← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال أصحابنا: يسن ذلك، قولا واحدًا؛ لهذا الحديث. قال أبو داود: ويكون الخط كهيئة الهلال. [فرع المرور بين يدي المصلي والتوجه لوجه آدمي] ] . قال المسعودي [في " الإبانة "] : ويكره المرور بين يدي المصلي، إذا كان يصلي إلى سترة أو عصا أو خط، وكان بينهما ثلاثة أذرع، أو ذراعان. فإن مر بين يديه مار في هذه الحالة. . فله منعه. وإن لم يجعل المصلي تلقاءه شيئا من ذلك. لم يكره المرور بين يديه؛ لأن المصلي فرط في حق نفسه. وإن مر بين يدي المصلي مار. . لم تبطل صلاته. وقال أحمد، وإسحاق: (إن مر بين يديه كلب أسود، أو امرأة حائض، أو أتان. . بطلت صلاته) . دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «لا يقطع صلاة المرء شيء، فادرؤوا ما استطعتم» . ويكره أن يجلس رجل مستقبل القبلة للمصلي، لما روي: " أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب رجلين فعلا ذلك ". وبالله التوفيق.

стр. 597

[باب صفة الصلاة] إذا أراد الرجل أن يصلي في جماعة. . لم يقم، حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. وقال أبو حنيفة: (يقوم إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، ويكبر إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة) . دليلنا: ما روي: أن بلالا لما أخذ في الإقامة. . قال النبي ﷺ : «أقامها الله وأدامها» وقال في سائر الإقامة كقوله، وهذا يبطل قول أبي حنيفة. ولأن قبل الفراغ من الإقامة ليس بوقت للدخول، فلا معنى للقيام. والقيام فرض في الصلاة المفروضة مع القدرة عليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] [البقرة: ٢٣٨] ، قال الشافعي: (مطيعين) . وروى عمران بن الحصين قال: «كان بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: " صل قائمًا، فإن لم تستطع.. فقاعدًا، فإن لم تستطع.. فعلى جنب» . وأما النفل: فيصح قاعدا مع القدرة على القيام؛ لـ: «أن النبي ﷺ كان يتنفل قاعدًا على راحلته في السفر» . وهل له أن يتنفل مضطجعا، أو مومئا مع القدرة على القعود؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٦٤] . [مسألة النية في الصلاة] ثم ينوي، والنية واجبة في الصلاة، لا خلاف في وجوبها.

стр. 598

والأصل في وجوبها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] [البينة: ٥] . و (الإخلاص) : هو النية. ولقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . إذا ثبت هذا: فالكلام في محل النية، ووقتها، وكيفيتها. فأما (محلها) : فالقلب؛ لأن النية الإخلاص، ولا يكون الإخلاص إلا بالقلب. فإن نوى بقلبه، وتلفظ بلسانه.. فقد أتى بالأكمل. وإن تلفظ بلسانه، ولم ينو بقلبه.. لم يجزه. وإن نوى بقلبه، ولم يتلفظ بلسانه.. أجزأه. ومن أصحابنا من قال: لا يجزئه؛ لأن الشافعي قال: (وليس الصلاة كالحج؛ لأن الصلاة في أولها نطق واجب) . وهذا غلط؛ لأن النية هي القصد، وقد وجد منه ذلك، وما قاله الشافعي.. فإنما أراد به: النطق بالتكبير، لا بالنية. وأما (وقتها) : فإن الشافعي قال: (وإذا أحرم إماما كان أو وحده.. نوى صلاته في حال التكبير لا قبله، ولا بعده) . قال أصحابنا: لم يرد بهذا: أنه لا يجوز أن تتقدم النية على التكبير، ولا تتأخر عنه، وإنما أراد الشافعي بقوله: (لا قبله) : أنه لا يجوز أن ينوي قبل التكبير، ويقطع نيته قبل التكبير. وكذلك لم يرد بقوله: (ولا بعده) : أنه لا يجوز استدامتها بعد التكبير، وإنما أراد به لو ابتدأ بالنية بعد التكبير.. لم يجزه، فإن نوى قبل التكبير واستصحب ذكرها إلى آخر التكبير أجزأه، وكذلك لو استدام ذكرها بعد الفراغ من التكبير.. أجزأه، وقد أتى بأكثر مما يجب عليه، ولا يضره ذلك. وإن نوى قبل التكبير، واستصحب ذكرها في أول التكبير لا غير.. فهل يجزئه؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ". أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه عري حرف من التكبير عن ذكر النية، فلم يجزئه، كما لو عري أول حرف منها.

стр. 599

والثاني: يجزئه - وهو اختيار صاحب " الفروع " - لأنه يشق استصحاب ذكر النية في جميع التكبير. ويجب أن يستصحب حكم النية لا ذكرها في جميع الصلاة، كما قلنا في الطهارة. هذا مذهبنا. وقال داود: (يجب أن تتقدم النية على التكبير، فإن نوى مع التكبير. . لم يجزئه؛ لأنه إذا نوى مع التكبير، فإلى أن تتكامل نيته، يمضي جزء من التكبير عاريا عن النية) . وقال أبو حنيفة، وأحمد: (إذا تقدمت النية على التكبير بزمان يسير. . جاز) . دليلنا على داود: أن النية ليست بلفظ يحتاج أن يأتي بها حرفا بعد حرف، فيتكامل ذلك في أزمنة متراخية، وإنما هي اعتقاد، والاعتقاد يمكن في جزء يسير. وعلى أبي حنيفة، وأحمد: أنها تحريمة عريت عن النية، فلم تصح، كما لو تقدمت على التكبير بزمان طويل. وأما (كيفية النية) : فإن كانت الصلاة فرضا. . فلا بد أن ينوي: أنها الظهر، أو العصر؛ لتتميز عن غيرها. وهل يجب عليه أن ينوي: أنها فريضة عليه؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد -: أنه يجب عليه ذلك؛ ليتميز عن ظهر الصبي، وظهر من صلى وحده، ثم أدرك جماعة يصلون فصلاها معهم. والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وأبي حنيفة -: أنه لا يجب عليه ذلك؛ لأنها لا تكون على هذا إلا فرضا. ولأن الصبي إذا صلى صلاة الوقت في أول الوقت، ثم بلغ في آخره.. أجزأه عند الشافعي وإن لم ينو الفريضة. ولأن الشافعي قال: (إذا صلى وحده، ثم أعادها في جماعة. . . إن الله يحتسب له بأيتهما شاء) ، هذا يدل على: أن نية الفرض لا تجب عليه. وهل يلزمه نية أعداد الركعات، ونية استقبال القبلة؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٦١\ب] والصحيح: لا يلزمه.

