← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

دليلنا: أن كل حالة لو أسلم فيها.. رد ماله إليه لم يقسم ماله فيها، كما لو كان بدار الإسلام. [مسألة: استرقاق المرتد] مسألة: [لا يجوز استرقاق المرتد] : ولا يجوز استرقاق المرتد، رجلا كان أو امرأة. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن كان المرتد امرأة ولحقت بدار الحرب.. جاز استرقاقها؛ لأن أم محمد ابن الحنفية كانت من بني حَنِيفَة، وكانوا مرتدين، فملكها عليّ ﵁ وأرضاه - واسترقها) . دليلنا: أن الكفر بعد الإيمان يمنع الاسترقاق كالرجل، وأمَّا الخبر: فقد رُوِي: أنها كانت أمة، فسبيت. وإذا قتل مالكها على الردة كانت فيئا. وأمَّا ولد المرتد: فإن ولد قبل ردة أبويه أو أحدهما، أو ارتد أبواه وهو حمل.. فإنه محكوم بإسلامه؛ لأنه قد حكم بإسلامه تبعا لأبويه، فلم يزل إسلامه بردة أبويه، بدليل: قوله ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يُعلَى» .

стр. 6127

فإن بلغ هذا الولد، ووصف الإسلام.. فلا كلام، وإن امتنع من أن يصف الإسلام، أو وصف الكفر بعد بلوغه.. حكم بردته، ويقتل. وقال أبُو العباس: وفيه قول آخر: أنه إذا لم يصف الإسلام بعد بلوغه.. أنه لا يقتل ويترك على كفره؛ لأن الشافعي، ﵀ قال: (ولو قتله قاتل بعد بلوغه وقبل أن يصف الإسلام.. لم يكن على قاتله القود) فلو حكم له بالإسلام بعد بلوغه.. لأوجب على قاتله القود، وهذا خطأ؛ لأنه محكوم له بالإسلام؛ ولهذا لو قتله قاتل قبل أن يبلغ.. وجب عليه القود، وإنما لم يوجب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - القود على من قتله بعد بلوغه وقبل أن يصف الإسلام، لأجل شبهة عرضت، وهو: أنه لم يصف الإسلام، لا لأنه لم يحكم له بالإسلام. وأمَّا إذا ارتد الأبوان، ثم حملت به الأم في حال ردتهما، ووضعته قبل أن يسلما أو أحدهما، أو تزوج مسلم ذمية وارتد، ثم حملت بولد في حال ردته، ووضعته قبل أن يسلما أو أحدهما.. فإن الولد محكوم بكفره؛ لأنه ولد بين كافرين، وهل يجوز استرقاقه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز سبيه؛ لأن حكم الولد الصغير في الدين حكم أبويه، وإذا لم يجز سبي أبويه.. لم يجز سبيه، كولد المسلمين. فعلى هذا: يترك حتى يبلغ، فإن لم يصف الإسلام.. قتل. والثاني: يجوز سبيه؛ لأنه ولد بين كافرين، ولا يجوز إقرارهما على الكفر، فجاز سبيه، كولد الكافرين الحربيين. فعلى هذا: إذا سبي.. كان الإمام فيه بالخيار: بين القتل، والاسترقاق،

стр. 6128

والمن، والفداء، غير أنه إذا استرقه.. لم يجز إقراره على الكفر؛ لأنه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: فيه قولان، واختلفوا فيهما: منهم من قال: أحدهما: أنه كالكافر الأصلي. والثاني: أنه كأبويه. ومنهم من قال: أحدهما: أنه كالأصلي. والثاني: أنه مسلم؛ لأنه متولد من شخص حرمة الإسلام فيه باقية، وهو مطالب بجميع أحكام الإسلام، إلا أنه ممتنع من أدائها بالردة، والولد لم يوجد منه امتناع بالكفر. هذا مذهبنا. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن ولد في دار الحرب.. سبي واسترق، وإن ولد في دار الإسلام.. لم يسب ولم يسترق) . دليلنا: أن الدار لا تأثير لها في إثبات الاسترقاق ومنعه، كما لو ولد بين الحربيين ولد في دار الإسلام، أو ولد بين المسلمين في دار الحرب ولد. [مسألة: قتال المرتدين قبل قتال أهل الحرب] ] : وإذا ارتدت طائفة أو امتنعت.. قاتلهم الإمام؛ لأن أبا بكر ﵁ وأرضاه - قاتل المرتدين، ويبدأ بقتالهم قبل قتال أهل الحرب؛ لما رُوِي: «أن النَّبي ﷺ جهز جيش أسامة، ثم مات قبل إنفاذه، فلما ولي أبُو بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه -.. أراد إنفاذه، فقالت الصحابة ﵃ وأرضاهم -: يا خليفة رسول الله! إن العرب قد ارتدت حول المدينة، فلو أخرت هذا الجيش؟ فقال: والله لو انثالت

стр. 6129

المدينة سباعا.. ما أخرت جيشا جهزه رسول الله ﷺ » -. فموضع الدليل منه: أن الصحابة ﵃ رأت أن قتال المرتدين أولى من

стр. 6130

قتال أهل الحرب، ولم ينكر عليهم أبُو بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - ذلك، وإنما اعتذر إليهم، بأن ذلك الجيش جهزه النَّبي ﷺ فلا يؤخر، بدليل: أن أبا بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - بدأ بقتال المرتدين بغير جيش أسامة، ثم رجع إلى قتال غيرهم. ويتبع في الحرب مدبرهم، ويجاز على جريحهم؛ لأنه إذا وجب ذلك في قتال أهل الحرب.. فلأن يجب في قتال المرتدين ـ وكفرهم أغلظ ـ أولى. فإن أسر منهم أسير.. استتيب، فإن تاب.. وإلا قتل؛ لأنه لا يجوز إقراره على الكفر. [مسألة: لزوم الضمان على المرتد فيما أتلفه على المسلمين] ] : وإن أتلف المرتد على المسلمين نفسا أو مالا، فإن كان في غير منعة، أو كان في منعة إلا أنه أتلفه قبل قيام الحرب أو بعدها.. لزمه الضمان؛ لأنه التزم ذلك بالإسلام، فلم يسقط عنه بالردة. وإن كان في منعة، وأتلفه في حال قيام الحرب.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: فيه قولان، كأهل البغي: قال الشيخُ أبُو حامد: إلا أن الصحيح في أهل البغي: أنه لا يجب عليهم الضمان، والصحيح في أهل الردة: أنه يجب عليهم الضمان. وقال الشيخ أبو حامد: إلا أن الصحيح في أهل الردة: أنه لا يجب عليهم الضمان؛ لأن أبا بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - لما قاتل المرتدة وهزمهم، وسألوه الصلح، قال: (تدون قتلانا، وقتلاكم في النار) فقال عمر ﵁ وأرضاه -: لا يدون قتلانا، إن أصحابنا عملوا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ) .

