← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

[باب الفيء] الفيء: هو المال الذي يأخذه المسلمون من الكفار بغير قتال، سمي بذلك؛ لأنه يرجع من المشركين إلى المسلمين. يقال: فاء الفيء: إذا رجع، و: فاء فلان: إذا رجع. والفيء ينقسم قسمين: أحدهما: أن يتخلى الكفار عن أوطانهم خوفًا من المسلمين، ويتركوا فيها أموالًا فيأخذها المسلمون، أو يبذلوا أموالًا للكف عنهم.. فهذا يخمس ويصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة على ما مَضَى. والثاني: الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة، وعشور تجارة أهل الحرب إذا دخلوا دار الإسلام، ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له، ومال من مات أو قتل على الردة.. ففي هذا قولان: [أحدهما] : قال في القديم: (لا يخمس؛ لأنه مال مأخوذ من غير قتال، فلم يخمس، كالمال المأخوذ منهم بالبيع) . و [الثاني] : قال في الجديد: (يخمس) ، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] الآية [الحشر: ٧] وأراد به الخمس؛ لأنها نزلت في أموال بني النضير، وإنما كانت لرسول الله، ﷺ .

стр. 6302

وأمَّا أربعة أخماس الفيء: فقد كان للنَّبيّ ﷺ ، في حياته، ينفق منها على أهله سنة، وما بقي يصرفه في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. والدليل عليه: ما رَوَى [مالك بن أوس بن الحدثان] قال: (اختصم عليّ والعباس في أموال بني النضير إلى عمر، ﵁، فقال عمر: إن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله خاصة مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله، ﷺ ، ينفق منها على أهله وعياله سنة، وما بقي يصرفه في الكراع والسلاح، فتوفي رسول الله، ﷺ ، فوليها أبُو بكر، ﵁، بمثل ذلك) . وكان هذا القول بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، فدلَّ على: أنه إجماع. إذا ثبت هذا: فما كان للنبي ﷺ ، في حياته من الفيء والغنيمة.. لا ينتقل إلى ورثته، وكذلك جميع الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لا يورثون. قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولم أعلم أن أحدًا من أهل العلم قال: إن ذلك لورثتهم) . وذهب قوم لا يعتد بخلافهم ـ وهم الشيعة وأتباعهم ـ إلى: أن الأنبياء، صَلَّى الله

стр. 6303

عليهم وسَلَّم، يورثون، وأن نبينا، ﷺ ، ورثته ابنته فاطمة وحجبت العباس. دليلنا: ما ذكرناه من حديث عمر، ﵁، ورُوِي: أن النَّبيّ ﷺ قال: «لا يقسم ورثتي من بعدى دينارًا. ما تركته بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي.. فهو صدقة ألا إن الأنبياء لا يورثون» . قال الشيخ أبُو حامد: ومعنى قوله هاهنا (عاملي) أي: مؤنة تجهيزي. وفيما يفعل بأربعة أخماس الفيء بعد موت النَّبيّ ﷺ ، وموت زوجاته قولان: أحدهما: أنه يصرف إلى المرتزقة، ويسمون أهل الديوان، وهم المرابطون للثغور، المقيمون فيها، دون الذين يغزون إذا نشطوا؛ لأن النَّبيّ ﷺ إنما كان يستحق ذلك؛ لما ألقى الله به في قلوب الكفار من الرعب والهيبة، وهذا المعنى بعد موته لا يوجد إلا في المرتزقة، فوجب أن يكون لهم. والثاني: أنه يصرف إلى جميع مصالح المسلمين؛ لأن النَّبيّ ﷺ إنما كان يستحقه في حياته لفضيلته وشرفه، وهذا لا يوجد في غيره بعد موته، فوجب أن يصرف إلى المصالح، كما قلنا في سهمه من الخمس: وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة "] قولًا ثالثًا: أن جميع الفيء يصرف إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] الآية [الحشر: ٧] . وهذا ليس بشيء؛ لأن المراد بالآية في الفيء: الخمس منه؛ بدليل: ما ذكرناه من إجماع الصحابة فيه. فإذا قلنا: إنها تكون للمرتزقة.. فإنه يصرف جميعه إليهم، ولا يصرف ما زاد على كفايتهم منه إلى غيرهم.

стр. 6304

وإن قلنا: إنه يصرف إلى مصالح المسلمين.. فإنه يبتدئ بالأهم فالأهم، والأهم هو أرزاق المقاتلة، فيصرف إليهم منه قدر كفايتهم، وما زاد على قدر كفايتهم.. يصرف في أرزاق القضاة وبناء القناطر والمساجد وما أشبهها. [مسألة: وضع سجل بأسماء الغزاة ورواتبهم وعريف على كل طائفة] ويكون العطاء مرة في السنة] : وينبغي للإمام أن يضع ديوانًا ـ وهو دفتر فيه أسماء المقاتلة، وقدر أرزاقهم لـ: (أن عمر ﵁، كان له ديوان فيه أسماء المقاتلة) . ويستحب أن يجعل على كل طائفة من المقاتلة عريفًا يستدعيهم للغزو ويقبض أرزاقهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 6305

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] [الحجرات: ١٣] ولـ: «أن النَّبيّ ﷺ جعل على كل عشرة يوم حنين عريفًا» . ويجعل الإمام العطاء في السنة مرة أو مرتين؛ لأنه يشق العطاء في كل أسبوع أو في كل شهر. [فرع: يبدأ بالعطاء بأقارب المصطفى ﷺ ] َ -، ويقدر العطاء على حسب كفايتهم] : إذا أراد الإمام وضع الديوان وإعطاء مال الفيء.. فإنه يبدأ بقريش قبل سائر الناس؛ لقوله ﷺ : «قدموا قريشًا ولا تتقدموها» ، ولما رَوَى أبُو هُرَيرَة، قال: (قدمت إلى عمر ﵁، من عند أبي موسى الأشعري بثمانمائة ألف درهم، فلما صَلَّى الصبح.. اجتمع إليه نفر من أصحاب النَّبيّ ﷺ ، فقال لهم: قد جاء الناس مال لهم لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا علي بمن أبدأ؟ فقالوا: بك يا أمير المؤمنين؛ إنك ولي ذلك، فقال لا، ولكن أبدأ برسول الله، ﷺ ، والأقرب فالأقرب. فوضع الديوان على ذلك) . ومعنى قولهم: (بك يا أمير المؤمنين) أي بقرابتك. ومعنى قول عمر ﵁: (أبدأ برسول الله، ﷺ ) أي بقرابته. ويقدم بني هاشم وبني المطلب على سائر قبائل قريش؛ لأن بني هاشم بنو أجداد النَّبيّ ﷺ ، وبني المطلب بنو أعمامه. ولا يقدم هاشمي على مطلبي، ولا مطلبي على هاشمي إلا بالسن؛ لقوله ﷺ : «إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد» . ورُوِي: (أن عمر لما أراد قسمة المال قال: أبدأ ببني هاشم، ثم قال: حضرت رسول الله، ﷺ ، يعطيهم وبني المطلب، فإذا كان السن في الهاشمي.. قدمه على المطلبي.. وإذا كان في المطلبي.. قدمه على الهاشمي) . فوضع عمر ﵁ -

стр. 6306

الديوان على ذلك، وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة. ثم يعطي بعد بني هاشم وبني المطلب بني عبد شمس ـ وهم بنو أمية ـ ويقدمهم على بني نوفل؛ لأن عبد شمس أخو هاشم والمطلب لأب وأم، ونوفلًا أخوهم لأب لا غير. ثم يعطي بني عبد العزى وبني عبد الدار، ويقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار؛ لأن خديجة زوج النَّبيّ ﷺ من بني أسد بن عبد العزى. ولأن فيهم حلف المطيبين وحلف الفضول: وهم قوم اجتمعوا في الجاهلية، فتحالفوا على: أن يدفعوا الظالم وينصروا المظلوم، وقالوا: إن بيتنا هذا يقصده الناس من الآفاق فأخرجوا من طيب أموالكم وأعدوه لأضيافكم.

