Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.
стр. 6931
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يحكم له بهذه الشهادة؛ لأنها شهادة بملك متقدم فلم تقبل، كما لو ادعى ملك عين وأقام بينة أنها كانت له.
والثاني: يحكم له بها؛ لأن البينة شهدت موافقة لدعواه، فحكم بها. ويفارق إذا ادعى ملك العين في الحال، وشهدت له البينة أنها كانت له ملكا؛ فإن البينة لم تشهد موافقة لدعواه.
ومنهم من قال: يحكم بها هاهنا قولا واحدا، وهو المنصوص في " المختصر "، واحتج بها المزني على ما اختاره في الأولى. والفرق بينها وبين الأولى: أنه هاهنا ادعى أن العبد كان ملكا له، وإنما قد أعتقه، فحكم فيه بالشاهد والمرأتين، وفي التي قبلها: لم يدع ملك الولد، وإنما ادعى حريته ونسبه، فلم يحكم بذلك بالشاهد والمرأتين.
[مسألة الشهادة على ما ليس بمال ولا يطلع عليه الرجال]
] : قد ذكرنا: أن حقوق الآدميين على ثلاثة أقسام، ومضى الكلام على قسمين، وبقي الكلام على القسم الثالث؛ وهو: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال ولا يطلع عليه الرجال، وهو مثل: الرضاع، والولادة، واستهلال الولد، وعيوب النساء تحت الثياب كالرتق والقرن.. فهذا كله وما أشبهه يثبت بالشاهدين، أو بالشاهد وامرأتين، أو بأربع نسوة منفردات، وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلي: (لا يثبت الرضاع بشهادة النساء منفردات) .
دليلنا: أن الرجال لا يطلعون على ذلك في العادة، فلو لم تقبل فيه شهادة النساء منفردات.. لبطل.
والدليل على أن شهادة النساء منفردات تقبل في الرضاع: أنها شهادة على عورة يثبت فيها تحريم أو حرمة، فقبل فيها شهادة النساء منفردات، كالولادة. وفيه احتراز من الشهادة على الزنا.
стр. 6932
وكل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات.. فاختلف أهل العلم في عددهن:
فمذهبنا: أنه لا يقبل إلا من أربع نسوة عدول، وبه قال عطاء.
وقال عثمان البتي: تقبل من ثلاث. وقال مالك والأوزاعي: (تقبل من اثنتين) . وقال أبو حنيفة: (تقبل شهادة القابلة وحدها في الولادة) . وقال ابن عباس والزهري: (تقبل شهادة الواحدة في الرضاع) ؛ لما «روى عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فذكرت: أنها قد أرضعتهما، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال ﷺ : " كيف وقد شهدت السوداء أنها قد أرضعتكما؟» .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] [البقرة: ٢٨٢] .
وقال ﷺ : «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن " فقالت امرأة: يا رسول الله، ما ناقصات العقل والدين؟ قال: " أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما نقصان الدين: فإنها تمكث شطر دهرها لا تصلي» . فأخبر الله ورسوله: أن شهادة امرأتين شهادة رجل، وقد ثبت أن هذه الحقوق لا يقبل فيها من الرجال إلا رجلان، فثبت أنه لا تقبل فيها من النساء إلا أربع.
وأما الخبر الذي احتج به لابن عباس: فإنما أمره النبي ﷺ ترك المرأة استحبابا لا وجوبا، بدليل قوله: " كيف وقد شهدت السوداء؟ " أي: اترك ذلك، كيف وقد انضاف إلى ما قلت لك من الترك بشهادة السوداء، ولو أمره بتركها موجبا.. لقال له: اتركها؛ لأن السوداء قد شهدت بأنها قد أرضعتكما.
стр. 6933
[فرع شهادة المرضعة]
] : وإن شهدت المرضعة بأنها أرضعت طفلا مع ثلاث نسوة معها وهن عدول.. حكم بكونه ابنا لها؛ لأن النبي ﷺ قال: " كيف وقد شهدت السوداء؟ " فسماها شهادة. ولأنها لا تجر بهذه الشهادة إلى نفسها نفعا ولا تدفع بها عنها ضررا، فقبلت هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: إن شهدت المرضعة على أنها أرضعت طفلين، فإن ادعت أجرة.. لم تقبل. وإن لم تدع أجرة.. نظرت: فإن شهدت على فعل نفسها؛ بأن قالت: أشهد أني أرضعتهما.. لم تقبل؛ لأنها تشهد على فعل نفسها. وإن قالت: أشهد أنهما ارتضعا مني.. قبلت شهادتها.