стр. 600

وهل يلزمه أن ينوي: لله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأن الصلاة لا تكون إلا لله. الثاني: يلزمه؛ ليتميز عن الصلاة اللغوية التي هي الدعاء. [فرع نية القضاء] ] . وإذا أراد أن يصلي الفائتة. . . فهل تلزمه نية القضاء؟ فيه وجهان، وحكاهما الشيخ أبو حامد قولين. أحدهما - قاله في القديم -: (أنه لا بد من نية القضاء؛ ليتميز عن صلاة الوقت) . والثاني -وهو قول القاضي أبي الطيب -: أنه لا يفتقر إلى نية القضاء؛ لأن الشافعي نص فيمن صلى يوم الغيم، وبان أنه صلى بعد الوقت: (أنه يجزئه) ، ونص في الأسير، إذا تحرى، فوافق صومه ما بعد رمضان: (أنه يجزئه) ، وكذلك لو اعتقد أن وقت الصلاة قد فات، فنوى القضاء، ثم بان أن الوقت باق.. أجزأه، فبان: أن نية القضاء ليست بواجبة. قال ابن الصباغ: ويمكن أن يجاب القاضي عن هذا، فيقال له: هاهنا نوى صلاة وقت بعينه، وهو ظهر هذا اليوم، فكيف وقعت. .أجزأه؛ لأنه قد عين وقت وجوبها، كمن نوى صلاة أمس فاتته. . فإن يجزئه وإن لم ينو القضاء. وإنما يتصور الخلاف فيمن عليه فائتة الظهر، فصلى في وقت الظهر، ينوي: صلاة الظهر الفريضة، فإن هذه الصلاة تقع بحكم الوقت. وإذا كان نسى أنه صلى، فصلى ثانيا، ينوي: الظهر الفريضة، فيجيء على ما حكاه الشيخ أبو حامد عن القديم: أنه لا يجزئه عن القضاء، ويقع نافلة، وعلى قول القاضي.. يجزئه. ولا يشبه هذا ما ذكره الشافعي لما مضى، ويلزم القاضي أن يقول: في رجل صلى قبل الظهر صلاة الظهر، يعتقد أن الوقت قد دخل ولم يكن دخل -: إنها تجزئه عن

стр. 601

فائتة الظهر. وأما من صلى في غير وقت الظهر، ونوى: الظهر الفريضة، وهو عالم بالوقت.. فلا بد أن يكون عالما بسبب الوجوب، وهو فوت الظهر في وقتها، فقد تضمنت نيته القضاء. ومثل ما صورته في الصلاة لا يتصور في الصوم؛ لأنه لا يقضيه. إلا في غير زمانه، فإذا نواه في غير رمضان. . فقد تضمنت نيته القضاء. [فرع النية لأكثر من صلاة فائتة] قال في " الأم " [١/١٨٦] : (ولو فاتته الظهر والعصر، فدخل في الصلاة ينويهما جميعا.. لم تجزئه) ؛ لأن التعيين واجب، وتشريكه بين الصلاتين يمنع وقوعها لإحداهما. قال: (ولو دخل بنية إحداهما، ثم شك، فلم يدر أيتهما نوى.. لم يجزئه هذا عن إحداهما، حتى يتيقن أيتهما نوى) . [فرع الاستثناء وتشريك النية بين فرض وسنة] قال الصيدلاني: إذا زاد في النية: إن شاء الله. فإن أراد الاستثناء. . . لم تصح؛ لأنه أدخل في الصلاة ما ينافيها ويرفعها. وإن أراد إيقاع الصلاة بمشيئة الله. . أجزأه؛ لأن الأفعال لا تقع إلا بمشيئة الله. وإن نوى الفرض والنفل. . لم تنعقد صلاته. وبه قال محمد. وقال أبو حنيفة: (تنعقد بالفرض) . دليلنا: أنه نوى صلاتين مختلفتين، فلم تصح، كما لو نوى الفرض والجنازة. ذكره أبو المحاسن. [فرع نية الإمام والمأموم] إذا كان إماما. . . فيسن له: أن ينوي الإمامة، فإن لم ينو ذلك. . لم تحصل له فضيلة الجماعة، هكذا ذكره الجويني. وتجوز نية الإمامة بعد التكبيرة.

стр. 602

وإن كان مأمومًا.. قال الجويني، والمسعودي [في " الإبانة " ق\٦١\ب] : فعليه أن ينوي الاقتداء، فإن لم ينو ذلك، وتابع الإمام. . بطلت صلاته. [فرع التكبير بغير نية] إذا كبر مع النية، ثم كبر من غير نية.. لم تبطل الأولى؛ لأن التكبير لا يبطل الصلاة. وإن كبر ثانيًا، ونوى افتتاح الصلاة.. قال ابن القاص: بطلت الأولى، ولا تصح الثانية؛ لأن الشروع لا يتكرر. فإذا نوى الافتتاح ... فلا يكون إلا بعد الخروج من الأولى فتضمنت نيته الخروج من الأولى، ولم تصح له الثانية؛ لأن الشيء الواحد لا يصير به خارجًا من الصلاة، داخلاً به فيها. فإن كبر ثالثًا: صحت له، فإن كبر رابعا مع النية. . . بطلت الثالثة. وحكى الصيدلاني وجها آخر: أن الأولى لا تبطل بالثانية؛ لأنه تكرار تكبير لم ينو به الإبطال. والأول هو المشهور. فلو قطع نيته الأولى قبل التكبيرة الثانية.. انعقدت الصلاة بالثانية. قال الطبري: فإن نوى الشروع قبل التكبيرة الثانية، ثم كبر الثانية مستديما لهذه النية. . فهل يصير شارعا بالصلاة في التكبيرة الثانية؟ فيه وجهان، بناء على ما لو قال: إذا لقيت فلانا.. فقد خرجت من الصلاة.. فهل تبطل في الحال، أو حتى يلقاه؟ على جهين: فإن قلنا: تبطل في الحال. . . صح له الشروع هاهنا بالتكبيرة الثانية؛ لأنه لما نوى الشروع. . صار كأنه نوى قطع الصلاة؛ فإذا كبر مستديما لهذه النية. . انعقدت صلاته. وإن قلنا: لا تبطل صلاته حتى يلقى فلانا، لم يصر شارعا هاهنا بالتكبيرة الثانية، فإن كبر ثالثا. . انعقدت.

стр. 603

[فرع نية الرواتب وغيرها] ] . وإن كانت الصلاة نافلة، فإن كانت غير راتبة.. أجزأته نية الصلاة، وإن كانت راتبة.. فلا بد أن ينوي سنة الظهر أو الصبح، أو صلاة العيد وما أشبهها، لتتميز بذلك عن النوافل التي ليست براتبة. [فرع الشك في النية] ] . قال الشافعي: (وإذا شك هل عين النية للفريضة؟ ثم ذكر بعد ذلك، أنه كان قد عين، فإن كان ذلك قبل أن يفعل شيئا من الصلاة.. مضى على صلاته وأجزأه وإن تذكر بعد ما فعل شيئا من الصلاة في حال الشك. . . بطلت) . وإن كان هذا الشك في أصل النية. . . ففيه وجهان: أحدهما: أن حكمه حكم ما لو شك في التعيين، وهو الأصح؛ لأن التعيين يجب كما يجب أصل النية. والثاني: تبطل الصلاة بنفس الشك؛ لأنه لم يتيقن الدخول في الصلاة. إذا ثبت هذا: فإن قرأ الفاتحة، أو ركع، أو رفع منه، أو سجد، أو رفع منه في حال الشك.. بطلت صلاته؛ لأن فعل الصلاة في حال الشك، لا يصح. وإن وقف، ولم يفعل شيئا من ذلك، أو سبح في حال الشك إلى أن ذكر. . لم تبطل صلاته؛ لأن الصلاة لو خلت من ذلك الجزء. . . لجازت، بخلاف القراءة، والأفعال التي ذكرناها. [فرع الشك في نية القصر] ] . ولو كان مسافرًا فشك: هل نوى القصر؟ فإن تذكر في الحال أنه كان قد نواه. . لزمه الإتمام؛ لأنه حصل في جزء من صلاته من غير نية القصر، فيصير في تلك الحال كأنه نوى الإتمام.