стр. 6307

وروت عائشة: أن النَّبيّ ﷺ قال: «شهدت حلف الفضول، ولو دعيت إليه لأجبت» . واختلف الناس: لم سمي حلف المطيبين؟ فقال بعضهم: إنما سموا بذلك؛ لأنهم أخرجوا من طيب أموالهم ما أعدوه للضيف. وقال بعضهم: إنما سموا بذلك؛ لأن عاتكة بنت عبد المطلب أخرجت قدحًا فيه طيب فطيبتهم به. واختلفوا: لما سمي حلف الفضول؟ فقال بعضهم: إنما سموا بذلك؛ لأنهم أخرجوا ما أعدوه للضيف من فضول أموالهم. وقال بعضهم إنما سموا بذلك؛ لأنه كان فيهم جماعة اسمهم فضل. وقال بعضهم: بل اجتمع فيهم فضل وفضيل وفضالة. ثم يعطي الأقرب فالأقرب، حتى يستكمل سائر قبائل قريش، فإن استوى اثنان في درجة واحدة في النسب.. قدم أسنهمًا؛ لما ذكرناه في حديث عمر ﵁، في بني هاشم وبني المطلب. فإن استويا في السن.. قدم أقدمهما هجرة وسابقة إلى الإسلام. فإذا انقضت قريش.. قدم الأنصار على غيرهم من العرب؛ لأن لهم الآثار الحميدة في الإسلام؛ لأنهم آووا النَّبيّ ﷺ ، ونصروه وآثروه وأصحابه على أنفسهم في المنازل والأموال. ثم يعطي سائر قبائل العرب قبل العجم، ولا يقدم أحدًا منهم على غيره إلا بالسن والسابقة إلى الإسلام. ثم يعطي العجم بعدهم، ولا يقدم أحدًا على أحد إلا بالسن والسابقة إلى الإسلام والهجرة، وهذا التقديم إنما هو في بداية العطاء.

стр. 6308

فأما قدر العطاء: فإن الإمام يتعرف عيال كل واحد منهم وأسعار البلاد، ويعطي كل واحد منهم قدر كفايته، فإن استوى اثنان في قدر الكفاية.. لم يفضل أحدهما على الآخر بشرف ولا سابقة إلى الإسلام ولا هجرة؛ لما روي: (أن أبا بكر ﵁، لما ولي الخلافة.. سوى بين الناس في العطاء وأعطى العبيد، فقال له عمر: أتجعل من هاجر في سبيل الله كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ فقال أبُو بكر ﵁: إنما عملوا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ، فلما ولي عمر الخلاقة.. فاضل بين الناس وأعطى العبيد، ولما أفضت الخلافة بعد عُثمانَ ﵁ وأرضاه إلى علي سوى بين الناس وأسقط العبيد) ، فاختار الشافعي، مذهب عليّ، ﵁، ولأن العطاء إنما هو لأنهم أرصدوا أنفسهم للجهاد وهم متساوون في ذلك فوجب أن يساوي بينهم. [فرع: لا يمنح عبد وغيره ممن لا يجب عليهم القتال] ] : ولا يعطى من الفيء عبد. وبه قال علي ﵁. وقال أبُو بكر وعمر ﵄: (يعطى العبيد الذين يشتغلون بالجهاد ويخدمون السادة فيما يتعلق بالقتال) . دليلنا: أن العبد ليس من أهل القتال، بدليل: أنه لا يتعين عليه القتال وإن حضر الصف.

стр. 6309

ولا يعطى من الفيء صبي، ولا مجنون، ولا امرأة، ولا ضعيف لا يقدر على الجهاد؛ لأنه ليس من أهل القتال. قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : وهل يجب تمليك زوجات المرتزقة وأهليهم ما يخصهم؟ فيه قولان: أحدهما: يجب، كما يجب تمليك المرتزقة. والثاني: لا يجب؛ لأنهم أتباع المرتزقة. [فرع: المرض الذي يصيب بعض المقاتلة ولا يرجى زواله] يسقط الحق من الفيء] : وإن مرض بعض المقاتلة، فإن كان مرضًا يرجى زواله وإن طال.. فإن حقه لا يسقط من الفيء، بل يعطى كما كان يعطى قبل المرض؛ لأن الإنسان لا يخلو في الغالب من المرض. فلو قلنا: إن حقه يسقط بالمرض.. أدى إلى الضرر. وإن كان مرضًا لا يرجى زواله، كالفالج والزمانة.. سقط حقه؛ لأنه قد خرج عن أن يكون من المقاتلة بحال، فيصير كالذرية. [فرع: موت فرد من المرتزقة وقد خلف ذرية] وإن مات أحد المرتزقة وخلف زوجة وأولادًا صغارًا.. فهل يعطون بعد موته؟ فيه قولان: أحدهما: لا يعطون؛ لأنهم إنما أعطوا في حياته تبعًا له، فإذا مات المتبوع.. سقط التابع. والثاني: أنهم يعطون. قال أصحابنا البغداديون: لأن في ذلك مصلحة للجهاد؛ لأن المجاهد: متى علم أن ذريته وزوجته يعطون بعد موته.. اشتغل بالجهاد، ومتى علم أنهم لا يعطون بعد موته.. اشتغل بالكسب لهم، فيتعطل الجهاد.

стр. 6310

وقال الخراسانيون: العلة فيه: أن الصغير لعله إذا بلغ.. أثبت اسمه في ديوان المرتزقة. فعلى علة البغداديين: تعطى الذرية، ذكورًا كانوا أو إناثًا. فإن كانوا ذكورًا.. أعطوا إلى أن يبلغوا، فإذا بلغوا وكانوا يصلحون للجهاد.. قيل لهم: أنتم بالخيار: بين أن تثبتوا أنفسكم في ديوان المرتزقة وتأخذوا كفايتكم من الفيء، وبين أن لا تثبتوا أنفسكم في ديوان المرتزقة بل تكونوا من أهل الصدقات الذين إذا نشطوا.. غزو، فتكون كفايتكم في الصدقة. وإن بلغوا زمنى أو عميًا.. أعطوا الكفاية من الفيء؛ لأنهم لا يصلحون للجهاد. وإن كانت الذرية إناثًا.. فإنهن يعطين الكفاية إلى أن يبلغن ويتزوجن، أو يكون لهن كسب يستغنين به. وأمَّا الزوجة: فإنها تعطى إلى أن تتزوج. وإن كانت الذرية خنثى مشكلًا.. فعلى علة أصحابنا البغداديين هو كالبنت، وعلى علة الخراسانيين: هل يعطى بعد موت أبيه؟ فيه وجهان خرجهما القاضي أبُو الفتوح: أحدهما: لا يعطى شيئًا؛ لأنه لا يتوهم إثبات اسمه؛ لأنه ليس من أهل القتال. والثاني: يعطى؛ لجواز أن يزول إشكاله ويثبت اسمه. وعلة البغداديين: أصح؛ لأنها تجمع الذرية من الذكور والإناث. وعلة الخراسانيين تختص بالذرية من الرجال. [مسألة: إعطاء الورثة من الفيء باعتبار القسمة والحول] ] : قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإذا صار مال الفيء إلى الوالي، ثم مات رجل قبل أن يأخذ عطاءه.. أعطيته ورثته. وإذا مات قبل أن يصير إليه المال ذلك العام.. لم يعطه ورثته) .

