Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
عليهم؛ لقوله ﷺ : «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» و (الأهل) : يقع على الرجال والنساء.
ولأنه جعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أن الدية لجميع الورثة، فكذلك القود.
وروت عائشة أم المؤمنين ﵂: «أن النبي ﷺ قال لأهل القتيل: أن يتحجزوا، الأول فالأول، وإن كانت امرأة» قال أبو عبيد [في " غريب الحديث " (٢/١٦٠) ] : ومعنى قوله ﷺ : " يتحجزوا " يكفوا عن القصاص، ولو لم يكن للمرأة حق في القصاص.. لما جعل لها الكف عنه.
وروي: (أن رجلا قتل رجلاً، فأراد أولياء المقتول القود، فقالت أخت المقتول - وكانت زوجة القاتل -: عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر ﵁: الله أكبر عتق من القتل) .
[مسألة قطع طرف رجل فارتد المقطوع]
إذا قطع طرف مسلم، فارتد المقطوع، ثم مات على الردة - وقلنا: يجب القصاص في الطرف - فمن الذي يستوفيه؟
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لوليه المسلم أن يقتص) . واعترض المزني عليه، فقال: كيف يجوز لوليه أن يقتص وهو لا يرثه؟ واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: لا يقتص وليه المسلم كما قال المزني؛ لأنه لا يرثه، ولم يرد
стр. 5847
الشافعي ﵀ في الولي هاهنا: المناسب؛ وإنما أراد به: الإمام.
وقال أكثرهم: بل يجوز لوليه المناسب أن يقتص؛ لأن القصاص للتشفي، وذلك إلى المناسب لا إلى الإمام.
وقول الأول غير صحيح؛ لأنه قد يثبت القصاص لمن لا يرث، وهو: إذا قتل رجل وعليه دين يحيط بتركته.
فإذا قلنا: إن الإمام هو الذي يقتص.. كان بالخيار: بين أن يقتص، وبين أن يعفو على مال، فإذا عفا على مال.. كان فيئاً.
وإذا قلنا: يقتص الولي المناسب، فإن اقتص.. فلا كلام، وإن عفا على مال.. فهل يثبت؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: لا يثبت؛ لأن أرش الطرف يدخل في أرش النفس، فلما لم يجب أرش النفس.. لم يجب أرش الطرف.
والثاني: يجب الأرش، وهو الأصح؛ لأن الجناية وقعت في حالة مضمونة، فلا يسقط حكمها بسقوط حكم السراية.
فإذا قلنا بهذا: فكم الأرش الذي يجب؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال عامة أصحابنا: يجب أقل الأمرين من أرش الطرف أو دية النفس؛ لأن دية النفس إذا كانت أكثر من أرش الطرف.. لم تجب الزيادة على أرش الطرف؛ لأن الزيادة وجبت بالسراية، وإن كان أرش الطرف أكثر.. لم يجب ما زاد على دية النفس؛ لأنه لو مات وهو مسلم.. لم يجب فيه أكثر من دية مسلم، فكذلك هاهنا مثله.
و [الثاني] : قال أبو سعيد الإصطخري: يجب أرش الطرف بالغاً ما بلغ؛ لأن الدية إنما تجب في النفس في الموضع الذي لو كان دون الدية وصار نفساً. وجبت فيه الدية، وهاهنا لا حكم للسراية في الزيادة، فكذلك في النقصان. والأول أصح.
стр. 5848
[مسألة حق القصاص لقاصر]
وإن كان القصاص لصغير أو مجنون، أو لغير رشيد.. لم يستوف له الولي، وبه قال أحمد، وأبو يوسف.
وقال مالك، وأبو حنيفة، ومحمد: (يجوز للأب والجد أن يستوفيا له القصاص في النفس والطرف، ويجوز للوصي والحاكم أن يستوفيا له في الطرف دون النفس) .
دليلنا: قوله ﷺ : «فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» . فجعل الخيرة للأهل، فلو جعلنا للولي استيفاءه.. لفوتنا ما خير فيه.
ولأنه لا يملك إيقاع طلاق زوجته، فلا يملك استيفاء القصاص في النفس، كالوصي.
وإذا ثبت هذا: فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويصلح المفسد؛ لأن في ذلك مصلحة للقاتل؛ بأن يعيش إلى مدة، ويتأخر قتله، وفيه مصلحة لولي المقتول؛ لئلا يهرب القاتل، ويفوت القصاص.
فإن أراد الولي أن يعفو عن القود على مال، فإن كان المولى عليه له كفاية.. لم يجز، وإن كان محتاجاً إلى ذلك المال لنفقته.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه من القصاص، ونفقته في بيت المال.
وإن وثب الصبي أو المجنون، فاقتص.. فهل يصير مستوفياً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصير مستوفياً، كما لو كانت له وديعة، فأتلفها.
والثاني: لا يصير مستوفياً، وهو الأصح؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء.
стр. 5849
وإن كان القصاص لغائب.. حبس القاتل إلى أن يقدم الغائب، كما قلنا فيه إذا كان لصغير أو مجنون.
فإن قيل: فهلا قلتم: لا يحبس القاتل للغائب؛ لأنه لا ولاية للحاكم على الغائب، كما لو كان للغائب مال مغصوب.. فليس للحاكم أن يحبس الغاصب، وينتزع منه المال المغصوب؟
فالجواب: أن القود يثبت للميت، وللحاكم على الميت ولاية، وليس كذلك الغائب إذا غصب ماله؛ لأنه لا ولاية له عليه وهو رشيد؛ فوزانه: أن يموت رجل، ويخلف مالاً، وله وارث غائب، فجاء رجل، وغصب ماله.. فللإمام حبس الغاصب إلى أن يقدم الغائب.
[فرع كان القصاص لجماعة وبعضهم غائب]
فإن كان القصاص لجماعة، وبعضهم حاضر وبعضهم غائب.. لم يجز للحاضر أن يستوفي بغير إذن الغائب، بلا خلاف.
وإن كان القصاص بين صبي وكبير، أو بين مجنون وعاقل.. لم يجز للكبير والعاقل أن يستوفي القصاص حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويأذن في الاستيفاء، وبه قال عمر بن عبد العزيز ﵁، وأبو يوسف.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يجوز للكبير والعاقل أن يستوفيا قبل بلوغ الصغير وإفاقة المجنون) . إلا أن أصحاب أبي حنيفة اختلفوا في الذي يستوفيه:
فمنهم من قال: يستوفي حقه وحق الصبي والمجنون.
ومنهم من قال: يستوفي حقه، ويسقط حق الصغير والمجنون.
دليلنا: أنه قصاص موروث، فوجب أن لا يختص باستيفائه بعض الورثة، كما لو كان لحاضر وغائب.
وإذا ثبت هذا: فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، كما قلنا فيه إذا كان جميع القود له.
стр. 5850
فإن أقام القاتل كفيلاً ليخلى.. لم يجز تخليته؛ لأن فيه تغريراً لحق المولى عليه، ولأن الكفالة لا تصح في القصاص، فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به، ولا يمكن استيفاؤه من غير القاتل، فلم تصح الكفالة به، كالحد.
وإن وجب القصاص في قتل من لا وارث له غير المسلمين.. كان القصاص إلى الإمام؛ لأنه نائب عنهم.
وإن كان هناك من يرث البعض، ويرث المسلمون الباقي.. كان استيفاء القصاص إلى الإمام وإلى الوارث.
[مسألة يستوفي القصاص أحد أصحاب الحق]
وإن قتل رجل رجلاً، وله أخوان أو ابنان من أهل استيفاء القصاص.. لم يكن لهما أن يستوفيا القصاص جميعاً؛ لأن في ذلك تعذيباً للقاتل، فإما أن يوكلا رجلا يستوفي لهما القصاص، وإما أن يوكل أحدهما الآخر في الاستيفاء.
فإن طلب كل واحد منهما أن يوكله الآخر.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فإذا خرجت القرعة لأحدهما.. أمر الآخر أن يوكله، وإن بادر أحدهما وقتل القاتل بغير إذن أخيه.. نظرت:
فإن كان الذي لم يقتل لم يعف عن حقه من القصاص.. فهل يجب على القاتل منهما القود؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه ممنوع من قتله، وقد يجب القتل بإتلاف بعض النفس، كما لو قتل جماعة واحداً.
والثاني: لا يجب عليه القود، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو الأصح؛ لأن له في قتله حقاً، فلم يجب عليه القود، كما لو وطئ أحد الشريكين الجارية المشتركة.
وإن قتله بعد أن عفا أخوه عن القود.. نظرت:
стр. 5851
فإن كان قد حكم الحاكم بسقوط القود.. وجب القود على القاتل، قولاً واحداً، قال ابن الصباغ: سواء علم القاتل بذلك أو لم يعلم؛ لأن بحكم الحاكم زالت الشبهة، وحرم عليه قتله، فهو كما لو قتل غير القاتل.