стр. 604

وإن صلى الظهر والعصر، ثم تيقن أنه نسي النية في إحداهما.. وجب عليه إعادتهما. [فرع نية الخروج] وإن نوى الخروج من الصلاة، أو شك: هل يخرج أم لا. . بطلت صلاته. وقال أبو حنيفة: (لا تبطل) . دليلنا: أن استدامة حكم النية واجب في الصلاة، فإذا قطعها.. بطلت، كما لو أحدث فيها عامدًا. وإن دخل صلاة الظهر، ثم صرفها إلى العصر.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: يبطل الظهر؛ لأنه قطع نيته، ولا تصح له العصر؛ لأنه لم ينوها عند الإحرام. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\٦٢] : لا تصح له الظهر والعصر، وهل تصح له نفلا؟ فيه قولان. قال: وكذا لو كبر للظهر قاعدا مع القدرة على القيام، أو أحرم بالظهر قبل الزوال، أو اقتدى بإمام مريض يصلي قاعدًا، فقدر على القيام، فلم يقم، وعلم بحاله، فلم يخالفه.. فهل تنعقد له نفلا؟ فيه قولان. قال: ومثله لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج. . لم ينعقد له الحج، وهل تنعقد له العمرة؟ فيه قولان. وإن صرف الظهر إلى النفل. . قال أصحابنا البغداديون: فإن الظهر لا يصح له؛ لأنه قطع نيته. وهل يصح له النفل؟ فيه قولان. أحدهما: لا يصح له، كما لا تصح العصر إذا انتقل إليه من الظهر. والثاني: يصح لأن نية الفرض تتضمن النفل، ولهذا لو أحرم بالظهر قبل وقته وهو يظن أن الوقت قد دخل. . . أنها تنعقد له نافلة.

стр. 605

[مسألة تكبيرة الإحرام] وتكبيرة الإحرام واجبة لا تنعقد الصلاة إلا بها؛ لقوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريهما التكبير، وتحليلها التسليم» . قال الصيمري: والإمام يدخل في الصلاة بفرضين وسنتين: فالفرضان: النية والتكبير، والسنتان: رفع اليدين، والجهر بالتكبير. والمأموم يدخل بفرضين وسنة؛ لأنه لا يسن له الجهر بالتكبير، بل يسمع نفسه. قال الشافعي: (ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله الأكبر) . وقال مالك: (لا تنعقد بقوله الله الأكبر) . وقال أبو حنيفة، ومحمد: (تنعقد بكل اسم لله على وجه التعظيم، كقوله: الله العظيم، أو: الله الجليل، وكقوله: الحمد لله، أو: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، فأما الدعاء، كقوله: اللهم اغفر لي وارحمني. . فلا تنعقد به الصلاة) . وقال الزهري: لا تفتقر الصلاة إلى التكبير، بل إذا نوى الصلاة. . انعقدت وإن لم يكبر، كسائر العبادات. ودليلنا: قوله ﷺ : «وتحريمها التكبير» . وكان ﷺ يفتتح الصلاة بقوله: " الله أكبر "، وما روي عنه: أنه عدل إلى غيره، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» .

стр. 606

وقوله: الله الأكبر، هو كقوله: الله أكبر، وفيه زيادة لا تحيل المعنى، فإن قال: الله العظيم الخالق أكبر. . أجزأه، وإن قال: الله أكبر وأجل وأعظم وأعز. . . أجزأه؛ لأنه أتى بقوله: الله أكبر، وزاد زيادة لا تحيل المعنى، فهو كقوله: الله أكبر كبيرًا. قال الشافعي: (وإن قال: الله أكبر من كل شي وأعظم، ونوى به التكبير. . . دخل في الصلاة بقوله: الله أكبر، وكان ما زاد عليه نافلة، وإن قال: الله الكبير، أو الكبير الله. . لم يجزئه؛ لأن ذلك ليس بتكبير) . وإن قال: أكبر الله، أو الأكبر الله. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: فيه وجهان: أحدهما: يجوز، كما لو قال: عليكم السلام في آخر الصلاة. والثاني: لا يجوز، كما لو غير الترتيب في الفاتحة. وقال المسعودي في [" الإبانة " ق\٦٣] : نص الشافعي: (أنه لو قال: الأكبر الله.. لا يجزئه) ، ونص: (لو قال: عليكم السلام. . . أجزأه) . فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان. ومنهم من حملهما على ظاهرهما، فقال في التكبير: لا يجزئه، وفي السلام: يجزئه؛ لأنه يسمى مسلما وإن عكسه، ولا يسمى مكبرا إذا عكسه. [فرع التكبير بالعربية] ] : ولا يجوز أن يكبر بالفارسية، مع قدرته على العربية - وبه قال محمد، وأبو يوسف - وكذلك سائر الأذكار فيها مثل التسبيح والتشهد. وهل يجوز أن يأتي بالشهادتين في غير الصلاة بالفارسية مع قدرته على العربية؟ وهل يحكم بإسلامه بذلك؟ فيه وجهان. وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يكبر بالفارسية، مع قدرته على العربية) . دليلنا: أن النبي ﷺ كان يكبر بالعربية، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» .

стр. 607

فإن لم يحسن العربية. . فعليه أن يتعلم. فإن اتسع الوقت للتعلم، فلم يفعل، وكبر بالفارسية. . لم تصح صلاته؛ لأنه ترك الفرض مع القدرة عليه. [فرع تكبير الأخرس ونحوه] فإن كان بلسانه اضطراب، لا يمكنه أن يفصح بالتكبير، أو كان أخرس، أو مقطوع اللسان. . فإنه يجب عليه أن ينوي التكبير، ويحرك لسانه وشفتيه بقدر ما يمكنه، وكذلك في القراءة والأذكار الواجبة؛ لقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر. . . فأتوا منه ما استطعتم» . [فرع الجهر بالتكبير] ] . قال في " الأم " [١/٨٨] : (وأحب للإمام أن يجهر بالتكبير ويبينه، ولا يمططه، وإنما يجهر؛ ليسمع المأموم) . و (التمطيط) : هو المد، وذلك مثل أن يقول: أكبار، فيزيد ألفا. . فلا يجوز؛ لأن (الأكبار) : جمع كبر، وهو الطبل. وكذلك إن مد الهمزة التي في قوله: آلله. . . لا يجزئه؛ لأنه يصير استفهامًا. ولا يقصره أيضا، بحيث ينقص حروفه. وأما المأموم: فلا يستحب له الجهر به؛ لأنه لا يتعبه غيره، بل يأتي بالواجب، وأقله: أن يسمع نفسه، وإن كان أقل من ذلك. . لم يعتد به؛ لأن ذلك ليس بتكبير، بل هو حديث نفس. قال الشافعي ﵀: (والنساء يسمعن أنفسهن بالتكبير، فإن أمتهن إحداهن. . جهرت بالتكبير؛ لأنه يقتدى بها، وتخفض من صوتها، ليكون دون صوت الرجال)

стр. 608

[فرع نقص لفظ التكبير] قال في " الأم " [٢/٨٧-٨٨] : (فإن بقي من التكبير حرف، فأتى به وهو منحن للركوع. . لم يكن داخلا في الصلاة المكتوبة، وكان في نافلة) . قال القاضي أبو الطيب: هذا إذا كان جاهلًا بأن ذلك لا يجوز، فأما إذا كان عالما بأن ذلك لا يجوز: فإنها لا تنعقد صلاته بفرض ولا نفل، كما قلنا - فيمن صلى الظهر، يعتقد أن الوقت قد دخل، ولم يكن دخل -: إنها تنعقد له نفلا، وإن صلى الظهر قبل وقتها مع علمه بذلك. . لم تنعقد صلاته. هذا نقل أصحابنا البغدادين، وقد تقدمت طريقة الخراسانيين. [فرع التكبير والتسليم من الصلاة] التكبير من الصلاة - إلا أنه لا يدخل في الصلاة إلا باستكمال التكبير - وهو أول الصلاة، والتسليم من الصلاة وهو آخرها. وقال أبو حنيفة: (التكبير ليس من الصلاة، وإنما يدخل به فيها، والتسليم ليس من الصلاة، وإنما يخرج به منها) . دليلنا: قوله ﷺ : «وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» وقوله ﷺ : «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التكبير، والقراءة والتسبيح» فدل على: أن التكبير من جملتها. ولأنه ذكر من شرط صحة كل صلاة، فوجب أن يكون منها، كالقراءة. فقولنا: (من شرط صحة كل صلاة) احتراز من الخطبة، فإنها شرط في الجمعة لا غير.