стр. 6311

واختلف أصحابنا فيه. فقال الشيخ أبُو حامد، وأكثر أصحابنا: إذا مات رجل من المرتزقة بعد حؤول الحول.. وجب صرف نصيبه إلى ورثته؛ لأنه مات بعد وجوب القسمة، وسواء حصل في يد الإمام أو لم يحصل في يد الإمام، لأن أهل الفيء معينون معلومون. وإن مات قبل حلول الحول.. لم يجب صرف نصيبه إلى ورثته؛ لأنه مات قبل أن يستحق نصيبه، وقول الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا صار مال الفيء إلى الوالي) أراد: إذا استحقه في يد الوالي. وقال القاضي أبُو الطيب: بل هي على ظاهرها. فإذا مات رجل من المرتزقة بعد أن صار مال الفيء في يد الوالي.. دفع عطاؤه إلى ورثته، وإن مات قبل أن يصير في يده.. لم يدفع. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: إن مات بعد جمع المال وبعد الحول.. وجب دفع نصيبه إلى ورثته. وإن مات قبل الحول وقبل جمع المال.. فلا حق له. وإن مات بعد جمع المال وقبل حؤول الحول.. ففيه قولان: أحدهما: لا شيء له؛ لأن الاعتبار بحؤول الحول كالزكاة، ولم يعش إلى ذلك الوقت. والثاني: يعطى وارثه بقدر ما مَضَى من الحول؛ لأن المال قد جمع وقد حصل من المجاهد الجهاد بما مَضَى من الحول. وهذان القولان مأخوذان من القولين في الذمي إذا مات أو أسلم في أثناء الحول.. فهل تؤخذ منه الجزية لما مَضَى من الحول؟

стр. 6312

[فرع: طلب التطوع في المرتزقة] قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : لو جاء رجل وطلب إثبات اسمه في ديوان المرتزقة، فإن كان غناء في القتال، وفي المال سعة.. أثبت الإمام اسمه، وإلا.. لم يثبت اسمه. [مسألة: مصرف ما فضل من الفيء بعد العطاء] قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن فضل من الفيء شيء بعد ما وصفت من إعطاء العطاء.. وضعه الإمام في إصلاح الحصون والازدياد في الكراع والسلاح) . واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فمنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء للمقاتلة) . فعلى هذا: يعطيهم الإمام من الفيء أولًا كفايتهم، وما فضل عن كفايتهم.. فإنه يشتري به السلاح والكراع ويصلح به الحصون؛ لأن ذلك من مصالحهم ولا بد لهم منه، فإذا لم يفعله الإمام.. فعلوه من أموالهم، فإن فضل من الفيء شيء بعد ذلك.. صرفه إليهم على قدر كفايتهم. فأما على القول الذي يقول: (إنه للمصالح) .. فلا يزيدهم على قدر كفايتهم. ومنهم من قال: إنما قال هذا على القول الذي يقول: إن أربعة أخماس الفيء للمصالح. فعلى هذا: يبدأ بكفايتهم، فإن فضل منه فضل.. فإنه يصرف في سد الثغور، وشراء السلاح، والكراع وإصلاح الحصون. وأمَّا على القول الذي يقول: إن أربعة أخماس الفيء للمقاتلة.. فإن جميعه يصرف إليهم.

стр. 6313

قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن ضاق عن مبلغ العطاء.. فرقه بينهم بالغًا ما بلغ) . وأراد بذلك: إذا حصل في يد الإمام شيء من الفيء يضيق عن قدر كفايتهم.. فإنه يدفع لكل واحد منهم ما يخصه منه على قدر كفايته، ويتم له الباقي من بيت المال. [فرع: يعطى من الفيء أرزاق الحكام وولاة الصلاة والأحداث لأهل الفيء] قال الشافعي ﵀: (ويعطى من الفيء أرزاق الحكام، وولاة الأحداث والصلاة لأهل الفيء، وكل من قام بأمر أهل الفيء ممن لا غنى لأهل الفيء عنه) . واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فمنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء للمصالح) .. فيبدأ بكفاية أهل الفيء، ثم يصرف الباقي في الكراع، والسلاح، وسد الثغور، وأرزاق الحكام. فأما على القول الذي يقول: (إنه للمقاتلة) . فإن جميعه يصرف إليهم. ومنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إنه للمقاتلة) ؛ لأن حكام أهل الفيء ومن يصلي بهم وولاة أحداثهم ـ وهم من يلي مصالحهم منهم- فوجب أن يرزقوا من الفيء إذا لم يوجد من يتطوع لهذه الأمور. [فرع: كون الفيء مما لا ينقل] وإن كان في الفيء ما لا ينقل، كالأرض والدور.. فخمسه لأهل الخمس. وأمَّا أربعة أخماسه: فقد قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (تكون وقفًا للمسلمين، تستغل وتقسم عليهم في كل عام) . واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فمنهم من قال: هذا على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء تكون للمصالح) ؛ لأن المصلحة فيها أن تكون وقفا ًتستغل كل سنة. فأما على القول الذي يقول: (إن أربعة أخماس الفيء للغانمين) .. فلا تكون وقفًا، بل يجب قسمتها بين الغانمين ليتصرفوا فيها بما شاءوا، كأربعة أخماس الغنيمة.

стр. 6314

ومنهم من قال: بل تصير وقفًا على القولين؛ لأنا إن قلنا: إنها للمصالح.. فالمصلحة فيها أن تكون وقفًا، وإن قلنا: إنها للمقاتلة.. فإنها تصير وقفًا ليصرف الإمام غلتها في مصالحهم. والفرق بينها وبين الغنيمة: أنه لا مدخل لاجتهاد الإمام في الغنيمة، ولهذا لا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في الغنيمة، ولاجتهاده مدخل الفيء؛ ولهذا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في القسمة، فتحصل من هذا: أنا إذا قلنا: إنها للمصلحة.. كانت وقفًا وجهًا واحدًا، وإن قلنا: إنها للمقاتلة.. فهل تصير وقفًا؟ فيه وجهان: وأمَّا خمس الأرض: فإن سهم المصالح، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل، يكون وقفًا وجهًا واحدًا، وفي سهم ذَوِي القربى وجهان. وكل موضع قلنا: يكون وقفًا.. فهل يفتقر إلى تلفظ الإمام بالوقف؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصبَّاغ: أحدهما: يفتقر إلى ذلك، كسائر الوقوف. والثاني: لا يفتقر إلى ذلك؛ لأن وقفه وجب بالشَّرعِ، فلم يحتج إلى اللفظ به، كما أنه لو وجب رق النساء والصبيان من أهل الحرب.. لم يحتج إلى لفظ الإمام باسترقاقهم، فهذا مثلها. إذا ثبت هذا: فروى الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عن عمر ﵁: أنه قال: (ما من أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه إلا ما ملكت أيمانكم) . فتأوله أصحابنا ثلاثة تأويلات:

стр. 6315

أحدها: أنه أراد به المحتاجين لا الأغنياء. الثاني: أنه أراد به المحتاجين والأغنياء؛ لأن ما يأخذه المجاهدون من المال ينتفع به الأغنياء؛ لأنهم يسقطون الجهاد عنهم لقيامهم به. والثالث: أنه أراد ما من أحد إلا وله في بيت المال حق، فللفقراء حق في الصدقات، وللأغنياء حق في الفيء يأخذونه إذا كانوا مرابطين، وإن لم يكونوا مرابطين.. أخذوه من سهم الغزاة. وبالله التوفيق

стр. 6316

[باب الجزية] الكفار على ثلاثة أضرب: ضرب: لهم كتاب ـ وهم اليهود والنصارى ـ فيجوز إقرارهم على دينهم وأخذ الجزية منهم. وضرب: لهم شبهة كتاب ـ وهم المجوس ـ فيجوز إقرارهم على دينهم وأخذ الجزية منهم أيضًا. وضرب: لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب ـ وهم عَبَدَة الأوثان ـ فلا يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية. وقال مالك: (تؤخذ الجزية من كل مشرك إلا مشركي قريش؛ لأنهم ارتدوا بعد أن أسلموا) .