وإن كان بعد عفو أخيه، وقبل حكم الحاكم بسقوط القود.. نظرت:
فإن لم يعلم بعفو أخيه.. فهل يجب القود على القاتل؟ فيه قولان، كما لو لم يعف أخوه. قال الشيخ أبو حامد: إلا أن الأصح هناك: أن لا يجب عليه القود، والأصح هاهنا: أن عليه القود.
وإن قتله بعد أن علم بعفو أخيه، فإن قلنا: يجب عليه القود إذا لم يعلم بعفو أخيه.. فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: لا يجب عليه القود.. فهاهنا قولان:
أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه قتله ولا حق له في قتله.
والثاني: لا يجب عليه القود؛ لأن على قول مالك لا يسقط القود بعفو أحد الشريكين، فصار ذلك شبهة في سقوط الحد عنه. وهذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا قتله قبل عفو أخيه.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان.
فإذا قلنا: لا يجب عليه القود.. فله معنيان:
أحدهما: لاختلاف العلماء في جواز استيفاء أحدهما.
والثاني: لأجل حقه في القصاص.
وإن قتله بعد عفو أخيه، وهو عالم بعفوه، فإن قلنا في الأولى: يجب القصاص.. فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: لا يجب.. فهاهنا قولان:
[أحدهما] : إن قلنا: العلة هناك اختلاف العلماء.. فلا قود هاهنا؛ لأن الاختلاف موجود.
و [الثاني] : إن قلنا: العلة هناك حقه في القصاص.. وجب عليه هاهنا القود.
стр. 5852
وإن قتله جاهلاً بعفو أخيه، فإن قلنا: لا يجب عليه القود إذا كان عالماً بعفو أخيه.. فهاهنا أولى أن لا يجب، وإن قلنا هناك: يجب القود.. فهاهنا قولان، بناء على القولين فيمن قتل مسلماً ظنه حربياً في دار السلام.
إذا ثبت هذا: فإذا قلنا: يجب القود على القاتل.. فلوليه أن يقتص منه، فإذا قتله.. وجبت دية المقتول الأول في تركة القاتل الأول، نصفها للأخ الذي لم يقتل، ونصفها لورثة أخيه المقتول. وإن قلنا: لا يجب القود على الأخ القاتل.. فقد استوفى حقه، وبقي حق أخيه، وقد تعذر استيفاء حقه من القصاص، فيكون له نصف دية أبيه، وعلى من يرجع بها؟ فيه قولان:
أحدهما: يرجع بها على أخيه القاتل؛ لأن نفس قاتل أبيه كانت لهما، فإذا قتله أحدهما.. فقد أتلف ما يستحقه هو وأخوه، فوجب عليه ضمان حق أخيه، كما لو كانت لهما وديعة، فأتلفها أحدهما.
فعلى هذا: إن أبرأ أخاه.. صح إبراؤه، وإن أبرأ قاتل أبيه.. لم يصح إبراؤه.
والقول الثاني: أنه يرجع بها في تركة قاتل أبيه؛ لأنه قود سقط إلى مال، فوجب المال في تركة قاتل الأب، كما لو قتله أجنبي، ويخالف الوديعة، فإنه لو أتلفها أجنبي.. لرجع عليه بضمانها، وهاهنا لو قتله أجنبي.. لم يرجع عليه بشيء.
فعلى هذا: إن أبرأ أخاه.. لم يصح إبراؤه، وإن أبرأ قاتل أبيه.. صح إبراؤه، ويكون لورثة قاتل الأب أن يرجعوا على القاتل بنصف دية مورثهم؛ لأنه لا يستحق إلا نصف نفسه.
وإن عفا الأخوان جميعاً عنه، ثم عادا فقتلاه، أو عفا عنه أحدهما، ثم عاد فقتله.. وجب القود، قولاً واحداً؛ لأنه لم يبق للقاتل حق بعد عفوه، فصار كما لو قتل أجنبياً.
فإن كان القصاص لجماعة، واختلفوا فيمن يقتص منهم.. أقرع بينهم، وهل يدخل في القرعة من لا يحسن؟ فيه وجهان، حكاهما في " العدة ":
стр. 5853
أحدهما: لا يدخل؛ لأنه لا فائدة فيه.
والثاني: يدخل؛ لأنه يستنيب من شاء.
ومتى خرجت القرعة لأحدهم.. لم يستوف القصاص إلا بتوكيل الباقين له.
[مسألة القصاص بإذن الحاكم]
ومن وجب له القصاص.. لم يجز له أن يقتص بغير إذن السلطان أو بغير حضوره؛ لاختلاف العلماء في وجوب القصاص في مواضع، فلو قلنا: له أن يستوفيه من غير إذن السلطان.. لم نأمن أن يقتص فيما لا يستحق فيه القصاص، فإن خالف واقتص بغير إذن السلطان.. فقد استوفى حقه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويعزر، ولا شيء عليه) .
ومن أصحابنا من قال: لا يعزر؛ لأنه استوفى حقه.
والأول أصح؛ لأنه افتأت على السلطان.
والمستحب: أن يكون ذلك بحضرة شاهدين؛ لئلا ينكر المقتص الاستيفاء، فإن اقتص بغير حضور شاهدين.. جاز؛ لأنه استيفاء حق، فلم يكن من شرطه حضور الشهود، كالدين.
ويتفقد السلطان الآلة التي يستوفي بها القصاص، فإن كانت كالة.. منع من الاستيفاء بها؛ لقوله ﷺ : «إذا قتلتم.. فأحسنوا القتلة» . فإن استوفى القصاص بآلة كالة.. فقد أساء، ولا تعزير عليه.
وإن أراد الاستيفاء بآلة مسمومة.. قال الشيخ أبو حامد: منع من ذلك، سواء كان في الطرف أو في النفس؛ لأنه إذا كان في الطرف.. سرى إلى نفسه، وإن كان في
стр. 5854
النفس.. هرى بدنه، ومنع من غسله، فإن خالف، واقتص بآلة مسمومة.. عزر.
وقال القفال: إن كان الاستيفاء في الطرف.. منع منه، وإن كان في النفس.. لم يمنع منه.
فإن اقتص في الطرف بآلة مسمومة، وسرى ذلك إلى نفسه.. وجب على المقتص نصف الدية؛ لأنه مات من مباح ومحظور.
[فرع طلب من له القصاص أن يقتص]
] : إذا طلب من له القصاص أن يقتص بنفسه، فإن كان القصاص في النفس، وكان يصلح للاستيفاء.. مكنه السلطان من الاستيفاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] (الإسراء: ٣٣) ، ولقوله ﷺ : «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» .
وإن كان لا يحسن الاستيفاء.. أمر بالتوكيل، فإن لم يوجد من يتطوع بالاستيفاء عنه بغير عوض.. استؤجر من يستوفي له القصاص.
وقال أبو حنيفة: (لا تصح الإجارة على القصاص في النفس، وتصح في الطرف) .
دليلنا: أنه عمل معلوم، فصحت الإجارة عليه، كالقصاص في الطرف.
وإن كان القصاص في الطرف.. فقال أصحابنا البغداديون: لا يمكن المجني عليه أن يقتص بنفسه، بل يؤمر بالتوكيل؛ لأن الاقتصاص في الطرف يحتاج إلى التحفظ؛ لئلا يستوفي أكثر من حقه الواجب، والمجني عليه قلبه مغتاظ على الجاني، فلا يؤمن منه - إذا استوفى بنفسه - أن يأخذ أكثر من حقه.
وقال الخراسانيون: فيه وجهان:
أحدهما: لا يمكن من ذلك؛ لما ذكرناه.
والثاني: يمكن منه، كما يمكن من استيفاء القصاص في النفس.
والأول أصح؛ لأن المقصود بالقتل إزهاق الروح، فلا معنى للتحفظ، بخلاف الطرف.
стр. 5855
[فرع استحباب تعيين من يقيم الحدود]
ويستحب للإمام أن يقيم رجلاً يقيم الحدود، ويقتص للناس بإذنهم، ويرزقه من بيت المال، وهو خمس الخمس؛ لأنه للمصالح،
وهذا من المصالح،
فهو كأجرة الكيال والوزان في الأسواق، فإن لم يكن هناك شيء من سهم المصالح، أو كان ولكنه يحتاج إليه إلى ما هو أهم من ذلك.. كانت الأجرة على المقتص منه. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على: (أن أجرة القصاص على المقتص منه) ، ونص: (أن أجرة الجلاد في بيت المال) . واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: فيهما قولان:
أحدهما: تجب على المقتص منه وعلى المحدود؛ لأن الإيفاء حق عليه.
