← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

أحدهما: أنه كان قد شرط لهم بعيرًا بعيرًا. والثاني: أنه كان قد شرط لهم نصف سدس سهامهم، فبلغ سهم كل واحد منهم اثني عشر بعيرًا، وكان نصف سدس سهمه بعيرًا. [مسألة: جعل الإمام جارية لمن دله على قلعة فدله واحد] إذا قال: الإمام أو الأمير على الجيش: من دلنا على القلعة الفلانية فله منها الجارية الفلانية وسماها، أو قال له منها جارية ولم يسمها.. فإن ذلك جعالة صحيحة؛ لما رَوَى عدي بن حاتم: «أن النَّبيّ ﷺ قال: "كأني بالحيرة قد فتحت" فقال رجل: يا رسول الله، هب لي جارية منها، فقال: "قد فعلت"، فلما فتحت الحيرة بعد رسول الله، ﷺ ، أعطي ذلك الرجل جارية منها، فقال له أبوها: بعنيها بألف درهم، فقال: نعم، فقيل له: لو طلبت بها ثلاثين ألفًا لأعطاك، فقال: وهل عدد أكثر من ألف؟!!» فلما وهب له النَّبيّ ﷺ منها جارية مجهولة لا يملكها؛ لأنها من المشركين.. جاز عقد الجعالة عليها. وروي: (أن أبا موسى الأشعري عاقد دهقانًا على أن يفتح له قلعة على أن يختار أربعين نفسًا منها، فلما فتحها لهم.. كان يختار، وأبو موسى يقول: اللهم أنسه نفسه، فلما اختار الأربعين ولم يختر نفسه.. أخذه أبُو موسى فقتله) . ولا مخالف له في الصحابة.

стр. 6267

فإن قيل: كيف صحت هذه الجعالة بمال لا يملكه الباذل وهو مجهول أيضًا؟ فالجواب: أن الجعالة إنما تفتقر إلى عوض معلوم يملكه الباذل، إذا عقد ذلك في أموال المسلمين، فأما إذا عقد في أموال المشركين.. فيصح أن يكون العوض مجهولًا لا يملكه الباذل، كما روي: «أن النَّبيّ ﷺ نفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث» ، وإنما يأخذونه من خمس الخمس وإن كان غير مملوك وقت العقد ولا معلوم. قال أصحابنا البغداديون: ولا فرق بين أن يكون الدليل مسلمًا أو كافرًا. وقال الخراسانيون: إن كان الدليل مسلمًا.. فهل يصح هذا العقد معه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الشافعي، إنما نص فيها على دلالة العلج، و (العلج) : لا يكون إلا كافرًا. ولأنه عقد فيه نوع غرر فلم يجز مع المسلمين، كسائر العقود. والثاني: يصح، وهو المشهور؛ لأنه عقد جعالة يصح مع الكافر فصح مع المسلم، كالجعالة على رد الآبق. وإنما نص الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على دلالة العلج؛ لأنه هو الذي يعرف طرقهم في الغالب. إذا ثبت هذا، فدلهم رجل على هذه القلعة.. فينظر فيه: فإن لم تفتح القلعة.. لم يستحق الدليل شيئًا. ومن أصحابنا من قال: يرضخ له لدلالته. وليس بشيء؛ لأنه لما قال: من دلنا على القلعة الفلانية فله جارية منها.. فالظاهر أنه جعل له الجارية بشرطين: الدلالة والفتح، فإذا لم يوجد أحدهما.. لم يستحق شيئًا. وإن فتحت القلعة.. نظرت: فإن فتحت عنوة وكان الشرط على جارية معلومة وهي فيها، أو كان الشرط على جارية مجهولة وليس في القلعة غير جارية واحدة، فإن

стр. 6268

كانت الجارية كافرة.. سلمت إلى الدليل، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ولا يستحق أهل الخمس ولا الغانمون منها شيئًا؛ لأن الدليل استحقها بسبب سابق، وسواء كانت حرة أو أمة للمشركين. وإن أسلمت الجارية الحرة قبل أسرها.. لم تسلم إلى الدليل سواء كان مسلمًا أو كافرًا؛ لأن إسلامها قبل أسرها يمنع من استرقاقها. قال أبُو العباس: وفيها قول آخر: أنها تسلم إلى الدليل؛ لأنه قد استحقها قبل إسلامها. وليس بشيء. فإذا قلنا: لا تسلم إليه. فهل يستحق الدليل شيئًا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يستحق شيئًا؛ لأنها صارت كالمعدومة. والثاني ـ وهو قول أصحابنا البغداديين، وهو الأصح ـ: أنه يستحق قيمتها؛ لأن الشَّرع لما منع استرقاقها لإسلامها.. أوجب دفع قيمتها، كما: (أن النَّبيّ ﷺ لما صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاءه من المسلمات ومنعه الله تَعالَى من ردهن.. أمره برد مهورهن إليهم) . وإن أسلمت بعد ما أسرت، فإن كان الدليل مسلما ً.. سلمت إليه. وإن كان كافرًا. فإن قلنا: يصح شراء الكافر للجارية المسلمة.. سلمت إليه، وأجبر على إزالة ملكه عنها. وإن قلنا: لا يصح شراؤه لها.. لم تسلم إليه، وسَلَّم إليه قيمتها، وقسمت بين الغانمين. فإن فتحت عنوة، وكانت الجارية قد ماتت.. ففيه قولان: أحدهما: أن للدليل قيمتها؛ لأن تسليمها قد تعذر بموتها، فوجبت له قيمتها كما لو أسلمت.

стр. 6269

والثاني: لا يجب له قيمتها؛ لأنه إنما استحقها بعينها، فإذا ماتت.. لم يستحق شيئًا، كما لو قال من رد عبدي الآبق فله هذا العبد.. فمات العبد المبذول. هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إن ماتت قبل الظفر بها.. لم يستحق الدليل شيئًا. وإن ماتت بعد الظفر بها، وأرادوا قبل تسليمها إليه.. فهل يستحق قيمتها؟ فيه قولان. وإن لم يكن في القلعة من المال غير الجارية.. ففيه وجهان، حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "] : أحدهما: تسلم إلى الدليل للشرط السابق. والثاني: لا تسلم إليه؛ لأن هذا تنفيل، ولا يجوز للإمام أن ينفل جميع الغنيمة، وهذه الجارية جميع الغنيمة. وإن فتحت القلعة صلحًا.. نظرت: فإن شرط على أن يكون جميع ما فيها لنا، أو كان الصلح على أن ما في القلعة لأهلها إلا الجارية.. فهو كما لو فتحت القلعة عنوة. وإن كان على أن لصاحب القلعة أهله وعشيرته أو من يختاره منها، وكانت الجارية من أهله وعشيرته أو ممن اختاره.. قال الشيخ أبُو حامد: فإن أبا إسحاق قال الصلح صحيح والجعالة صحيحة، ثم يقال للدليل: هذه الجارية التي جعلناها لك قد صالحنا عليها، أفترضى بقيمتها؟ فإن رضي بقيمتها.. دفعت إليه القيمة وأمضينا الصلح. وإن لم يرض إلا بالجارية.. قيل لصاحب القلعة: صالحناك على ما جعلناه لغيرك، أفتسلم الجارية ونعطيك قيمتها؟ فإن سلمها.. سلمت إلى الدليل، ودفع إلى صاحب القلعة قيمتها، وأمضينا الصلح. وإن لم يسلمها صاحب القلعة.. قيل له: صالحناك على شيء ولا يمكن الوفاء به، فترد عليك ونتركك حتى تمتنع كما كنت، وتصير حربًا لنا.