стр. 6317

وقال أبو حَنِيفَة: (تؤخذ الجزية من كل مشرك إلا من عَبَدَة الأوثان من العرب، فلا تؤخذ منهم الجزية) . وقال أبُو يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب، سواء كانوا من أهل الكتاب، أو من عَبَدَة الأوثان. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يبذلوا الجزية، ولم يفرق. والدليل على: أن الجزية تؤخذ من المجوس ما روي: «أن النَّبيّ ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر البحرين» ورُوِي: أن عمر ﵁ توقف في أخذ الجزية منهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: «شهدت النَّبيّ ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . إذا ثبت هذا: فإن كتاب اليهود التوراة، وكتاب النصارى الإنجيل، وأمَّا المجوس: فلا خلاف أنه ليس لهم كتاب اليوم، وهل كان لهم كتاب؟ فيه قولان:

стр. 6318

أحدهما: أنه لم يكن لهم كتاب ـ وبه قال أبو حَنِيفَة ـ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] [الأنعام: ١٥٦] ، ولما رُوِيَ: أن النَّبيّ ﷺ لما كتب إلى قيصر، كتب إليه: (من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية [آل عمران: ٦٤] . ولما كتب إلى كسرى كتب إليه: (من محمد بن عبد الله إلى كسرى) . ولم يخاطبهم بأنهم أهل كتاب، وهم مجوس، فدلَّ على أنهم لا كتاب لهم. والثاني: أنهم كان لهم كتاب، وهو الأصح؛ لما رُوِيَ عن علي ﵁: أنه قال: (أنا أعلم من على وجه الأرض بأمر المجوس، كان لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فجاءوا ليقيموا عليه الحد، فامتنع، ودعا أهل مملكته، وقال: ما أعلم دينًا خيرًا من دين آدم ﵇، وقد أنكح بناته بنيه، وأنا على دينه، فبايعه قوم، وقاتل الذين يخالفون حتى قتلهم، فأصبح وقد أسري بكتابهم ومحي العلم من صدورهم فأصبحوا أميين) . وأمَّا الآية: فلا تدل على أنه لم ينزل الكتاب على غير اليهود والنصارى، لأن الله تَعالَى قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] [الأعلى: ١٨] ولقوله تَعالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] [الشعراء: ١٩٦] وأمَّا كتاب النَّبيّ ﷺ ، فلأن الروم كان لهم كتاب موجود؛ فلذلك خاطبهم به، والمجوس ليس لهم كتاب موجود، فلذلك لم يخاطبهم به.

стр. 6319

[مسألة: تؤخذ الجزية من نسل الكتابيين] ] : ويجوز أخذ الجزية من أولاد من له كتاب أو شبهة كتاب، ومن نسلهم أبدًا، سواء بدلوا أو لم يبدلوا، أو غيروا أو لم يغيروا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] . فأمر الله النَّبيّ ﷺ وأصحابه أن يقاتلوا أهل الكتاب إلى أن يبذلوا الجزية، ومعلوم: أن الكفار الذين أنزل عليهم الكتاب لم يدركهم النَّبيّ ﷺ ، وإنما أدرك نسلهم، فثبت: أن الآية تناولت نسلهم ولم يفرق، ولأن لهم حرمة بآبائهم، فجاز إقرارهم ببذل الجزية. هذا الكلام في أولاد إسرائيل ﵇، فأما من دخل في دين أهل الكتاب بعد أن لم يكن منهم، مثل عَبَدَة الأوثان من العرب.. فينظر فيه: فإن دخل معهم قبل نسخ الدين الذي دخل فيه بشريعة بعده، فإن دخل معهم قبل أن يبدلوا.. كان حكمه وحكم نسله حكمهم. وقال أبُو يوسف: لا تؤخذ منهم الجزية. دليلنا: ما روي: «أن النَّبيّ ﷺ بعث خالدًا، فأغار على دومة الجندل، وأخذ أكيدر بن حسان رجلًا من كندة أو غسان، فصالحه النَّبيّ ﷺ على بذل الجزية» . وروي: «أن النَّبيّ ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فأخذ منهم الجزية وعامتهم عرب» ، و «صالح أهل نجران على بذل الجزية وهم عرب» .

стр. 6320

وإن دخل في دينهم بعد تبديله.. نظرت: فإن دخل في دين من لم يبدل.. فحكمه وحكم أولاده حكمهم. وإن دخل في دين من بدَّل منهم.. لم تؤخذ منه ولا من أولاده الجزية؛ لأنه لم تلحقه فضيلة الكتاب ولا حرمة لآبائه. هذا نقل البغداديين من أصحابنا. وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : هل تؤخذ الجزية من أولاده؟ فيه قولان، بناءً على القولين في أولاد المرتدين: هل تؤخذ منهم الجزية؟ وإن دخل في دينهم بعد أن نسخ بشريعة بعده.. لم يقر على دينه ببذل الجزية. وقال المزني: يقر ببذل الجزية، وكذلك قال: تؤخذ ممن دخل في دين من بدَّل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] [المائدة: ٥١] . ودليلنا: أنه دخل في دين باطل، فلم تؤخذ منه الجزية، كالمسلم إذا ارتد. وأمَّا الآية: فالمراد بها في الكفر والإثم. وإن دخل داخل في دينهم بعد التبديل، ولم يعلم: هل دخل في دين من بدَّل منهم أو في دين من لم يبدل، أو لم يعلم: هل دخل في دينهم قبل نسخه أو بعد نسخه، كنصارى العرب وهم: بهراء وتنوخ وتغلب.. أقروا على دينهم بالجزية تغليبًا لحقن دمائهم، ولم تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم للمسلمين تغليبًا للحظر؛ لـ: (أن عمر ﵁ أخذ الجزية من نصارى العرب وحرم على المسلمين مناكحتهم وذبائحهم) .

стр. 6321

[فرع: المتمسكون بالصحف الأولى قبل التوراة وفرقتا السامرة والصابئين] واختلف أصحابنا في المتمسكين بصحف آدم وإبراهيم وإدريس، وزبور داود: فمنهم من قال لا يقرون ببذل الجزية، ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، واختلف هؤلاء في تعليله. فمنهم من قال لأن كتبهم ليست بكلام الله منزل، وإنما هي بعض أحكام أنزلت بالوحي، ومثل هذا موجود في شرعنا مثل ما رُوِيَ: أن النَّبيّ ﷺ قال: «أتاني جبريل وأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية» . ومنهم من قال: كانت كلامًا لله، ولكن كانت مواعظ ولم تكن أحكامًا، فلم تكن لها حرمة الكتب المنزلة. وقال أبُو إسحاق: يقرون ببذل الجزية وتحل مناكحتهم وذبائحهم؛ بقوله تَعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] ولم يفرق. ولأن المجوس يقرون ببذل الجزية ولهم شبهة كتاب.. فلأن يقر هؤلاء ولهم كتاب موجود أولى. وأمَّا السامرة والصابئون: فقطع الشافعي، في موضع: (أن السامرة من اليهود، وأن الصابئين من النصارى) ، وتوقف في حكمهم في موضع آخر، وقال: (إن كانوا يوافقونهم في أصول دينهم.. فهم منهم، وإن خالفوهم في الفروع، أو خالفوهم في أصول دينهم.. فليسوا منهم) . فقال أكثر أصحابنا: إنما توقف الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في حكمهم؛ لأنه لم يكن يعرف مذهبهم، ثم اتضح له مذهبهم، وأنهم يوافقونهم في أصول دينهم، وأنهم أهل كتاب.