والثاني: تجب أجرة القصاص على المقتص له، وأجرة الجلاد في بيت المال، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه استيفاء حق، فكانت أجرة الاستيفاء على المستوفي، كما لو اشترى طعاماً وأراد نقله.. والأول أصح.
ومنهم من قال: تجب أجرة القصاص على المقتص منه، وأجرة الجلاد في بيت المال؛ لأن في القصاص: الجاني مأمور بالإقرار بالجناية ليقتص منه، فمؤنة التسليم عليه، وفي الحد: هو مأمور بالستر على نفسه.
فإن قال الجاني: أنا أقطع طرفي ولا أؤدي الأجرة.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: تجب إجابته إلى ذلك؛ لأن المقصود قطع طرفه، فلا تلحقه رحمة في ذلك.
стр. 5856
والثاني: لا تجب إجابته إلى ذلك - ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غيره - لأن المقصود بالقصاص التشفي، وذلك لا يحصل بفعل الجاني، وإنما يحصل بفعل المجني عليه أو من ينوب عنه غير الجاني.
[مسألة لا يقتص من الحامل حتى تضع]
وإن وجب القصاص على امرأة حامل.. لم يجز قتلها قبل أن تضع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] (الإسراء: ٣٣) . وفي قتلها في هذه الحالة إسراف؛ لأنه يقتل من قتل ومن لم يقتل.
وروي: «أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فأخبرته: أنها زنت وهي حبلى، فدعا النبي ﷺ وليها، وقال: " أحسن إليها، فإذا وضعت.. فجئني بها "، فلما أن وضعت.. جاء بها، فأمر النبي ﷺ بها فرجمت، وأمرهم فصلوا عليها» .
وروي: (أن عمر ﵁ أمر بقتل امرأة بالزنى وهي حامل، فقال له معاذ بن جبل: إن كان لك عليها سبيل.. فلا سبيل لك على ما في بطنها - يعني: حملها - فترك عمر ﵁ قتلها، وقال: كاد النساء أن يعجزن أن يلدن مثلك يا معاذ) .
إذا ثبت هذا: فولدت.. لم تقتل حتى تسقي الولد اللبأ؛ لأنه لا يعيش إلا به، فإذا سقته اللبأ.. نظرت:
فإن وجدت امرأة راتبة ترضعه.. جاز للولي أن يقتص منها؛ لأن الولد يستغني بإرضاعها.
стр. 5857
فإن لم توجد امرأة راتبة ترضعه، وإنما وجد جماعة نساء يتناوبنه في الرضاع، أو وجدت بهيمة يسقى من لبنها.. فالمستحب له: أن لا يقتص حتى ترضعه أمه حولين؛ لأن على الولد ضرراً باختلاف لبن المرضعات عليه، ولبن البهيمة يغير طبعه، فإن اقتص منها.. جاز؛ لأن بدنه يقوم بذلك.
فإن لم توجد من ترضعه، ولا وجدت بهيمة يسقى لبنها.. لم يجز للولي أن يقتص منها إلى وقت يستغني عن لبنها؛ لأن النبي ﷺ قال للمرأة: «اذهبي حتى ترضعيه» ، ولأنه إذا وجب تأخير القصاص لأجله وهو حمل.. فلأن يجب تأخيره لأجله بعد الوضع أولى.
قال الشيخ أبو حامد: قال أصحابنا: فإن خالف الولي، واقتص من الأم في هذه الحالة، ثم مات الطفل.. فهو قاتل عمد، وعليه القود؛ لأنه بمثابة من حبس رجلاً، ومنعه الطعام والشراب حتى مات.. فإنه قاتل عمد، ويجب عليه القود. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا وجد من يرضعه، فإن كان القتل لله، كالرجم في الزنا.. لم تقتل حتى تنقضي مدة الرضاع، وإن كان للآدمي.. قتلت.
[فرع حبس مدعية الحمل حتى يتبين أمرها]
إذا وجب على المرأة القتل، فادعت: أنها حامل.. قال الشافعي ﵀: (تحبس حتى يتبين أمرها) . واختلف أصحابنا في ذلك:
فقال أبو سعيد الإصطخري: لا تحبس حتى يشهد أربع من القوابل: أنها حبلى، فإن لم يشهدن: أنها حبلى.. قتلت في الحال؛ لأن القصاص قد وجب، فلا يؤخر لقولها.
стр. 5858
وقال أكثر أصحابنا: تحبس وإن لم يشهدن: أنها حبلى؛ لأن للحمل أمارات ظاهرة يشاهدها القوابل، وأمارات خفية لا يعلم ذلك منها إلا نفسها، فوجب حبسها إلى أن يتبين أمرها.
[فرع تمكين المقتص من الحامل يترتب عليه أمور]
فإن مكن الإمام أو الحاكم المقتص من الحامل، فقتلها.. فالكلام في الإثم، والضمان، والكفارة.
فأما الإثم: فإن كان الحاكم والمقتص عالمين بأنها حامل.. أثما، وإن كانا جاهلين بحملها.. لم يأثما، وإن كان أحدهما عالماً بحملها والآخر جاهلاً به.. أثم العالم منهما دون الجاهل.
وأما الضمان والكفارة: فينظر فيه:
فإن كان لما قتلت الحامل لم يخرج الجنين من بطنها.. فلا ضمان ولا كفارة؛ لأنه يجوز أن يكون ريحاً، وهو كما لو ضرب امرأة فماتت، ولم يخرج من بطنها جنين.
وإن خرج من بطنها، فإن خرج حياً، ثم مات.. ففيه دية كاملة وكفارة، وإن خرج ميتاً.. ففيه غرة عبد أو أمة وكفارة.
وأما من يجب عليه الضمان والكفارة: فإن كانا عالمين بحملها.. فالضمان والكفارة على الإمام أو الحاكم دون الولي؛ لأنه هو الذي مكنه من الاستيفاء، ولأن الحاكم هو الذي يعرف الأحكام، وإنما يرجع الولي إلى اجتهاده.
وهكذا: إن كان الحاكم هو العالم لحملها دون الولي.. فالضمان والكفارة على الحاكم؛ لما ذكرناه.
وإن كان الولي عالماً والحاكم جاهلاً.. فالضمان والكفارة على الولي دون الحاكم؛ لأن الحاكم إذا لم يعلم.. فلم يسلطه على إتلاف الحمل.
стр. 5859
وإن كانا جاهلين بحملها.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الضمان والكفارة على الحاكم؛ لأنهما إذا استويا.. كان الضمان عليهما، كما لو كانا عالمين.
والثاني: أن الضمان والكفارة على الولي؛ لأن الحاكم إذا لم يعلم.. سقط عنه حكم الاجتهاد فيه، والولي هو المباشر، فلزمه الضمان. هكذا ذكر ابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وصاحب " الفروع ": إذا كانا جاهلين بأن ذلك لا يجوز.. فالضمان والكفارة على الإمام، قولاً واحداً.
وإن كانا عالمين بأن ذلك لا يجوز.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق: الضمان والكفارة على الإمام؛ لأنهما في العلم سواء، وللإمام مزية في التمكين.
و [الثاني] : قال غيره من أصحابنا: يكون الضمان والكفارة على الولي؛ لأنه هو المباشر.
وإن كان أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.. فالضمان على العالم منهما دون الجاهل.
وقال المزني: الضمان على الولي بكل حال. وليس بشيء. هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إن كان الولي عالماً.. فالضمان على عاقلته، سواء علم القاضي أو جهل.
وإن كان الولي جاهلاً.. ففيه وجهان، سواء علم القاضي أو جهل، بناء على القولين في إطعام طعام الغاصب أجنبياً؛ فإن قلنا: إن ضمانه على الطاعم.. فالضمان هاهنا على الولي. وإن قلنا: على المطعم.. كان الضمان هاهنا على الحاكم.
стр. 5860
[مسألة لا قصاص قبل استقرار الجناية]
إذا قطع طرفه، وأراد المجني عليه أن يقتص.. فالمستحب له: أن لا يقتص حتى تستقر الجناية بالاندمال أو السراية إلى النفس؛ لما روى جابر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن الاستقادة من الجرح حتى يندمل»
وروي: «أن رجلاً جرح حسان بن ثابت ﵁، فجاء قوم من الأنصار - يعني: رهطه - إلى النبي ﷺ ليقتص لهم، فقال لهم النبي ﷺ : اصبروا حتى يستقر الجرح، فإن اندمل.. أخذتم القصاص في الجرح، وإن صار نفساً.. أخذتم القصاص في النفس» فإن اقتص قبل الاندمال.. جاز.
стр. 5861
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد ﵏: (لا يجوز) . وبنوه على أصولهم: أن الطرف إذا صار نفساً.. سقط القصاص فيه؛ للخبرين الأولين.