стр. 6131

فرجع أبُو بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - إلى قوله، وأجمعت الصحابة ﵃ على ذلك. وقال القاضي أبُو حامد: يجب الضمان على المرتدين، قولا واحدا؛ لأنه لا ينفذ قضاء قاضيهم، وليس لهم تأويل سائغ. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: إن قلنا: لا يجب الضمان على أهل البغي.. لم يجب على المرتدين، وإن قلنا: يجب الضمان على أهل البغي.. ففي المرتدين قولان. والفرق بينهما: أن المرتد كافر، فهو كالحربي، والباغي مسلم. [مسألة: السحر حق وقد يقتل صاحبه] ] : للسحر حقيقة وهو: أن الساحر يوصل إلى بدن المسحور ألما قد يموت منه، أو يغير عقله، ويفرق بين المرء وزوجه. وقد يكون السحر قولا، كالرقية، وقد يكون فعلا، كالتدخين. وبه قال أكثر الفقهاء. وقال أبُو جعفر الإستراباذي من أصحابنا: لا حقيقة للسحر، وإنما هو خيال يخيل إلى المسحور، وهو قول المقدسي من أصحاب داود؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] [طه: ٦٦] ، ولأنه لو كان حقيقة.. لكان في ذلك نقض العادات، فيؤدي إلى إبطال معجزات الأنبياء، - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.

стр. 6132

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] [الفلق: ٤] . وهن السواحر. فلو لم يكن السحر حقيقة.. لما أمرنا بالاستعاذة منه. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية [البقرة ١٠٢] . وقيل: إن سليمان صلوات الله على نبينا وعليه وسلامه، كان جمع كتب السحرة ودفنها تحت مقعدته، حتى لا يعلمها الشياطين الناس. فقيل: إن الشيطان دفن ذلك تحت سرير سليمان ﵇، فلما مات سليمان، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. جاء إبليس ـ لعنه الله ـ فقال: إن سليمان كان يسحر. وأمرهم أن يحفروا ذلك الموضع.. فحفروه، فأخرجوا تلك الكتب فقال بعض الناس: كان بهذا يفعل، وأنكر بعضهم ذلك، فكذب الله من صدق إبليس - لعنه الله - بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية. ويدل على أن له حقيقة: ما روت عائشة أم المؤمنين، ﵂: «أن النَّبي ﷺ مكث أياما يخيل إليه أنه يأتي النساء، ولا يأتي. قال ﷺ : " فدخل علي رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما بال الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبَّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: فيم؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة بئر كذا وكذا، قال: فأتيت تلك البئر، فإذا هو الذي رأيته، وإذا ماؤها كنقاعة الحناء، فأخرج فحل، فشفاني الله» وفي رواية: «فلما حُلَّ.. كأني أُنْشطت من عقال» .

стр. 6133

ورُوِي: (أن عمر ﵁ وأرضاه - أمر بقتل كل ساحر وساحرة) . ورُوِي: (أن حفصة أم المؤمنين ﵂ قتلت جارية لها سحرتها) . و: (باعت عائشة أم المؤمنين ﵂ جارية لها سحرتها) . ورَوَى ابن عمر ﵄ وأرضاهما -: «أنه قال: ساقى رسول الله ﷺ لأهل خيبر، فكان على ذلك زمان رسول الله ﷺ وأبي بكر الصدِّيق وعمر ﵄ وأرضاهما - فبعث بي عمر ﵁ وأرضاه - لأقسم الثمرة بينهم، فسحروني، فتكوعت يدي، فأجلاهم عمر ﵁ وأرضاه» فأخبر: أن يده تكوعت

стр. 6134

بسحرهم، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃، فدلَّ على: أنه إجماع. وأمَّا ما ذكره من سحرة فرعون: فلا حجة فيه؛ لأنه لم ينقل: أن الساحر يقدر على نفخ الروح في الجمادات، وسحرة فرعون أرادوا أن يقابلوا عصا موسى التي يطرحها فتصير حية، فأخذوا حبالا وعصيا، وطلوا عليها الزئبق وتركوها، فلما طلعت عليه الشمس.. تحرك الزئبق، فخيل إلى موسى أنها تسعى، ليقولوا: قد فعلنا مثل فعله، وليس بصحيح؛ لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله. وأمَّا قولهم: إن ذلك يؤدي إلى إبطال المعجزات.. فغير صحيح؛ لأن المعجزة هي ما أظهره الله للأنبياء مما يخالف العادة حين ادعاء النبوة وتحدي الناس، وليس كذلك السحرة؛ فإنهم لا يدعون النبوة، وقد منعهم الله من ادعائهم، ولو ادعوها.. لأبطل الله سحرهم الذي يأتون به. إذا ثبت هذا: فإن تعليم السحر، وتعلمه، وفعله حرام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية [البقرة: ١٠٢] . ولقوله ﷺ : «ليس منا من سحر أو سحر له، أو تكهن، أو تكهن له، أو تطير أو تطير له» .

стр. 6135

فإذا اعترف رجل: أنه ساحر.. قلنا له: صف سحرك، فإن وصفه وقال: ولا يمكن تعلمه إلا بالكفر، بأن يَترك الصلاة أربعين يوما، أو يعتقد أن الكواكب السبعة هي المدبرة، فيتقرب إليها لتفعل له ما يلتمس منها.. فقد اعترف بالكفر.. فيستتاب، فإن تاب، وإلا.. قتل؛ لأنه مرتد. وإن قال: يمكن تعلمه من غير كفر، إلا أنه قال: تعلمه مباح.. فهو كافر؛ لأنه استحل محرما مجمعا عليه. وإن قال: تعلمه محرم، إلا أنِّي قد تعلمته، ولكني لا أستعمله.. فهو فاسق، وليس بكافر، ولا يقتل. وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يقتل؛ لأنه زنديق) .

стр. 6136

وقال أصحاب أبي حَنِيفَة: إن اعتقد أن الشيطان يفعل له ما شاء.. فهو كافر، وإن اعتقد أنه تلبيس وتمويه.. لم يكفر. دليلنا: أن الكفر بالاعتقاد، وهذا اعتقاده صحيح. ولأن بكونه يحسن السحر لا يجب عليه شيء، كما لو قال: أنا أحسن السرقة ولا أسرق.. فلا شيء عليه، كذلك هذا مثله. وبالله التوفيق

стр. 6137

[باب صول الفحل] إذا قصد رجل رجلا يطلب دمه أو ماله أو حريمه، فإن كان في موضع يلحقه الغوث إذا صاح بالناس.. لم يكن له أن يقاتله ولا يضربه، بل يستغيث بالناس ليخلصوه منه؛ لأنه يمكنه التخلص منه بذلك. وهكذا: إذا كان بينه وبينه حائل يعلم أنه لا يقدر على الوصول إليه، من نهر، أو حائط، أو حصن.. لم يجز قتاله وضربه؛ لأنه لا يخاف منه. وإن كان في موضع لا يلحقه الغوث، مثل: أن يكون في برية، أو بلد، فخاف منه إلى أن يلحقه الغوث، أو كان بينهما حصن أو نهر أو حائط، إلا أنه يبلغه رميه أو رمحه.. فله أن يدفعه عن نفسه بأسهل ما يمكنه، فإن اندفع باليد.. لم يضربه بالعصا، وإن لم يندفع إلا بالعصا.. فله أن يضربه بالعصا. فإن لم يندفع عنه إلا بالضرب بالسيف أو بالرمي بالسهم أو بالحجر.. فله أن يدفعه بذلك وإن أتى على نفسه؛ لما رُوِي: أن النَّبي ﷺ قال: «من قاتل دون أهله وماله،

