← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

(لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح) . (يذفف) : يروى بالدال والذال، ومعناه: لا يجاز عليه. ورُوِي عن أبي أمامة ﵁: أنه قال: (شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا) . ولأن قتالهم للدفع والكف عن القتال، وقد حصل ذلك. وإن انهزموا إلى فيئة ومدد ليستغيثوا بهم.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي حَنِيفَة، واختيار أبي إسحاق المَروَزِي -: (أنهم يتبعون ويقتلون) ؛ لأنهم إذا لم يتبعوا.. لم يؤمن أن يعودوا على أهل العدل، فيقاتلوهم ويظفروا بهم. والثاني - وهو ظاهر النص -: أنه لا يجوز أن يتبعوا ويقاتلوا؛ لعموم الخبر، ولأن دفعهم وكفهم قد حصل، وما يخاف من رجوعهم لا يوجب قتالهم، كما لو تفرقوا. وإن حضر معهم من لا يقاتل - ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز قتله؛ لأن قتالهم للكف، وقد كف نفسه. والثاني: يجوز قصد قتله؛ لأن عليا ﵁ وأرضاه - نهاهم عن قصد قتل

стр. 6092

محمد بن طلحة السجاد ﵄ وأرضاهما، فقتله رجل، ولم ينكر عليّ ﵁ وأرضاه - قتله، ولأنه صار ردءا لهم. [فرع: يقتل مع البُغاة نساؤهم وصبيانهم المقاتلين] ] : وإن قاتل مع أهل البغي نساؤهم وعبيدهم وصبيانهم.. جاز قتلهم مقبلين؛ لأن هذا القتال لدفعهم عن النفس، كما يجوز له قتل من قصد نفسه في غير البغي. وإن كان لرجل من أهل العدل قريب في أهل البغي يقاتل.. فيستحب له أن ينحرف عن قتله ما دام يمكنه ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] [لقمان: ١٥] . فأمره بمصاحبتهما بالمعروف في أسوأ أقوالهما، وهو: إذا دعواه إلى الشرك، وليس من المصاحبة بالمعروف أن يقتله.

стр. 6093

وقال الله تَعالَى: لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] [طه: ٤٤] . يعني به: فرعون، وقيل: إنما أمرهما الله بذلك؛ لأن فرعون كان قد تبنى موسى ﵊ فإن كان ذلك في حق من تبناه ... فلأن يكون في حق أبيه أولى. ورُوِي: «أن أبا بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - أراد أن يقتل أباه يوم أحد، فكفه النَّبي ﷺ وقال: " دعه يتولى ذلك غيرك» . و: «أراد أبُو حذيفة بن عتبة أن يقتل أباه، فكفه النَّبي ﷺ عن ذلك» . فإن لم يمكنه قتال أهل البغي إلا بقتل أبيه، فقتله.. فلا شيء عليه؛ لما رُوِي: (أن أبا عبيدة قتل أباه، وقال للنبي ﷺ : سمعته يسبك) . وإذا ثبت هذا في حق المشرك.. كان في حق أهل البغي مثله.

стр. 6094

[مسألة: يحبس شباب أهل البغي ما دامت الحرب قائمة] وإن أسر أهل العدل من أهل البغي حرا بالغا، فإن كان شابا جلدا.. فإن للإمام أن يحبسه ما دامت الحرب قائمة إن لم يرجع إلى الطاعة، فإن بذل الرجوع إلى الطاعة.. أخذت منه البيعة وخلي، وإن انقضت الحرب أو انهزموا إلى غير فيئة.. فإنه يخلى، وإن انهزموا إلى فيئة.. خلي، على المذهب، ولم يخلَّ على قول أبي إسحاق، ولا يجوز قتله. وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز قتله) . دليلنا: قوله ﷺ : «ولا يقتل أسيرهم» . فإن قتله رجل من أهل العدل عامدا.. فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القصاص؛ لأنه صار بالأسر محقون الدم، فصار كما لو رجع إلى الطاعة، وللولي أن يعفو عن القود إلى الدية. والثاني: لا يجب عليه القصاص؛ لأن قول أبي حَنِيفَة شبهة تسقط عنه القصاص. فعلى هذا: تجب فيه الدية. وإن كان الأسير شيخا لا قتال فيه أو مجنونا أو امرأة أو صبيا أو عبدا.. لم يحبسوا؛ لأنهم ليسوا من أهل البيعة على القتال. ومن أصحابنا من قال: يحبسون؛ لأن في ذلك كسرا لقلوبهم، وإقلالا لجمعهم، والمنصوص هو الأول. [مسألة: لا يرمى أهل البغي بالنار] ] : ولا يجوز رمي أهل البغي بالنار ولا بالمنجنيق من غير ضرورة؛ لأن القصد بقتالهم كفهم وردهم إلى الطاعة، وهذا يهلكهم، ولأن هذا يقتل من يقاتل ومن لا يقاتل، وإنما يجوز قتل من يقاتل من البُغاة. فإن أحاط أهل البغي بأهل العدل من كل جهة، ولم يمكنهم التخلص منهم إلا

стр. 6095

بالرمي بالنار أو بالمنجنيق، جاز لهم ذلك؛ لأن هذا موضع ضرورة. وقال ابن الصبَّاغ: وكذلك إن رماهم أهل البغي بالنار أو بالمنجنيق، جاز لأهل العدل رميهم بمثل ذلك. [فرع: لا يستعان بمن يرى قتل أهل البغي مدبرين] ] : ولا يجوز للإمام أن يستعين على قتال أهل البغي بمن يرى جواز قتلهم مدبرين من المسلمين؛ لأنه يعرف أنهم يظلمون، فإن كان لا يقدر على قتال أهل البغي إلا بالاستعانة بهم.. جاز إذا كان مع الإمام من يمنعهم من قتلهم مدبرين. ولا يجوز للإمام أن يستعين على قتالهم بالكفار؛ لأنهم يرون قتل المسلمين مدبرين تشفيا لما في قلوبهم. [مسألة: افتراق أهل البغي واقتتالهم] ] : وإن افترق أهل البغي فرقتين واقتتلوا، فإن قدر الإمام على قهرهما.. لم يعاون إحداهما على الآخر؛ لأنهما على الخطأ، والمعونة على الخطأ خطأ، وإن كان لا يقدر على قهرهما.. ضم إلى نفسه أقربهما إلى الحق، وقاتل معها الطائفة الأخرى، ولا يقصد بقتاله معاونة الطائفة التي ضمها إلى نفسه، وإنما يقصد رد الذين يقاتلون إلى طاعته. فإذا انهزمت الطائفة الذين قاتلهم أو رجعت إلى طاعته.. لم يقاتل الطائفة التي ضم إلى نفسه حتى يدعوهم إلى طاعته؛ لأن بضمهم إليه صار ذلك أمانا لهم منه، فإذا امتنعت من الدخول في طاعته.. قاتلهم. فإن استوت الطائفتان.. اجتهد في أقربها إلى الحق، وضم نفسه إليها.

стр. 6096

[فرع: لا تستحل أموال أهل البغي] ] : ولا يجوز لأهل العدل أخذ أموال أهل البغي، لقوله ﷺ : «ولا يقسم فيؤهم» . ورُوِي: أن عليا ﵁ وأرضاه - استؤذن يوم الجمل في النهب، فقال: (إنهم يحرمون بحرمة الإسلام، ولا يحل مالهم) . فإن انقضت الحرب، ورجعوا إلى الطاعة، وكان في يد أهل العدل مال لأهل البغي، أو في يد أهل البغي مال لأهل العدل.. وجب رد كل مال إلى مالكه، لقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» . ورَوَى ابن قيس: (أن منادي عليّ ﵁ وأرضاه - نادى: ألا من عرف من ماله شيئا.. فليأخذه. فمر بنا رجل، فعرف قدرا له يطبخ به، فأراد أخذها، فسألناه أن يصبر حتى نفرغ منها، فلم يفعل، فرمى برجلها وأخذها) .

