفه أو ثلثه أو ربعه، ولا يقدر بالمساحة بالطول والعرض، كما قلنا في الموضحة؛ لأنه قد يكون أنف الجاني صغيراً، وأنف المجني عليه كبيراً، فإن قلنا: يقطع من أنف الجاني قدر ما قطع من أنف المجني عليه بالمساحة طولاً وعرضاً.. لم يؤمن أن يقطع جميع أنفه ببعض أنف المجني عليه.
ويؤخذ المنخر بالمنخر، والحاجز بينهما بالحاجز
وإن قطع المارن والقصبة.. اقتص من المارن، وأخذ الحكومة في القصبة؛ لأنه لا يمكن القصاص فيها.
[مسألة القصاص في الأذن]
ويجب القصاص في الأذن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] . فيؤخذ الكبير بالصغير، والصغير بالكبير، والغليظ بالدقيق، والصحيح بالمجذوم، والأصم بالسميع، والسميع بالأصم؛ لما ذكرناه في الأنف.
ويؤخذ المثقوب بالصحيح، والصحيح بالمثقوب؛ لأن الثقب ليس بنقص في الأذن، وإنما تثقب للجمال بالخرص، فإن انخرم الثقب.. صار نقصاً، فلا يؤخذ به الصحيح؛ لأن الكامل لا يؤخذ بالناقص.
وإن قطع من أذنه مخرومة أذناً صحيحة.. اقتص منه المجني عليه في المخرومة، وأخذ من دية أذنه بقدر ما انخرم من أذن الجاني.
стр. 5817
وتؤخذ الأذن المستحشفة وهي: الأذن اليابسة، بالأذن الصحيحة، لأنه يأخذ أنقص من أذنه باختياره، وهل تؤخذ الأذن الصحيحة بالأذن المستحشفة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تؤخذ بها، كما لا يجوز أخذ اليد الصحيحة باليد الشلاء.
والثاني: تؤخذ بها؛ لأن الأذن المستحشفة تساوي الأذن الصحيحة في المنفعة، فأخذت الصحيحة بها، بخلاف اليد الشلاء، فإنها لا تساوي الصحيحة في المنفعة.
[فرع قطع بعض الأذن]
وإن قطع بعض أذنه.. اقتص منه، ويقدر ذلك بالجزء، كالنصف والثلث والربع، ولا تقدر بالمساحة بالطول والعرض؛ لما ذكرناه في الأنف.
وحكى ابن الصباغ، عن القاضي أبي الطيب: أنه لا يثبت القصاص في بعض الأذن.
والأول أصح؛ لأنه يمكن القصاص فيها.
[فرع قطع بعض الأذن ثم ألصقه فالتصق]
قال الشيخ أبو إسحاق: إذا قطع بعض أذنه وألصقه، فالتصق.. لم يجب القصاص؛ لأنه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه. ولعله أراد: إذا اندمل موضع القطع وخفي.
وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة.. فله أن يقطع أذنه كذلك، لأن المماثلة ممكنة.
وإن قطع أذنه، فأبانها، فأخذها المجني عليه، فألصقها، فالتصقت.. لم يسقط القصاص؛ لأنه وجب بالإبانة، فلم يسقط بالإلصاق.
стр. 5818
وإن قطع أذنه، فأبانها، فاقتص منه كذلك، ثم أخذ الجاني أذنه، فألصقها، فالتصقت.. لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بإزالتها؛ لأنه قد استوفى حقه، والإزالة إلى السلطان.
وإن قطع أذنه وأبانها، فقطع المجني عليه بعض أذن الجاني، وألصقه الجاني، فالتصق.. فللمجني عليه أن يعود ويقطعه؛ لأن حقه الإبانة، ولم توجد.
وإن جنى على رأسه، فذهب عقله، أو شمه، أو سمعه، أو ذوقه، أو نكاحه، أو إنزاله.. لم تجب فيها القصاص؛ لأن هذه الأشياء ليست في موضع الجناية فيمكن القصاص فيها.
[مسألة في الشفتين القود]
ويجب في الشفتين القود.
ومن أصحابنا من قال: لا قود فيهما؛ لأنه قطع لحماً من لحم غير منفصل.
والأول هو المنصوص؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأن الشفتين هما اللحم الجافي من لحم الذقن، و (الشدق) : مستدير على الفم طولا ًوعرضاً، وطولهما ما تجافى عن لحم الذقن إلى أصل الأنف، وذلك من لحم له حد معلوم، فوجب القصاص فيه.
واختلف أصحابنا في القصاص في اللسان:
فمنهم من قال: يجب القصاص في جميعها وفي بعضها؛ لأن له حداً ينتهي إليه، فهو كالأنف والأذن.
فعلى هذا: يقتص في بعضها بالجزء، كالنصف والثلث والربع، لا بالمساحة بالطول والعرض؛ لما ذكرناه في الأنف والأذن.
وقال أبو إسحاق: لا قصاص فيه. وإليه ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة،
стр. 5819
واختاره ابن الصباغ؛ لأن أصله لا يمكن استيفاء قطعه إلا بقطع غيره، وإذا قطع بعضه.. لم يمكن تقدير بعضه من الجملة. هذا ترتيب ابن الصباغ.
وأما الشيخ أبو إسحاق فذكر: أن القصاص يثبت في جميعها، وهل يثبت في بعضها؟ على وجهين.
[مسألة من قلع سناً قلعت سنه]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن قلع سن من قد أثغر.. قلع سنه، وإن كان المقلوع سنه لم يثغر.. وقف حتى يثغر) .
وجملة ذلك: أن القصاص يجب في السن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] .
ولما روي: «أن الربيع بنت معوذ كسرت سن جارية، فأمر رسول ﷺ بكسر سنها، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ لا والله، لا تكسر، فقال رسول الله ﷺ : " كتاب الله القصاص " فعفا الأنصاري، فقال رسول الله ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله.. لأبره» .
إذا ثبت هذا: فإنه يقال للصبي إذا سقطت رواضعه - وهي: الأسنان التي تنبت له وقت رضاعه -: ثغر، فهو مثغور، فإذا نبتت له مكانها غيرها.. قيل له: أثغر واثّغر، لغتان.
فإذا قلع سن غيره.. فلا يخلو المقلوع سنه: إما أن يكون لم يثغر، أو كان قد ثغر.
فإن كان لم يثغر.. فإن القصاص لا يجب على الجاني في الحال؛ لأن العادة جرت: أن سن من لم يثغر تعود إذا قلعت، وما كان يعود إذا قلع.. لا يجب فيه القصاص، كالشعور. ويسأل أهل الخبرة: كم المدة التي تعود هذه السن في مثلها؟
стр. 5820
وينتظر إلى تلك المدة، فإذا جاءت تلك المدة ولم تعد السن.. وجب على الجاني القصاص؛ لأنه قد أيس من عودها.
وإن نبت للمجني عليه سن مكانها في تلك المدة أو أقل منها، فإن نبتت الثانية مثل الأولى، من غير زيادة ولا نقصان.. لم يجب على الجاني قصاص ولا دية، وهل تجب عليه حكومة الجرح الذي حصل بفعله؟ ينظر فيه:
فإن جرح موضعاً آخر غير موضع السن بالقلع.. وجبت عليه فيه الحكومة.
وإن لم يجرح إلا الموضع الذي قلع منه السن.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه الحكومة؛ لأنه لما قلع السن أدمى، فإذا أدمى.. وجبت فيه الحكومة.
والثاني: لا يجب عليه الحكومة؛ لأن الحكومة إنما تجب إذا جرح وأدمى، فأما إذا أدمى من غير جرح.. فلا حكومة عليه، كما لو لطمه فرعف.. فإنه لا يجب عليه لخروج الدم بالرعاف حكومة.