стр. 609

[فرع تكبير المأموم عقب تكبير الإمام] ] : ولا يكبر المأموم، حتى يفرغ الإمام وبه قال مالك، وأبو يوسف. وقال الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد: (يكبر مع الإمام، كما يركع مع ركوعه) . دليلنا: قوله ﷺ : «فإذا كبر الإمام. . فكبروا» . فإن سبق المأموم الإمام بالتكبيرة. . فإنه ينوي قطعها، ثم يكبر، وينوي الاقتداء بالإمام. قال ابن الصباغ: وهذا يتصور عندي، إذا اعتقد أنه قد كبر، ولم يكن قد كبر. وإن ألحق صلاته بصلاة الإمام من غير أن ينوي القطع. . ففيه قولان، كما نقول في المنفرد إذا ألحق صلاته بصلاة الإمام، ويأتي توجيههما. وإن أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، نوى بها الافتتاح، وتكبيرة الركوع.. لم تجزئه عن الفرض؛ لأنه أشرك بين الفرض والنفل، وهل تجزئه عن النفل؟ فيه وجهان: أحدهما: تنعقد نفلا، كما لو أخرج رجل خمسة دراهم، ودفعها إلى المساكين، ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع، فإنها لا تجزئه عن الزكاة، وتقع له تطوعا. والثاني: لا تنعقد نفلًا، كما لو أحرم بصلاة ونواها عن الفرض والنفل. . فإن صلاته لا تنعقد. [مسألة رفع اليدين] ويستحب أن يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح، وعند الركوع، والرفع منه، وبه قال

стр. 610

الأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، ورواه ابن وهب عن مالك. وقالت الزيدية: لا يرفع يديه في شيء من الصلاة. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: (يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح، ولا يرفع في الركوع، ولا في الرفع منه) . دليلنا: ما روى ابن عمر قال: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة. . . رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين» . قال الشافعي ﵀: (روى هذا اثنا عشر رجلا من الصحابة، ورواه أبو حميد في عشرة من أصحاب النبي ﷺ أحدهم: أبو قتادة) . إذا ثبت هذا: فإنه يرفع يديه، حتى تحاذي كفاه منكبيه، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: (يرفعهما، حتى تحاذي الكفان الأذنين) . واحتج بما روى وائل بن حجر: «أن النبي ﷺ رفع يديه، حتى حاذتا أذنيه» . ودليلنا: ما روي: أن الشافعي ﵀ لما قدم العراق المرة الأولى، جاءه أبو ثور، والكرابيسي - وكانا شيخي العراق - فأرادا أن يستعلما ما عنده، فقالا له:

стр. 611

تكلم، فقال: تكلما، فقالا: ما تقول في رجلين اصطدما، ومع كل واحد منهما بيضة، فانكسرت البيضتان؟ فقال: (هذا سهل، على كل واحد منهما نصف قيمة بيضة صاحبه. ولكن ما تقولان في رفع اليدين عند الافتتاح؟) فقالا: يرفع اليدين إلى المنكبين؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ رفع يديه حذو منكبيه» . فقال: (ما تقولان فيما روى وائل بن حجر: «أن النبي ﷺ رفع يديه حتى حاذتا أذنيه» ؟ . فقالا: نرفع اليدين إلى الأذنين، فقال: (فما تقولان فيما روى وائل بن حجر في خبر آخر: فرجعت إليهم - يعني: الصحابة ﵃ فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم؟) فقالا: لا نعلم. فقال الشافعي: (أما رواية ابن عمر: فأراد أنه رفع الكف إلى المنكب، وأما رواية وائل بن حجر: فأراد أنه رفع أطراف الأصابع إلى أذنيه، وأما روايته الأخرى: أنه رجع إليهم وهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم: فإنما كان رجع إليهم في الشتاء، وكانت عليهم برانس وثياب الصوف الثقال، فلم يمكنهم أن يرفعوا أيدهم إلى المناكب؛ لثقل ما عليهم، فرفعوا إلى صدورهم) . فاستعمل الأخبار الثلاثة. ومتى يرفع يديه؟ حكى أصحابنا البغداديون فيه وجهين: أحدهما - وهو ظاهر قول الشافعي -: أنه لا يقدم رفع يديه على التكبير؛ لأن الرفع من هيئات الصلاة، والتكبير أول الصلاة، فلا تتقدم هيئته عليه، بل يرفع يديه عند ابتداء التكبير، فيفرغ من الرفع قبل فراغه من التكبير، فيتركهما مرفوعتين، حتى يفرغ من التكبير، ثم يرسلهما. فإن ترك يديه مرفوعتين بعد التكبير. . قال الشافعي: (لم يضره ذلك، ولا آمره به) . والثاني: وهو قول الشيخ أبي إسحاق المروزي، وأبي علي الطبري، أنه يبتدئ

стр. 612

بالرفع مع ابتداء التكبير، ويفرغ منه مع فراغه من التكبير. وليس بشيء؛ لأن من سنة التكبير: أن يأتي به مبنيا مرتلا، ولا يمكنه أن يأتي به على هذه الصفة في حال الرفع؛ لأن الرفع يحصل في وقت يسير لا يتمكن فيه من بيان التكبير وترتيله. وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٦٣] فيه وجهين آخرين. أحدهما: أنه يرفع يديه من غير تكبير، ثم يرسلهما بتكبير. واستدل بأن أبا حميد الساعدي روى ذلك عن النبي ﷺ . والثاني: يرفع يديه، ثم يكبر وهما مرفوعتان، ثم يرسلهما بعد التكبير، واستدل بأن ابن عمر ﵄ روى ذلك عن النبي ﷺ . [فرع في رفع اليدين] قال الشافعي في " الأم " [١/٩٠] : (ويرفع يديه في كل فريضة ونافلة، ولا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، ولا فرق بين أن يصلي قائما أو قاعدا) . قال الشافعي: (فإن ترك رفع اليدين، حيث أمر به. . كرهت ذلك، ولا إعادة عليه، ولا سجود) . وقال في " الأم ": (وينشر أصابع يديه للتكبير) ؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ كان إذا كبر في الصلاة. . نشر أصابعه» . فإن نسي الرفع حتى فرغ من التكبير. . . لم يسن له الإتيان به؛ لأن محله فات وإن ذكره في أثناء التكبير. . أتى به؛ لأن محله باق. وإن كان بيديه علة لا يمكنه رفعهما إلى المنكبين. . رفعهما إلى حيث أمكنه؛ لقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر. . فأتوا منه ما استطعتم» .