стр. 6270

وأمَّا الشيخ أبُو إسحاق: فحكى فيها وجهين: أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق المَروَزِيُّ ـ: أن الجارية للدليل، وشرطها في الصلح لا يصح. والثاني: شرطها في الصلح صحيح؛ لأن الدليل لو عفا عنها.. أمضي الصلح ولو كان العقد فاسدا ً.. لافتقر إلى عقد آخر. [فرع: جعل الأمير جارية لمن دل على موقع فدله جماعة] إذا قال الأمير: من دلنا على القلعة.. فله منها جارية، فدله عليها اثنان أو ثلاثة أو أكثر.. استحقوا الجارية، كما قلنا في رد العبد الآبق. [فرع: شرط الإمام بأن من أخذ شيئًا فهو له] قال في " الأم ": (إذا قال الإمام قبل التقاء الفريقين: من أخذ شيئًا.. فهو له بعد الخمس.. فذهب بعض الناس إلى جوازه؛ لأن النَّبيّ ﷺ قال يوم بدر: «من أخذ شيئًا فهو له» قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وهذا الحديث لا يثبت،

стр. 6271

والصحيح في السنة: أنه يقسم الخمس لأهل الخمس وأربعة أخماسها للغانمين، ولو قال قائل بذلك.. كان مذهبًا) ، فأومأ فيه إلى قولين: أحدهما: يكون على ما شرطه الإمام ـ وبه قال أبو حَنِيفَة ـ لما ذكرناه من الخبر يوم بدر. والثاني: لا يصح شرط الإمام في ذلك؛ لقوله ﷺ : «الغنيمة لمن شهد الوقعة» ، وهذا يقتضي: اشتراكهم فيها من غير تخصيص، وهو قول النَّبيّ ﷺ ، في يوم بدر؛ لأن الغنائم كلها كانت له يومئذ برمتها. وبالله التوفيق

стр. 6272

[باب قسم الغنيمة] الغنيمة: ما أخذه المسلمون من أهل الحرب بالقهر. وكانت الغنيمة محظورة في شرع من قبلنا، تنزل نار من السماء فتحرقها. وكانت في شرعنا في أول الإسلام للنبي، ﷺ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] [الأنفال: ١] الآية. ثم نسخت هذه الآية بقوله تَعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] الآية.

стр. 6273

فإذا قهر الجيش الذي مع الإمام، أو الجيش الذي خرج بإذنه أهل الحرب على شيء.. نظر فيه: فإن كان مما ينقل، كالدراهم والدنانير وما أشبههما، فإن كان فيه مال للمسلم.. دفعه إليه. وإن كان فيه سلب لقاتل.. دفعه إليه ـ على ما مَضَى ـ ثم يدفع من الباقي أجرة النقال والحافظ؛ لأنه مصلحة للغانمين. ثم يدفع الرضخ من الباقي إذا قلنا: يرضخ من رأس الغنيمة. وما بقي.. قسم على خمسة أسهم: سهم لأهل الخمس، والباقي للغانمين على ما يأتي بيانه إن شاء الله ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] الآية. فأضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم قطع الخمس لأهله، فكان الظاهر أن ما بقي بعد الخمس على مقتضى الإضافة. وإن كانت الغنيمة مما لا ينقل، كالأرض والدور.. فمذهبنا: أن الحكم فيها كالحكم فيما ينقل. وبه قال الزبير وبلال. وقال عمر، ومعاذ ﵄، وسفيان الثوريُّ، وابن المبارك: (الإمام فيها بالخيار: إن شاء قسمها كما قلنا، وإن شاء وقفها على المسلمين) . وقال أبو حَنِيفَة وأصحابه: (الإمام فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين الغانمين، وإن شاء وقفها على المسلمين، وإن شاء أقرها في أيدي أهلها وضرب عليهم الخراج على وجه الجزية، وإذا أسلموا.. لم يسقط عنهم ذلك، ويجوز أن يخرج عنها أهلها ويسكنها قومًا آخرين ويضرب عليهم الخراج) . وقال مالك: (تصير وقفًا على المسلمين بنفس الفتح) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] الآية، ولم يفرق بين ما ينقل وما لا ينقل.

стр. 6274

[مسألة: ما يغنم بغير إذن الإمام] وإن غزت سرية من المسلمين دار الحرب بغير إذن الإمام فغنمت مالًا.. فإنه يخمس. وحكى الشيخ أبُو حامد: أن من أصحابنا من قال لا يخمس. وليس بشيء. وقال أبو حَنِيفَة: (إن كانت لهم منعة.. خمس. وإن لم تكن لهم منعة.. لم يخمس) . وقال أبُو يوسف: إن كانوا تسعة أو أكثر.. خمس. فإن كانوا أقل.. لم يخمس. وقال الحَسَن البَصرِيّ: يؤخذ منهم جميع ما غنموه عقوبة لهم؛ حيث غزوا بغير إذن الإمام. وقال الأَوزَاعِي: (الإمام بالخيار: بين أن يخمسه وبين أن لا يخمسه) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] الآية، ولم يفرق بين أن يغزوا بإذن الإمام أو بغير إذنه. ولأنه مال مأخوذ من حربي بالقهر فكان غنيمة، كما لو غزوا بإذن الإمام. [فرع: شروط تملك الغنيمة] ومكان تقسيمها على الغانمين] : وإذا غنم المسلمون من المشركين مالًا وحازوه وانقضى القتال.. فإنهم لا يملكونه بذلك، وإنما ملكوا أن يملكوه، ولا يملك أحد منهم سهمه إلا بأن يختار التملك، أو بأن يقسم له الإمام سهمه ويسلمه إليه ويقبله.

стр. 6275

فإن كان الإمام والجيش في دار الحرب بعد انقضاء القتال وحيازة الغنيمة.. نظرت: فإن كان هناك عذر يدعو إلى تأخير قسمة الغنيمة إلى أن يخرجوا إلى دار الإسلام؛ بأن كانوا يخافون كرة المشركين عليهم عند اشتغالهم بالقسمة، أو كانوا في موضع قليل العلف أو الماء مع حاجتهم إليه.. لم يكره تأخير القسمة إلى أن يزول العذر، أو إلى الخروج إلى دار الإسلام. وإن لم يكن هناك عذر يدعو إلى تأخير القسمة.. قسم الإمام الغنيمة، ويكره له تأخيرها إلى الخروج إلى دار الإسلام. وقال أبو حَنِيفَة: (يكره له قسمة الغنيمة في دار الحرب مع التمكن من القسمة فيها، فإن قسمها هناك.. صحت القسمة، إلا أن يحتاج الغانمون إلى شيء من الغنيمة مثل الثياب وغيرها.. فلا تكره قسمتها في دار الحرب) . دليلنا: ما روي: (أن النَّبيّ ﷺ قسم غنائم بدر في شعب من شعاب الصفراء قريب من بدر) ، وبدر كانت دار شرك؛ لأنه قريب من مكة. وروي: «أن النَّبيّ ﷺ قسم غنائم بني المصطلق على مياههم» و: «غنائم

стр. 6276

هوازن في ديارهم، وغنائم حنين في أوطاس» ، وهو واد من حنين ولم يزل الخلفاء بعده يقسمون الغنائم حيث يأخذونها. [مسألة: تقسيم الأربعة الأخماس] وإذا أخرج الإمام خمس الغنيمة لأهل الخمس.. فإنه يقسم الأربعة الأخماس الباقية بين الغانمين، وينظر فيهم: فإن كانوا فرسانًا كلهم أو رجالة كلهم.. قسمها بينهم بالسوية؛ لأن الله تَعالَى أضاف أربعة أخماس الغنيمة إلى الغانمين، والإضافة تقتضي التسوية. وإن كان بعضهم فرسانًا وبعضهم رجالة.. فإنه يقسم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمًا له وسهمين لفرسه، وللراجل سهمًا. وبه قال من الصحابة: عمر وعلي، ومن التابعين: الحَسَن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، ومن الفقهاء: مالك وأهل المدينة، والأَوزَاعِي، وأهل الشام، والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأكثر أهل العلم.