وإن كانت السن التي نبتت مكان المقلوعة أنقص من التي تليها.. وجب على الجاني من ديتها بقدر ما نقص منها؛ لأن الظاهر أنها إنما نقصت بجنايته.
وإن كانت التي نبتت أزيد من التي قبلها.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يجب على الجاني شيء؛ لأن الزيادة لا تكون من الجناية.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو إسحاق: تلزمه حكومة للشين الحاصل بالزيادة، كما يلزمه للشين الحاصل بالنقصان؛ لأن الظاهر أن ذلك من جنايته.
وإن كانت النابتة خارجة من صف الأسنان، فإن كانت بحيث لا ينتفع بها.. كان كما لو لم تنبت؛ لأن وجودها كعدمها، وإن كانت ينتفع بها.. وجب عليه حكومة للشين الحاصل بها.
стр. 5821
وإن نبتت له سن خضراء أو صفراء أو سوداء، وكانت المقلوعة بيضاء.. وجب على الجاني الحكومة؛ للشين الحاصل باللون.
وإن مات المجني عليه بعد مضي المدة التي يرجى فيها عود السن قبل أن تعود. فلوليه أن يقتص من الجاني؛ لأنه مات بعد استقرار القصاص.
وإن مات قبل مضي المدة التي يرجى عود السن فيها قبل أن تعود.. لم يجب على الجاني القصاص؛ لأنه يجوز أن لو بقي لعادت السن؛ وذلك شبهة تسقط القصاص.
وهل تجب له دية سن؟ حكى الشيخ أبو إسحاق فيها قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ وجهين:
أحدهما: تجب دية السن؛ لأنه قلع سناً لم تعد، والأصل عدم العود.
والثاني: لا تجب؛ لأن الغالب أنها قد كانت تعود، وإنما قطعها الموت.
وأما إذا قلع سن من قد أثغر: فإن قال أهل الخبرة: إنها لا تعود.. وجب له القصاص في الحال، وإن قالوا: إنها تعود إلى مدة.. فهل له القصاص قبل مضي تلك المدة؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال الشيخ أبو حامد: ليس له أن يقتص قبل مضي تلك المدة، كما قلنا فيمن قلع سن صبي لم يثغر.
و [الثاني] : قال ابن الصباغ: له أن يقتص في الحال؛ لأن الظاهر أنها لا تعود.
إذا ثبت هذا: فإن قلع سن من قد ثغر، وقيل: إنها لا تعود، فاقتص منه في الحال، أو قلنا: له أن يقتص بكل حال، أو اقتص منه بعد الإياس من عودها، ثم نبت للمجني عليه سن في موضع السن المقلوعة.. ففيه قولان:
أحدهما: أن هذا السن من نبات السن المقلوعة من هذا الموضع؛ لأنه مثله في
стр. 5822
موضعه، فصار كما لو نتف شعرة، ثم نبتت، أو كما لو قلع سن صبي لم يثغر، ثم نبت مكانه سن، وكما لو لطم عينه، فذهب ضوءها، ثم عاد.
فعلى هذا: لا يجب على المجني عليه القصاص للجاني في السن التي اقتص منه بها؛ لأنه قلعها، وكان يجوز له قلعها، وإنما تجب عليه دية سن الجاني.
وإن كان المجني عليه عفا عن القصاص، وأخذ دية سنه.. وجب عليه رد الدية إلى الجاني.
والقول الثاني: أن السن النابت هبة مجددة من الله تعالى للمجني عليه؛ لأن العادة أن سن من أثغر إذا قلعت لا تعود، فإذا عادت.. علمنا أن ذلك هبة من الله تعالى له.
فعلى هذا: إن كان المجني عليه قد اقتص من الجاني، أو أخذ منه الأرش.. فقد وقع ما فعله موقعه، ولا شيء عليه للجاني.
وإن قلع سن رجل، فقلع المجني عليه سن الجاني، ثم نبت للجاني سن مكان سنه المقلوعة التي اقتص منه، ولم يعد للمجني عليه مثلها.. فإن قلنا: إن النابت هبة من الله تعالى مجددة.. فلا شيء للمجني عليه، وإن قلنا: إن النابت هو من الأول.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمجني عليه أن يقلعه ولو نبت مراراً؛ لأنه أعدمه سنه، فاستحق أن يعدمه سنه.
والثاني: ليس له أن يقلع سنه؛ لأنه يجوز أن يكون من المقلوع، ويجوز أن يكون هبة مجددة من الله تعالى، وذلك شبهة، فسقط بها القصاص.
فعلى هذا: للمجني عليه دية سنه على الجاني، فإن خالف المجني عليه وقلع هذه السن للجاني.. وجب عليه ديتها، ويتقاصان.
وإن قلع سنه، فاقتص منه، فعاد للمجني عليه سن مكان سنه، ولم يعد للجاني، ثم عاد الجاني فقلعها.. وجب عليه ديتها؛ لأنه ليس له مثلها.
стр. 5823
فإن قلنا: إنه من الأول.. فقد قلنا: إن على المجني عليه دية سن الجاني، فيتقاصان.
وإن قلنا: إن النابت هبة مجددة.. فلا شيء على المجني عليه للجاني.
[فرع تؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة]
] : وتؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة، والصغيرة بالكبيرة، كما قلنا في الأنف والأذن.
ولا يؤخذ سن صحيح بمكسور؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه. ويؤخذ المكسور بالصحيح؛ لأنه أنقص من حقه. ويأخذ من دية سنه بقدر ما ذهب من سن الجاني.
وإن كسر بعض سنه من نصفها أو ربعها.. فهل يجب فيها القصاص؟ اختلف الشيخان:
فقال الشيخ أبو إسحاق: إن أمكن أن يقتص.. اقتص، وإن لم يمكن.. لم يقتص.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يقتص منه؛ لأن القصاص بالكسر لا يجب باتفاق الأمة - قال - وما روي في خبر الربيع بنت معوذ بن عفراء: أنها كسرت ثنية جارية من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : «تكسر ثنيتها» .. أراد بالكسر: القلع، لا الكسر من بعضها.
[فرع قلع سن زائدة]
وإن قلع لرجل سناً زائدة، وللجاني سن زائد في ذلك الموضع يساوي السن الذي قلع.. وجب فيها القصاص؛ لأنهما متساويان.
وإن لم يكن للجاني سن زائد.. لم يجب عليه القصاص؛ لأنه ليس له مثلها.
стр. 5824
وإن كان له سن زائد في غير ذلك الموضع.. لم يجب فيه القصاص؛ لأنه ليس له مثلها، لاختلاف المحل.
وإن كان له سن زائد في ذلك الموضع، إلا أنه أكبر من سن المجني عليه.. ففيه وجهان:
أحدهما: - وهو قول أكثر أصحابنا -: لا يجب فيها القصاص؛ لأن القصاص في العضو الزائد إنما يجب بالاجتهاد، فإذا كانت سن الجاني أزيد.. كانت حكومتها أكثر، فلم يجب قلعها بالتي هي أنقص منها، بخلاف السن الأصلية، فإن القصاص فيها ثبت بالنص، فلا يعتبر فيها التساوي.
والثاني - حكاه ابن الصباغ، عن الشيخ أبي حامد، واختاره -: أنه يجب فيها القصاص؛ لأن ما ثبت بالاجتهاد.. يجب اعتباره بما ثبت بالنص. والأول هو المنصوص.
[مسألة يقطع العضو بالعضو]
وتقطع اليد باليد، والرجل بالرجل، والأصابع بالأصابع، والأنامل بالأنامل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأن لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف.