стр. 6097

ولا يجوز الانتفاع بسلاحهم وكراعهم بغير إذنهم من غير ضرورة. وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز ذلك ما دامت الحرب قائمة) . دليلنا قوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» . ولأنه مسلم، فلم يجز الانتفاع بماله من غير إذن، كغير الكراع والسلاح، وكأهل العدل. فإن دعته على ذلك ضرورة، بأن ذهب سلاحه، أو خاف على نفسه.. جاز أن يدفع عن نفسه بسلاحهم. وكذلك: إن خاف على نفسه، وأمكنه أن ينجو على دابة لهم.. جاز له ذلك؛ لأنه لو اضطر إلى ذلك من مال أهل العدل.. لجاز له الانتفاع به، فكذلك إذا اضطر إلى ذلك من أموال أهل البغي. [مسألة: ضمان الفريقين المال والنفس] وإن أتلف أحد الفريقين على الآخر نفسا أو مالا قبل قيام الحرب أو بعدها.. وجب عليه الضمان؛ لأنه أتلف عليه مالا محرما بغير القتال، فلزمه ضمانه، كما لو أتلفوه قبل البغي. وإن أتلفوه في حال القتال.. نظرت: فإن أتلف ذلك أهل العدل.. لم يلزمهم ضمانه بلا خلاف؛ لأنهم مأمورون بقتالهم، والقتال يقتضي إتلاف ذلك. وإن أتلف ذلك أهل البغي على أهل العدل ... ففيه قولان: [أحدهما] : قال في القديم: (يجب عليهم ضمان ذلك) . وبه قال مالك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] [الإسراء: ٣٣] . والباغي ظالم، فوجب

стр. 6098

أن يكون عليه السلطان، وهو القصاص، ولأن الضمان يجب علي آحاد أهل البغي، فوجب أن يكون على جماعتهم، وعكسه أهل الحرب. و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يجب عليهم الضمان) ، وبه قال أبُو حَنِيفَة، وهو الأصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] الآية [الحجرات: ٩] . فأمر بقتالهم، ولم يوجب ضمان ما أتلفوه عليهم. وروي: أن هشام بن عبد الملك أرسل إلى الزهري يسأله عن امرأة من أهل العدل ذهبت إلى أهل البغي، وكفرت زوجها، وتزوجت من أهل البغي، ثم تابت ورجعت، هل يقام عليها الحد؟ فقال الزهري: كانت الفتنة العظمى بين أصحاب النَّبي ﷺ وفيهم البدريون، فأجمعوا على: أنه لا حد على من ارتكب فرجا محظورا بتأويل القرآن، وأن لا ضمان على من سفك دما محرما بتأويل القرآن، وأن لا غرم على من أتلف مالا بتأويل القرآن. وروي: (أن عليا ﵁ وأرضاه - قاتل أهل الجمل، وقتل منهم خلقا عظيما، وأتلف مالا عظيما، ثم ملكهم) . ولم ينقل: أنه ضمن أحدا منهم ما أتلف من نفس أو مال، فدلَّ على: أنه إجماع. ومن أصحابنا من قال: القولان في الأموال والديات، فأما القصاص: فلا يجب، قولا واحدا؛ لأنه يسقط بالشبهة. [مسألة: عقد أهل البغي مع أهل الحرب لا يصح] ] : إذا عقد أهل البغي لأهل الحرب الذمة والأمان بشرط: أن يعاونوهم على قتال أهل العدل.. لم يصح هذا العقد في حق أهل العدل، فيجوز لهم قتلهم مقبلين ومدبرين،

стр. 6099

ويجاز على جريحهم، ويجوز سبي ذراريهم، ويتخير الإمام فيمن أسر منهم بين القتل والمن والاسترقاق والفداء؛ لأن شرط صحة العقد لهم: أن لا يقاتلوا المسلمين، فإذا وقع العقد على شرط قتال المسلمين.. لم يصح؛ لأن أمانهم لو كان صحيحا، فقاتلوا المسلمين.. انتقض أمانهم، فإذا وقع أمانهم على شرط قتال المسلمين.. لم يصح. وإن أتلفوا على أهل العدل نفسا أو مالا.. لم يجب عليهم ضمانه، قولا واحدا، كما لو قاتلوا المسلمين منفردين، وهل يكونون في أمان من أهل البغي؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] . أحدهما - ولم يذكر الشيخ أبُو إسحاق، وابن الصبَّاغ غيره -: أنهم في أمان منهم؛ لأنهم قد بذلوا لهم الأمان، فلزمهم الوقاية. والثاني: أنهم لا يكونون في أمان منهم؛ لأن من لم يصح أمانه في حق بعض المسلمين.. لم يصح في حق بعضهم، كمن أمنه صبي أو مجنون. وأمَّا إذا استعان أهل البغي بأهل الذمة على قتال أهل العدل، فأعانوهم.. فهل تنتقض ذمتهم في حق أهل العدل؟ ينظر فيهم: فإن قالوا: لم نعلم أنهم يستعينون بنا على المسلمين، وإنما ظننا أنهم يستعينون بنا على أهل الحرب، أو قالوا: اعتقدنا أن قوما من المسلمين، إذا استعانوا بنا على قتال قوم منهم.. جاز لنا أن نعينهم على ذلك، أو قالوا: علمنا أن يجوز لنا إعانتهم عليكم إلا أنهم أكرهونا على ذلك.. لم تنتقض ذمتهم؛ لأن عقد الذمة قد صح، فلا ينتقض بأمر محتمل. وإن لم يدعوا شيئا من ذلك.. فهل تنتقض ذمتهم؟ فيه قولان: أحدهما: تنتقض، كما لو انفردوا بقتال المسلمين. والثاني: لا تنتقض؛ لأن أهل الذمة لا يعلمون المحق من المبطل، وذلك شبهة لهم. وقال أبُو إسحاق المَروَزِي: القولان إذا لم يكن الإمام قد شرط عليهم في عقد

стр. 6100

الذمة الكف عن القتال لفظا، فإن شرط عليهم الكف عن ذلك، انتقضت ذمتهم، قولا واحدا. والطريق الأول هو المنصوص. فإذا قلنا: تنتقض ذمتهم.. لم يجب عليهم ضمان ما أتلفوا على أهل العدل من نفس ومال، قولا واحدا، كأهل الحرب. قال الشيخُان: ويجوز قتلهم على هذا مقبلين ومدبرين، ويتخير الإمام في الأسير منهم، كما قلنا في أهل الحرب. وقال ابن الصبَّاغ: هل يجوز قتلهم على هذا مقبلين ومدبرين؟ فيه قولان، بناء على القولين فيهم إذا نقضوا الذمة.. فهل يقتلون في الحال، أو يجب ردهم إلى مأمنهم؟ وهل تنتقض ذمتهم في حق أهل البغي؟ ينبغي أن يكون على الوجهين اللذين مَضَيا في صحة أمان أهل البغي لأهل الحرب. وإذا قلنا: لا تنتقض ذمتهم.. فحكمهم حكم أهل البغي، فيجوز قتلهم مقبلين، ولا يجوز قتلهم مدبرين، ولا يجاز على جريحهم، ولا يجوز سبي أموالهم، ومن أسر منهم.. كان كمن أسر من أهل البغي، إلا أنهم إذا أتلفوا على أهل العدل نفسا أو مالا.. لزمهم ضمانه، قولا واحدا. والفرق بينهم وبين أهل البغي: أن لأهل البغي شبهة، فلذلك سقط عنهم الضمان في أحد القولين، وليس لأهل الذمة شبهة، فوجب عليهم الضمان، ولأن في إيجاب الضمان على أهل البغي تنفيرا عن رجوعهم إلى الطاعة، وقد أمرنا بإصلاحهم، وأهل الذمة لا نخاف من نفورهم، ولم نؤمر بالإصلاح بيننا وبينهم. وإن استعان أهل البغي بمن بيننا وبينهم هدنة، فأعانوهم.. انتقض أمانهم، إلا