стр. 613

وإن كانتا قائمتين لا يمكنه رفعهما إلى المنكبين إلا بأن يعلوا على المنكبين. . رفعهما إلى أعلى المنكبين. وكذلك إن كان يمكنه الرفع إلى ما دون المنكبين، ويمكنه الرفع إلى أعلى المنكبين ولا يمكنه الرفع إلى المنكبين. . فإنه يرفعهما إلى أعلى المنكبين؛ لأنه يأتي بزيادة هو مغلوب عليها. وإن كانت إحدى يديه صحيحة، والأخرى عليلة. . رفع الصحيحة إلى المنكبين، ورفع العليلة إلى حيث أمكنه؛ لما مضى. [مسألة موضع اليدين عقب التكبير] فإذا فرغ من التكبير، وحط يديه. . . فالمستحب: أن يقبض بكفه اليمنى كوعه الأيسر مع الرسغ وبعض الساعد، ويضعهما تحت صدره، وفوق سرته. وحكى أبو إسحاق في " الشرح ": أن الشافعي قال في " الأم ": (القصد تسكين يديه، فإن أرسل يديه، ولم يعبث بهما. . فلا بأس) . وروي ذلك عن ابن الزبير. وقال الليث: (إن أعيا في الصلاة. . فعله، وإلا. . لم يفعله) . وقال الأوزاعي: (من شاء. . فعل، ومن شاء. . ترك) . وقال أبو إسحاق في " الشرح ": إذا وضع يديه إحداهما على الأخرى. . جعلهما تحت سرته. وهو مذهب أبي حنيفة، وإسحاق بن راهويه. دليلنا: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] قال: (وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت النحر) . وهذا لا يقوله إلا لغة، أو توقيفا. وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «أمرنا معاشر الأنبياء أن نؤخر السحور،

стр. 614

ونعجل الفطر، ونأخذ بأيماننا على شمائلنا في الصلاة» . «وروى وائل بن حجر: (أنه رأى النبي ﷺ فعل ذلك) » . [فرع موضع نظر المصلي] ويتسحب أن يكون نظره في جميع صلاته إلى موضع سجوده، وبه قال أبو حنيفة والثوري. وقال مالك: (ينظر أمام قبلته) . وقال شريك بن عبد الله: ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي القعود على حجره. دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: «كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة. . . لم ينظر إلا إلى موضع سجوده» . ولأنه أبلغ في الخشوع، فكان أولى. [مسألة دعاء الإفتتاح] ] : وأول ما يأتي به من الذكر - في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام - دعاء الاستفتاح في الفريضة والنافلة. وقال مالك: (لا يأتي به، بل يبتدئ بالقراءة) . والذي استحبه الشافعي أن يقول: ما روى علي بن أبي طالب ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة. . قال: " وجهت وجهي للذي فطر السماوات

стр. 615

والأرض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ورب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين» . وأما المنقول في الخبر عن النبي ﷺ : «وأنا أول المسلمين» ولكن لا يقوله غير النبي ﷺ ؛ لأنه كان أول المسلمين من هذه الأمة. ثم يقول: «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهديني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها إنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، إنا بك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» .

стр. 616

فقوله: «والخير بيديك، والشر ليس إليك» يقتضي: أن الخير من فعل الله، والشر ليس من فعله، ولم يفرق أحد من الأئمة بينهما؛ لأن أصحاب الحديث يقولون: الخير والشر من فعل الله، والمعتزلة يقولون: هما من فعل العبد. إلا أن للخير تأويلين: أحدهما - ذكره المزني -: وهو أن معنى: " والشر ليس إليك " أي: لا يضاف إليك وإن كنت خلقته؛ لأنه لا يضاف إليه إلا الحسن من أفعاله، فيقال: يا خالق النور والشمس والقمر، ولا يقال: يا خالق القردة والخنازير وإن كان خالقها، كذا لا يضاف إليه الشر وإن كان خالقه. والتأويل الثاني - ذكره ابن خزيمة - أنه أراد أن الشر لا يُتقرب به إليك، وإنما يتقرب إليك بالخير. قال ابن الصباغ: فإن كان منفردًا. . أتى بجميع ذلك. وإن كان إماما. . أتى به، إلا أن يكون في ذلك مشقة على المأمومين. قال الطبري في " العدة ": والمستحب أن يقول: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا) ، وجهت وجهي. .إلى آخره. وقال أبو حنيفة: (يستحب أن يقول عقيب التكبيرة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك) . روته عائشة عن النبي ﷺ ثم يقرأ.

стр. 617

وقد استحب جماعة من أصحابنا أن يجمع بين هذا. وبين ما رواه الشافعي عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ . وهو مذهب أبي يوسف. [مسألة استحباب التعوذ] ثم يتعوذ قبل القراءة، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال النخعي، وابن سرين: يتعوذ بعد القراءة. وبه قال أبو هريرة. وقال مالك: (لا يتعوذ إلا في قيام رمضان بعد القراءة) . وقال الثوري: يتعوذ قبل القراءة، ولكن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم. وقال الحسن بن صالح: يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) .

стр. 618

دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: «أن النبي ﷺ كان يتعوذ قبل القراءة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . فإن كان في صلاة يسر بها. . أسر بالتعوذ. وإن كان في صلاة يجهر بها. . فقال الشافعي في " الأم " [١/٩٣] : (كان أبو هريرة يجهر به، وابن عمر يسر به. وأيهما فعل. . جاز) وظاهر هذا: أنهما سواء. وقال في " الإملاء ": (السنة: أن يجهر به.) . فقال الشيخ أبو حامد: فيه قولان. أحدهما: أنه مخير فيه بين الجهر والإسرار. والثاني - وهو الصحيح -: أنه يجهر به؛ لما روي في الخبر: «أن النبي ﷺ كان يتعوذ قبل القراءة» . فلولا أنه جهر به.. لما سمع منه. وقال أبو علي الطبري: السنة: أن يسر به؛ لأن السنة: الجهر للقراءة أو التأمين، دون غيره من الأذكار. ويستحب ذلك في الركعة الأولى، وهل يستحب فيما سواها؟ فيه طريقان: [الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: يستحب في كل ركعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] [النحل: ٩٨] وهذا يريد القراءة. والثاني: لا يستحب إلا في الركعة الأولى؛ لأنه ذكر شرع قبل القراءة، وبعد الافتتاح، فلم يسن في غير الأولى، كدعاء الاستفتاح. و [الطريق الثاني] : منهم من قال: يستحب في كل ركعة، قولا واحدًا، وإنما في الأولى أشد استحبابا. فإن قلنا: يستحب في الأولى لا غير، فنسيه فيها. . أتى به في الثانية، ومتى ذكره. .

