← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

الثالث: قَوْله تَعَالَى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] ، وما كان من عمل الشيطان فهو محرم. الرابع: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، ولا يأمر باجتناب محرم. الخامس: قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وضد الفلاح الفساد. السادس: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١] وما صدَّ عن ذلك فهو محرم. السابع: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وهذا أبلغ كلمة في الزجر عن الشيء. ويدل على تحريمه من الكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] [الأعراف: ٣٣] و (الإثم) : هو الخمر، قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول واختلف الناس في سبب نزول تحريم الخمر: فقيل: إن السبب أن عمر ﵁، قال: (لا ينتهى عن هذه الخمور حتى يأتي أحدنا وقد ضرب فجرح وكلم) ، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية [البقرة: ٢١٩] ، فاختلف الناس فيها، فقال بعضهم: هي مباحة لذكر المنفعة فيها. وقال بعضهم: هي محرمة لذكر الإثم فيها. فقال عمر ﵁: اللهم بين لنا بيانا شافيا، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] الآية. فقالوا: إنما حرم شربها في وقت الصلاة دون غيره، فقال عمر: اللهم بين لنا بيانا شافيا، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيتين إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] [المائدة: ٩٠-٩١] فقال عمر ﵁: انتهينا يا ربنا) . وقيل: إن سبب نزول تحريم الخمر: «أن رجلا من

стр. 6582

الأنصار شوى بعيرا ودعا سعدا، فأكل وشرب معه وسكر، فرمى وجه سعد بلحي البعير، فكسر أنفه، فنزل تحريمها» . وأمَّا السنة: فما رَوَى الشافعيُّ، ﵀ بإسناده عن ابن عمر ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدنيا.. حرمها في الآخرة» . ورَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لعن الله الخمرة، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه» . ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «الخمر أم الخبائث» .

стр. 6583

ورُوِي «عن أنس: أنه قال: (كنت أسقي أبا طلحة وأبي بن كعب وأبا أيوب الأنصاري، فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبُو طلحة: قم إلى الجرار فاكسرها، فقمت إليها، فضربت أسفلها بمهراس فكسرتها» . ورُوِي: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «شارب الخمر كعابد وثن» . وقال ﷺ : «إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه، وحرم الخنزير وحرم ثمنه، وحرم الخمر وحرم ثمنها» . وأمَّا الإجماع: فأجمعت الصحابة ومن بعدهم من المسلمين: على تحريمها. ورُوِي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب: أنهما قالا: (هي حلال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية [المائدة: ٩٣] فقال قدامة: فلنشرب ونتق، فأنكر عليهما الصحابة ذلك، فرجعا عن ذلك) . وأمَّا الآية.. فلها تأويلان:

стр. 6584

أحدهما: أنه أراد ذلك قبل تحريمها. والثاني: أنه أراد: فيما طعموا من المباحات الطيبات. فمن استحل شربها بعد ذلك.. فهو كافر، وعليه يتأول قوله ﷺ : «شارب الخمر كعابد وثن» يعني: إذا اعتقد إباحتها. إذا ثبت هذا: فمن شرب منها وهو مسلم، عاقل، بالغ، مختار.. وجب عليه الحد، سواء شرب منها قليلا أو كثيرا، سكر أو لم يسكر؛ لما رَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «من شرب الخمر.. فاجلدوه، فإن عاد.. فاجلدوه، فإن عاد.. فاجلدوه، ثم إن عاد.. فاقتلوه» والقتل في الرابعة منسوخ؛ لما روى قبيصة بن ذؤيب: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي برجل شرب الخمر فجلده، فأتي به ثانيا وقد شرب فجلده، فأتي به ثالثا وقد شرب فجلده، فأتي به رابعا وقد شرب فجلده، ولم يقتله» . وأجمعت الأمة: على ذلك أيضا.

стр. 6585

[مسألة: حرمة ما أسكر كثيره وقليله وأنواعه] وما عدا الخمر من الأشربة المسكرة؛ كعصير العنب المطبوخ، ونبيذ التمر والزبيب والذرة والشعير، وغير ذلك.. فيحرم قليلها وكثيرها، ويجب بشربها الحد. وبه قال عمر، وعلي، وابن عبَّاس، وابن عمر، وأبو هريرة، وسعد ابن أبي وقاص، وابن مَسعُودٍ، وعائشة ﵃. ومن الفقهاء: مالك، والأَوزَاعِي، وأحمد، وإسحاق، وقال أبُو حَنِيفَة: (الأشربة على أربع أضرب: أحدها: الخمر - وهو عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده - فيحرم قليله وكثيره، ويجب على شاربه الحد- ولم يشترط أبُو يوسف ومحمد أن يقذف زبده، وقالا: إذا اشتد وغلى.. كان خمرا-. والثاني: المطبوخ من عصير العنب، فإذا ذهب أقل من ثلثيه.. فهو حرام، ولا حد على شاربه إلا إذا سكر. وإن ذهب ثلثاه.. فهو حلال إلا ما أسكر منه. وإن طبخه عنبا.. ففيه روايتان: إحداهما: أنه يجري مجرى عصيره. والمشهور: أنه حلال وإن لم يذهب ثلثاه. الثالث: نقيع التمر والزبيب، فإن طبخ بالنار.. فهو مباح، ولا حد على شاربه إلا إذا أسكر، فيحرم القدر الذي يسكر، وفيه الحد. وإن لم تمسسه النار.. فهو حرام، ولا حد على شابه إلا إذا أسكر. الرابع: نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل ونحو ذلك.. فهو حلال،

стр. 6586

سواء كان نيئا أو مطبوخا، إلا أنه يحرم المسكر منه، ولا حد على شاربه سكر أو لم يسكر) . دليلنا: ما رَوَى النعمان بن بشير: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا» . ورَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والكرم» . ورَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» . ورُوِي: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «حرمت الخمرة بعينها، والمسكر من كل شراب» . ورُوِي: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أسكر كثيره.. فقليله حرام» .

стр. 6587

وروت عائشة ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أسكر الفرق منه.. فملء الكف منه حرام» . و (الفرق) بسكون الراء -: مكيال يسع مائة وعشرين رطلا. وبنصب الراء: يسع ستة عشر رطلا. والخبر رُوِيَ بنصب الراء. ولأن الله تَعالَى حرم الخمر ونبه على المعنى الذي حرمها لأجله؛ وهو: أن الشيطان يوقع فيها العداوة والبغضاء ويصد بها عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه المعاني موجودة في هذه الأشربة، فوجب أن يكون حكمها حكم الخمر في التحريم والحد. إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في هذه الأشربة: هل يقع عليها اسم الخمر؟ فمنهم من قال: يقع عليها اسم الخمر؛ لقوله ﷺ : «إن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من الشعير خمرا، وإن من البر خمرا» . ورُوِي عن عمر وأبي موسى الأشعري ﵄: أنهما قالا: (الخمر ما خامر العقل) . فعلى هذا: يحتج على تحريم هذا الأشربة بالآية. وقال أكثر أصحابنا: لا يقع عليها اسم الخمر؛ لقوله ﷺ : «حرمت الخمرة بعينها، والمسكر من كل شراب» فلو كان اسم الخمر يطلق على هذه المسكرات.. لاكتفى بقوله: «حرمت الخمرة بعينها» . فعلى هذا: لا يدل على تحريم هذه الأشربة إلا السنة والقياس.