стр. 6101

إن ادعوا: أنهم أكرهوا على ذلك، وأقاموا على ذلك بينة. والفرق بينهم وبين أهل الذمة: أن أهل الذمة أقوى حكما، ولهذا لا تنتقض الذمة لخوف جنايتهم، والهدنة تنتقض بخوف جنايتهم، فلأن تنتقض بنفس الإعانة أولى. وإذا انتقض أمانهم.. كان حكمهم حكم أهل الحرب. قال الشافعي ﵀: (فإن جاء أحدهم تائبا.. لم يقتص منه؛ لأنه مسلم محقون الدم) . فمن أصحابنا من قال: أراد بذلك: الحربي، والمستأمن، وأهل الذمة إذا قلنا: تنتقض ذمتهم.. فإن الواحد من هؤلاء إذا قتل أحدا من أهل العدل، ثم رجع إليهم تائبا.. لم يقتص منه؛ لأنه قتله قبل إسلامه، فأما أهل البغي: فلا يسقط عنهم الضمان بالتوبة؛ لأنهم مسلمون. ومنهم من قال: ما أراد الشافعيُّ ﵀ بذلك إلا أهل البغي، وقد نص عليه في " الأم "، ويجوز أن نعلل: بأنه مسلم محقون الدم؛ لأن قتله كان بتأويل، فلم يزل خفر ذمته، وإنما سقط عنه القصاص في أحد القولين. [مسألة: لا يصح نصب قاضٍ من أهل البغي يستحل دماء أهل العدل] ] : وإذا نصب أهل البغي قاضيا، فإن كان يستحل دماء أهل العدل وأموالهم.. لم يصح قضاؤه؛ لأنه ليس بعدل، وإن كان لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم.. نفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام قاضي أهل العدل، ورد من أحكامه ما يرد من حكم قاضَي أهل العدل، سواء كان القاضي من أهل العدل أو من أهل البغي. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن كان من أهل العدل.. نفذ حكمه، وإن كان من أهل البغي.. لم ينفذ حكمه) بناء على أصله: أن أهل البغي يفسقون بالبغي. وعندنا: لا يفسقون بالبغي.

стр. 6102

ودليلنا: أن عليا ﵁ وأرضاه - لما غلب أهل البغي، وقد كانوا حكموا مدة طويلة بأحكام، وما رُوِي: أنه رد شيئا منها. ولأن لهم تأويلا، فلم يفسقوا به، ولم يرد قضاء قاضيهم، كقاضي أهل العدل. إذا ثبت هذا: فإن حكم قاضي أهل البغي بسقوط الضمان عن أهل البغي فيما أتلفوا على أهل العدل من نفس ومال، فإن كان قال: قد حكمت بأن كل ما يتلفونه لا شيء عليكم فيه.. فليس هذا بحكم، ولا يلتفت إليه. وإن جاء العدل المتلف عليه بالذي أتلف عليه إلى قاضيهم لينظر بينهما، فقضى: بأن لا ضمان على الباغي فيما أتلفه، فإن كان فيما أتلفه قبل قيام الحرب أو بعدها.. لم ينفذ حكمه؛ لأنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، وإن كان فيما أتلفه في حال قيام الحرب.. نفذ حكمه؛ لأنه يسوغ في الاجتهاد. فإن كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي أهل العدل بحكم.. فالمستحب له: أن لا يقبل كتابه، استهانة بهم، وكسرا لقلوبهم، فإن قبله.. جاز. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجوز) . دليلنا: أنا قد دللنا: أنه ينفذ حكمه، ومن نفذ حكمه.. جاز قبول كتابه، كقاضي أهل العدل. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: إن كان قد نفذ القضاء قبل كتابه، وإن لم ينفذ القضاء.. فهل يقبل كتابه؟ فيه قولان. [فرع: قبول شهادة العدل من أهل البغي] ] : وإن شهد عدل من أهل البغي.. قبلت شهادته، ووافقنا أبُو حَنِيفَة على ذلك؛ لأنهم وإن كانوا فسقة عنده.. ففسقهم عنده من جهة التدين، وذلك لا يوجب رد

стр. 6103

الشهادة عنده، وإنما قبلت شهادتهم عندنا؛ لأنهم ليسوا بفسقة، فهم كأهل العدل المختلفين في الأحكام. [مسألة: صحة تصرف أهل البغي إذا استولوا] ] : وإن استولى أهل البغي على بلد، وأقاموا فيه الحدود، وأخذوا الزكوات والجزية والخراج.. وقع ذلك موقعه. وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه لا يعتد بما أخذوه من الجزية، وليس بشيء؛ لأن عليا ﵁ وأرضاه - لما ظهر على أهل البغي.. لم يطالب بشيء مما قد كانوا جبوه من ذلك. إذا ثبت هذا: فظهر الإمام على البلد التي كانوا غلبوا عليها، فادَّعى من عليه الزكاة: أنه قد كان دفع إليهم الزكاة، فإن علم الإمام بذلك، أو قامت به عنده بينة.. لم يطالبه بشيء، وإن لم يعلم الإمام بذلك، ولا قامت به بينة.. فإن دعوى من عليه الزكاة مخالفة للظاهر، فيحلفه، وهل تكون يمينه واجبة، أو مستحبة؟ فيه وجهان مَضَى ذكرهما في الزكاة. وإن ادَّعى من عليه الجزية: أنه دفعها إليهم، فإن علم الإمام بذلك، أو قامت به بينة.. لم يطالبه بشيء، وإن لم يعلم الإمام بذلك، ولا قامت به بينة.. لم يقبل قول من عليه الجزية؛ لأنه يجب عليه الدفع إلى الإمام؛ لأنهم كفار ليسوا بمأمونين، ولأن

стр. 6104

الجزية عوض عن المساكنة، فلا يقبل قولهم في دفعها من غير نية، كثمن المبيع والأجرة. فإن ادَّعى من عليه الخراج: أنه دفعه إليهم، فإن علم الإمام بذلك، أو قامت به بينة.. لم يطالب بشيء، وإن لم يعلم بذلك، ولا قامت به بينة.. ففيه وجهان: أحدهما: يقبل قوله مع يمينه؛ لأنه مسلم، فقبل قوله مع يمينه فيما دفعه، كما قلنا فيمن عليه الزكاة. والثاني: لا يقبل قوله؛ لأن الخراج ثمن أو أجرة، فلا يقبل قوله في دفعه من غير بينة، كالثمن والأجرة في غير ذلك. [مسألة: لا يقاتل الخوارج على رأيهم] ] : وإن أظهر قوم رأي الخوارج، فتجنبوا الجماعات، وسبوا السلف وكفروهم، وقالوا: من أتى بكبيرة.. خرج من الملة، واستحق الخلود في النار، ولكنهم لم يخرجوا من قبضة الإمام.. فإنه لا يقاتلهم في ذلك، كما رَوَيْنَاهُ في الرجل الذي قال لعلي على باب المسجد وعلي ﵁ وأرضاه - يخطب: لا حكم إلا لله، وكان خارجيا؛ لأن هذا من كلامهم. ورُوِي: أنه حُمِلَ ابن ملجم إلى عليّ ﵁ وأرضاه - وقيل له: إنه يريد أن يقتلك، فلم يقتله، وكان ابن ملجم خارجيا. ورُوِي: أن عاملا لعمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إليه: أن قوما يرون رأي الخوارج، يسبُّونك؟! فقال: إذا سَبُّوني.. سُبُّوهم، وإذا حملوا السلاح، فاحملوا عليهم السلاح، وإذا ضربوا.. فاضربوهم.

