Полный текст (7 092 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وقال الحسن، وبعض أهل الظاهر: تجب القراءة في الصلاة دفعة واحدة. وروي ذلك عن أحمد.
دليلنا: ما روي عن عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري: أنهما قالا: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة» .
وروى رفاعة بن [رافع بن] مالك قال: «دخل رجل المسجد، فصلى بقرب النبي ﷺ ، ثم جاء فسلم عليه، فقال له النبي ﷺ : " أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل " فصلى لنحو ما صلى أولاً، فقال له النبي ﷺ : " أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل "، فقال: يا رسول الله، علمني كيف أصلي، فقال: " إذا قمت إلى الصلاة. . فكبر، ثم اقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا. . . " وذكر الخبر، إلى أن قال: " وهكذا فاصنع في كل ركعة» .
стр. 632
ولأنها ركعة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة مع القدرة، كالركعة الأولى، وفيه احتراز ممن أدرك الإمام راكعًا.
وهل يقرأ المأموم؟ ينظر فيه:
فإن كان في صلاة يسر فيها. . قرأ المأموم.
وإن كان في صلاة يجهر فيها. . فهل تجب على المأموم قراءة الفاتحة؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا تجب عليه القراءة) .
و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب عليه القراءة) .
وقال أبو حنيفة: (لا تجب على المأموم القراءة، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية) . وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس.
فمن قال بالقديم: احتج بما روى أبو هريرة قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما فرغ من صلاته. . قال: " هل فيكم من قرأ معي؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقال: " إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ! " قال: فانتهى الناس عن القراءة في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة خلف رسول الله ﷺ منذ سمعوا ذلك منه ﷺ » .
ودليلنا - للقول الجديد -: قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» .
وروى عبادة بن الصامت قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف. . قال: " إنكم تقرؤون خلفي إذا جهرت؟ " فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، فقال: " لا تقرؤوا خلفي إذا جهرت، إلا بفاتحة الكتاب» .
стр. 633
وأما الخبر الأول: فقيل: إن قوله: (فانتهى الناس. . .) من كلام الزهري، فلا حجة فيه. على أنه وإن صح. . فإنما أراد: انتهى الناس عن المنازعة بالجهر بالقراءة. وخبر عبادة أولى؛ لأنه أزيد ومثبت، والإثبات أولى.
فإذا قلنا: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة. . فهل يسن له: أن يتعوذ؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ":
أحدهما: لا يأتي به، وبه قال أبو حنيفة كما لا يأتي بالفاتحة.
والثاني: يأتي به؛ لأنه شارك الإمام في الذكر الذي يسر به.
[فرع تفسير القراءة بغير العربية]
] : ولا يقوم تفسير القراءة، ولا العبارة عنها بالفارسية مقامها، ولا يجزئ في الصلاة. وبه قال مالك، وعامة الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: (المصلي بالخيار، إن شاء. . قرأ القرآن، وإن شاء. . قرأ معنى القرآن، وتفسيره بالفارسية أو العربية، وغير ذلك، سواء كان يحسن قراءة القرآن، أو لا يحسنها) .
واختلف أصحابه، إذا قرأ المصلي معنى القرآن، وتفسيره: هل يكون قد قرأ القرآن؟
فمنهم من قال: إذا قرأ معنى القرآن. . فقد قرأ القرآن. وعلى هذا يناظرون.
ومنهم من قال: لا يكون قد قرأ القرآن، وإنما يكون في الحكم: يقوم مقامه.
وقال محمد بن الحسن، وأبو يوسف: إن كان هذا المصلي يحسن القرآن. . لم يجز أن يقرأ معنى القرآن. وإن كان لا يحسن القرآن. . جاز أن يقرأ معنى القرآن،
стр. 634
ويعبر عن القراءة بعبارة. كما قالا في التكبير.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] [المزمل: ٢٠] .
وروى عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» :
[مسألة فيمن لا يحسن الفاتحة أو بعضها]
وإن كان لا يحسن الفاتحة، وضاق الوقت عن التعلم، فإن كان يحسن غيرها من القرآن. . فإنه يقرأ سبع آيات من غيرها، سواء كن من سورة، أو من سور.
وهل يعتبر أن يكون بقدر حروف الفاتحة؟
منهم من يقول: فيه قولان. ومنهم من يقول: وجهان:
أحدهما: يعتبر أن يكون بقدر حروف الفاتحة، كما يعتبر عدد الآيات.
والثاني: لا يعتبر، كما لا يعتبر في قضاء الصوم عدد الساعات.
وإن كان يحسن آية من الفاتحة. . أتى بها. وهل يلزمه تكرارها، أو يقرؤها مرة، ثم يأتي بغيرها من القرآن إن كان يحسنه، أو من الذكر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكررها؛ لأنها أقرب إلى الفاتحة من غيرها.
والثاني: يأتي ببقية الآيات من غيرها؛ لأن هذه الآية قد سقط فرضها بقراءتها، فينبغي أن لا يعيدها، ويأتي بغيرها؛ كما إذا وجد بعض الماء. . فإنه يغتسل به، ويتيمم.
قال ابن الصباغ: وهذا الوجه يدل على صحة السنة، في الرجل الذي قال: لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن، فأمره النبي ﷺ أن يأتي بالذكر، وفيه: " الحمد لله ".
стр. 635
ولا يتعذر عليه أن يقول: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، ولم يأمره النبي ﷺ بتكرارها.
وإن كان يحسن أقل من الفاتحة من غيرها من القرآن. . فهل يلزمه تكراره، أو يلزمه أن يأتي بتمامه من الذكر؟ على الوجهين فيمن يحسن آية من الفاتحة.
قال ابن الصباغ: وذكر الشيخ أبو حامد: أن في ذلك قولين نص عليهما في " الأم ".
فإن كان يحسن النصف الأول من الفاتحة لا غير، وقلنا: " لا يلزمه تكراره. . فإنه يأتي به أولا، ثم يأتي بالبدل بعده.
وإن كان يحسن النصف الأخير منها. . فإنه يأتي بالبدل أولاً، ثم بالنصف الذي يحسنه؛ لأن الترتيب شرط في القراءة.