стр. 6588

[فرع: بيع المسكر] كل شراب مسكر لا يجوز بيعه، وهو نجس. وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز بيعه إلا الخمر) . وقال أبُو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع نقيع التمر والزبيب، ويجوز بيع باقيها. دليلنا: أنه شراب فيه شدة مطربة، فلم يجز بيعه، كالخمر. [فرع: طبخ اللحم أو عجن الدقيق والند بخمر] قال ابن الصبَّاغ: وإن طبخ لحما بخمر وأكل مرقها.. حد. وإن أكل اللحم.. لم يحد؛ لأن عين الخمر موجود في المرقة وليس بموجود في اللحم، وإنما فيه طعمه. وإن عجن دقيقا بخمر وخبزه، فأكل الخبز.. لم يحد؛ لأن عين الخمر أكلتها النار. قال ابن الصبَّاغ: وإن استعطَى الخمر أو احتقن.. لم يحد؛ لأنه ليس بشرب ولا أكل. وفيما قاله ابن الصبَّاغ نظر؛ لأن حكم الاستعاط والاحتقان حكم الشرب في إبطال الصوم، فكان حكمه حكم الشرب في الحد. قل ابن الصبَّاغ: وإن ثرد بالخمر وأكله، أو اصطبغ بها.. حد؛ لأنها غير مستهلكة. وإن عجن الند بالخمر.. كان نجسا، ولم يجز بيعه. وإذا تبخر به.. فهل ينجس؟ فيه وجهان، بناء على الوجهين في دخان سائر النجاسات. [مسألة: حد الحر أو العبد في شرب الخمر] فإن كان المحدود في الخمر حرا.. جلد أربعين جلدة. ورُوِي ذلك عن أبي بكر

стр. 6589

- ﵁. وقال مالك وأبو حَنِيفَة والثوريُّ: (الواجب عليه ثمانون جلدة، ولا يجوز النقصان عنه) . واختاره ابن المنذر. دليلنا: ما روى عبد الرحمن بن الأزهر قال: «أتي رسول الله ﷺ بشارب الخمر، فقال: "اضربوه"، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: "بكتوه".. فبكتوه» . و (التبكيت) : أن يقال للرجل: أما خشيت الله، أما اتقيت الله؟ فلما كان زمن أبي بكر ﵁.. أتي بشارب، فسأل من حضر ذلك الضرب، فقومه، فضرب أبُو بكر في الخمر أربعين جلدة، ثم عمر، ثم تتابع الناس في الخمر، فاستشار عمر الصحابة ﵃، فضربه ثمانين) . ورَوَى أنس: (أن «النَّبيَّ ﷺ أتي بشارب خمر، فأمر عشرين رجلا فضربه كل واحد ضربتين بالجريد والنعال» . روى أبُو ساسان قال: (شهدت عُثمانَ بن عفان وقد أتي بالوليد بن عقبة وقد شهد عليه حمران وآخر معه بالخمر، فشهد أحدهما أنه شربها

стр. 6590

وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عُثمانَ: ما تقيأها حتى شربها، فقال لعلي: دونك ابن عمك فاجلده، فقال علي للحسن: اجلده، فقال: ولِّ حارها من تولى قارها- يعني: ولِّ شديدها من تولى هينها ولينها - فقال عليّ: لا، ولكنك ضعفت وعجزت، قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، فأخذ السوط وجلده وعلي يعد، فلما بلغ أربعين.. قال: «حسبك، جلد رسول الله ﷺ أربعين» وجلد أبُو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكلاهما سنة، وهذا أحب إلي) . وإن كان المحدود عبدا.. فالواجب عليه عشرون جلدة؛ لأنه حد يتبعض، فكان العبد على النصف من الحر، كالجلد في الزِّنَى. فإن رأى الإمام أن يحد الحر أكثر من الأربعين إلى الثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرا، أو يحد العبد أكثر من عشرين إلى أربعين، وتكون الزيادة على العشرين تعزيرا.. جاز؛ لما رَوَى أبُو وبرة الكلبي قال: (أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته ومعه عُثمانَ وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير، فقلت: إن خالدا يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه؟ فقال عمر: فما ترون؟ فقال عليّ: إنه إذا شرب.. سكر، وإذا سكر.. هذى، وإذا هذى.. افترى، فيحد حد المفتري، فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين، وكان عمر ﵁ إذا أتي بالرجل المنهمك بالشرب.. جلدة ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة.. جلده أربعين) ، ويدل عليه قول عليّ: «جلد رسول الله ﷺ أربعين» وأبو بكر أربعين

стр. 6591

، وعمر ثمانين، وكلاهما سنة، وهذا أحب إلي) . ومعناه: الاقتصار على حد الخمر سنة، وضم التَّعزِير إليه سنة، فإن قيل: فالتَّعزِير لا يبلغ عندكم أربعين؟ قلنا: لا يجوز له أن يبلغ به الأربعين على زلة واحدة، فأما إذا كانت زلات.. فلا يمنع أن يبلغ به أربعين، وهاهنا منه زلات الهذيان والافتراء. [فرع: جلد الشارب فمات] فإن جلد الإمام الحر في الخمر أربعين فمات منه، أو جلد العبد عشرين فمات.. كان دمه هدرا؛ لما رُوِيَ: أن عمر ﵁، لما جلد ابنه عبيد الله في الخمر.. جعل عبيد الله يقول: قتلتني، فقال عمر: (الحق قتلك) . ولأنه مات من حد، فلم يضمنه، كما لو مات من حد الزِّنَى. وإن رأى الإمام أن يبلغ في الحر ثمانين أو بالعبد أربعين، فبلغ به ذلك فمات.. لم يهدر دمه؛ لما رُوِيَ عن عليّ، ﵁: أنه قال: (ما أحد أقيم عليه حدا فيموت فأجد في نفسي منه شيئا إلا الخمر؛ فإنه شيء أحدثناه بعد موت النَّبيّ ﷺ فمن مات منه.. فديته في بيت المال، أو على عاقلة الإمام) . وأراد به الزيادة على الأربعين؛ لأنه قد ذكر: «أن النَّبيَّ ﷺ جلد في الخمر أربعين» . إذا ثبت هذا: فلا خلاف أنه لا يضمن جميع الدية؛ لأنه مات من حد ومن غير حد، فينظر فيه: فإن جلده ثمانين فمات.. وجب عليه نصف ديته، وهدر نصف ديته. وإن جلده إحدَى وأربعين جلدة فمات.. ففيه قولان:

стр. 6592

أحدهما: يجب نصف ديته ويهدر النصف؛ لأنه مات من مضمون وغير مضمون، فسقط نصف ديته ووجب نصفها، كما لو جرح نفسه جراحات، وجرحه آخر جراحات، ومات من الجميع. والثاني: أن الدية تقسم على عدد الجلدات، فيسقط من ديته أربعون جزءا، ويجب جزء من واحد وأربعين جزءا؛ لأن السياط تتساوى في الظاهر في السراية والألم، بخلاف الجراحات. وما وجب من ديته.. فهل يجب في بيت المال، أو على عاقلة الإمام؟ فيه قولان، مَضَى ذكرهما في (الجنايات) . وإن أمر الإمام رجلا، أن يجلد رجلا في القذف ثمانين جلدة، فجلده إحدَى وثمانين جلدة، فمات المحدود.. وجب على الجلاد الضمان. وكم يجب عليه؟ على هذين القولين: أحدهما: يجب عليه نصف الدية. والثاني: يجب عليه جزء من واحد وثمانين جزءا من الدية، إلا أن يكون الإمام قد قال للجلاد: اضرب وأنا أعد، فتركه حتى زاد على الثمانين ومات المحدود.. فإن الضمان يجب على الإمام؛ لأنه هو الذي اختار الزيادة؛ إذ لم يأمره بالقطع. وكم يجب عليه؟ على القولين. فإذا قال الإمام للجلاد: اضرب ما شئت وما اخترت.. لم يكن له أن يزيد على الحد، فإن زاد عليه.. ضمن. وإن أمر الإمام الجلاد أن يجلد في الخمر ثمانين، فجلد إحدَى وثمانين جلدة، فمات المحدود، فإن قلنا: تقسم الدية على عدد الجلدات.. سقط من ديته أربعون جزءا من أحد وثمانين جزءا، ووجب على الإمام أربعون جزءا من هذا الأصل، وعلى الجلاد جزء من هذا الأصل. وإن قلنا: تقسم الدية على أنواع الجلد.. ففيه وجهان: أحدهما: يسقط من ديته الثلث، ويجب على الإمام الثلث، وعلى الجلاد الثلث؛ لأنه اجتمع في الجلد ثلاثة أنواع: حد واجب، وتعزير، ومحرم.

стр. 6593

والثاني: يسقط من ديته النصف، ويجب النصف على الإمام والجلاد بينهما نصفين؛ لأن الجلد نوعان: مضمون وغير مضمون، فسقط النصف لأجل ما ليس بمضمون، ووجب النصف لأجل ما هو مضمون، فكان بين الضامنين نصفين. [مسألة: آلة ضرب المحدود] ] : وبم يضرب المحدود في الخمر؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أكثر أصحابنا - أنه يضرب بالنعال والأيدي وأطراف الثياب؛ لما روى عبد الرحمن بن أزهر: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي بشارب فقال: "اضربوه" فضربوه بالنعال والأيدي وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب» . وروى أنس: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي بشارب، فأمر عشرين رجلا، فضربه كل واحد منهم ضربتين بالجريد والنعال» . ولأن حد الخمر لما كان أخف من غيره في العدد.. فوجب أن يكون أخف من غيره في الصفة. والثاني - وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد -: أنه يضرب بالسوط؛ لما رُوِيَ: (أن عمر ﵁، جلد ابنه عبيد الله بالسوط لما شرب الطلاء) . و: (ضرب عليّ، ﵁، الوليد بن عقبة بالسوط) . ومن قال بهذا.. تأوَّل الخبرين الأولين: على أن المحدود كان مريضا أو نضو الخلق ضعيفا. فإذا قلنا: يضرب بالسوط، فضرب به فمات.. لم يجب ضمانه. وإذا قلنا: يضرب بالنعال والأيدي، فضرب بالسوط فمات.. فهل يضمن؟ فيه وجهان - حكاهما ابن الصبَّاغ مأخوذان من القولين إذا ضربه في شدة حر أو برد: أحدهما: يضمن؛ لأنه فعل ما ليس له. والثاني: لا يضمن؛ لأنه وقع موقع الحد. فإذا قلنا: يضمن.. فكم يضمن؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يضمن جميع الدية؛ لأنه تعدى بجميع الضرب، فضمن جميع الدية، كما لو ضربه بما يجرح فمات. والثاني: يضمن بقدر ما زاد ألم السوط على ألم النعال.

стр. 6594

والثالث: يضمن نصف الدية؛ لأن قدر الضرب بالأيدي والنعال مستحق، وما زاد عليه متعد به، فصار بعضه مضمونا وبعضه غير مضمون، فسقط النصف لما هو غير مضمون، ووجب النصف لما هو مضمون. وهل يجب ذلك في بيت المال، أو على عاقلة الإمام؟ على القولين. [مسألة: الإقرار والشهادة من غير تفسير في الخمر والشم] مسألة: [الإقرار والشهادة من غير تفسير يوجبان الحد في الخمر بخلاف الشم ونحوه] : ولا يجب حد الخمر حتى يقر أنه شرب خمرا، أو أنه شرب مسكرا، أو شرب شرابا يسكر منه غيره، أو تقوم عليه بينة بذلك. ولا يفتقر في الشهادة عليه إلى أن يقول الشاهد: إنه شرب شرابا مسكرا وهو غير مكره، ولا مع علمه أنه يسكر؛ لأن الظاهر من فعله الاختيار والعلم. والفرق بينه وبين الشهادة على الزِّنَى حيث قلنا: لا يحكم عليه حتى يفسر الشاهد الزِّنَى.. أن الزِّنَى يعبر به عن الصريح وعن دواعيه، وشرب الخمر لا يعبر به عن غيره. فإن وجد الرجل سكران، أو شم منه رائحة الخمر، أو تقيأ خمرا أو مسكرا.. لم يقم عليه الحد. وبه قال أكثر أهل العلم. ورُوِي عن عُثمانَ: (أنه لما شهد عنده رجلان على الوليد بن عقبة، فشهد أحدهما عليه أنه شرب الخمر، وشهد الآخر أنه تقيأها، فقال: ما تقيأها إلا وقد شربها، فحده) . ورُوِي: (أن ابن مَسعُودٍ، قدم حمص، فسألوه أن يقرأ لهم شيئا من القرآن، فقرأ سورة يوسف، فقال له رجل: ما هكذا أنزلت! فقال ابن مَسعُودٍ: قرأت عليكم كما قرأت على رسول الله ﷺ فجعل الرجل ينازعه، فشم منه ابن مَسعُودٍ، رائحة الخمر، فقال: أتشرب النجس وتكذب بالقرآن؟! والله لا أبرح حتى أحدك، فحده) .

