← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

وأما إذا كان واقفاً في طريق ضيق للمسلمين.. فعلى عاقلة كل واحد منهما جميع دية الآخر؛ أما الصادم: فلأنه قاتل، وأما المصدوم: فلأنه كان السبب في قتل الصادم، وهو وقوفه في الطريق الضيق؛ لأنه ليس له الوقوف هناك. والفرق بين هذا وبين المتصادمين: أن كل واحد من المتصادمين مات بفعله وفعل صاحبه، وهاهنا كل واحد منهما قاتل لصاحبه منفرد بقتله؛ لأن الصادم انفرد بالإصابة، والمصدوم انفرد بالسبب الذي مات به الصادم. ومن أصحابنا من قال: ليس على عاقلة المصدوم شيء بحال. والأول أصح. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذا كان الرجل واقفاً في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: (أن دية الصادم هدر، ودية المصدوم - وهو: الواقف - على عاقلة الصادم) . وقال فيمن نام في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: (إن دية النائم هدر، ودية الصادم على عاقلة النائم) . فمن أصحابنا من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من أجراهما على ظاهرهما، وفرق بينهما بأن الإنسان قد يقف في الطريق ليجيب داعياً وما أشبهه، فأما النوم والقعود: فليس له ذلك. [مسألة اصطدام باخرتين ونحوهما] وإذا اصطدمت سفينتان، فانكسرتا، وتلف ما فيهما.. فلا يخلو القيمان فيهما: إما أن يكونا مفرطين في الاصطدام، أو غير مفرطين، أو أحدهما مفرطاً والآخر غير مفرط. فإن كانا مفرطين، بأن أمكنهما ضبطهما والانحراف، فلم يفعلا.. فقد صارا

стр. 5917

جانيين، فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما.. وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها، ويسقط النصف؛ لأن سفينة كل واحد منهما تلفت بفعله وفعل صاحبه، فسقط ما قابل فعله، ووجب ما قابل فعل صاحبه، كالفارسين إذا تصادما وماتا. وإن كانت السفينتان وما فيهما لغيرهما.. وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينته، ونصف قيمة ما فيها، ونصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها؛ لأن كل واحدة منهما تلفت بفعلهما، وسواء كانت السفينتان وديعة أو عارية أو بأجرة، وسواء كان المال فيهما وديعة أو قراضاً أو يحمل بأجرة؛ لأن الجميع يضمن بالتفريط. وإن كان فيهما أحرار، وماتوا، وقصدا الاصطدام، وقال أهل الخبرة: إن مثل ما قصدا إليه وفعلاه يقتل غالباً.. فإنها جناية عمد محض، فقد وجب عليهما القود لجماعة في حالة واحدة، فيقرع بين أولياء المقتولين، فإذا خرجت عليهما القرعة لواحد.. قتلا بواحد، ووجب للباقين الدية في أموالهما. وإن قالوا: لا يقتل مثله غالباً، أو لم يقصدا الاصطدام، وإنما فرطا.. وجب على عاقلة كل واحد منهما نصف ديات ركاب السفينتين. وإن كان فيهما عبيد.. وجبت قيمتهم عليهما. وأما إذا لم يفرط القيمان: مثل: أن اشتدت الريح، واضطربت الأمواج، فلم يمكنهما إمساكهما لطرح الأنجر، ولا بأن يعدل إحداهما عن سمت الأخرى حتى اصطدمتا وهلكتا.. ففيه قولان: أحدهما: أن عليهما الضمان؛ لأنهما في أيديهما، فما تولد من ذلك.. كان عليهما ضمانه، وإن لم يفرطا.. كانا كالفارسين إذا تصادما، وغلبهما الفرسان. ولأن كل من ابتدأ الفعل منه.. فإنه يضمن ذلك الفعل إذا صار جناية وإن كان بمعونة غيره، كما لو رمى سهماً إلى غرض، فحمل الريح السهم إلى إنسان، وقتله.

стр. 5918

والثاني: لا ضمان عليهما؛ لأنه لا فعل لهما، ابتداء ولا انتهاء، وإنما ذلك بفعل الريح، فهو كما لو نزلت صاعقة، فأحرقت السفينتين. واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا لم يكن للقيم فعل، لا ابتداء ولا انتهاء، وهو في المراكب التي ينصب القيم الشراع، ويمد الحبال، ويقيمه نحو الريح، حتى إذا هبت الريح.. دفعه، فأما السفن الصغار التي تدفع بالمجذاف: فإنه يجب الضمان، قولا واحداً؛ لأن ابتداء الفعل منهما. ومنهم من قال: القولان إذا لم يكن منهما فعل، بأن كانتا واقفتين، أو لم يسيراهما، فجاءت الريح، فغلبتهما، فأما إذا سيرا، فغلبتهما الريح.. فيجب الضمان، قولاً واحداً. ولم يفرق بين السفن التي تسير بنصب الشراع ومد الحبال، وبين السفن الصغار التي تسير بالمجذاف. ومنهم من قال: القولان في الجميع، سواء كانتا واقفتين، أو سيراهما، وسواء كانتا تسيران بنصب الشراع أو بالمجذاف؛ لأن الفارس يمكنه ضبط الفرس باللجام، والسفينة لا يمكنه أن يسيرها سيراً لا تغلبه الريح عليها. فإذا قلنا: يجب عليهما الضمان.. فالحكم فيهما هاهنا كالحكم إذا فرطا، إلا في القصاص، فإنه لا يجب هاهنا، وإنما تجب لركاب السفينة دية مخففة على عاقلتهما نصفان. وإن قلنا: لا يجب الضمان، فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما.. فلا يجب عليهما الضمان. وكذلك: إذا كانت السفينتان معهما وديعة، والمال الذي فيهما قراضاً معهما.. لم يجب عليهما الضمان؛ لأنهما لم يفرطا. وإن استأجرا السفينتين، والمال الذي فيهما حملاه بأجرة.. فلا ضمان عليهما في

стр. 5919

السفينتين، وأما المال، فإن كان رب المال معه.. لم يضمنه الأجير؛ لأن يد صاحبه عليه، وإن لم يكن رب المال معه.. فعلى قولين؛ لأنه أجير مشترك. وكذلك: إن كان قد استؤجر على القيام بالسفينتين وما فيهما.. فهما أجيران مشتركان. فإن كان رب السفينة والمال معه.. فلا ضمان، وإن لم يكن معه.. فعلى القولين. وإن كان أحدهما مفرطاً والآخر غير مفرط.. قال الشيخ أبو حامد: فإن المفرط جان، والآخر غير جان. فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما.. كان على المفرط قيمة سفينة صاحبه وما فيها؛ لأنها تلفت بفعله، وأما سفينته وما فيها: فلا يرجع به على أحد؛ لأنهما هلكتا بفعله. وإن كانتا وما فيهما لغيرهما.. فإن على المفرط قيمة سفينته وقيمة ما فيها، وعليه قيمة سفينة صاحبه وقيمة ما فيها، ولصاحب السفينة التي لم يفرط قيمها أن يطالب المفرط بذلك. وإن أراد أن يطالب القيم الذي لم يفرط، فإن قلنا: إن القيم يضمن وإن لم يفرط.. فهاهنا له أن يضمنه، ثم يرجع الذي لم يفرط بما غرمه على المفرط. وإن قلنا: إن القيم لا يضمن إذا لم يفرط، فإن كانت السفينة التي معه وديعة، أو المال معه قراضاً.. فلا ضمان عليه، وإن كان ذلك بيده استؤجر على حمله.. فهو أجير مشترك. وإن لم يكن صاحبه معه، فإن قلنا: لا يضمن.. لم يكن له مطالبته، وإن قلنا: يضمن.. فله مطالبته، ثم يرجع هو بما غرمه على المفرط. فإن انكسرت إحداهما دون الأخرى.. فالحكم في المنكسرة كما إذا انكسرتا.