ولو تعلم الفاتحة في إتيانه بالبدل. . ففيه وجهان:
الصحيح: أنه يترك البدل، ويشتغل بالفاتحة.
والثاني: يمضي في البدل، ولا يشتغل بالفاتحة.
ولو تعلم الفاتحة بعد فراغه من البدل، وقبل الركوع. . فمنهم من قال: فيه وجهان، كالأولى.
ومنهم من قال: لا يلزمه قراءة الفاتحة، وجهًا واحدًا.
وإن كان لا يحسن شيئًا من الفاتحة، ولا من غيرها. . فإنه يأتي مكانها بالذكر.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه، ويقوم ساكتًا) .
وقال مالك: (لا يلزمه الذكر، ولا القيام) .
دليلنا: ما روى رفاعة [بن رافع] بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة. . فليتوضأ كما أمره الله، ثم ليكبر، فإن كان معه شيء من القرآن. . قرأ به، وإن لم يكن معه شيء. . فليحمد الله، وليكبر» .
стр. 636
وروى عبد الله بن أبي أوفى: «أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني في الصلاة. فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وهل يتعين عليه هذا الذكر؟
فيه ثلاثة أوجه:
[الأول] : منهم من قال: يتعين عليه هذا الذكر، ولكن يضيف إليه كلمتين أخريين؛ ليكون بقدر سبع آيات، والأولى أن يضيف إليه ما روي في بعض الأخبار: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن) . ولا يعتبر - على هذا -: عدد الحروف.
و [الثاني]- وهو قول أبي إسحاق -: أنه لا يتعين عليه هذا الذكر، بل يجب عليه أن يأتي من ذكر الله تعالى ما شاء، ويعتبر أن تكون حروفه بقدر حروف الفاتحة، ويسقط اعتبار الآيات؛ لأنه لا يمكن اعتبارها من الذكر.
و [الثالث] : وهو قول أبي علي في " الإفصاح " -: إنما يجب الذكر الذي نص عليه النبي ﷺ وهو الخمس الكلمات، ولا تجب الزيادة عليه. وهو الصحيح؛ لأن الرجل قال: يا رسول الله، علمني ما يجزئني في الصلاة، فعلمه النبي ﷺ هذا، ولم يأمره بالزيادة:
وقد روى: «أن النبي ﷺ لما فرغ من الخمس الكلمات. . قال الرجل: هذا لله تعالى، فما لي؟ فقال ﷺ : قل: اللهم ارحمني، وعافني، وارزقني» .
وإن لم يحسن شيئًا من القرآن، ولا من الذكر. . وجب عليه أن يقوم بقدر قراءة الفاتحة، وعليه أن يتعلم.
стр. 637
[مسألة القراءة بعد الفاتحة]
ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة، وذلك سنة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: (تجب القراءة بعد الفاتحة، وأقله ثلاث آيات) .
وقال عثمان بن أبي العاص: (تجب القراءة بعد الفاتحة، وأقله ما يقع عليه الاسم) .
دليلنا: قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» . فنفى الصلاة بعدمها، وأثبتها بوجودها، فدل على: أنه لا يجب غيرها.
وروي عن النبي ﷺ : أنه قال: «كل صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب. . فهي خداج» .
و (الخداج) : الناقص، فدل على: أن الصلاة التي يقرأ فيها بفاتحة الكتاب تمام.
إذا ثبت هذا: فإن المستحب عندنا - إن كان في صلاة الصبح -: أن يقرأ بـ: (طوال المفصل) ؛ وهو: السبع الأخير من القرآن، مثل: (الحجرات) ، و (ق) ، و (الواقعة) .
стр. 638
وقال أبو حنيفة: (يقرأ في الأولى من: ثلاثين آية، إلى ستين آية. وفي الثانية من: عشرين آية، إلى ثلاثين آية) .
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ قرأ فيها: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] » [ق: ١٠] يعني: سورة ق.)
وإن كان يوم جمعة. . قرأ فيها: ﴿الم﴾ [السجدة: ١] * ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] [السجدة] ، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] [الدهر] ؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ كان يقرأ ذلك فيها يوم الجمعة» .
فإن قرأ فيها أوساط المفصل، أو قصاره. . جاز؛ لما روى عمرو بن حريث أنه قال: «كأني اسمع صوت النبي ﷺ يقرأ في صلاة الغداة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] » [التكوير: ١٥] ) .
стр. 639
وروى أبو داود: «أن رجلاً من جهينة سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] » [الزلزلة] .
قال الشافعي: (ويقرأ في الظهر شبيهًا مما يقرأ في الصبح) - وحكى الكرخي مثل ذلك عن أبي حنيفة - لما روى أبو سعيد الخدري قال: «حزرنا قيام رسول الله ﷺ في الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، قدر: ﴿الم﴾ [السجدة: ١] * ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] [السجدة] ، وحزرنا قيامه في الأخريين منها على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» .
ومعنى قوله: (حزرنا) أي: قدرنا.
فإن قرأ غيرها. . جاز؛ لما روي عن جابر بن سمرة: «أن النبي ﷺ (كان يقرأ في الظهر، والعصر بـ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] ، و ﴿الطَّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] وما أشبههما، ويقرأ في العصر، والعشاء بأوساط المفصل، كسورة (الجمعة) و (المنافقين) ، وما أشبههما» .
وقال أبو حنيفة: (يقرأ في العصر في الأوليين في كل ركعة بعد الفاتحة عشرين آية، وكذلك في العشاء) .
دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري، وروي: «أن النبي ﷺ قرأ في العشاء سورة الجمعة والمنافقين» .
стр. 640
فإن قرأ غيرهما. . جاز؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قرأ في العشاء الآخرة بـ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] و ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] » .
ويستحب أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ كان يقرأ فيها بقصار المفصل» .
وروى: (أن ابن مسعود كان يقرأ فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [الإخلاص: ١] ) .
فإن قرأ فيها غيرها. . جاز؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قرأ فيها بـ: الأعراف» .
وروى جبير بن مطعم: «أن النبي ﷺ قرأ فيها: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] » .
стр. 641
وروت أم الفضل قالت: «خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب، فقرأ بـ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ [المرسلات: ١] فما صلاها بعد، حتى لقي الله تعالى» .