إذا ثبت هذا: فإن قطع أصابعه من مفاصلها.. فله أن يقتص، وإن قطع يده من وسط الكف.. فليس له أن يقتص من وسط الكف؛ لأن كسر العظم لا يثبت فيه القصاص بإجماع الأمة.
وإن أراد أن يقتص من الأصابع من أصولها.. كان له ذلك؛ لأن الأصابع يمكن القصاص فيها.
فإن قيل: وكيف يضع السكين في غير الموضع الذي وضعه الجاني عليه؟
стр. 5825
قلنا: لأنه لا يمكن وضعها في الموضع الذي وضعها الجاني فيه.
فإذا اقتص من الأصابع.. فهل له أن يأخذ حكومة فيما زاد على الأصابع من الكف؟ فيه وجهان يأتي بيانهما.
وإن قطع يده من الكوع.. كان له أن يقتص من ذلك الموضع؛ لأنه مفصل.
وإن قطع يده من بعض الذراع.. فليس له أن يقتص من بعض الذراع؛ لأنه كسر عظم.
وإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد عليه.. كان له ذلك؛ لأنه داخل في الجناية، يمكن القصاص فيه.
وإن قطع يده من المرفق.. فله أن يقتص من المرفق، فإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه استيفاء حقه بالقصاص.
وإن قطع يده من بعض العضد.. فليس له أن يقتص من بعض العضد، فإن أراد أن يقتص من المرفق، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. كان له ذلك، وإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. فقد اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: له ذلك؛ لأن الجميع مفصل داخل في الجناية.
وقال ابن الصباغ، والطبري في " العدة ": ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يقطع من المرفق، ومتى أمكنه استيفاء حقه قصاصاً.. لم يكن له أن يستوفي بعضه قصاصاً وبعضه أرشاً، كما لو قطع يده من الكوع.
стр. 5826
وإن أراد أن يقتص من الأصابع، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. فليس له ذلك. قال ابن الصباغ: وهذه لم يذكرها أصحابنا.
وإن قطع يده من الكتف: فإن قال اثنان من المسلمين من أهل الخبرة: إنه يمكن القصاص فيه من غير أن يخاف منه جائفة.. فله أن يقتص، وإن أراد أن يقتص من الكوع أو من المرفق، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه استيفاء حقه قصاصاً.
وإن قالا: إنه يخاف من القصاص الجائفة.. لم يكن له أن يقتص من الكتف؛ لأنه لا يمكن أن يأخذ زيادة على حقه، فإن أراد أن يقتص من المرفق، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. كان له ذلك. وإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد على ذلك.. فقال الشيخ أبو إسحاق: له ذلك.
وعلى ما قال ابن الصباغ: إذا قطع يده من بعض العضد، وأراد أن يقتص من المرفق.. ليس له أن يقتص هاهنا من الكوع؛ لأنه يمكنه استيفاء حقه قصاصاً من المرفق، ومتى أمكنه أن يأخذ حقه قصاصاً.. فليس له أن يستوفي بعضه قصاصاً وبعضه أرشاً.
وحكم الرجل إذا قطعت أصابعها، أو من مفصل القدم، أو الركبة، أو الورك، أو ما بين ذلك.. حكم اليد في القصاص، على ما مضى.
[فرع قطع عضواً من مفصل وبقيت الجلدة معلقة]
قال الشافعي ﵀: (إذا قطع يده من المفصل، فتعلقت بالجلد.. وجب القصاص، فتقطع إلى أن تبقى معلقة بمثل ذلك، ويسأل أهل الطب، فإن قالوا:
المصلحة
في قطعها.. قطعناها، وإن قالوا: المصلحة في تركها.. تركناها) .
стр. 5827
[فرع قطع يداً شلاء]
وإن قطع من له يد صحيحة يداً شلاء.. لم يكن للمجني عليه أن يقتص، بل له الحكومة.
وقال داود: له أن يقتص.
دليلنا: أن اليد الشلاء لا منفعة فيها، وإنما فيها مجرد جمال، فلا يأخذ بها يداً فيها منفعة.
وإن قطع من له يد شلاء يداً صحيحة، فاختار المجني عليه أن يقطع الشلاء بالصحيحة.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (له القصاص) .
وقال أصحابنا: يرجع إلى عدلين من المسلمين من أهل الخبرة، فإن قالا: إذا قطعت هذه الشلاء لم يخف عليها أكثر مما يخاف عليه إذا قطعت لو كانت صحيحة.. فللمجني عليه أن يقتص. وإن قالا: يخاف عليه أكثر من ذلك، بأن تبقى أفواه العروق منفتحة لا تنحسم، فتدخل الريح فيها، فيخشى على النفس التلف.. لم يكن له أن يقتص؛ لأنه أخذ نفس بيد، وهذا لا يجوز.
وهل يجوز أخذ اليد الشلاء باليد الشلاء، أو الرجل الشلاء بالرجل الشلاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنهما متماثلان.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الشلل علة، والعلل يختلف تأثيرها في البدن، فلا تتحقق المماثلة بينهما، ولا يتصور الوجهان إلا إذا قال أهل الخبرة: إنه لا يخاف على الجاني أن تبقى العروق منفتحة لا تنحسم. فأما إذا خيف عليه ذلك: فلا يجوز القصاص، وجهاً واحداً، على ما مضى في أخذ الشلاء بالصحيحة.
стр. 5828
[فرع قطع لرجل كفه مع خمس أصابع وكان للجاني أصبع زائدة]
إذا كان لرجل يد لها ست أصابع، فقطع كف رجل لها خمس أصابع.. نظرت في الإصبع الزائدة للجاني.
فإن كانت خارجة عن عظم الكف.. كان للمجني عليه أن يقتص من كف الجاني؛ لأنه يمكنه أن يأخذ مثل كفه من غير أن يتناول محل الزائدة.
وإن كانت نابتة على الكف، أو ملتزمة بإحدى الأصابع، أو على إحدى أنامل أصابع اليد.. لم يكن له أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، فيكون المجني عليه بالخيار: بين أن يأخذ دية يده، وبين أن يقتص من الأصابع الخمس إذا كانت الزائدة على سائر الأصابع غير ملتزقة بواحدة منهن ولا نابتة على إحداهن، فإذا اقتص منها.. فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتبعها، كما يتبعها في ديتها.
والثاني: لا يتبعها، بل يأخذ مع القصاص الحكومة؛ لأن الكف تتبع الأصابع في الدية، ولا تتبعها في القصاص؛ فلهذا: لو قطعت أصابعه، فتآكل منها الكف، واختار الدية.. لم يلزمه أكثر من دية الأصابع، ولو طلب القصاص.. قطعت الأصابع، وأخذ الحكومة في الكف.
وإن كانت الإصبع الزائدة نابتة على أنملة من الأصابع الخمس.. فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف، وله أن يقتص من الأصابع التي ليس عليها الزائدة.
وأما الإصبع التي عليها الزائدة: فإن كانت على الأنملة العليا.. لم يكن له أن يقتص منها، وإن كانت على الوسطى.. فله أن يقتص من الأنملة العليا، ويجب له ثلثا دية إصبع، وإن كانت على الأنملة السفلى.. فله أن يقتص من الأنملتين العليتين
стр. 5829
وله ثلث دية إصبع، ويتبعها ما تحتها من الكف، وهل يتبع ما تحت الأصابع الأربع ما تحتها من الكف في القصاص؟ على الوجهين.
وإن قطع من له خمس أصابع كف يد لها أربع أصابع.. لم يكن له أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، وله أن يقتص من أصابع الجاني الأربع المماثلة لأصابعه المقطوعة. وهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص، أو يجب له مع ذلك حكومة؟ على الوجهين.