стр. 6322

وقال أكثر المتكلمين: إنهم يخالفونهم في أصول دينهم، ويقولون: الفلك حي ناطق مدبر، والكواكب السبعة آلهة. وبه قال أبُو سعيد الإصطخري؛ فإنه أفتى القاهر بالله بقتلهم، فضمنوا له مالًا، فتركهم. ومن كان أحد أبويه وثنيًا والآخر كتابيًا.. فقد مَضَى بيان حكمه في (النكاح) . [فرع: لا تعقد الذمة للكبير بعد النسخ وتعقد للصغير] وماذا لو غزا الإمام قومًا لا يعرفهم؟] : قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا مات كتابي وخلف ابنين؛ أحدهما كبير لا يدين بدين أهل الكتاب، والآخر صغير، ثم لما نزل القرآن دخل الكبير في دين أهل الكتاب.. لم يقر عليه ولم تؤخذ منه الجزية؛ لأنه دخل في دين أهل الكتاب بعد النسخ. فإن بلغ الصغير وأظهر دين أهل الكتاب.. أقر عليه وأخذت منه الجزية؛ لأنه تابع لأبيه في الدين) . وإن غزا الإمام قومًا من المشركين لا يعرف دينهم، وادعوا أنهم من أهل الكتاب من بني إسرائيل، وأن آباءهم دخلوا في دين أهل الكتاب قبل نسخه، أو دخلوا في دين غير مبدل.. أقرهم وأخذ منهم الجزية؛ لأنه لا يعرف دينهم إلا من جهتهم. فإن رجعوا كلهم وقالوا: لسنا من أهل الكتاب، أو دخل آباؤنا في دين منسوخ أو مبدل، أو أسلم اثنان منهم وعدلًا وشهدا بذلك.. نبذ إليهم عهدهم وصاروا حربًا لنا. وإن رجع بعضهم دون بعض.. نبذ العهد إلى من رجع دون من لم يرجع. فإن شهد بعضهم على بعض بذلك.. لم تقبل شهادتهم؛ لأن شهادتهم غير مقبولة قبل إسلامهم. [مسألة: أقل الجزية] وأقل ما يقبل من الذمي دينار في كل سنة، فإن لم يبذل إلا دينارًا في كل سنة قبل منه، غنيًا كان أو فقيرًا.

стр. 6323

وقال أبو حَنِيفَة: (يجب على الغني في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا، من صرف اثني عشر بدينار فيكون عليه أربعة دنانير، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهمًا وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا) . وقال مالك: (إن كان من أهل الذهب.. فالواجب عليه في كل سنة أربعة دنانير. وإن كان من أهل الورق.. فالواجب عليه في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا) . وقال الثوريُّ: الجزية ليست بمقدرة، وإنما الواجب ما رآه الإمام باجتهاده من قليل أو كثير. دليلنا: ما رُوِيَ: أن النَّبيّ ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، وقال: «خذ من كل حالم دينارًا، أو عدله معافريا» . ورَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النَّبيّ ﷺ أمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب من كل حالم دينارًا أو عدله معافريا» . والمعافري: ثوب منسوب إلى المعافر. ولم يفرق بين الغني والفقير والمتوسط. إذا ثبت هذا: فإن المستحب للإمام أن لا يخبر الذمي: أن أقل الواجب عليه دينار، بل يماكسه ليزيد عليه، ويجعل الجزية عليهم على ثلاث طبقات: على الفقير المعتمل دينار، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير، لما رُوِيَ عن عمر ﵁: (أنه صالح أهل الشام على أن يأخذ من الغني ثمانية وأربعين درهمًا، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهمًا، وممن دونه دينارًا) . ولأنه يخرج بذلك من الخلاف لأبي حَنِيفَة. وإن التزم رجل منهم أكثر من دينار.. لزمه، فإن امتنع بعد ذلك من التزام ما زاد

стр. 6324

على الدينار.. أجبر عليه إلا أن يلحق بأهل الحرب ويمتنع، ثم يبذل الدينار، فإنه يجب قبوله. [فرع: امتناع أهل الكتاب من اسم الجزية وطلب أخذها باسم الصدقة] وإن امتنع قوم من أهل الكتاب من أداء الجزية باسم الجزية.، وطلبوا أن تؤخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وتؤخذ منهم مثلي ما يؤخذ من المسلمين، ورأى الإمام أن يصالحهم على ذلك.. جاز؛ لما رُوِيَ: (أن ثلاث قبائل من العرب، وهم: تنوخ وبهراء وبنو تغلب دانوا بدين النصارى، وأشكل أمرهم: هل دخلوا في النصرانية قبل التبديل أو بعده؟ فأقرهم عمر على دينهم، وطلب أن يأخذ منهم الجزية، فامتنعوا وقالوا: نحن عرب لا نؤدي الجزية كما تؤدي العجم ولكن خذها منا باسم الصدقة كما تأخذ من العرب، فامتنع عمر ﵁ عن ذلك وقال: الصدقة على المسلمين، ولا أقركم إلا بالجزية، فقالوا: خذ منا ضعف ما تأخذه من المسلمين، فامتنع عمر ﵁ ففروا من ذلك ولحق بعضهم بالروم، فقال له النعمان بن زرعة ـ أو زرعة بن النعمان ـ: يا أمير المؤمنين، إن فيهم بأسا وشدة، وإنهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عدوك عليك بهم، فخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث إليهم عمر وردهم وأضعف عليهم الصدقة) . قال المسعوديُّ: [في " الإبانة "] : ولو استصوب الإمام أن يضرب عليهم نصف الصدقة.. جاز. فإن صالحهم على أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وكان لصبي من أهل الذمة أو لامرأة منهم مال يبلغ النِّصَاب.. لم تؤخذ منهما. وقال أبُو حَنِيفَة: (تؤخذ منهما) .

стр. 6325

دليلنا: أنها جزية في الحقيقة، ولا صدقة ولا جزية عليهما. وإن أضعف الصدقة.. فإنه يأخذ من كل خمس من الإبل شاتين، ومن خمس وعشرين من الإبل ابنتي مخاض، ولا يأخذ منها حقة كما لو كانت خمسين. وإن ملك رجل منهم عشرين من الغنم، أو بعيرين ونصفا.. فهل يؤخذ منه شيء؟ فيه قولان حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] : أحدهما: لا يؤخذ منه شيء؛ لأن ما يؤخذ منه إنما يؤخذ باسم الصدقة، والصدقة لا تؤخذ إلا من نصاب. والثاني: يؤخذ منه ما يؤخذ من النِّصَاب؛ لأن من ملك ما تجب فيه الشاة من الإبل.. أخذت منه، كالمسلم إذا ملك خمسا من الإبل. وإن وجبت عليه حقتان فلم يوجدا معه.. أخذ منه ابنتا لبون، وهل يضعف عليه الجبران؟ فيه قولان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] : أحدهما: يضعف عليه، فيؤخذ منه ثماني شياه، كما تضعف الصدقة. والثاني: لا يضعف؛ لأن هذا تضعيف التضعيف، وذلك أنا ضعفنا حتى إذا أخذنا مكان الحقة حقتين، ثم إذا انتقلنا إلى ابنتي لبون فأخذنا منه مع ابنتي لبون أربع شياه.. فهذا جبران مضاعف، ولولا التضعيف.. لأخذنا منه شاتين كما يؤخذ من المسلم. وما يؤخذ منهم باسم الصدقة.. يصرف مصرف الفيء لا مصرف الصدقة؛ لأنه جزية في الحقيقة؛ ولهذا قال عمر ﵁: (فرض الله الصدقة على المسلمين، والجزية على المشركين) وقال عليّ ﵁: (لا آخذ من مشرك صدقة) . فإن بلغ ما يؤخذ منهم باسم الصدقة دينارين أو أكثر، فطلبوا أن يؤخذ منهم من كل واحد منهم دينار باسم الجزية.. وجب حط ما زاد على الدينار وأخذ الدينار؛ لأن الزيادة على الدينار لتغير الاسم، وقد رضوا باسم الجزية.