стр. 6277

وقال أبو حَنِيفَة وحده: (يقسم للفارس سهمين؛ سهمًا له وسهمًا لفرسه، وللراجل سهمًا، وقال: لا أفضل بهيمة على مسلم) . دليلنا: ما رَوَى ابن عمر وابن عبَّاس: (أن «النَّبيّ ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمًا له، وسهمين لفرسه» وهذا نص. ورُوِي: (أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم: سهم له وسهمين لفرسه، وسهم لأمه صفية؛ لأنها من ذوي القربى) . ولأن السهم إنما يستحق بما يلزم من المؤنة والتأثير في القتال، ومؤنة الفرس أكثر من مؤنة الفارس، وتأثيره في القتال أكثر، فيجب أن يزيد سهمه على سهمه. وأمَّا قوله: (لا أفضل بهيمة على مسلم) فيقال له: فلا تساو بينهما! فلما جازت المساواة بينهما.. جازت المفاضلة بينهما. [فرع: مصرف الأربعة الأخماس] ولا يجوز أن يصرف الإمام شيئًا من أربعة أخماس الغنيمة إلى غير الغانمين، ولا يفضل فارسًا على فارس، ولا راجلًا على راجل، ولا يفضل من قاتل على من لم يقاتل.

стр. 6278

وقال أبو حَنِيفَة: (يجوز أن يصرف منها شيئًا إلى غير الغانمين) . وقال مالك: (يجوز أن يصرف شيئًا منها إلى غير الغانمين، ويجوز تفضيل بعضهم على بعض) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] الآية. فأضاف الغنيمة إلى الغانمين بلام التمليك، ثم قطع الخمس منها لأهل الخمس، فدلَّ على: أن الباقي لهم. ولقوله ﷺ : «الغنيمة لمن شهد الوقعة» فدلَّ على: أنه لا شيء لغيرهم فيها إلا ما خصه الدليل، ولم يفرق بين من قاتل ومن لم يقاتل. ولأن من لم يقاتل.. فقد أرصد نفسه للقتال ويحصل به الإرهاب، فهو كالمقاتل. [فرع: الإسهام للخيل] ولا يسهم لمركوب غير الخيل، وهو إجماع؛ ولأن غير الخيل لا يغني غناء الخيل ولا يسد مسدها في القتال، فلم يلحق بها في السهم. ويسهم للفرس العربي: وهو الذي أبواه من الخيل العراب، ويسمى: العتيق. ويسهم للبرذون: وهو الفرس الذي أبواه نبطيان، وللهجين: وهو الذي أبوه عربي وأمه نبطية، وللمقرف: وهو الذي أبوه نبطي وأمه عربية. وبه قال مالك وأبو حَنِيفَة. وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة " ق \ ٤٥٤] قولًا آخر: أنه لا يسهم للبرذون والهجين الذي لا يصلح للكر والفر، كالبغل. والأول هو المشهور. وقال الأَوزَاعِي: (لا يسهم للبرذون، ويسهم للهجين سهمًا واحدًا) . وقال أحمد: (يسهم للعربي سهمين، ولغيره سهمًا واحدًا) وهي إحدَى الروايتين عن أبي يوسف والأخرى كقولنا.

стр. 6279

دليلنا: قوله ﷺ : «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وأراد به الغنيمة، ولم يفرق. ولأنه حيوان يسهم له، فلم يختلف باختلاف أنواعه، كالرجل. فإن نفل الإمام رجلا حضر الحرب بفرس حطم: وهو الذي قد تكسر وضعف، أو بفرس قحم: وهو الهرم، أو بفرس ضرع: وهو الصغير الذي لم يبلغ مبلغ القتال عليه، أو بفرس أعجف: وهو المتناهي في الهزال.. فقد قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (قد قيل: لا يسهم له، وقيل: يسهم) . فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: يسهم له؛ لأنه حيوان يسهم له، فلم يسقط سهمه لضعفه وكبره، كالرجل.

стр. 6280

والثاني: لا يسهم له؛ لأن القصد من الفرس القتال عليه، فإذا لم يمكن القتال عليه كان كالبغل. وقال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (يسهم له) إذا كان يمكن القتال عليه مع ضعفه. وحيث قال: (لا يسهم له) إذا كان لا يمكن القتال عليه بحال. [فرع: لا يسهم إلا لفرس واحد] عندنا] : وإذا حضر الرجل بفرسين أو أكثر.. فإنه لا يسهم له إلا لفرس واحد، وهو قول كافة العلماء، إلا الأَوزَاعِي وأحمد، فإنهما قالا: (يسهم له لفرسين، ولا يسهم له لأكثر) . دليلنا: ما روي: «أن النَّبيّ ﷺ حضر في بعض غزواته بثلاثة أفراس، فلم يأخذ السهم إلا لفرس واحد» وروي: «أن الزبير حضر يوم حنين بأفراس، فلم يسهم له النَّبيّ ﷺ ، إلا لفرس واحد» ، ولأنه لا يقاتل إلا على واحد، وما زاد عليه يحمل للزينة، فلم يستحق السهم إلا لواحد.

стр. 6281

وقال في " الأم ": (وإن كان القتال في الماء أو على حصن، فحضر رجل بفرس.. أسهم له وإن لم يحتج إلى الفرس للقتال عليه؛ لأنه ربما ينزل الناس من الحصن أو يخرجون من الماء، فيحتاج إلى القتال على الفرس) . [فرع: اغتصب أو استعار أو اكترى فرسًا للقتال] ] : وإن غصب فرسًا وحضر به القتال.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: يسهم للفرس وجهًا واحدًا، ولكن من يستحقه؟ فيه وجهان: أحدهما: الغاصب. والثاني: المغصوب منه. بناء على القولين فيمن غصب من رجل دراهم، فابتاع به شيئًا في ذمته، ثم نقد الدراهم في الثمن، ثم باع ما اشتراه وربح.. فمن يستحق الربح؟ فيه قولان. وقال القاضي أبُو الطيب: هل يسهم للفرس هاهنا؟ فيه وجهان: وإن استعار فرسًا أو اكتراه وحضر به القتال.. أسهم له واستحقه المستعير والمكتري؛ لأنه ملك القتال عليه فملك السهم عليه، كما لو حضر بفرس يملكه. [فرع: دخول المقاتل دار الحرب بفرس ثم نفق أو غار أو بدون فرس] وإن دخل رجل دار الحرب بفرس فنفق الفرس ـ أي مات ـ أو وهبه لغيره أو باعه، فإن كان قبل انقضاء الحرب.. لم يسهم له لفرسه. وحكى القفال عن الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أنه يسهم له إذا نفق) . والمشهور هو الأول. فإن دخل دار الحرب ولا فرس معه، ثم اشترى فرسًا، أو اتَّهَبَهُ، أو استأجره، أو استعاره وحضر به القتال فانقضت الحرب وهو معه.. أسهم له ولفرسه. وقال أبو حَنِيفَة: (الاعتبار بدخوله دار الحرب، فمتى دخل دار الحرب، وهو فارس ثم نفق فرسه أو باعه أو وهبه وما أشبهه.. أسهم له ولفرسه، وإن دخل دار