دليلنا: ما روى عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة ﵄: «أن رجلا طعن رجلاً بقرن في رجله، فجاء المجني عليه إلى رسول الله ﷺ يطلب القصاص، فقال النبي ﷺ : " انتظر حتى تبرأ "، فجاءه ثانياً، فقال: " انتظر حتى تبرأ "، فجاءه ثالثاً، فاقتص له، ثم برئت رجل الجاني وشلت رجل المجني عليه، فجاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، برئت رجل الجاني، وشلت رجلي، فقال له النبي ﷺ : " اذهب، فلا حق لك ". وفي رواية أخرى: أبعدك الله، فقد خالفت أمري» فدل على: جواز الاقتصاص. فمعنى قوله: (لا حق لك) أي: في القصاص.
وأما الخبران الأولان: فمحمولان على الاستحباب، بدليل هذا الخبر.
وإن عفا عن القود، وطلب الأرش قبل الاستقرار.. فهل يعطى الأرش؟ فيه قولان:
стр. 5862
أحدهما: يعطى، كما يجوز له استيفاء القصاص.
والثاني: لا يعطى؛ لأن الأرش لا يستقر قبل الاندمال؛ لأنه ربما سرى إلى النفس، فدخل في ديتها، أو يشاركه غيره في الجناية، فمات من الجميع.
فإذا قلنا: يعطى قبل الاندمال.. فكم يعطى؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعطى أقل الأمرين من أرش الجناية أو دية النفس؛ لأن ما زاد على دية النفس لا يتيقن استقراره قبل الاندمال.
والثاني: يعطى أرش الجناية بالغاً ما بلغ؛ لأنه قد وجب له في الظاهر.
فإن اقتص المجني عليه قبل الاندمال، ثم سرت الجناية على المجني عليه إلى عضو آخر واندمل.. كانت السراية مضمونة بالدية.
وقال أحمد ﵀: لا تكون مضمونة؛ لقوله ﷺ : «اذهب، فلا حق لك»
ودليلنا: أن هذه جناية مضمونة، فكانت سرايتها مضمونة، كما لو لم يقتص، والخبر محمول على أنه أراد ﷺ : لا حق لك في القصاص.
[مسألة المماثلة في القصاص بالآلة]
] : إذا قتل بالسيف.. لم يقتص منه إلا بالسيف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) ، ولأنه أوحى الآلات.
وإن حرقه، أو غرقه، أو رماه بحجر، أو من شاهق، فمات، أو ضربه بخشبة، أو حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات.. فللولي أن يقتص منه بهذه الأشياء، وبه قال مالك.
وأما أبو حنيفة: فإنه يقول: (هذه الجنايات لا توجب القصاص، إلا التحريق بالنار، فإنه يوجب القصاص، ولكن: لا يجوز أن يقتص منه إلا بالسيف) .
стр. 5863
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) .
ولما روى البراء بن عازب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من غرق.. أغرقناه، ومن حرق.. حرقناه» .
وروي: «أن يهودياً رض رأس جارية من الأنصار بين حجرين، فوجدت وفيها رمق، فقيل: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ فأومأت برأسها - أي: لا - إلى أن سئلت عن يهودي، فأومأت برأسها - أي: نعم - فأخذوا اليهودي، فاعترف، فأمر به رسول الله ﷺ ، فرضخ رأسه بين حجرين» .
ولأنه معنى يجوز به قتل المشركين، فجاز استيفاء القصاص به، كالسيف، وللولي أن يقتص بالسيف؛ لأنه أوحى وأروح من التعذيب.
[فرع من قتل بالسحر وغيره اقتص منه بالسيف]
وإن قتله بالسحر.. قتله بالسيف؛ لأن السحر لا مثل له.
وإن قتله باللواط.. فهل يجب فيه القصاص؟ فيه وجهان، حكاهما أصحابنا الخراسانيون:
أحدهما: لا يجب فيه القصاص؛ لأن المقصود به طلب اللذة، فكان عمده خطأ.
стр. 5864
والثاني - وهو قول البغداديين، وهو الأصح -: أنه يجب به القصاص؛ لأنه قتله بما يقتل مثله غالباً، فوجب عليه القصاص، كما لو قتله بالسيف.
فعلى هذا: في كيفية استيفاء القصاص منه وجهان:
أحدهما: يقتل بالسيف؛ لأن اللواط محرم، فقتل بالسيف، كالسحر.
والثاني: يعمل به مثل ما عمل بخشبة إلى أن يموت؛ لأنه أقرب إلى فعله.
وإن قتله بشرب الخمر.. وجب عليه القصاص، وكيف يستوفى منه القصاص؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقتل بالسيف؛ لأن الخمر محرم، فهو كالسحر.
والثاني: يقتل بسقي الماء؛ لأنه أقرب إلى فعله.
[فرع يضربه بالسيف حتى يموت]
وإن ضربه بالسيف فلم يمت.. فإنه يوالي عليه الضرب إلى أن يموت؛ لأنه أوحى الآلات.
وإن فعل به مثل ما فعل به من الضرب بالمثقل والرمي من الشاهق، أو منعه من الطعام والشراب مثل الذي منعه، فلم يمت.. ففيه قولان:
أحدهما: يكرر ذلك عليه إلى أن يموت، كما قلنا في السيف.
والثاني: لا يكرر عليه ذلك، بل يقتله بالسيف؛ لأنه قد فعل به مثل ما فعله به، ولم يبق إلا إزهاق الروح، فوجب بالسيف.
وإن جنى عليه جناية يجب فيها القصاص، بأن أوضح رأسه، أو قطع يده أو رجله من المفصل، فمات.. فللمجني عليه أن يوضح رأسه، ويقطع يده.
وقال أبو حنيفة: (ليس له ذلك) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) .
стр. 5865
فإن فعل به مثل ذلك، فمات.. فقد استوفى حقه، وإن لم يمت.. قتله بالسيف؛ لأنه لا يمكنه أن يوضحه موضحة أخرى، ولا أن يقطع له يداً أخرى؛ لأن ذلك أكثر مما فعل به.
وإن جنى عليه جناية لا يجب فيها القصاص، مثل: أن هشمه، أو أجافه، أو قطع يده من بعض الساعد أو العضد، فمات.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز له الاقتصاص بهذه الجنايات، بل له أن يقتله بالسيف؛ لما روى العباس بن عبد المطلب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ليس في المنقلة قصاص» ، ولأنها جناية لا يجب بها القصاص إذا لم تسر إلى النفس، فلم يجب بها القصاص وإن سرت إلى النفس، كاللواط.
والثاني: يجوز له الاقتصاص بها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) ، ولقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [المائدة: ٤٥] ، ولأنها جراحة يجوز بها قتل المشرك، فجاز استيفاء القصاص بها، كالقتل بالسيف.
فعلى هذا: إذا فعل به مثل ما فعل به، فلم يمت.. قتله بالسيف؛ لأنه قد فعل به مثل ما فعل به، ولم يبق إلا إزهاق الروح، فكان بالسيف.
[فرع أوضحه بضرب]
وإن أوضحه بالضرب بالسيف أو بالرمي بالحجر.. لم يوضحه بضرب السيف ولا بالرمي بالحجر، بل يوضحه بحديدة ماضية بعد أن يضبط الجاني؛ لئلا يستوفي منه أكثر مما جنى.
стр. 5866
[مسألة جناية تذهب بصر العين]
وإن جنى عليه جناية ذهب بها ضوء العين.. نظرت:
فإن كانت جناية لا يجب فيها القصاص، كالهاشمة والمنقلة.. لم يقتص منه بالهاشمة والمنقلة؛ لأنها لا يجب فيها القصاص، ولكن يذهب ضوء العين بكافور يطرح في العين، أو بإدناء حديدة حامية إليها؛ لأن ذلك أسهل ما يمكن، ولا تقلع الحدقة؛ لأنه لم يقلع حدقته.
وإن كانت جناية يجب فيها القصاص، كالموضحة.. اقتص منه في الموضحة، فإن ذهب ضوء عينيه.. فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب الضوء.. عولج الضوء بما يذهبه، بالكافور، أو بإدناء حديدة حامية من العين على ما مضى.
وإن لطمه، فأذهب ضوء عينه.. فهل له أن يلطمه؟ اختلف أصحابنا فيها:
فقال الشيخ أبو إسحاق: ليس له أن يلطمه، وإنما يعالج إذهاب الضوء بما ذكرناه؛ لما روى يحيى بن جعدة: (أن أعرابياً قدم بحلوبة له إلى المدينة، فساومه فيها مولى لعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فنازعه، فلطمه، ففقأ عينه، فقال له عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه، فأبى، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب ﵁، فدعى علي بمرآة فأحماها، ثم وضع القطن على عينه الأخرى، ثم أخذ المرآة بكلبتين، فأدناها من عينه حتى سال إنسان عينه) ، ولأن اللطم
стр. 5867
لا يمكن اعتبار المماثلة فيه؛ ولهذا: لو انفرد من إذهاب الضوء.. لم يجب فيه القصاص.