[فرع تزوجا واتفقا على رضاع بينهما أو أنكر أحدهما]
] : إذا تزوج رجل امرأة، واتفقا على أن بينهما رضاعا يحرم.. انفسخ النكاح، فإن كان قبل الدخول.. فلا شيء لها، وإن كان بعد الدخول.. وجب لها مهر مثلها.
وإن ادعى الزوج أن بينهما رضاعا يحرم، وأنكرت المرأة.. انفسخ النكاح؛ لأنه قد أقر بتحريمها عليه، ولا يقبل قوله فيما يسقط حقها، فإن كان قبل الدخول.. وجب لها نصف المسمى، وإن كان بعد الدخول.. وجب لها المسمى.
وإن أقام عليها بينة بالرضاع، فإن كان قبل الدخول.. فلا شيء لها عليه، وإن كان بعد الدخول.. قال أصحابنا: حكم لها بمهر مثلها. ويحتمل وجها آخر: أنه يحكم لها بأقل الأمرين: من المسمى أو مهر المثل؛ لأن مهر المثل إن كان أقل.. لم يحكم لها بأكثر منه؛ لأنا قد حكمنا ببطلان النكاح، وإن كان المسمى أقل.. لم يحكم لها بأكثر منه؛ لأنها لا تدعيه. وإذا أقام الزوج عليها ابنتها أو أمها.. قبلتا؛ لأنهما يشهدان عليها. وإن ادعت الزوجة رضاعا يحرم، وأنكر الزوج ولا بينة.. فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف.. لم يحكم بانفساخ النكاح عليه.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : ويحلف الزوج: أنه لا يعلم أن بينهما رضاعا، فإن نكل.. ردت اليمين عليها، وتحلف على البت والقطع.
стр. 6934
[مسألة ما ثبت بشاهد وامرأتين يثبت بشاهد ويمين]
] : كل حق يثبت بالشاهد والمرأتين على ما مضى.. فإنه يثبت بالشاهد ويمين المدعي.
وبه قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، وشريح، وفقهاء المدينة، وربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق. وقال الزهري، والنخعي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يقضى بالشاهد واليمين بحال) .
دليلنا: ما روى عمرو بن دينار، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ قضى بالشاهد مع اليمين» . قال عمرو بن دينار: وكان ذلك في الأموال. وروى علي ﵁: «أن النبي ﷺ قضى بشهادة الشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق» . وروى
стр. 6935
جابر ﵁: «أن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل ﵇ فأمرني: أن أقضي باليمين مع الشاهد» . ولأنه أحد المتداعيين، فجاز أن يثبت اليمين في جنبته ابتداء كالمدعى عليه.
[فرع لا تكفي أربع نسوة ولا امرأتان مع اليمين]
وبيان كيفية اليمين مع الشاهد في شهادة الأموال] : وإن ادعى رجل مالا أو ما المقصود منه المال، وأقام على ذلك أربع نسوة منفردات.. لم يحكم له بذلك بلا خلاف. وإن أقام امرأتين وأراد أن يحلف معهما.. لم يكن له ذلك. وقال مالك: (يكون له ذلك) .
دليلنا: أنها بينة لا تقبل في النكاح، فلم تقبل مع اليمين، كالنساء منفردات.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : وكيفية اليمين مع الشاهد: أن يحلف المدعي أن شاهده لصادق، وأنه لمحق.
[فرع ادعى قطع يده من الساعد فأقام شاهدا وطلب الحلف]
] : وإن ادعى عليه أنه قطع يده من الساعد عمدا فأنكره، فأقام عليه شاهدا وأراد أن يحلف معه.. فحكى ابن الصباغ فيها وجهين:
أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن له أن يحلف ويحكم له بما ادعاه؛ لأنها جناية لا قصاص فيها، فهي كالجائفة.