[فرع له كف بخمس أصابع فقطع كف من له أربع أصابع]
إذا كان لرجل كف فيه خمس أصابع أصلية، فقطع كف يد فيه أربع أصابع أصلية وإصبع زائدة - وإنما يحكم بأنها زائدة.. إذا كانت مائلة عن بقية الأصابع ضعيفة - فليس للمجني عليه أن يقتص من كف الجاني؛ لأنه ليس له أن يأخذ أكمل من يده.
فإن اختار الأرش.. كان له دية الأربع الأصابع الأصلية، وحكومة في الزائدة.
وإن أراد أن يقتص من الأربع الأصابع الأصلية.. كان له ذلك، ويأخذ مع ذلك حكومة في الزائدة، ويتبعها ما تحتها من الكف في الحكومة، وهل يتبع ما تحت الأصابع الأصلية ما تحتها من الكف في القصاص، أو تجب له فيه الحكومة؟ على الوجهين.
وإن قطع كفا له خمس أصابع أصلية، ويد القاطع لها أربع أصابع أصلية وإصبع زائدة، فإن اختار المجني عليه أن يقطع كف الجاني.. كان له ذلك؛ لأنها أنقص من كفه.
قال المزني في " جامعه ": إنما يجوز له ذلك إذا كانت الزائدة في محل الأصلية، فأما إذا كانت في غير محلها: فليس له أخذها، وهذا صحيح؛ لأنهما إذا اختلفا في المحل.. كانتا كالجنسين. وكذلك: إذا كانت الزائدة أكثر أنامل.. لم تؤخذ بالأصلية.
стр. 5830
وإن قطع يداً وعليها إصبع زائدة، وللقاطع يد عليها إصبع زائدة، فإن اتفق محل الزائدتين وقدرهما.. كان للمجني عليه أن يقتص من الكف؛ لتساويهما، وإن اختلفا في المحل.. لم يكن له أن يقتص من الكف.
فإن اتفقتا في المحل واختلفتا في القدر، فإن كانت إصبع الجاني أكثر أنامل.. لم يكن للمجني عليه أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، وإن كانت أقل أنامل.. كان له أن يقتص، ويأخذ في الزيادة الحكومة.
[فرع قطع كفا ذات ثلاث أصابع صحيحة وثنتين شلاوين]
وإن قطع كفاً له ثلاث أصابع صحيحة وإصبعان شلاوان، وكف القاطع صحيحة الأصابع.. فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكمل من يده، وإن رضي الجاني بذلك.. لم يجز؛ لأن القصاص لم يجب فيها، فلم يجز بالبذل، كما لو قتل حر عبداً، ورضي أن يقتل به.
وللمجني عليه أن يقتص من الأصابع الثلاث الصحيحة، فإذا اقتص منها.. فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص، أو تجب فيها الحكومة؟ فيه وجهان.
وأما الإصبعان الشلاوان: فله فيهما حكومة، ويتبعهما ما تحتهما من الكف في الحكومة، وجهاً واحداً.
وإن كانت كف المقطوع صحيحة الأصابع، وكف القاطع فيها إصبعان شلاوان.. فالمجني عليه بالخيار: بين أن يأخذ دية يده، وبين أن يقتص من كف الجاني؛ لأنها أنقص من كفه، ولا شيء للمجني عليه؛ لنقصان كف الجاني بالشلل. أما إذا اختار الدية: فله دية يده، لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص، فكانت له الدية، كما لو لم يكن للقاطع يد. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
стр. 5831
وإن قطع كفاً له خمس أصابع، وكف الجاني لها ثلاث أصابع لا غير، وإصبعان مفقودتان.. فللمجني عليه أن يقتص من كف الجاني، ويأخذ منه دية الإصبعين الناقصتين.
وقال أبو حنيفة: (هو بالخيار: بين أن يأخذ دية يده، وبين أن يقتص من يد الجاني، ولا شيء له) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية [البقرة: ١٩٤] . ويد الجاني ليست مثل يد المجني عليه. ولأنه استوفى بعض حقه، فكان له أرش ما لم يستوفه، كما لو قطع له إصبعين، ولم توجد له إلا واحدة.
[فرع يد القاطع ذات أظفار بخلاف المقطوع له]
وإن كانت يد القاطع لها أظفار، ويد المقطوع لا أظفار لها.. لم تقطع بها؛ لأنه يأخذ أكمل من حقه، فإن سقطت أظافيره.. قطعت، ولو لم يكن لواحد منهما أظافير حالة القطع.. يقتص منه.
فلو نبت للقاطع أظافير قبل أن يقتص منه.. لا يقتص؛ لطروء الزيادة.
ويجوز أن يأخذ اليد التي لا أظفار لها باليد التي لها أظفار؛ لأنها أنقص من يده.
[فرع قطع أنملة له طرفان]
وإن قطع أنملة لها طرفان، فإن كانت أنملة القاطع لها طرفان من تلك الإصبع بتلك اليد.. فللمجني عليه قطعها؛ لأنها مثل حقه، وإن كانت أنملة القاطع لها طرف واحد.. فللمجني عليه قطعها، ويأخذ حكومة في الطرف الزائد، كما لو كان للمجني عليه إصبع زائدة في يده.
وإن قطع أنملة لها طرف، ولتلك الأنملة في القاطع طرفان.. لم يكن للمجني عليه
стр. 5832
القصاص؛ لأنها أزيد من حقه، ويكون للمجني عليه أرش الأنملة.
فإن قال المجني عليه: أنا أصبر على القصاص إلى أن تسقط الأنملة الزائدة، وأقتص في الأصلية.. كان له ذلك؛ لأن له تأخير القصاص. هذا ترتيب البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إن علمت الأصلية منهما.. قطعت، ولا شيء عليه. وإن لم تعلم الأصلية.. قطعت إحداهما، ويغرم الجاني التفاوت ما بين سدس دية إصبع وثلثها.
[فرع قطع أنملة المشيرة]
وإن قطع أنملة من سبابة رجل، وقطع الأنملة الوسطى من تلك الإصبع من رجل آخر، فإن جاء المجني عليهما.. قطعت العليا لصاحب العليا، وقطعت الوسطى لصاحب الوسطى، وإن جاء صاحب الوسطى أولاً، وطلب القصاص.. لم يكن له ذلك؛ لأنه لا يمكن قطعها من غير قطع العليا، ويكون بالخيار: بين أن يأخذ دية الأنملة، وبين أن يصبر إلى أن يقتص صاحب العليا، أو تسقط بأكلة.
وهكذا: إن عفا صاحب العليا عن القود، أو لم يقطع الأنملة العليا من إنسان لكن قطع الأنملة الوسطى من رجل، وجاء صاحب الوسطى يطلب القصاص، وللجاني الأنملة العليا والوسطى.. فللمجني عليه أن يصبر إلى أن تقطع العليا أو تسقط، ثم يقتص من الوسطى.
وقال أبو حنيفة: (لا قصاص له؛ لأنه حين قطعها لم يجب القصاص عليه فيها؛ لتعذر استيفائها، فإذا لم يجب حال الجناية.. لم يجب بعد ذلك) .
دليلنا: أن القصاص إنما تعذر لمتصل به، فإذا زال ذلك المتصل.. كان له استيفاء القصاص، كما لو قتلت الحامل غيرها، ثم ولدت.
стр. 5833
فإن لم يصبر صاحب الوسطى، وقطع الوسطى والعليا.. فقد فعل ما لا يجوز له، ولا عليا للمقتص، فيجب عليه ديتها، وقد استوفى القصاص في الوسطى.