[فرع قراءة السورة للمأموم وفيما زاد على الركعتين]
والتسوية بين الأوليين ويوجز في الأخرين] : وهل يسن قراءة السورة للمأموم؟ ينظر فيه:
فإن كان في صلاة جهرية، تسمع فيها قراءة الإمام. . فلا يسن له؛ لما مضى في حديث عبادة.
وإن كان في صلاة سرية، أو جهرية لا يسمع فيها قراءة الإمام. . فوجهان حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٦٥] . وكذا الوجهان فيمن تباعد عن الخطيب، بحيث لا يسمع الخطبة: هل الأولى له أن يقرأ القرآن، أو يسكت؟
وهل تستحب قراءة السورة فيما زاد على ركعتين؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا يستحب)
قال أبو إسحاق المروزي: وهو الصحيح - وبه قال مالك، وأبو حنيفة - لما روى أبو قتادة: «أن النبي ﷺ كان يقرأ السورة في الأوليين دون الأخريين» .
و [الثاني] : قال في الجديد: (يستحب أن يقرأ السورة فيهما) .
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لحديث أبي سعيد الخدري.
стр. 642
إذا ثبت هذا: فيستحب عندنا أن يسوي بين الركعات في القراءة، ولا يفضل أوله على ثانيه، وأما الأخريان: فالمستحب فيهما: الحذف والإيجاز، على القولين.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (يستحب أن تفضل الأولى على الثانية في الفجر خاصة) .
وقال الثوري، ومحمد: يستحب في جميع الصلوات أن يطيل الركعة الأولى على التي بعدها. وبه قال الماسرجسي، من أصحابنا.
دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري: «أنه كان يقرأ في الظهر في كل ركعة ثلاثين آية» .
[فرع قراءة المسبوق]
] : قال الشافعي: (وإن فات رجلاً ركعتان مع الإمام من الظهر. . قضاهما بأم القرآن وسورة) . واختلف أصحابنا في صورة ذلك:
فقال أبو إسحاق: إنما قال ذلك؛ لأنه لم يقرأها في الأوليين، ولا أدرك قراءة الإمام لها، فاستحب له أن يأتي بها؛ لتحصل له فضيلتها.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": إنما قال هذا على القول الذي يقول: إنه يقرأ السورة في جميع الركعات. فأما على القول الآخر: فلا يقرأ. وإلى هذا ذهب القاضي أبو حامد.
قال ابن الصباغ: والأول أصح.
فإن كان ذلك في صلاة جهرية. . فهل يجهر المأموم، أو يسر في الأخريين؟
فيه قولان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا يجهر؛ لأن سنة القراءة في الأخريين الإسرار.
والثاني: يجهر؛ ليدرك ما فاته من الجهر بالقراءة.
стр. 643
[فرع ما يجهر به من الصلوات للرجل والمرأة وتلقين الإمام]
] : والسنة: أن يجهر الإمام، والمنفرد في: الصبح، والأوليين من المغرب، والأوليين من العشاء، ويسر فيما سوى ذلك من الصلوات الخمس؛ لأنه نقل ذلك عن النبي ﷺ نقلاً متواترًا، وهو إجماع لا خلاف فيه.
فإن فاتته في صلاة سرية، فقضاها. . أسر بها القضاء، سواء قضى في وقت الجهرية، أو في وقت السرية.
وإن فاتته صلاة جهرية، فإن قضاها في وقت الجهرية. . جهر بها. وإن قضاها في وقت السرية. . ففيه وجهان:
أحدهما: يسن له الجهر في القضاء، كما لو قضى السرية في وقت الجهرية.
والثاني: لا يسن له الجهر بها؛ لأنه يقال: صلاة النهار عجماء.
ولا تجهر المرأة في موضع فيه رجال أجانب؛ لأنه يخاف الافتتان بصوتها.
قال في " الأم ": (ولا بأس بتلقين الإمام إذا أحصر) ؛ لما روي عن علي ﵁: أنه قال: (إذا استطعمكم الإمام. . فأطعموه) و (استطعامه) : سكوته.
[مسألة تكبيرات الانتقال ورفع اليدين]
] : فإذا فرغ من السورة. . ركع، ولا يصل تكبيرة الركوع بآخر السورة؛ لما روى سمرة بن جندب: «أن النبي ﷺ كان يسكت سكتة إذا افتتح القراءة، وسكتة إذا فرغ
стр. 644
من القراءة، فرآه، فأنكر عليه عمران بن الحصين هذه الرواية، فكتبوا بذلك إلى أبي بن كعب، فقال: صدق سمرة بن جندب» .
والركوع واجب بنص الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] [الحج: ٧٧] .
وأما السنة: فإنه نقل ذلك عن النبي ﷺ نقلاً متواترًا.
وأجمعت الأمة على وجوبه.
ويستحب أن يكبر للركوع، فيبتدئ التكبير قائمًا، ويرفع يديه، ويأتي بهما في حالة واحدة، فيكون ابتداء رفع يديه - وهو قائم - مع ابتداء التكبيرة، فإذا حاذى كفاه منكبيه. . انحنى - حينئذ - للركوع، ومد تكبيره، حتى يكون انقضاؤه مع ركوعه؛ لأن الرفع هيئة للتكبير، فلهذا قلنا: يأتي به مع التكبير.
وقال عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير: لا يكبر المصلي، إلا عند افتتاح الصلاة.
стр. 645
وقال أبو حنيفة: (لا يرفع يديه إلا عند الافتتاح، وإذا كبر للركوع. . فإنه يكبر قائمًا، فإذا فرغ من التكبير. . انحنى للركوع) .
دليلنا: ما روى ابن مسعود: «أن النبي ﷺ كان يكبر إذا افتتح الصلاة، وفي كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود. وكذلك أبو بكر، وعمر» .
وروي عن عكرمة: أنه قال: «صليت خلف شيخ بـ: مكة، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، فأتيت ابن عباس، فقلت له: إني صليت خلف شيخ أحمق، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، فقال: (ثكلتك أمك، تلك صلاة أبي القاسم ﷺ » .
ودليلنا - على أبي حنيفة -: حديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع منه» .
فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير، ثم ذكر. . لم يرفع يديه؛ لأنه هيئة في محل، فإذا فات. . لم يؤت به. وإن ذكر ذلك قبل الفراغ من التكبير. . فإنه يرفع؛ لأن محله باق.
قال الشافعي: (فإن ترك رفع اليدين. . فلا سجود عليه للسهو؛ لأنه هيئة) .
[فرع كيفية الركوع]
وأقل ما يجزئ في الركوع: أن ينحني إلى حد لو أراد أن يقبض بيديه على ركبتيه. . أمكنه ذلك. ويطمئن، وهو أن يلبث - بعد أن يبلغ حد الإجزاء - لبثا ما.
стр. 646
وقال أبو حنيفة: (لا تجب الطمأنينة) ؟
دليلنا: ما روي في خبر الأعرابي المسيء صلاته: أن النبي ﷺ قال له: «ثم اركع، حتى تطمئن " إلى أن قال في آخر الخبر: " فإذا فعلت ذلك. . فقد تمت صلاتك» .
فإذا رفع رأسه من الركوع، وشك: هل بلغ ركوعه إلى حد الإجزاء. . لم يجزئه ذلك، وعليه أن يرجع إلى حد الإجزاء؛ لأن الأصل بقاء الفرض في ذمته.
وأما الكمال في الركوع: فهو أن يقبض على ركبتيه بيديه، ويفرق بين أصابعه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يقنع رأسه، ولا يخفضه، ولا يطبق يديه بين ركبتيه.
وقال ابن مسعود: (يطبق يديه، ويجعلهما بين ركبتيه) . وروي ذلك عن صاحبيه: الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن الأسود.
دليلنا: ما روي: (أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله ﷺ بمحضر جماعة من الصحابة) - فذكر نحو ما قلناه - فقالوا: (صدقت) .
стр. 647
وروي: «أن النبي ﷺ نهى أن يذبح الرجل في الصلاة كما يذبح الحمار» .
و (التذبيح) : هو أن يخفض رأسه في الركوع، كما يخفض الحمار رأسه، وقد روي بالدال والذال.
وروي «عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص: أنه قال: (صليت إلى جنب أبي، فطبقت يدي، وجعلتهما بين ركبتي، فضرب أبي في يدي، فلما انصرف، قال: يا بني: إنا كنا نفعل هذا، فنهينا عنه، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب» وهذا يدل على النسخ.
وإن كان المصلي امرأة. . لم تجاف، بل تضم المرفقين إلى الجنبين؛ لأن ذلك أستر لها.
وإن كان خنثى مشكلاً. . قال القاضي: لم نأمره بالضم، كما نأمر المرأة، ولا نأمره بالتجافي، بل أيهما فعل. . فهو مجزئ؛ لأنه ليس أمرنا له بأحدهما، بأولى من الآخر.
قال: وكذلك لا يجهر الخنثى بالقراءة في الصلاة الجهرية، بل من سنته الإسرار؛ خوف الافتتان بصوته، إن كان امرأة.
ويستحب أن يقول في ركوعه: " سبحان ربي العظيم "، ثلاث مرات، وذلك أدنى الكمال؛ لما روى ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات. . فقد تم ركوعه، وذلك أدناه. وإذا سجد
стр. 648
فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات. . فقد تم سجوده، وذلك أدناه» .
وقيل لأحمد بن حنبل ﵀: هل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: (أما أنا: فلا أقول: وبحمده) .
قال ابن الصباغ، والشيخ أبو نصر: الأولى أن يقوله؛ وقد رواه حذيفة عن النبي ﷺ ، ولأن فيه زيادة حمد.
قال الشيخ أبو حامد: وقد غلط بعض أصحابنا، وقال: أكمل الكمال أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، خمسًا، أو سبعًا، وهو قول الحسن البصري، واختاره صاحب " الفروع "، وليس بشيء، بل أكمل الكمال أن يقول في ركوعه - مع التسبيح ثلاث مرات - ما روى علي بن أبي طالب ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: اللهم لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربي، خشع سمعي وبصري، وعظامي، وشعري، وبشري، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين» .
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح» .
стр. 649
قال الشافعي: (وأستحب ذلك كله؛ لأنه يخف، ولا يثقل) .
ولا يجب التسبيح في الركوع والسجود، وهو قول كافة أهل العلم.
وقال بعض أهل الظاهر: (هو واجب فيهما) . وحكي ذلك، عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وليس بصحيح عنه.
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] [الحج: ٧٧] . ولم يذكر التسبيح، وكذلك المسيء صلاته، لم يأمره النبي ﷺ بالتسبيح فيهما.
[فرع قصد فعل الأركان]
قال الشافعي: (فإن ركع رجل، وبلغ الموضع الذي لو أراد أن يقبض بيديه على ركبته أمكنه، ثم أراد أن يرفع رأسه، فسقط على وجهه. . أجزأه ركوعه، وكان عليه أن ينتصب قائمًا، ثم يهوي ساجدًا) .
[مسألة الرفع من الركوع]
ثم يرفع رأسه من الركوع، ويعتدل، وذلك واجب.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب، بل لو انحط من الركوع إلى السجود. . أجزأه) .
واختلف أصحاب مالك في مذهبه:
فمنهم من قال: هو واجب عنده. كقولنا.
ومنهم من قال: مذهبه: أنه ليس بواجب عنده. كقول أبي حنيفة.
دليلنا: قول النبي ﷺ للأعرابي: «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا» .
وروى أبو مسعود الأنصاري البدري: أن النبي ﷺ قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم
стр. 650
الرجل فيها صلبه من الركوع والسجود» .
إذا ثبت هذا: فإن السنة عندنا أن يجمع بين ثلاثة أشياء:
أن يبتدئ مع الرفع بقول: سمع الله لمن حمده، وأن يرفع يديه مع رفع صلبه، حتى يحاذي بهما منكبيه.
فإذا استوى قائمًا. . قال: ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملئ ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء، والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
стр. 651
وإن قال: (ربنا ولك الحمد) . . فقد روي ذلك، وذكر الشيخ أبو حامد: ما يقوله العبد حق، وكل لك عبد.