стр. 6105

وإن سَبُّوا الإمام أو غيره.. عزروا. وإن عرَّضوا بسبِّ الإمام.. ففيه وجهان. أحدهما: لا يعزرون؛ لـ: (أن عليا ﵁ وأرضاه - صَلَّى الفجر، فسمع رجلا خلفه من الخوارج يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] [الزمر: ٦٥] ورفع بها صوته تعريضا له بذلك، فأجابه عليّ ﵁ وأرضاه - وكان في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] [الروم: ٦٠] . ولم يعزره) . ولأن التعريض يحتمل السبَّ وغيره. والثاني: يعزرون؛ لأنه إذا لم يعزرهم بالتعريض بالسب.. ارتقوا إلى التصريح بالسب، وإلى أعظم منه. فإن بعث إليهم الإمام واليا، فقتلوه.. وجب عليهم القصاص، لما رُوِي: (أن عليا ﵁ وأرضاه - بعث عبد الله بن خباب إلى أهل النهروان واليا، فسلموا وأطاعوا، ثم قتلوه، فبعث إليهم أن ابعثوا بقاتله، فأبوا وقالوا: كلنا قتله، فسار إليهم وقاتلهم) . وهل يتحتم القصاص على القاتل؟ فيه وجهان: أحدهما: يتحتم؛ لأنه قتل بتشهير السلاح، فصار بمنزلة قاطع الطريق. والثاني: لا يتحتم؛ لأنه لم يقصد بذلك إخافة الطريق، وأخذ الأموال، فأشبه من قتل رجلا منفردا. [فرع: انفراد أهل البغي بدار وارتكابهم ما يوجب الحدود] ] : إذا انفرد أهل البغي بدار، وباينوا الإمام، وارتكبوا ما يوجب الحدود، وحصل

стр. 6106

معهم فيها أسير من أهل العدل، أو تأخر وارتكب فيها ما يوجب الحد، ثم ظهر عليهم الإمام.. أقام عليهم حدود ما ارتكبوا. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليهم) . بناه على أصله في المسلمين: إذا ارتكبوا ما يوجب الحد في دار الحرب.. فإنهم لا يحدون. دليلنا: أن كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها.. وجب فيه الحدود عند وجود أسبابها، كدار أهل العدل. وبالله التوفيق

стр. 6107

[باب حكم المرتد] الردة محرمة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . الآية [البقرة: ٢١٧] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية [آل عمران: ٨٥] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] الآية [المائدة: ٥] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] الآية [الزمر: ٦٥] . إذا ثبت هذا: فإن الردة إنما تصح من كل بالغ، عاقل، مختار، فأما الصبي، والمجنون، فلا تصح ردتهما. وقال أبُو حَنِيفَة: (تصح ردة الصبي، ولكن لا تقبل حتى يبلغ) . دليلنا: قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» . وهل تصح ردة السكران؟ ذكر الشيخ أبُو إسحاق فيه طريقين: أحدهما: أنها على قولين. والثانية: لا تصح ردته، قولا واحدا. ولم يذكر الشيخ أبُو حامد، وابن الصبَّاغ، وأكثر أصحابنا غير هذه الطريقة.

стр. 6108

ومن أكره على كلمة الكفر.. فالأفضل أن لا يأتي بها. ومن أصحابنا من قال: إن كان مِمَّن يرجو النكاية في أمر العدو أو القيام في أمر الشَّرع.. فالأفضل أن يدفع القتل عن نفسه، ويتلفظ بها، وإن كان لا يرجو ذلك من نفسه.. اختار القتل. والمذهب الأول؛ لما رَوَى أنس ﵁: أن النَّبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه.. وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ وإن يحب المرء لا يحبه إلا لله؛ وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن توقد نار فيقذف فيها» . فإن أكره على التلفظ بكلمة الكفر، فقالها، وقصد بها الدفع عن نفسه ولم يعتقد الكفر بقلبه.. لم يحكم بردته؛ وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة. وقال أبُو يوسف: يحكم بردته. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] [النحل: ١٠٦] . وفيها تقديم وتأخير، وتقديرها: من كفر بالله من بعد إيمانه، وشرح بالكفر

стр. 6109

صدرا.. فعليهم غضب من الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. ورُوِي: «أن رجلا أسلم على عهد النَّبي ﷺ ثم أكره على الكفر، فقالها، فأتى النَّبي ﷺ وأخبره بالذي عُوقبَ به، فلم يقل له شيئا» .

стр. 6110

وإذا أكره الأسير على كلمة الكفر، فقالها.. لم يحكم بكفره؛ لما ذكرناه. فإن مات ورثه ورثته المسلمون؛ لأنه محكوم ببقائه على الإسلام، فإن عاد إلى دار الإسلام.. عرض عليه الإسلام، وأمر بالإتيان به، لاحتمال أن يكون قال ذلك اعتقادا، فإن أتى بكلمة الإسلام.. عَلِمنا أنه أتى بكلمة الكفر مكرها، وإن لم يأت بالإسلام.. علمنا أنه أتى بكلمة الكفر معتقدا له. قال الشافعي ﵀: (وإن قامت بينة على رجل: أنه تلفظ بكلمة الكفر وهو محبوس أو مقيد، ولم تقل البينة: إنه أكره على التلفظ بذلك.. لم يحكم بكفره؛ لأن القيد والحبس إكراه في الظاهر) . وهكذا قال في الإقرار: (إذا أقر بالبيع أو غيره من العقود، وهو محبوس أو مقيد، ثم قال بعد ذلك: كنت مكرها على الإقرار.. قُبِل قوله في ذلك؛ لأن القيد والحبس إكراه في الظاهر) . وإن قامت بينة: أنه كان يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير في دار الكفر.. لم يحكم بكفره؛ لأنها معاص، وقد يفعلها المسلم وهو يعتقد تحريمها، فلم يحكم بكفره، وإن مات ورثه ورثته المسلمون؛ لأنه محكوم ببقائه على الإسلام. [مسألة: المرتد يقتل] ] . وإذا ارتد الرجل.. وجب قتله، سواء كان حرّا أو عبدا، لما رَوَى عُثمانَ ﵁: أن النَّبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنَى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» .