فإن قطع العليا من إصبع زيد، وقطع العليا والوسطى من تلك الإصبع من عمرو، فإن حضرا معاً، وطلبا القصاص.. اقتص زيد من العليا؛ لأنه أسبق، واقتص عمرو من الوسطى، وأخذ دية العليا.
وكذلك: إن حضر زيد وحده.. فله أن يقتص من العليا، وإن حضر عمرو.. فليس له أن يقتص؛ لأن حق زيد تعلق بالعليا قبله، فإن خالف واقتص من العليا والوسطى.. فقد أساء بذلك، ولكنه يصير مستوفياً لحقه، ويكون لزيد دية الأنملة العليا على الجاني.
[فرع لو كان للمجني عليه أربع أنامل في أصبع]
ذكر الطبري في " العدة ": لو كان للمجني عليه أربع أنامل في إصبع.. فله أربعة أحوال:
أحدها: أن يقطع من له ثلاث أنامل أنملة من الأربع.. فلا قصاص عليه.
و [الثاني] : إن قطع أنملتين من الأربع.. قطع من الجاني أنملة، ويغرم الجاني التفاوت فيما بين النصف والثلث من دية الإصبع، وهو بعير وثلثان.
و [الثالث] : إن قطع له ثلاث أنامل.. قطع منه أنملتين، ويغرم ما بين ثلثي دية إصبع وبين ثلاثة أرباع ديتها.
و [الرابع] : إن قطع له أربع أنامل.. قطعت أنامل القاطع الثلاث، ووجبت عليه مع ذلك زيادة حكومة.
فأما إذا كان للقاطع أربع أنامل، وللمقطوع ثلاث أنامل.. فله ثلاثة أحوال:
[أحدها] : إن قطع أنملة منه.. قطعت أنملة منه، ويغرم الجاني ما بين ثلث دية إصبع وبين ربعها، وهو خمسة أسداس بعير.
стр. 5834
و [الثاني] : إن قطع أنملتين.. قطع منه أنملتان، ويغرم التفاوت بين نصف دية الإصبع وثلثها.
و [الثالث] : إن قطع جميع أنامله.. قطع منه ثلاث أنامل، ويغرم التفاوت بين ثلاثة أرباع دية الإصبع وجميع ديتها.
[فرع قطع أصبعاً فتآكل الكف منها]
وإن قطع إصبع رجل، فتآكل منها الكف وسقط.. فللمجني عليه القصاص في الإصبع المقطوعة، وله دية الأصابع الأربع، وما تحت الأصابع الأربع من الكف.. يتبعها في الدية، وما تحت الإصبع التي اقتص فيها.. هل يتبعها في القصاص، أو تجب له حكومة؟ فيه وجهان. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب له القصاص في الإصبع المقطوعة) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) . وقد اعتدى بقطع الإصبع، فوجب أن تقطع منه.
ولأنها جناية، لو لم تسر.. وجب فيها القصاص، فوجب إذا سرت إلى ما لا قصاص فيه أن لا يسقط القصاص، كالمرأة إذا قطعت يد المرأة، فأسقطت جنينا، فلا يسقط القصاص في اليد.
[فرع قطع قدم زائدة مع الأصلية]
قال القفال: لو كان له قدمان على ساق واحدة، يمشي عليهما، أو يمشي على إحداهما، والأخرى زائلة عن سنن منبت القدم، فقطعهما رجل له قدم.. قطعت رجله، وطولب بحكومة للزيادة.
стр. 5835
وإن قطع إحداهما، فإن قطع الزائدة.. فعليه حكومة، وإن استويا في المنبت، وكان يمشي عليهما.. ففي المقطوعة ربع الدية، وزيادة حكومة.
وإن كان الجاني هو صاحب القدمين، فإن عرفنا الزائدة من الأصلية، وأمكن قطعها من غير أن تتلف الزائدة.. قطعت، وإن لم تعرف، أو عرفت ولا يمكن قطعها إلا بإتلاف الأخرى.. لم تقطع، وعليه دية الرجل المقطوعة.
[مسألة تؤخذ الأليتان بالأليتين]
قال الشيخ أبو إسحاق: وتؤخذ الأليتان بالأليتين، وهما: الناتئتان بين الظهر والفخذ.
ومن أصحابنا من قال: لا تؤخذ، وهو قول المزني؛ لأنه لحم متصل بلحم، فأشبه لحم الفخذ.
والمذهب الأول؛ لأنهما ينتهيان إلى حد فاصل، فهما كاليدين.
[مسألة يقطع الإحليل بالإحليل]
ويقطع الذكر بالذكر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنه عضو ينتهي إلى مفصل، فوجب فيه القصاص، كاليد.
إذا ثبت هذا: فيقطع ذكر الرجل بذكر الصبي، ويقطع ذكر الشاب بذكر الشيخ؛ لأن كل عضو جرى القصاص فيه بين الرجل والرجل.. جرى فيه القصاص بين الصبي والرجل، كاليد والرجل.
ويقطع ذكر الفحل بذكر الخصي والعنين.
وقال مالك، وأحمد رحمهما الله: (لا يقطع به) .
دليلنا: أنهما متساويان في السلامة، وإنما عدم الإنزال والجماع؛ لمعنى في غيره، فلم يمنع القصاص، كأذن السميع بأذن الأصم.
ولا يقطع الذكر الصحيح بالذكر الأشل؛ لأنه لا يساويه.
стр. 5836
وإن قطع بعض ذكره.. اقتص منه.
وقال أبو إسحاق: لا يقتص منه، كما قال في اللسان.
والأول أصح؛ لأنه إذا أمكن في جميعه.. أمكن في بعضه.
فعلى هذا: يعتبر المقطوع بالجزء، كالنصف والثلث والربع، كما قلنا في الأذن والأنف.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويقاد ذكر الأغلف بذكر المختون، كما تقطع اليد السمينة باليد المهزولة، ولأن تلك الجلدة مستحقة للقطع، فلا تمنع من القصاص) .
[فرع قطع الأنثيين فيقطع منه]
] : وإن قطع أنثييه.. أقتص منه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنه طرف يمكن اعتبار المماثلة في أخذ القصاص فيه، فشابه سائر الأطراف.
فإن قطع إحدى أنثييه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (سألت أهل الخبرة، فإن قالوا: يمكن أن يقتص من إحدى البيضتين من القاطع ولا تتلف الأخرى.. اقتص منه، وإن قيل: تتلف الأخرى.. لم يقتص منه؛ لأنه لا يجوز أخذ أنثيين بواحدة، ويجب له نصف الدية) . وهل تتبعها جلدتها، أو تنفرد بحكومة؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ".
[مسألة القصاص في الشفرين]
وهل يجب القصاص في (الشفرين) : وهما اللحم المحيط بالفرج؟ فيه وجهان:
стр. 5837
أحدهما: يجب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنهما لحمان محيطان بالفرج من الجانبين يعرف انتهاؤهما، فوجب فيهما القصاص.
والثاني: لا يجب، وهو قول الشيخ أبي حامد؛ لأنه لحم، وليس له مفصل ينتهي إليه، فلم يجب فيه القصاص، كلحم الفخذ. والأول هو المنصوص.
[فرع قطع ذكر مشكل مع أخريات]
إذا قطع قاطع ذكر خنثى مشكل، وأنثييه، وشفريه.. فلا يخلو القاطع: إما أن يكون رجلاً، أو امرأة، أو خنثى مشكلاً.