قال الشافعي ﵁: (فإن قال: اللهم ربنا لك الحمد، أو الحمد لربنا، أو قال: من حمد الله سمع له. . جاز) ؛ لأن معنى الجميع واحد، إلا أن الأولى أن يأتي بالأول؛ لما روى أبو سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ كان يقول ذلك) .
ومعنى قوله: (سمع الله لمن حمده) أي: تقبل الله منه حمده، وأجاب حمده. تقول العرب: اسمع دعائي، أي: أجب دعائي.
ومعنى قوله: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح.
[فرع الذكر في الإعتدال]
ويستحب للإمام والمأموم أن يأتي بجميع هذا الذكر.
وقال أبو حنيفة: (الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يزيد عليه، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده) .
واختاره ابن المنذر؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد» .
وقال مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد: (يأتي الإمام بهما، والمأموم يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده) .
دليلنا: أن النبي ﷺ كان يقول ذلك كله، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» .
ولأنه ذكر مسنون في الانتقال للإمام، فسن للمأموم، كالتكبيرات.
стр. 652
وأما قول النبي ﷺ : «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده. . قولوا: ربنا لك الحمد» . . فيحتمل: أن يكون قال لهم ذلك؛ لأنهم لا يسمعون الإمام يقولها، وإنما يجهر بقوله: سمع الله لمن حمده. ولم يأمرهم بها؛ لأن المأمومين مقتدون بالإمام في جميع الأذكار، فاقتصر على تعريفهم ما لا يجهر به، دون ما يجهر به.
ويجب أن يطمئن قائمًا: فلو سجد، ثم شك، هل رفع رأسه من الركوع أم لا؟ وجب عليه أن ينتصب، فإذا انتصب. . سجد.
وإن أتى بقدر الركوع الواجب، فاعترضته علة منعته عن الانتصاب. . فإنه يسجد من ركوعه، ويسقط عنه الرفع؛ لتعذره.
فإن زالت العلة. . نظرت:
فإن زالت قبل أن يبلغ بجبهته إلى الأرض. . فإنه يرتفع، وينتصب، ويسجد؛ لأن العلة زالت قبل فعله لركن، أو فعل مقصود.
وإن زالت بعد ما حصلت جبهته على الأرض ساجدًا. . فإنه لا ينتصب، ويسقط عنه؛ لأن السجود قد صح، فسقط ما قبله.
فإن خالف، وانتصب من السجود قبل تمامه، فإن كان عالمًا بتحريمه. . بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً. . لم تبطل، ويعود ويجلس للفصل بين السجدتين، ويسجد للسهو.
[مسألة فرضية السجود]
ثم يسجد، وهو فرض.
والدليل عليه: الكتاب، والسنة، والإجماع الذي ذكرناه في الركوع.
стр. 653
ويكبر؛ لما ذكرناه من حديث ابن مسعود.
ويستحب أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء انحنائه إلى السجود، حتى يكون آخر التكبيرة مع أول السجود، هذا نقل أصحابنا البغداديين، وهو المشهور، وحكى صاحب " الإبانة " [ق \ ٦٥] فيه قولين:
أحدهما: هذا، وهو قوله الجديد.
والثاني: لا يمده، وبه قال أبو حنيفة.
دليلنا: أن الهوي إلى السجود فعل في الصلاة، فاستحب مد التكبير فيه؛ لئلا يخلو من ذكر، كسائر أفعال الصلاة.
والمستحب: أن يكون أول ما يقع منه على الأرض في السجود: ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، وبهذا قال عمر بن الخطاب، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وقال الأوزاعي: (المستحب أن يكون أول ما يقع منه على الأرض في سجوده: يداه، ثم ركبتاه) .
وقال مالك: (إن شاء وضع اليدين أولا، وإن شاء وضع الركبتين أولاً) .
دليلنا: ما روى مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين» .
وروى وائل بن حجر، قال: «كان النبي ﷺ إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض، رفع يديه قبل ركبتيه» .
стр. 654
والأكمل في السجود: أن يسجد على جبهته، وأنفه، وكفيه، وركبتيه، وقدميه؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته» .
وروى أبو حميد: «أن النبي ﷺ سجد، ومكن جبهته وأنفه من الأرض» .
والواجب عندنا: هو السجود على الجبهة، دون الأنف، وبه قال الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي وإسحاق: يجب السجود عليهما، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما.
стр. 655
وحكاه أبو زيد المروزي قولاً لنا، وليس بمشهور.
وقال أبو حنيفة: (إذا اقتصر في السجود على أحدهما. . أجزأه) .
قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا سبقه بهذا القول.
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته» ، ولم يذكر الأنف، وما كان مأمورًا به لا يجوز تركه.
وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إذا سجدت. . فمكن جبهتك من الأرض» ، ولم يذكر الأنف.
وروي عن جابر: أنه قال: «رأيت النبي ﷺ يسجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر» .
ومعلوم: أنه إذا سجد كذلك. . لم يسجد على الأنف.
فإن كان بجبهته جراحة، فعصبها بعصابة، وسجد على العصابة. . أجزأه؛ لأنه لما جاز ترك أصل السجود؛ لعذر. . فلأن يجوز ترك مباشرة الجبهة لعذر أولى.
والمستحب: أن يسجد على جميع جبهته؛ لحديث أبي حميد، فإن سجد على بعض الجبهة. . أجزأه؛ لحديث جابر.
وكذلك لو عصب على جبهته بعصابة مشقوقة، وسجد عليها، وماس بعض جبهته الأرض من شق العصابة. . أجزأه، كما لو سجد بأعلى جبهته.
وإن سجد على حائل متصل به، مثل كور عمامته، أو طرف منديله، أو ذيله، أو بسط كفه، فسجد عليه. . لم يجزئه ذلك، وبه قال مالك، وأحمد بن حنبل.
стр. 656
وقال أبو حنيفة: (يصح سجوده على ذلك كله) .
دليلنا: ما روى رفاعة بن رافع: أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ، حتى يضع الوضوء مواضعه. . .» ، إلى أن قال: «ثم يسجد، فيمكن جبهته من الأرض، حتى تطمئن مفاصله» .
وهل يجب السجود على اليدين، والركبتين، والقدمين؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، وأكثر الفقهاء. قال في " المهذب ": وهو الأشهر.