стр. 6138

فقتل.. فهو شهيد» والشهادة بالقتل لا تكون إلا بقتال جائز. ورُوِي: أن امرأة خرجت لتحتطب، فتبعها رجل، فراودها عن نفسها، فرمته بفهر فقتلته، فرفع ذلك إلى عمر ﵁ وأرضاه - فقال: (هذا قتيل الحق، والله لا يُودَى أبدا) . ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدلَّ على: أنه إجماع. وهل يجب عليه الدفع؟ ينظر فيه: فإن طلب أخذ ماله.. لم يجب عليه الدفع؛ لأن المال يجوز إباحته. وإن طلب يزني بحريمه.. وجب عليه دفعه؛ لأنه لا يجوز إباحته بالإباحة. وإن طلب دما ... ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه دفعه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] [البقرة: ١٩٥] . ولأنه لو اضطر إلى الأكل، وعسر به الطعام.. لوجب عليه أكله لإحياء نفسه، فوجب عليه الدفع عن نفسه لإحيائها.

стр. 6139

والثاني: لا يجب عليه الدفع؛ لما رُوِي: «أن النَّبي ﷺ قال: " كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» ورُوِي: أن عُثمانَ بن عفان ﵁ وأرضاه - حصر في الدار، ومعه أربعمائة عبد، فجردوا السيوف ليقاتلوا عنه، فقال: (من أغمد سيفه.. فهو حُرّ، فأغمدوا سيوفهم، ودخل عليه الحَسَن والحسين، ابنا علي ﵃ وأرضاهم - ليدفعا عنه فمنعهما من القتال، وترك القتال حتى قتل) ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدلَّ على: أنه إجماع، ولأن له غرضا في ترك القتال لتحصل له الشهادة، فجاز له التعرض لها. وفي هذا المعنى ما رُوِي: «أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ أرأيت لو انغمست في المشركين، فقتلت صابرا محتسبا، أإلى الجنة؟ قال: " نعم "، فانغمس فيهم، فقاتل حتى قتل» .

стр. 6140

ويخالف الامتناع من أكل الطعام؛ لأنه ليس له غرض في الامتناع من أكله إلا قتل نفسه بغير الشهادة، فلم يكن له ذلك. فإن أمكن المقصود أن يهرب ممن قصده.. فقد قال الشافعيُّ ﵀ في موضع: (عليه أن يهرب) وقال في موضع آخر: (له أن يهرب، وله أن يقف) . واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق: فـ[الطريق الأول] : منهم من قال: فيه قولان: [أحدهما] : لا يجب عليه أن يهرب؛ لأن إقامته في هذا الموضع مباح، فلا يلزمه الانصراف عنه. الثاني: يجب عليه أن يهرب، وليس له أن يقاتله؛ لأنه ليس له أن يدفعه إلا بأسهل ما يمكنه، ويمكنه التخلص منه هاهنا بالهرب. و [الطريق الثاني] : منهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين. فحيث قال: (يلزمه أن يهرب) ، إذا كان يتحقق أنه ينجو منه بذلك. وحيث قال: (لا يلزمه) ، إذا كان لا يتحقق أنه ينجو منه بذلك. و [الطريق الثالث] : منهم من قال: يُبنى ذلك على وجوب دفعه عن نفسه، فإن قلنا: يجب عليه الدفع.. لزمه أن يهرب، وإن قلنا: لا يجب عليه الدفع.. لم يلزمه أن يهرب. فعلى هذا الطريق: يلزمه أن يهرب بحريمه إذا علم أن القاصد يطلب ذلك؛ لأنه يجب عليه أن يدفع عن حريمه. وإن قصد رجل رجلا، فقاتله، فولَّى القاصد عنه.. لم يكن له اتباعه ورميه، فإن فعل.. لزمه ضمان ما جنى عليه؛ لأنه قد اندفع عنه. وهكذا: إن دخل اللصوص داره وخرجوا منه.. لم يأخذوا شيئا من ماله، أو قصده قطاع الطريق، ثم انصرفوا عنه.. لم يكن له اتباعهم ولا رميهم؛ لما ذكره.

стр. 6141

[مسألة: صائل يمكن دفعه بالعصا فضربه بالسيف] ] : وإذا قصده رجل وأمكنه دفعه بالعصا، فضربه بالسيف، أو أمكنه دفعه بقطع عضو منه، فقتله.. وجب عليه الضمان؛ لأنه جنى عليه بغير حق، فهو كما لو جنى عليه قبل أن يقصده. فإن أخذ رجل ماله.. فله أن يقاتله حتى يخلي ماله وإن أتى على نفسه، فلو طرح ماله وهرب.. فليس له أن يتبعه، فيضربه. قال المسعودي [في " الإبانة "] : فإن اتبعه وقطع يده، وعلم أن قطع السرقة كان قد وجب عليه.. لم يضمن؛ لأن تلك اليد بعينها مستحقة في الإتلاف، بخلاف ما لو وجب عليه جلد الزِّنَا، فجلده غير الإمام.. فإنه يضمن؛ لأن الجلد مجتهد في كيفية إقامته، والمواضع التي تجلد من البدن، وشدة الضرب. [فرع: قطع رجل يد صائل ونحوها] ] : فإن قصده رجل، فقطع المقصود يد القاصد، أو رجله، أو أثخنه بالجراح، فصار بحيث لا يمكنه قتله وقتاله.. لم يجز للمقصود أن يجيز عليه ولا يتبعه؛ لأنه قد صار لا يخاف منه، فإن قصده، فقطع يده، فولى القاصد، ثم اتبعه المقصود، فقطع يده الأخرى، فإن اندمل الجرحان.. لم يجب على المقصود ضمان اليد الأولى، ويجب عليه ضمان الثانية بالقصاص أو الدية؛ لأن الأولى مقطوعة بحق، والثانية بغير حق؛ وإن مات من الجراحتين.. لم يجب على المقصود قصاص في النفس؛ لأنه مات من جراحتين: إحداهما مباحة، والأخرى محظورة، فهو كما لو مات من قطع السرقة وجناية أخرى، وللولي أن يقتص من اليد الثانية، وإن عفا عنها.. كان له نصف الدية. فإن قصده، فقطع يده فولَّى عنه، ثم قطع رجله، ثم قصده القاصد ثانيا، فقطع