فإن كان القاطع رجلاً.. لم يجب عليه القصاص في الحال؛ لجواز أن يكون الخنثى امرأة، والذكر والأنثيان فيه زائدان، فلا يؤخذ الأصليان بالزائدين، وقيل له: أنت بالخيار: بين أن تصبر إلى أن يتبين حالك، فيجب لك القصاص إن بان أنك رجل، وبين أن تعفو وتأخذ المال، فإن قال: أعطوني ما وجب لي من المال.. نظرت:
فإن عفا عن القصاص في الذكر والأنثيين، أو لم يكن للجاني ذكر ولا أنثيان، بأن كانا قد قطعا.. قال أصحابنا البغداديون: فإنه يعطى دية الشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين لا تبلغ ديتهما؛ لأنه يستحق ذلك بيقين.
وقال الخراسانيون والجويني: يعطى حكومة للذكر والأنثيين، وحكومة للشفرين؛ لأنه يستحق ذلك بيقين، ويشك في الزيادة.
وإن قال: لا أقف، ولا أعفو عن القصاص، وطلب المال.. فهل يعطى شيئاً؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو علي بن أبي هريرة: لا يعطى؛ لأنه مطالب بالقود، ولا يجوز أن يأخذ المال وهو مطالب بالقود.
و [الثاني] : قال أكثر أصحابنا: يعطى، وهو الأصح؛ لأنه يستحقه بيقين.
فإذا قلنا بهذا: فكم القدر الذي يعطى؟ اختلف أصحابنا فيه:
стр. 5838
فقال القفال: يعطى حكومة في الشفرين؛ لأنه يستحق ذلك بيقين.
وقال القاضي أبو حامد: يعطى دية الشفرين؛ لأنا لا نتوهم وجوب القصاص فيهما.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال أو في آلة النساء؛ لأن ذلك هو اليقين.
ومن أصحابنا من قال: يعطى الحكومة في الذي قطعه آخراً. والأول أصح.
وإن كان القاطع امرأة، فإن قلنا بقول الشيخ أبي حامد، وأنه لا قصاص في الشفرين.. فإنا لا نتوهم وجوب القصاص، فيعطى حكومة في آلة الرجال، وحكومة في آلة النساء، فإن بان رجلاً.. تمم له دية الذكر ودية الأنثيين وحكومة للشفرين، وإن بان امرأة.. تمم له دية الشفرين وحكومة للذكر والأنثيين. وإن قلنا بالمنصوص، وأنه يجب القصاص فيهما.. فإنه لا يجب للخنثى القصاص في الحال؛ لجواز أن يكون رجلاً، فلا يجب القصاص على المرأة في الفرج الزائد.
فإن طلب المال.. نظرت:
فإن عفا عن القصاص، أو لم يعف ولكن ليس للقاطعة شفران.. فعلى قول البغداديين من أصحابنا: يعطى دية الشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين، فإن بان امرأة.. فقد استوفت حقها، وإن بان رجلاً.. تمم له دية الذكر ودية الأنثيين، وحكومة الشفرين.
وعلى قول الخراسانيين: يعطى حكومة للشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين.
وإن لم يعف عن القصاص، وكان للقاطعة شفران وطلب المال.. فعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: لا يعطى، وعلى قول أكثر أصحابنا: يعطى.
فإذا قلنا بهذا: فكم يعطى على قول القفال؟ يعطى حكومة للذكر والأنثيين.
وعلى قول القاضي أبي حامد: يعطى دية الذكر والأنثيين.
وعلى قول بعض أصحابنا الخراسانيين: يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال وآلة النساء.
стр. 5839
وإن كان القاطع خنثى مشكلاً.. فإنه لا يجب القصاص في الحال؛ لأنا لا نتيقن عين الزائد من الآلتين فيهما، ولا عين الأصلي، فلو أوجبنا القصاص في الحال.. لم نأمن أن نأخذ أصلياً بزائد، وذلك لا يجوز.
فإن طلب حقه من المال.. نظرت:
فإن عفا عن القصاص.. قال أصحابنا البغداديون: أعطي دية الشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين؛ لأنه يستحق ذلك بيقين. وقال الخراسانيون: يعطى الحكومة في الذكر والأنثيين والشفرين.
وإن لم يعف عن القصاص.. فهل يعطى شيئاً من المال؟
إن قلنا بقول الشيخ أبي حامد، وأنه لا قصاص في الشفرين.. أعطي الحكومة فيهما؛ لأنا لا نتوهم وجوب القصاص فيهما، وإن قلنا بالمنصوص، وأنه يجب فيهما القصاص.. فهل يعطى شيئاً؟
إن قلنا بقول أبي علي بن أبي هريرة: أنه لا يعطى شيئاً إذا كان القاطع رجلاً أو امرأة.. فهاهنا أولى أن لا يعطى، وإن قلنا هناك يعطى.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: لا يعطى، وهو قول القفال؛ لأن القصاص متوهم في جميع الآلات.
والثاني: يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال وآلة النساء.
والصحيح: أنه لا يعطى هاهنا شيئاً.
مسألة: [القصاص لا يعتبر فيه الصحة والكبر] :
وكل عضو وجب فيه القصاص.. فإنه يجب فيه وإن اختلف العضوان في الصغر والكبر، والصحة والمرض، والسمن والهزال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] (المائدة: من الآية ٤٥) ولم يفرق. ولأنا لو اعتبرنا هذه الأشياء.. لشق وضاق، فسقط اعتباره، كما سقط اعتبار ذلك في النفس.
وما كان من الأعضاء منقسماً إلى يمين ويسار، كالعينين والأذنين واليدين
стр. 5840
والرجلين.. لا يجوز أخذ اليمنى منه باليسرى، ولا اليسرى باليمنى.
وقال ابن شبرمة: يجوز.
دليلنا: أن كل واحد منهما يختص باسم ينفرد به، فلا يؤخذ بغيره، كما لا تؤخذ اليد بالرجل.
وكذلك: لا يؤخذ الجفن الأعلى بالجفن الأسفل، ولا الأسفل بالأعلى، وكذلك الشفتان مثله.
ولا تؤخذ سن بسن غيرها، ولا إصبع بإصبع غيرها، ولا أنلمة بأنملة غيرها، كما لا تؤخذ نفس بجناية نفس غيرها، ولا يؤخذ ذلك وإن رضي الجاني والمجني عليه.
وكذلك: إذا رضي الجاني بأن يؤخذ العضو الكامل بالناقص، والصحيح بالأشل.. لم يجز؛ لأن الدماء لا تستباح بالإباحة.
[مسألة قطع عضوه ثم قتله]
إذا قطع يد رجل، ثم عاد فقتله.. كان له أن يقطع يده، ثم يقتله، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس له إلا القتل.
دليلنا: قوله تعلى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) وهذا قد اعتدى بقطع اليد، فلم يمنع من قطع يده.
ولأنهما جنايتان يجب القصاص في كل واحدة منهما إذا انفردت، فوجب القصاص فيهما عند الاجتماع، كقطع اليد والرجل.
[مسألة قتل جماعة]
إذا قتل واحد جماعة.. قتل بواحد، وأخذ الباقون الدية.
وقال أبو حنيفة، ومالك: (يقتل بالجماعة، فإن بادر واحد وقتله.. سقط حق الباقين) . وهو قول بعض أصحابنا الخراسانيين.
стр. 5841
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن طلبوا القصاص.. قتل لجماعتهم وإن طلب بعضهم القصاص، وبعضهم الدية.. قتل لمن طلب القصاص، وأعطيت الدية من طلبها) .
وقال عثمان البتي: يقتل بجماعتهم، ثم يعطون دية باقيهم، فيقسمونها بينهم، مثل: أن يقتل عشرة، فإنه يقتل، ويعطون تسع ديات، ويقسمونها بين العشرة.
دليلنا: قوله ﷺ : «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين، إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» .