стр. 6111

ورُوِي: أن معاذا ﵁ قدم على أبي موسى باليمن، ووجد عنده رجلا موثقا، كان يهوديا فأسلم، ثم تهود منذ شهرين، فقال: (والله لا أقعدن حتى تضرب عنقه، قضى الله ورسوله: أن من رجع عن دينه.. فاقتلوه) ورُوِي: أن قوما ارتدوا، فقبض عليهم عبد الله بن مَسعُودٍ ﵁ وكتب إلى عُثمانَ ﵁ وأرضاه - فيهم، فكتب عُثمانَ ﵁ إليه: (أن اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن أتوا به.. فخلهم، وإن أبوا.. فاقتلهم) فعرض عليهم، فمنهم من رجع فتركه، ومنهم من لم يرجع فقتله. ورُوِي: أن قوما قالوا لعلي ﵁ وأرضاه: أنت الإله، فأحرقهم بالنار،

стр. 6112

فبلغ ذلك ابن عبَّاس ﵄ فقال: لو كنت أنا لقتلتهم، سمعت النَّبي ﷺ يقول: «من بدَّل دينه.. فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله تَعالَى» ؛ فدلَّ على: أنه إجماع. وإن ارتدت امرأة حرة أو أمة.. وجب قتلها، وبه قال أبُو بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - والحسن، والزهري، والأَوزَاعِي، والليث، ومالك، وأحمد، وإسحاق. وقال علي ﵁ وأرضاه: (إذا ارتدت المرأة.. استرقت) . وبه قال

стр. 6113

قتادة، وهي إحدَى الروايتين عن الحَسَن. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا تقتل، وإنما تحبس وتطالب بالرجوع إلى الإسلام، وإن لحقت بدار الحرب.. سبيت واسترقت، وإن كانت أمة.. أجبرها سيدها على الإسلام) . ويروَى ذلك عن ابن عباس ﵄. دليلنا: ما رَوَى ابن عبَّاس ﵄: أن النَّبي ﷺ قال: «من بدَّل.. دينه فاقتلوه» وقال معاذ ﵁: «قضى الله ورسوله: أن من رجع عن دينه.. فاقتلوه» ، وهذا عام في الرجال والنساء. ورَوَى جابر: «أن امرأة يقال لها: أم رومان، ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النَّبي ﷺ ، فأمر أن تستتاب، فإن تابت، وإلا.. قتلت» . [فرع: طلب المرتد المناظرة] ] : وإذا قال المرتد ناظروني أو اكشفوا لي الحجة.. فهل يناظر؟ قال المسعودي [في " الإبانة "] : فيه وجهان: أحدهما: يناظر؛ لأنه هو الإنصاف. والثاني: لا يناظر؛ لأن الإسلام قد وضح، فلا معنى لحجته عليه.

стр. 6114

[فرع: استتابة المرتد] قبل القتل] : ويستتاب المرتد قبل أن يقتل. وقال الحَسَن البَصرِي: لا يستتاب، وإنما يقتل في الحال. وقال عطاء: إن كان مولودا على الإسلام، ثم ارتد.. فإنه لا يستتاب، وإن كان كافرا، فأسلم، ثم ارتد.. فإنه يستتاب. دليلنا: أنه لما ورد على عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه - فتح تستر.. قال لهم: (هل من مغربة خبر؟) قالوا: نعم، رجل ارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، فلحقناه وقتلناه. قال: (فهلا أدخلتموه بيتا، وأغلقتم عليه بابا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه ثلاثا؟ فإن تاب، وإلا.. قتلتموه؛ اللهم إنِّي لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني) . قوله: (مغربة خبر) ، يروى بفتح الغين وتشديد الراء وكسر الراء وفتحها، ومعناه: هل من خبر غريب عنا. ورُوِي: أن ابن مَسعُودٍ ﵁ كتب إلى عُثمانَ ﵁ وأرضاه - في قوم ارتدوا، فكتب إليه عُثمانَ ﵁ وأرضاه -: (اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوا.. فخلهم، وإن أبوا.. فاقتلهم) إذا ثبت هذا: فهل الاستتابة مستحبة، أو واجبة؟ فيه قولان، قال الشيخُ أبُو حامد: وقيل هما وجهان: أحدهما: أنها مستحبة، وبه قال أبُو حَنِيفَة، لقوله ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» ؛ فأوجب قتله، ولم يوجب استتابته، ولأنه لو قتله قاتل قبل الاستتابة.. لم

стр. 6115

يجب عليه ضمانه، ولهذا: لم يوجب عمر ﵁ وأرضاه - الضمان على الذين قتلوا المرتد قبل استتابته، فلو كانت الاستتابة واجبة.. لوجب ضمانه. فعلى هذا: لا يأثم إذا قتله قبل الاستتابة. والثاني: أن الاستتابة واجبة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] [الأنفال: ٣٨] . فأمر الله تَعالَى بمخاطبة الكفار بالانتهاء، ولم يفرق بين الأصلي والمرتد. ولما رَوَيْنَاهُ عن عمر وعثمان ﵄ وأرضاهما - ولأن من لم تبلغه الدعوة.. يجب أن يُدعَى إلى الإسلام قبل القتل، فكذلك المرتد. وأمَّا قوله ﷺ «من بدَّل دينه.. فاقتلوه» فمعناه: بعد الاستتابة، بدليل: ما ذكرناه. وأمَّا قوله: (لو وجبت الاستتابة.. لوجب على قاتله قبل الاستتابة ضمانه) ؛ فيبطل بقتل نساء أهل الحرب وذراريهم، فإنه يحرم قتلهم، ولو قتلهم.. لم يجب ضمانهم. فعلى هذا: إذا قتله قبل الاستتابة.. أَثم لا غير، وفي قدر مدة الاستتابة قولان، سواء قلنا: إنها مستحبة أو واجبة: أحدهما: يستتاب ثلاثة أيام، وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة، وأحمد ﵏ تَعالَى - ووجهه: ما رَوَيْنَاهُ عن عمر ﵁ وأرضاه - ولأن الاستتابة تراد لزوال الشبهة، فقدر ذلك بثلاث؛ لأنها آخر حد القلة وأول حد الكثرة. والثاني: يستتاب في الحال، فإن تاب.. وإلا.. قتل. وهو الذي نصره الشافعيُّ ﵀؛ لحديث أم رومان، ولأنه استتابة، فلم يتقدَّر بالثلاث، كاستتابة الحربي، هذا مذهبنا. وقال عليّ ﵁ وأرضاه -: (يستتاب شهرا) .

стр. 6116

وقال الزهري: يستتاب ثلاث مرات في حالة واحدة. وقال أبُو حَنِيفَة: (يستتاب ثلاث مرات في ثلاث جمع، كل جمعة مرة) . وقال الثوري: يستتاب أبدا، ويحبس إلى أن يتوب أو يموت. ودليلنا عليه: ما مَضَى. [فرع: يستتاب المرتد السكر بعد إفاقته] ] : وأمَّا السكران: فإنه لا يستتاب في حال سكره، وإنما يؤخر إلى أن يفيق، ثم يستتاب؛ لأن استتابته في حال إفاقته أرجى لإسلامه، فإن استتيب في حال سكره، فلم يتب وقتل.. جاز؛ ولكن الأحوط أن يترك حتى يفيق. وإن أسلم في حال سكره.. صح إسلامه. وقال أبُو علي بن أبي هُرَيرَة: لا يصح إسلامه، وبه قال أبُو حَنِيفَة، والمنصوص هو الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] . فخاطبهم في حال السكر، فدلَّ على: أنه مخاطب مكلف، فكل من كان مخاطبا مكلفا.. صح إسلامه، كالصاحي. وإذا أسلم في حال السكر.. فالمستحب: أن لا يخلى، بل يحبس إلى أن يفيق، فإن أفاق وثبت على إسلامه.. خلِّي، وإن عاد إلى الكفر.. قتل. فإن ارتد الرجل، ثم جن أو تبرسم.. لم يقتل حتى يفيق من جنونه، ويبرأ من

