← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

وإنما يشترط أن يكون عالما بأحكامه، وهو: أن يعرف العام منه، والخاص، والمحكم، والمتشابه، والمجمل، والمفسر، والمطلق، والمقيد، والناسخ، والمنسوخ. وأما السنة: فلا يشترط معرفة المغازي ولا الآثار التي تتعلق بالأحكام، بل يعلم الأحكام منها التي ذكرناها في الكتاب، ويعرف الآحاد، والمتواتر، والمسند، والمرسل. وأما الإجماع: فيعرف أقوال العلماء وما أجمعوا فيه وما اختلفوا فيه، ويعرف طرفا من لسان العرب ليمكنه أن يعرف أحكام الكتاب والسنة؛ لأنهما عربيان.

стр. 6617

ويعرف القياس على ما بين في أصول الفقه. قال ابن داود: شرط الشافعي في الحاكم والمفتي شروطا لا توجد إلا في الأنبياء. ومن أصحابنا من قال: شرط الشافعي شروطا في الحاكم والمفتي تمنع أن يكون أحد بعده حاكما أو مفتيا. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد يسهل تعلمه الآن؛ لأنه قد دون وجمع. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: أما القاضي: فعلى ما مضى، وأما المفتي: فإن الرجل إذا عرف مذهب إمام حبر ولم يبلغ مبلغ المجتهدين.. فهل يجوز له أن يفتي على مذهب ذلك الإمام؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، وهو اختيار القفال. والثاني: لا يجوز. وأصل هذا: أن المستفتي، هل هو مقلد للمفتي أو للميت وهو صاحب المذهب؟ فيه وجهان. فإن قلنا: إنه مقلد لصاحب المذهب.. جاز له أن يفتي. وإن قلنا: إنه مقلد للمفتي.. لم يجز له أن يفتي. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: (لا تشترط هذه الشرائط في القاضي، بل يجوز أن يكون عاميا ويقلد العلماء ويحكم) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] [المائدة: ٤٨] ، والتقليد ليس مما أنزل الله. ولما روي: أن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان

стр. 6618

في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وحكم به فهو في الجنة، ورجلا عرف الحق فجار في حكمه فهو في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل فيه فهو في النار» ، والمقلد يقضي بجهل. ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأن المفتي لا يلزم المستفتي ما يفتيه به، فإذا لم يجز أن يكون المفتي عاميا.. فلأن لا يجوز أن يكون القاضي عاميا أولى. ويشترط أن يكون القاضي مع كونه مجتهد - عدلا كاملا. فأما (العدل) : فلا يجوز أن يكون كافرا ولا فاسقا، فإن تولى القضاء وهو عدل ثم فسق.. بطلت ولايته. وقال الأصم: يجوز أن يكون فاسقا. دليلنا: أن القضاء يتضمن الولاية في التزويج والنظر في أموال السفهاء واليتامى والوقوف، والفسق ينافي هذه الولايات، فلم ينعقد مع القضاء. وأما (الكمال) : فيشترط أن يكون كاملا في الحكم والخلق. و: (الكمال في الحكم) : أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، حرا. وقال ابن جرير: يجوز أن تكون المرأة قاضية في جميع الأحكام، كما يجوز أن تكون مفتية. وقال أبو حنيفة: (يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود، ولا يجوز أن تكون قاضية في الحدود) . دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «ما أفلح قوم وليتهم امرأة» . وروي: «ولوا أمرهم امرأة» ، وضد الفلاح الفساد، فاقتضى الخبر: أنها إذا وليت القضاء.. فسد أمر من وليتهم.

стр. 6619

وروي: «أن النبي ﷺ قال في النساء: " أخروهن من حيث أخرهن الله» ، والمرأة إذا وليت القضاء.. كانت مقدمة والرجال مؤخرين عنها، فلم يجز. ولأن حال القضاء آكد من حال الإمامة في الصلاة، فإذا لم يجز أن تكون المرأة إمامة للرجال.. فلأن لا يجوز أن تكون قاضية أولى. ولا يجوز أن يكون الخنثى المشكل قاضيا؛ لجواز أن يكون امرأة. وأما (الكمال في الخلق) : فلا يجوز أن يكون القاضي أعمى، ولا أصم، ولا أخرس؛ لأن فقد هذه الحواس يمنع من استيفاء الحكم بين الخصمين. وحكى الشيخ أبو إسحاق في الأخرس وجها آخر: أنه يصح أن يكون قاضيا إذا فهمت إشارته. والمشهور هو الأول. وهل يصح أن يكون القاضي أميا لا يكتب؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه من أهل الاجتهاد والعدالة، وفقد الكتابة لا يؤثر فيه، كما أن النبي ﷺ كان لا يكتب وهو إمام الأئمة وحاكم الحكام. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن تقرأ عليه المحاضر والسجلات، ويقف على ما يكتب كاتبه، فإذا لم يكن كاتبا.. ربما غير القارئ والكاتب. ويفارق النبي ﷺ ؛ فإن كونه لا يكتب من معجزاته ﷺ ، ولأن أصحابه كانوا عدولا تؤمن منهم الخيانة في الكتاب له، ولو خان أحد منهم في ذلك.. أعلمه الله به. ويستحب أن يكون القاضي مع هذه الشرائط حليما، ذا فطنة وتيقظ، عالما بلغات أهل قضائه، جامعا للعفاف، بعيدا عن الطمع، لينا في الكلام، ذا سكينة ووقار؛ لما روي: (أن عليا ﵁ ولى أبا الأسود القضاء ساعة ثم عزله، فقال له: لم

стр. 6620

عزلتني، فوالله ما خنت؟! فقال: بلغني أن كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك) . ويستحب ألا يكون القاضي جبارا متكبرا؛ لأن ذلك يمنع الخصم من استيفاء حجته. ويستحب ألا يكون القاضي ضعيفا مهينا؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة.. انبسط الخصمان بالشتائم، وذكر السخف بين يديه، وربما انبسط عليه بالكلام. ويستحب أن يكون بين هاتين الحالتين؛ لما روي عن بعض السلف: أنه قال في صفة القاضي: (شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف) . وروي عن عمر ﵁: أنه قال: (لقد هممت أن أنزع هذا الأمر من هؤلاء وأضعه فيمن إذا رآه الفاجر فزع منه) . وروي: (فرق منه) . [مسألة يعقد القضاء الإمام أو نائبه وماذا لو عزله] ؟] : ولا يصح عقد القضاء إلا من الإمام أو النائب عنه. فإن عقد الإمام القضاء لرجل يصلح للقضاء، ثم عزله وهو يصلح للقضاء.. فهل ينعزل؟ فيه وجهان:

стр. 6621

أحدهما: لا ينعزل، كما لو عقد أهل العقد والحل الإمامة لمن يصلح لها، ثم عزلوه من غير سبب. والثاني: ينعزل؛ لما ذكرناه من عزل علي لأبي الأسود. فإن قلنا بهذا: فقال له الإمام: قد عزلتك.. انعزل بذلك. وإن كتب إليه: عزلتك.. فهل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما قلنا في الوكيل. وقال الشيخ أبو زيد المروزي: لا ينعزل حتى يبلغه العزل قولا واحدا؛ لأنا لو قلنا: ينعزل قبل أن يبلغه العزل.. أدى إلى فساد عظيم؛ لأنه يزوج ويقيم الحدود. وإن كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فأنت معزول.. لم ينعزل قبل أن يأتيه الكتاب. فإن كتب إليه: إذا قرأت كتابي هذا فأنت معزول.. لم ينعزل قبل أن يقرأ كتابه. وإذا ولى الإمام قاضيا ثم مات الإمام.. لم ينعزل القاضي؛ لأن الصحابة ﵃ ولوا قضاة فلم ينعزلوا بموتهم. [فرع التحاكم عند من له أهلية القضاء] فرع: [صحة التحاكم عند من له أهلية القضاء] : وإن تحاكم رجلان عند رجل يصلح للقضاء وليس بقاض، فحكم بينهما.. صح حكمه؛ لما روي: (أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت) ، و: (تحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم) . فإن قيل: كان عمر وعثمان الإمامين في وقتهما، وإذا ردا ذلك إلى غيرهما.. صار حاكما؟ فالجواب: أنه لم ينقل عنهما أكثر من الرضا بالحكم، وبذلك لا يصير حاكما. وبأي شيء يلزم حكمه بينهما؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمهما حكمه إلا برضاهما بحكمه بعد الحكم؛ لأنه لما اعتبر رضاهما في ابتداء الحكم عنده.. اعتبر رضاهما بلزوم حكمه.