стр. 6282

الحرب ولا فرس معه، ثم حصل له فرس.. لم يسهم له للفرس) . دليلنا: على الفعل الأول: أن فرسه نفق قبل انقضاء الحرب، فلم يسهم له لفرسه، كما لو كان القتال في دار الإسلام وعلى الفعل الثاني: أن فرسه وجد عند انقضاء الحرب، فاستحق السهم له، كما لو دخل دار الحرب فارسًا. وإن حضر القتال بفرس، ثم غار فرسه ولم يجده إلا بعد تقضي الحرب.. لم يسهم له. ومن أصحابنا من قال: يسهم له؛ لأنه خرج عن يده بغير اختياره. والمذهب الأول؛ لأن خروج الفرس من يده قبل انقضاء القتال يسقط سهمه وإن كان بغير اختياره، كما لو نفق. [فرع: حضر الوقعة فمرض أو مات أو فر من القتال] قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا حضر القتال ثم مرض.. أسهم له) . واختلف أصحابنا البغداديون فيه: فقال أكثرهم: إن كان مرضًا قليلا ً، كالحمى الخفيفة والصداع اليسير وما أشبههما مما لا يمنعه القتال.. أسهم له؛ لأن ذلك لا يمنعه عن القتال، وإن كان مرضًا كثيرًا، كالزمانة وقطع اليدين والرجلين.. لم يسهم له؛ لأنه ليس من أهل القتال. وقال الخراسانيون: إن كان مرضًا يرجى زواله.. استحق السهم وإن لم يقاتل وإن كان مرضًا لا يرجى زواله.. ففيه قولان:

стр. 6283

أحدهما: لا يسهم له لأنه خرج عن أن يكون من أهل القتال. والثاني: يسهم له؛ لأنه في الجملة من أهل القتال، إلا أنه عرض له عارض، فهو كالمرض الذي يرجى زواله. قال المسعوديُّ [في " الإبانة " ق \ ٤٥٣] : فإن مات رجل من المجاهدين، أو قتل في حال القتال، أو قبل انقضاء القتال.. لم يرث ورثته سهمه، وبطل حقه. وإن مات بعد انقضاء القتال.. ورث ورثته سهمه. وإن فر غير متحرف للقتال ولا متحيز إلى فئة.. لم يستحق السهم، فإن عاد قبل انقضاء القتال.. استحق السهم. وإن فر متحرفًا للقتال أو متحيزًا إلى فئة.. لم يسقط سهمه وإن لم يقاتل؛ لأنه مشغول بأمر القتال. ولو قيل له: فررت لغير التحرف والتحيز، وقال: بل فررت متحيزًا أو متحرفًا.. فالقول قوله؛ لأنه أعلم بحال نفسه. [فرع: إسقاط حق الغانم أو هبته أو بيعه] قال ابن الصبَّاغ: لو قال بعض الغانمين قبل القسمة: أسقطت حقي من الغنيمة: سقط حقه؛ لأن حقه لم يستقر. وإن قال: وهبت نصيبي من الغانمين.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبُو إسحاق: يصح، ويكون ذلك إسقاطًا لحقه؛ لأن الإسقاط يصح بلفظ الهبة. وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة: إن أراد به الإسقاط.. سقط به حقه. وإن أراد به التمليك والهبة.. لم يصح؛ لأن حقه مجهول ولم يستقر ملكه عليه.

стр. 6284

والأول أصح؛ لأن الملك لم يحصل له، وإنما له حق التملك، فانصرفت الهبة إلى إسقاطه. وإن باع حقه من الغنيمة قبل القسمة، فإن كان قد اختار التملك، وكان معلومًا صح البيع. وإن لم يختر التملك.. ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبُو إسحاق: يصح البيع إذا كان معلومًا؛ لأنه ملك حقه بالحيازة. و [الثاني] : من أصحابنا من قال لا يصح؛ لأن ملكه لم يستقر عليه. [مسألة: لا يقسم لمخذل أو ناقل الأخبار] ويقسم لمن حضر بغير إذن والديه أو غريمه وماذا لو كان كافرًا؟] : وإن حضر القتال مخذل، أو مرجف، أو من يعاون المشركين بالمكاتبة وحمل الأخبار.. لم يسهم له ولم يرضخ له؛ لأن السهم والرضخ للمقاتلة أو لمن يعينهم، وهؤلاء ليسوا من المقاتلة ولا ممن يعينهم، بل الضرر في حضورهم. وإن حضر رجل القتال بغير إذن والديه، أو من عليه دين فحضر بغير إذن الغريم.. استحق السهم. والفرق بينه وبين المخذل والمرجف: أن المعصية في حضور المخذل والمرجف تؤثر في الجهاد فهي كالمعصية بالصلاة في الثوب النجس، والمعصية بحضور الولد ومن عليه دين بغير إذن غريمه لا يؤثر في الجهاد، فهو كالمعصية في الصلاة في الدار المغصوبة.

стр. 6285

وإن حضر مشرك مع المسلمين في القتال بغير إذن الإمام.. لم يسهم له، ولم يرضخ له؛ لأن ضرره أعظم من ضرر المخذل والمرجف بالمسلمين. وإن حضر بإذن الإمام.. رضخ له ولم يسهم له، وهو قول كافة العلماء، إلا الأَوزَاعِي؛ فإنه قال: (يسهم له) . دليلنا: ما رَوَى ابن عبَّاس، ﵄: «أن النَّبيّ ﷺ استعان بيهودي من بني قينقاع في بعض غزواته.. فرضخ له ولم يسهم له» . وإن دخل أهل الكتاب دار الحرب وغنموا منه.. فقال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: ينظر فيه: فإن كان الإمام أذن لهم في الدخول إلى دار الحرب.. كان الحكم فيما غنموا على ما شرط لهم منه، وإن لم يأذن لهم في الدخول.. احتمل وجهين: أحدهما: يرضخ لهم منه وينزع الباقي؛ لأنهم لا يستحقون السهم من الغنيمة. والثاني: يقرون عليه ولا يخمس، ولا ينزع منهم، وهو المنصوص، كما إذا غلب المشركون على مال بعضهم وأخذوه في دار الحرب. [فرع: حضور العبد أو النساء أو الصبيان القتال] ] : وإن حضر العبد القتال.. لم يسهم له، وإنما يرضخ له، سواء قاتل بإذن مولاه أو بغير إذنه، لما رَوَى عمير مولى آبي اللحم قال: «غزوت مع رسول الله، ﷺ ، وأنا عبد مملوك، فلما فتح الله على نبيه ﷺ ، خيبر.. قلت: يا رسول الله، سهمي؟ فلم يضرب لي سهمًا، وأعطاني سيفًا» وقال ابن عبَّاس: (العبد يرضخ له ولا يسهم

стр. 6286

له) . ولا مخالف له في ذلك من الصحابة. ولأنه ليس من أهل القتال؛ ولهذا: لو حضر الصف.. لم يتعين عليه القتال. وإن حضر صبيان المسلمين أو نساؤهم القتال.. رضخ لهم ولم يسهم لهم. وهو قول كافة العلماء إلا الأَوزَاعِي، فإنه قال: (يسهم للنساء والصبيان) . دليلنا: أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عبَّاس: هل كان رسول الله، ﷺ ، يحمل النساء إلى الجهاد، وهل كان يسهم لهن؟ فكتب إليه ابن عبَّاس: (كان رسول الله، ﷺ ، يحملهن معه ليسقين الماء ويداوين الجرحى، وكان لا يسهم لهن، بل كان يرضخ لهن) ولأن السهم للمقاتلة، والنساء والصبيان ليسوا من المقاتلة، بدليل أنهم لو حضروا الصف.. لم يتعين عليهم القتال، فلم يستحقوا السهم وإن حضروا، كالعبيد والكفار. وإن خرج نساء أهل الذمة مع الإمام بإذنه.. فهل يرضخ لهن؟ فيه وجهان حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "] : أحدهما: يرضخ لهن، كنساء المسلمين.