стр. 6326

[فرع: لا يصح أخذ الجزية باسم الصدقة بأقل من دينار] وماذا لو حصل بيع أرض؟] : وإذا صالحهم الإمام على أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة.. فلا بد أن يكون ما يؤخذ من كل واحد منهم يبلغ دينارا؛ لأن أقل الجزية دينار. فإن شرط ذلك في العقد.. صح، وإن لم يشرط ذلك، ولكن غلب على ظن الإمام أن ما يؤخذ من كل واحد منهم لا ينقص عن دينار.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأن الظاهر أن الثمار والمواشي لا تختلف. والثاني: لا يصح؛ لأنه قد ينقص عن الدينار. واختلف أصحابنا في كيفية صلح عمر ﵁ لنصارى العرب على إضعاف الصدقة: فقال أبُو إسحاق: إنما صالحهم على ذلك؛ لأنه علم أن لهم أموالا ظاهرة من المواشي والزروع يحصل من زكاتها قدر الدينار وأكثر. ومنهم من قال: صالحهم على ذلك وشرط: إن بلغ ما يأخذه من كل واحد منهم باسم الصدقة قدر الدينار.. فلا كلام، وإلا وجب عليهم تمام الدينار. فإن ضرب الجزية على ما يخرج من الأرض من الزروع والثمار باسم الصدقة، فباع رجل منهم أرضه من مسلم أو ذمي.. صح البيع، فإن بقي مع البائع من الأموال الزكاتية ما يبلغ ما ضرب عليها من الجزية باسم الصدقة الدينار أو أكثر.. لم يطالب بأكثر من ذلك. وإن لم يبق له مال، أو بقي له مال لا يفي ما ضرب عليه بالدينار.. انتقلت الجزية إلى رقبته. وأمَّا الذي باعه إلى مسلم.. فلا يطالب بما ضرب على الأرض من الجزية؛ لقوله، ﷺ : «لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الجزية» .

стр. 6327

وإن باعها من ذمي.. نظرت: فإن كان ممن وقع عقد الذمة معه على أن تؤخذ منه الجزية باسم الصدقة.. ازدادت جزيته لما اشتراه من أرض وماشية وما أشبهه، وكذلك لو اشترى شيئا من أموال الزكاة من مسلم أيضا. وإن وقع عقد الذمة معه بشيء يؤديه باسم الجزية.. لم تزدد جزيته بما اشتراه من المال من مسلم ولا ذمي؛ لأن جزيته على رقبته. [مسألة: وجوب الجزية في آخر الحول] وتجب الجزية في آخر الحول؛ لقوله ﷺ لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا في كل سنة» فإن مات الذمي أو أسلم بعد انقضاء الحول.. لم تسقط عنه الجزية. وقال أبُو حَنِيفَة: (تسقط) . دليلنا: أنه حق ثبت في الذمة، فلم يسقط بالموت والإسلام كالدين. وإن مات أو أسلم في أثناء الحول.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه شيء ـ وبه قال أبُو حَنِيفَة ـ لأنه حق يعتبر في وجوبه الحول، فلم يتعلق حكمه ببعض الحول، كالزكاة. والثاني: يجب عليه من الجزية بقدر ما مَضَى من الحول، وهو الأصح؛ لأنه حق يجب بالمساكنة، فوجب عليه بقدر ما سكن، كما لو استأجر دارا ليسكنها سنة، فسكنها بعض السنة وفسخت الإجارة. فإن مات وعليه ديون وجزية، وضاقت تركته عن الجميع.. فهو كما لو مات وعليه دين وزكاة.

стр. 6328

[مسألة: اشتراط الضيافة على أهل الذمة] وإذا عقد الإمام الذمة لقوم.. جاز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة رجل، وعلى ضيافة من يمر بهم من المسلمين» . ورُوِي: (أن عمر ﵁ وضع الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق ثمانية وأربعين درهما وضيافة ثلاثة أيام لكل من مر بهم من المسلمين) ، ولأن في ذلك مصلحة للغني والفقير من المسلمين. أما الغني: فلأنه إذا دخل إليهم.. فلا بد له من شيء يشتريه لقوته وقوت دوابه، فإذا لم يكن عليهم ضيافة.. ربما امتنعوا من البيع إليه للإضرار به، وإذا كانت عليهم الضيافة.. بادروا إلى البيع منه مخافة أن ينزل عليهم. وأمَّا الفقير: فإذا لم تكن عليهم ضيافة.. لا يطعمونه، فيهلك جوعا. إذا ثبت هذا: فإنما تكون الضيافة زيادة على أقل الجزية؛ لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار ـ وكانوا ثلاثمائة رجل ـ وضيافة من يمر بهم من المسلمين» ، ولأنا لو جعلنا الضيافة من الدينار.. لم يتحقق استيفاء الدينار منه؛ لأنه قد لا يمر به أحد من المسلمين. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخراسانيون: هل تحتسب الضيافة من الجزية؟ فيه وجهان:

стр. 6329

أحدهما: تحتسب؛ إذ لا شيء عليهم سوى الجزية، والضيافة مال ينتفع به المسلمون. والثاني: لا تحتسب؛ لأن للجزية مصارف معلومة، وقد ينزل بهم من لا تصرف إليه الجزية. ولا يشترط عليهم الضيافة إلا برضاهم؛ لأنها زائدة على أخذ الجزية، فلا يلزمهم ذلك إلا برضاهم. ويشترط عليهم أن يكون عدد من يضاف من الفرسان والرجالة من المسلمين معلوما، وعدد أيام ما يضاف كل رجل من المسلمين معلوما، فيقال: يضاف المسلم يوما أو يومين أو ثلاثا. ولا تزاد ضيافة الواحد من المسلمين على ثلاثة أيام لقوله، ﷺ : «الضيافة ثلاثة أيام وما زاد.. فهو صدقة» ويشترط قدر الطعام والأدم لكل رجل من المسلمين. فيقال لكل رجل من المسلمين كذا وكذا رطلا من الخبز، وكذا وكذا رطلا من الأدم، ويكون ذلك من جنس طعامهم وإدامهم؛ لما رُوِيَ: أن أهل الشام من أهل الجزية أتوا عمر ﵁ وقالوا: إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج في ضيافتهم، فقال لهم عمر: (أطعموهم مما تأكلون ولا تزيدوهم على ذلك) .

стр. 6330

ويذكر علف الدواب، تبنا أو شعيرا أو قتا، فإن أطلق ذكر العلف.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (اقتضى التبن والحشيش؛ لأنه أقل العلف بالإطلاق) . ويجوز شرط الضيافة على الغني منهم والمتوسط، وأمَّا الفقير: فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخُ أبُو إسحاق: لا تشترط الضيافة عليه وإن كانت عليه الجزية؛ لأن الضيافة تتكرر، فلا يمكنه القيام بها. وقال الشيخُ أبُو حامد وبعض أصحابنا: يجوز شرطها على الفقير، كما يجوز شرطها على الغني والمتوسط، ولكن لا يساوي بينهم في عدد من يضيف كل واحد منهم من المسلمين، ولكن يجعل عدد من يضيفون على مراتب، كما قلنا في قدر جزيتهم، فإن شرط على الغني ضيافة عشرين.. كان على المتوسط ضيافة عشرة، وعلى الفقير ضيافة خمسة، ولكن يتساوون في جنس الطعام إلا إن كانوا يتساوون في قدر الجزية.. فإنهم يتساوون في عدد من يضيفونه. قال المسعودي [في " الإبانة "] : ولو حال الحول وقد بقي على واحد منهم شيء من الضيافة.. استوفي منه. إذا ثبت هذا: فإن وفوا بما شرط عليهم من الضيافة.. فقد أدوا ما عليهم. وإن امتنع بعضهم منها.. أجبره الإمام عليها. وإن امتنعوا كلهم وقاتلوا الإمام.. فقد نقضوا العهد والذمة، فإن طلبوا بعد ذلك أن تعقد لهم الذمة بأقل الجزية من غير ضيافة.. وجب العقد لهم بذلك، ولكن يلزمهم الوفاء بالضيافة إلى حين الامتناع؛ لأنه قد لزمهم بالالتزام الأول، وإنما يسقط عنهم بالامتناع الضيافة بعد الامتناع.