стр. 6622

والثاني: يلزمهما حكمه بنفس الحاكم؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من حكم بين اثنين تراضيا بحكمه، فلم يعدل.. فعليه لعنة الله» ، فلما توعده على ترك العدل في الحكم.. دل على أنه إذا عدل.. لزم حكمه، ولأن من صح حكمه.. لزم حكمه بنفس الحكم، كالحاكم إذا ولاه الإمام. فعلى هذا: إذا حكم بينهما.. لم يكن لأحدهما الامتناع، وإن امتنع أحدهما بعد شروعه في الحكم وقبل تمامه.. ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن رضاهما لم يوجد حال الحكم، فهو كما لو امتنع أحدهما قبل شروعه في الحكم. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنا لو جوزنا له ذلك؛ لأدى إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحاكم ما لا يوافقه.. رجع، فيؤدي إلى إبطال المقصود. واختلف أصحابنا في الموضع الذي يصح فيه حكمه: فمنهم من قال: يصح في جميع الأحكام؛ لأن من صح حكمه في حكم من الأحكام، صح في جميع الأحكام، كالحاكم إذا ولاه الإمام. والثاني: يصح حكمه في جميع الأحكام إلا في أربعة أحكام: النكاح، واللعان، وحد القذف، والقصاص؛ لأن هذه الأحكام غلظ بها في الشرع، فلا يجوز أن يتولاها إلا الإمام أو من ولاه الإمام. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال المسعودي [في " الإنابة "] : إذا حكما بينهما حاكما، فحكم.. فهل ينفذ حكمه؟ فيه قولان.

стр. 6623

إذا ثبت هذا: فإن التحكيم من الخصمين يجوز، سواء كان في البلد حاكم أو لم يكن حاكم. وإذا رفع حكمه إلى الحاكم الذي ولاه الإمام.. لم ينقض حكمه إذا كان مثله لا ينقض. وقال أبو حنيفة: (إذا رفع حكم إلى الحاكم الذي ولاه الإمام.. فله أن ينقضه إذا خالف رأيه، وإن كان مما لا ينقض مثله على الحاكم الذي ولاه الإمام.. قبله) . دليلنا: أنه حكم قد صح ولزم، فلم يكن له فسخه لمخالفته رأيه، كما لو كان من حاكم قبله ولاه الإمام. [مسألة تعدد القاضي] مسألة: [جواز تعدد القاضي] : ويجوز للإمام أن يجعل قضاء بلد إلى اثنين أو أكثر على أن يحكم كل واحد منهما في موضع، أو على أن يحكم أحدهما في حق والآخر في حق آخر، أو على أن يحكم كل واحد منهما في زمان؛ لأنهما يملكان الحكم بإذنه، فكان على حسب ما أذن فيه لهما. وهل يجوز أن يجعل إليهما القضاء في مكان واحد، في زمان واحد، وحق واحد؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، كما يجوز ذلك في سائر الأشياء التي يجوز النيابة فيها. والثاني: لا يجوز؛ لأنهما قد يختلفان في الحكم فيبطل المقصود. ولا يجوز أن يعقد القضاء على أن يحكم بمذهب إمام بعينه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] [ص: ٢٦] ، والحق لا يتعين في مذهب إمام بعينه، بل الحق ما دل عليه الدليل. [مسألة ما يستحب للإمام أو القاضي بعد توليته] ] : إذا ولى الإمام رجلا القضاء على بلد.. فالمستحب له: أن يكتب له كتاب العهد والتولية؛ لما روي: «أن النبي ﷺ لما بعث عمرو بن حزم إلى اليمن.. كتب له

стр. 6624

عهدا» ، و: (كتب أبو بكر ﵁ لأنس حين بعثه إلى البحرين) . ويأمره في العهد بتقوى الله، والتثبت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وما يحتاج إليه من القيام بحفظ أموال اليتامى والوقوف، ومراعاة حال الشهود، وغير ذلك. فإن كان البلد الذي ولاه القضاء عليه بعيدا عن البلد الذي فيه الإمام؛ بحيث لا ينتشر الخبر بتوليته إليهم.. أحضر شاهدين عدلين وقرأ عليهما كتاب العهد، أو قرئ عليهما بحضرته وهما ينظران الكتاب لئلا يغير القارئ شيئا، وقال لهما الإمام: أشهدكما أني قد وليت فلانا القضاء على البلد الفلاني وأني تقدمت إليه بما في كتاب العهد، ويمضيان معه إلى البلد الذي ولي القضاء عليها ليقيما له الشهادة بها على توليته. وإن كان البلد الذي ولي القضاء عليها قريبا من بلد الإمام؛ بحيث ينتشر الخبر إليهم بتوليته.. ففيه وجهان. [أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: لا يفتقر إلى الإشهاد؛ لأن الخبر ينتشر إلى البلد القريب فيقع لهم العلم بتوليته ذلك. و [الثاني] : قال أبو إسحاق: يفتقر إلى الإشهاد؛ لأنه عقد، فلم يثبت بالاستفاضة، كالبيع. وهذا مثل اختلافهما في الوقف، والعتق، والنكاح: هل يثبت بالاستفاضة؟ وإذا أراد الحاكم أن يسير إلى بلد ولايته.. فإنه يبحث عمن ببلد الإمام من ذلك البلد، فإن وجد فيها ثقة.. سأله عن البلد الذي ولي عليها ومن فيها من العلماء والأمناء والشهود العدول. فإن لم يجد ببلد الإمام من يخبره عن ذلك.. بحث عن ذلك في طريقه ليقدم له الخبر بذلك، فإن لم يجده في طريقه.. بحث عنه في البلد. والمستحب: أن يدخل البلد الذي ولي القاضي عليها يوم الاثنين؛ لـ: «أن

стр. 6625

النبي ﷺ دخل المدينة لما هاجر إليها يوم الاثنين» . والمستحب: أن ينزل وسط البلد ليتساوى أهل البلد في قصده، ثم يأمر مناديا ينادي في البلد: ألا إن فلانا بن فلان القاضي قد قدم إليكم قاضيا، فاجتمعوا لسماع عهده لوقت كذا. فإن كان البلد كبيرا.. نودي يومين أو ثلاثا ليتصل بجميعهم النداء. وإن كان صغيرا.. نودي فيه يوما. وإن كانت قرية يمكن جمع أهلها في ساعة.. جمعهم فيها في موضع بارز وقرأ عليهم العهد، ثم رجع إلى منزله وابتدأ في النظر على ما نذكره فيما بعد. [مسألة الإذن في الاستخلاف للقاضي] مسألة: [استحباب الإذن في الاستخلاف للقاضي] : وإن ولى الإمام رجلا القضاء على بلد.. فالمستحب له: أن يأذن له أن يستخلف فيما يمكنه القيام به وفيما لا يمكنه؛ لأنه قد يحتاج إليه. فإذا أذن له في الاستخلاف.. جاز له أن يستخلف، وإن نهاه عن الاستخلاف.. قال الشيخ أبو إسحاق: فليس له أن يستخلف؛ لأنه نائب عنه فتبع أمره ونهيه. وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ما ولاه يمكنه القيام به.. لم يجز له أن يستخلف، وإن كان لا يمكنه القيام به.. فوجود النهي هاهنا وعدمه سواء. وإن كان ولاه ولم يأذن له في الاستخلاف ولا نهاه عنه.. نظرت: فإن كان ما ولاه يمكنه النظر فيه بنفسه.. فهل يجوز له أن يستخلف؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه يجوز له أن يستخلف؛ لأن الغرض بتولية القضاء الفصل بين الخصمين، فإذا فعله بنفسه أو بغيره.. جاز. ولأنه ينظر في مصالح المسلمين، فجاز أن ينظر بنفسه وبغيره.

стр. 6626

والثاني: لا يجوز أن يستخلف، وهو الأصح؛ لأنه نائب عن الإمام فلم يجز له الاستخلاف فيما يقدر عليه، كالوكيل في البيع. وإن كان ما ولاه لا يقدر على النظر فيه بنفسه؛ بأن يولي الإمام رجلا القضاء على اليمن.. فله أن يستخلف فيما لا يمكنه النظر فيه بنفسه - كما قلنا فيمن وكل وكيلا في بيع ما لا يقدر عليه بنفسه - وهل له أن يستخلف فيما يقدر على النظر فيه بنفسه؟ على الوجهين الأولين: فكل موضع قلنا: له أن يستخلف فيه، فاستخلف وحكم الخليفة بحكم.. فإنه يلزم بنفس الحكم، كالحكم الحاكم الذي ولاه الإمام. وكل موضع قلنا: ليس له أن يستخلف فيه، فاستخلف وحكم الخليفة فيه.. فهو كما لو تحاكم خصمان إلى من يصلح للقضاء وليس بقاض على ما مضى. [مسألة مدى صلاحية حكم القاضي في بلده أو غيرها] ] : وإذا ولى الإمام رجلا القضاء على بلد، فحضر إليه خصمان في البلد الذي ولي القضاء عليها من غير أهل ذلك البلد.. جاز أن يحكم بينهما. وإن خرج القاضي عن البلد الذي ولي القضاء عليها إلى بلد آخر.. لم يجز له أن يكتب إلى حاكم آخر بما ثبت عنده ليحكم به، أو بما حكم فيه لينفذه، فإن فعل ذلك.. لم يعتد بكتابه. وهكذا: إن وصل إليه كتاب من حاكم، فقرأه في بلد غير بلد عمله وشهد به عنده شاهدان بذلك.. لم يجز له العمل بموجب ما كتب إليه حتى يرجع إلى بلد عمله ويقرأ الكتاب ثانيا ويعيد الشاهدان الشهادة؛ لأنه في غير بلد عمله كسائر الرعية. وإن حضر إليه خصمان في غير بلد عمله، فحكم بينهما.. لم يعتد به سواء كانا من بلد عمله أو من غيرها؛ لأنه هناك كسائر الرعية. هكذا قال أصحابنا. والذي يقتضي المذهب: أنه يكون كما لو تحاكم رجلان إلى من يصلح للقضاء وليس بقاض على ما مضى.