стр. 6595

دليلنا: أنه يحتمل أنه أكره على شربها، ويحتمل أنه ظن أنه لا يسكر، فلا يلزمه الحد بالشك. وما رُوِيَ عن عُثمانَ وابن مَسعُودٍ. فقد رُوِيَ عن عمر: (أنه شم من ابنه عبيد الله رائحة الشراب فسأله، فقال: شربت الطلاء، فقال عمر: إنِّي سائل عنه، فإن كان مسكرا.. حددتك، فسأل عنه، فقيل: إنه مسكر، فحده، ولم يحده بشم الرائحة) . وكذلك رُوِيَ عن ابن الزبير. [مسألة: تداخل حد الشرب يوجب حدا واحدا وماذا لو تقادم العهد قبل إقامته ؟] إذا شرب الخمر، فلم يحد حتى شرب ثانيا وثالثا.. حد للجميع حدا واحدا، كما قلنا في حد الزِّنَى. وإن شرب الخمر، فمضى عليه زمان ولم يحد ولم يتب.. فإن الحد لا يسقط عنه، وكذلك سائر الحدود. وقال أبُو حَنِيفَة: (يسقط بتقادم العهد حد الشرب وحد الزِّنَى دون حد القذف) . دليلنا: أنه حد فلم يسقط بتقادم العهد، كحد القذف. [مسألة: اجتماع أسباب الحدود] وإن اجتمع عليه حدود بأسباب؛ بأن زنَى وهو بكر، وسرق، وشرب الخمر، وقذف.. فإنها لا تتداخل؛ لأن أسبابها مختلفة. فإن اجتمع عليه الحد في الزِّنَى، وحد القذف.. قدم حد القذف، سواء تقدم القذف أو تأخر. واختلف أصحابنا في علته: فقال أبُو إسحاق وغيره: إنما قدم؛ لأنه حق آدمي. وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة: إنما قدم؛ لأنه أخف. والأول أصح.

стр. 6596

وإن اجتمع حد القذف وحد الشرب. فعلى تعليل أبي إسحاق: يقدم حد القذف. وعلى تعليل أبي عليّ بن أبي هُرَيرَة: يقدم حد الشرب. فإن اجتمع مع ذلك القطع في السرقة.. قدمت هذه الحدود على القطع؛ لأنها أخف. ولا يقام عليه حد حتى يبرأ ظهره من ألم الحد الذي قبله. فإن سرق نصابا في غير المحاربة ونصابا في المحاربة.. قطعت يمينه لأحد النصابين، وتقطع رجله لأخذ المال في المحاربة، وهل يوالى بين قطع اليد والرجل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يوالى بينهما، بل لا يقطع حتى تندمل اليد؛ لأن اليد قد قطعت في السرقة بغير المحاربة، والرجل قطعت لأخذ المال في المحاربة، وهما سببان مختلفان. والثاني: يوالى بينهما، وهو الأصح؛ لأنهما حد واحد. فإن اجتمع عليه حد الزِّنَى، وحد القذف، وحد الشرب، والقطع لأخذ المال في المحاربة، والقتل في غير المحاربة.. فإن هذه الحدود تقام عليه على ما مَضَى، ثم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى. قال الشيخُ أبُو حامد: فإذا اندملتا.. قتل قصاصا. وقال ابن مَسعُودٍ: (يقتصر على القتل وحده) . وبه قال النخعي. دليلنا: الظواهر في وجوب هذه الحدود، ولم تفرق. وإن اجتمع عليه حد الزِّنَى، وحد القذف والشرب، وأخذ المال في المحاربة، والقتل في المحاربة.. فإن هذه الحدود تقام عليه، ثم يقتل ولا يقطع للمحاربة؛ لأن المحارب إذا أخذ المال وقتل.. لم يلزمه القطع، وإنما يقتل ويصلب. وهل يجب التفريق بين هذه الحدود؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب التفريق بينها؛ لأنه إذا والى بين حدين.. لم يؤمن أن يموت قبل استيفاء ما بعدهما.

стр. 6597

و [الثاني] : قال أبُو إسحاق: تجوز الموالاة بينهما؛ لأن القتل في المحاربة متحتم عليه، فلا معنى للتفريق. والأول أصح. وإن اجتمعت عليه هذه الحدود، وقتل في المحاربة، وقتل في غير المحاربة.. فإن هذه الحدود تقام عليه على ما مَضَى، ولا تقطع اليد والرجل للمحاربة؛ لما مَضَى. فإن كان القتل للمحاربة وجب عليه قبل القتل في غير المحاربة.. قتل للمحاربة وصلب، ووجبت الدية في ماله للقتل في غير المحاربة. وإن كان القتل في غير المحاربة وجب عليه القتل للمحاربة.. فولي المقتول بالخيار: بين أن يقتص منه وبين أن يعفو؛ فإن عفا عنه.. قتل للمحاربة وصلب. وإن اقتص منه الولي للقتل في غير المحاربة.. صلب للقتل في المحاربة. وروى الحارث بن سريج البقال عن الشافعيُّ، ﵀: أنه قال: (لا يصلب؛ لأن الصلب إنما يجب إذا قتل للقتل في المحاربة) وهذا يدل على صحة قول الشيخ أبي حامد إذا مات قاطع الطريق: أنه لا يصلب. والله أعلم وبالله التوفيق

стр. 6598

[باب التَّعزِير] التَّعزِير: اسم يختص بالضرب الذي يضربه الإمام أو خليفته؛ للتأديب في غير الحدود. فأما ضرب الرجل زوجته، وضرب المعلم للصبي.. فلا يسمى تعزيرا، وإنما يسمى تأديبا. فإذا فعل الإنسان معصية ليس فيها حد ولا كفارة، كوطء الأجنبية فيما دون الفرج، والسرقة فيما دون النِّصَاب أو من غير حرز، أو القذف بغير الزِّنَى، أو الجنايات التي ليس فيها أرش.. فللإمام أن يعزره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] [النساء: ٣٤] فأجاز للزوج أن يضرب زوجته للنشوز، والنشوز معصية، فدلَّ على: أن كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.. يجوز الضرب لأجلها. ورَوَى عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا قطع في الثمر المعلق إلا ما آواه الجرين، فإذا آواه الجرين وبلغت قيمته ثمن المجن.. ففيه القطع، وإن لم تبلغ قيمته ثمن المجن.. ففيه الغرم وجلدات نَكَالا» . ورَوَى أبُو بردة بن نيار: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يجلد أحد فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله» . فدلَّ على: أنه يجوز ضرب عشر جلدات في غير الحدود. ورُوِي: «أن

стр. 6599

النَّبيَّ ﷺ عزر إنسانا» . ورُوِي: (أن معن بن زائدة زور على عمر كتابا، فعزره) . ورُوِي: أن علياً سئل عن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث، فقال: (هن فواحش، فيهن تَعزِير، وليس فيهن حد) . إذا ثبت هذا: فإن التَّعزِير غير مقدر، بل إن رأى الإمام أن يحبسه.. حبسه. وإن رأى أن يجلده.. جلده. ولا يبلغ به أدنى الحدود؛ فإن كان حرا.. لم يبلغ به أربعين جلدة، بل ينقص منها ولو جلدة. وإن كان عبدا.. لم يبلغ به عشرين جلدة. وبه قال أبُو حَنِيفَة ومحمد. وحكى الشيخُ أبُو حامد: أن من أصحابنا من قال لا يبلغ بتعزير الحر عشرين جلدة. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: ينظر في المعصية التي يعزر لأجلها، فإن كانت من جنس الشرب، مثل أن يكون قد أدار كأس الماء على جماعة على هيئة إدارة كأس الخمر.. عزر دون الأربعين. وإن كانت من جنس القذف؛ بأن يشتم إنسانا بما ليس بقذف.. فإنه يضرب دون الثمانين. وإن كانت من جنس الزِّنَى؛ مثل أن يطأ أجنبية فيما دون الفرج أو يقبلها.. فإنه يضرب دون المائة. وقال أبُو يوسف وابن أبي ليلى: يجوز أن يبلغ بالتَّعزِير خمسا وسبعين، ولا يزاد عليه. وقال مالك والأَوزَاعِي: (له أن يضرب في التَّعزِير أي عدد شاء على حسب ما يؤدي إليه اجتهاده) . والأول أصح؛ لقوله ﷺ : «من بلغ بما ليس بحد حدا.. فهو من المعتدين» .