والثاني: - وهو قول القاضي أبي الطيب -: ليس له أن يحلف؛ لأن من قطعت يده من الساعد.. له أن يقتص من الكوع، وكل جناية وجب فيها القصاص.. فإنها
стр. 6936
لا تثبت بالشاهد واليمين. ويشبه أن يكون هذان الوجهان مأخوذين من القولين في الهاشمة والمنقلة، وهل يثبتان بالشاهد والمرأتين؟
[مسألة ادعوا لأبيهم دينا فأقاموا شاهدا وكان بعضهم صغيرا أو غائبا]
مسألة: [ادعوا لأبيهم دينا فأقاموا شاهدا أو ادعى جماعة حقا وأقام بعضهم شاهدا وكان بعضهم صغيرا أو غائبا] : إذا مات رجل وخلف جماعة ورثة، فادعوا أن لأبيهم على رجل دينا فأنكر، فأقاموا شاهدا، فإن حلفوا معه.. استحقوا الدين، فإن كان على الميت دين.. قضي منه دينه، وإن وصى بوصية.. نفذت منه وصيته.
وإن حلف بعضهم دون بعض.. استحق الحالف قدر نصيبه من الدين، ولا يشاركه من لم يحلف من الورثة. وحكى ابن الصباغ: أن ابن القاص قال: وفيها قول آخر: أنهم يشاركونه؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (إذا ادعى رجلان دارا ورثاها من أبيهما في يد رجل، فأقر لأحدهما بنصفها.. شاركه الآخر فيه) .
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الذي لم يقر له بالدار.. لم يسقط حقه؛ ولذلك شارك أخاه، وهاهنا الذي امتنع من اليمين.. أسقط حقه، فلم يستحق بيمين غيره.
فإن امتنع جميع الورثة من اليمين، فإن كان على الميت دين، فإن كان للميت مال غير هذا المال المدعى به يفي بالدين.. لم يكن لصاحب الدين أن يحلف مع الشاهد؛ لأنه يمكنه استيفاء دينه من المال. وإن لم يكن له مال غير هذا الدين الذي يشهد به الشاهد.. فهل له أن يحلف مع الشاهد؟ فيه قولان:
[أحدهما] : قال في القديم: (له أن يحلف معه) ؛ لأن حقه متعلق به؛ لأنه إذا ثبت.. استوفى منه دينه.
و [الثاني] : قال في الجديد: (ليس له أن يحلف مع الشاهد) ؛ لأن المال إذا
стр. 6937
ثبت.. استحقه الورثة، ولا يجوز أن يحلف لإثبات المال لغيره.
قال ابن الصباغ: فإذا قلنا: له أن يحلف فحلف، ثم أبرأ الميت من دينه.. فإن المال الذي حلف عليه يرد على المدعى عليه، ولا يرد إلى ورثة الميت. وإن لم يكن على الميت دين، ولكنه قد أوصى بوصايا تتعلق بالمال المشهود به.. فهل للموصى له أن يحلف مع الشاهد عند امتناع الورثة من اليمين؟ فيه قولان، كما قلنا في الغريم. فإن حلف بعض الورثة، وعلى الميت دين.. فهل يقضى جميع الدين مما يستحقه الحالف؟ قال ابن الصباغ: عندي أنه ينبني على يمين الغريم، فإن قلنا: إنه يحلف إذا امتنع الورثة.. لم يلزم الحالف من الورثة إلا قدر نصيبه من الدين. وإن قلنا: إن الغريم لا يحلف، فإن قلنا بالقول الذي حكاه ابن القاص: أن الورثة يشاركونه.. قضي جميع الدين منه؛ لأنه تركة. وإن قلنا: الورثة لا يشاركونه.. بني على أن بعض الورثة إذا أقر بدين على مورثهم وجحد الباقون.. فهل يلزمه جميع الدين؟ فيه قولان، يأتي بيانهما في موضعهما. وإن كان في الورثة صغير أو معتوه.. قال الشافعي ﵀: (وقف حقه) . قال أبو إسحاق: أراد: وقفت يمينه حتى يبلغ الصغير ويعقل المعتوه؛ لأن يمينه لا تصح ووليه لا ينوب عنه في اليمين. وقال أبو علي في " الإفصاح ": يجب أن يوقف حقه من المال، كما قال الشافعي ﵀ في أحد القولين، إذا ادعى مالا وأقام شاهدا، وطلب أن يحبس له الخصم أو الكفيل إلى أن يقيم الآخر. فإن مات الصغير أو المعتوه.. قام وارثه مقامه، فإذا حلف.. استحق نصيبه.
وإن كان لجماعة حق على رجل، فأقام بعضهم شاهدا، وكان بعضهم صغيرا أو غائبا.. فهل يحتاج الصغير إذا بلغ، أو الغائب إذا حضر إلى إعادة الشاهد؟
стр. 6938
قال المسعودي [في " الإبانة "] : إن كان الحق من جهة واحدة كالإرث عن شخص واحد.. لم يفتقر إلى إعادة الشاهد، وإلا.. فتعاد.