وقال الشيخ أبو حامد: يلطمه كما لطمه، وهو المنصوص في " الأم ". فإن ذهب ضوء عينه.. فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب.. عولج بما يذهب الضوء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) .
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن لطمه الجاني، فأذهب ضوء عينه، وابيضت، وشخصت - يعني: ارتفعت - فإنه يلطمه مثله، فإن أذهب ضوء عينه، وابيضت، وشخصت.. فقد استوفى حقه، وإن لم تبيض، ولم تشخص، فإن أمكن معالجة العين حتى تبيض وتشخص.. فعل، وإن لم يمكن.. فلا شيء عليه؛ لأن الجناية إنما هي إذهاب الضوء، وأما البياض والشخوص: فإنما هو شين، والشين لا يوجب شيئاً، كما لو شجه موضحة، فاقتص منه مثلها، ثم برئ رأس المجني عليه وبقي عليه شين، وبرئ رأس الشاج ولا شين عليه.. فإنه لا يجب له شيء، فكذلك هذا مثله) .
وإن قلع عينه بإصبعه، فإن قلع المجني عليه عينه بحديدة.. جاز؛ لأنه أوحى، وإن أراد أن يقلع عينه بإصبعه.. ففيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: ١٩٤) .
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه.
[مسألة تمكين الولي من ضرب عنق الجاني]
إذا وجب له القصاص بالسيف.. فإن الحاكم يمكن الولي من ضرب عنق الجاني، فإن ضرب عنقه بالسيف، فأبانه.. فقد استوفى حقه، وإن ضربه في غير العنق، فإن مات.. فقد استوفى حقه، وإن لم يمت.. سئل عن ذلك:
فإن قال: تعمدت ضرب ذلك الموضع.. عزره الحاكم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 5868
﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] (الإسراء: ٣٣) . معناه: لا يمثل به في القتل، وقيل: معناه: لا يقتل غير قاتله. ويؤمر أن يوكل من يقتص له، ولا يلزمه ضمان؛ لأن له إتلاف جملته.
وإن قال: أخطأت، فإن ضرب موضعاً يجوز أن يخطئ في مثله، مثل: أن أصاب الكتف، وما يلي الرأس من العنق.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ما يدعيه ممكن، ولا تعزير عليه. وإن أصاب موضعاً لا يجوز أن يخطئ في مثله، مثل: أن أصاب وسط رأسه أو ظهره أو رجله.. لم يقبل قوله؛ لأنه خلاف الظاهر، ويعزر، ولا يضمن أيضاً.
وإن قال: لا أحسن الاقتصاص.. أمر بالتوكيل، فإن قال: أنا أحسن، وطلب أن يقتص بنفسه.. فقد قال الشافعي ﵀ في موضع: (ليس له ذلك، ويؤمر بالتوكيل) . وقال في موضع: (يمكن ثانياً من الاقتصاص) . واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يمكن؛ لأنه لا يؤمن مثل ذلك منه.
والثاني: يمكن؛ لأن الظاهر أنه لا يعود إلى مثله.
ومنهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (يؤمر بالتوكيل) أراد: إذا كان لا يحسن، ولم يوجد منه قبل ذلك.
وحيث قال: (يمكن) أراد: إذا علم أنه يحسن الاستيفاء.
[فرع أخذ أو زاد في الاقتصاص فوق حقه]
وإن وجب له القصاص في أنملة، فاقتص من أنملتين، فإن كان عامداً.. وجب عليه القصاص، وإن كان مخطئاً.. وجب عليه الأرش دون القود.
وإن استوفى أكثر من حقه باضطراب الجاني.. لم يلزم المقتص شيء؛ لأنه حصل بفعل الجاني، فهدر.
стр. 5869
[مسألة اقتص بالشمال بدل اليمين]
إذا وجب له القصاص في اليمين، فقال المقتص للجاني: أخرج يمينك لأقطعها، فأخرج الجاني يساره، فقطعها المقتص.. نظرت في الجاني:
فإن قال: تعمدت إخراج اليسار، وعلمت أن قطعها لا يجزئ عن اليمين.. فلا قود على المقتص ولا دية، سواء علم المقتص أنها اليسار أو لم يعلم؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، فهو كما لو قال: اقطع يدي، فقطعها، غير أن المقتص إن كان عالماً أنها اليسار.. عزر؛ لأنه فعل فعلاً محرماً، وإن لم يعلم.. لم يعزر، وسواء أذن الجاني في قطعها بالقول أو قال له المقتص: أخرج يمينك لأقطعها، فأخرج يساره وهو ساكت ومدها، فقطعها المقتص؛ لأنه بذلها له بإخراجها إليه لا على سبيل العوض، والفعل في ذلك يقوم مقام النطق، كما لو دفع رجل إلى رجل صرة، وقال: ارمها في البحر، فأخذها ورماها.. فلا ضمان عليه. وكذلك: لو قال: ادفع إلى صرتك لأرميها في البحر، فدفعها إليه وهو ساكت، فرماها.. فلا ضمان عليه. وكما لو قدم إليه طعاماً، وقال: كله، فهو كما لو استدعى منه الطعام، وقدمه إليه، وأكله.
فإن مات المقطوعة يساره من قطعها.. فلا قود على المقتص. قال ابن الصباغ: ولا يجب عليه دية النفس. وهل تجب الكفارة على المقطوعة يساره؟
قال المسعودي [في " الإبانة "] : فيه وجهان، بناءً على الوجهين فيمن قتل نفسه.
وطريقة أصحابنا البغداديين: أن من قتل نفسه.. وجب عليه الكفارة، وجهاً واحداً.
فعلى هذا: يجب عليه الكفارة هاهنا.
وإن قال المقتص منه: وقع في سمعي أنه قال: أخرج يسارك، فأخرجتها، أو سمعت أنه قال: أخرج اليمين، ولكن دهشت، فأخرجت اليسار، وظننتها اليمين، أو قال: أخرجت اليسار عامداً، ولكن ظننت أن قطعها يجزئ عن اليمين.. نظرت في المقتص:
стр. 5870
فإن لم يعلم أنها اليسار.. فلا قود عليه؛ للشبهة، وهل تجب عليه الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه الدية؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، فهو كما لو قال: اقطع يدي، فقطعها.
والثاني: تجب عليه الدية، وهو الأصح؛ لأن الجاني بذل يساره لتكون عوضاً عن اليمين، فإذا لم تقع عنها.. وجب له قيمتها، كما لو باع سلعة بيعاً فاسداً، وسلمها إلى المشتري، وتلفت.
وإن كان المقتص عالماً بأنها اليسار.. فهل يجب عليه القود في يساره؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو حفص بن الوكيل: يجب عليه القصاص؛ لأنه قطع يداً غير مستحقة له مع العلم بتحريمها.
و [الثاني] : قال أكثر أصحابنا: لا يجب عليه القصاص، وهو الأصح؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، ويجب عليه ديتها؛ لأن صاحبها بذلها لتكون عوضاً عن اليمين، فإذا لم تقع.. وجب له قيمتها، كما لو باع سلعة بيعاً فاسداً، وقبضها المشتري، وتلفت عنده.
إذا ثبت هذا: فإن القصاص باق للمقتص في يمين الجاني؛ لأنه لم يسقط حقه عنها.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يقتص منه في اليمين حتى تندمل يساره) . وقال فيمن قطع يدي رجل أو رجليه دفعة واحدة: (إنه يقطع يديه أو رجليه دفعة واحدة) .
فمن أصحابنا الخراسانيين من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من حملهما على ظاهرهما، ولم يذكر أصحابنا البغداديون غيره.
стр. 5871
وفرق بينهما؛ بأنه إذا قطع يدي رجل أو رجليه.. فقد جمع عليه بين ألمين، فجاز له أن يجمع عليه بينهما، وهاهنا الجاني لم يجمع عليه بين ألمين.. فلا يجوز له أن يجمع عليه بينهما.
فإن قيل: أوليس لو قطع يمين رجل ويسار آخر.. لم يؤخر القصاص عليه في إحداهما إلى اندمال الأخرى؟
قلنا: الفرق بينهما: أن القطعين مستحقان قصاصاً؛ فلهذا جمعنا بينهما، وهاهنا أحدهما غير مستحق عليه، فلم يجمع بينهما.
وإن سرى قطع اليسار إلى نفس الجاني في الموضع الذي قال: ظننتها اليمين، أو ظننت أن قطعها يجزئ عن اليمين.. قال ابن الصباغ: فإنه يجب على المقتص دية كاملة، وقد تعذر عليه القصاص في اليمين، فيجب له دية يده، فيقاص بها فيما عليه.