стр. 619

أتى به في ابتداء القراءة، فمتى تركه ناسيا، أو جاهلًا أو عامدًا. . لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو. [مسألة قراءة الفاتحة] ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وهي فرض في الصلاة، فإن تركها عامدا مع القدرة عليها. . لم تصح صلاته، وإن تركها ناسيا. . ففيه قولان: [أحدهما] قال في القديم: (يجزئه) لأن عمر ﵁ ترك القراءة في الصلاة، فقيل له في ذلك، فقال: (كيف كان الركوع والسجود؟) قالوا: حسنا قال: (فلا بأس به) . و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يجزئه) وهو الأصح؛ لأن ما كان واجبًا في الصلاة.. لم يسقط بالنسيان، كالركوع والسجود. هذا مذهبنا. وقال الحسن بن صالح، والأصم: لا تجب القراءة في الصلاة. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: (القراءة واجبة في الصلاة، إلا أنها لا تتعين) . واختلفوا فيما يجزئه منها، فالمشهور من مذهبه: أن الواجب آية، إما طويلة، أو قصيرة، وروي عنه: (ما يقع عليه اسم القراءة) . وقال أبو يوسف، ومحمد: إن قرأ آية طويلة، كآية الكرسي، أو آية الدَّيْن. . أجزأه، وإن كانت قصيرة.. لم تجزئه إلا ثلاث آيات. دليلنا: ما روى ابن عمر قال: «سأل رجل النبي ﷺ : أيقرأ في الصلاة؟ فقال ﷺ " أو تكون صلاة بلا قراءة؟!» .

стр. 620

وروى عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» . وروى الشافعي بإسناده، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجزئ صلاة لم يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» . [فرع قراءة البسملة] ويجب أن يبتدئها بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] وهي آية منها، بلا خلاف على المذهب. وهل هي آية من أول كل سورة غير براءة؟ الظاهر من المذهب: أنها آية من أول كل سورة غير براءة؛ لأن الصحابة ﵃ أثبتوها في أول كل سورة غير براءة، ولم يثبتوا بين الدفتين غير القرآن. ومن أصحابنا من يحكي فيها قولا آخر للشافعي، وبعضهم يحكيه وجهًا لبعض أصحابنا: أنها ليست بآية من أول كل سورة؛ لقوله ﷺ : «سورة ثلاثون آية شفعت

стр. 621

لقارئها، وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] » . ومعلوم أنها ثلاثون آية غير البسملة. وهل هي آية من أول الفاتحة وغيرها على سبيل القطع، أو على سبيل الحكم؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: إنها آية من أول كل سورة قطعًا، كسائر القرآن. وهذا القائل لا يقبل في إثباتها خبر الواحد، وإنما يثبتها بالنقل المستفيض؛ لأن الصحابة ﵃ نقلت إلينا هذه المصاحف، وأثبتوا فيها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ، ولم يكونوا يثبتون في المصحف شيئًا إلا ما يقطعون على كونه قرآنًا. ألا ترى أن عمر ﵁ قال: (لولا أن يقال: إن عمر زاد في كتاب الله. . لكتبت آية الرجم على حاشية المصحف: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله ") . و [الثاني] : منهم من قال: إني أثبتها قرآنًا، حكمًا على معنى: أنه يجب قراءتها في الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، ولا أقطع على كونها قرآنًا في أول كل سورة. وهذا القائل يقبل في إثباتها خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب العلم، وهذا مثل ما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «كان فيما أنزل الله من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس» .

стр. 622

ولا خلاف على الوجهين: أن رادها ومثبتها. . لا يكفر، وأن تاركها. . لا يفسق؛ لحصول الشبهة في الاختلاف فيها. هذا مذهبنا. وذهب مالك، والأوزاعي إلى: (أنها ليست من القرآن، إلا في سورة (النمل) ، فإنها بعض آية منها، وفي سائر السور إنما ذكرت تبركًا بها. ولا تقرأ في الصلاة إلا في قيام رمضان، فإنها تقرأ في ابتداء السورة بعد الفاتحة، ولا تقرأ في ابتداء الفاتحة) . وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى: أنها ليست بآية من فاتحة الكتاب، وليست بشرط في صحة الصلاة؛ لأن القراءة لا تتعين عندهم، إلا أنه يستحب له قراءتها في نفسه سرًا. واختلف أصحابه في مذهبه: فقال بعضهم: مذهبه كمذهب مالك، وأنها ليست من القرآن، إلا في (النمل) ، فإنها بعض آية، وهو الظاهر من مذهبه. وقال بعضهم: مذهبه: أنها آية في كل موضع ذكرت فيه، إلا أنها ليست بآية من السورة. ويختارون هذا، ويناظرون عليه. دليلنا - أنها آية من فاتحة الكتاب وغيرها -: ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم فاتحة الكتاب. . فاقرؤوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فإنها أم القرآن، والسبع المثاني، وإن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] إحدى آياتها» . وروى أنس: أن النبي ﷺ قال: «أنزل علي آنفًا سورة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] » .

стр. 623

[فرع الجهر بالبسملة] واختلف أهل العلم في الجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] فيما يجهر به من الصلوات: فذهب الشافعي إلى: أنه يجهر بها - بأول الفاتحة، وفي أول السورة - فيما يجهر به من القراءة في الصلاة، ويسر بها فيما يسر بالقراءة في الصلاة. وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؛ وهي إحدى الروايتين عن عمر. وبه قال من التابعين: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وذهبت طائفة إلى: أنه يسر بها في كل صلاة. وروي ذلك عن علي وابن مسعود، وهي إحدى الروايتين عن عمر، وبه قال

стр. 624

الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، إلا أن أحمد يقول: (هي من القرآن، ولكن يسر بها) . وقال مالك، والأوزاعي: (لا تقرأ في الصلاة) ؛ لأنها ليست من القرآن عندهما، إلا في (النمل) ، فإنها بعض آية. دليلنا: ما روى علي وابن عباس: «أن النبي ﷺ كان يجهر بها في الصلاة، وبين السورتين» . وروى نافع، عن ابن عمر قال: «صليت خلف النبي ﷺ ، وخلف أبي بكر، وعمر ﵄، فكانوا يجهرون بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] » . [فرع كيفية القراءة] ] : والمستحب: أن يقرأ قراءة مرتلة، من غير عجلة، ولا تمطيط. ويستحب ذلك لكل قارئ في الصلاة وغيرها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾ [المزمل: ٤] [المزمل: ٣] . إلا أنه في الصلاة أشد استحبابًا؛ لأن القراءة تجب فيها دون غيرها.

стр. 625

قال الشافعي: (فإن أخل ببعض الفاتحة، أو بحرف من حروفها: إما ألف، أو لام، أو غير ذلك. . لم تجزئه صلاته) . قال أصحابنا: وكذلك إذا ترك بعض التشديد الذي فيها. . لم تصح صلاته. ولم ينص عليه الشافعي، ولكن أهل اللغة والعربية قالوا: التشديد يقوم مقام حرف؛ لأن كل موضع ذكر فيه التشديد، فإنه قد أدغم مكانه حرفًا، فإذا ترك التشديد. . فكأنه قد ترك حرفًا. وفي الفاتحة أربع عشرة تشديدة: الأولى: تشديدة اللام في: بسم الله. الثانية: تشديدة الراء من: الرحمن. الثالثة: تشديدة الراء من: الرحيم. الرابعة: تشديدة اللام من: لله. الخامسة: تشديدة الباء من: رب. السادسة: تشديدة الراء من: الرحمن. السابعة: تشديدة الراء من: الرحيم. الثامنة: تشديدة الدال من: الدين. التاسعة: تشديدة الياء من: إياك. العاشرة: تشديدة الياء من: وإياك. الحادية عشرة: تشديدة الصاد من: الصراط. الثانية عشرة: تشديدة اللام من: الذين. الثالثة عشرة: تشديدة الضاد من: الضالين. الرابعة عشرة: تشديدة اللام الأخيرة من: الضالين.