стр. 6117

برسامه؛ لأن المرتد لا يقتل إلا بالردة والمقام عليها باختياره، والمجنون والمبرسم لا يعلم إقامته على الردة باختياره، فلم يقتل. [مسألة: قبول إسلام المرتد ولا يهدر دمه] ] : إذا أسلم المرتد صح.. إسلامه ولم يقتل، سواء كانت ردته إلى كفر يتظاهر به أهله كاليهودية والنصرانية وعبادة الأصنام، أو إلى كفر يستتر به أهله، كالزندقة و (الزنديق) : هو الذي يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، فمتى قامت بينة: أنه تكلم بما يكفر به.. فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا.. قتل، فإن استتيب، فتاب.. قبلت توبته. وقال بعض الناس: إذا أسلم المرتد.. لم يحقن دمه بحال، لقوله ﷺ : «من بدَّل دينه.. فاقتلوه» ، وهذا قد بدَّل. وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: (لا تقبل توبة الزنديق، ولا يحقن دمه بذلك) ، وهي إحدَى الروايتين عن أبي حَنِيفَة، والرواية الأخرى عنه كمذهبنا. ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] الآية [التوبة: ٧٤] . فأثبت الله لهم التوبة بعد الكفر وبعد الإسلام. ورُوِي: أن النَّبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها.. عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها» وهذا قد قالها. ورَوَى عبيد الله بن عدي بن الخيار: «أن رجلا سارَّ النَّبي ﷺ فلم نَدرِ ما سارَّه به، حتى جهر النَّبي ﷺ بصوته، فإذا هو قد استأذنه في قتل منافق، فقال النَّبي ﷺ : " أليس هو يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له، قال: " أليس يشهد أنِّي رسول الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له] فقال: " أليس يصَلَّي؟ "

стр. 6118

قال: بلى.. ولا صلاة له؛ فقال النَّبي ﷺ : " أُولئِكَ الَّذِينَ نَهانِي الله عن قتلهم» . «ورَوَى المقداد ﵁ قال: يا رسول الله - صَلَّى الله عليك وسَلَّم - أرأيت لو أن مشركا لقيني وقطع يدي، ثم لاذ عني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله؟ فقال: " لا "، قال: فقد قالها بعدما قطع يدي؟! فقال: " إنما هو مثلك قبل أن تقتله» . ولأن المنافقين في زمان النَّبي ﷺ كانوا يظهرون الإسلام ويُسِرُّون الكفر، و (كان النَّبي ﷺ يعرفهم بأعيانهم، والآيات تنزل عليه بأسمائهم وكناهم ولا يتعرض لهم) . [فرع: كيفية إسلام الكافر والمرتد ونحوهما] ] : إسلام الكافر الأصلي والمرتد سواء، وينظر فيه: فإن كان لا تأويل له في كفره، مثل: عَبَدَة الأوثان.. فيكفيه في الإسلام: أن يأتي بالشهادتين؛ لقوله ﷺ : «فإذا قالوها.. عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . وإن كان متأولا في كفره، بأن يقول: إن محمدا رسول الله، ولكنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب، أو يقول: هو نبي، إلا أنه لم يبعث بعد.. فلا يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين، ويبرأ معهما من كل دين مخالف دين الإسلام؛ لأنه إذا اقتصر على الشهادتين.. احتمل أن يريد ما يعتقده. وإن ارتد بجحود فرض مُجمَعٍ عليه، كالصلاة، والزكاة؛ أو باستباحة محرم مُجمَعِ

стр. 6119

عليه كالخمر، والخنزير، والزنا.. لم يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين، ويقر بوجوب ما جحد وجوبه، وتحريم ما استباحه من ذلك؛ لأنه كذب الله ورسوله بما أخبرا به، فلم يحكم بإسلامه حتى يقر بتصديقهما بذلك. قال الشافعي ﵀: (وإن صَلَّى الكافرُ الأصلي في دار الحرب.. حكم بإسلامه، وإن صَلَّى في دار الإسلام.. لم يحكم بإسلامه؛ لأن الإنسان في دار الإسلام مطالب بإقامة الصلاة، محمول على فعلها، فإذا فعلها الكافر هناك.. فالظاهر أنه فعلها تقية لا اعتقادا، فلم يحكم بإسلامه، وفي دار الكفر هو غير مطالب بإقامة الصلاة، فإذا فعلها فيه.. فالظاهر أنه فعلها اعتقادا لا تقية.. فحكم بإسلامه) . وهكذا: إن ارتد في دار الحرب، ثم شهد شاهدان: أنه يصلي هناك.. فإنه يحكم بإسلامه؛ لما ذكرناه في الحربي، وإن ارتد في دار الإسلام، ثم شهد شاهدان: أنه يصلي.. فإنه لا يحكم بإسلامه؛ لما ذكرناه في الحربي، ولأن المرتد في دار الحرب لا يمكن معرفة إسلامه إلا بالصلاة؛ لأنه لا يمكنه إظهار الشهادتين، والمرتد في دار الإسلام يمكن معرفة إسلامه بإظهار الشهادتين. وإن أكره الذمي على الإسلام.. لم يصح إسلامه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] [البقرة: ٢٥٦] . وإن أكره الحربي أو المرتد على دين الإسلام.. صح إسلامه؛ لأنه أكره بحق. [فرع: مكررالردة ثم الإسلام يعزر] فرع: [مكرر الردة ثم الإسلام يعزر] : إذا ارتد ثم أسلم ثم ارتد ثم أسلم، وتكرر ذلك منه.. فإنه يحكم بصحة إسلامه، إلا أنه لا يعزر في الردة الأولى؛ لجواز أن يكون عرضت له شبهة، ويعزر فيما بعدها؛ لأنه لا شبهة له، ووافقنا أبُو حَنِيفَة على صحة إسلامه، إلا أنه قال: (يحبس في الثانية) ؛ والحبس نوع من التَّعزِير.

стр. 6120

وقال أبُو إسحاق المَروَزِي: إذا تكرر منه الردة.. لم يصح إسلامه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٣٧] [النساء: ١٣٧] ، فأخبر: أنه لا يغفر لهم في الثالثة. ودليلنا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] [الأنفال: ٣٨] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] [التوبة: ٥] ، ولم يفرق. وقوله ﷺ : «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» . ولم يفرق. وأمَّا الآية: فلها تأويلان: أحدهما: أن معناها: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بعيسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بمحمد ﷺ ثم كفروا به.. لم يكن الله ليغفر لهم. والثاني: أن معناها: إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، وأصروا على الكفر ولم يسلموا، الآية، قال: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧] [النساء: ١٣٧] . [مسألة: الإمام يقتل الحر وفي قتل السيد لمولاه المرتد] مسألة: [الإمام يقتل الحر المرتد، وفي قتل السيد لمولاه المرتد] : إذا ارتد الحر وأقام على الردة.. فإن قتْلَه إلى الإمام؛ لأن قتْلَه حق للمسلمين، وفيهم من يحسن القتل وفيهم من لا يحسن، والإمام نائب عنهم. فإن قتَله بعضهم بغير إذن الإمام.. فلا قَوْد عليه ولا دية ولا كفارة؛ لأنه مستحق للقتل، فإن رأَى الإمام تعزيره.. فعل؛ لأنه افتأت عليه ذلك. وإن ارتد العبد.. فهل لسيده أن يقتله؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك، كما له أن يقيم عليه حد الزِّنَا.