стр. 6600

ورَوَى أبُو بردة بن نيار أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يجلد أحد فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله» . وعند المخالف: يجوز أن يجلد مائة في غير الحد. فإن قيل: فالخبر يدل على أنه لا يجوز الزيادة على العشر في غير الحد؟ قلنا: قد أجمعت الأمة: على أنه يجوز الزيادة على العشر ما لم يبلغ به أدنى الحدود، فيستدل بالإجماع على نسخ ظاهر الخبر. ورُوِي عن عمر ﵁: أنه كتب إلى أبي موسى: (أنه لا يبلغ بنَكَال أكثر من عشرين سوطا) . ورُوِي: (ثلاثين سوطا) . ورُوِي: (ما بين الثلاثين إلى الأربعين) . ولأن العقوبة إذا علقت في الشَّرع بجرم.. لم تتعلق بما دونه، كالقطع لما علق بسرقة النِّصَاب لم يتعلق بما دونه. ويكون الضرب في التعزير بين الضربين، كما قلنا في الحد. وقال أبُو حَنِيفَة: (الضرب في التَّعزِير يكون أشد من الضرب في الزِّنَى، ثم الضرب في الشرب دون الضرب في الزِّنَى، ثم الضرب في القذف) . وقال الثوريُّ: الضرب في القذف أشد من الضرب في الشرب. دليلنا: أن التَّعزِير أخف من الحد في عدده، فلا يجوز أن يزاد عليه في إيلامه ووجعه. [فرع: جواز التَّعزِير وتركه] قال الشيخُ أبُو إسحاق: إن رأى السلطان ترك التَّعزِير.. جاز تركه إذا لم يتعلق به حق آدمي. وقال الشيخُ أبُو حامد: التَّعزِير ليس بواجب، بل الإمام بالخيار: إن شاء فعله، وإن شاء تركه. ولم يفرق بين أن يتعلق به حق آدمي أو لا يتعلق. وقال أبُو حَنِيفَة: [إن غلب على ظن الإمام أنه لا يصلح الرجل إلا التَّعزِير.. فالتَّعزِير واجب،

стр. 6601

ولا يجوز للإمام تركه. وإن غلب على ظنه أنه يصلحه الجلد وغيره.. فليس ذلك بواجب] . دليلنا: ما رُوِيَ: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «أقيلوا ذَوِي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود» . ورُوِي: «أن الزبير ورجلا من الأنصار اختصما إلى النَّبيّ ﷺ في شراج الحرة- و (الحرة) : هي الأرض الملبسة بالحصى، و (الشراج) : هي الساقية التي فيها الماء - فقال النَّبيّ ﷺ : "اسق يا زبير أرضكم، ثم أرسل الماء إلى جارك". فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! فغضب رسول الله ﷺ وقال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى تبلغ أصول الجدر» . فموضع الدليل: أن الأنصاري اتهم النَّبيّ ﷺ أنه قضى للزبير؛ لأنه ابن عمته، وهذا يستحق به القتل فضلا عن التَّعزِير، فترك النَّبيّ ﷺ تعزيره. فمن أصحابنا من قال: إنما أمر النَّبيّ ﷺ الزبير أن يسقي أرضه إلى أن يبلغ الماء إلى الجدر، وذلك زائد على ما تستحقه من الشرب، تعزيرا للأنصاري حين قال ما قال، وكان ذلك حين كانت العقوبات في الأموال. ومنهم من قال: بل كان أمر النَّبيّ ﷺ للزبير في المرة الأولى أن يأخذ أقل من حقه من السقي، فلما قال الأنصاري ما قال.. أمره النَّبيّ ﷺ أن يستوفي جميع حقه، وهو: أن يبلغ الماء إلى أصول الجدر، وإذا بلغ ذلك.. كان إلى الكعب. وكان قول الأنصاري هذا يقتضي التَّعزِير، وإنما ترك النَّبيّ ﷺ تعزيره على ما مَضَى. ولأنه ضرب غير محدود، فلم يكن واجبا، كضرب الزوج زوجته، وكما لو غلب على ظن الإمام أنه يصلحه الضرب وغير الضرب.

стр. 6602

[فرع: موت المعزر يوجب الضمان] إذا عزر الإمام رجلا فمات.. وجب ضمانه. وحكى الطبري في " العدة " وجها آخر: أن التَّعزِير نوعان: [أحدهما] : نوع واجب، كتعزير من قذف أمة أو ذمية، أو وطئ أجنبية فيما دون الفرج، فإذا عزر فيه الإمام فأدى إلى التلف.. لم يضمنه الإمام. و [الثاني] : نوع لا يجب؛ مثل: أن يسيء أدبه في مجلس القاضي، فإذا عزره القاضي ومات.. وجب ضمانه. والأول أصح. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن غلب على ظن الإمام أنه لا يصلحه إلا الضرب، فضربه فمات.. لم يجب ضمانه؛ لأنه تَعزِير واجب. وإن غلب على ظنه أنه يصلحه الضرب وغيره، فضربه ومات.. وجب ضمانه) . دليلنا: ما رُوِيَ عن عليّ: أنه قال: (ما من أحد أقيم عليه الحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئا إلا حد الخمر - ورُوِي - إلا ما كان من شارب الخمر؛ فإنه شيء أحدثناه بعد رسول الله ﷺ فمن مات منه.. فديته على عاقلة الإمام) . أو قال: (في بيت المال) ، والذي أحدثوه بعد النَّبيّ ﷺ هو الزيادة على الأربعين، وهو التَّعزِير، فثبت أنه إذا مات من التَّعزِير.. وجب ضمانه. وكذلك في قصة المرأة التي أرسل إليها عمر فأسقطت جنينا ميتا، فحكم عليّ بـ (أن دية الجنين على عاقلة عمر) . ولم يخالفه أحد، فدلَّ على أنه: إجماع. ولأنه ضرب غير محدود، له عنه مندوحة، فكان مضمونا، كالضرب في النشوز. فقولنا: (غير محدود) احتراز من الضرب في الحد؛ فإنه محدود. وقولنا: (له عنه مندوحة) احتراز من ضرب الرائض للدابة؛ فإنه لا مندوحة له عنه؛ لأنه لا يمكن