стр. 6627

ولو أذن الإمام للقاضي أن يحكم بين أهل ولايته حيثما كانوا.. جاز له أن يحكم بينهم وإن كانوا في ولاية غيره. وإن اجتمع حاكمان في غير عملهما، فأخبر أحدهما الآخر بحكم حكم به أو بشيء ثبت عنده.. لم يصح ذلك الإخبار، ولا يجوز للسامع أن يحكم بما أخبره به الآخر بثبوته عنده، ولا أن ينفذ ما أخبره أنه حكم به؛ لأن الخبر وسماعه لم يصح. وأما إذا التقيا في عمل أحدهما؛ بأن اجتمع قاضي الجند وقاضي زبيد في الجند، فإن أخبر قاضي زبيد قاضي الجند بشيء ثبت عنده أو بحكم حكم به.. لم يصح إخباره، ولا يجوز لقاضي الجند العمل بموجب خبره؛ لأن قاضي زبيد في الجند كسائر الرعية. وإن أخبر قاضي الجند قاضي زبيد بشيء ثبت عنده أو بحكم حكم به.. صح الإخبار؛ لأن قاضي الجند في موضع عمله، فصح إخباره. فإذا رجع قاضي زبيد إلى موضع عمله.. فهل يجوز له أن يعمل بموجب ما أخبره به قاضي الجند؟ فيه قولان بناء على القولين في القاضي، هل يجوز له أن يحكم بعلمه، ويأتي بيانهما في موضعهما. [مسألة لا يجوز للقاضي الحكم لنفسه] وماذا يترتب عليه تجاه أصله أو فرعه؟] : ولا يجوز للقاضي أن يحكم لنفسه، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه. فإن اتفق بينه وبين غيره خصومة.. تحاكما إلى الإمام أو إلى بعض القضاة الذين ولاهم الإمام، فإن تحاكما إلى خليفة القاضي المخاصم.. صح؛ لـ: (أن عمر ﵁ تحاكم مع أبي بن كعب إلى زيد بن ثابت) ، و: (تحاكم عثمان ﵁ مع طلحة إلى

стр. 6628

جبير بن مطعم) ، و: (تحاكم علي ﵁ مع يهودي في درع إلى شريح) . ولا يجوز له أن يحكم لوالده وإن علا، ولا لولده وإن سفل. وقال أبو ثور: (يجوز) . دليلنا: أنه لا تقبل شهادة له، فلم يصح حكمه له، كنفسه. وإن تحاكم إليه والده وولده.. فهل يصح حكمه بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، كما لا يصح حكمه بين أحدهما وبين أجنبي. والثاني: يصح؛ لأنهما سواء في البعضية منه، فارتفعت عنه تهمة الميل. فإن أراد القاضي أن يستخلف والده أو ولده.. جاز؛ لأنهما يجريان مجرى نفسه. وإن فوض إليه الإمام أن يختار قاضيا.. لم يجز أن يختار أحدهما، كما لا يجوز أن يختار نفسه. [مسألة أخذ الرشوة بالنسبة للقاضي] مسألة: [حرمة أخذ الرشوة] : ويحرم على القاضي أخذ الرشوة؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم» . ولأنه إذا أخذ الرشوة في الحكم ليحكم بغير الحق..

стр. 6629

فالحكم بغير الحق محرم، وكذلك الأخذ عليه. وإن أخذ الرشوة ليوقف الحكم.. فإمضاء الحكم واجب عليه، فحرم الأخذ على إيقافه. وإن أخذ الرشوة ليحكم بالحق.. لم يجز؛ لأنه يأخذ الرزق من الإمام، فلم يجز له أن يأخذ عوضا آخر. وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد والقاضي أبا الطيب قالا: إذا كان القاضي لا يأخذ رزقا من الإمام، فقال: لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي عوضا.. جاز. قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون أخذه لذلك من أحدهما ليحكم بالحق، ويجري مجرى الهدية على ما نذكرها. وأما الراشي: فإن كان الراشي يطلب بما يدفعه أن يحكم له بغير الحق أو على إيقاف الحكم.. حرم عليه ذلك، وعليه تحمل لعنة النبي ﷺ للراشي. وإن كان يطلب بما يدفعه وصولا إلى حقه.. لم يحرم عليه ذلك وإن كان ذلك حراما على آخذه، كما لا يحرم عليه فكاك الأسير وإن كان ذلك يحرم على آخذه. [فرع الهدية للقاضي أو العامل] ] : وإن أهدي للقاضي أو إلى العامل في الصدقة هدية.. نظرت: فإن كان المهدي ممن لم تجر له العادة بالهدية إليه قبل الولاية.. حرم عليه قبول الهدية منه؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من وليناه ورزقناه فما أخذه بعد ذلك..

стр. 6630

فهو غلول» . وروي: «أن النبي ﷺ استعمل على الصدقة رجلا من الأعراب يقال له: ابن اللتبية، فلما قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فصعد النبي ﷺ على المنبر وخطب، فقال: " ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي! ألا جلس في بيت أمه -وروي: على أريكته - فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منها شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته» . قال ابن الصباغ: وأصحابنا يحتجون بهذا الخبر، وليس فيه حجة ظاهرة؛ لأن العامل قبل الهدية ممن له عليه الصدقة، وكلامنا فيمن لا يكون له عليه شيء. ولأن من لم تجر العادة له بالهدية إلى القاضي قبل الولاية إذا أهدى إليه شيئا.. فالظاهر أنه أهدى له ذلك بخصومة حاضرة، فلم يجز له قبولها. وأما إذا أهدى له من كانت له عادة بالهدية إليه قبل الولاية بقرابة أو بصداقة، فإن كانت له حكومة.. لم يجز قبولها؛ لما روي: (أن زيد بن ثابت كان يهدي إلى عمر بن الخطاب في كل عشية لبنا، ثم إنه استقرض منه من بيت المال فأقرضه مائتي دينار، فأهدى زيد لعمر من عشيته شيئا من اللبن، فلم يقبل وقال: لعله إنما قدم لنا لما أقرضناه، فلم يقبل ذلك حتى قضى زيد دينه) . وإن لم يكن له حكومة.. فهل يجوز له قبولها؟ حكى ابن الصباغ والطبري فيه وجهين:

стр. 6631

أحدهما: لا يجوز له قبولها؛ لقوله ﷺ : «هدايا العمال غلول» ، وروي: «سحت» ولم يفرق. الثاني - وهو المنصوص، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: (أن الأولى له أن لا يقبل؛ لجواز أن يكون قد أهدى إليه لحكومة منتظرة. فإن قبلها.. جاز؛ لأن العادة قد جرت بإهدائه إليه لا لأجل الحكومة، فلم تلحقه التهمة) . وذكر الشيخ أبو إسحاق: إذا لم يكن له حكومة، فإن كان أكثر مما كان يهدي إليه أو رفع منه.. لم يجز له قبوله. وإن كان مثل ما كان يهدي إليه.. جاز له قبولها. هذا ترتيب أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: إن كان المهدي أحد المتحاكمين.. لم يجز له قبول الهدية منه. وإن كان غير المتحاكمين، فإن كان من أهل ولايته.. لم يقبل منه، سواء كان يهدي إليه قبل الولاية أو لا يهدي إليه. وإن كان من غير أهل ولايته.. فالأولى أن لا يقبل منه. فإن قبل منه.. جاز، والأولى إذا قبل منه.. أن يثيبه عليها. وإن خرج القاضي عن بلد ولايته، فأهدي إليه.. فهل يجوز له قبولها؟ فيه وجهان:

стр. 6632

المنصوص: (أنه يجوز له قبولها) ؛ لأنه هناك كسائر الرعية. والثاني: لا يجوز له قبولها، كما لا يجوز له أخذ الرشوة هناك. وكل موضع قلنا: لا يجوز له قبول الهدية فقبلها.. فإنه لا يملكها؛ لأنا قد حكمنا بتحريمها عليه. وإلى من يردها؟ فيه وجهان: أحدهما: يردها إلى المهدي؛ لأن ملكه لم يزل عنها. والثاني: يردها إلى بيت المال، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه أهدى إليه لمكان ولايته وهو منتصب لمصلحة المسلمين، وكأن المهدي أهدى إلى المسلمين فصرف ذلك في مصالحهم. وكذلك الوجهان في العامل إذا قبل الهدية: أحدهما: يردها إلى المهدي. والثاني: يجعلها في الصدقات. هذا ترتيب أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: هل يملكها المهدى إليه؟ فيه وجهان: [مسألة استجابة القاضي لدعوة الوليمة] ] : إذا دعي القاضي إلى الوليمة.. فالمستحب له: أن يجيب؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لو أهدي إلي ذراع.. لقبلت، ولو دعيت إلى كراع.. لأجبت» . ولأن الإجابة من فرائض الكفايات والقاضي من أهل الكفايات. وإن كثرت عليه الدعوات إلى الولائم وكان حضوره فيها يشغله عن الحكم.. لم يحضرها؛ لأن حضورها فرض على الكفاية ولم يتعين عليه، والحكم قد تعين عليه لما صار قاضيا. والمستحب له: أن يعتذر إلى من دعاه، ويعرفه اشتغاله بالحكم، ويسأله أن يحلله من الحضور.

стр. 6633

ولا يختص بالإجابة قوما دون قوم؛ لأن في ذلك ميلا إلى من حضر عنده، وكسرا لمن لم يحضر عنده. قال الطبري في " العدة ": وقد قيل: إن هذا عند تساوي أحوال أصحاب الولائم وتقارب أحوالهم وفضلهم وعلمهم وصلاحهم، فأما من ليس في درجتهم من الفساق أو السوقة.. فلا بأس عليه أن لا يجيبهم وإن كان يجيب غيرهم. والأول هو المشهور. هذا ترتيب أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إن دعاه الخصمان أو أحدهما إلى الضيافة.. لم يجب؛ لأن أحدهما ربما زاد في إكرامه ما لا يزيده الآخر. وإن دعاه غير الخصمين إلى الضيافة، فإن دعاه إلى غير الوليمة.. لم يجب. وإن دعاه إلى الوليمة، فإن كانت الدعوة حفلا؛ بأن فتح الباب لكل من أراد أن يدخل.. لم يجب. وإن كانت الدعوة نقرى؛ بأن يخص قوما من أهل كل طائفة بأعيانهم.. لم يجب. فإن دعا كل طائفة واستوعبهم، فإن كان الحاكم يجد من طبعه أنه يجيب غيره.. أجابه. وإن كان يجد من طبعه أنه لا يجيب غيره.. لم يجبه. [فرع شهود القاضي الجنائز] وعيادة المرضى] : ويجوز للقاضي أن يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويأتي مقدم الغائب؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع» ، و: «عاد النبي ﷺ سعدا وجابرا وغلاما يهوديا كان في جواره، وعرض عليه الإسلام فأسلم» ، و: «كان يصلي على الجنائز» . فإن كثر ذلك عليه، وخاف أن يشغله عن الحكم.. فله أن يفعل من ذلك ما لا يقطعه عن الحكم، ويترك ما يشغله.

стр. 6634

والفرق بينه وبين حضور الولائم: أن الحضور في الولائم لحق أصحابها، فإذا حضر عند بعضهم دون بعض.. كان في ذلك ميل. والحضور في هذه الأشياء لطلب الثواب، فجاز أن يحضر بعضها دون بعض. [مسألة تولي القاضي البيع ونحوه] مسألة: [كراهة تولي القاضي البيع ونحوه] : ويكره للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «ما عدل وال اتجر في رعيته» ، وروي عن شريح أنه قال: (شرط علي عمر ﵁ حين ولاني القضاء أن لا أبتاع، ولا أبيع، ولا أرتشي، ولا أقضي وأنا غضبان) . ولأنه إذا تولى ذلك بنفسه.. حاباه من عامله، والمحاباة بمنزلة الهدية، وقبول الهدية محرم عليه. ولأنه إذا اشتغل بالبيع والشراء.. شوش خاطره. وإن احتاج إلى البيع والشراء.. اتخذ وكيلا مجهولا، لا يعرف أنه وكيله؛ لئلا يحابى. فإن عرف أنه وكيله.. استبدل به غيره. فإن باع واشترى بنفسه.. صح؛ لأن المحاباة أمر مظنون، فلا يبطل البيع بأمر مظنون. قال الشافعي: (وأكره للإمام النظر في أمر ضيعته ونفقة منزله وعياله، بل يوكل وكيلا؛ لأنه إذا تولى ذلك بنفسه.. اشتغل به وشوش خاطره) .

стр. 6635

[مسألة القضاء في حالة الغضب والجوع] مسألة: [كراهية القضاء في حالة الغضب والجوع وغيره] : ويكره للقاضي أن يقضي وهو غضبان؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يقضي القاضي [بين اثنين] وهو غضبان» ، وروت أم سلمة: أن النبي ﷺ قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين.. فلا يقضين وهو غضبان» . وقال شريح: (شرط علي عمر أن لا أقضي وأنا غضبان) ، وكان شريح إذا غضب.. قام ولم يقض. ولأن الغضب يغير العقل والفهم، وذلك يمنعه من الاجتهاد ويورثه النسيان. ويكره أن يقضي في كل حالة ويشوش فيه فهمه، مثل أن يصيبه الجوع الشديد، أو العطش الشديد، أو الغم الشديد، أو الفرح الشديد، أو النعاس الغالب له، أو كان يدافع الأخبثين، أو بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان، ولا مهموم، ولا مصاب حزين، ولا جائع» . وحكي: أن الشعبي كان يأكل مع طلوع الشمس، فقيل له في ذلك، فقال: آخذ حلمي، ثم أخرج إلى الحكم. ولأن هذه الأشياء تمنع من التوفر على الاجتهاد، فكره فيها القضاء، كحالة الغضب.

стр. 6636

فإن حكم في حالة الغضب.. صح؛ لـ: «أن النبي ﷺ حكم على الأنصاري في حالة الغضب» . [مسألة القضاء على منصة وفي مكان واسع ومريح] مسألة: [استحباب القضاء على منصة وفي مكان واسع ومريح] : ويستحب أن يقضي في مكان بارز للناس؛ ليصل إليه كل أحد. ويستحب أن يكون الموضع واسعا؛ لئلا يلحقه الملل والضجر من ضيقه فيمنعه من التوفر على الاجتهاد، ويلحق المتخاصمين ذلك فلا يمكنهم استيفاء الحجة. ويستحب أن لا يكون بقربه ما يتأذى به من دخان أو رائحة منتنة وما أشبهه؛ لما روي: أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري: (إياك والقلق والضجر) ، وهذه الأشياء تفضي إلى الضجر، وتمنع الحاكم من التوفر على الاجتهاد، وتمنع الخصوم من استيفاء الحجة. فإن حكم في هذه المواضع المكروهة.. صح حكمه، كما يصح في حال الغضب. [فرع كراهة اتخاذ المسجد محكمة] وماذا لو كان في بيته أو اتخذ حاجبا؟] : ويكره للقاضي أن يجلس في المسجد للحكم. وبه قال عمر وابن المسيب. وقال الشعبي ومالك وأحمد وإسحاق: (لا يكره) . وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: (يكره) . والثانية: (لا يكره إلا في المسجد الأعظم) .