стр. 6121

والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لا يتصل بصلاح ملكه، بخلاف حد الزِّنَا. [مسألة: حكم مال المرتد] ] : وإن ارتد وله مال.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (يوقف ماله) . وقال في الزكاة: (فيه قولان: أحدهما: أنه موقوف على إسلامه أو قتله. والثاني: أن ملكه ثابت، فتؤخذ زكاة ماله حولا فحولا) . وقال في التدبير: (إذا دبر المرتد عبدا.. ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن تدبيره صحيح. والثاني: تدبيره موقوف. والثالث: أن تدبيره باطل؛ لأن ماله خارج منه) . واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في بقاء ملك المرتد على ماله، وفي جواز تصرفه قبل الحجر ثلاثة أقوال. أحدها: أن ماله باق على ملكه، وتصرفه فيه قبل الحجر عليه صحيح؛ لأن الردة معنى يوجب القتل، فلم يزل بها الملك، ولم يبطل بها تصرفه، كزنى المحصن. والثاني: وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -: أن ملكه يزول عن ماله بالردة. فعلى هذا: لا يصح تصرفه فيه، لما رُوِي: أن أبا بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - قال لوفد بزاخة من أسد وغطفان: (نغنم ما أصبنا منكم، وتردون إلينا ما أصبتم منا) ، ولأنه عصم دمه وماله بالإسلام، فلما ملك المسلمون دمه بردته.. وجب أن يملكوا ماله بردته.

стр. 6122

والثالث: أن ملكه وتصرفه موقوفان، فإن أسلم.. تبين أن ملكه لم يزل، وتصرفه صحيح، وإن مات على الردة أو قتل عليها.. تبينا أن ملكه زال بالردة، وإن تصرفه باطل؛ لأنه نوع ملك للمرتد، فكان موقوفا، كملكه لبضع زوجته. ومن أصحابنا من قال: في ملكه قولان لا غير: أحدهما: أنه موقوف. والثاني: أنه باق. ومعنى قول الشافعي ﵀: (لأن ماله خارج منه) أي: في التصرف. وأمَّا تصرفه قبل الحجر: فعلى الأقوال الثلاثة، على ما مَضَى. إذا ثبت هذا: فإن قلنا: إن ملكه زال عن ماله بالردة.. لم يحتج إلى الحجر عليه، وإن قلنا: إن ملكه باق على ماله، أو قلنا: إنه موقوف.. فإن القاضي يحجر عليه في ماله؛ لأنه تعلق بماله حق المسلمين، وهو متهم في إضاعته، فحجر عليه، كالمفلس. هذا نقل البغداديين. وقال الخراسانيون: إن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. صار محجورا عليه بنفس

стр. 6123

الردة، وإن قلنا: إن ملكه باق.. حجر عليه القاضي، وإن قلنا: إنه موقوف.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه صار محجورا عليه بنفس الردة؛ لأنا لا نحكم له بالإسلام، فينفذ تصرفه: والثاني: يحجر عليه الحاكم؛ لأنا لم نقطع ملكه بالرِّدة بعد. وإن تصرف المرتد في ماله بعد الحجر، فإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. لم يصح تصرفه. وإن قلنا: إن ملكه باق أو موقوف.. ففي تصرفه القولان في تصرف المفلس بعد الحجر؛ لأن تعلق حق المسلمين بماله كتعلق حق الغرماء بمال المفلس بعد الحجر. وإن زوج المرتد أمته، فإن قلنا: يصح تصرفه.. صح النكاح، وإن قلنا: لا يصح تصرفه.. لم يصح النكاح، وإن قلنا: إن تصرفه موقوف.. لم يصح النكاح أيضا؛ لأن النكاح لا يقع موقوفا عندنا. [فرع: ما لزم على المرتد يؤخذ من ماله] ] : وما لزم على المرتد من دين أو أرش جناية، أو نفقة زوجة أو قريب.. فإنه يجب أداؤه من ماله على الأقوال كلها؛ لأنا إن قلنا: إن ملكه باق أو موقوف.. فلا محالة يقضي منه أو من ماله، وإن قلنا أن ملكه زال بالردة.. إلَّا أنه لم يَزُل زوالا مستقرا؛ لأنه يَعود إليه بإسلامه. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخرسانيون: إن قلنا: إن ملكه باق.. أخذت هذه الحقوق من ماله، وإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول الإصطخري، وهو الأصح عندهم -: أنها لا تؤخذ من ماله؛ لأنه لا ملك له.

стр. 6124

والثاني: أنها تؤخذ منه؛ لأنا إنما نحكم بزوال ملكه فيما لم يكن تعلق به حق الغير، كما لو استدان، ثم ارتد.. فإن الدين يقضى من ماله. فإن مات أو قتل على الردة، فإن بقي من ماله بعد قضاء ديونه وأرش جناياته ونفقة زوجاته شيء.. صرف ذلك إلى بيت المال فيئا للمسلمين. وقال أبُو يوسف، ومحمد: يرث عنه ورثته المسلمون جميع أمواله. وقال أبُو حَنِيفَة: (يرث عنه ورثته المسلمون ما اكتسبه في حال الإسلام، وأمَّا ما اكتسبه بعد الردة.. فلا يورث عنه) . دليلنا: قوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر» ولم يفرق. وإن قتل المرتد رجلا، فإن كان عمدا.. كان الولي بالخيار: بين أن يقتص منه، وبين أن يعفو عنه، فإن اقتص منه.. سقط القتل بالردة، وإن عفا عنه على مال.. تعلقت الدية بماله على طريقة أصحابنا البغداديين. وعلى طريقة الخراسانيين: على ما مَضَى. وإن كان القتل خطأ.. قال الشيخُ أبُو حامد: فإن الدية تجب في ماله في ثلاث سنين، ولا تتحملها العاقلة؛ لأنه لا عاقلة له، فإن مات أو قتل قبل الثلاث.. أخذ ولي المقتول الدية في الحال؛ لأن الدين المؤجل يحل بموت من عليه. [فرع: إقرار المرتد بدين ونحوه] فرع: [لا يصح إقرار المرتد بدين ونحوه] : قال المسعودي [في " الإبانة "] : فإن أقر المرتد لرجل بدَيْن أو عين، فإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. لم يصح إقراره، وإن قلنا: إن ملكه باق.. ففي صحة إقراره القولان في إقرار المفلس، وسواء أقرَّ قبل الحجر أو بعد الحجر. [فرع: اختلاف الورثة أمات كافرا أو مسلما] ] : فإن عرف إسلام رجل، فمات وخلف ورثة، فأقر بعضهم: أنه مات كافرا، وأقر بعضهم: أنه مات مسلما.. دفع إلى من أقر: أنه مات مسلما نصيبه؛ لأنه لا محالة

стр. 6125

محكوم بإسلامه، ولا يدفع نصيب من أقر: أنه مات كافرا إليه؛ لأنه أقر: أنه لا يستحقه، وماذا يصنع به؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبُو حامد: أحدهما: يوقف إلى أن يتبين الحال فيه؛ لأنه لا يمكن دفعه إليه؛ لأنه أقر: أنه لا يستحقه، ولا يمكن صرفه إلى بيت المال؛ لأنه إنما ينقل إليه مال كافر، وهذا محكوم بإسلامه؛ ولهذا ورثنا بعض ورثته منه. والثاني: أنه ينقل إلى بيت المال؛ لأنه حق للوارث المقر في الظاهر، وقد أقر به لبيت المال، فقُبِل إقراره فيه. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا أقر مسلم: أن أباه مات كافرا.. سئل عن ذلك، فإن قال: تكلم بكلمة الكفر عند موته.. قبل ولم يرثه، وإن لم يقر بذلك بل أطلق.. ففيه قولان: أحدهما: لا يرثه؛ لأنه أقر: أنه لا يرثه. والثاني: لا يقبل إقراره؛ لأنه قد يعتقد تكفير أهل البدع. [فرع: ارتد ولحق بدار حرب وأمواله في دار الإسلام] ] : إذا ارتد رجل ولحق بدار الحرب، وترك أموالا في دار الإسلام.. فإن الإمام يحفظها؛ لأنه متردد: بين أن يسلم ويرجع إليه ماله، وبين أن يموت على الردة أو يقتل، فيكون فيئا، فإن كان ماله من العروض أو الدراهم أو الدنانير.. حفظها الإمام، وإن كان حيوانا.. فعل الإمام ما رأى فيه الحظ من بيعه وحفظ ثمنه، أو إكرائه وإنفاق كرائه عليه. وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا لحق بدار الحرب.. كان كما لو مات، فتعتق أم ولده ومدبره، ويحل دينه المؤجل، ويقسم ماله بين ورثته عنده، فإن رجع إلى الإسلام.. لم ينتقض من هذه الأحكام شيء، إلا أن يكون عين ماله قائمة في يد ورثته، فيأخذه منهم) .