стр. 626

[فرع ترتيب الفاتحة] ويجب أن يقرأ الفاتحة على الترتيب، كما أنزلت. فإن بدأ فقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . . لم تجزئه حتى يبتدئ بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ؛ لقوله ﷺ : «فاقرؤوا، كما علمتم» . فإن قرأ آية على آية، أو حرفًا على حرف، أو قرأ في أثنائها من غيرها، فإن كان فعل ذلك عامدًا. . بطلت قراءته، واستأنفها، ولا تبطل صلاته، وإن كان ساهيًا. . لم تبطل قراءته، وعاد إلى الموضع الذي أخل بالترتيب فيه. فإن قرأ آية منها مرتين، فإن كانت أول آية منها، أو آخر آية منها. . لم يؤثر ذلك. وإن كان في وسطها. . فالذي يقتضيه القياس: أنه كما لو قرأ في خلالها غيرها، فإن كان عمدًا. . بطلت قراءته، وإن كان ساهيًا. . بنى عليها. [فرع من قدم على الفاتحة السورة أو سكت أثنائها] ] : فإن ابتدأ، فقرأ السورة، ثم قرأ الفاتحة. . قال الشافعي في " الأم " [١/٩٥] : (أجزأته) . وإنما أراد: أن فاتحة الكتاب تجزئه دون السورة؛ لأنه قرأ السورة في غير موضعها، فكأنه لم يقرأها. قال في " الأم " [١/٩٥] : (وإن سكت سكوتًا طويلاً ساهيًا، أو تعايا فقطع القراءة. . لم تبطل قراءته. وإن تعمد ذلك. . بطلت قراءته) . وإن نوى قطع القراءة، فإن سكت مع النية. . بطلت قراءته. وإن لم يسكت،

стр. 627

ومضى على قراءته. . لم تبطل؛ لأنه لو سكت عن القراءة عامدًا ولم ينو قطعها. . بطلت، فإذا نوى القطع مع السكوت. . أولى: أن تبطل. أما إذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت. . لم تبطل؛ لأن الواجب عليه الإتيان بها، وقد أتى بها. والفرق بينها، وبين الصلاة: أن الصلاة يجب في أولها القصد إلى فعلها، ثم يستديم حكم ذلك القصد، فإذا نوى قطعها. . بطلت. والقراءة لا يجب عليه القصد إلى فعلها، فلم تبطل بنية القطع من غير قطع. [فرع قطع القراءة بتأمين ونحوه] فإن فتح المأموم على غير الإمام، أو أجاب مؤذنًا في أثناء الفاتحة. . انقطعت قراءته. وإن فتح المأموم على الإمام، أو أمن بتأمينه، أو سجد للتلاوة في أثناء الفاتحة. . فهل تنقطع قراءته؟ فيه وجهان: [الأول] : قال القفال، وأبو علي الطبري، والقاضي أبو الطيب: لا تنقطع قراءته بذلك؛ لأن هذا مأمور به، فلم يقطع القراءة. قال ابن الصباغ: وكذلك إذا مرت به آية رحمة فسأل، أو آية عذاب فاستعاذ، أو قال الإمام: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] [القيامة: ٤٠] . فيقول المأموم: بلى. . لم تنقطع قراءته بذلك. و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: تنقطع قراءته ويستأنفها، إذا أمن بتأمين الإمام؛ لأن الشافعي قال: (لو عمد فقرأ فيها من غيرها. . استأنفها) . [فرع النطق في غير اللسان] ] : قال في " الأم " [١/٩٥] : (ولا يجزئه أن ينطق بصدره، ولا ينطلق به لسانه) ؛ لأن عليه: أن يحرك بالقراءة لسانه، ويسمع نفسه. فإن لم يسمع نفسه لشغل قلبه. . أجزأه؛ لأنه قد قرأ بحيث يسمع نفسه.

стр. 628

[مسألة حكم التأمين] فإذا فرغ من الفاتحة. . أمن، وهو سنة لكل من قرأ الفاتحة في الصلاة وغيرها، وهو أن يقول: (آمين) ؛ لما روي عن وائل بن حجر: أنه قال: «سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: " آمين "، ومد بها صوته» ومعناها: اللهم استجب، وفيها لغتان: أمين: بقصر الألف، وآمين: بمدها، والتخفيف فيهما. وأنشدوا في المقصور: تباعد عني فطحل إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وأنشدوا في الممدود: يا رب لا تسلبني حبها أبدًا ... ويرحم الله عبدًا قال آمينا وأما بتشديد الميم: فإنهم: القاصدون، قال الله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] [المائدة: ٢] . أي: قاصدين.

стр. 629

وأما الجهر به: فإن كان في صلاة يسر بها. . أسر به المنفرد، والإمام، والمأموم؛ لأنه تابع للقراءة. وإن كان في صلاة يجهر بها، فإن كان منفردًا، أو إمامًا. . جهر به؛ لقوله ﷺ : «إذا أمن الإمام. . فأمنوا» . قال الصيمري: أي لا تتقدموا عليه بالتأمين. وإن كان مأمومًا. . فهل يجهر به؟ ينظر فيه: فإن نسي الإمام التأمين، أو الجهر به. . جهر المأموم به؛ لينبه الإمام وغيره. وإن جهر به الإمام. . فهل يجهر به المأموم؟ قال في الجديد: (لا يجهر به، بل يسمع نفسه) . وقال في القديم: (يجهر) . فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: يجهر به؛ لما روي: (أنهم كانوا يؤمنون خلف ابن الزبير، حتى إن للمسجد للجة) . والثاني: لا يجهر به، كالتكبيرات. ومنهم من قال: إن كان المسجد ضيقًا يبلغهم تأمين الإمام. . لم يجهر به المأموم، وإن كان كبيرًا لا يبلغهم تأمين الإمام. . جهر به المأموم. وحمل القولين على هذين الحالين. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: (يؤمن الإمام والمأموم، ولكن يسران به) .

стр. 630

وعن مالك روايتان: إحداهما: (لا يؤمن الإمام، ويؤمن المأموم) . والثانية: (يخفيها الإمام) . دليلنا: قوله ﷺ : «إذا أمن الإمام. . فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن بتأمين الإمام، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة. . غفر له ما تقدم من ذنبه» . [فرع تأخير التأمين وفصله والدعاء بما شاء] قال الشافعي: (وإذا أخر التأمين عن موضعه. . لم يأت به فيما بعد) . وهذا كما قال: إذا قال المصلي: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ولم يأت بالتأمين، ودخل في غيره. . لم يأت بالتأمين؛ لأنه سنة مرتبة في مكان، فإذا فات موضعها. . لم يقض؛ كالتشهد الأول إذا حصل في القيام. قال الشافعي: (والإذن بالتأمين يدل على: أن لكل مصل أن يدعو في صلاته بما شاء وأحب من دين ودنيا، مع ما فيه من الأخبار والآثار) ؛ لأن معناه: اللهم: افعل لي ما سألتك. فدل على: جواز الدعاء فيها. والمستحب: أن لا يصل: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] بـ: " آمين "، بل يفصل بينهما بسكتة يسيرة؛ ليعلم أنه ليس من كلام الله تعالى. [مسألة وجوب القراءة] وتجب القراءة في كل ركعة. وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: (تجب القراءة في معظم الصلاة، فإن كانت رباعية. . قرأ في ثلاث منها، وإن كانت ثلاثية. . قرأ في ركعتين، وإن كانت ركعتين. . قرأ فيهما) . وقال أبو حنيفة، والثوري: (القراءة إنما تجب في الركعتين الأوليين، فأما الأخريان: فهو فيهما بالخيار، إن شاء. . قرأ، وإن شاء.. سبح، أو سكت. فإن لم يقرأ في الأوليين. . قرأ في الأخريين) .