стр. 6142

يده الأخرى، فإن اندملت الجراحات.. وجب عليه ضمان الرجل بالقصاص أو الدية، ولا يجب عليه ضمان قطع اليدين؛ وإن مات من الجراحات.. لم يجب عليه قصاص في النفس؛ لأنه مات من ثلاث جراحات بعضها لا يوجب القصاص، وللولي أن يقتص من رجل المقصود، فإن عفا عن القصاص فيها.. لم يجب له إلا ثلث الدية؛ لأنه مات من ثلاث جراحات: فالأولى مباحة، والثانية محظورة، والثالثة مباحة، فقسمت الدية عليها. فإن قصده، فقطع يده، فلم يندفع عنه، فقطع يده الثانية، فولى القاصد، ثم تبعه المقصود، فقطع رجله، ومات من الجراحات.. لم يجب عليه القصاص في النفس، لما مَضَى، وللولي أن يقتص من الرجل، وإن عفا عنها.. وجب له نصف الدية. والفرق بينها وبين التي قبلها: أن الجراحتين المباحتين متواليتان، فكانتا كالجناية الواحدة، وفي الأولى: لما ولى بعد الجراحة الأولى.. استقر حكمها، فلما جرحه بعد أن ولى عنه جراحة ثانية وقعت محظورة.. فاستقر حكمها، فلما جرحه الثالثة في حال قصده.. استقر حكمها، فقسطت الدية عليها. وإن قصده، فقطع يده، فولى عنه، ثم تبعه فقتله.. كان لوليه القصاص في النفس؛ لأنه لما ولى عنه.. لم يكن له قتله. قال الطبري في " العُدة ": ولورثة المقصود أن يرجعوا في تركة القاصدة بنصف الدية؛ لأن القصاص سقط عنه بهلاكه. قلت: والذي يقتضي المذهب: أنهم لا يرجعون بشيء، كما لو اقتص منه بقطع يده، ثم قتله. ولأن النفس لا تنقص بنقصان اليد؛ ولهذا: لو قتل رجل له يدان رجلا ليس له إلا يد.. قتل به، ولا شيء لورثة القاتل. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وسواء كان القاصد صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، ذكرا أو أنثى.. فله أن يدفعه عن نفسه؛ لأنه إنما جوز له ذلك؛ لأنه يخافه على نفسه، وهذا المعنى موجود في جميع هؤلاء) .

стр. 6143

[فرع: عض يد رجل فندرت سنه] ] : وإن عض رجل يد رجل، وانتزع المعضوض يده، فندرت ثنية العاض أو انكسرت.. فلا شيء على المعضوض، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا ابن أبي ليلى، فإنه قال: يجب عليه الضمان. دليلنا: ما «رَوَى يعلى بن أمية، أنه خرج مع النَّبي ﷺ في غزوة، وكان له أجير، فخاصم رجلا، فعض أحدهما يد صاحبه، فانتزع يده من فم العاض، فذهبت ثنيته، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، فأهدر ثنيته، وقال: " أيدع يده في فيك تعضها كأنها فِي فيْ فحل» . ورُوِي: (أن رجلا خاصم رجلا، فعض يده، فانتزع يده من فيه، فانكسرت ثنيته، فرفع إلى أبي بكر الصدِّيق ﵁ فأهدرها) . ولأن حرمة النفس آكد من حرمة السن. ثم ثبت أنه لو قصد قتله فلم يمكنه دفعه عن

стр. 6144

نفسه إلا بقتله، فقتله.. لم يلزمه ضمانه، فلأن لا يلزمه ضمان السن أولى. فإن لم يمكنه أن ينتزع يده إلا بأن يفك لحييه.. فله أن يفك لحييه، فإن لم يمكنه ذلك إلا بان يبعج جوفه.. كان له ذلك. قال الشافعي ﵀: (وإن عض رجل قفا رجل.. فإنه ينزع ذلك من فيه، فإن لم يمكنه.. فله أن يضربه برأسه مصعدا أو منحدرا، فإن لم يتخلص منه.. فله أن يضرب فكه بيديه، فإن لم يتخلص منه.. فله أن يبعج بطنه، فإن قتله.. فلا شيء عليه) . هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : لو وجأه بسكين فقتله.. فنص الشافعي ﵀: (أنه يضمن) ، فأخطأ بعض أصحابنا وأجرى ذلك على ظاهره، وقال: يضمن الطاعن وإن لم يمكنه الدفع إلا به؛ لأن القاصد قصده بغير سلاح، فليس له دفعه بالسلاح. والمذهب الأول: أنه لا ضمان عليه؛ لأنه لا يمكنه تخليص نفسه منه إلا بذلك، والنص محمول عليه إذا أمكنه دفعه بغير القتل، فقتله. [فرع: تجارحا فالقول قول كل واحد مع يمينه ويضمناه] وإن تجارح رجلان، وادعى كل واحد منهما، أن الآخر قصده وجرحه دفعا عن نفسه، وأنكر الآخر.. فالقول قول كل واحد منهما مع يمينه: أنه ما قصد صاحبه؛ لأن الأصل عدم القصد، ويجب على كل واحد منهما ضمان جراحته.

стр. 6145

[مسألة: تعين القتل على من رأى شخصا يزني بحريمه] ] : وإن وجد رجلا يزني بامرأته، أو بأمته ولم يمكنه دفعه إلا بقتله.. فله أن يقتله، بكرا كان الزاني أو محصنا؛ لأنه إذا جاز له قتله إذا لم يندفع عن ماله إلا بقتله.. فلأن يجوز له في حريمه أولى. وإن اندفع عنها بغير القتل، فقتله.. نظرت: فإن كان الزاني بكرا.. وجب على القاتل القصاص. وإن كان الزاني محصنا.. لم يجب عليه القصاص فيما بينه وبين الله تَعالَى؛ لأنه مستحق للقتل، فهو كالمرتد، وأمَّا في الظاهر: فإنه يجب عليه القصاص إلا أن يصادقه الولي أنه زنَى وهو محصن، أو أقام البينة على زناه وإحصانه؛ لما رَوَى أبُو هُرَيرَة ﵁: «أن سعدا ﵁ وأرضاه - قال: يا رسول الله، أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا، أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النَّبي ﷺ : " نعم» . وفي رواية: «أن النَّبي ﷺ قال: " كفى بالسيف شاهدا ". وقال: " لولا أن يتتابع فيه الغيران والسكران ". ثم قال: " أمهله حتى تأتي بأربعة شهداء» فأراد

стр. 6146

أن يقول: شاهدا، فأمسك، وأمره أن لا يقتله حتى يأتي بأربعة شهداء، فدلَّ على: أنه لا يجوز قتله قبل ذلك. ورَوي: (أن رجلا قتل رجلا بالشام، وادعى: أنه وجده مع امرأته، فرفع إلى معاوية ﵁، فأشكل عليه الحكم في ذلك، فكتب إلى أبي موسى ﵁ ليسأل عنه عليا ﵁ وأرضاه - فسأله عنه، فقال عليّ ﵁ وأرضاه -: ما هذا شيء كان بأرضنا، عزمت عليك لتخبرني به، فقال: كتب إلي معاوية ﵁ يسألني أن أسألك عنه، فقال عليّ ﵁ وأرضاه -: أنا أبُو حسن، إن جاء بأربعة شهداء، وإلا.. فليعط برمته) . ولا مخالف له، فدلَّ على: أنه إجماع. [مسألة: صيال البهائم] ] : إذا صال على الرجل فحل من البهائم، فخافه على نفسه، ولم يمكنه دفعه عن نفسه إلا بقتله، فقتله.. فلا يجب عليه ضمانه، وبه قال ربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، رحمة الله عليهم.