قال: وحكي عن الشيخ أبي حامد: أنه قال: عندي: أنه استوفى حقه من اليمين بتلفه، كما لو كان له قصاص في اليد، فقطعها، ثم قتله.
ووجه الأول: أن حقه في قطع اليد، ولم يحصل، وإنما قتله، فقد ضمنها مع النفس بالدية.
قال ابن الصباغ: ويلزمه أن يقول فيه إذا بذلها مع العلم بها وسرت أيضاً، أن يكون مستوفياً لليمين؛ لأن البذل فيما استحق إتلافه لا يمنع استيفاء الحق به، وإنما تكون سرايتها هدراً فيما لا يستحقه.
[فرع اختلفا ببذل اليسار للقطع]
] : وإن اختلفا: فقال المقتص: بذلت لي اليسار وأنت عالم بأنها اليسار، وأنه لا يجزئ قطعها عن اليمين. وقال الجاني: بذلتها ولم أعلم أنها اليسار، أو لم أعلم أن قطعها لا يجزئ عن اليمين.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأنه أعلم بنفسه.
стр. 5872
فإن حلف.. كان الحكم فيه حكم ما لو صادقه المقتص على أنه بذلها ولم يعلم أنها اليمين.
وإن نكل الجاني.. حلف المقتص، وكان الحكم فيه حكم ما لو أقر الجاني: أنه بذلها مع علمه أنها اليسار، وأنه لا يجزئ قطعها عن اليمين.
[فرع وجب القصاص على قطع اليمين وتراضيا على قطع اليسار]
] : وإن وجب له القصاص في اليمين، فاتفقا على أن يقتص منه باليسار بدلاً عنها.. لم يقع عن اليمين؛ لأن ما لا يجوز قطعه بالشرع لا يجوز بالتراضي، كما لو قتل غير القاتل برضاه. ولا قصاص على المقتص؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، ويجب عليه دية اليسار.
فإن كانا عالمين بأن ذلك لا يجوز.. أثما، وإن كانا جاهلين.. لم يأثما.
وإن كان أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.. أثم العالم منهما، وهل يسقط حق المقتص من القصاص في اليمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط؛ لأنه لما رضي بأخذ اليسار عن اليمين.. صار ذلك عفواً منه عن اليمين.
فعلى هذا: يجب عليه دية يد، وله دية يد، فيتقاصان إن استويا، وإن تفاضلا، بأن كان أحدهما رجلاً والآخر امرأة، أو كان المقتص مسلما والجاني كافراً.. رجع من له الفضل بما له من الفضل.
والثاني: لا يسقط حقه من القصاص في اليمين؛ لأنه إنما رضي بإسقاط حقه من القصاص بأن تكون اليسار بدلاً عن اليمين، فإذا لم يصح أن تكون بدلاً عنها.. كان حقه باقياً في المبدل، كما لو صالح على الإنكار.
فعلى هذا: ليس له أن يقتص في اليمين إلا بعد اندمال اليسار.
قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأن غرضه قد حصل له، وهو القطع.
стр. 5873
[فرع الاعتبار بأهلية المقتص]
وإن كان المقتص منه مجنوناً، والمقتص عاقلاً، فقال له: أخرج يمينك، فأخرجها المجنون، فقطعها.. فقد استوفى حقه؛ لأن المقتص من أهل الاستيفاء وإن كان المقتص منه ليس من أهل البذل، والاعتبار بالمقتص.
وإن قال المقتص: أخرج يمينك، فأخرج المجنون يساره، فقطعها المقتص، فإن كان المقتص عالماً أنها اليسار.. وجب عليه القصاص باليسار، وله القصاص في اليمين، وإن كان المقتص غير عالم بأنها اليسار.. لم يجب عليه القصاص في اليسار؛ للشبهة، ولكن عليه دية اليسار؛ لأن بذل المجنون لا يصح، وله القصاص في اليمين. ولا يقطعها حتى تندمل يساره.
وإن كان المقتص منه عاقلاً، والمقتص مجنوناً، فقال له المجنون: أخرج يمينك لأقطعها، فأخرجها العاقل باختياره، فقطعها المجنون.. لم يصر مستوفياً؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء، ولا ضمان عليه؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها، ووجب للمجنون على العاقل دية يمينه؛ لأن يمينه قد زالت.
وإن أخرج إليه العاقل يساره، فقطعها المجنون.. هدرت اليسار، وكان حق المجنون باقياً في القصاص في اليمين.
وأما إذا أكرهه المجنون، فقطع يمينه: فهل يصير مستوفياً لحقه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في الصبي، الصحيح: أنه لا يصير مستوفياً.
فإن قلنا: إنه يصير مستوفياً.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يصير مستوفياً.. كان للمجنون دية يده على الجاني، ووجب للجاني دية يده، فإن قلنا: إن عمد المجنون عمد.. وجبت الدية في ماله، وإن قلنا: إن عمده خطأ.. وجبت على عاقلته.
وإن كان المقتص والمقتص منه مجنونين، وكان القصاص في اليمين، فقطع
стр. 5874
المقتص يمين المقتص منه.. فهل يصير مستوفياً لحقه؟ على الوجهين، سواء قطعها ببذل المقتص منه أو أكرهه؛ لأن بذله لا يصح.
فإن قلنا: يصير مستوفياً.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يصير مستوفياً.. وجب للمقتص دية يده في مال الجاني، ويجب للجاني دية يده، فإن قلنا: إن عمد المجنون عمد.. وجبت في ماله، وإن قلنا: إن عمده خطأ، وجبت الدية على عاقلته.
وإن قطع المقتص يسار الجاني.. وجب ضمانها بالدية، سواء قطعها ببذل صاحبها أو بغير بذله؛ لأنه لا يصح بذله. وفي محل وجوبها القولان في جنايته، هل هي عمد، أو خطأ؟ ويبقى للمقتص القصاص في اليمين، ولا يقتص من الجاني حتى تندمل يساره.
[مسألة اقتص من الجاني فمات]
إذا قطع رجل يد رجل، فاقتص المجني عليه من الجاني، فاندملت يد المجني عليه، ومات الجاني.. هدر دمه، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد ﵏ تعالى.
وقال أبو حنيفة: (يكون على المجني عليه دية كاملة) .
دليلنا: ما روي عن عمر، وعلي ﵄: أنهما قالا: (من مات من حد أو قصاص.. فلا دية له؛ الحق قتله) . ولا مخالف لهما في الصحابة ﵃، فثبت: أنه إجماع.
стр. 5875
ولأنه جرح مباح غير مجتهد فيه، فلم تكن سرايته مضمونة، كالقطع في السرقة.
فقولنا: (مباح) احتراز من القطع بغير حق.
وقولنا: (غير مجتهد فيه) احتراز من المولى عليه إذا كان به أكلة أو سلعة، فاجتهد الإمام في قطعها، فقطعها، فمات منه.
وإن قطع يد رجل، فقطع المجني عليه يد الجاني، ثم سرى القطع إلى نفس الجناية.. كانت السراية إلى نفس الجاني قصاصاً؛ لأن السراية في النفس لما كانت كالجناية في إيجاب القصاص.. كانت كالجناية في استيفاء القصاص.
فإن كانت بحالها إلا أن الجاني مات من القطع أولاً، ثم مات المجني عليه بعده من القطع.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن السراية إلى نفس الجاني تكون قصاصاً؛ لأن نفسه خرجت مخرج القصاص، فكانت قصاصاً، كما لو مات المجني عليه، ثم مات الجاني.
والثاني: أن السراية إلى نفس الجاني لا تكون قصاصاً، وهو الأصح؛ لأن السراية سبقت وجوب القصاص، فلم تقع قصاصاً، وإنما تكون السراية هدراً.
فعلى هذا: يجب للمجني عليه في مال الجاني نصف الدية؛ لأنه قد أخذ يداً بنصف الدية.
وإن كانت الجناية موضحة.. أخذ منه تسعة أشعار الدية ونصف عشرها؛ لأنه أخذ منه ما يساوي نصف عشر الدية.
[مسألة موت القاتل يوجب الدية]
إذا قتل رجل رجلاً عمداً، فمات القاتل قبل أن يقتص منه ولي المقتول، أو قتله رجل غير ولي المقتول.. وجبت دية المقتول في مال القاتل، وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
стр. 5876
وقال أبو حنيفة: (يسقط حقه) .
دليلنا: قوله ﷺ : «من قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» . وقوله: " بين خيرتين " أي: شيئين، إذا تعذر أحدهما.. تعين له الآخر، كما قلنا في كفارة اليمين.
وإن وجب له القصاص في طرف، فزال الطرف قبل استيفاء القصاص.. كان له أرش الطرف في مال الجاني؛ لما ذكرناه في النفس.