стр. 5920

[فرع صدمت سفينة من غير تعمد] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإذا صدمت سفينة من غير أن يتعمد بها الصدم.. لم يضمن شيئاً مما في سفينته بحال) . واختلف أصحابنا في صورتها: فمنهم من قال: صورتها: أن يكون القيم قد عدل سفينته إلى الشط، وربطها، وطرح الأنجر، فجاءت سفينة أخرى فصدمتها، فتلفت وما فيها، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا فعل له يلزمه به الضمان. وهذا القائل يقول قول الشافعي: (صدمت سفينة) إنما هو بضم الصاد: فعل ما لم يسم فاعله. ومنهم من قال: صورتها: إذا لم يكن منه تفريط. وأجاب بأحد القولين، وهو الأصح؛ لأنه قال: صدمت سفينة من غير أن يتعمد بها الصدم، ولا يقال ذلك للمصدوم، وإنما يقال مثله للصادم. [مسألة ثقلت السفينة فألقوا المتاع] إذا كان قوم في سفينة وفيها متاع، فثقلت السفينة من المتاع، ونزلت في الماء، وخافوا الغرق، فإن ألقى بعضهم متاعه في البحر في الماء لتخف السفينة ويسلموا.. لم يرجع به على أحد؛ لأنه أتلف ماله باختياره من غير أن يضمن له غيره عوضاً، فهو كما لو أعتق عبده. وإن طرح مالاً لغيره بغير إذنه لتخف السفينة.. وجب عليه ضمانه؛ لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه، فوجب عليه ضمانه كما لو حرق ثوبه. وإن قال لغيره: ألق متاعك في البحر، ولم يضمن له عوضاً، فألقاه.. فقد قال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يجب على الذي أمره بالإلقاء ضمانه؟ فيه وجهان،

стр. 5921

كما قلنا فيه إذا قال لغيره: اقض عني ديني، ولم يضمن له عوضاً. وقال سائر أصحابنا: لا يلزمه ضمانه، وهو المنصوص؛ لأنه لم يضمن له بدله، فلم يلزمه، كما لو قال: أعتق عبدك، فأعتقه. والفرق بينه وبين قضاء الدين: أن قضاء الدين يتحقق نفعه للطالب؛ لأن ذمته تبرأ بالقضاء، وهاهنا لا يتحقق النفع بذلك، بل يجوز أن يسلموا، ويجوز أن لا يسلموا. وإن قال له: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، أو على أني أضمن لك قيمته، فألقاه.. وجب على الطالب ضمانه، وهو قول الفقهاء كافة، إلا أبا ثور، فإنه قال (لا يلزمه؛ لأنه ضمان ما لم يجب) . وهذا خطأ؛ لأنه استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح، فصح، كما لو قال: أعتق عبدك وعلي قيمته، أو طلق امرأتك وعلي ألف. [فرع طلب إلقاء المتاع في البحر وعلى الركاب ضمانه] وإن قال لغيره: ألق متاعك في البحر وعلي وعلى ركاب السفينه ضمانه، فألقاه.. وجب على الطالب حصته، فإن كانوا عشرة.. لزمه ضمان عشره. وإن قال: ألق متاعك على أن أضمنه وكل واحد من ركاب السفينة، فألقاه. وجب على الطالب ضمان جميعه؛ لأنه شرط أن يكون كل واحد منهم ضامناً له. وإن قال: ألق متاعك وعلي وعلى ركاب السفينة ضمانه وقد أذنوا لي في ذلك؛ فإن صدقوه.. لزم كل واحد منهم بحصته، وإن أنكروا.. حلفوا، ولزم الطالب ضمان جميعه. وإن قال: ألق متاعك وعلي وعلى ركاب السفينة ضمانه، وعلي تحصيله منهم، فألقاه.. وجب على الطالب ضمان جميعه.

стр. 5922

وإن قال صاحب المتاع للآخر: ألق متاعي وعليك ضمانه، فقال: نعم، فألقاه.. وجب عليه ضمانه؛ لأن ذلك بمنزلة الاستدعاء منه. وإن قال له: ألق متاعك وعلي نصف قيمته، وعلى فلان ثلثه، وعلى فلان سدسه، فألقاه، فإن صدقه الآخران أنهما أذنا للطالب في ذلك.. لزمه نصف قيمته، ولزم الآخرين النصف، وإن أنكر الآخران.. حلفا، ووجب الجميع على الطالب، فإن قال الطالب: ألقي أنا متاعك وعلي ضمانه، فقال صاحب المتاع: نعم، فألقاه.. لم يكن مأثوماً، ووجب عليه ضمانه، فإن قال الطالب: ألقي أنا متاعك وعلي وعلى ركاب السفينة ضمانه، فقال صاحب المتاع: نعم، فألقاه الطالب.. فيه وجهان: أحدهما: لا يلزم الملقي إلا بحصته؛ لأنه قدر ما ضمن. والثاني: يلزمه الجميع؛ لأنه باشر الإتلاف. وإن قال لغيره: ألق متاع فلان وأنا ضامن لك لو طالبك.. لم يصح هذا الضمان، ويلزم الضمان على الملقي؛ لأنه هو المباشر. [فرع خرق السفينة فغرقت] وإن خرق رجل السفينة، فغرق ما فيها، فإن كان مالاً.. لزمه ضمانه، سواء خرقها عمداً أو خطأ؛ لأن المال يضمن بالعمد والخطأ. وإن كان فيها أحرار فغرقوا وماتوا، فإن كان عامداً، مثل: أن يقلع منها لوحاً يغرق مثلها من قلعه في الغالب.. وجب عليه القود بهم، فيقتل بأحدهم، وتجب للباقين الدية في ماله. وإن كان مخطئاً، بأن سقط من يده حجر أو فأس، فخرق موضعاً فيها، فغرقوا.. كان على عاقلته دياتهم مخففة. وإن كان عمد خطأ، مثل: أن كان فيها ثقب، فأراد إصلاحه، فانخرق عليه.. كان على عاقلته دياتهم مغلظة.

стр. 5923

[مسألة رموا بالمنجنيق ونحوه] إذا رمى عشرة أنفس حجراً بالمنجنيق، فأصابوا رجلاً من غيرهم، فقتلوه.. فقد اشتركوا في قتله، فإن لم يقصدوا بالرمي أحداً.. وجبت ديته مخففة، على عاقلة كل واحد منهم عشرها، وإن كانوا قصدوه بالرمي، فأصابوه.. لم يكن عمداً محضاً؛ لأنه لا يمكن قصد رجل بعينه بالمنجنيق، وإنما يتفق وقوعه ممن وقع به، فتجب ديته مغلظة، على عاقلة كل واحد منهم عشرها. وإن رجع المنجنيق على أحدهم، فقتله.. سقط من ديته العشر، ووجب على عاقلة كل واحد من التسعة عشر ديته؛ لأنه مات بفعله وفعلهم، فهدر ما يقابل فعله، ووجب ما يقابل فعلهم، وإنما تجب الدية على من مد منهم الحبال ورمى بالحجر، فأما من أمسك خشب المنجنيق إن احتاج إلى ذلك، ووضع الحجر في الكفة، ثم تنحى.. فلا شيء عليه؛ لأنه صاحب سبب، والمباشر غيره، فتعلق الحكم بالمباشر. [مسألة وقع في بئر أو حفرة ثم وقع آخر فوقه] إذا وقع رجل في بئر أو زبية، فوقع عليه آخر، فمات الأول.. وجب ضمان الأول على الثاني؛ لما روي: (أن بصيراً كان يقود أعمى، فوقعا في بئر، ووقع الأعمى فوق البصير، فقضى عمر ﵁ وأرضاه بعقل البصير على الأعمى) ؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه، ثم ينظر فيه:

стр. 5924

فإن كان الثاني رمى بنفسه عليه عمداً، وكان وقوعه عليه يقتله في الغالب.. وجب على الثاني القود، وإن رمى بنفسه عليه، وكان وقوعه عليه لا يقتله غالباً.. وجبت فيه دية مغلظة على عاقلة الثاني. وإن وقع عليه مخطئاً.. وجبت على عاقلته دية مخففة، وتهدر دية الثاني بكل حال؛ لأنه لم يمت بفعل أحد. وإن وقع الأول، ووقع عليه ثان، ووقع فوقهما ثالث، وماتوا.. قال ابن الصباغ: فقد ذكر الشيخ أبو حامد: أن ضمان الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات بوقوعهما عليه، وضمان الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه، ويهدر دم الثالث؛ لأنه لم يمت بفعل أحد. وذكر القاضي أبو الطيب: أن الثالث يضمن نصف دية الثاني، ويهدر النصف؛ لأن الثاني تلف بوقوعه على الأول وبوقوع الثالث عليه. قال ابن الصباغ: وهذا أقيس؛ لأن وقوعه على غيره سبب في تلفه، كوقوع غيره عليه. قال ابن الصباغ: فعلى قياس هذا: إذا وقع على الأول ثان، وماتا.. أن تهدر نصف دية الأول؛ لأنه مات بوقوعه وبوقوع الثاني عليه. وإن وقع رجل في بئر، وجذب ثانياً، وماتا.. هدرت دية الأول؛ لأنه مات بجذبه الثاني على نفسه، ووجبت دية الثاني على الأول؛ لأنه مات بجذبه. وإن جذب الأول ثانياً، وجذب الثاني ثالثاً، وماتوا.. فقد مات الأول بفعله، وهو: جذبه للثاني على نفسه، وبفعل الثاني؛ وهو: جذب الثالث، فسقط نصف دية

стр. 5925

الأول، ويجب نصفها على الثاني، ويجب للثاني نصف ديته على الأول، ويسقط نصفها؛ لأنه مات بجذب الأول له وبجذبه للثالث على نفسه، ويجب للثالث جميع ديته؛ لأنه لا صنع له في قتل نفسه. وعلى من تجب؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب على الثاني؛ لأنه جذبه. والثاني: تجب على الأول والثاني نصفين؛ لأن الأول جذب الثاني، والثاني جذب الثالث، فكأن الثالث مات بجذبهما. فإن كانت بحالها، وجذب الثالث رابعاً، وماتوا.. فقد حصل هاهنا ثلاث جذبات: فأما الأول: فقد مات بفعله وفعل الثاني وفعل الثالث، فسقط ثلث الدية، لأنه جذب الثاني على نفسه، وتجب على الثاني ثلث الدية لجذبه الثالث عليه، وعلى الثالث ثلث الدية لجذبه الرابع عليه. وأما الثاني: فقد مات بفعله وفعل الأول وفعل الثالث، فيجب له على الأول ثلث الدية وعلى الثالث ثلث الدية، ويسقط الثلث. وأما الثالث: ففيه وجهان: أحدهما: يسقط من ديته النصف، ويجب له على الثاني النصف؛ لأنه مات بفعله، وهو: جذبه الرابع، فسقط النصف لذلك، وبفعل الثاني، وهو: جذبه له. والثاني: يسقط من ديته الثلث؛ لأنه مات بثلاثة أفعال، بجذبه للرابع، وبجذب الثاني له، وبجذب الأول للثاني، فيجب له على الأول ثلث الدية، وعلى الثاني ثلثا الدية. وأما الرابع: فيجب له جميع الدية؛ لأنه لا صنع له في قتل نفسه.. وعلى من تجب؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب على الثالث؛ لأنه هو الذي جذبه.

стр. 5926

والثاني: تجب على الأول والثاني والثالث أثلاثاً؛ لأن وقوعه حصل بالجذبات. فإن قيل: فقد روى سماك بن حرب، «عن حنش بن المعتمر الصنعاني: أن قوماً باليمن حفروا زبية ليصطادوا بها الأسد، فوقع فيها الأسد، فاجتمع الناس على رأسها يبصرونه، فتردى رجل فيها فتعلق بثان، وتعلق الثاني بثالث، وتعلق الثالث برابع، فوقعوا فيها، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فقضى للأول بربع الدية؛ لأن فوقه ثلاثة، وقضى للثاني بثلث الدية؛ لأن فوقه اثنين، وللثالث بنصف الدية؛ لأن فوقه واحداً، وللرابع بكمال الدية. فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: هو كما قضى» قال أصحابنا: هذا حديث لا يثبته أهل النقل؛ لأن حنش بن المعتمر ضعيف، والفقه ما قدمناه [فرع حفر بئراً من غير حق] وإن حفر رجل بئراً في موضع ليس له الحفر فيه، فتردى فيها رجل وجذب آخر فوقه، وماتا.. ففيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ": أحدهما: يجب للأول على الحافر نصف الدية، ويهدر النصف؛ لأنه مات بسببين: حفر البئر وجذبه للثاني على نفسه، فانقسمت الدية عليهما، وسقط ما قابل فعله. والثاني: حكاه القاضي أبو الطيب عن أبي عبد الله الجويني -: أنه لا يجب له شيء على الحافر؛ لأن جذبه للثاني على نفسه مباشرة، والحفر سبب، وحكم السبب يسقط بالمباشرة. قال الطبري: والأول أصح؛ لأن الجذب سبب أيضاً؛ لأنه لم يقصد به إلقاءه على نفسه، وإنما قصد به التحرز من الوقوع، فلم يكن أحدهما بأولى من الآخر. وبالله التوفيق

стр. 5927

[باب الديات] دية الحر المسلم مائة من الإبل؛ لما روي: أن النبي ﷺ كتب في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: «وفي النفس مائة من الإبل» . وهو إجماع. فإن كانت الدية في العمد المحض، أو في شبه العمد.. وجبت دية مغلظة، وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة - و (الخلفة) : الحامل - وبه قال عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة ﵃ وأرضاهم، وعطاء، ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (تجب أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة) . وقال أبو ثور: (دية شبه العمد مخففة، كدية الخطأ) . دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: «ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها» . وروى عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ألا إن في الدية العظمى مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها» .

стр. 5928

وروي عن عمر ﵁ وأرضاه: أنه قال: (دية شبه العمد ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة) . فإن قيل: فما معنى قوله: «منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» وقد علم أن الخلفة لا تكون إلا حاملاً؟ قلنا: له تأويلان: أحدهما: أنه أراد التأكيد في الكلام، وذلك جائز، كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: ١٩٦) . والثاني: أن الخلفة اسم للحامل التي لم تضع، واسم للتي وضعت ويتبعها ولدها، فأراد أن يميز بينهما. إذا ثبت هذا: فهل تختص الخلفة بسن أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا تختص بسن، بل إذا كانت حاملاً.. فبأي سن كانت جاز؛ لقوله ﷺ «منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» . ولم يفرق. والثاني: تختص بسن، وهو: أن تكون ثنية فما فوقها؛ لما روى عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أنه قال: «ألا إن في قتيل شبه العمد بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها، ما بين الثنية إلى بازل عامها» . ومراسيل الصحابة ﵃ حجة؛ لأنهم أتقياء لا يتهمون.

стр. 5929

وروي عن عمر، وعلي ﵄ وأرضاهما: أنهما قالا: (ألا إن في قتيل شبه العمد مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها، ما بين الثنية إلى بازل عامها) . ولا مخالف لهما في الصحابة ﵃. ولأنه أحد أنواع إبل الدية، فاختص بسن، كالحقاق والجذاع. [مسألة دية جناية الخطأ] وإن كانت الجناية خطأ، ولم يكن القتل في الحرم ولا في الأشهر الحرم، ولكن المقتول ذو رحم محرم للقاتل.. فإن الدية تكون مخففة أخماساً، وهي: مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وبه قال من الصحابة ﵃: ابن مسعود ﵁، ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري رحمة الله عليهم، ومن الفقهاء: مالك، وربيعة، والليث، والثوري ﵏. وقال أبو حنيفة وأصحابه: (هي أخماس، إلا أنه يجب مكان بني لبون عشرون ابن مخاض) . وروي عن عثمان، وزيد بن ثابت ﵄ وأرضاهما: أنهما قالا: (تجب من أربعة أنواع: ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض) .