ووجهه: قوله ﷺ : «سجد وجهي» ، فأضاف السجود إلى الوجه، وقوله ﷺ : «إذا سجدت. . فمكن جبهتك من الأرض» ، ولم يذكر ما عداها، فدل على أنه لا يجب السجود على ما عداها.
ولأنه لا يجب الإيماء بباقي الأعضاء في السجود عند العجز، فدل على أنه لا يجب السجود عليها.
والثاني: يجب السجود عليها. قال الشافعي: (وهذا قول يوافق الحديث) .
ووجهه: حديث ابن عباس: «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة. . .» الخبر.
فإذا قلنا: لا يجب السجود عليها، إلا أنه لا يمكنه أن يسجد، إلا بأن يعتمد على بعض هذه الأعضاء. . فله أن يعتمد على أيها شاء، ويرفع أيها شاء.
وإذا قلنا: يجب السجود عليها. . . قال الشافعي في " الأم " [١/٩٩] : (فإن سجد على ظهر كفيه. . لم يجزئه، وكذلك إن سجد على حرف راحته، مما يلي ظهر كفه. .
стр. 657
لم يجزئه، وإن سجد على بعض كفيه. . جاز، كما يجزئ بعض جبهته) .
قال في " الفروع ": وإن سجد على ظاهر قدميه. . أجزأه.
وأما كشف هذه الأعضاء في السجود: فلا يجب كشف القدمين والركبتين؛ لأن كشف ذلك يؤدي إلى بطلان الصلاة، وذلك أن الركبتين من العورة، وقد يكون لابسًا للخف. . فتبطل الطهارة بكشف القدم، فتبطل الصلاة بذلك.
وهل يجب كشف الكفين؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ لما روي عن خباب بن الأرت: أنه قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا» .
ولأنه عضو له مدخل في التيمم. . فوجب كشفه في السجود، كالوجه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه عضو لا يبرز في العادة إلا لحاجة، فلم يجب كشفه في السجود، كالركبتين والقدمين.
وأما الخبر: فيرجع إلى الجباه، دون الأكف.
قال في " الأم " [١/٩٩] : (فإن هوى الرجل ليسجد، فسقط على جنبه، ثم انقلب، فماست جبهته الأرض، فإن كان بانقلابه نوى السجود. . أجزأه، وإن لم ينوه. . لم يجزئه) ؛ لأنه إذا سقط على جنبه ... فقد خرج عن سمت السجود، فلا يرجع إليه إلا بفعل، أو نية.
فالفعل: هو أن يعود جالسًا، ثم يسجد. والنية: أن ينوي بانقلابه السجود.
стр. 658
وتجب الطمأنينة في السجود، وهو أن يلبث لبثا ما.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب) .
دليلنا: قوله ﷺ : «ثم اسجد، حتى تطمئن ساجدًا» .
والكمال في السجود: أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، حتى لو لم يكن عليه ثوب رؤيت عفرة إبطيه؛ لما روى جابر: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد. . جافى عضديه عن جنبيه، حتى يرى بياض إبطيه» .
ويقل بطنه عن فخذيه؛ لما روى البراء بن عازب: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد. . جخ» ، وروي: (جخى) . و (الجخ) : الخاوي.
وروي عن ميمونة: أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سجد. . جافى يديه، حتى لو أرادت بهمة أن تمر تحته. . لمرت» .
стр. 659
وإن كانت امرأة. . ضمت بطنها إلى فخذيها؛ لأن ذلك أستر لها.
ويضع يديه حذو منكبيه، ويضم أصابعهما، ويضم إبهامه إليها، ويستقبل بها القبلة؛ لما روى وائل بن حجر: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد. . ضم أصابعه، وجعل يديه حذو منكبيه» .
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد. . وضع أصابعه تجاه القبلة» .
والفرق بين الركوع والسجود في ضم الأصابع: أنه إذا فرق أصابع يديه في الركوع على ركبتيه. . كان أمكن لركوعه، وأمن من السقوط، وفي السجود لا يخاف السقوط.
ولأنه إذا ضم أصابعه في السجود. . استقبل بها القبلة، ولو فرقها.. لم يستقبل بها القبلة، وفي الركوع لا يستقبل بها القبلة، سواء ضمها، أو فرقها.
ويرفع مرفقيه، ويعتمد على راحتيه؛ لما روى البراء بن عازب: أن النبي ﷺ قال: «إذا سجدت. . فضم كفيك، وارفع مرفقيك» .
وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إذا سجد أحدكم. . فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب» .
стр. 660
ويفرج بين رجليه؛ لما روى أبو حميد: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد. . فرج بين رجليه» .
وينصب قدميه؛ لما روى سعد بن أبي وقاص: «أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين، ونصب القدمين» ، يعني: في السجود.
ولا يكف شعره، ولا ثوبه عن الأرض؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة، وألا يكف شعرًا ولا ثوبًا» . وروى: (ولا يكفت) ، والكفت: الجمع.
ويستحب أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال؛ لما ذكرناه من حديث ابن مسعود.
وروى عن عقبة بن عامر: أنه قال: «لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] [الواقعة: ٩٦] : قال النبي ﷺ : " اجعلوها في ركوعكم "، ولما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] [الأعلى: ١] . . قال النبي ﷺ : اجعلوها في سجودكم» .
قال ابن الصباغ، والشيخ أبو نصر: ويزيد: (وبحمده) ؛ لما مضى في الركوع.
وأكمل الكمال: أن يقول مع ذلك، ما روى علي بن أبي طالب ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين» .
стр. 661
ويستحب أن يدعو في سجوده بما أحب من أمر دينه ودنياه؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ كان يدعو في سجوده، فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، آخره وأوله، علانيته وسره» .
قال الشافعي في بعض كتبه: (يقول في سجوده: سجد وجهي حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا) .
قال الشافعي في " الأم " [١/١٠٠] : (ويجتهد في الدعاء، رجاء الإجابة، ما لم يكن إمامًا، فيثقل على من خلفه، أو مأمومًا، فيخالف إمامه) .
وقال في " الإملاء ": لا يزيد على الدعاء الذي ذكرناه عن النبي ﷺ ، والأول أصح؛ لقوله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» .