ولأنها حقوق مقصودة لآدميين يمكن استيفاؤها.. فوجب أن لا تتداخل، كالديون.
فقولنا: (حقوق مقصودة) احتراز من آجال الدائنين.
وقولنا: (لآدميين) احتراز من حقوق الله تعالى، وهي الحدود في الزنا والشرب.
إذا ثبت هذا: فإن قتل واحداً بعد واحد.. اقتص للأول، فإن عفا الأول.. اقتص للثاني، فإن عفا الثاني.. اقتص للثالث.
وإن كان ولي الأول غائباً أو صغيراً.. انتظر قدوم الغائب، وبلوغ الصغير.
وإن قتلهم دفعة واحدة، بأن هدم عليهم بيتاً أو حرقهم فماتوا معاً.. أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة.. قتل به، وكان للباقين الدية.
وقال بعض أصحابنا الخراسانيين: يقتل بالجميع، ويرجع كل واحد من الأولياء بحصته الموروثة من الدية.
وإن قتلهم واحداً بعد واحد، إلا أنه أشكل الأول منهم، فإن أقر القاتل لأحدهم: أنه الأول.. قبل إقراره، وقتل به، وإن لم يقر.. أقرعنا بينهم؛ لاستواء حقوقهم،
стр. 5842
فإن بادر واحد منهم فقتله.. فقد استوفى حقه، وانتقل حق الباقين إلى الدية.
وحكى الخراسانيون من أصحابنا - أنه إذا قتل واحداً بعد واحد، وكان ولي الأول غائباً أو مجنوناً أو صغيراً - قولين:
أحدهما: يستوفي ولي الثاني.
والثاني: لا يستوفي، بل ينتظر حضور الغائب، وإفاقة المجنون، وبلوغ الصبي.
وإن قتل جماعة في قطع الطريق، وقلنا بالمشهور من المذهب: أنه يقتل بواحد في غير قطع الطريق.. فهاهنا وجهان وحكاهما الخراسانيون قولين:
أحدهما: حكمه حكم ما لو قتلهم في غير قطع الطريق؛ لما ذكرناه هناك.
والثاني: يقتل بالجميع، ولا شيء للباقين؛ لأنه يقتل حداً، بدليل: أنه لا يصح العفو عنه، وإن قطع عضواً من جماعة.. فحكمه حكم ما لو قتل جماعة، على ما مضى.
[مسألة قطع يد رجل وقتل غيره]
وإن قطع يد رجل، وقتل آخر.. قطعت يده للمقطوع، ثم قتل للمقتول، سواء تقدم قطع اليد أو تأخر، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (يقتل للمقتول، ولا تقطع يده للمقطوع) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية (المائدة: ٤٥) . فأخبر: أن النفس تؤخذ بالنفس، والطرف بالطرف، فمن قال غير هذا.. فقد خالف الآية.
ولأنهما جنايتان على شخصين، فلا تتداخلان، كما لو قطع يدي رجلين، وإنما
стр. 5843
قدمنا القطع هاهنا وإن كان متأخراً؛ لأنه يمكن إيفاء الحقين من غير نقص على أحدهما، ومتى أمكن إيفاء الحقين.. لم يجز إسقاط أحدهما.
وإن قطع إصبعاً من يمين رجل، ثم قطع يمين آخر.. قطعت إصبعه للأول، ثم قطعت يده للثاني، ولزمه أن يغرم للثاني دية إصبعه التي لم يقتص منها، ويخالف إذا قتل رجل مقطوع اليد لرجل غير مقطوع اليد؛ فإنه لا يغرم له شيئاً؛ لأن اليد تنقص بنقصان الإصبع؛ ولهذا: لا تؤخذ يد كاملة الأصابع بيد ناقصة الأصابع، والنفس لا تنقص بنقصان اليد، ولهذا: يقتل من له يدان بمن له يد واحدة.
وإن قطع يمين رجل، ثم قطع إصبعاً من يمين آخر.. قطعت يمينه للأول، وأخذ الآخر دية إصبعه المقطوعة، ويخالف إذا قطع يمين رجل، ثم قتل آخر؛ حيث قلنا: يقدم القطع وإن كان متأخراً؛ لأن اليد تنقص بنقصان الإصبع، والنفس لا تنقص بنقصان اليد.
[فرع قتل ثم ارتد أو قطع ثم سرق]
إذا قتل رجلاً وارتد، أو قطع يمين رجل وسرق.. قدم حق الآدمي من القتل والقطع؛ لأنه مبني على التشديد، وحق الله تعالى مبني على المسامحة.
وبالله التوفيق
стр. 5844
[باب استيفاء القصاص]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولم يختلفوا في أن العقل موروث كالمال) .
وجملة ذلك: أنه إذا قتل رجل رجلاً عمداً أو خطأ، وعفا عنه على المال.. فإن الدية تكون لجميع ورثة المقتول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] (النساء: ٩٢) .
ولقوله ﷺ : «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» و (الأهل) : يقع على الذكر والأنثى، وهو إجماع لا خلاف فيه.
وقد روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وأرضاه: أنه لم يورث امرأة من دية زوجها، فقال له الضحاك بن قيس - وقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: الضحاك بن سفيان -: كتب إلي رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر ﵁ وأرضاه.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى، وترث المرأة من دية زوجها» .
стр. 5845
وقال الشيخ أبو إسحاق: ويقضى من الدية دينه، وتنفذ منها وصاياه.
وقال أبو ثور: (لا يقضى منها دينه، ولا تنفذ منها وصاياه) .
والذي يقتضي المذهب: أن تبنى على القولين، متى تجب الدية؟
فإن قلنا: بآخر جزء من أجزاء حياة المقتول.. قضي منها دينه، ونفذت منها وصاياه، وإن قلنا: تجب بعد موته.. لم يقض منها دينه، ولم تنفذ منها وصاياه. ولعله ذكر ذلك على الأصح عنده.
وأما إذا كان القتل يقتضي القصاص.. فإن القصاص موروث، وفيمن يرثه من الورثة ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ:
أحدها: أنه لا يرثه إلا العصبة من الرجال، وبه قال مالك، والزهري؛ لأن القصاص يدفع العار عن النسب، فاختص به العصبات، كولاية النكاح، فإن اقتصوا.. فلا كلام، وإن عفوا على مال.. كان لجميع الورثة.
والثاني: أنه يرثه من يرث بنسب دون سبب، فيخرج من ذلك من يرث بالزوجية، وبه قال ابن شبرمة؛ لأن القصاص يراد للتشفي، والزوجية تزول بالموت.
والثالث - وهو المنصوص، ولم يذكر الشيخان غيره -: (أنه يرثه جميع الورثة، من يرثه بنسب، ومن يرثه بسبب) ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد رحمة الله
стр. 5846
عليهم؛ لقوله ﷺ : «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» و (الأهل) : يقع على الرجال والنساء.
ولأنه جعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أن الدية لجميع الورثة، فكذلك القود.
وروت عائشة أم المؤمنين ﵂: «أن النبي ﷺ قال لأهل القتيل: أن يتحجزوا، الأول فالأول، وإن كانت امرأة» قال أبو عبيد [في " غريب الحديث " (٢/١٦٠) ] : ومعنى قوله ﷺ : " يتحجزوا " يكفوا عن القصاص، ولو لم يكن للمرأة حق في القصاص.. لما جعل لها الكف عنه.
وروي: (أن رجلا قتل رجلاً، فأراد أولياء المقتول القود، فقالت أخت المقتول - وكانت زوجة القاتل -: عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر ﵁: الله أكبر عتق من القتل) .