стр. 6147

وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز له قتله، ولكن يجب عليه ضمانه) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] [التوبة: ٩١] ، وهذا محسن بقتله البهيمة. ولأنه لو قصده آدمي، ولم يمكنه دفعه إلا بقتله، فقتله.. لم يجب عليه ضمانه، فلأن لا يجب عليه ضمان البهيمة أولى. [مسألة: الاطلاع إلى عورة يسقط الضمان] ] : وإن اطلع رجل أجنبي على بيت رجل من شق أو جحر، فنظر إلى حريمه.. فله أن يرمي عينه بما يفقؤها من حصاة أو شيء خفيف، فإذا فقأها.. فلا ضمان عليه. وقال أبُو حَنِيفَة: (ليس له أن يرميه بذلك، فإن فعل وفقأ عينه.. لزمه الضمان) . دليلنا: ما رَوَى أبُو هُرَيرَة ﵁: أن النَّبي ﷺ قال: «لو أن امرأ اطلع عليك، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه.. فلا جناح عليك» . ورَوَى سهل بن سعد الساعدي: «أن رجلا اطلع من جحر في حجرة النَّبي ﷺ وكان في يد النَّبي ﷺ مدرى يحك به رأسه، فقال النَّبي ﷺ : " لو علمت أنك تنظر.. لطعنت بها عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر» .

стр. 6148

وهل له أن يرميه قبل أن ينهاه عن النظر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له، كما لا يجوز له قتل من يقصده إذا اندفع بغير القتل. والثاني: يجوز له؛ للخبر. [فرع: النظر لمن يحل له النظر] ] : قال المسعودي [" في الإبانة "] : ولو كان للناظر زوجة في الدار ينظر إليها أو محرم.. فليس لصاحب الدار فقؤ عينه، فإن فعل.. ضمن؛ لأن للناظر شبهة في النظر. قال: وإن كان لصاحب الدار حرم في الدار مستترات.. فهل له فقؤ عيني الناظر إليهن؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك، فإن فعل.. ضمن؛ لأنه لا أذى على صاحب الدار بنظر إلى الحرام المستترات. والثاني: له فقؤ عين الناظر إليهن؛ لأن الإنسان يتأذى بنظر غيره إلى حرمه وإن كن مستترات. وإن كان الناظر امرأة.. قال المسعودي [في " الإبانة "] : فلصاحب الدار فقؤ عينها؛ لأن الإنسان قد يستر حريمه عن نظر الرجال والنساء. وإن كان المطلع أعمى.. لم يكن له رميه؛ لأنه لا ينظر. وإن كان المطلع على داره ذا رحم محرم لحريمه، فإن كان حريمه مستترات.. لم

стр. 6149

يكن له رميه؛ لأنه غير ممنوع من نظرهن، وإن كن متجردات.. فله رميه؛ لأنه ممنوع من نظرهن متجردات. وسواء وقف الناظر في ملك نفسه، أو في ملك صاحب الدار، أو في قارعة الطريق، وجعل ينظر.. فله رميه؛ لأن الأذى يحصل بنظره، وذلك يحصل منه، ولا اعتبار بالموضع الذي هو واقف فيه. فإن أخطأ الناظر النظر إلى حريم رجل.. لم يكن له رميه مع العلم بحاله؛ لأن الرمي عقوبة على قصد الاطلاع والنظر، ولم يوجد منه ذلك، فإن رماه حين اطلع، فأصاب عينه، ثم قال المطلع: لم أقصد الاطلاع والنظر، وقال الرامي: بل قصدت ذلك.. فالقول قول الرامي مع يمينه؛ لأن الظاهر ممن اطلع في دار غيره أنه قصد النظر. فإن نظر إلى حريمه من باب مفتوح أو كوة واسعة، فإن نظر وهو على اجتيازه.. لم يكن لصاحب الدار رميه؛ لأن المفرط هو صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة، وإن وقف وجعل ينظر.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له رميه؛ لأنه مفرط في الاطلاع والنظر، فهو كما لو قصد إلى النظر من حجر. والثاني: لا يجوز له رميه؛ لأن صاحب الدار فرط في فتح الباب وتوسعة الكوة. ولو لم يكن في الدار المنظور فيها حريم لصاحب الدار، ففقأ عين من ينظر فيها.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] . أحدهما ـ وهو قول البغداديين من أصحابنا ـ: أنه يضمن؛ لأن الإنسان إنما يستضر بنظر غيره إلى حريمه، وإلى حريم غيره. الثاني: لا يضمن؛ لأن الرجل قد يستتر أيضا عن أبصار الناس، كما يستر

стр. 6150

فإن كان حريم رجل في الطريق، فنظر غيره إليهن.. لم يكن لصاحب الحريم رميه؛ لأن الموضع الذي فيه الحريم مباح يملك كل واحد النظر إليه، فلم يستحق إتلاف عضو الناظر إليه. [فرع: يرمى المطلع على حريم بشيء خفيف] ] : وإذا اطلع رجل على داره، ونظر حريمه.. فليس له رمي عينه إلا بشيء خفيف يفقأ عينه، فإن رمى عينه بشيء خفيف، ففقأها وسرى إلى نفسه.. لم يجب عليه الضمان؛ لأنه مات من جناية مباحة، إن رماه بشيء ثقيل، فهشم وجهة وسرى إلى نفسه.. لزمه الضمان؛ لأنه ليس له رميه بما يودي إلى إتلاف نفسه. إن رمى غير عينه، فأصابه.. وجب عليه الضمان؛ لأن المتعدي هي العين، فلم يجز له إتلاف غيرها. قال المسعودي [في " الإبانة "] : إلا أن يكون الناظر بعيدا، فرمى عينه وقصدها، فأصابت موضعا آخر، فحينئذ لا يضمن. فإن اطلع رجل على حريم غيره في داره، فقبل أن يرميه صاحب الدار، انصرف المطلع.. لم يكن لصاحب الدار أن يتبعه ويرميه؛ لأنه إنما يجوز ليصرفه، فإذا انصرف.. لم يكن له رميه بعد ذلك. فإن رمى المطلع على داره، فلم ينصرف.. استغاث عليه بالناس، فإن انصرف عنه بالغوث.. فلا كلام، وإن لم ينصرف بذلك.. كان له أن يصرفه بما يصرف به من قصد نفسه أو ماله، حتى لو لم ينصرف إلا بقتله، فقتله.. فلا شيء عليه؛ لأنه تلف بدفع جائز.