стр. 631

وقال الحسن، وبعض أهل الظاهر: تجب القراءة في الصلاة دفعة واحدة. وروي ذلك عن أحمد. دليلنا: ما روي عن عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري: أنهما قالا: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة» . وروى رفاعة بن [رافع بن] مالك قال: «دخل رجل المسجد، فصلى بقرب النبي ﷺ ، ثم جاء فسلم عليه، فقال له النبي ﷺ : " أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل " فصلى لنحو ما صلى أولاً، فقال له النبي ﷺ : " أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل "، فقال: يا رسول الله، علمني كيف أصلي، فقال: " إذا قمت إلى الصلاة. . فكبر، ثم اقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا. . . " وذكر الخبر، إلى أن قال: " وهكذا فاصنع في كل ركعة» .

стр. 632

ولأنها ركعة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة مع القدرة، كالركعة الأولى، وفيه احتراز ممن أدرك الإمام راكعًا. وهل يقرأ المأموم؟ ينظر فيه: فإن كان في صلاة يسر فيها. . قرأ المأموم. وإن كان في صلاة يجهر فيها. . فهل تجب على المأموم قراءة الفاتحة؟ فيه قولان: [الأول] : قال في القديم: (لا تجب عليه القراءة) . و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب عليه القراءة) . وقال أبو حنيفة: (لا تجب على المأموم القراءة، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية) . وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس. فمن قال بالقديم: احتج بما روى أبو هريرة قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما فرغ من صلاته. . قال: " هل فيكم من قرأ معي؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقال: " إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ! " قال: فانتهى الناس عن القراءة في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة خلف رسول الله ﷺ منذ سمعوا ذلك منه ﷺ » . ودليلنا - للقول الجديد -: قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» . وروى عبادة بن الصامت قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف. . قال: " إنكم تقرؤون خلفي إذا جهرت؟ " فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، فقال: " لا تقرؤوا خلفي إذا جهرت، إلا بفاتحة الكتاب» .

стр. 633

وأما الخبر الأول: فقيل: إن قوله: (فانتهى الناس. . .) من كلام الزهري، فلا حجة فيه. على أنه وإن صح. . فإنما أراد: انتهى الناس عن المنازعة بالجهر بالقراءة. وخبر عبادة أولى؛ لأنه أزيد ومثبت، والإثبات أولى. فإذا قلنا: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة. . فهل يسن له: أن يتعوذ؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ": أحدهما: لا يأتي به، وبه قال أبو حنيفة كما لا يأتي بالفاتحة. والثاني: يأتي به؛ لأنه شارك الإمام في الذكر الذي يسر به. [فرع تفسير القراءة بغير العربية] ] : ولا يقوم تفسير القراءة، ولا العبارة عنها بالفارسية مقامها، ولا يجزئ في الصلاة. وبه قال مالك، وعامة الفقهاء. وقال أبو حنيفة: (المصلي بالخيار، إن شاء. . قرأ القرآن، وإن شاء. . قرأ معنى القرآن، وتفسيره بالفارسية أو العربية، وغير ذلك، سواء كان يحسن قراءة القرآن، أو لا يحسنها) . واختلف أصحابه، إذا قرأ المصلي معنى القرآن، وتفسيره: هل يكون قد قرأ القرآن؟ فمنهم من قال: إذا قرأ معنى القرآن. . فقد قرأ القرآن. وعلى هذا يناظرون. ومنهم من قال: لا يكون قد قرأ القرآن، وإنما يكون في الحكم: يقوم مقامه. وقال محمد بن الحسن، وأبو يوسف: إن كان هذا المصلي يحسن القرآن. . لم يجز أن يقرأ معنى القرآن. وإن كان لا يحسن القرآن. . جاز أن يقرأ معنى القرآن،

стр. 634

ويعبر عن القراءة بعبارة. كما قالا في التكبير. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] [المزمل: ٢٠] . وروى عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» : [مسألة فيمن لا يحسن الفاتحة أو بعضها] وإن كان لا يحسن الفاتحة، وضاق الوقت عن التعلم، فإن كان يحسن غيرها من القرآن. . فإنه يقرأ سبع آيات من غيرها، سواء كن من سورة، أو من سور. وهل يعتبر أن يكون بقدر حروف الفاتحة؟ منهم من يقول: فيه قولان. ومنهم من يقول: وجهان: أحدهما: يعتبر أن يكون بقدر حروف الفاتحة، كما يعتبر عدد الآيات. والثاني: لا يعتبر، كما لا يعتبر في قضاء الصوم عدد الساعات. وإن كان يحسن آية من الفاتحة. . أتى بها. وهل يلزمه تكرارها، أو يقرؤها مرة، ثم يأتي بغيرها من القرآن إن كان يحسنه، أو من الذكر؟ فيه وجهان: أحدهما: يكررها؛ لأنها أقرب إلى الفاتحة من غيرها. والثاني: يأتي ببقية الآيات من غيرها؛ لأن هذه الآية قد سقط فرضها بقراءتها، فينبغي أن لا يعيدها، ويأتي بغيرها؛ كما إذا وجد بعض الماء. . فإنه يغتسل به، ويتيمم. قال ابن الصباغ: وهذا الوجه يدل على صحة السنة، في الرجل الذي قال: لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن، فأمره النبي ﷺ أن يأتي بالذكر، وفيه: " الحمد لله ".

стр. 635

ولا يتعذر عليه أن يقول: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، ولم يأمره النبي ﷺ بتكرارها. وإن كان يحسن أقل من الفاتحة من غيرها من القرآن. . فهل يلزمه تكراره، أو يلزمه أن يأتي بتمامه من الذكر؟ على الوجهين فيمن يحسن آية من الفاتحة. قال ابن الصباغ: وذكر الشيخ أبو حامد: أن في ذلك قولين نص عليهما في " الأم ". فإن كان يحسن النصف الأول من الفاتحة لا غير، وقلنا: " لا يلزمه تكراره. . فإنه يأتي به أولا، ثم يأتي بالبدل بعده. وإن كان يحسن النصف الأخير منها. . فإنه يأتي بالبدل أولاً، ثم بالنصف الذي يحسنه؛ لأن الترتيب شرط في القراءة. ولو تعلم الفاتحة في إتيانه بالبدل. . ففيه وجهان: الصحيح: أنه يترك البدل، ويشتغل بالفاتحة. والثاني: يمضي في البدل، ولا يشتغل بالفاتحة. ولو تعلم الفاتحة بعد فراغه من البدل، وقبل الركوع. . فمنهم من قال: فيه وجهان، كالأولى. ومنهم من قال: لا يلزمه قراءة الفاتحة، وجهًا واحدًا. وإن كان لا يحسن شيئًا من الفاتحة، ولا من غيرها. . فإنه يأتي مكانها بالذكر. وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه، ويقوم ساكتًا) . وقال مالك: (لا يلزمه الذكر، ولا القيام) . دليلنا: ما روى رفاعة [بن رافع] بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة. . فليتوضأ كما أمره الله، ثم ليكبر، فإن كان معه شيء من القرآن. . قرأ به، وإن لم يكن معه شيء. . فليحمد الله، وليكبر» .
следующие страницы →