стр. 5930

وقال الشعبي، والحسن البصري: تجب أرباعاً: خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض. وروي مثل ذلك عن علي ﵁ وأرضاه. دليلنا: ما روى مجاهد، عن ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ قضى بدية الخطأ مائة من الإبل: عشرين حقة، وعشرين جذعة، وعشرين بنت لبون، وعشرين ابن لبون، وعشرين بنت مخاض» . وقد روي ذلك موقوفاً على ابن مسعود. وروي عن سليمان بن يسار: أنهم كانوا يقولون: دية الخطأ، مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وإن كان قتل الخطأ في الحرم، أو في الأشهر الحرم - وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم - أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل.. كانت دية الخطأ مغلظة كدية العمد، فتجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وبه

стр. 5931

قال عمر، وعثمان، وابن عباس ﵃ وأرضاهم، ومن التابعين: ابن المسيب، وابن جبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، والزهري، وقتادة رحمة الله عليهم، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق ﵏. وروي عن طائفة: أنها قالت: لا تتغلظ بحال. وبه قال الشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأبو حنيفة ﵏. دليلنا: أن الصحابة ﵃ غلظوا دية الخطأ في هذه المواضع الثلاثة. فروي عن عمر ﵁ وأرضاه: أنه قال: (من قتل في الحرم، أو في الشهر الحرام، أو ذا رحم محرم.. فعليه دية وثلث) . وروي عن عثمان ﵁ وأرضاه: (أن امرأة وطئت في الطواف، فماتت، فقضى أن ديتها ستة آلاف، وألفا درهم للحرم) . وروى ابن جبير: أن رجلاً قتل رجلاً في البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال ابن عباس ﵄: (ديته اثنا عشر ألف درهم، وأربعة آلاف تغليظاً للشهر الحرام، وأربعة آلاف للبلد الحرام، فكلها عشرون ألفاً) . ولا مخالف لهم في

стр. 5932

الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -. وإن قتل خطأ في حرم المدينة.. فهل تغلظ الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: تتغلظ؛ لأنه كالحرم في تحريم الصيد، فكان كالحرم في تغليظ دية الخطأ فيه. والثاني: لا تغلظ، وهو الأصح؛ لأنه دون الحرم في الحرمة؛ بدليل: أنه يجوز قصده بغير إحرام، فلم يلحق به في الحرمة في تغليظ الدية. وإن قتل محرماً خطأ.. فهل تغلظ ديته؟ فيه وجهان: أحدهما: تغلظ، كما تغلظ في القتل في الحرم، وبه قال أحمد ﵀؛ لأن الإحرام يتعلق به ضمان الصيد، فغلظت به الدية، كالحرم. والثاني: لا تغلظ به؛ لأن الشرع ورد بتغليظ القتل في الحرم دون الإحرام، بدليل: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «أعتى الناس على الله ثلاثة: رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل قتل بذحل الجاهلية» والإحرام لا يلحق الحرم في الحرمة. إذا ثبت هذا: فإن تغليظ دية الخطأ عندنا بالحرم أو في الأشهر الحرم، أو إذا قتل ذا رحم محرم إنما هو بأسنان الإبل، كما قلنا في دية العمد، ولا يجمع بين تغليظين. وقال أحمد ﵀: (تغلظ بثلث الدية، ويجمع ما بين تغليظين) ؛ لما رويناه عن الصحابة ﵃. ودليلنا على أنه لا تغلظ إلا بالأسنان: أن من أوجب التغليظ في دية القتل.. أوجبه بالأسنان، كدية العمد. ودليلنا على أنه لا يجمع بين تغليظين: أن من أوجب التغليظ.. أوجبه في الضمان

стр. 5933

إذا اجتمع سببان يقتضيان التغليظ لم يجمع بينهما، كما لو قتل المحرم صيداً في الحرم.. فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد. وأما ما روي عن الصحابة ﵃: أنهم قضوا بالدية وثلث الدية في ذلك، وجمعوا بين تغليظين.. فمحمول على أنهم قضوا بدية مغلظة بالأسنان، إلا أنها قومت، فبلغت قيمتها دية وثلثاً من دية مخففة، أو كانت الإبل قد أعوزت، فأوجبوا قيمة الإبل، فبلغت قيمتها ذلك. [فرع قتل الصغير والمجنون عمداً] ً] : وإن قتل الصبي أو المجنون عمداً، فإن قلنا: إن عمدهما عمد.. وجب بقتلهما دية مغلظة، وإن قلنا: عمدهما خطأ.. وجب بقتلهما دية مخففة. وإن كانت الجناية على ما دون النفس.. كان الحكم في التغليظ بديتها حكم دية النفس، قياساً على دية النفس. [مسألة يؤخذ من العاقلة من إبلهم] قال الشافعي ﵀: (ولا أكلف أحداً من العاقلة غير إبله، ولا نقبل منه دونها) . وجملة ذلك: أنه قد مضى الكلام في قدر الدية وجنسها وأسنانها. وأما نوعها: فإن كان للعاقلة إبل.. وجب عليهم من النوع الذي معهم من الإبل؛ لأن العاقلة تحمل الدية على طريق المواساة، فكان الواجب من النوع الذي يملكونه، كما قلنا في الزكاة. فإن طلب الولي أغلى مما مع العاقلة من النوع، وامتنعت العاقلة، أو طلبت العاقلة أن يدفعوا من نوع دون النوع الذي معها، وامتنع الولي.. لم يجبر الممتنع منهما، كما قلنا في الزكاة. فإن كان عند بعض العاقلة من البخاتي، وعند البعض من العراب.. أخذ من كل

стр. 5934

واحد من النوع الذي عنده، كما قلنا في الزكاة: أنه يجب على كل إنسان مما عنده من النوع. وإن كان في ملك واحد منهم نوعان من الإبل.. ففيه وجهان: أحدهما: يؤخذ منه من النوع الأكثر، فإن استويا.. دفع من أيهما شاء. والثاني: يؤخذ من كل نوع بقسطه، بناء على القولين في الزكاة إذا كان عنده نوعان من جنس من الماشية. وإن كانت إبلهم أو إبل بعضهم مراضاً بجرب أو غيره، أو مهزولة هزالاً فاحشاً.. لم يجبر الولي على قبولها، بل يكلف أن يسلم إبلا صحاحاً من النوع الذي عنده؛ لقوله ﷺ : «في النفس مائة من الإبل» . وإطلاق هذا يقتضي الصحيح. فإن قيل: هلا قلتم: يجبر الولي على قبول ما عند من عليه الدية وإن كانت مراضاً، كما قلنا في الزكاة؟ قلنا: الفرق بينهما: أن الواجب في الزكاة هو واجب في عين المال الذي عنده أو في ذمته والمال مرتهن به؛ فلذلك وجب مما عنده، وليس كذلك هاهنا، فإن الواجب على كل واحد منهم هو من النقد في الذمة والمال غير مرتهن به، وإنما الإبل عوض منه، فلم نقبل منه إلا السليم. فإن لم يكن للعاقلة إبل، فإن كان في البلد نتاج غالب.. وجب عليهم التسليم من ذلك النتاج، وإن لم يكن في البلد إبل.. وجب من غالب نتاج أقرب البلاد إليهم، كما قلنا في زكاة الفطر. [فرع دفع العوض بدل الإبل مع وجودها] فإن أرادت العاقلة أن تدفع عوضاً عن الإبل مع وجودها.. لم يجبر الولي على قبولها. وكذلك: إن طالب من له الدية عوض الإبل.. لم تجبر العاقلة على دفعه؛ لأن ما ضمن لحق الآدمي ببدل.. لم يجبر على غيره، كذوات الأمثال.

стр. 5935

فإن تراضيا على ذلك.. قال أصحابنا: جاز ذلك؛ لأنه حق مستقر، فجاز أخذ البدل عنه، كبدل المتلفات. والذي يقتضي المذهب: أن هذا إنما يجوز على القول الذي يقول: يجوز الصلح على إبل الدية وبيعها في الذمة. [فرع وجوب الدية على الجاني يثبت أخذ ما عنده] وإن كانت الدية تجب على الجاني، بأن كانت الجناية عمداً، أو خطأ ثبت بإقراره.. فإن الواجب عليه من النوع الذي عنده، قياساً على العاقلة. والحكم فيه إذا كان عنده نوعان أو كانت إبله مراضاً في أخذ العوض عنها.. حكم الإبل إذا كانت واجبة على العاقلة، على ما مضى. [مسألة فقدان الإبل في مكان وجوب الدية] وإن أعوزت الإبل، فلم توجد في تلك الناحية، أو وجدت بأكثر من قيمتها.. ففيه قولان: [أحدهما] : قال في القديم: (يعدل إلى بدل مقدر، فتجب على أهل الذهب ألف مثقال، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم) . وبه قال مالك رحمة الله عليه؛ لما روى عمرو بن حزم ﵁: «أن النبي ﷺ قضى في الدية بألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم» . وروى ابن عباس ﵄: «أن رجلا قتل رجلا، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألف درهم» .