стр. 6331

[مسألة: لا يكلف الصبي بالجزية] ولا تؤخذ الجزية من صبي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] . فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية، والصبي لا يقاتل. ولقوله ﷺ لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا» ورُوِي: عن عمر ﵁: (أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان) . قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن بذل الذمي الجزية عن ولده الصغير.. قيل له: أتبذله من مال للصغير أو من مالك؟ فإن قال: أبذله من مال الصغير.. لم يجز أخذه؛ لأن الصغير لا جزية عليه. وإن قال: أبذله من مالي.. أخذ منه؛ لأنه بذل زيادة على جزيته) . إذا ثبت هذا: فإن ولد الذمي تابع لأبيه في الأمان ما لم يبلغ، فإذا بلغ.. زال حكم التبع، وقيل له: لا يجوز إقرارك في بلاد الإسلام بغير جزية، فإن لم يبذل الجزية.. صار حربا لنا، وإن اختار أن يبذل الجزية.. فهل يفتقر إلى استئناف عقد الذمة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يفتقر إلى استئناف عقد الذمة؛ لأنه عقد دخل فيه قبل البلوغ، فإذا بلغ.. لزمه، كإسلام أبيه. فعلى هذا: يلزمه جزية أبيه، فإن كان أبوه قد بذل في جزيته أكثر من دينار.. لزم الولد مثل ذلك. فإن قال الابن: لا ألتزم إلا دينارا.. لم يقبل منه إلا أن يمتنع بالقتال ثم يبذل الدينار، فيجب قبوله منه. ولا يلزم الولد جزية جده من قبل الأم؛ لأنه لا جزية على أمه، فلا يلزمه جزية أبيها.

стр. 6332

والوجه الثاني: أنه يفتقر إلى استئناف عقد، وهو الأصح؛ لأن عقد الأب إنما كان لنفسه وإنما تبعه الولد لصغره، فإذا بلغ.. زال التبع. فعلى هذا: يرفق الإمام به ليلتزم أكثر من الدينار، فإن لم يرض إلا بالتزام الدينار لا غير.. وجب قبول ذلك منه وإن كان أبوه قد التزم أكثر منه. [فرع: امتناع السفيه ووليه من دفع الجزية يخرجهما من ديار المسلمين] فإن بلغ الذمي غير رشيد.. فإن الحجر لا يفك عنه. فإن اتفق السفيه ووليه على عقد الذمة له وبذل الجزية.. عقدت له الذمة، وإن امتنعا من ذلك.. أخرجا من دار الإسلام. وإن اختلف السفيه ووليه. فطلب أحدهما أن تعقد الذمة للسفيه بالجزية وامتنع الآخر.. كان الاعتبار بإرادة السفيه من ذلك؛ لأنه سبب لحقن دمه. [مسألة: لا جزية على المجنون] ] : ولا تؤخذ الجزية من المجنون المطبق. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: تؤخذ منه الجزية؛ لأن حالات جنونه كحالات نومه. وليس بشيء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] وفيها أربعة أدلة: أحدها: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] والمجنون لا يقاتل. الثاني: قوله ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩] والمجنون لا يدين. الثالث: قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ومعناه حتى يضمنوا، والمجنون لا يصح ضمانه.

стр. 6333

الرابع: قوله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ومعناه: راضون بجريان أحكام الإسلام عليهم، والمجنون لا رضا له. وإن كان يجن يوما ويفيق يوما، أو يجن في بعض الحول دون بعض.. لفقت أيام الإفاقة، فمتى بلغت حولا.. وجبت عليه الجزية. فإن أفاق النصف الأول من الحول وجن الثاني.. فهل يجب عليه الجزية للنصف الأول؟ فيه قولان. كما لو كان مشركا فأسلم أو مات في نصف الحول. وإن جن النصف الأول من الحول وأفاق الثاني بعد ذلك، فإن اتصلت به الإفاقة حولا.. وجبت عليه الجزية في آخره. وإن لم تتصل.. لفقت له الإفاقة على ما مَضَى.. هذا نقل الشيخ أبي حامد. وقال القفال: إذا جن يوما وأفاق يوما، أو جن في بعض الحول وأفاق في البعض.. فإن الاعتبار بآخر الحول، فإن كان مفيقا فيه.. لزمته الجزية للحول، وإن كان مجنونا فيه.. لم تلزمه الجزية للحول، كما أن الاعتبار في يسار العاقلة وإعسارهم في آخر الحول. وقال أبُو حَنِيفَة: (يعتبر أكثر الحول) . دليلنا: أن أيام الجنون لا جزية فيها؛ بدليل: أنها لو اتصلت.. لم تجب عليه جزية، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فاعتبر كل واحد منهما بنفسه. [مسألة: لا جزية على المرأة] ولا تؤخذ الجزية من المرأة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] ، والمرأة لا تقاتل. ولقوله، ﷺ لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا» ، والحالم اسم للرجل. ولما رَوَيْنَاهُ عن عمر ﵁: (أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان) .

стр. 6334

ولا تؤخذ الجزية من الخنثى المشكل؛ لجواز أن تكون امرأة. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن بذلت المرأة الجزية.. عرفها الإمام أنها لا تجب عليها، فإن بذلتها بعد ذلك.. قبلها الإمام منها، وتكون هبة منها تلزم بالقبض) . فإن شرطت على نفسها الجزية ثم امتنعت بعد ذلك من بذلها.. لم تجبر عليها؛ لأنها لم تلزم بالبذل. فإن دخلت المرأة دار الإسلام بأمان للتجارة.. لم يؤخذ منها شيء من تجارتها؛ لأن لها المقام في دار الإسلام بغير عوض على التأبيد. وإن دخلت الحجاز للتجارة بأمان.. جاز أن يشترط عليها العوض؛ لأنها ممنوعة من المقام في الحجاز. [فرع: لا تقبل الجزية من النساء والصبيان بدل الرجال] وإن حاصر الإمام حصنا فيه رجال ونساء وصبيان، فإن امتنع الرجال من أداء الجزية وبذلوا أن يؤدوا الجزية عن النساء والصبيان.. لم يقبل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن تؤخذ الجزية ممن لا تجب عليه وتترك ممن تجب عليه. وإن كان في الحصن نساء لا رجال معهن، وطالبن الإمام أن يعقد لهن الذمة، وبذلن الجزية.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز أن تعقد لهن الذمة، بل يتوصل إلى فتح الحصن ويسبيهن؛ لأنهن غنيمة للمسلمين. والثاني: يلزمه أن يعقد لهن الذمة بغير جزية على أن تجري عليهن أحكام الإسلام، كما قلنا في الحربية. فإن أخذ الإمام منهن على ذلك مالا، فإن لم يعلمهن أن الجزية لا تجب عليهن..

стр. 6335

وجب رده إليهن، وإن أعلمهن أو علمن ذلك لم يجب رده إليهن؛ لأنه هبة لزمت بالقبض. [مسألة: لا تجب الجزية على العبد] ولا تجب الجزية على العبد ولا على سيده بسببه؛ لما رُوِيَ: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا جزية على العبد» ، ورُوِي ذلك عن عمر ﵁، ولا مخالف لهذا، والعمل عليه. وإن كان بعضه حرا وبعضه عبدا.. لم تجب عليه الجزية. ومن أصحابنا من قال: يجب عليه من الجزية بقدر ما فيه من الحرية، وليس بشيء؛ لأنه لا يقتل بالكفر، فلم تجب عليه الجزية، كالصبي والمرأة. فإن أعتق العبد، فإن كان من أولاده عَبَدَة الأوثان.. قيل له: إقرارك في دار الإسلام مشركا لا يجوز، فإما أن تسلم، وأمَّا أن نبلغك دار الحرب وتكون حربيا لنا.