[فرع وجب قتله فدخل الحرم]
ومن وجب عليه قتل بقصاص، أو كفر، أو زنى، والتجأ إلى الحرم.. قتل، ولم يمنع الحرم منه.
وقال أبو حنيفة: (لا يستوفى منه القصاص ولا الجرم في الحرم، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يكلم حتى يخرج من الحرم، ويستوفى منه القصاص والحد) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (المائدة: ٤٥) . ولم يفرق.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] (النساء: ٨٩) . وهذا عام.
ولأنه قتل لا يوجب الحرم ضمانه، فلم يمنع منه، كقتل الحية والعقرب، وفيه احتراز من قتل الصيد.
وبالله التوفيق والعون، وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 5877
[باب العفو عن القصاص]
إذا قتل غيره عمداً وهما متكافئان.. فما الذي يجب على القاتل؟ فيه قولان:
أحدهما: أن الواجب عليه هو القود وحده، وإنما الدية تجب بالعفو بدلاً عنه، وهو قول أبي حنيفة، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة: ١٧٨) .
فموضع الدليل: أنه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولم يذكر الدية، فعلم أنها لم تجب بالقتل، وأيضاً فإنه قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فأمره باتباع الدية إذا عفا عن القود، فعلم أن الدية تجب بالعفو لا بالقتل. ولأن ما ضمن بالبدل في حق الآدمي.. ضمن ببدل معين، كالمال.
فقولنا: (ضمن ببدل) احتراز من العين المغصوبة إذا كانت باقية.
وقولنا: (في حق الآدمي) احتراز من جزاء الصيد.
والقول الثاني: أن الواجب عليه أحد شيئين: القود أو الدية. فإن استقاد الولي.. علمنا أن الواجب كان هو القود، وإن عفا عن القود على الدية.. علمنا أن الواجب كان هو الدية. وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لقوله ﷺ : «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» فخيرهم بين القود والدية، فعلم أنهما سواء في الوجوب.
إذا تقرر هذا: فقال الولي: عفوت عن القود إلى الدية.. سقط القود، ووجبت الدية على القولين.
وإن قال: عفوت عن القود والدية.. سقطا جميعاً على القولين. وإن قال عفوت عن القود على غير مال.. سقط القود، ولم تجب الدية على القولين. وإن
стр. 5878
قال: عفوت عن القود وأطلق، فإن قلنا: إن الواجب بقتل العمد أحد شيئين.. وجبت الدية؛ لأنها واجبة لم يعف عنها، وإن قلنا: إن الواجب هو القود وحده.. ففيه طريقان. من أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من يحكيهما وجهين:
أحدهما: لا تجب الدية؛ لأنها لا تجب على هذا إلا باختياره لها، ولم يخترها، فلم تجب.
والثاني: تجب الدية؛ لئلا تهدر الدماء. والأول أصح.
ومنهم من قال: لا تجب الدية، قولاً واحداً، وهو قول أبي إسحاق المروزي، والشيرازي؛ لما ذكرناه للأول.
فإن قال: عفوت عن القود إلى الدية، أو قال: عفوت عن القود، ولم يقل: إلى الدية، وقلنا: تجب الدية، ثم أراد أن يطالب بالقود.. لم يكن له؛ لأنه قد سقط.
وإن قال: عفوت عن الدية، فإن قلنا: إن الواجب هو القصاص وحده.. لم يصح عفوه، وكان له أن يقتص.
فإن عفا عن القود بعد ذلك، أو على الدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: تجب الدية بالإطلاق.. استحق الدية؛ لأن عفوه الأول عنها كان قبل وجوبها. وإن قلنا: إن الواجب أحد الشيئين.. سقطت الدية، وتعين حقه في القصاص، فإن اقتص منه.. فلا كلام. وإن مات القاتل قبل أن يقتص منه.. قال الشافعي ﵀: (له أن يأخذ الدية؛ لأنه لما سقط القود بغير اختياره.. كان له الرجوع إلى بدله) . وإن كان القاتل حياً، وأراد الولي أن يعفو عن القود إلى الدية.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ليس له ذلك؛ لأنه كان له أن يختار الدية، فلما لم يخترها وتركها.. لم يكن له العود إليها) .
وقال أبو إسحاق: له أن يعفو عن القود ويختار الدية؛ لأنه انتقال من البدل الأغلظ إلى الأخف.
وإن قال: اخترت القصاص.. فهل له أن يرجع ويعفو عنه إلى الدية؟ فيه وجهان:
стр. 5879
أحدهما: له أن يرجع؛ لأن القصاص أعلى، فجاز أن ينتقل عنه إلى الأدنى.
والثاني: ليس له أن يرجع إلى الدية؛ لأنه تركها، فلم يرجع إليها، كالقصاص.
إذا ثبت هذا: فللولي أن يعفو عن القود إلى الدية، سواء رضي القاتل به أو لم يرض، وبه قال ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وأحمد، وإسحاق ﵏ تعالى.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يستحق الولي الدية إلا برضا القاتل) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وإلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة: ١٧٨) قيل في التفسير: معناه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [البقرة: ١٧٨] يريد به: القاتل ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨] المقتول شَيْءٌ، أي: على شيء ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] يريد به: على مال. ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ؛ لأنه كان في شريعة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: الذي يجب بالقتل هو القصاص فقط، وفي شريعة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: الدية فقط، فجعل الله لهذه الأمة القود في القتل، وجعل لهم العفو عنه على مال؛ تخفيفاً منه ورحمة.
ومن الدليل عليه: قوله ﷺ : «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» . ولم يعتبر رضا القاتل.
وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: (الولي في ذلك مخير بين القتل والدية) . ولا مخالف له في الصحابة، فدل على: أنه إجماع.
стр. 5880
[مسألة جناية العبد برقبته]
وإن جنى عبد لرجل على آخر خطأ.. تعلق الأرش برقبته، فإن باعه سيده من المجني عليه بأرش الجناية، فإن لم يعلم المتبايعان أو أحدهما عدد الإبل أو أسنانها.. لم يصح البيع؛ لجهالة الثمن، وإن كانا يعلمان عدد الإبل وأسنانها.. فهل يصح البيع؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها مجهولة الصفة.
والثاني: يصح؛ لأنها معلومة السن والعدد.
وحكاهما الشيخ أبو حامد في التعليق وجهين، المنصوص: (أنه يصح) .
وإن كانت الجناية عمداً تقتضي القصاص، فاشتراه المجني عليه بالأرش.. سقط القود؛ لأن اختياره ليملكه بالأرش، فضمن العفو عنه، وهل يصح الشراء؟
إن كانا جاهلين أو أحدهما بعدد الإبل أو بأسنانها.. لم يصح.
وإن كانا عالمين.. فهل يصح؟ على القولين.
فإذا قلنا: يصح.. سقط الأرش عن العبد، وإن وجد بالعبد عيباً، فرده.. رجع بالأرش إلى رقبة العبد.
قال الشيخ أبو حامد: فإن ابتاع المجني عليه العبد بالحق الواجب من القصاص على العبد.. لم يصح البيع؛ لأن أخذ العوض عن القصاص لا يجوز، ويسقط القصاص؛ لأن تراضيهما بالابتياع إسقاط من المجني عليه حق الاقتصاص، ورضاً بالعدول إلى غيره، فسقط القصاص، وتجب الدية في رقبة العبد، فإن ابتاعه بها.. فعلى ما مضى.
стр. 5881
[مسألة عفو بعض الجماعة عن القصاص]
وإن كان القصاص لجماعة، فعفا بعضهم عن القود.. سقط القود عن القاتل؛ لقوله ﷺ : «فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» وهؤلاء لم يحبوا؛ لأن فيهم من يحب وفيهم من لم يحب.
وروي: أن رجلاً قتل رجلاً، فأراد ورثة المقتول أن يقتصوا، فقالت زوجة القاتل - وكانت أخت المقتول -: قد عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر ﵁: (عتق من القتل) .
وكذلك روي عن ابن مسعود، ولا مخالف لهما في الصحابة ﵃، فدل على: أنه إجماع.
ولأن القصاص يقع مشتركاً لا يتبعض، فإذا سقط بعضه.. سقط الجميع، وينتقل حق الباقين إلى الدية؛ لما روي: (أن رجلاً دخل على امرأته، فوجد معها رجلاً، فقتلها، فقال بعض إخوتها: قد تصدقت بنصيبي، فقضى عمر ﵁ لسائرهم بالدية) . ولأن حقهم قد سقط من القصاص بغير اختيارهم، فانتقل حقهم إلى البدل مع وجوده، كما ينتقل حق الشريك في العبد إذا أعتقه شريكه إلى القيمة.