стр. 6637

دليلنا: ما روى معاذ أن النبي ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم: صبيانكم، ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وخصوماتكم، وحدودكم، وسل سيوفكم، وبيعكم، وشراءكم» . وروي: «أن النبي ﷺ سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد، فقال النبي ﵊: " لا وجدتها، إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة» . فدل على أنه ما عدا هذين ينهى عنه في المساجد. ولأنه قد يكون في الخصوم من لا يمكنه اللبث في المسجد، كالجنب والحائض. ولأن الخصوم يجري بينهم التكاذب والتشاتم، فينزه المسجد عن ذلك. فإن دخل الحاكم المسجد للصلاة أو الاعتكاف، أو كان ينتظر الصلاة، فحضر خصوم.. لم يكره له أن يحكم بينهم؛ لما روي: (أن عمر حكم بين الناس في المسجد) . وروى الحسن قال: (دخلت مسجد المدينة، فرأيت عثمان بن عفان ﵁ وقد كوم كومة من حصى، فوضع عليها رداءه ونام، فجاء سقاء ومعه قربه ومعه خصم له، فتحاكما إليه، فجلس وقضى بينهما) . وروي: (أن عليا ﵁ قضى في المسجد) . وإن جلس الحاكم في بيته لغير الحكم وحضره خصمان.. لم يكره أن يحكم بينهما؛ لما روي عن أم سلمة: أنها قالت: «اختصم رجلان من الأنصار في مواريث متقادمة فقضى بينهما رسول الله ﷺ في بيتي» . وروي: (أنه كان بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب خصومة في مواريث، فأتيا زيد بن ثابت في منزله ليحكم

стр. 6638

بينهما، فقال زيد: يا أمير المؤمنين، لو أمرتني لأجبتك، فقال عمر: في بيته يؤتى الحكم) . ولا يحتجب القاضي من غير عذر؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من ولي من أمور المسلمين شيئا، فاحتجب دون فاقتهم وحاجتهم.. احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره» . وروي: (أن عمر ولى سعد بن أبي وقاص ﵄ قضاء الكوفة، فقضى زمانا بلا حاجب، ثم اتخذ حاجبا، فعزل عمر حاجبه) . ولأن الحاجب لا يؤمن منه أن يقدم المتأخر من الخصوم، ويؤخر المتقدم. فإن دعته حاجته إلى اتخاذ حاجب.. اتخذ حاجبا أمينا بعيدا من الطمع، ويوصيه بتقديم الأول فالأول من الخصوم؛ لأنه موضع حاجة. ولا يكره للإمام أن يتخذ حاجبا؛ لـ: (أن عمر وعثمان وعليا اتخذ كل واحد منهم حاجبا) ؛ لأنه موضع حاجة، ولأنه ينظر في جميع المصالح، وقد تدعوه الحاجة إلى الاحتجاب في وقت؛ لينظر في مصلحة من المصالح. [فرع اتخاذ السجن والدرة] فرع: [استحباب اتخاذ السجن والدرة] : ويستحب للحاكم أن يتخذ سجنا؛ لـ: (أن عمر ﵁ اتخذ سجنا)

стр. 6639

و: (اتخذ علي ﵁ سجنا) . ولأنه قد يحتاج إليه للتأديب ولاستيفاء الحق به من المماطل مع الغنى. ويستحب له أن يتخذ درة يؤدب بها؛ لأن عمر اتخذ درة يؤدب بها. [مسألة كتابة القاضي بنفسه أو يستعين بآخر وشروط الكاتب] ] : فإن تولى القاضي الكتابة بنفسه بين الناس.. جاز. وإن اتخذ كاتبا.. جاز؛ لأن النبي ﷺ كان له كتبة منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت. وروي «عن زيد بن ثابت: أنه قال: قال لي النبي: " أتحسن السريانية؟ فإن اليهود يكتبون إلي وما أحب أن يقف على كتبي كل أحد " فقلت: لا، قال: " فتعلمها "، فتعلمتها في

стр. 6640

نصف شهر -وروي في بضعة عشر يوما - فكنت أقرأ كتبهم على النبي ﷺ وأكتب له إليهم» . ولأن الحاكم يشتغل بالاجتهاد وتنفيذ الحكم، وقد يحتاج إلى كاتب يكتب له المحاضر والسجلات، فجاز له اتخاذ الكاتب. ومن شرط الكاتب أن يكون حافظا؛ لئلا يغلط وأن يكون ثقة لئلا يزور عليه وينقل عليه سره وأخبار مجلسه إلى غيره. ويستحب أن يكون فقيها ليعرف مواقع الألفاظ، ويفرق بين الجائز والواجب. ويستحب أن يكون فصيحا، عالما بلغات الخصوم، فطنا، متيقظا، لا يخدع بغرة، منزها من الطمع، ولا يستمال بهدية، قوي الخط قائم الحروف. وهل يشترط أن يكون مسلما أو لا يشترط؟ فيه وجهان: أحدهما: أن الإسلام شرط فيه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: ١١٨] [آل عمران: ١١٨] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] [الممتحنة: ١] . وإذا كان الكاتب كافرا.. فقد اتخذه بطانة ووليا. وروي: أن النبي ﷺ قال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» أي برأيهم. وهذا قد استضاء بهم في الكتابة.

стр. 6641

وروي: (أن أبا موسى قدم على عمر ﵄ ومعه كاتب له نصراني، فأعجب به عمر لما رأى من حفظه، فقال له: قل لكاتبك يدخل حتى يقرأ على الناس كتابا في المسجد، فقال له: إنه نصراني لا يدخل المسجد، فانتهره عمر، وهم به، وقال: لا تأمنوهم وقد خونهم الله، ولا تدنوهم وقد أقصاهم الله، ولا تعزوهم وقد أذلهم الله) . ولأنهم أعداء المسلمين، فلا يؤمن أن يكتب ما يبطل به حقوقهم. فعلى هذا: لا يجوز أن يتخذ كاتبا فاسقا. والثاني: أن ذلك ليس بشرط فيه، بل هو مستحب؛ لأنه لا بد أن يقف الحاكم على ما يكتب. فعلى هذا: يجوز أن يتخذ كاتبا فاسقا. والأول أصح. [مسألة اتخاذ شهود راتبين] مسألة: [عدم اتخاذ شهود راتبين] : ولا يجوز للحاكم أن يتخذ شهودا راتبين يسمع شهادتهم ولا يسمع شهادة غيرهم. وقيل: إن أول من اتخذ هذا إسماعيل بن إسحاق المالكي. والدليل -على أنه لا يجوز له ذلك -: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] [البقرة: ٢٨٢] الآية. فعم ولم يخص. ولأن في هذا ضررا على الناس؛ لأنه ربما لا يمكن الناس إشهادهم، وربما إذا علم الشهود الراتبون أن الحاكم لا يقبل غير شهادتهم.. لا يتحملون الشهادة إلا بعوض فيؤدي إلى الضرر بالناس. [مسألة العلم بحال الشهود وصفاتهم] ] : وإن ادعى رجل على آخر حقا فأنكره، وأقام عليه المدعي شاهدين بما ادعاه.. نظرت: فإن علم الحاكم فسقهما ظاهرا وباطنا، أو فسقهما في الباطن.. لم يقبل

стр. 6642

شهادتهما. وإن علم عدالتهما ظاهرا وباطنا.. قبل شهادتهما بلا خلاف بين أهل العلم في ذلك. وإن جهل الحاكم حالهما.. نظرت: فإن جهل إسلامهما.. رجع في ذلك إلى قولهما؛ لما روي: «أن أعرابيا شهد عند النبي ﷺ برؤية الهلال، فقال النبي ﷺ : " أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " فقال: نعم. قال: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " فقال: نعم، فصام النبي ﷺ وأمر الناس بالصيام» . وإن جهل حريته.. ففيه وجهان: أحدهما: يرجع في ذلك إلى قوله، كما يرجع إليه في إسلامه. والثاني: لا يرجع إلى قوله؛ لأن حريته لا تثبت بقوله، وإسلامه يثبت بقوله. وإن عرف الحاكم إسلام الشاهدين وحريتهما، وجهل عدالتهما.. فلا يجوز أن يحكم بشهادتهما، حتى يبحث عن عدالتهما في الظاهر والباطن، سواء شهدا بحد أو قصاص أو مال. وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد. وقال أبو حنيفة: (إن شهد بحد أو قصاص.. لم يحكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما. وإن شهدا بمال أو نكاح أو غير ذلك.. فإنه يقتصر في العدالة على الظاهر ولا يسأل عن ذلك في الباطن، إلا أن يجرحهما الخصم، أو يقول: هما فاسقان، أو غير ذلك.. فحينئذ يحتاج أن يسأل عن عدالتهما في الباطن) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] [البقرة: ٢٨٢] ، ولا يعلم أنه مرضي حتى يبحث عن عدالته. وروي: (أن رجلا ادعى على رجل حقا عند عمر ﵁ فأنكر، فشهد بذلك شاهدان، فقال عمر: لا أعرفكما ولا يضركما أن لا أعرفكما، فأتياني بمن يعرفكما، فأتياه برجل، فقال: أتعرفهما؟ فقال: نعم، فقال: أكنت معهما في السفر الذي يتبين فيه جواهر