стр. 6336

وإن كان من أولاد أهل الذمة.. قيل له: إقرارك في دار الإسلام بغير جزية لا يجوز، فإن اخترت أن ترجع إلى دار الحرب وتكون حربا لنا.. فارجع، وإن اخترت عقد الذمة ببذل الجزية.. أقررناك. فإن اختار عقد الذمة ببذل الجزية.. نظرت: فإن كان الذي أعتقه مسلما.. كانت جزيته ما يقع عليها التراضي، وإن كان الذي أعتقه ذميا.. فهل يفتقر إلى عقد الذمة بما يقع عليه التراضي من الجزية، أو لا يفتقر إلى عقد الذمة بل تلزمه الجزية لمولاه؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق، ووجههما ما ذكرناه في الصبي إذا بلغ. [فرع: إجراء الجزية على الشيوخ وأصحاب الصوامع والفقير غير المعتمل] وهل تؤخذ الجزية من الشيوخ الذين لا قتال فيهم، ومن الزمنى، وأصحاب الصوامع المشتغلين بالعبادة؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على القولين في جواز قتلهم إذا أسروا. ومنهم من قال: لا يقرون بغير جزية قولا واحدا. والفرق بين القتل والجزية: أن القتل يجري مجرى القتال، فإذا لم يكن فيه قتال.. لم يقتل. والجزية أجرة المسكن، فلم تسقط عنهم. وهل تجب الجزية على الفقير الذي ليس بمعتمل؟ فيه قولان: أحدهما: لا تجب عليه الجزية - وبه قال أبُو حَنِيفَة ـ لأن عمر ﵁ جعل أهل الجزية طبقات، وجعل أدناهم الفقير المعتمل، فدلَّ على أنه لا جزية على غير المعتمل، ولأنه حق يجب بالحول، فلم يجب على الفقير، كالزكاة. فعلى هذا: إن طلب من الإمام أن يعقد له الذمة.. عقدت له الذمة على شرط جريان أحكام الإسلام عليه، فإذا أيسر.. استؤنف له الحول، فإذا تم.. طولب بالجزية. والقول الثاني: تجب عليه الجزية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] [التوبة: ٢٩] فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية، ومعناه: حتى

стр. 6337

يضمنوا، ولم يفرق، ولأنه مشرك مكلف حر، فلم يجز إقراره بدار الإسلام بغير جزية، كالمعتمل. فإذا قلنا بهذا: ففيه وجهان: أحدهما: تعقد له الذمة بالجزية في ذمته، وينظر بها إلى أن يوسر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] [البقرة: ٢٨٠] . والثاني: لا نقره عليه إلا بدفع الجزية. فإن قدر على تحصيلها، وإلا.. رددناه إلى دار الحرب؛ لأنه يمكنه أن يمنع وجوبها عليه بالإسلام. هذا ترتيب العراقيين من أصحابنا. وقال الخراسانيون: في الفقير غير المعتمل قولان، واختلفوا في موضع القولين فمنهم من قال: القولان في الدفع، وأمَّا الوجوب.. فيجب قولا واحدا. ومنهم من قال: القولان في الوجوب. [مسألة: ضبط أسماء وصفات أهل الذمة بالديوان وتعيين العرفاء] وأخذ الجزية برفق] : إذا عقد الإمام الذمة لقوم.. فإنه يكتب أعدادهم في الديوان، ويكتب أسماءهم، ويصف كل واحد منهم بالصفة التي لا تختلف على طول الأيام، من الطول والقصر أو البياض والسواد وما أشبه ذلك. ويجعل لكل عشرة أو عشرين ـ على ما يراه ـ عريفا؛ ليخبره بمن يخرج منهم من الجزية بالموت أو الإسلام، وبمن يدخل من أولادهم بالبلوغ في الجزية. والذي يقتضي المذهب: أن العريف يكون مسلما؛ لأن أهل الذمة غير مأمونين على ذلك. وتؤخذ منهم الجزية كما يؤخذ الدين من غير أذى في قول ولا فعل، ويكتب لمن أخذ منه جزيته كتابا، ليكون له حجة إذا طلبه.

стр. 6338

[مسألة: نظر الإمام الجديد في شأن أهل الذمة] إذا مات الإمام أو عزل، وقام غيره مقامه.. فإنه ينظر في أهل الذمة: فإن كان الإمام الذي قبله عقد لهم الذمة عقدا صحيحا.. أقرهم عليه؛ لأنه عقد مؤبد. وإن كان فاسدا.. غيره إلى الصحة؛ لأنه منصوب لمصالح المسلمين، وهذا من مصالحهم. فإن ادعى قوم من أهل الذمة أن الإمام عقد لهم الذمة ولا بينة.. رجع إليهم؛ لأنه لا يمكن التوصل إلى ذلك إلا من جهتهم. فإن ادعوا أنه عقد لهم الذمة على أقل من دينار.. قيل لهم: هذا عقد فاسد، فإما أن تعقدوا عقدا صحيحا، وإلا.. رددناكم إلى دار الحرب وكنتم حربا لنا؛ لأن أقل الجزية دينار. قيل للشيخ أبي حامد: أليس الثوري يجيز العقد بما أداه إليه اجتهاد الإمام، فيجب إذا صح عقد الإمام لهم بدون الدينار أن لا ينقض حكمه؟ فقال: إن الإجماع قد حصل بعد الثوريّ: أن الجزية لا تجوز أن تنقص عن دينار. وإن ادعوا أن الأول عقد لهم الذمة على الدينار عن كل رجل منهم.. فالقول قولهم مع أيمانهم. واليمين هاهنا مستحبة؛ لأن دعواهم لا تخالف الظاهر. فإن أسلم منهم اثنان وعدلا وشهدا أن الإمام الأول عقد لهم الذمة على أكثر من دينار، أو شهد بذلك رجلان مسلمان من غيرهم.. أخذوا بما عقد عليهم الأول؛ لأن ذلك قد لزمهم. فإن قال بعضهم: عقد لنا الذمة على دينارين عن كل رجل، ولكن لا نؤدي إلا دينارا.. أخذ كل واحد بدينارين إلا أن يمتنعوا بالقتال ثم يبذلوا الدينار عن كل رجل منهم، فيجب قبوله. وإن قالوا: كنا نؤدي إلى الأول عن كل رجل دينارين دينارا جزية ودينارا تطوعا.. فالقول قولهم مع أيمانهم؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتهم. واليمين هاهنا واجبة؛ لأن

стр. 6339

دعواه تخالف الظاهر، فمن حلف.. لم يلزمه إلا دينار، ومن نكل.. لزمه الديناران. وإن غاب ذمي سنين، ثم قدم وهو مسلم، وادعى أنه أسلم من حين غاب.. ففيه قولان: أحدهما: يؤخذ منه جزية ما مَضَى من السنين التي في غيبته؛ لأن الأصل بقاؤه على الكفر. والثاني: يقبل قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الجزية. وبالله التوفيق

стр. 6340

[باب صفة عقد الذمة] لا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو من النائب عنه؛ لأنه من المصالح العظام. وإذا طلب قوم من الكفار أن تعقد لهم الذمة وهم ممن يجوز عقد الذمة لهم.. قال أصحابنا البغداديون: وجب على الإمام عقدها لهم. وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه إلا أن يرى المصلحة في عقدها لهم، كما قلنا في الهدنة. والثاني: يجب عليه، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية [التوبة: ٢٩] . فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يبذلوا الجزية، فدلَّ على: أنهم إذا بذلوا الجزية.. وجب رفع القتال عنهم. ورُوِي: «أن النَّبيَّ ﷺ كان إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين.. فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك.. فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا.. فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك.. فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا.. فاستعن بالله وقاتلهم» . [مسألة: عقد الذمة من حيث التأبيد وشرطاه وتفسير اليد والصغار] قال أصحابنا البغداديون: ولا يصح عقد الذمة إلا مؤبدا.
следующие страницы →