стр. 6287

والثاني: لا يرضخ لهن؛ لأنهن لا قتال فيهن ولا بركة بحضورهن، بخلاف نساء المسلمين؛ فإنه يتبرك بدعائهن إذا حضرن. وإن دخل العبيد، أو النساء، أو الصبيان إلى دار الحرب منفردين وغنموا.. ففيه ستة أوجه: أحدها: أنه يخمس، ويقسم الإمام الباقي بينهم على ما يراه من المفاضلة، كما يقسم الرضخ بينهم. والثاني: يخمس، ويقسم الباقي بينهم بالسوية، كما لو غنمت الرجالة من الرجال. والثالث: يرضخ لهم منه، ويرد الباقي إلى بيت المال؛ لأنه لا حق لهم إلا الرضخ. والرابع: يخمس هذا المال، ويرضخ لهم من الباقي، ثم يرد الباقي إلى بيت المال؛ لما ذكرناه في الذي قبله. والخامس: يخمس، ويقسم الباقي بينهم: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، كما لو كانوا رجالًا بالغين أحرارًا. والسادس: أنه لا يحكم لهذا المال بحكم الغنيمة، بل حكمه حكم المسروق، فيكون كله لهم وقتالهم كلا قتال. [مسألة: مصدر الرضخ ومقداره] ومن أين يخرج الرضخ؟ من أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجه، ومنهم من قال: هي أقوال للشافعي: أحدها أنه يخرج من أصل الغنيمة؛ لأن في أهل الرضخ مصلحة للغانمين، فكان ما يستحقونه من أصل الغنيمة، كأجرة الحافظ والنقال. والثاني: أنه يخرج من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنه يستحقه بالحضور، فهو كسهم الفارس والراجل.

стр. 6288

والثالث: أنه يخرج من خمس الخمس؛ لأن أربعة أخماس الغنيمة لأهلها، وإنما يرضخ لأهل الرضخ للمصلحة، فكان من سهم المصالح. ومن أصحابنا من قال: هذا القول يختص بأهل الذمة؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد. إذا ثبت هذا: فإن الرضخ غير مقدر، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام، ويختلف باختلاف قلة العمل وكثرته. قال الشيخ أبُو إسحاق: ولا يبلغ به سهم راجل؛ لأنه تابع لمن له سهم فنقص عنه، كالحكومة لا يبلغ بها أرش العضو. [مسألة: خروج الأجير مع المقاتلين] وإن خرج مع المقاتلين أجير.. نظرت: فإن كانت إجارته على عمل في الذمة وحضر القتال.. فإنه يسهم له؛ لأن العمل في ذمته، فلا يمنع استحقاق السهم إذا حضر القتال، كما لو كان عليه دين في ذمته. وإن كانت الإجارة على مدة بعينها، فحضر الأجير للقتال في تلك المدة.. ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يستحق الأجرة، ويسهم له؛ لأن الأجرة مستحقة بالتمكين من العمل، والسهم مستحق بالحضور، وقد وجد الجميع. والثاني: لا يسهم له، بل يرضخ له، ويستحق الأجرة مع الرضخ؛ لأن منفعته مستحقة لغيره وقت القتال، فلم يستحق السهم، كالعبد. والثالث: يخير الأجير: بين السهم والأجرة. فإن اختار السهم.. استحقه وسقطت الأجرة. وإن اختار الأجرة.. استحقها ولم يسهم له، بل يرضخ له؛ لأن منفعته في ذلك الوقت واحدة فلا يستحق بها حقين، هذا قول أكثر أصحابنا. وقال أبُو عليّ الطبري: القول في تخيير الأجير إنما يأتي في الإمام إذا استأجر من سهم الغزاة من الصدقات أجيرًا للغزاة لحفظ دوابهم وما أشبهه.. فإن الإمام يخيره؛ ليوفر سهمه أو أجرته على الغزاة، فأما إذا كان الأجير لواحد

стр. 6289

بعينه.. فلا معنى لتخييره؛ لأنه لا معنى لتوفير الأجرة عليه ودفع السهم من نصيب الغانمين وإنما يكون فيه القولان الأولان. ومن أصحابنا من قال لم يرد الشافعي بما ذكره من التخيير للأجير في الحقيقة، وإنما أراد المجاهدين الذين يغزون إذا نشطوا؛ فإنهم إذا حضروا.. يقول لهم الإمام: أنتم بالخيار: بين أن تأخذوا كفايتكم من الصدقات، وبين أن تأخذوا السهم من الغنيمة. والأصح هو الطريق الأول: فإذا قلنا: يخير.. فإن أصحابنا البغداديين قالوا: يخير قبل القتال وبعده. فأما قبل القتال: فيقال له: إن أردت الجهاد.. فاقصده واطرح الأجرة. وإن أردت الأجرة.. فاطرح الجهاد. ويقال له بعد القتال: إن كنت قصدت الجهاد.. أسهم لك وتركت الأجرة، وإن كنت قصدت الخدمة.. أعطيت الأجرة دون السهم. وإنما تسقط الأجرة إذا اختار السهم في الحالة التي حضر فيها القتال وترك خدمة المستأجر، فأما قبل ذلك.. فإنه يستحق الأجرة؛ لأنه قد وجد منه التمكين من العمل فيها. وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إذا اختار السهم واطرح الأجرة.. فمن أي وقت تطرح؟ فيه وجهان: أحدهما: من حين دخوله دار الحرب؛ لأنه يصير مجاهدًا بنفس دخوله دار الحرب. والثاني: من حين حضوره الوقعة؛ لأن ذلك حقيقة القتال. قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : وهذا إذا حضر وقاتل، فأما إذا لم يقاتل.. فإنه لا يسهم له قولا ًواحدًا.

стр. 6290

[فرع: حضور التجار في المعركة] ] : وإن كان مع المجاهدين تجار، فانقضى القتال وهم معهم.. فهل يسهم لهم؟ فيه قولان: أحدهما: يسهم لهم؛ لقوله ﷺ : «الغنيمة لمن شهد الوقعة» ، وقد شهدوها. والثاني: لا يسهم لهم؛ لأن السهم إنما يستحقه المجاهدون، وهؤلاء لم يقصدوا الجهاد، وإنما قصدوا التجارة. واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا حضروا ولم يقاتلوا، فأما إذا حضروا وقاتلوا.. فإنه يسهم لهم قولًا واحدًا؛ لأن الجهاد هو القتال، وقد وجد منهم. ومنهم من قال: القولان إذا حضروا وقاتلوا، فأما إذا لم يقاتلوا.. فإنه لا يسهم لهم قولًا واحدًا؛ لأنهم وإن قاتلوا.. فلم يقصدوا الجهاد عند دخول دار الحرب. ومن أصحابنا من قال: القولان في الحالين، سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. [مسألة: انفلات الأسير من المشركين ولحوقه بجيش المسلمين] أو حصول مدد لهم] : إذا انفلت أسير من المشركين فلحق بجيش المسلمين، أو لحق بجيش المسلمين مدد.. فهل يشاركونهم في الغنيمة؟ ينظر فيه: فإن لحقهم قبل انقضاء الحرب.. فإنه يشاركهم في الغنيمة قولًا واحدًا؛ لأنه أدرك وقت استحقاق الغنيمة. وإن لحقهم بعد انقضاء القتال وبعد حيازة الغنيمة.. فإنه لا يشاركهم قولًا واحدًا؛ لأن الغانمين قد ملكوا أن يملكوا الغنيمة، وتعلقت بها حقوقهم فلم يشاركهم