ومعنى قوله: " فقمن "، أي: جدير، وحقيق، وحري أن يستجاب لكم، وقد روي بفتح الميم وكسرها.
ويكره أن يقرأ في الركوع أو السجود؛ لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «إني نهيت أن أقرأ راكعًا، أو ساجدًا» .
[مسألة الرفع من السجود]
ثم يرفع رأسه مكبرًا؛ لحديث أبي هريرة، ويكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع،
стр. 662
ويمده، حتى ينتهي إلى آخره مع انتهاء الرفع؛ لئلا يخلو فعل من ذكر. ويجب عليه أن يطمئن في هذا الاعتدال.
وقال أبو حنيفة ومالك: (لا يجب عليه الطمأنينة فيه، فمتى رفع رأسه رفعًا ما. . أجزأه) ، حتى حكي عن أبي حنيفة: أنه قال: (لو رفع جبهته بقدر ما يدخل بين جبهته والأرض سمك سيف. . أجزأه) . وقال مالك: (يعتبر ما كان أقربه إلى الجلوس) ، وكذلك يقول في الاعتدال عن الركوع: (ما كان أقربه إلى القيام) .
دليلنا: قوله ﷺ : «ثم يرفع رأسه من السجود، حتى يطمئن جالسًا» .
وأما الكلام في صفة هذا الجلوس: فقال الشافعي: (هو أن يثني رجله اليسرى، ويقعد عليها، وينصب قدمه اليمنى) .
وحكى أبو علي في " الإفصاح "، عن الشافعي قولاً آخر: (أنه يجلس على صدور قدميه) ، والأول هو المشهور؛ لما روي: أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة النبي ﷺ قال: «فلما رفع رأسه من السجدة الأولى. . ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، واعتدل، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه» .
[فرع كراهة الإقعاء]
ويكره الإقعاء في الجلوس، وروي عن العبادلة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير: أنهم قالوا: (هو من السنة) ، وبه قال نافع، وطاوس، ومجاهد.
стр. 663
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن الإقعاء في الصلاة» ، وروى علي: «أن النبي ﷺ قال لي: يا علي، أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين» .
واختلف في تأويله: فقال أبو عبيدة: هو أن ينصب ساقيه معًا على الأرض، ويجلس على أليتيه.
وقال أبو عبيد: وسمعت أهل العلم يقولون: (الإقعاء) : هو أن يفترش رجليه، ويجلس على عقبيه.
هكذا ذكر في " التعليق "، وذكر في " المهذب " تأويلاً آخر، فقال: هو أن يجعل يديه على الأرض، ويقعد على أطراف أصابعه.
وأما الذكر في الجلوس بين السجدتين: فلم يذكر الشافعي فيه شيئًا، ولكن قد روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، «أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، واهدني، وارزقني» ،
стр. 664
وفي رواية أم سلمة: «واهدني للسبيل الأقوم، وعافني» .
والمستحب: أن يقول ذلك.
وقال أبو حنيفة: (ليس فيه ذكر مسنون) .
دليلنا: ما ذكرناه من الخبر، ولأن أفعال الصلاة مبنية على أن لا ينفك شيء منها من ذكر الله.
[مسألة السجدة الثانية]
ثم يسجد سجدة ثانية على ما ذكرناه في الأولى من التكبير وغيره.
فإذا رفع رأسه منها. . فروى المزني: (أنه يستوي قاعدًا، ثم ينهض) ، وقال في " الأم " [١/١٠١] : (يقوم من السجدة الثانية) .
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يجلس، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق؛ لما روى وائل بن حجر: «أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود. . استوى قائمًا بتكبيرة» .
والثاني: يجلس؛ لما روي: أن أبا حميد ذكر ذلك في وصفه صلاة النبي ﷺ .
وروي عن مالك بن الحويرث: «أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فكان إذا كان في وتر من صلاته. . لم ينهض، حتى يستوي جالسًا» .
стр. 665
وقال أبو إسحاق: هي على حالين: فإن كان ضعيفًا.. جلس؛ لأنه يحتاج إليها للاستراحة، وإن كان قويًا. . لم يجلس؛ لأنه لا يحتاج إليها.
فإذا قلنا: لا يجلس. . فإنه يبتدئ بالتكبير مع ابتداء الرفع، وينتهي به مع انتهاء الرفع، وذلك عند أول حالة القيام.
وإذا قلنا يجلس للاستراحة. . فإنه يجلس مفترشًا؛ لما روي: أن أبا حميد ذكر ذلك في وصفه صلاة النبي ﷺ .
ومتى يبتدئ بالتكبير؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يبتدئ بالتكبير عند ابتداء رفع رأسه من السجود، وينتهي به إلى حالة الجلوس، ثم يقوم من غير تكبير؛ لأن التكبير - هاهنا - للرفع من السجود، لا للقيام.
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: يطيل التكبير، ولا يطيل الجلوس، ويتم التكبير في حال النهوض إلى القيام، وهذا أشبه بأفعال الصلاة؛ لأن أفعالها لا تخلو من ذكر.
وحكى في " الإبانة " [ق \ ٦٦] : أن القفال كان يقول: لا يكبر عند رفع الرأس من السجود، بل عند الرفع من الجلسة، ثم رجع عنه.
وهل تكون هذه الجلسة فصلاً بين الأولى والثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول ابن الصباغ -: أنها لا تكون من الأولى، ولا من الثانية، بل تكون فضلا بينهما، كالتشهد الأول.
والثاني - يحكى عن الشيخ أبي حامد -: أنها من الثانية؛ لأنه يبتدئ بالتكبير بعد الفراغ من الأولى، وهذا مخالف لأصل الصلاة؛ لأنه ليس في الصلاة الواجبة جلوس في ابتداء ركعة، فثبت أنها فصل بينهما.
وإذا أراد القيام إلى الركعة الثانية، إما من السجدة الثانية، أو من جلسة الاستراحة. .
стр. 666
فإنه يقوم معتمدًا على الأرض بيديه، وحكي ذلك عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: (لا يعتمد على الأرض بيديه، وإنما يعتمد على صدور قدميه) . وروي ذلك عن علي، وابن مسعود.
دليلنا: ما روي عن مالك بن الحويرث، في صفة صلاة النبي ﷺ ، قال: «فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى، واستوى قاعدًا. . قام، واعتمد على الأرض بيديه» .