[مسألة وجب القصاص فباشر أو وكل]
وإن وجب له القصاص على رجل، فرمى إليه بسهم أو بحربة، ثم عفا عنه بعد الرمي وقبل الإصابة.. لم يصح العفو؛ لأنه لا معنى لهذا العفو كما لو جرحه ثم عفا عنه.
وإن وجب له القصاص.. فقد ذكرنا: أنه يجوز له أن يوكل من يستوفي له القصاص بحضرة الموكل، وهل يصح أن يوكل من يستوفي له القصاص بغيبته - أعني:
стр. 5882
الموكل - فيه ثلاث طرق، مضى ذكرها في (الوكالة) ؟ الصحيح: أنه يصح.
قال ابن الصباغ: إلا أنا إذا قلنا، لا تصح الوكالة، فاستوفى الوكيل القصاص.. فقد حصل به الاستيفاء؛ لأنه استوفاه بإذنه، كما نقول فيه إذا باع الوكيل في الوكالة الفاسدة، وإنما يفيد فسادها هاهنا أن الحاكم لا يمكن الوكيل من الاستيفاء.
فلو وكل في الاستيفاء، ثم عفا الموكل عن القصاص، فإن عفا بعد أن قتله الوكيل.. لم يصح عفوه، وإن عفا قبل أن يقتله الوكيل، ثم قتله الوكيل بعد علمه بالعفو.. فعلى الوكيل القود، وإن لم يعلم، هل كان العفو قبل القتل أو بعده.. فلا شيء على الوكيل، لأن الأصل أن لا عفو.
وإن عفا الموكل عن القصاص؛ ثم قتله الوكيل ولم يعلم بالعفو.. فهل يصح العفو؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح العفو؛ لأنه عفا عنه في وقت لا يمكن تلافيه، فلم يصح، كما لو عفا بعد رمي الحربة إلى الجاني.
والثاني: يصح؛ لأنه عفا عن قود غير متحتم قبل أن يشرع فيه الوكيل، فصح، كما لو علم الوكيل بالعفو قبل القتل.
واختلف أصحابنا في مأخذ القولين:
فمنهم من قال: أصلهما القولان في الوكيل، هل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل؟ ولم يذكر ابن الصباغ غيره.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: أصلهما إذا رأى رجلاً في دار الحرب، فظنه حربيا فرماه بسهم، ثم بان أنه كان مسلماً، ومات.. فهل تجب الدية؟ فيه قولان.
وقال الشيخ أبو حامد: القولان هاهنا أصل بأنفسهما، ومنهما أخذ الوجهان في الوكيل، هل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل؟
فإذا قلنا: إن عفوه لا يصح.. فلا شيء على الموكل والوكيل.
وإذا قلنا: إن عفوه يصح.. فلا شيء على الموكل، وأما الوكيل: فلا قصاص عليه، لأن له شبهة في قتله، وتجب عليه الدية، وإن قلنا: لا تجب عليه الدية..
стр. 5883
فهل تجب عليه الكفارة؟ فيه وجهان حكاهما الطبري في " العدة ":
فـ[الأول] : إن قلنا: إن مأخذ القولين في الدية من الرمي إلى من ظنه حربياً.. فتجب الكفارة؛ لأن الدية هاهنا لم تجب.
و [الثاني] : إن قلنا: إن مأخذهما من عزل الوكيل.. فلا تجب عليه الكفارة، وتكون الدية مغلظة؛ لأنها إما دية عمد محض، أو دية عمد خطأ.
وهل تجب في مال الوكيل، أو على عاقلته؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد -: أنها تجب في ماله؛ لأنه قصد قتله، وإنما سقط القصاص لمعنى آخر.
و [الثاني] : قال أبو علي بن أبي هريرة: هو دية عمد خطأ، فتجب دية مؤجلة على العاقلة؛ لأنه قتله وهو معذور.
فإن قلنا: إنها على العاقلة.. لم يرجع بها الوكيل على الموكل.
وإن قلنا: إنها تجب على الوكيل.. لم يرجع الوكيل على الموكل؛ لذلك.
وقال أبو العباس: فيه قول آخر: أنه يرجع عليه، كما قلنا في من قدم طعاماً مغصوباً إلى رجل، فأكله ولم يعلم أنه مغصوب.. فإنه يرجع على المقدم إليه في أحد القولين، وكما قلنا فيمن غر بحرية امرأة.
والمذهب الأول؛ لأن العفو مندوب إليه، والغرور محرم.
إذا تقرر هذا: فإن كان الموكل قد عفا عن القود والدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: لا تجب له الدية.. فلا كلام، وإن عفا عن القود إلى الدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: تجب له الدية.. وجبت له الدية في مال الجاني، ويكون لورثة الجاني مطالبة الوكيل بدية الجاني، وليس كالأخوين إذا قتل أحدهما قاتل أبيه بغير إذن أخيه؛ حيث قلنا في محل نصيب الأخ الذي لم يقتل من الدية قولان:
أحدهما: في تركة قاتل أبيه.
والثاني: في ذمة أخيه.
стр. 5884
والفرق بينهما: أن الأخ أتلف حق أخيه، فوجب عليه بدله، وهاهنا أتلفه الوكيل بعد سقوط حق الموكل عنه بالعفو. هذا ترتيب البغداديين.
وقال الخراسانيون: إن قلنا: لا دية على الوكيل.. فلا دية للموكل على الجاني، وكأن الوكيل استوفى القصاص، وإن قلنا: عليه الدية.. فله الدية في مال المجني عليه.
[مسألة سرت الجناية بعد عفو المجني عليه]
إذا أتى عليه جناية يجب فيها القصاص، بأن قلع عينه، أو قطع يده أو رجله، فعفا المجني عليه عن القصاص، ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه.. لم يجب القصاص.
وحكي عن مالك: أنه قال: (يجب القصاص؛ لأن الجناية صارت نفساً) .
ودليلنا: أنه يتعذر استيفاء القصاص في النفس دون ما عفي عنه، فسقط القصاص في النفس، كما لو عفا بعض الأولياء.
ولأن الجناية إذا لم يجب فيها القصاص.. لم يجب في سرايتها، كما لو قطع يد مرتد، ثم مات.
إذا ثبت هذا: فإن كان المجني عليه قد عفا على مال وجبت فيه دية كاملة، فإن كان أخذ دية العضو المقلوع.. استوفى الولي باقي دية النفس، وإن لم يأخذ شيئا ًمن الدية.. أخذ الولي جميع الدية.
وإن كان المجني عليه عفا عن العين أو اليد أو الرجل على غير مال.. وجب لوليه نصف الدية.
وقال أبو حنيفة: (تجب الدية كاملة) .
وقال أبو يوسف، ومحمد: لا شيء على الجاني.
دليلنا: أن بالجناية وجب عليه نصف الدية، فإذا عفا عن الدية.. سقط ما وجب
стр. 5885
دون ما لم يجب، فإذا صارت نفساً.. وجب بالسراية نصف الدية، ولم يسقط أرشها بسرايتها، وإنما دخل في أرش النفس.
وإن كان قد جنى عليه جناية لا يجب القصاص فيها، كالجائفة، وكسر الظهر، فعفا المجني عليه عن القصاص فيها، ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه، فمات.. كان لوليه أن يقتص في النفس؛ لأنه عفا عن القصاص فيما لا قصاص فيه، فلم يؤثر العفو فيه.
[فرع قطع يده فعفى المجني عليه عنه]
وإن قطع يد رجل، فعفا المجني عليه عن القصاص على مال أو على غير مال، ثم عاد الجاني فقتله قبل الاندمال.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أن للولي القصاص في النفس؛ لأن الجناية الثانية منفردة عن الأولى، فلم يدخل حكمها في حكمها، كما لو قتله آخر، فإن عفا عنه على مال.. كان له كمال الدية؛ لأن الجناية على الطرف إذا وردت عليها الجناية على النفس.. صارت في حكم المندملة، فلم يدخل أرش أحدهما في أرش الآخر.
والوجه الثاني: أنه لا يجب القصاص؛ لأن الجناية والقتل كالجناية الواحدة، فإذا سقط القصاص في بعضها.. سقط في جميعها، كما لو سرى قطع اليد إلى النفس، فإن عفا عنه على مال.. كان له نصف الدية؛ لأنه قد وجب له جميع الدية، وقد أخذ نصفها، أو سقط حقه عنه، فبقي حقه في نصف الدية.
والثالث - وهو المنصوص -: (أن للولي أن يقتص في النفس) ؛ لأنهما جنايتان عفا عن إحداهما ولم يعف عن الأخرى، فصار كما لو قتله آخر.
وإن عفا عنه الولي: كان له نصف الدية؛ لأن أرش الطرف يدخل في أرش النفس، فإذا أخذه أو سقط حقه عنه بالعفو.. بقي الباقي له من الدية.
следующие страницы →