стр. 6291

غيرهم فيها. وإن لحق بهم بعد انقضاء القتال وقبل حيازة الغنيمة.. فهل يشاركهم فيها غيرهم؟ فيه قولان: أحدهما: لا يشاركهم فيها؛ لأنه لم يشهد الوقعة. والثاني: يشاركهم؛ لأنه قد حضر قبل أن يملكوا الغنيمة. وهذان القولان مبنيان على القولين، متى يملكون أن يملكوا الغنيمة؟ أحدهما: أنهم لا يملكون أن يملكوا إلا بعد انقضاء القتال وحيازة الغنيمة. فعلى هذا: يشاركهم من لحقهم. والثاني: أنهم يملكون أن يملكوا الغنيمة بعد انقضاء القتال وقبل حيازة الغنيمة. فعلى هذا: لا يشاركهم من لحقهم. هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إذا لحقهم مدد بعد انقضاء القتال.. لم يشاركهم به المدد. وإن لحقهم في حال القتال.. فما أحرزوه من المال بعد لحوق المدد.. شاركهم به المدد، وما كانوا قد أحرزوه من المال قبل لحوق المدد بهم.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يشاركهم فيه؛ لأنهم انفردوا بإحرازه، فهو كما لو لحقهم بعد انقضاء القتال. والثاني: يشاركهم فيه؛ لأن ذلك المال كالمتداول بين المسلمين والمشركين، ولأن القتال قائم، فلعلهم يستردونه فما لم ينقض القتال.. لم يكمل الإحراز. وأمَّا الأسير إذا انفلت وانضاف إلى المقاتلين، فإن كان من هذا الجيش.. فإنه يشاركهم، سواء قاتل أو لم يقاتل. وإن كان من جيش آخر وقاتل.. شاركهم، وإن لم يقاتل.. ففيه قولان: أحدهما: لا يسهم له؛ لأنه لحقهم هاربًا وقصد الخلاص من الكفار قبل القتال، فإذا لم يوجد منه نفس القتال ولا قصده.. لم يستحق السهم. والثاني: يسهم له، كسائر من شهد الوقعة ولم يقاتل.

стр. 6292

قال: وخرج فيه قول آخر: أنه لا يسهم له وإن قاتل، تخريجًا من الأجير. هذا مذهبنا، وقال أبو حَنِيفَة: (إذا لحقهم مدد بعد انقضاء القتال وقبل القسمة وهم في دار الحرب.. فإنه يشاركهم، إلا الأسارى.. فإنهم لا يشاركونهم) . دليلنا: أنه مدد لحقهم بعد انقضاء القتال فلم يشاركهم، كما لو لحقهم بعد القسمة، ولأن كل حالة لو لحق الأسير فيها لم يشارك، فإذا لحق غيره فيها.. لم يشارك، كما لو لحق المدد بعد إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام. [مسألة: شتراك السرايا بالغنيمة] مسألة: [اشتراك السرايا بالغنيمة] : إذا خرج الأمير بالجيش من البلد، ثم أنفذ سرية إلى الجهة التي يقصدها أو إلى غيرها، أو أنفذ سرية من البلد، ثم سار بالجيش بعدها، فغنمت السرية بعد خروج الجيش من البلد، أو غنم الجيش.. فإن الجيش والسرية يتشاركان فيما غنما، وهو قول كافة العلماء، إلا الحَسَن البَصرِيّ، فإنه قال لا يتشاركان. دليلنا: «أن النَّبيّ ﷺ لما فتح هوازن بحنين بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنمت، فقسم رسول الله، ﷺ ، غنائمهم بينهم وبين الجيش» ورُوِي: أن النَّبيّ ﷺ قال: «المسلمون يد واحدة على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وترد سراياهم على قاعدهم» . ولأن الجميع جيش واحد. وهكذا: إذا أنفذ الأمير سريتين من الجيش إلى جهة واحدة من طريق أو من طريقين.. فإن الجيش والسريتين يتشاركون فيما غنموا أو غنم بعضهم؛ لأنهم جيش واحد

стр. 6293

وإن أنفذ الأمير سريتين إلى جهتين.. فإن الجيش يشاركهما فيما يغنمان، ويشاركانه فيما يغنم، وهل تشارك كل واحدة منهما الأخرى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يتشاركان؛ لأن إحداهما ليست بأصل للأخرى. والثاني: يتشاركان، وهو المذهب؛ لأنهما من جيش واحد. وإن أنفذ الأمير سرية وهو مقيم في البلد، فغنمت السرية.. لم يشاركها الجيش الذي مع الإمام؛ لـ: (أن النَّبيّ ﷺ كان يبعث السرايا من المدينة ويقيم هو بها، فلا يشارك بينهم) . وإن بعث سريتين من البلد إلى جهتين مختلفتين، وأقام هو مع الجيش في البلد.. فإن كل واحدة من السريتين لا تشارك الأخرى فيما تغنمه إلا أن يلتقيا في طريق فيجتمعا على جهة واحدة.. فإنهما يصيران جيشًا واحدًا. وإن بعث الأمير سرية من الجيش من البلد، وعزم على المسير وراءها مع الجيش، فغنمت السرية قبل خروج الإمام من البلد.. فلا يشاركها الجيش؛ لأن الغنيمة إنما يستحقها المجاهد، والجيش قبل خروجه من البلد غير مجاهد. هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: إذا بعث الإمام سرية أو سرايا إلى قلاع، فغنم بعضهم.. شاركهم سائر السرايا والإمام في الغنيمة إن كانوا متقاربين، بحيث يصلح بعضهم أن يكون عونًا لبعض. وإن كانوا متباعدين، بحيث لا يوجد منهم التناصر إن احتيج إلى ذلك.. لم تشارك السرية التي لم تغنم السرية التي غنمت. وقال القفال: يشاركهم الإمام ومن لم يغنم إذا كانوا كلهم في دار الحرب، فأما إذا كان الإمام في دار الإسلام وبعث سرية إلى دار الحرب فغنمت.. فالإمام لا يشاركهم. قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : وليس بشيء، بل الاعتبار بالتقارب والتباعد.

стр. 6294

[فرع: إرسال الإمام جاسوسًا إلى المشركين] إذا بعث الإمام جاسوسًا إلى المشركين لينظر عدتهم وينقل أخبارهم، فغنم الجيش قبل رجوعه إليهم ثم رجع إليهم.. ففيه وجهان حكاهما ابن الصبَّاغ: أحدهما: لا يشاركهم؛ لأنه لم يحضر الاغتنام. والثاني: يشاركهم؛ لأنه كان في مصلحتهم وخاطر بما هو أعظم من الثبات في الصف. والله أعلم

стр. 6295

[باب قسم الخمس] قد ذكرنا أن الغنيمة تقسم على خمسة أسهم، وقد مَضَى الكلام في قسمة أربعة أخماسها بين الغانمين، وأمَّا خمسها: فإنه يقسم عندنا على خمسة أسهم: سهم لرسول الله، ﷺ ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وقال أبُو العالية الرياحي: يقسم الخمس على ستة أسهم: سهم لله يصرف في رتاج الكعبة وزينتها، وخمسة أسهم على ما ذكرناه. وقال مالك: (خمس الغنيمة موكول إلى اجتهاد الإمام) . وقال أبو حَنِيفَة: (خمس الغنيمة يقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، ويسقط سهم النَّبيّ ﷺ ، بموته. وأمَّا سهم ذوي القربى: فقد كان لذوي القربى الذين كانوا في عهد رسول الله، ﷺ ، وقد سقط بموتهم) . فقال بعض أصحابه: كان يفرقه عليهم بمعنى الفقر والمسكنة، لا على جهة استحقاقهم له بالقرابة، ويسقط بموتهم. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] الآية. فموضع الدليل منها على أبي العالية: أن الله تَعالَى قسم الخمس على خمسة أسهم، وأبو العالية يقسمه على ستة. وموضع الدليل منها على مالك: أن الله أضاف الخمس إلى جميع الأصناف المذكورين في الآية، فلا يجوز صرفه إلى غيرهم.