стр. 6643

الناس؟ قال: لا، قال: هل عرفت صباحهما ومساءهما؟ قال؟ لا، قال: هل عاملتهما في الدراهم والدنانير التي تقطع بها الرحم؟ قال: لا، قال: يا ابن أخي ما تعرفهما. ائتياني بمن يعرفكما) . ولا مخالف له في الصحابة. ولأنه حكم شهادة، فلم يجز له تنفيذ إلا بعد معرفة عدالة الشهود في الباطن، كما لو شهدا بحد أو قصاص. إذا ثبت هذا: فلا يخلو الشهود: إما أن يكون لهم عقول وسمت حسن وعفاف في الظاهر لا تسبق التهمة إليهم، أو كانوا بخلاف ذلك بحيث تسبق التهمة إليهم: فإن كانوا بحيث تسبق التهم إليهم.. فالمستحب للحاكم: أن يفرقهم قبل البحث عن عدالتهم، فإذا فرقهم.. سألهم عن الشهادة، وعن كيفية تحملها، وفي أي موضع وقعت وغير ذلك من الأمور التي يرى الحاكم السؤال عنها. فإن اختلفوا.. علم كذبهم. وقيل: إن أول من فرق الشهود دانيال ﵇؛ وذلك: أن شهودا شهدوا عنده أن امرأة زنت، ففرقهم، ثم استدعى واحدا منهم، فشهد أنها زنت تحت شجرة كمثرى، وشهد آخر أنها زنت تحت شجرة تفاح، فعلم كذبهم، فدعا الله عليهم فنزلت نار من السماء فأحرقتهم. وروي: (أن داود ﵇ اتخذ حاجبا فجاءته امرأة في خصومة لها، فحجبها الحاجب وراودها عن نفسها، فامتنعت عليه، ثم وضع أربعة من الشهود فشهدوا: أن كلبا أتاها، فهم داود برجمها، فبلغ ذلك ابنه سليمان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -، فدعا أربعة من الصبيان، فلقنهم حتى شهدوا على

стр. 6644

امرأة أن كلبا أتاها، ثم دعاهم متفرقين، فسألهم عن كيفية الحال وصفة الكلب فاختلفوا، فبلغ ذلك داود ﵇، فدعا بالشهود على المرأة متفرقين وسألهم عن كيفية الحال وكيفية الكلب فاختلفوا، فدرأ الحد عنها) وروي: (أن سبعة نفر خرجوا في سفر، فعاد ستة منهم وفقد السابع، فجاءت امرأته إلى علي ﵁ فأخبرته، فدعاهم فسألهم فأنكروا، فأقام كل واحد منهم عند سارية ووكل به من يحفظه، ثم استدعى واحدا منهم فسأله فأنكر، فقال علي: الله أكبر ونحاه، فظن الباقون أنه قد اعترف فاعترفوا، فقال علي ﵁: أما هؤلاء فقد أقروا على أنفسهم بالقتل، وأما أنت فقد شهدوا عليك بالقتل، فاعترف فقتلهم) . فدل على أن تفرقه الشهود عند الارتياب بهم مستحبة. ولأن الشهادة إذا كانت صحيحة.. لم يختلف الشهود عند التفرقة، وإذا كانت زورا.. اختلفوا؛ لأنه قد سألهم عن شيء لم يتواطؤوا عليه. فإن فرقهم وسألهم لم يختلفوا.. فالمستحب للحاكم: أن يعظهم ويخوفهم من شهادة الزور؛ لما روي: (أن شاهدين شهدا عند علي ﵁ على رجل بالسرقة، فقال المشهود عليه: والله ما سرقت ولقد شهدا علي لتقطع يدي، فأقبل علي ﵁ على الشاهدين يعظهما ويخوفهما، وازدحم الناس فدخلا في الزحمة، فدعاهما فلم يجيبا، فقال: لو صدقا لثبتا) . وروي: أن أبا حنيفة قال: (كنت عند محارب بن دثار قاضي الكوفة، فشهد عنده شاهدان على رجل بحق، فقال المشهود عليه: والذي قامت به السموات والأرض لقد كذبتما علي في شهادتكما، والذي قامت به السموات والأرض لو سألت عنهما الناس.. ما اختلف فيهما اثنان. قال: وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا، ثم قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي بما في

стр. 6645

حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار» فإن كنتما صدقتما.. فاثبتا، وإن كنتما كذبتما.. فغطيا رؤوسكما وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا) . فإن وعظهم ورجعوا عن الشهادة.. سقطت شهادتهم، وإن ثبتوا على الشهادة.. فهم بمنزلة من لهم سمت حسن وعفاف ظاهر، فيسأل الحاكم عن عدالتهم في الباطن، ولا يمكنه السؤال عنهم بنفسه، ولكنه يتخذ قوما من أصحاب المسائل، ويبعثهم للسؤال عنهم. ويسأل عنهم في السر دون الجهر؛ لأن القصد معرفة عدالتهم دون فضيحتهم، فإن سأل عنهم جهرا ربما جرحوا فافتضحوا، ولأنه إذا سأل عنهم جهرا.. ربما استحيا المسؤول عنهم فعدلهم وليسوا بعدول، أو خاف من المشهود عليه فجرحهم وهم عدول، أو خاف من المشهود له فعدلهم وهم غير عدول، فكان السؤال عنهم في السر أولى. فيكتب الحاكم أربعة أشياء: أحدهما: اسم الشاهد، ونسبه، وحليته، وصنعته، ومسكنه؛ حتى لا يشتبه بغيره. والثاني: اسم المشهود عليه؛ لأنه قد يكون بينه وبين الشاهد عداوة، فلا يقبل شهادته عليه. والثالث: اسم المشهود عليه؛ لأنه قد يكون ولده أو والده، ولا تقبل شهادته له. الرابع: قدر المال الذي شهد به؛ لأن من الناس من يزكى في شهادته في الحق اليسير ولا يزكى في الحق الكثير. ويكتب ذلك في رقعتين، ويدفع كل رقعة إلى رجل من أصحاب المسائل. قال الشافعي ﵀: (ويخفي عن كل واحد منهم ما دفعه إلى صاحبه؛ لئلا يتواطأ على الجرح والتعديل) .

стр. 6646

ويشترط أن يكونا عدلين؛ لأن الخير لا يقبل إلا من عدل، ويكونا ذوي تيقظ وفهم؛ لئلا يسألا عدوا للشاهد ولا صديقا عن حاله؛ لأن العدو ربما جرحه وهو غير مجروح، والصديق ربما عدله وهو غير عدل. ثم يأمرهما الحاكم يسألان عن الشاهد في جيران منزله؛ لأنه إن كان فيه فسق.. عرفه جيرانه فأخبروا عنه. ويسألان عنه في موضع صلاته؛ لأنهم يعلمون توفره على الصلوات ولزوم الجماعة وتهاونه بها. ويسألان عنه في سوقه؛ ليعرف كيف معاملته. والحاكم بالخيار: بين أن يقول للذين بعثهم: اسألا فلانا وفلانا عنه، وبين أن يقول: اسألا عنه من شئتما من جيران منزله وجماعته وأهل سوقه. ويكون المسؤولون عنه غير معروفين عند الشاهد والمشهود له والمشهود عليه؛ لأنهم إذا كانوا معروفين عند الشاهد والمشهود له.. ربما أعطاهم شيئا ليعدلوا الشاهد وهو غير عدل، وإذا عرفهم المشهود عليه.. ربما أرشاهم ليجرحوا له الشاهد وهو عدل. ويكون المسؤولون عنه عدولا، وافري العقول، برآء من الشحناء فيما بينهم وبين الناس، بعداء من التعصب في نسب أو مذهب؛ لئلا يجرحوا عدلا ولا يعدلوا مجروحا. والمستحب: أن لا يعرف بعضهم بعضا؛ لئلا يجمعهم الهوى على تعديل مجروح أو جرح عدل. [مسألة ثبوت الجرح والتعديل بعدلين] ] : قال الشافعي ﵁: (ولا يثبت الجرح والتعديل إلا من اثنين) ، واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فقال أبو إسحاق: أراد: أن التعديل لا يحكم به إلا بشهادة اثنين من الجيران، ولا يحكم به بقول أصحاب المسائل؛ لأنه شهادة على شهادة، فلم يصح مع حضور شاهد الأصل.