стр. 6603

تأديبها إلا بالضرب، وهذا قد كان يمكنه تأديبه بالزجر بالكلام والحبس. وهل يجب ذلك على عاقلة الإمام، أو في بيت المال؟ على القولين. [مسألة: أزال السلعة من رجل فمات] إذا كان على إنسان سلعة - وهي: كالجوزة تكون بين الجلد واللحم، تكون على الرأس والبدن، قال ابن الصبَّاغ: وهي بكسر السين، والسلعة - بفتح السين-: هي الشجة - فإن قطعها منه إنسان فمات.. نظرت: فإذا كانت على إنسان غير مولى عليه، فإن قطعها بإذنه.. فلا ضمان عليه. وإن قطعها بغير إذنه، أو أكرهه على قطعها.. لزمه القود إن كان ممن يجب له عليه القود. وإن كانت على مولى عليه، فإن قطعها من لا ولاية له عليه.. فعليه القود، أو الدية إن لم يكن ممن يجب له عليه القود. وإن قطعها ولي عليه، فإن كان أبا أو جدا.. لم يلزمه القود، ووجبت عليه ديته. وإن كان غيرهما من الأولياء.. ففيه قولان، مَضَى ذكرهما في (الجنايات) . وإن كان القاطع إماما.. فهل تجب الدية في ماله، أو على عاقلته؟ على القولين. وبالله التوفيق [كتاب الأقضية] [باب أدب القضاء]

стр. 6604

كتاب الأقضية

стр. 6605

كتاب الأقضية باب أدب القضاء القضاء واجب. والأصل في ثبوته في الشرع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] [ص: ٢٦] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] [النساء: ٦٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]

стр. 6606

[النساء: ٥٨] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] [المائدة: ٤٨] . ولأن الله تعالى ذم قوما امتنعوا من الحكم، ومدح قوما أجابوا إلى الحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] [النور: ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] [النور: ٥١] . وأما السنة: فإن النبي ﷺ حكم بين الناس و: «بعث عليا ﵁ إلى اليمن للقضاء بين الناس» . وأما الإجماع: فإن الخلفاء الراشدين حكموا بين الناس و: (بعث أبو بكر ﵁ أنس بن مالك إلى البحرين ليقضي بين الناس) ، و: (بعث عمر ﵁ أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضيا) ، و: (بعث عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضيا) .

стр. 6607

وأما القياس: فلأن الظلم من شيم النفوس، وطبع العالم، ولهذا قال الشاعر: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم فإذا كان كذلك.. فلا بد من حاكم لينصف المظلوم من الظالم. إذا تقرر هذا: فقد وردت أخبار تدل على ذم القضاء، وأخبار تدل على مدحه. فأما التي تدل على ذمه: فما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم قال: «من استقضى.. فكأنما ذبح بغير سكين» قيل لابن عباس: وما الذبح؟ قال: (نار جهنم) . وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من

стр. 6608

شدة الحساب ما يود أنه لم يكن قضى بين اثنين» . «وقال ﷺ لأبي ذر: " إني أحب لك ما أحب لنفسي: فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم» . وأما الأخبار التي تدل على مدحه: فما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب.. فله أجران، وإن أخطأ.. فله أجر واحد» . وروى ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» . وتأويل ذلك: أن الأخبار التي تدل على ذمه محمولة على من علم من نفسه أنه لا يقوم بالقضاء؛ إما لجهله أو لقلة أمانته. والأخبار التي تدل على مدحه محمولة على من علم من نفسه القيام بالقضاء لعلمه وأمانته. والدليل على صحة هذا التأويل: ما روي أن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة،

стр. 6609

واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة: فرجل علم الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فجار في حكمه، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار» . وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من طلب القضاء حتى يناله، فإن غلب عدله جوره.. فهو في الجنة، وإن غلب جوره عدله.. فهو في النار» . وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا جلس القاضي.. بعث الله إليه ملكين يسددانه، فإن عدل.. أقاما، وإن جار.. عرجا وتركاه» . [مسألة أحوال الناس في القضاء وطلب الإمام تولية رجل منهم] ] : الناس في القضاء على ثلاثة أضرب: منهم من يجب عليه القضاء، ومنهم من لا يجوز له القضاء، ومنهم من يجوز له القضاء ولا يجب عليه. فأما (من يجب عليه) فهو: أن يكون رجل من أهل الاجتهاد والأمانة، وليس هناك من يصلح للقضاء غيره، فيجب على الإمام أن يوليه القضاء، وإذا ولاه الإمام..

стр. 6610

لزمه القبول، فإن امتنع.. أجبره. فإن لم يعرفه الإمام.. لزمه أن يعرف الإمام حاله، وأن يعرض نفسه عليه للقضاء؛ لأن ذلك يجري مجرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو لم يكن من يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا واحد.. لتعين ذلك عليه. وأما (من لا يجوز له القضاء) فهو: أن يكون الرجل ليس من أهل الاجتهاد، أو كان من أهل الاجتهاد إلا أنه فاسق.. فهذا لا يجوز له القضاء، وإن ولاه الإمام.. لم تنعقد ولايته، وإن حكم.. لم يصح حكمه، خلافا لأبي حنيفة، ويأتي الدليل عليه في موضعه. وأما (الذي لا يجب عليه القضاء ويجوز له) فهو: أن يكون هناك رجلان أو جماعة يصلح كل واحد منهم للقضاء.. فإن القضاء لا يجب على واحد منهم بعينه، بل وجوب القضاء عليهم على طريق الكفاية، وإذا قام به أحدهم.. سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنعوا كلهم عن القضاء.. أثموا؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يقدس الله أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه» . فإن طلب الإمام أن يولي رجلا منهم.. فهل يتعين عليه القضاء بتولية الإمام له، وهل يجوز للإمام أن يجبر واحدا منهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يتعين عليه، ويجوز للإمام إجباره؛ لأنه دعاه إلى واجب فتعين عليه، ولأنه إذا امتنع هذا.. فربما امتنع الباقون، فيؤدي ذلك إلى تعطيل القضاء. والثاني: لا يتعين عليه، ولا يجوز له إجباره؛ لقوله ﷺ : «إنا لا نجبر على

стр. 6611

الحكم أحدا» ، ولأنا لو قلنا يتعين عليه، ويجوز له إجباره.. لصار القضاء والقصاص متعينا عليه. ومن جاز له الدخول في القضاء ولم يجب عليه.. فهل يستحب له القضاء إذا دعي إليه؟ ينظر فيه: فإن كان له مال يكفيه وهو مشهور يقصده الناس للفتيا والتدريس.. لم يستحب له ذلك؛ لأنه لا يأمن على نفسه من الخطأ، والأولى له أن يشتغل بالفتيا والتدريس؛ لأن ذلك أسلم. وعلى هذا يحمل امتناع ابن عمر حين دعاه عثمان إلى القضاء. وكذلك روي: (أن أبا ذر طلب للقضاء فهرب، فقيل له: لو وليت وقضيت بالحق؟ فقال: من يقع في البحر إلى كم يسبح؟) . وإن كان لا مال له يكفيه ويرجو بالقضاء أخذ الرزق عليه من بيت المال.. يستحب له القضاء؛ لأنه لا بد له من مكتسب، واكتسابه بتولي الطاعة أولى من الاكتساب بغيره. وكذلك: إذا كان معه مال يكفيه إلا أنه خامل الذكر لا يقصده الناس للفتيا والتدريس.. فيستحب له القضاء؛ ليشتهر في الناس وينتفع بعلمه. ومن استحب له ولاية القضاء إذا دعي إليه.. فهل يستحب له طلبه وبذل العوض منه لذلك؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يستحب له طلبه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إخبارا عن يوسف:

стр. 6612

﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] الآية [يوسف: ٥٥] فطلب الاستئمان. ويجوز له بذل العوض؛ ذلك لأنه يتوصل به إلى مطلوبه. ومنهم من قال: لا يستحب له ذلك، ولا يجوز له بذل العوض؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: " يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة.. وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة.. أعنت عليها» . وروى أنس: أن النبي ﷺ قال: «من طلب القضاء فاستعان عليه.. وكل إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه.. أنزل الله تعالى إليه ملكا ليسدده» . ومن قال بالأول.. حمل الخبر على من طلب ذلك محبة للرياسة، فأما إذا طلب ذلك للقربة أو لحصول كفايته.. فلا بأس عليه بذلك. [فرع أخذ الرزق على القضاء] ] : وأما أخذ الرزق على القضاء.. فينظر فيه: فإن كان قد تعين عليه القضاء، فإن كان له كفاية.. لم يجز له أخذ الرزق عليه؛ لأنه فرض توجه عليه، فلا يجوز له أخذ الرزق عليه مع الاستغناء عنه. وإن لم يكن له كفاية، أو كان مكتسبا وإذا اشتغل بالقضاء تعطل عليه الكسب.. جاز له أخذ الرزق عليه؛ لأنه إذا اشتغل بالقضاء.. بطل عليه كسبه وذهب معاشه. وإن لم يتعين عليه القضاء، فإن كانت له كفاية.. فالمستحب له: أن لا يأخذ عليه رزقا؛ لأنه قربة في حقه، فكره له أخذ العوض عليه. وإن أخذ الرزق عليه.. جاز؛

стр. 6613

لما روي: (أن أبا بكر ﵁ لما ولي الخلافة.. خرج إلى السوق برزمة ثياب، فقالوا: ما هذا؟ فقال: أنا كاسب أهلي، فقالوا: لا يصلح هذا مع الخلافة، فاجتمعت الصحابة ﵃ وقدروا له كل يوم درهمين من بيت المال) . وروي: (أن الصحابة ﵃ جعلوا له كل يوم شاتين؛ شاة لغدائه وشاة لعشائه، وألف درهم في كل سنة. فلما ولي عمر ﵁ قال: لا يكفيني ذلك، فأضعفوا له ذلك) . وإذا ثبت ذلك في الإمامة.. كان في القضاء مثله؛ لأنهما في معنى واحد. وروي: أن عمر قال: أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] [النساء: ٦] . وروي: (أن عمر رضي الله بعث إلى الكوفة عمار بن ياسر واليا، وعبد الله بن مسعود قاضيا، وعثمان بن حنيف ماسحا، وفرض لهم كل يوم شاة؛ نصفها وأطرافها لعمار، والنصف الآخر بين عبد الله وعثمان، وقال: إن بلدا يخرج منها كل يوم شاة لسريع خرابها) ، و: (لما ولى عمر ﵁ شريحا القضاء.. أجرى له كل شهر مائة درهم) ، و: (لما ولاه علي ﵁.. أجرى له ذلك) . ولأن مال بيت المال للمصالح، وهذا من المصالح. ولا يكون ما يأخذه القاضي أجرة، وإنما هو رزق، كالذي يأخذه الإمام والمؤذن. وإن عقد الإجارة على القضاء.. لم يصح؛ لأنه عمل غير معلوم. وإن وجد الإمام من يتطوع للقضاء من غير رزق يأخذه.. لم يول القضاء من يطلب الرزق. ويدفع إلى القاضي مع رزقه شيء للقراطيس التي يكتب بها المحاضر والسجلات من

стр. 6614

بيت المال؛ لأن ذلك من المصالح. فإن لم يكن في بيت المال شيء، أو كان وهناك ما هو أهم منه يحتاج إليه لذلك.. قال القاضي لمن ثبت له الحق: إن اخترت أن تأتي بكاغد أكتب لك ذلك.. فافعل. ويدفع للقاضي مع رزقه لمن يكون على بابه من الوكلاء؛ لأنه يحتاج إلى ذلك كما يحتاج إلى العامل في الصدقات. [فرع تولية الإمام قاضيا في بلده أو غيره] ] : ويجوز للإمام أن يولي قاضيا في البلد الذي هو فيه؛ لما روي: «أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لعمرو بن العاص: " اقض بينهما " فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر! قال: " اقض بينهما، فإن أصبت.. فلك أجران، وإن أخطأت.. فلك أجر واحد» وفي رواية: «إن أصبت.. فلك عشر حسنات، وإن أخطأت.. فلك حسنة واحدة» . وروي: (أن رجلين أتيا النبي ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله، إن لي حمارا، ولهذا بقرة، فإن بقرته قتلت حماري، فأرسلهما إلى أبي بكر ﵁، فقال: لا ضمان على البهائم، فأرسلهما إلى عمر ﵁، فقال مثل ذلك، فأرسلهما إلى علي ﵁، فقال: أكانا مشدودين؟ فقالا: لا، قال: أفكانا مرسلين؟ قالا: لا، قال: فكانت البقرة مشدودة والحمار مرسلا؟ قالا: لا، قال: أكان الحمار مشدودا والبقرة مرسلة؟ قالا: نعم، فقال علي ﵁: على صاحب البقرة الضمان) ، فدل على جواز القضاء بحضرة النبي ﷺ . وأما الخبر فتأويله: أن أبا بكر وعمر ﵄ حملا الأمر على الظاهر

стр. 6615

وأنهما كانا مرسلين، لا يد لأحد عليهما، وعلي ﵁ استفصلهما وأوجب الضمان على صاحب البقرة، ويحتمل أنها كانت تحت يد صاحبها. وإن كان الإمام ببلد واحتاج أهل بلد آخر إلى قاض.. وجب على الإمام أن يبعث إليهم قاضيا؛ لـ: «أن النبي ﷺ بعث عليا إلى اليمن قاضيا» . ولأنهم يشق عليهم قصد بلد الإمام لخصوماتهم. فإن كان الإمام يعرف أهل الاجتهاد والعدالة.. بعث قاضيا منهم، وإن كان لا يعرفهم.. جمع أهل المذاهب في مجلسه وسألهم أن يتناظروا بين يديه، فإذا علم المجتهد منهم.. بحث عن عدالته، فإذا ثبتت عدالته.. ولاه القضاء وبعثه إليهم. [مسألة الشروط المطلوبة في القاضي والمفتي] ] : ويشترط في القاضي والمفتي أن يكونا من أهل الاجتهاد، وهو: أن يكون عالما بالكتاب، والسنة، والإجماع، والاختلاف، ولسان العرب والقياس. فأما الكتاب: فلا يشترط أن يكون عالما بجميع ما فيه من القصص والأخبار،