стр. 6296

وعلى أبي حَنِيفَة: أن الله جعل لنبيه، ﷺ ، سهمًا ولذوي القربى سهمًا في خمس الغنيمة، فاقتضى أن ذلك على التأبيد. إذا ثبت هذا: فإن سهم النَّبيّ ﷺ ، يصرف عندنا بعد موته في مصالح المسلمين. ومن الناس من قال: يكون للإمام أن يصرفه في نفقته ونفقة عياله؛ إذ هو خليفة رسول الله، ﷺ . ومن الناس من قال: يصرف إلى باقي الأصناف المذكورين في الآية. دليلنا: ما رَوَى جبير بن مطعم: أن النَّبيّ ﷺ قال: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» وهذا يقتضي رده على جميع المسلمين، ولا يمكن ذلك إلا إذا صرف إلى مصالحهم. [مسألة: سهم ذوي القربى] فأما سهم ذوي القربى: فإنه لمن ينتسب إلى هاشم والمطلب ابني عبد مناف ولأن عبد مناف كان له خمسة أولاد: هاشم جد النَّبيّ ﷺ ، والمطلب جد الشافعي، ﵀، وعبد شمس جد عُثمانَ بن عفان ﵁، ونوفل جد جبير بن مطعم ﵁، وأبو عمرو ولا عقب له. فقسم النَّبيّ ﷺ سهم ذوي القربى بين بني

стр. 6297

هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل. «قال جبير بن مطعم: فأتيت أنا وعثمان إلى النَّبيّ ﷺ ، وقلنا له: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال له النَّبيّ ﷺ : "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وشبك بين أصابعه. إذا ثبت هذا: فإنه يشترك في هذا السهم الأغنياء والفقراء من ذوي القربى؛ لـ: «أن النَّبيّ ﷺ كان يعطى منه العباس بن عبد المطلب وكان موسرًا، وكان يعول أكثر بني عبد المطلب» . ويستحقه الرجال والنساء منهم، لـ: «أن النَّبيّ ﷺ أسهم لأم الزبير منه» . ولأنه مستحق بالقرابة، فاشترك فيه الرجال والنساء، كما لو وصى بماله لقرابته. ولا يفضل رجل على رجل، ولا امرأة على امرأة، كما قلنا في الوصية للقرابة. ويعطى الرجل مثل حظ الأنثيين. وقال المزني وأبو ثور: (يسوى بين الرجل والمرأة؛ لأنه مال مستحق بالقرابة، فلا يفضل فيه الذكر على الأنثى كالوصية للقرابة) . وهذا خطأ؛ لأنه مال مستحق بقرابة الأب بالشَّرعِ، ففضل فيه الذكر على الأنثى، كميراث ولد الأب. فقولنا: (بقرابة الأب) احتراز من ميراث الإخوة من الأم.

стр. 6298

وقولنا: (بالشَّرعِ) احتراز من الوصية للقرابة. ويدفع ذلك إلى من ينتسب إلى هاشم والمطلب من أولادهما وأولاد أولادهما وإن سفلوا من الأعلى والأسفل، من قبل البنين دون أولاد البنات؛ لأن أولا البنات ينسبون إلى آبائهم دون أمهاتهم. [فرع: اشتراك ذوي القربى فيما وجد من خمس الخمس وإن قل] ومتى لاح درهم من خمس الخمس.. فهو لجميع ذَوِي القربى في جميع أقاليم الأرض. وقال أبُو إسحاق: ينفرد من كان في إقليم من ذوي القربى بما حصل من خمس الخمس في مقر ذلك الإقليم؛ لأنه يشق نقل ما حصل في إقليم إلى جميع ذَوِي القربى في جميع الأقاليم. والمنصوص هو الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية [لأنفال: ٤١] . فجعل خمس الخمس لجميع ذَوِي القربى، فاقتضى اشتراكهم فيه. ولأنه مال مستحق بالقرابة، فاستوى فيه القاصي والداني، كالميراث. وما ذكره أبُو إسحاق من المشقة.. فلا يلزم الإمام تفريقه على ما قرره، ولكن إذا حصل سهم لذوي القربى في مقر إقليم.. فرقه على ذَوِي القربى في ذلك الإقليم، وإذا حصل سهم لذوي القربى في إقليم غيره.. فرقه أيضًا على ذوي القربى فيه، ثم كذلك في جميع الأقاليم، ثم يقابل بين ما فرقه عليهم في كل إقليم وبين عددهم، فإن كان قد وصل إلى كل من في إقليم قدر حقه في جميع الأقاليم.. فلا كلام، وإلا.. رد الفضل على من بقي له، كالرجل إذا دفع زكاته إلى الإمام.. فليس على الإمام أن يوصل زكاة الرجل الواحد إلى جميع الأصناف، بل لو أوصلها إلى رجل واحد.. أجزأ، ولكن على الإمام أن يساوي بين الأصناف فيما يعطيهم من زكاة الرعية كلها.

стр. 6299

[مسألة: سهم اليتامى] وأمَّا سهم اليتامى: فإنه يصرف إلى كل صغير لا أب له إذا كان محتاجًا؛ لأن اليتيم من بني آدم من فقد الأب، والبالغ لا يسمى يتيمًا؛ لقوله ﷺ : «لا يتم بعد الحلم» وهل يدخل فيه الصغير الذي لا أب له إذا كان غنيًا؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل فيه؛ لأن اليتم في بني آدم: فقد الأب، وذلك يقع على الغني والفقير. والثاني: لا يدخل فيه؛ لأن غناه بالمال أكثر من غناه بالأب. إذا ثبت هذا: فإن سهم اليتامى يصرف إلى القاصي والداني من اليتامى في جميع الأقاليم على المنصوص، ولكن لا يكلف الإمام النقل من إقليم إلى إقليم، بل على ما ذكرناه في ذَوِي القربى. وعلى قول أبي إسحاق: يختص يتامى كل إقليم بما يحصل في مغزاهم. وهل يختص يتامى المرتزقة بهذا السهم؟ وفيه وجهان: [أحدهما] : قال القفال: يختصون به، كما يختص المرتزقة بأربعة أخماس الغنيمة. و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: لا يختصون به؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الأنفال: ٤١] [لأنفال: ٤١] ولم يفرق.