стр. 6126

دليلنا: أن كل حالة لو أسلم فيها.. رد ماله إليه لم يقسم ماله فيها، كما لو كان بدار الإسلام. [مسألة: استرقاق المرتد] مسألة: [لا يجوز استرقاق المرتد] : ولا يجوز استرقاق المرتد، رجلا كان أو امرأة. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن كان المرتد امرأة ولحقت بدار الحرب.. جاز استرقاقها؛ لأن أم محمد ابن الحنفية كانت من بني حَنِيفَة، وكانوا مرتدين، فملكها عليّ ﵁ وأرضاه - واسترقها) . دليلنا: أن الكفر بعد الإيمان يمنع الاسترقاق كالرجل، وأمَّا الخبر: فقد رُوِي: أنها كانت أمة، فسبيت. وإذا قتل مالكها على الردة كانت فيئا. وأمَّا ولد المرتد: فإن ولد قبل ردة أبويه أو أحدهما، أو ارتد أبواه وهو حمل.. فإنه محكوم بإسلامه؛ لأنه قد حكم بإسلامه تبعا لأبويه، فلم يزل إسلامه بردة أبويه، بدليل: قوله ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يُعلَى» .

стр. 6127

فإن بلغ هذا الولد، ووصف الإسلام.. فلا كلام، وإن امتنع من أن يصف الإسلام، أو وصف الكفر بعد بلوغه.. حكم بردته، ويقتل. وقال أبُو العباس: وفيه قول آخر: أنه إذا لم يصف الإسلام بعد بلوغه.. أنه لا يقتل ويترك على كفره؛ لأن الشافعي، ﵀ قال: (ولو قتله قاتل بعد بلوغه وقبل أن يصف الإسلام.. لم يكن على قاتله القود) فلو حكم له بالإسلام بعد بلوغه.. لأوجب على قاتله القود، وهذا خطأ؛ لأنه محكوم له بالإسلام؛ ولهذا لو قتله قاتل قبل أن يبلغ.. وجب عليه القود، وإنما لم يوجب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - القود على من قتله بعد بلوغه وقبل أن يصف الإسلام، لأجل شبهة عرضت، وهو: أنه لم يصف الإسلام، لا لأنه لم يحكم له بالإسلام. وأمَّا إذا ارتد الأبوان، ثم حملت به الأم في حال ردتهما، ووضعته قبل أن يسلما أو أحدهما، أو تزوج مسلم ذمية وارتد، ثم حملت بولد في حال ردته، ووضعته قبل أن يسلما أو أحدهما.. فإن الولد محكوم بكفره؛ لأنه ولد بين كافرين، وهل يجوز استرقاقه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز سبيه؛ لأن حكم الولد الصغير في الدين حكم أبويه، وإذا لم يجز سبي أبويه.. لم يجز سبيه، كولد المسلمين. فعلى هذا: يترك حتى يبلغ، فإن لم يصف الإسلام.. قتل. والثاني: يجوز سبيه؛ لأنه ولد بين كافرين، ولا يجوز إقرارهما على الكفر، فجاز سبيه، كولد الكافرين الحربيين. فعلى هذا: إذا سبي.. كان الإمام فيه بالخيار: بين القتل، والاسترقاق،

стр. 6128

والمن، والفداء، غير أنه إذا استرقه.. لم يجز إقراره على الكفر؛ لأنه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: فيه قولان، واختلفوا فيهما: منهم من قال: أحدهما: أنه كالكافر الأصلي. والثاني: أنه كأبويه. ومنهم من قال: أحدهما: أنه كالأصلي. والثاني: أنه مسلم؛ لأنه متولد من شخص حرمة الإسلام فيه باقية، وهو مطالب بجميع أحكام الإسلام، إلا أنه ممتنع من أدائها بالردة، والولد لم يوجد منه امتناع بالكفر. هذا مذهبنا. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن ولد في دار الحرب.. سبي واسترق، وإن ولد في دار الإسلام.. لم يسب ولم يسترق) . دليلنا: أن الدار لا تأثير لها في إثبات الاسترقاق ومنعه، كما لو ولد بين الحربيين ولد في دار الإسلام، أو ولد بين المسلمين في دار الحرب ولد. [مسألة: قتال المرتدين قبل قتال أهل الحرب] ] : وإذا ارتدت طائفة أو امتنعت.. قاتلهم الإمام؛ لأن أبا بكر ﵁ وأرضاه - قاتل المرتدين، ويبدأ بقتالهم قبل قتال أهل الحرب؛ لما رُوِي: «أن النَّبي ﷺ جهز جيش أسامة، ثم مات قبل إنفاذه، فلما ولي أبُو بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه -.. أراد إنفاذه، فقالت الصحابة ﵃ وأرضاهم -: يا خليفة رسول الله! إن العرب قد ارتدت حول المدينة، فلو أخرت هذا الجيش؟ فقال: والله لو انثالت

стр. 6129

المدينة سباعا.. ما أخرت جيشا جهزه رسول الله ﷺ » -. فموضع الدليل منه: أن الصحابة ﵃ رأت أن قتال المرتدين أولى من

стр. 6130

قتال أهل الحرب، ولم ينكر عليهم أبُو بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - ذلك، وإنما اعتذر إليهم، بأن ذلك الجيش جهزه النَّبي ﷺ فلا يؤخر، بدليل: أن أبا بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - بدأ بقتال المرتدين بغير جيش أسامة، ثم رجع إلى قتال غيرهم. ويتبع في الحرب مدبرهم، ويجاز على جريحهم؛ لأنه إذا وجب ذلك في قتال أهل الحرب.. فلأن يجب في قتال المرتدين ـ وكفرهم أغلظ ـ أولى. فإن أسر منهم أسير.. استتيب، فإن تاب.. وإلا قتل؛ لأنه لا يجوز إقراره على الكفر. [مسألة: لزوم الضمان على المرتد فيما أتلفه على المسلمين] ] : وإن أتلف المرتد على المسلمين نفسا أو مالا، فإن كان في غير منعة، أو كان في منعة إلا أنه أتلفه قبل قيام الحرب أو بعدها.. لزمه الضمان؛ لأنه التزم ذلك بالإسلام، فلم يسقط عنه بالردة. وإن كان في منعة، وأتلفه في حال قيام الحرب.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: فيه قولان، كأهل البغي: قال الشيخُ أبُو حامد: إلا أن الصحيح في أهل البغي: أنه لا يجب عليهم الضمان، والصحيح في أهل الردة: أنه يجب عليهم الضمان. وقال الشيخ أبو حامد: إلا أن الصحيح في أهل الردة: أنه لا يجب عليهم الضمان؛ لأن أبا بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه - لما قاتل المرتدة وهزمهم، وسألوه الصلح، قال: (تدون قتلانا، وقتلاكم في النار) فقال عمر ﵁ وأرضاه -: لا يدون قتلانا، إن أصحابنا عملوا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ) .
следующие страницы →