стр. 6647

فعلى هذا: إذا بعث الحاكم أصحاب المسائل للبحث عن حال الشاهد، فرجع واحد منهم وأخبر الحاكم بجرح الشاهد.. فإن الحاكم لا يتوقف عن الحكم بشهادة الشاهد، ويقول للمشهود له: زدني في شهودك. ولا يستحضر الحاكم الذي جرحه من الجيران ويسأله عنه؛ لأن الغرض معرفته بحال الشاهد دون فضيحته. هكذا حكي عن أبي إسحاق. وقال الشيخ أبو حامد: والذي يجيء على قياس قوله: أنه لا يتوقف عن الحكم بشهادة الشاهد حتى يخبره بالجرح اثنان. وإن رجع واحد أو اثنان من أصحاب المسائل بعدالة الشاهد.. فإن الحاكم لا يحكم بعدالته بقولهما، ولكن يسألهما عن الذي عدله من الجيران، ويستدعي اثنين منهم ليشهدا على تعديله بلفظ الشهادة. وقال أبو سعيد الإصطخري: بل أراد الشافعي: أن الجرح والتعديل يثبت بقول اثنين من أصحاب المسائل، وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (ولا يقبل إلا من اثنين ويخفي من كل واحد منهما ما دفع إلى الآخر) . وهذا إنما يكون في أصحاب المسائل دون الجيران؛ لأن المزكي من الجيران لا يلزمه الحضور إلى الحاكم للتزكية، ولا يجوز للحاكم إجباره على ذلك، فجاز الحكم بقول أصحاب المسائل في ذلك. فعلى هذا: إذا بعث الحاكم اثنين من أصحاب المسائل للسؤال عن الشاهد على ما مضى.. نظرت: فإن رجعا فأخبرا الحاكم بعدالته.. حكم بعدالته. وإن أخبراه بجرحه.. توقف عن الحكم بشهادته، ولا يظهر جرحه؛ لأنه ليس الغرض فضيحته، وإنما الغرض معرفة حاله، ولكن يقول للمشهود له: زدني في شهودك. وإن جاء أحدهما فأخبر بجرحه، وأخبر الآخر بتعديله.. لم يحكم بجرحه ولا بتعديله؛ لأن الجرح والتعديل لا يثبتان بقول واحد. قال الشيخ أبو إسحاق: ويبعث ثالثا، فإن عاد بالجرح.. كملت بينة الجرح، وإن عاد بالتعديل.. كملت بينة التعديل.

стр. 6648

وقال غيره من أصحابنا: يبعث آخرين، فإن عادا بالجرح.. ثبتت بينة الجرح وسقط التعديل. وإن عادا بالتعديل.. تمت بينة التعديل وسقط الجرح. وإن عاد أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل.. قدمت بينة الجرح على بينة التعديل؛ لأن من شهد بالتعديل.. شهد بأمر ظاهر، ومن شهد بالجرح.. شهد بأمر باطن خفي على بينة التعديل، فقدمت شهادته، كما لو شهد شاهدان: أن لرجل على رجل دينارا، وشهد آخر: أنه قد قضاه ذلك الدين.. فإن بينة القضاء تقدم. قال أصحابنا: ولا تقدم بينة التعديل على بينة الجرح إلا في مسألتين: إحداهما: إذا شهد شاهدان على رجل بالجرح في بلد آخر، وانتقل ذلك الرجل إلى بلد آخر وشهد شاهدان على تعديله بالبلد الذي انتقل إليه.. فيقدم التعديل هاهنا؛ لأن العدالة هاهنا طارئة على الجرح، والتوبة ترفع المعصية. الثانية: إذا شهد اثنان أنه زنى أو سرق، وشهد آخران أنه تاب من ذلك وحسنت حالته.. فإن العدالة هاهنا مقدمة؛ لأن التوبة رفعت المعصية. واختلف أصحابنا في موضع الوجهين في اعتبار العدد في أصحاب المسائل: فقال ابن الصباغ: الوجهان إذا عين الحاكم لهم من يسألونه، فأما إذا لم يعين لهم من يسألونه وإنما رد إليهم الأمر.. فإن العدد شرط فيهم وفيمن يسألونه، فلا يقبلا إلا من اثنين، فإن عادوا إليه فشهدوا بالجرح أو التعديل بشهادة أنفسهم، فيسمع ذلك من اثنين. وقال سائر أصحابنا: لا فرق بين أن يعين لهم من يسألونه أو لا يعين لهم، فالحكم في اعتبار العدد فيهم على الوجهين. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يكون المزكي واحدا) . دليلنا: أنه إثبات صفة، فافتقر إلى العدد، كالحصانة في الزاني والمقذوف.

стр. 6649

[فرع تفسير الجرح ضروري لقبوله] ] : ولا يقبل الجرح إلا مفسرا، فإن قال: هو مجروح أو فاسق.. لم يحكم بجرحه في ذلك. وقال أبو حنيفة: (يحكم بجرحه) . دليلنا: أن الناس مختلفون فيما يفسق به الإنسان وما يصير به مجروحا: فمنهم من يقول: إن من شرب النبيذ مستحلا بشربه.. يفسق به، ومن وطئ في نكاح المتعة.. يصير به فاسقا. ومنهم من قال: لا يفسق به، فلم يجز أن يقبل من الشاهد مطلقا؛ لجواز أن يكون قد اعتقد فسقه بشيء لا يرى الحاكم أنه يفسق به، والاعتماد على اجتهاد الحاكم. قال الشافعي ﵀: (ولقد شهدت بعض من يعرف بالصلاح وهو يجرح رجلا فصرح بجرحه، وقيل له: بم جرحته؟ فقال: لا يخفى علي ما يجرح به الشهود، فألح عليه في ذلك، فقال: رأيته يبول قائما، فقيل: ما في ذلك؟ فقال: ينضح البول على ثيابه، فيصلي ولا يغسله، فقيل له: رأيته يصلي ولا يغسله؟ فقال: أراه يفعل ذلك) . فدل على أنه لا بد من ذكر السبب. إذا ثبت هذا: فسئل الجارح عن سبب الجرح، فذكر أن الشاهد زنى.. لم يكن قاذفا، سواء كان بلفظ الشهادة أو بغير لفظ الشهادة؛ لأنه لم يقصد بشهادته إثبات الزنى ولا إدخال المعرة عليه بالقذف، وإنما قصد بيان صفته عند الحاكم ليتبين للحاكم حكمه، فلم يجب عليه الحد. [فرع الجرح بالمعاينة أو السماع] قال الشافعي ﵀: (ولا يقبل الجرح إلا بالمعاينة أو بالسماع) . واختلف أصحابنا في تأويل هذا:

стр. 6650

فقال الشيخ أبو حامد: تأويلها على قول أبي إسحاق: إن صاحب المسألة إذا أخبر الحاكم بالجرح.. لا يعتمد على قوله، ولكن يستدعى الذي جرح من الجيران فيسأله عن ذلك، ولا يقبل منه الجرح إلا أن يصف معاينة فيقول: رأيته يزني أو يشرب، أو: إلى السماع، فيقول: أقر عندي بذلك. وأما على قول أبي سعيد: فإنه يعتمد على قول أصحاب المسائل في الجرح، فإذا شهد صاحب المسألة أنه زنى أو سرق أو غير ذلك.. لم يسأله الحاكم أنه شاهد ذلك منه أو سمعه، ولكن لا يجوز لصاحب المسألة أن يشهد بذلك إلا إذا شاهده يفعل ذلك، أو سمع ذلك مستفيضا في الناس أنه زان فاسق، فيجوز له أن يجرحه بذلك. وقال ابن الصباغ: ليس للحاكم أن يسأل الشاهد إذا شهد بالجرح من أين شهد بذلك بل يسمع منه الشهادة لا غير، كما يسمع شهادته في سائر الأشياء. وقول الشافعي عائد إلى صاحب المسألة؛ فإنه لا يصير عالما إلا بمشاهدة منه لذلك أو بسماع متواتر، فإن لم يكن متواترا ولكن شاع في الناس.. فيجوز له أن يؤدي الشهادة مطلقا، كما يشهد بالموت والنسب. فأما إن كان بخبر الواحد والعشرة.. فلا يصير عالما بذلك لكنه يشهد عند الحاكم بما يسمع ويكون شاهد فرع والذي يسمع منه شاهد أصل، ولا يثبت شاهد الأصل إلا باثنين. وذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه يجوز أن يكون الذي يخبر أصحاب المسائل من الجيران واحدا إذا وقع في نفوسهم صدقه، ويجب أن يشهد أصحاب المسائل عند الحاكم على شروط الشهادة.

стр. 6651

[فرع قبول عدالة الشاهد بقول المزكي] : هو عدل لي وعلي] : قال الشافعي ﵀: (ولا يقبل التعديل حتى يقول: هو عدل علي ولي) . واختلف أصحابنا في هذا: فقال أبو سعيد الإصطخري: يكفي أن يقول: هو عدل. وبه قال أبو علي الطبري وأهل العراق؛ لأن القصد إثبات عدالته عند الحاكم، وعدالته تثبت بذلك، وقول الشافعي: (علي ولي) تأكيدا لا شرطا. وقال أكثر أصحابنا: إن قوله: (علي ولي) شرط في التعديل، واختلفوا في تعليله: فقال أبو إسحاق: إن قوله: عدل لا ينبئ عن العدالة في كل شيء، بل يجوز أن يكون عدلا في شيء دون شيء، كما يجوز إذا قلت للإنسان: أنت صادق.. جاز أن يكون صادقا في شيء دون شيء، فإذا قال: عدل علي ولي.. ثبتت عدالته على الإطلاق. ومنهم من قال: لأن التزكية لا تقبل إلا ممن تقبل شهادته له، ولا تقبل من الولد والوالد. وكذلك الشهادة بالجرح، لا تقبل إلا ممن تقبل شهادته عليه ولا تقبل من العدو. فأما إذا قال: عدل علي ولي.. انتفى بذلك أن يكون بينهما ولادة أو عداوة. وهذا أشبه؛ لأن من كان عدلا في شيء دون شيء لا يوصف بالعدالة ولا يفتقر في التعديل إلى ذكر السبب الذي صار به عدلا؛ لأن أسبابها في الظاهر والباطن لا تنضبط. فإن قال المزكي: لا أعلم منه إلا خيرا.. لم تحصل بذلك التزكية. وحكي عن أبي يوسف: أن التزكية تحصل بذلك. دليلنا: أنه لم يصرح بالعدالة، فلا يكون تعديلا، كما لو قال: أعلم فيه خيرا.