стр. 6300

[مسألة: سهم المساكين] وأما سهم المساكين: فإنه يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنهما متقاربان في المعنى، فمتى ذكر أحدهما.. تناولهما، وإن ذكرا معًا.. قسم بينهما. ويصرف هذا السهم إلى الفقراء والمساكين في جميع الأقاليم، ولكن لا يكلف الإمام النقل من إقليم إلى إقليم، بل بالحساب على المنصوص. وعلى قول أبي إسحاق: يختص مساكين كل إقليم وفقراؤه بما يحصل من هذا السهم في مغزاهم. وقال أبُو عليّ في " الإفصاح ": إن اتسع سهم اليتامى والمساكين لجميع يتامى البلدان ومساكينهم، وإلا.. فرق على حسب الإمكان. [مسألة: سهم ابن السبيل] وأمَّا سهم ابن السبيل: فهو لكل مسافر أو منشئ للسفر وهو محتاج، على ما مَضَى في الزكاة. ولا يفضل سهم على سهم، كما قلنا في سهام الأصناف في الصدقات. ويقسم سهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل على جميع الصنف على قدر حاجاتهم، على ما ذكرناه في الصدقات. ولا يجوز دفع شيء من الخمس إلى كافر من جميع الأصناف؛ لأنه عطية من الله، فلم يكن للكافر فيها حق، كالزكاة. والله أعلم

стр. 6301

[باب الفيء] الفيء: هو المال الذي يأخذه المسلمون من الكفار بغير قتال، سمي بذلك؛ لأنه يرجع من المشركين إلى المسلمين. يقال: فاء الفيء: إذا رجع، و: فاء فلان: إذا رجع. والفيء ينقسم قسمين: أحدهما: أن يتخلى الكفار عن أوطانهم خوفًا من المسلمين، ويتركوا فيها أموالًا فيأخذها المسلمون، أو يبذلوا أموالًا للكف عنهم.. فهذا يخمس ويصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة على ما مَضَى. والثاني: الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة، وعشور تجارة أهل الحرب إذا دخلوا دار الإسلام، ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له، ومال من مات أو قتل على الردة.. ففي هذا قولان: [أحدهما] : قال في القديم: (لا يخمس؛ لأنه مال مأخوذ من غير قتال، فلم يخمس، كالمال المأخوذ منهم بالبيع) . و [الثاني] : قال في الجديد: (يخمس) ، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] الآية [الحشر: ٧] وأراد به الخمس؛ لأنها نزلت في أموال بني النضير، وإنما كانت لرسول الله، ﷺ .

стр. 6302

وأمَّا أربعة أخماس الفيء: فقد كان للنَّبيّ ﷺ ، في حياته، ينفق منها على أهله سنة، وما بقي يصرفه في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. والدليل عليه: ما رَوَى [مالك بن أوس بن الحدثان] قال: (اختصم عليّ والعباس في أموال بني النضير إلى عمر، ﵁، فقال عمر: إن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله خاصة مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله، ﷺ ، ينفق منها على أهله وعياله سنة، وما بقي يصرفه في الكراع والسلاح، فتوفي رسول الله، ﷺ ، فوليها أبُو بكر، ﵁، بمثل ذلك) . وكان هذا القول بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، فدلَّ على: أنه إجماع. إذا ثبت هذا: فما كان للنبي ﷺ ، في حياته من الفيء والغنيمة.. لا ينتقل إلى ورثته، وكذلك جميع الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لا يورثون. قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولم أعلم أن أحدًا من أهل العلم قال: إن ذلك لورثتهم) . وذهب قوم لا يعتد بخلافهم ـ وهم الشيعة وأتباعهم ـ إلى: أن الأنبياء، صَلَّى الله

стр. 6303

عليهم وسَلَّم، يورثون، وأن نبينا، ﷺ ، ورثته ابنته فاطمة وحجبت العباس. دليلنا: ما ذكرناه من حديث عمر، ﵁، ورُوِي: أن النَّبيّ ﷺ قال: «لا يقسم ورثتي من بعدى دينارًا. ما تركته بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي.. فهو صدقة ألا إن الأنبياء لا يورثون» . قال الشيخ أبُو حامد: ومعنى قوله هاهنا (عاملي) أي: مؤنة تجهيزي. وفيما يفعل بأربعة أخماس الفيء بعد موت النَّبيّ ﷺ ، وموت زوجاته قولان: أحدهما: أنه يصرف إلى المرتزقة، ويسمون أهل الديوان، وهم المرابطون للثغور، المقيمون فيها، دون الذين يغزون إذا نشطوا؛ لأن النَّبيّ ﷺ إنما كان يستحق ذلك؛ لما ألقى الله به في قلوب الكفار من الرعب والهيبة، وهذا المعنى بعد موته لا يوجد إلا في المرتزقة، فوجب أن يكون لهم. والثاني: أنه يصرف إلى جميع مصالح المسلمين؛ لأن النَّبيّ ﷺ إنما كان يستحقه في حياته لفضيلته وشرفه، وهذا لا يوجد في غيره بعد موته، فوجب أن يصرف إلى المصالح، كما قلنا في سهمه من الخمس: وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة "] قولًا ثالثًا: أن جميع الفيء يصرف إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] الآية [الحشر: ٧] . وهذا ليس بشيء؛ لأن المراد بالآية في الفيء: الخمس منه؛ بدليل: ما ذكرناه من إجماع الصحابة فيه. فإذا قلنا: إنها تكون للمرتزقة.. فإنه يصرف جميعه إليهم، ولا يصرف ما زاد على كفايتهم منه إلى غيرهم.

стр. 6304

وإن قلنا: إنه يصرف إلى مصالح المسلمين.. فإنه يبتدئ بالأهم فالأهم، والأهم هو أرزاق المقاتلة، فيصرف إليهم منه قدر كفايتهم، وما زاد على قدر كفايتهم.. يصرف في أرزاق القضاة وبناء القناطر والمساجد وما أشبهها. [مسألة: وضع سجل بأسماء الغزاة ورواتبهم وعريف على كل طائفة] ويكون العطاء مرة في السنة] : وينبغي للإمام أن يضع ديوانًا ـ وهو دفتر فيه أسماء المقاتلة، وقدر أرزاقهم لـ: (أن عمر ﵁، كان له ديوان فيه أسماء المقاتلة) . ويستحب أن يجعل على كل طائفة من المقاتلة عريفًا يستدعيهم للغزو ويقبض أرزاقهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 6305

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] [الحجرات: ١٣] ولـ: «أن النَّبيّ ﷺ جعل على كل عشرة يوم حنين عريفًا» . ويجعل الإمام العطاء في السنة مرة أو مرتين؛ لأنه يشق العطاء في كل أسبوع أو في كل شهر. [فرع: يبدأ بالعطاء بأقارب المصطفى ﷺ ] َ -، ويقدر العطاء على حسب كفايتهم] : إذا أراد الإمام وضع الديوان وإعطاء مال الفيء.. فإنه يبدأ بقريش قبل سائر الناس؛ لقوله ﷺ : «قدموا قريشًا ولا تتقدموها» ، ولما رَوَى أبُو هُرَيرَة، قال: (قدمت إلى عمر ﵁، من عند أبي موسى الأشعري بثمانمائة ألف درهم، فلما صَلَّى الصبح.. اجتمع إليه نفر من أصحاب النَّبيّ ﷺ ، فقال لهم: قد جاء الناس مال لهم لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا علي بمن أبدأ؟ فقالوا: بك يا أمير المؤمنين؛ إنك ولي ذلك، فقال لا، ولكن أبدأ برسول الله، ﷺ ، والأقرب فالأقرب. فوضع الديوان على ذلك) . ومعنى قولهم: (بك يا أمير المؤمنين) أي بقرابتك. ومعنى قول عمر ﵁: (أبدأ برسول الله، ﷺ ) أي بقرابته. ويقدم بني هاشم وبني المطلب على سائر قبائل قريش؛ لأن بني هاشم بنو أجداد النَّبيّ ﷺ ، وبني المطلب بنو أعمامه. ولا يقدم هاشمي على مطلبي، ولا مطلبي على هاشمي إلا بالسن؛ لقوله ﷺ : «إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد» . ورُوِي: (أن عمر لما أراد قسمة المال قال: أبدأ ببني هاشم، ثم قال: حضرت رسول الله، ﷺ ، يعطيهم وبني المطلب، فإذا كان السن في الهاشمي.. قدمه على المطلبي.. وإذا كان في المطلبي.. قدمه على الهاشمي) . فوضع عمر ﵁ -
следующие страницы →