стр. 5936

وروي: (أن عائشة أم المؤمنين ﵂ قتلت جاناً في بيتها - وهي: الحية الصغيرة - فقيل لها في منامها: قتلت رجلاً مسلماً جاء يستمع القرآن؟ فقالت: لو كان مسلماً.. ما دخل على أزواج رسول الله ﷺ . فقيل لها: دخل عليك وأنت في ثيابك، فأخبرت بذلك أباها، فقال لها: تصدقي دية مسلم، اثني عشر ألف درهم) . وروي: عن أنس ﵁: أنه قال: (لأن أقعد بعد العصر فأذكر الله إلى أن تغيب الشمس أحب إلي من أن أعتق رقبة من ولد إسماعيل ديتها اثنا عشر ألف درهم) . فعلى هذا: تكون الدية ثلاثة أصول عند إعواز الإبل. و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب قيمة الإبل من نقد البلد، بالغة ما بلغت) ؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه قال: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار - وروي: ثمانية آلاف درهم - فكانت كذلك إلى أن

стр. 5937

استخلف عمر ﵁ وأرضاه، فغلت الإبل، فصعد المنبر خطيباً، وقال ألا إن الإبل قد غلت، ففرض الدية: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم» فموضع الدليل من الخبر: أنه قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ كذا وكذا، فدل على: أن الواجب هو الإبل. ولأن عمر ﵁ وأرضاه قال: (ألا إن الإبل قد غلت) ، وفرض عليهم ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، فتعلق بغلاء الإبل، فدل على: أن ذلك من طريق القيمة؛ لأن ما وجبت قيمته اختلف بالزيادة والنقصان، ولم يخالفه أحد من الصحابة. وما روي من الأخبار للأول.. فنحمله على أن ذلك من طريق القيمة. فعلى هذا: لا يكون للدية إلا أصل واحد، وهي الإبل، فإن كانت الدية مغلظة وأعوزت الإبل، فإن قلنا بقوله الجديد.. قومت مغلظة ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وإن قلنا بقوله القديم.. ففيه وجهان، حكاهما في " العدة ". أحدهما: تغلظ بثلث الدية، ولم يذكر في " المهذب " غيره؛ لما ذكرناه عن عمر، وعثمان، وابن عباس ﵃ وأرضاهم. والثاني: يسقط التغليظ؛ لأن التغليظ عندنا إنما هو بالصفة في الأصل لا بالزيادة في العدد، وذلك إنما يمكن في الإبل دون النقد، ألا ترى أن العبد لما لم يجب فيه إلا القيمة لم يجب فيه التغليظ؟ وما روي عن الصحابة ﵃ وأرضاهم.. فقد ذكرنا: أنما ذلك هو قيمة ما أوجبوه. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (الواجب في الدية ثلاثة أصول: مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. فيجوز له أن يدفع أيها شاء مع وجود الإبل ومع إعوازها) .

стр. 5938

وقال الثوري، والحسن البصري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد ﵏: (للدية ستة أصول: مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، أو مئتا بقرة، أو ألفا شاة، أو مئتا حلة) . إلا أن أبا يوسف، ومحمداً يقولان: هو مخير بين الستة، أيها شاء.. دفع مع وجود الإبل ومع عدمها. وعند الباقين: لا يجوز العدول عن الإبل مع وجودها. دليلنا: ما روى عمرو بن حزم ﵁: «أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض، والسنن، وأن في النفس مائة من الإبل» . وروي: أنه قال ﷺ : «ألا في قتيل العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل» . وهذا يدل على: أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها. [مسألة دية الذمي] ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، وبه قال عمر، وعثمان ﵄ وأرضاهما، وابن المسيب، وعطاء، وإسحاق. وقال عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز ﵃ وأرضاهم، ومالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ديته نصف دية المسلم) . وقال الثوري:، وأبو حنيفة وأصحابه: (ديته مثل دية المسلم) . وقد روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃ وأرضاهم. وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن قتله خطأ.. فديته مثل نصف دية المسلم، وإن قتله عمداً.. فديته مثل دية المسلم) . دليلنا: ما روى عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم» .

стр. 5939

[فرع دية المجوسي] ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (ديته مثل دية المسلم) . وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ديته مثل دية اليهودي والنصراني، وهو نصف دية المسلم عنده. دليلنا: ما روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃ وأرضاهم: أنهم قالوا: (دية المجوسي ثمانمائة درهم، ثلثا عشر دية المسلم) . ولا مخالف لهم في الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ - فدل على: أنه إجماع. وأما عبدة الأوثان إذا كان بيننا وبينهم هدنة، أو دخلوا إلينا بأمان فلا يجوز قتلهم، فمن قتل منهم.. وجبت فيه دية المجوسي؛ لأنه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه، فكانت ديته ثلثي عشر دية المسلم، كالمجوسي. وأما الكافر الذي لم تبلغه الدعوة، وهو: أنه لا يعلم أن الله بعث رسولاً يقال له: محمد بن عبد الله ﷺ ، وأنه أظهر المعجزات، ويدعو إلى عبادة الله، فإن وجد ذلك.. فلا يجوز قتله حتى يعرف أن هاهنا رسولاً يدعو إلى الله، فإن أسلم، وإلا..

стр. 5940

قتل، فإن قتله قاتل قبل أن تبلغه الدعوة.. وجبت فيه الدية. وقال أبو حنيفة: (لا دية فيه) . دليلنا: أنه قتل محقون الدم، فوجبت فيه الدية، كالذمي. إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في قدر ديته: فمنهم من قال: تجب فيه دية مسلم؛ لأنه مولود على الفطرة. ومنهم من قال: إن كان متمسكاً بدين مبدل.. وجبت فيه دية أهل ذلك الدين، مثل: أن يكون متمسكاً بدين من بدل من اليهود والنصارى. وإن كان متمسكاً بدين من لم يبدل منهم.. وجبت فيه دية مسلم؛ لأنه مسلم لم تظهر منه عبادة. ومنهم من قال: تجب فيه دية المجوسي؛ لأنه يقين، وما زاد.. مشكوك فيه، وهذا هو الأصح؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (هو كافر لا يحل قتله، وإذا كان كافراً.. وجبت فيه أقل دياتهم؛ لأنه اليقين) . وإن قطع يد ذمي، ثم أسلم، ومات من الجراحة.. وجبت فيه دية مسلم؛ لأن الاعتبار بالدية حال الاستقرار. وإن قطع مسلم يد مرتد، ثم أسلم، ثم مات من الجراحة.. لم يضمن القاطع دية النفس، ولا دية اليد. وقال الربيع: فيه قولا آخر: أنه يضمن دية اليد. والمذهب الأول؛ لأنه قطعه في حال لا يجب ضمانه، وما حكاه الربيع من تخريجه. [مسألة دية المرأة] ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول كافة العلماء، إلا الأصم، وابن علية، فإنهما قالا: ديتها مثل دية الرجل.

стр. 5941

دليلنا: ما روى عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ قال: «ودية المرأة نصف دية الرجل» . وروي: عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ وأرضاهم: أنهم قالوا: (دية المرأة نصف دية الرجل) . ولا مخالف لهم في الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -، فدل على: أنه إجماع. وإن قتل خنثى مشكلاً.. وجبت فيه دية امرأة؛ لأنه يقين، وما زاد.. مشكوك فهي، فلا تجب بالشك. [مسألة في الجنين غرة عبد] واذا ضرب ضارب بطن امرأة، فألقت جنيناً ميتاً حراً.. ففيه غرة عبد أو أمة. قيل: بإضافة الغرة إلى العبد، وقيل: بتنوين الغرة والصفة.