стр. 6616

وإنما يشترط أن يكون عالما بأحكامه، وهو: أن يعرف العام منه، والخاص، والمحكم، والمتشابه، والمجمل، والمفسر، والمطلق، والمقيد، والناسخ، والمنسوخ. وأما السنة: فلا يشترط معرفة المغازي ولا الآثار التي تتعلق بالأحكام، بل يعلم الأحكام منها التي ذكرناها في الكتاب، ويعرف الآحاد، والمتواتر، والمسند، والمرسل. وأما الإجماع: فيعرف أقوال العلماء وما أجمعوا فيه وما اختلفوا فيه، ويعرف طرفا من لسان العرب ليمكنه أن يعرف أحكام الكتاب والسنة؛ لأنهما عربيان.

стр. 6617

ويعرف القياس على ما بين في أصول الفقه. قال ابن داود: شرط الشافعي في الحاكم والمفتي شروطا لا توجد إلا في الأنبياء. ومن أصحابنا من قال: شرط الشافعي شروطا في الحاكم والمفتي تمنع أن يكون أحد بعده حاكما أو مفتيا. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد يسهل تعلمه الآن؛ لأنه قد دون وجمع. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: أما القاضي: فعلى ما مضى، وأما المفتي: فإن الرجل إذا عرف مذهب إمام حبر ولم يبلغ مبلغ المجتهدين.. فهل يجوز له أن يفتي على مذهب ذلك الإمام؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، وهو اختيار القفال. والثاني: لا يجوز. وأصل هذا: أن المستفتي، هل هو مقلد للمفتي أو للميت وهو صاحب المذهب؟ فيه وجهان. فإن قلنا: إنه مقلد لصاحب المذهب.. جاز له أن يفتي. وإن قلنا: إنه مقلد للمفتي.. لم يجز له أن يفتي. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: (لا تشترط هذه الشرائط في القاضي، بل يجوز أن يكون عاميا ويقلد العلماء ويحكم) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] [المائدة: ٤٨] ، والتقليد ليس مما أنزل الله. ولما روي: أن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان

стр. 6618

في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وحكم به فهو في الجنة، ورجلا عرف الحق فجار في حكمه فهو في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل فيه فهو في النار» ، والمقلد يقضي بجهل. ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأن المفتي لا يلزم المستفتي ما يفتيه به، فإذا لم يجز أن يكون المفتي عاميا.. فلأن لا يجوز أن يكون القاضي عاميا أولى. ويشترط أن يكون القاضي مع كونه مجتهد - عدلا كاملا. فأما (العدل) : فلا يجوز أن يكون كافرا ولا فاسقا، فإن تولى القضاء وهو عدل ثم فسق.. بطلت ولايته. وقال الأصم: يجوز أن يكون فاسقا. دليلنا: أن القضاء يتضمن الولاية في التزويج والنظر في أموال السفهاء واليتامى والوقوف، والفسق ينافي هذه الولايات، فلم ينعقد مع القضاء. وأما (الكمال) : فيشترط أن يكون كاملا في الحكم والخلق. و: (الكمال في الحكم) : أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، حرا. وقال ابن جرير: يجوز أن تكون المرأة قاضية في جميع الأحكام، كما يجوز أن تكون مفتية. وقال أبو حنيفة: (يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود، ولا يجوز أن تكون قاضية في الحدود) . دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «ما أفلح قوم وليتهم امرأة» . وروي: «ولوا أمرهم امرأة» ، وضد الفلاح الفساد، فاقتضى الخبر: أنها إذا وليت القضاء.. فسد أمر من وليتهم.

стр. 6619

وروي: «أن النبي ﷺ قال في النساء: " أخروهن من حيث أخرهن الله» ، والمرأة إذا وليت القضاء.. كانت مقدمة والرجال مؤخرين عنها، فلم يجز. ولأن حال القضاء آكد من حال الإمامة في الصلاة، فإذا لم يجز أن تكون المرأة إمامة للرجال.. فلأن لا يجوز أن تكون قاضية أولى. ولا يجوز أن يكون الخنثى المشكل قاضيا؛ لجواز أن يكون امرأة. وأما (الكمال في الخلق) : فلا يجوز أن يكون القاضي أعمى، ولا أصم، ولا أخرس؛ لأن فقد هذه الحواس يمنع من استيفاء الحكم بين الخصمين. وحكى الشيخ أبو إسحاق في الأخرس وجها آخر: أنه يصح أن يكون قاضيا إذا فهمت إشارته. والمشهور هو الأول. وهل يصح أن يكون القاضي أميا لا يكتب؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه من أهل الاجتهاد والعدالة، وفقد الكتابة لا يؤثر فيه، كما أن النبي ﷺ كان لا يكتب وهو إمام الأئمة وحاكم الحكام. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن تقرأ عليه المحاضر والسجلات، ويقف على ما يكتب كاتبه، فإذا لم يكن كاتبا.. ربما غير القارئ والكاتب. ويفارق النبي ﷺ ؛ فإن كونه لا يكتب من معجزاته ﷺ ، ولأن أصحابه كانوا عدولا تؤمن منهم الخيانة في الكتاب له، ولو خان أحد منهم في ذلك.. أعلمه الله به. ويستحب أن يكون القاضي مع هذه الشرائط حليما، ذا فطنة وتيقظ، عالما بلغات أهل قضائه، جامعا للعفاف، بعيدا عن الطمع، لينا في الكلام، ذا سكينة ووقار؛ لما روي: (أن عليا ﵁ ولى أبا الأسود القضاء ساعة ثم عزله، فقال له: لم

стр. 6620

عزلتني، فوالله ما خنت؟! فقال: بلغني أن كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك) . ويستحب ألا يكون القاضي جبارا متكبرا؛ لأن ذلك يمنع الخصم من استيفاء حجته. ويستحب ألا يكون القاضي ضعيفا مهينا؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة.. انبسط الخصمان بالشتائم، وذكر السخف بين يديه، وربما انبسط عليه بالكلام. ويستحب أن يكون بين هاتين الحالتين؛ لما روي عن بعض السلف: أنه قال في صفة القاضي: (شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف) . وروي عن عمر ﵁: أنه قال: (لقد هممت أن أنزع هذا الأمر من هؤلاء وأضعه فيمن إذا رآه الفاجر فزع منه) . وروي: (فرق منه) . [مسألة يعقد القضاء الإمام أو نائبه وماذا لو عزله] ؟] : ولا يصح عقد القضاء إلا من الإمام أو النائب عنه. فإن عقد الإمام القضاء لرجل يصلح للقضاء، ثم عزله وهو يصلح للقضاء.. فهل ينعزل؟ فيه وجهان:
следующие страницы →