стр. 6151

[مسألة: دخل دارا فأمره صاحبها بالخروج] ] : فإن دخل رجل دار غيره بغير إذنه.. أمره صاحب الدار بالخروج، فإن لم يخرج.. خوفه بالله تَعالَى، فإن لم يخرج.. استغاث عليه بالناس، فإن لم يخرج بالغوث.. فله أن يدفعه باليد، فإن لم يخرج.. فله ضربه، فإن لم يخرج إلا بضرب يودي إلى قتله، فقتله.. فلا شيء عليه، كما قلنا فيمن قصد نفسه أو ماله، وبأي عضو يبدأ بضربه؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] : أحدهما: يبدأ بضرب رجله؛ لأنها هي الجانية، فبدأ بإتلافها، كما يبدأ بإتلاف عين الناظر؛ لأنها هي الجانية. والثاني: له أن يبدأ بأي عضو أمكنه من بدنه؛ لأنه دخل بجميع بدنه، فجميع بدنه في تحريم الدخول سواء. فإن دخل رجل داره، فقتله، فادعى القاتل: أنه قتله للدفاع عن داره، وأنكر ولي المقتول ذلك.. لم يقبل قول القاتل من غير بينة؛ لأن القتل متحقق، وما يدعيه خلاف الظاهر، وإن أقام بينة: أنه دخل داره مقبلا عليه بسلاح شاهر.. لم يضمن؛ لأن الظاهر أنه قصد قتله، وإن أقام بينة: أنه دخل داره بسلاح غير شاهر.. ضمنه بالقود أو الدية؛ لأن القتل متحقق، وليس هاهنا ما يدفعه. [فرع: إزالة المنكر تبيح اقتحام البيوت وقتالهم] قال المسعودي [في " الإبانة "] : ولو أعلم بخمر في بيت رجل أو طنبور، أو علم بشربه أو ضربه.. فله أن يهجم على صاحب البيت بيته، ويريق الخمر، ويفصل

стр. 6152

الطنبور، ويمنعه من شرب الخمر والضرب، فإن لم ينته أهل الدار.. فله قتالهم، وإن أتى القتال عليهم.. فهو مثاب على ذلك. [مسألة: ضمان ما تتلف البهائم] وإن أفسدت ماشيته زرعا لغيره.. نظرت: فإن لم يكن عليها يد لمالكها ولا لغيره.. فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: إن أتلفت ذلك نهارا.. لم يجب على مالكها الضمان، وإن أتلفته ليلا.. وجب على مالكها الضمان، لما «رَوَى البراء بن عازب ﵁ قال: (كانت لي ناقة ضارية، فدخلت حائطا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها نهارا، وعلى أهل المواشي حفظها ليلا، وإن عليهم ضمان ما تتلفه مواشيهم ليلا» . ومن أصحابنا من قال: إن كان في بلد لها مرعى في موات حول البلد.. لم يجب على مالك الماشية حفظها بالنهار، بل على أهل الزرع حفظ الزرع نهارا، وإن كان في بلد يكون الرعي في حريم السواقي وحوالي الزرع، ويعلم صاحب الماشية أنه متى

стр. 6153

أطلق ماشيته دخلت زرع غيره وأفسدته.. فعليه حفظ ماشيته نهارا. وأمَّا بالليل: فإن كان في بلد ليس لبساتينها ومزارعها حيطان.. فإنه يجب على مالك الماشية حفظ ماشيته ليلا. وإن كان في بلد لبساتينها ومزارعها حيطان.. فعلى صاحب البستان والزرع إغلاق باب بستانه ومزرعته، فإن لم يغلقه.. فلا ضمان على رب الماشية فيما أتلفته من ذلك ليلا، إلا أن يكون صاحب البستان قد أغلق الباب، ولكن الماشية اقتحمت فدخلت، فيجب على مالكها الضمان. وتأول هذا القائل الخبر على: أنه كان للمدينة مراع حولها ولا حيطان على بساتينها. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : يعتبر عرف البلد؛ فلو جرت عادة أهل البلد: أن لا يرسلوا النعم نهارا إلا مع راع يحفظها، وأن لا يحفظ أصحاب الزرع زرعهم نهارا، فأفسدت نعم رجل زرعا نهارا.. ضمن مالكها. والأول هو المشهور؛ لأن النَّبي ﷺ لم يفرق، ولأن العادة جرت: أن أرباب الزرع يحفظون زروعهم نهارا، فإذا أتلفت الماشية نهارا.. نسب التفريط إلى صاحب الزرع. وجرت العادة: أن أرباب الماشية يحفظونها ليلا، فإذا أتلفت زرعا بالليل.. كان التفريط من أصحاب الماشية، فكان عليهم الضمان. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب على رب الماشية ضمان ما تتلفه ماشيته، نهارا كان أو ليلا، إذا لم يكن معها) . ودليلنا عليه: ما مَضَى. وإن أغلق الباب على ماشيته بالليل، فانهدم الحائط، وخرجت الماشية من غير علم صاحبها، وأتلفت على غيره زرعا أو مالا.. لم يجب على مالكها ضمانه؛ لقوله ﷺ «العجماء جبار» و (العجماء) : الدابة. و (جبار) : هَدَر. ولأنه

стр. 6154

غير مفرط بذلك، فلم يلزمه الضمان. فأما إذا كانت يد صاحب الماشية عليها، أو يد غيره عليها. إما أجيرا عليها، أو مستأجرا لها، أو مستعيرا لها، أو مودعة عنده، أو مغصوبة عنده، فأتلفت شيئا بيدها أو رجلها أو نابها.. فضمان ذلك على من كانت يده عليها، سواء كان ذلك ليلا أو نهارا، وسواء كان راكبا لها أو سائقا أو قائدا، أو كان راكبا لدابة وسائقا لغيرها، أو كان معه قطار يقوده أو يسوقه.. فعليه ضمان ما يتلفه الجميع؛ لأن يده على الجميع. ووافقنا أبُو حَنِيفَة إذا كان سائقا لها، فأما إذا كان راكبها أو قائدها.. فقال: (عليه ضمان ما تتلفه، بيدها أو بفيها، فأما ما تتلفه برجلها أو بذنبها.. فلا يلزمه ضمانه) . دليلنا: أن يده ثابتة عليها، فكانت جنايتها كجنايته، فوجب عليه ضمانه كما يجب ضمان ما أتلف بنفسه، أو ما أتلفت بيدها أو بفيها عند أبي حَنِيفَة. [فرع: ضمان ما تتلفه الدابة] على سائقها وقائدها] : وإن كان مع الدابة قائد وسائق.. كان ضمان ما أتلفت عليهما بالسوية؛ لأن يدهما عليها، وإن كان عليها راكب وسائق.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصبَّاغ: أحدهما: أن الضمان عليهما؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد.. ضمن ما أتلفت، فإذا اجتمعا.. استويا في الضمان، كالسائق والقائد. والثاني: أن الضمان على الراكب وحده؛ لأن يده أقوى عليها، وهو أقوى تصرفا بها. قال: والأول أقيس. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : ولو كان في يده دابة، فهربت غالبة له، فأتلفت