стр. 5942

والأصل فيه: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁: «أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، فضربت إحداهما الأخرى بعمود، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحد الرجلين: كيف ندي من لا أكل ولا شرب ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك يطل؟ - وقد قيل: (يطل) أي: يهدر - فقال النبي ﷺ : " سجع كسجع الأعراب "، وقضى بدية المقتولة على عصبة القاتلة، وقضى بغرة عبد أو أمة لما في جوفها» . وروي: أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: «أذكر الله امرأ سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئاً، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جارتين لي - يعني: زوجتين - فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وما في جوفها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد أو أمة» . قال أبو عبيد: و (المسطح) : عود من عيدان الخباء. وقال النضر بن شميل: هو الخشبة التي يرقق بها الخبز. إذا ثبت هذا: فلا فرق بين أن يكون الجنين ذكراً أو أنثى؛ لأن النبي ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة، ولم يفرق بين أن يكون الجنين ذكراً أو أنثى، ولأنا لو قلنا: تختلف ديتهما.. لأدى ذلك إلى الاختلاف والتنازع؛ لأنه قد يخفى ويتعذر، وقد يخرج متقطعاً، فسوى بين الذكر والأنثى قطعاً للخصومة والتنازع. [فرع من تجب فيه الغرة] والجنين الذي تجب فيه الغرة هو: أن يسقط جنيناً بان فيه شيء من صورة الآدمي، إما يد أو رجل أو عين. وكذلك: إذا أسقطت مضغة لم يتبين فيها عضو من أعضاء الآدمي، ولكن قال

стр. 5943

أربع نسوة من القوابل الثقات: فيها تخطيط الآدمي، إلا أنه خفي.. فتجب فيه المغرة؛ لأنهن يدركن من ذلك ما لا يدرك غيرهم. وإن قلن: لم يتخطط إلى الآن، ولكنه مبتدأ خلق آدمي، ولو بقي.. لتخطط، فهل تجب به الغرة والكفارة، وتنقضي به العدة؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في الجميع قولان. ومنهم من قال: تنقضي به العدة، ولا تجب به الغرة ولا الكفارة، قولاً واحداً، وقد مضى ذلك. وإن قلنا: هذه مضغة تصلح للآدمي ولغيره، ولا ندري لو بقيت.. هل تتخطط، أم لا؟ فلا تجب به الغرة والكفارة، ولا تنقضي به العدة؛ لأن الأصل براءة الذمة من الضمان وثبوت العدة. وإن ألقت المرأة جنينين.. وجبت عليه غرتان، وإن ألقت ثلاثة.. وجب عليه ثلاث غرر، وإن ألقت رأسين أو أربع أيد.. لم تجب فيه إلا غرة؛ لأنه قد يكون جسدا واحداً له رأسان أو أربع أيد، فلا يجب ضمان ما زاد على جنين بالشك. [فرع ضرب منتفخة بطن] وأما إذا ضرب بطن امرأة منتفخة البطن، فزال الانتفاخ، أو بطن امرأة تجد حركة، فسكنت الحركة.. لم يجب عليه شيء. وإن ضرب بطن امرأة، فماتت، ولم يخرج الجنين.. لم يجب عليه ضمان الجنين. وقال الزهري: إذا سكنت الحركة التي تجد في بطنها.. وجب عليه ضمان الجنين. دليلنا: أنا إنما نحكم بوجود الحمل في الظاهر، وإنما نتحققه بالخروج، فإذا لم يخرج.. لم نتحقق أن هناك حملاً، بل يجوز أن يكون ريحاً فينفش، فلا يلزمه الضمان بالشك.

стр. 5944

[فرع ضرب حاملاً فماتت ثم خرج حملها] وإن ضرب بطن امرأة، فماتت، ثم خرج الجنين منها بعد موتها.. ضمن الأم بديتها، وضمن الجنين بالغرة. وقال أبو حنيفة: (لا يضمن الجنين) . ودليلنا: «أن النبي ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة» . ولم يفرق بين أن يخرج قبل موت أمه أو بعده. ولأن كل حمل كان مضموناً إذا خرج قبل موت الأم.. كان مضموناً إذا خرج بعد موتها، كما لو ولدته حياً. وإن ضرب بطنها، فأخرج الجنين رأسه، وماتت، ولم يخرج الباقي.. وجب عليه ضمان الجنين. وقال مالك: (لا يجب عليه شيء) . دليلنا: أن بظهور الرأس تحققنا أن هناك جنيناً، والظاهر أنه مات من ضربه، فوجب عليه ضمانه. [فرع ضرب امرأة فخرج جنين وصرخ ومات] وإن ضرب بطن امرأة، فألقت جنيناً ميتاً، فصرخ، ثم مات عقيبه، أو بقي متألما إلى أن مات.. وجبت فيه دية كاملة، سواء ولدته لستة أشهر أو لما دونها. فإن لم يصرخ ولكن تنفس أو شرب اللبن، أو علمت حياته بشيء من ذلك، ثم مات عقيبه، أو بقي متألما إلى أن مات.. وجبت فيه دية كاملة. وقال المزني: إن ولدته حياً لدون ستة أشهر.. لم تجب فيه دية كاملة، وإنما تجب فيه الغرة؛ لأنه لا يتم له حياة لما دون ستة أشهر. وقال مالك، والزهري رحمهما الله: (إذا لم يستهل بالصراخ.. لم تجب فيه الدية الكاملة، وإنما تجب فيه الغرة) .

стр. 5945

دليلنا: أنا قد تحققنا حياته، فوجب فيه دية كاملة، كما لو ولدته لستة أشهر عند المزني، وكما لو استهل صارخاً عند مالك ﵀. ولو ضرب بطنها، فألقت جنيناً وفيه حياة مستقرة، ثم جاء آخر وقتله.. فالقاتل هو الثاني، فيجب عليه القود إن كان مكافئاً، أو الدية الكاملة. وأما الأول: فلا يجب عليه إلا التعزير بالضرب لا غير؛ لأنه لم يمت من ضربه. وإن ضرب بطنها، فألقت جنيناً، فلم يستهل ولا تنفس ولا تحرك حركة تدل على حياته، ولكنه اختلج.. لم تجب فيه الدية الكاملة، وإنما تجب فيه الغرة؛ لأن هذا الاختلاج لا يدل على حياته؛ لأن اللحم إذا عصر، ثم ترك.. اختلج، ويجوز أن يكون اختلاجه لخروجه من موضع ضيق. [فرع ضرب حاملاً فألقت يداً ثم جنينا ناقصاً] وإن ضرب بطن امرأة، فألقت يداً، ثم أسقطت بعد ذلك جنيناً ناقص يد.. نظرت: فإن بقيت المرأة متألمة إلى أن أسقطت الجنين، فإن ألقته ميتاً.. وجبت فيه الغرة، ويدخل فيها اليد؛ لأن الظاهر أن الضرب قطع يده، وإن ألقته حياً، ثم مات عقيب الوضع، أو بقي متألماً إلى أن مات.. ففيه دية كاملة، وتدخل فيها دية اليد. وإن خرج الجنين حياً وعاش.. لم يجب عليه في الجنين شيء، ووجب عليه ضمان اليد، فتعرض اليد على القوابل، فإن قلن: إنها فارقت جملة لم تنفخ فيها الروح.. وجب فيها نص الغرة، وإن قلن: إنها فارقت جملة نفخ فيها الروح.. وجب فيها نصف دية كاملة. وأما إذا سقطت اليد، ثم زال ألم الضرب، ثم ألقت الجنين.. ضمن اليد دون الجنين؛ لأنه بمنزلة من قطع يد رجل، ثم اندملت، فإن خرج الجنين ميتاً.. وجب في اليد نصف الغرة.