قال الشافعي: (ولأن ذلك أشبه بالتواضع، وأعون للمصلي) .
قال ابن الصباغ: ويرفع يديه من الأرض قبل ركبتيه؛ لما روى وائل بن حجر: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد. . وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض. . رفع يديه قبل ركبتيه» .
ولأن اليدين، لما تأخر وضعهما. . تقدم رفعهما، كالجبهة.
ولا يرفع يديه إلا في المواضع الثلاثة التي ذكرناها، وهي: عند تكبيرة الإحرام، وعند تكبيرة الركوع، وعند الرفع منه.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": يستحب ذلك كلما قام إلى الصلاة من سجود، أو تشهد. وهو قول ابن المنذر.
قال ابن المنذر: هذا باب أغفله كثير من أصحابنا، وقد ثبت فيه حديث أبي حميد
стр. 667
الساعدي، وروي في حديث علي أمير المؤمنين أيضًا.
دليلنا: ما روي عن ابن عمر: أنه قال: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة. . رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين» ، ولأنها تكبيرة يتصل طرفها بسجود أو قعود، فلم يرفع فيها يديه، كتكبيرة السجود من القيام.
فإن ركع، أو سجد في الفرض بنية النفل. . لم يجزئه عن الفرض، وتبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: (يقع عن فرضه) .
دليلنا: أنه ركن في الصلاة، فإذا أداه بنية النفل. . لم تجزئه، كتكبيرة الإحرام.
[مسألة عن أحكام الركعة الثانية]
ثم يقوم إلى الركعة الثانية، فيصليها مثل الأولى، إلا في النية، ودعاء الاستفتاح؛ لأن ذلك يراد للدخول، فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين. . جلس، وتشهد، وهذا الجلوس والتشهد فيه سنتان، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وقال الليث، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأبو ثور: (هما واجبان) .
دليلنا: ما روي عن ابن بحينة: «أن النبي ﷺ قام من اثنتين من الظهر، أو العصر ولم يجلس، فلما قضى صلاته. . سجد سجدتين للسهو، ثم سلم» ، ولو كانتا واجبتين. . لما جبرهما بالسجود، كالركوع.
стр. 668
والجلسات في الصلاة أربع: الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير.
والسنة عندنا: أن يجلس في الجلسات الثلاث الأول مفترشًا، وهو أن يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب قدمه اليمنى.
قال الشافعي: (ويفضي ببطون أصابعه إلى الأرض) .
وفي الجلسة الأخيرة يجلس متوركا، وهو أن يخرج رجله اليسرى من تحت وركه، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، وينصب قدمه اليمنى.
وقال مالك: (السنة: أن يتورك في جميعها) .
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: (السنة: أن يفترش في جميعها) .
دليلنا: أن أبا حميد وصف صلاة رسول الله ﷺ ، فقال: «لما جلس في الأوليين، وبين السجدتين. . ثنى رجله اليسرى، وجلس عليها، ونصب اليمنى، فلما جلس في الرابعة. . أماط رجله من تحت وركه، وأفضى بمقعدته إلى الأرض، ونصب قدمه اليمنى» .
وإن كانت الصلاة صبحًا، فإنه إذا جلس للتشهد. . تورك فيه؛ لأنها الجلسة الأخيرة فيها.
قال الشافعي: (فإن أدرك المأموم الإمام في الركعة الأخيرة من الصبح. . فإنه يجلس مع الإمام تبعًا له، ويفترش رجله اليسرى؛ لأن عليه أن يتبع الإمام في فعله، لا في صفته، ألا ترى أنه يتبع الإمام في القراءة، ولا يتبعه بالجهر بها) .
وكذلك إذا أدركه في الثانية من المغرب بعد الركوع. . فإن هذا المأموم يجلس أربع جلسات للتشهد، يفترش في ثلاث منها، ويتورك في الأخيرة منها؛ لما ذكرناه.
стр. 669
[مسألة الجلوس للتشهد]
وإذا جلس للتشهد. . فإنه يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويبسط أصابعه.
قال المحاملي: ويضمها.
وقال ابن الصباغ: ويفرقها.
وأما اليد اليمنى: ففي كيفية وضعها ثلاثة أقوال:
أحدها - وهو المشهور -: أنه يضعها على فخذه اليمنى مقبوضة الأصابع، إلا المسبحة؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا قعد للتشهد. . وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة» .
وروى ابن الزبير: «أن النبي ﷺ كان إذا جلس للتشهد. . افترش رجله اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع إبهامه عند الوسطى، وأشار بالسبابة، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى» . ذكره البغوي.
وكيف يصنع بالإبهام على هذا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضعها في وسط كفه، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين؛ لما ذكرناه في رواية ابن عمر.
والثاني: يضعها على أصبعه الوسطى، كأنه عاقد ثلاثة وعشرين؛ لما ذكرناه في رواية ابن الزبير.
стр. 670
والقول الثاني: أنه يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق بالإبهام والوسطى، ويشير بالسبابة؛ لما روى وائل بن حجر: أن النبي ﷺ فعل هكذا.
والقول الثالث: أنه يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويبسط الإبهام والسبابة، ويشير بها؛ لما روى أبو حميد الساعدي: أن النبي ﷺ فعل هكذا.
قال ابن الصباغ: وهذه الأخبار تدل على أن النبي ﷺ كان يضعها تارة كذا، وتارة كذا، فكيفما وضع يده من ذلك. . أتى بالسنة، ويشير بالسبابة، على الأقوال كلها عند الشهادة؛ لما ذكرناه من الأخبار، ولكن يشير بها عند كلمة الإثبات، وهو قوله: (إلا الله) ، لا عند كلمة النفي.
قال ابن الصباغ: ولا يجاوز طرفه إشارته.
وهل يحركها؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو الصحيح -: أنه لا يحركها، وإنما يشير بها فقط؛ لما روى ابن الزبير: «أن النبي ﷺ كان يشير بها، ولا يحركها، ولا يجاوز بصره إشارته» .
والثاني: يحركها؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يشير بها، وقال: «إنها مذعرة للشيطان» .
следующие страницы →