стр. 6155

شيئا.. لم يضمن؛ لأنه ليس بمفرط، وإن كان راكبا لها، فعضت على اللجام وركبت رأسها غالبة له، فأتلفت شيئا.. ففيه قولان: أحدهما: لا يضمنه كما لو لم يكن راكبا لها، فانفلتت منه، وأتلفت شيئا. والثاني: يضمنه؛ لأن الراكب يكون معه سوط يصرف بذلك مركوبه، فإذا لم يكن معه هذه الآلة.. فهو مفرط، وإن غلبته مع ذلك.. فهو مفرط أيضا، حيث لم يروضها للركوب. وذكر صاحب " التلخيص " في الدابة إذا غلبت صاحبها قولين، سواء كان راكبا لها أو غير راكب لها، كما قلنا في السفينتين إذا تصادمتا من غير تفريط من القيمين. قال الطبري: وعلى هذا خرج أصحابنا إذا سد باب بيته بالليل، ففتحت الدابة الباب، فانفلتت، فأفسدت زرع إنسان.. هل على صاحبها الضمان؟ على وجهين من هذين القولين. وإن أركب رجل صبيا دابة، فأتلفت شيئا والصبي راكب عليها، فإن أركبه أجنبي.. كان الضمان على الذي أركبه؛ لأنه تعدى بالإركاب، وإن أركبه وليه أو الوصي عليه لمصلحة الصبي، بأن يضعف الصبي عن المشي.. كان ضمان ما تتلفه البهيمة على الصبي دون الولي والوصي، وإن لم يكن للصبي في الإركاب مصلحة.. كان الضمان على الولي أو الوصي. [فرع: ربط دابة في طريق ونحوه فأتلفت شيئا] ] : وإن ربط دابة أو أوقفها في غير ملكه أو في طريق المسلمين، فأتلفت شيئا.. وجب عليه ضمانه، سواء كان معها أو غائبا عنها، وسواء كان الطريق واسعا أو ضيقا؛ لأنه إنما يملك الارتفاق بطريق المسلمين بشرط السلامة، فأما إذا أفضى إلى التلف.. وجب عليه الضمان، كما لو أخرج إلى أهل الطريق روشنا أو جناحا، فوقع على إنسان، فأتلفه. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [" في الإبانة "] : إن كان الطريق ضيقا، بحيث لا يوقف بمثله..

стр. 6156

ضمن ما أتلفته؛ لأن مثل هذا الطريق لا توقف فيه الدواب، وإن كان واسعا.. لم يضمن؛ لأنه لا يضر وقوفها، وهو غير متعد بوقوفها فيه. وأمَّا إذا ربط الدابة أو أوقفها في ملكه أو في موات.. لم يجب عليه ضمان ما أتلفته؛ لأن له التصرف في ملكه وفي الموات على الإطلاق، كما لو وقف في ملكه، فعثر به إنسان، فمات. وإذا كان مع الدابة ولدها.. فحكمه حكم أمه في ذلك. [فرع: نخس دابة مركوبة فقتلت أو كسرت فعليه الضمان] ] : قال في " الإفصاح ": إذا كان الرجل راكبا لدابة، فجاء آخر فنخسها، فرفست إنسانا فقتلته.. كان الضمان على الذي نخسها دون الراكب؛ لأنه هو الذي حملها على ذلك. [فرع: ابتلاع الدابة جوهرة لرجل] ] : وإن مرت بهيمة بجوهرة لرجل؛ فابتلعتها، فإن كان على الدابة يد مالكها أو غيره ... وجب ضمان الجوهرة على صاحب اليد. وقال أبُو علي بن أبي هُرَيرَة: إن كانت شاة.. لم يضمن، وإن كان بعيرا.. ضمن؛ لأن العادة جرت في البعير أن يضبط وفي الشاة أن ترسل. وهذا خطأ؛ لأن فعلها منسوب إليه، ولأنه لا فرق في الزرع بين الجميع، فكذلك في غير الزرع. وإن لم يكن عليها يد لأحد.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول أبي علي بن أبي هُرَيرَة ـ: إن كان ذلك نهارا.. لم يضمن صاحبها، وإن كان ليلا.. ضمن، كما قلنا في الزرع. والثاني ـ وهو قول القاضي أبي حسن الماوردي: أنه يضمن، ليلا كان أو نهارا؛ لأن رعي الزرع مألوف، فلزم صاحبه حفظه منها، وابتلاع الجوهرة غير مألوف، فلم يلزم صاحبها حفظها.

стр. 6157

فعلى هذا: إن كانت البهيمة غير مأكولة، وطلب صاحب الجوهرة ذبحها بإخراج الجوهرة.. لم تذبح، بل يغرم مالكها قيمة الجوهرة، فإن دفع القيمة، ثم ماتت البهيمة، وأخرجت الجوهرة من جوفها.. وجب ردها إلى مالكها، واسترجعت القيمة منه، فإن نقصت قيمتها.. ضمن صاحب البهيمة ما نقصت من قيمتها. وإن كانت البهيمة مأكولة.. فهل يجب ذبحها؟ فيه وجهان، بناء على القولين فيمن غصب خيطا، وخاط به جرح حيوان مأكول. [فرع: ضمان ما يؤذيه الكلب أو يأكله السنور من الطير] ] : وإن كان له كلب عقور أو سنور يأكل حمام الناس.. لزمه ربطهما وحفظهما، فإن أطلقهما.. وجب ضمان ما أتلفا من ذلك، ليلا كان أو نهارا؛ لأنه مفرط في ترك حفظهما. وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه لا يلزمه ذلك ليلا أو نهارا؛ لأن العادة لم تجر بتقييد الكلاب والسنانير في البيوت. والمشهور هو الأول. وإن كانا غير معروفين بذلك.. ففيه وجهان: أحدهما: أنهما كغيرهما من البهائم، على ما مَضَى. والثاني: لا يجب عليه ضمان ما أتلفا؛ لأن العادة لم تجر بتقييدهما وحفظهما. وإن ربط في داره كلبا، فدخل رجل داره بغير إذنه، فأكله الكلب، فإن لم يشل الكلب عليه.. فلا ضمان عليه؛ لأن المفرط هو الداخل، وإن أشلى عليه الكلب.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو حامد: أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنه يلزمه الضمان؛ لأن يده على الكلب، فهو

стр. 6158

كآلة له، فإذا أشلاه عليه، فجنى عليه.. كان كما لو جنى عليه بيده. والثاني: لا يلزمه الضمان؛ لأن الكلب له قصد واختيار، فكانت جنايته عليه باختياره. وإن دخل الدار بإذن صاحب الدار، فإن أعلمه صاحب الدار أن الكلب عقور، أو ربط دابة عضوضا، فأذن له بالدخول وأعلمه بإعضاضها، فأكله الكلب أو عضته الدابة.. لم يجب على صاحب الدار الضمان؛ لأنه لم يفرط حيث أعلمه. وإن أذن له ولم يعلمه بعقر الكلب وإعضاض الدابة، فعقره الكلب أو عضته الدابة.. فهل يجب على صاحب الدار الضمان؟ فيه قولان: أحدهما: لا يضمن؛ لأنه غير مفرط في ربطها بملكه. والثاني: يضمن؛ لأنه لما أذن له في الدخول.. فقد صارت الدار للداخل في حكم ملكه أو في حكم الموات. [فرع: التقاط الطائر حب جاره أو غيره] ] : قال ابن الصبَّاغ: إذا كان له طير، فأرسله، فلقط حبا لغيره.. لم يضمنه؛ لأن تخلية الطير بالنهار معتادة. والله أعلم بالصواب.