стр. 5946

وإن خرج حياً، ثم مات أو عاش.. عرضت اليد على القوابل، فإن قلن: إنها فارقت جملة لم تنفخ فيها الروح.. وجب فيه نصف الغرة، وإن قلن: إنها فارقت جملة نفخ فيها الروح.. كان فيها نصف الدية. وإن ضرب بطن امرأة، فألقت يداً، ثم ماتت الأم ولم يخرج الباقي.. وجبت دية الأم، ووجبت في الجنين الغرة؛ لأن الظاهر أنه جنى على الجنين، فأبان يده، ومات من ذلك. [مسألة سن الغرة فوق سبع أو ثمان] ] : قال الشافعي ﵀: (ولمن وجبت له الغرة أن لا يقبلها دون سبع سنين أو ثمان سنين؛ لأنها لا تستغني بنفسها) . وجملة ذلك: أن أقل سن الغرة التي يلزم ورثة الجنين قبولها سبع سنين، ولا يلزمه أن يقبل ما لها دون سبع سنين؛ لأن الغرة هي الخيار من كل شيء، وما له دون سبع سنين.. فليس من الخيار؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله، ويخالف العتق في الكفارة؛ لأن الله تعالى نص فيها على الرقبة، والصغيرة يقع عليها اسم الرقبة. وأما أعلى سن الغرة: فاختلف أصحابنا فيها: فقال أبو علي بن أبي هريرة: ولا يجبر على قبول الغلام بعد خمسة عشر سنة؛ لأنه لا يلج على النساء ولا على الجارية بعد عشرين سنة؛ لأنها تتغير وتنقص قيمتها. ومنهم من قال: لا يجبر على قبولها بعد عشرين سنة، غلاماً كانت أو جارية؛ لأنها ليست من الخيار. وقال الشيخ أبو حامد: يجبر على قبول ما له خمسون سنة وأكثر ما لم يضعف عن العمل؛ لأنه قد يكون من الخيار وإن بلغ ذلك. قال القاضي أبو الطيب: وقد قال الشافعي ﵀: (وليس لهم أن يؤدوا غرة هرمة ولا ضعيفة عن هذا العمل؛ لأن أكثر ما يراد له الرقيق للعمل) . وهذا يدل على وجوب قبولها قبل ذلك.

стр. 5947

[فرع لا يجبر على قبول الغرة المعيبة] ومن وجبت له الغرة لم يجبر على قبولها إذا كانت معيبة؛ لأن الغرة هي الخيار، والمعيبة ليست من الخيار. فلا يلزمه أن يقبل الخصي وإن زادت قيمته بذلك؛ لأنه ناقص عضو، فهو كما لو كان مقطوع اليد. [مسألة قيمة الغرة عشر دية المسلم] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وقيمتها إذا كان الجنين حراً نصف عشر دية المسلم) . وجملة ذلك: أن الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب، أو بعشر دية الأم؛ لأنه روي ذلك عن عمر، وزيد بن ثابت ﵄ وأرضاهما، ولا مخالف لهما في الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -، ولأنه لا يمكن أن توجب فيه دية كاملة؛ لأنه لم تكمل فيه الحياة، ولا يمكن إسقاط ضمانه؛ لأنه خلق بشر، فقدرت ديته بخمس من الإبل؛ لأنه أقل أرش قدره صاحب الشرع، وهو: أرش الموضحة، ودية السن. فإن كانت الغرة موجودة.. لم يجبر الولي على قبول غيرها؛ لـ: «أن النبي ﷺ أوجب في الجنين الغرة كما أوجب في النفس الإبل» . ثم لا يجبر الولي على قبول غير الإبل مع وجودها، فكذلك لا يجبر على قبول غير الغرة مع وجودها. وإن أعوزت الغرة.. فإنه ينتقل إلى غيرها. واختلف أصحابنا فيما ينتقل إليه:

стр. 5948

فقال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ: ينتقل إلى خمس من الإبل؛ لأنها هي الأصل في الدية، فإن أعوزت الإبل.. انتقل إلى قيمتها في القول الجديد، وإلى خمسين ديناراً أو ستمائة درهم في القول القديم. وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: إذا أعوزت الغرة.. انتقل إلى قيمتها في قوله الجديد، كما لو غصب منه عبداً فتلف، وينتقل إلى خمس من الإبل في قوله القديم، فإن أعوزت الإبل.. انتقل إلى قيمتها في أحد القولين، وإلى خمسين ديناراً أو ستمائة درهم في الآخر. [فرع غرم الدية للجنين كدية الخطأ] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويغرمها من يغرم دية الخطأ) . وجملة ذلك: أن الجناية على الجنين قد تكون خطأ محضاً، بأن يقصد غير الأم فيصيبها، فتكون الدية مخففة، وقد تكون عمد خطأ، بأن يقصد إصابة الأم بما لا يقتل، فتكون الدية مغلظة على العاقلة. وهل تكون عمداً محضاً؟ اختلف أصحابنا فيها: فقال الشيخ أبو إسحاق: يكون عمدا محضاً. وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: لا تتصور الجناية على الجنين أن تكون عمداً محضاً وإن قصد الأم؛ لأنه قد يموت منه الجنين وقد لا يموت منه، ولأنه لا يتحقق وجود الجنين. [فرع غرة ولد المسلمين] فإن كان الأبوان مسلمين.. وجبت الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب، أو عشر دية الأم. وإن كانا ذميين.. وجبت الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب، أو عشر دية الأم. وكذلك: إذا كان الأبوان مجوسيين.. فإنما تعتبر من ديتهما.

стр. 5949

وإن كان أحد الأبوين نصرانياً والآخر مجوسياً.. اعتبر دية الجنين بعشر دية النصراني؛ لأنه إذا اتفق في بدل النفس ما يوجب الإسقاط وما يوجب الإيجاب.. غلب الإيجاب، كما قلنا في السبع المتولد بين الضبع والذئب إذا قتله المحرم. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : الجنين اليهودي أو النصراني أو المجوسي؛ لا تجب فيه الغرة، وإنما يجب فيه نصف عشر دية الأب. وإذا كانا مختلفي الدين.. فقد خرج فيه قول آخر: أن الاعتبار بالأب. وقال ابن سلمة: يعتبر بأقلهما دية. والأول أصح. [فرع ضرب نصرانية حاملاً ثم أسلمت فأسقطت] وإن ضرب بطن امرأة نصرانية حامل بنصراني، فأسلمت، ثم أسقطت جنيناً ميتاً.. ففيه غرة مقدرة بنصف عشر دية مسلم؛ لأن الاعتبار بالدية حال الاستقرار، وهي مسلمة حال الاستقرار. وإن ضرب بطن امرأة حربية، فأسلمت، ثم أسقطت جنيناً ميتاً.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه، وهو قول ابن الحداد؛ لأن الابتداء لم يكن مضموناً. والثاني: يضمنه اعتباراً بحال الاستقرار. [فرع وطئها مسلم وذمي بشبهة ثم ضربت فألقت جنيناً] إذا وطئ مسلم وذمي ذمية بشبهة في طهر واحد، ثم ضرب رجل بطنها، وألقت جنيناً ميتاً.. عرض على القافة، على الصحيح من المذهب. فإن ألحقته بالمسلم.. وجب فيه غرة عبد أو أمة مقدرة بنصف عشر دية المسلم.

стр. 5950

وإن ألحقته بالذمي.. وجبت فيه غرة مقدرة بنصف عشر دية اليهودي. وإن أشكل الأمر عليها.. وجب فيه ما يجب في الجنين اليهودي؛ لأنه يقين، فإن كان يرجو انكشاف الأمر.. لم يورث هذا المال أحداً، ووقف إلى أن يتبين الأمر، وإن لم يرج انكشاف الأمر.. ترك حتى يصطلحوا عليه. فإن أراد الذمي والذمية أن يصطلحا في قدر الثلث.. لم يجز؛ لجواز أن يكون الجميع للمسلم، لا حق لهما فيه. وإن أراد المسلم والذمية أن يصطلحا في قدر الثلث.. جاز؛ لأنه لا حق للذمي فيه، ولا يخرج هذا القدر من بينهما. [فرع الغرة يرثها ورثة الجنين] الغرة الواجبة في الجنين الحر يرثها ورثته، وبه قال أبو حنيفة. وقال الليث بن سعد: (لا يورث عنه، وإنما يكون لأمه؛ لأنه كعضو منها) . ودليلنا: أنها دية نفس، فورثت عنه، كما لو خرج حياً. وإن ضرب بطن نصرانية، فألقت جنينا ميتاً، فادعت: أن هذا الجنين من مسلم زنى بها.. لم يجب فيه أكثر من دية جنين نصرانية؛ لأن ولد الزنى لا يلحق بالزاني. قال الطبري: وإن قالت: وطئني مسلم بشبهة، فكذبها الجاني والعاقلة.. حلفوا على نفي العلم؛ لأن الظاهر أنه تابع لها، وإن صدقوها.. وجبت غرة مقدرة بنصف عشر دية مسلم، وإن صدقها العاقلة دون الجاني.. لم يؤثر تكذيب الجاني، وإن صدقها الجاني وكذبها العاقلة.. حملت العاقلة دية جنين النصرانية، ووجب الباقي في مال الجاني؛ لأنه وجب باعترافه. وبالله التوفيق

стр. 5951

[باب أروش الجنايات] الجنايات على ما دون النفس شيئان: جراحات، وأعضاء. فأما الجراحات: فضربان: شجاج في الرأس والوجه، وجراحات فيما سواهما من البدن. فأما الشجاج في الرأس والوجه: فعشرة: الخارصة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، وقد مضى بيانها. والتي يجب فيها أرش مقدر من هذه الشجاج: الموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة. وأما الموضحة: فيجب فيها خمس من الإبل، صغيرة كانت أو كبيرة، وبه قال أكثر الفقهاء. وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن كانت في الأنف أو اللحى الأسفل.. وجبت فيها حكومة) . وقال ابن المسيب رحمة الله عليه: يجب في الموضحة عشر من الإبل. دليلنا: ما روى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ قال: «في الموضحة خمس من الإبل» . وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: «وفي المواضح خمس من الإبل» .