[مسألة قطع طرف رجل فارتد المقطوع]
إذا قطع طرف مسلم، فارتد المقطوع، ثم مات على الردة - وقلنا: يجب القصاص في الطرف - فمن الذي يستوفيه؟
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لوليه المسلم أن يقتص) . واعترض المزني عليه، فقال: كيف يجوز لوليه أن يقتص وهو لا يرثه؟ واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: لا يقتص وليه المسلم كما قال المزني؛ لأنه لا يرثه، ولم يرد
стр. 5847
الشافعي ﵀ في الولي هاهنا: المناسب؛ وإنما أراد به: الإمام.
وقال أكثرهم: بل يجوز لوليه المناسب أن يقتص؛ لأن القصاص للتشفي، وذلك إلى المناسب لا إلى الإمام.
وقول الأول غير صحيح؛ لأنه قد يثبت القصاص لمن لا يرث، وهو: إذا قتل رجل وعليه دين يحيط بتركته.
فإذا قلنا: إن الإمام هو الذي يقتص.. كان بالخيار: بين أن يقتص، وبين أن يعفو على مال، فإذا عفا على مال.. كان فيئاً.
وإذا قلنا: يقتص الولي المناسب، فإن اقتص.. فلا كلام، وإن عفا على مال.. فهل يثبت؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: لا يثبت؛ لأن أرش الطرف يدخل في أرش النفس، فلما لم يجب أرش النفس.. لم يجب أرش الطرف.
والثاني: يجب الأرش، وهو الأصح؛ لأن الجناية وقعت في حالة مضمونة، فلا يسقط حكمها بسقوط حكم السراية.
فإذا قلنا بهذا: فكم الأرش الذي يجب؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال عامة أصحابنا: يجب أقل الأمرين من أرش الطرف أو دية النفس؛ لأن دية النفس إذا كانت أكثر من أرش الطرف.. لم تجب الزيادة على أرش الطرف؛ لأن الزيادة وجبت بالسراية، وإن كان أرش الطرف أكثر.. لم يجب ما زاد على دية النفس؛ لأنه لو مات وهو مسلم.. لم يجب فيه أكثر من دية مسلم، فكذلك هاهنا مثله.
و [الثاني] : قال أبو سعيد الإصطخري: يجب أرش الطرف بالغاً ما بلغ؛ لأن الدية إنما تجب في النفس في الموضع الذي لو كان دون الدية وصار نفساً. وجبت فيه الدية، وهاهنا لا حكم للسراية في الزيادة، فكذلك في النقصان. والأول أصح.
стр. 5848
[مسألة حق القصاص لقاصر]
وإن كان القصاص لصغير أو مجنون، أو لغير رشيد.. لم يستوف له الولي، وبه قال أحمد، وأبو يوسف.
وقال مالك، وأبو حنيفة، ومحمد: (يجوز للأب والجد أن يستوفيا له القصاص في النفس والطرف، ويجوز للوصي والحاكم أن يستوفيا له في الطرف دون النفس) .
دليلنا: قوله ﷺ : «فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» . فجعل الخيرة للأهل، فلو جعلنا للولي استيفاءه.. لفوتنا ما خير فيه.
ولأنه لا يملك إيقاع طلاق زوجته، فلا يملك استيفاء القصاص في النفس، كالوصي.
وإذا ثبت هذا: فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويصلح المفسد؛ لأن في ذلك مصلحة للقاتل؛ بأن يعيش إلى مدة، ويتأخر قتله، وفيه مصلحة لولي المقتول؛ لئلا يهرب القاتل، ويفوت القصاص.
فإن أراد الولي أن يعفو عن القود على مال، فإن كان المولى عليه له كفاية.. لم يجز، وإن كان محتاجاً إلى ذلك المال لنفقته.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه من القصاص، ونفقته في بيت المال.
وإن وثب الصبي أو المجنون، فاقتص.. فهل يصير مستوفياً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصير مستوفياً، كما لو كانت له وديعة، فأتلفها.
والثاني: لا يصير مستوفياً، وهو الأصح؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء.
стр. 5849
وإن كان القصاص لغائب.. حبس القاتل إلى أن يقدم الغائب، كما قلنا فيه إذا كان لصغير أو مجنون.
فإن قيل: فهلا قلتم: لا يحبس القاتل للغائب؛ لأنه لا ولاية للحاكم على الغائب، كما لو كان للغائب مال مغصوب.. فليس للحاكم أن يحبس الغاصب، وينتزع منه المال المغصوب؟
فالجواب: أن القود يثبت للميت، وللحاكم على الميت ولاية، وليس كذلك الغائب إذا غصب ماله؛ لأنه لا ولاية له عليه وهو رشيد؛ فوزانه: أن يموت رجل، ويخلف مالاً، وله وارث غائب، فجاء رجل، وغصب ماله.. فللإمام حبس الغاصب إلى أن يقدم الغائب.
[فرع كان القصاص لجماعة وبعضهم غائب]
فإن كان القصاص لجماعة، وبعضهم حاضر وبعضهم غائب.. لم يجز للحاضر أن يستوفي بغير إذن الغائب، بلا خلاف.
وإن كان القصاص بين صبي وكبير، أو بين مجنون وعاقل.. لم يجز للكبير والعاقل أن يستوفي القصاص حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويأذن في الاستيفاء، وبه قال عمر بن عبد العزيز ﵁، وأبو يوسف.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يجوز للكبير والعاقل أن يستوفيا قبل بلوغ الصغير وإفاقة المجنون) . إلا أن أصحاب أبي حنيفة اختلفوا في الذي يستوفيه:
فمنهم من قال: يستوفي حقه وحق الصبي والمجنون.
ومنهم من قال: يستوفي حقه، ويسقط حق الصغير والمجنون.
دليلنا: أنه قصاص موروث، فوجب أن لا يختص باستيفائه بعض الورثة، كما لو كان لحاضر وغائب.
وإذا ثبت هذا: فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، كما قلنا فيه إذا كان جميع القود له.
стр. 5850
فإن أقام القاتل كفيلاً ليخلى.. لم يجز تخليته؛ لأن فيه تغريراً لحق المولى عليه، ولأن الكفالة لا تصح في القصاص، فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به، ولا يمكن استيفاؤه من غير القاتل، فلم تصح الكفالة به، كالحد.
وإن وجب القصاص في قتل من لا وارث له غير المسلمين.. كان القصاص إلى الإمام؛ لأنه نائب عنهم.
وإن كان هناك من يرث البعض، ويرث المسلمون الباقي.. كان استيفاء القصاص إلى الإمام وإلى الوارث.
[مسألة يستوفي القصاص أحد أصحاب الحق]
وإن قتل رجل رجلاً، وله أخوان أو ابنان من أهل استيفاء القصاص.. لم يكن لهما أن يستوفيا القصاص جميعاً؛ لأن في ذلك تعذيباً للقاتل، فإما أن يوكلا رجلا يستوفي لهما القصاص، وإما أن يوكل أحدهما الآخر في الاستيفاء.
فإن طلب كل واحد منهما أن يوكله الآخر.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فإذا خرجت القرعة لأحدهما.. أمر الآخر أن يوكله، وإن بادر أحدهما وقتل القاتل بغير إذن أخيه.. نظرت:
فإن كان الذي لم يقتل لم يعف عن حقه من القصاص.. فهل يجب على القاتل منهما القود؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه ممنوع من قتله، وقد يجب القتل بإتلاف بعض النفس، كما لو قتل جماعة واحداً.
والثاني: لا يجب عليه القود، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو الأصح؛ لأن له في قتله حقاً، فلم يجب عليه القود، كما لو وطئ أحد الشريكين الجارية المشتركة.
وإن قتله بعد أن عفا أخوه عن القود.. نظرت:
следующие страницы →