стр. 6652

ولا يقبل التعديل إلا ممن له خبرة باطنة وخبرة طويلة بالشاهد؛ لأن المقصود معرفة حال الشاهد في الباطن، وذلك لا يدركه إلا من خبر باطنه وطالت خبرته به، فأما من يعرفه في شهر أو شهرين.. فلا يقبل منه التعديل؛ لأنه ربما يكون قد تقدم منه فسق لم يعرفه، فلم يقبل تزكيته. وأما الشهادة بالجرح: فتقبل ممن يخبر باطنه وممن لا يخبر باطنه؛ لأن الجرح يحصل بفعل واحد، فإذا علمه.. جرح به. [فرع الجهر بتزكية الشاهد بعد السؤال عنه سرا] فرع: [طلب الحاكم الجهر بتزكية الشاهد بعد السؤال عنه سرا] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويسأل عمن جهل عدالته سرا، فإذا عدل.. سأل عن تعديله علانية؛ ليعلم أن المعدل سرا هو هذا؛ لئلا يوافق اسمه اسما) . واختلف أصحابنا في تأويل هذا على حسب اختلافهم في المزكين: فقال أبو إسحاق: أراد به: أن أصحاب المسائل إذا أخبروا الحاكم بعدالة الشاهد سرا.. لا يقتصر على ذلك، بل يحضر المزكين من الجيران ويقول لهم: هذا الذي سألناكم عن عدالته، فيخبروه عن عدالته جهرا؛ لئلا يوافق اسمه اسما آخر ونسبه نسبا آخر. وقال أبو سعيد الإصطخري: وأراد بذلك: أن أصحاب المسائل إذا أخبروا الحاكم بعدالة الشاهد سرا.. سألهم عن عدالته جهرا. وإن ادعى رجل على رجل حقا فأنكره، فشهد له بذلك شاهد مجهول الحال عند الحاكم، فقال المشهود عليه: هو عدل.. فهل يجوز للحاكم أن يحكم عليه بشهادته؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن البحث عن عدالته لحق المشهود عليه، وقد شهد له بالعدالة. والثاني: لا يجوز أن يحكم بشهادته حتى يبحث عن عدالته؛ لأن اعتبار العدالة في الشهادة حق لله تعالى؛ ولهذا: لو رضي المشهود عليه بالحكم عليه بشهادة الفاسق..

стр. 6653

لم يجز للحاكم أن يحكم بذلك. ولأن الحكم بشهادته حكم بتعديله، والتعديل لا يثبت بقول واحد منهما. وإن عرف الحاكم عدالة الشاهد في وقت ثم شهد عنده بعد ذلك.. نظرت: فإن كان بينهما مدة قريبة، كاليوم واليومين والثلاث.. فإنه يحكم بشهادته ولا يفتقر إلى السؤال عنه؛ لأن عدالته لا تتغير في مثل ذلك، والأصل بقاؤها إلى أن يعلم خلافها. وإن مضى له مدة طويلة.. ففيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: يحكم بشهادته ولا يسأل عن حالته؛ لأن عدالته قد ثبتت، والأصل بقاؤها إلى أن يعلم خلافها. [والثاني] : قال أبو إسحاق: لا يحكم بشهادته حتى يسأل عن عدالته؛ لأن مع طول الزمان قد يتغير الحال. فعلى هذا: ليس له حد مقدر، ولكن يرجع في ذلك إلى العرف والعادة في كل مدة يجوز أن يتغير حال الإنسان فيها. وحكى أبو إسحاق: أن بعض الناس قال: يسأل عنه في كل ستة أشهر. وليس هذا مذهبنا، ولكن على ما يراه الحاكم. [فرع شهادة المسافرين] ] : وإن شهد مسافران عند الحاكم بشهادة وهو لا يعرفهما.. لم يحكم بشهادتهما حتى يزكيهما رجلان من أهل الرفقة، أو من أهل البلد ممن يعرفهما الحاكم. وقال مالك: (إذا رأى الحاكم فيهما سيماء الخير.. حكم بشهادتهما وإن لم يعرف عدالتهما في الباطن ولا زكاهما من يعرفهما) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] [البقرة: ٢٨٢] ومن لا يعرف عدالته غير مرضي. ولأن عدالتهما في الباطن مجهولة عند الحاكم، فلم يصح الحكم بشهادتهما، كشاهدي الحضر.

стр. 6654

[مسألة حضور أهل الفقه عند القاضي لمشاورتهم] ] : والمستحب: أن يكون بحضرة القاضي قوم من أهل الفقه من أهل مذهبه وغيرهم، حتى إذا حدثت حادثة.. ألقاها عليهم؛ ليذكر كل واحد منهم ما عنده فيها فيسهل عليه الاجتهاد فيها إذا سمع حجتهم. وهو بالخيار: إن شاء.. أقعدهم معه في مجلسه، وإن شاء.. أقعدهم بالقرب من مجلسه حتى إذا احتاجهم.. استدعاهم. فإن حكم بحكم لم يشاورهم فيه.. فليس لأحد منهم أن ينكر عليه؛ لأنه افتيات عليه، إلا أن يحكم بما يخالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي. وإذا أراد الحاكم أن يحكم بشيء، فإن كان أمرا واضحا لا يحتاج فيه إلى الاجتهاد؛ مثل الحكم الذي دل عليه النص: وهو الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي.. فإنه يحكم به ولا يشاور به من بحضرته من الفقهاء؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدا، فلم يحتج فيه إلى المشاورة. وإن كان يحتاج فيه إلى الاجتهاد.. فالمستحب له: أن يشاور فيه من بحضرته من الفقهاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال الحسن: إن كان النبي ﷺ لغنيا عن مشاورتهم ولكن أراد: أن يستن الحكام بعده بذلك، ولم يرد أنه يشاورهم في الشرع:؛ لأن الشرع يؤخذ منه، وإنما أراد أن يشاورهم في تدبير الحرب. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وروي: «أن النبي ﷺ شاور الصحابة ﵃ في أسارى

стр. 6655

بدر، فقال بعضهم: يقتلون، وقال بعضهم: يفادون» . و: «شاور أهل المدينة يوم الخندق فيما قاله مالك بن عوف» . و: (شاور أبو بكر الصديق ﵁ الصحابة ﵃ في الجدة) . و: (شاورهم عمر ﵃ في الجنين) . ولأن الإنسان لا يحيط علما بالشرع كله، وإنما يعلم البعض، وقد يخفى عليه البعض، فربما ذكر له من يستشيره ما يخفى عليه منه. ولا يستحب له أن يشاور إلا من بلغ درجة الاجتهاد في الفقه؛ لأن القصد معرفة الأدلة، وهذا لا يدركه إلا من بلغ مبلغ الاجتهاد. قال الشافعي ﵀: (ويشاور الموافق والمخالف، ويذكر كل واحد ما عنده فيها من المذهب والدليل؛ ليسهل عليه الاجتهاد) . وإذا شاور من عنده، وذكروا ما عندهم.. نظرت: فإن اتفق اجتهاد الحاكم واجتهادهم.. حكم بذلك ولا كلام. وإن أداه اجتهاده إلى خلاف ما أداهم اجتهادهم إليه.. حكم بما أداه اجتهاده إليه، وليس لهم أن يعترضوا عليه؛ لأن في ذلك افتئاتا عليه. وإن لم يؤد اجتهاده إلى شيء.، فإن كان الوقت ضيقا وخاف فوات الحكم إن اشتغل بالاجتهاد؛ بأن تحاكم إليه مسافران وخاف إن اشتغل بالاجتهاد فوات الرفقة.. فهل يجوز له أن يقلد غيره؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو العباس: يجوز له أن يقلد غيره ويحكم بقوله. [والثاني] : قال أكثر أصحابنا: لا يجوز. وأصل هذا الاختلاف بينهم: في البصير إذا لم يعرف القبلة وضاق عليه الوقت.. هل له أن يقلد غيره؟ فإن كان الوقت واسعا.. فلا يجوز له أن يقلد غيره ويحكم به،
следующие страницы →