стр. 6159

[كتاب السير]

стр. 6160

كتاب السير قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لما مضت لرسول الله ﷺ مدة من هجرته.. أنعم الله فيها على جماعات باتباعه، حدثت لهم ـ مع عون الله ـ قوة بالعدد لم يكن قبلها فرض الله عليهم الجهاد) . وجملة ذلك: أن النَّبي ﷺ كان قبل أن يبعث متمسكا بدين إبراهيم ﵇، ولم يعبد صنما ولا وثنا؛ ولهذا قال ﷺ : «ما كفر بالله نبي قط» . فـ: «أول ما ابتدأه الله بالوحي: بالمنامات الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وكان قد حببت إليه الخلوة، وكان يصعد إلى حراء ـ جبل

стр. 6161

بمكة ـ وكان كل شجر وحجر مر به يقول له: السلام عليك يا رسول الله، فلا يرى أحدا ففزع من ذلك.. فبينما هو ذات يوم إذ أتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد، اقرأ. فقال: " وما أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] [العلق: ١ - ٢] ، ففزع من ذلك وراح إلى بيت خديجة، فقال: (زملوني دثروني) ، وأخبر خديجة قصته، وقال: (أتاني شخص، أترين بي جنة؟) قالت له: ما كان الله ليفعل بك هذا، ثم قالت له: إذا جاءك فعرفني. فلما جاء جبريل ﵇.. قال لها: " قد جاءني " فجاءت وأقعدته على فخذها الأيمن، وقالت له: أين هو؟ قال: " واقف "، فدارته إلى فخذها الأيسر، وقالت: أين هو؟ قال: " واقف "، فكشفت عن رأسها وقالت: أين هو؟ قال: " قد غاب " قالت له: أبشر، فإنه ملك؛ حيث

стр. 6162

غاب عندما كشفت العورة، ولو كان شيطانا.. لم يغب لذلك» . ثم أمره الله تَعالَى بالإنذار وأن يدعو الناس إلى الله، فقال تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] [المدثر: ١ - ٤] وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] [الكافرون: ١] إلى آخرها، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] [الشعراء: ٢١٤] . «وكان النَّبي ﷺ يتخوف أن يدعو قريشا إلى الله فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] [المائدة: ٦٧] ، فضمن له العصمة من الناس، فقام النَّبي ﷺ فجمع قومه ودعاهم إلى الله تَعالَى، فقال أبُو لهب: ألهذا دعوتنا، تبا لهذا الحديث، فأنزل الله تَعالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] [المسد: ١] إلى آخرها» . فأمره الله تَعالَى بالإعراض عنهم، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] [الأنعام: ٦٨] وقال تَعالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية [الأنعام: ١٠٨] ، فكان النَّبي ﷺ يعرض عنهم، فكثر تأذي النَّبي ﷺ وأصحابه ﵃، فأذن الله تَعالَى لهم في الهجرة، ولم يوجبها عليهم، فقال تَعالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] الآية [النساء: ١٠٠] فهاجر بعض أصحاب النَّبي ﷺ إلى الحبشة، وبعضهم

стр. 6163

إلى الشام، وتفرقوا. وكان النَّبي ﷺ يخرج في المواسم ومعه أبُو بكر الصدِّيق ﵁ فيعرض نفسه على قبائل العرب، فلم يقبله أحد حتى قدم مكة الأوس والخزرج ـ قوم من المدينة ـ فعرض النَّبي ﷺ نفسه عليهم، فقالوا: وراءنا رهط من قومنا، وإنا نرجع إليهم ونعرفهم ذلك، فإن قبلوك.. انتقلت إلينا ونصرناك. فلما رجعوا إلى المدينة.. أخبروا قومهم به وعرفوهم حالة فقبلوه. فلما كان وقت الموسم.. قدموا مكة، وقالوا: قد أخبرنا قومنا بخبرك فقبلوك، فسر معنا. فوجه معهم مصعب بن عمير؛ ليعلمهم الإسلام، فعلمهم الإسلام، وكان يصَلَّى بهم. ثم هاجر النَّبي ﷺ إليهم، فلما استقر بالمدينة، وأسلم خلق كثير، أذن لهم الله تَعالَى بالقتال، ولم يفرضه عليهم بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الآية [الحج: ٣٩] ، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم بعد مدة.. فرض الله عليهم القتال، فقال : ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] [التوبة: ٤١] وقال : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] وقال تَعالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [التوبة: ٥] ، وفي ذلك آي كثير. فهذا معنى قول الشافعي ﵀: (لما مضت برسول الله مدة من هجرته) إلى آخر كلامه. ثم أوجب الله على من بقي من المسلمين مع الكفار الهجرة، وقيل - إن سبب وجوبها -: أن قريشا لما خرجوا إلى بدر لقتال النَّبي ﷺ .. أكرهوا من معهم من المسلمين على الخروج معهم والقتال، فقيل: إنه قتل من المسلمين الذين معهم ناس، فقال الله تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] [النساء: ٩٧] الآية، فتواعدهم على ترك الهجرة، والتواعد لا يكون إلا على واجب. وقال النَّبي ﷺ :

стр. 6164

«أنا بريء من كل مسلم مع مشرك» وقال ﷺ في المسلم والكافر: «لا تراءى ناراهما» . إذا ثبت هذا: فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدهما: أن يكون ممن أسلم وله عشيرة تمنع منه، ولكنه يقدر على الهجرة، ويقدر على إظهار دينه، ولا يخاف الفتنة في دينه.. فهذا يستحب له أن يهاجر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] [المائدة: ٥١] ولقوله ﷺ «لا تراءى ناراهما» . ولا تجب عليه الهجرة. والضرب الثاني: أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له تمنع منه، ولا يقدر على الهجرة لعجزه عن المشي، ولا له مال يمكنه أن يكتري منه ما يحمله.. فهذا لا تجب عليه الهجرة، بل يجوز له المقام مع الكفار.

стр. 6165

والضرب الثالث: أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له تمنع منه، ولكنه يقدر على الهجرة بالمشي، وله مال يمكنه أن يكتري منه ما يحمله.. فهذا تجب عليه الهجرة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] [النساء: ٩٧] الآية. فأخبر الله: أن من كان مستضعفا بين المشركين وهو يقدر على الخروج من بينهم فلم يفعل.. فإن مأواه النار. فدليل خطابه: أن من لم يكن مستضعفا بينهم، بل يتمكن من إظهار دينه.. أنه لا شيء عليه، فثبت وجوب الهجرة على المستضعف الذي يقدر على الخروج بنص الآية، وسقوط الهجرة عمن ليس بمستضعف بدليل خطابها، ثم استثنى فقال: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] [النساء: ٩٨] الآية، فأخبر: أن المستضعف الذي لا يقدر على الخروج خارج من الوعيد. فإن وجبت الهجرة على رجل من بلد، ففتح ذلك البلد وصار دار إسلام.. لم تجب عليه الهجرة؛ لقوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح» وأراد به: لا هجرة من مكة
следующие страницы →