стр. 5952

وروى عمرو بن حزم ﵁ في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن: «وفي الموضحة خمس من الإبل» . ولأنه قول أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وزيد بن ثابت ﵃ وأرضاهم، ولا مخالف لهم في الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -، ولا فرق بين الظاهرة والمستورة بالشعر، لعموم الخبر. [مسألة في تعدد الموضحة] فإن أوضحه موضحة أو موضحتين أو ثلاثاً أو أربعاً.. وجبت لكل موضحة خمس من الإبل؛ لعموم الخبر، فإن كثرت المواضح حتى زاد أرشها على دية النفس.. ففيه وجهان لأصحابنا الخراسانيين: أحدهما: لا يجب أكثر من دية النفس؛ لأن ذلك ليس بأكثر حرمة من نفسه. والثاني: يجب لكل موضحة خمس من الإبل، وهو المشهور؛ لقوله ﷺ : «وفي الموضحة خمس من الإبل» . ولم يفرق. ولأنه يجب في كل واحدة أرش مقدر، فوجب وإن زاد ذلك على دية النفس، كما لو قطع يديه ورجليه. [فرع أوضحا موضحتين بينهما حاجز] وإن أوضحه موضحتين بينهما حائل - حاجز - ثم خرق الجاني الحاجز بينهما.. لم يجب عليه أكثر من أرش موضحة؛ لأن فعل الإنسان يبنى بعضه على بعض، كما لو قطع يديه ورجليه، ثم مات. وكذلك: إن تآكل ما بينهما بالجناية.. صار كما لو خرق ما بينهما؛ لأن سراية فعله كفعله، فصار كما لو قطع يديه ورجليه، وسرى ذلك إلى نفسه. وإن خرق أجنبي ما بينهما.. وجب عليه أرش موضحة إن بلغ إلى العظم، ووجب

стр. 5953

على الأول أرش موضحتين؛ لأن فعل الإنسان لا يبنى على فعل غيره. وإن خرق المجني عليه ما بينهما.. صار ما فعله هدراً، ولم يسقط بذلك عن الجاني شيء. [فرع أوضحا في رأس موضحتين وخرق أحدهما ما بينهما] ] : وإن أوضح رجلان في رأس رجل موضحتين واشتركا فيهما، ثم جاء أحدهما وخرق ما بينهما.. وجب على الخارق نصف أرش موضحة، وعلى الذي لم يخرق أرش موضحة؛ لأنهما لما أوضحاه أولاً.. وجب على كل واحد منهما أرش موضحته، فإذا خرق أحدهما الحاجز بينهما.. صار في حقه كأنهما أوضحاه موضحة واحدة، فكان عليه نصف أرشها، ولم يسقط بذلك مما وجب على الآخر شيء. [فرع شج رجلاً موضحة وباضعة ومتلاحمة] وإن شج رجل آخر شجة، بعضها موضحة، وبعضها باضعة، وبعضها متلاحمة.. لم يجب عليه أكثر من أرش موضحة؛ لأنه لو أوضحها جميعها.. لم يجب عليه أكثر من أرش موضحة، فلأن لا يلزمه - والإيضاح في بعضها - أولى. وإن أوضحه موضحتين، وخرق اللحم الذي بينهما، ولم يخرق الجلد الظاهر.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه أرش موضحتين؛ اعتباراً بالظاهر. والثاني: لا يلزمه إلا أرش موضحة؛ اعتباراً بالباطن. وإن أوضحه موضحتين، وخرق الجلد الذي بينهما، ولم يخرق اللحم.. لم يلزمه إلا أرش موضحة، وجهاً واحداً؛ لأنه لو خرق الظاهر والباطن بينهما.. لم يلزمه إلا أرش موضحة، فلأن لا يلزمه إلا أرش موضحة - ولم يخرق إلا الظاهر - أولى. [فرع أوضحه في الرأس ونزل إلى القفا] وإن أوضح موضحة في الرأس، ونزل فيها إلى القفا - وهو: العنق - وجب عليه

стр. 5954

أرش موضحة في الرأس، وحكومة فيما نزل إلى القفا؛ لأنهما عضوان مختلفان. وإن أوضحه موضحة بعضها في الرأس وبعضها في الوجه.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه أرش موضحتين؛ لأنهما عضوان مختلفان، فهما كالرأس والقفا. والثاني: لا يلزمه إلا أرش موضحة؛ لأن الجميع محل للموضحة، بخلاف القفا. والأول أصح؛ لأنهما مختلفان في الظاهر. [فرع اختلاف رقعتي الرأس وقت الاقتصاص] وإن أوضح جميع رأسه، ورأس المجني عليه عشرون إصبعاً، ورأس الجاني خمس عشرة إصبعاً، فاقتص منه في جميع رأسه.. فإنه يجب للمجني عليه فيما بقي الأرش؛ لأنه لم يستوف قدر موضحته، وكم يجب له؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب له أرش موضحة؛ لأنه لو أوضحه قدر ذلك.. لوجب فيه أرش موضحة. والثاني - وهو الأصح -: أنه لا يجب له إلا ربع أرش موضحة؛ لأنه أوضحه موضحة وقد استوفى ثلاثة أرباعها، فبقي له ربع أرشها. [فرع ما يجب في الموضحة المغلظة] وإذا وجب له أرش موضحة مغلظة.. فإنه يجب له خلفتان وثلاثة أبعرة من النوعين الآخرين. قال القاضي أبو الطيب: فيكون له بعير ونصف من الحقاق، وبعير ونصف من الجذاع. قال ابن الصباغ: وهذا يقتضي أن يأخذ قيمة الكسرين، إلا أن يرضى أن يأخذهما من السن الأول، وهو: أن يأخذ حقتين وجذعة.

стр. 5955

[مسألة ما يجب في الهاشمة] ] : ويجب في الهاشمة عشر من الإبل، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يجب فيها خمس من الإبل، وحكومة في كسر العظم) . دليلنا: ما روي عن زيد بن ثابت ﵁: أنه قال: (وفي الهاشمة عشر من الإبل) . ولا مخالف له في الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -، فدل على: أنه إجماع. وإن ضرب رأسه أو وجهه بمثقل، فهشم العظم من غير أن يقطع جلداً ولا لحماً. ففيه وجهان. [أحدهما] : قال أبو علي بن أبي هريرة: يجب فيها حكومة؛ لأنها ليست بموضحة ولا هاشمة، وإنما هو كسر عظم، فهو كما لو كسر يده. و [الثاني] : قال أبو إسحاق: يجب عليه خمس من الإبل، وهو الأصح؛ لأنه لو أوضحه وهشمه.. لوجب عليه عشر من الإبل، ولو أوضحه ولم يهشمه.. لم يجب عليه إلا خمس من الإبل، فدل على: أن الخمسة الزائدة لأجل الإيضاح. [فرع شجه موضحة وهاشمة ودون موضحة] وإن شجه شجة، بعضها موضحة، وبعضها هاشمة، وبعضها دون موضحة.. لم يجب عليه إلا عشر من الإبل؛ لأنه لو هشم الجميع.. لم يجب عليه إلا عشر من الإبل، فلأن لا يلزمه - والهشم في البعض - أولى. وإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز.. لزمه أرش هاشمتين. وإن أوضحه موضحتين، وهشم العظم بكل واحدة منهما، واتصل الهشم في الباطن.. وجب عليه أرش هاشمتين، وجهاً واحداً.
следующие страницы →