[مسألة ادعى وقف عين وأقام شاهدا وطلب اليمين]
إذا ادعى رجل وقف عين عليه، وأقام شاهدا وأراد أن يحلف معه.. فهل له ذلك؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق وأكثر أصحابنا: يبنى على القولين في الوقف، هل ينتقل إلى الله سبحانه أو إلى الموقوف عليه؟ فإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى.. لم يكن له أن يحلف مع الشاهد، كما قلنا في العتق. وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الموقوف عليه.. كان له أن يحلف مع الشاهد، كالبيع. وقال أبو العباس: له أن يحلف مع الشاهد قولا واحدا؛ لأنا وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الله تعالى، إلا أن القصد بالوقف تمليك الموقوف عليه منفعة الوقف، فهو كالإجارة، بخلاف العتق؛ فإن المقصود منه تكميل أحكام العبد دون المال.
[مسألة أقام شاهدا على أن أباه أوقف عليه وعلى أخويه دارا]
ثم على أولادهم من بعدهم ثم على الفقراء والمساكين] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: [ولو أقام شاهدا أن أباه تصدق عليه بهذه الدار صدقة محرمة موقوفة وعلى أخوين له، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، ثم على الفقراء والمساكين، فمن حلف منهم.. ثبت حقه وصار ما بقي ميراثا، فإن حلفوا معا.. خرجت الدار من ملك صاحبها) . واختلف أصحابنا في صورتها: فقال أبو إسحاق وغيره من أصحابنا: صورتها: أن يموت رجل ويخلف دارا وثلاثة أولاد ومعهم وارث غيرهم، فادعى أحد الأولاد أن أباه وقف الدار عليه وعلى أخويه ثم على أولادهم
стр. 6939
بعدهم، ثم على الفقراء والمساكين، وصدقه أخواه على ذلك وأنكر الوارث الذي معهم، فأقام المدعي شاهدا.. فهل للمدعي أن يحلف مع الشاهد؟
إن قلنا: لا يقضى بالشاهد مع اليمين في الوقف.. لم يحلف. وإن قلنا: يقضى بالشاهد مع اليمين في الوقف.. نظرت: فإن حلف الأولاد الثلاثة.. صار جميع الدار وقفا عليهم. وإن لم يحلف واحد منهم.. لم يحكم بالوقف قبل القسمة، بل تكون الدار موروثة، فإن كان على الميت دين.. قضي منها دينه، وإن كان له وصية.. نفذت منها وصيته، فإن لم يكن عليه دين ولا وصية.. قسمت الدار بين الورثة، فما أصاب سائر الورثة الذين ينكرون الوقف.. يكون مطلقا يتصرفون فيه بما شاؤوا، وما أصاب الأولاد الذين ادعوا الوقف.. حكم بوقفه عليهم بإقرارهم. فأما إذا حلف واحد من الأولاد ولم يحلف الآخران.. حكم بثلث الدار وقفا على الحالف، والثلثان الباقيان من الدار يكون موروثا يقضى منه دين الميت وتنفذ منه وصاياه، وما بقي بعد ذلك.. يقسم بين الأولاد الثلاثة والوارث معهم المنكر للوقف. فما أصاب المنكر للوقف من الدار.. يكون مطلقا يتصرف فيه بما شاء، وما أصاب الأولاد الثلاثة من الدار.. يكون وقفا على الولدين اللذين لم يحلفا؛ لأن الحالف يعترف لهما بذلك؛ لأنه لا يدعي إلا ثلث الدار وقد حصل له ذلك بيمينه. قال أبو إسحاق: فأما إذا خلف الميت ثلاثة أولاد، وادعوا أن أباهم وقف عليهم دارا يملكها وقد صارت في يد رجل، فادعوا أنه غصبها وأقاموا شاهدا.. فإن لهم أن يحلفوا مع الشاهد قولا واحدا؛ لأنهم ادعوا الغصب، والغصب يحكم فيه بالشاهد واليمين. فإذا حلفوا مع شاهدهم.. نزعت الدار ممن هي في يده وصارت وقفا عليهم قولا واحدا بإقرارهم، وهذا كما لو أقر رجل أن أباه أعتق عبدا، وأن فلانا غصبه، وأقام عليه شاهدا وحلف معه.. فإنه يحكم على الغاصب بالعبد ويحكم بعتق العبد.
стр. 6940
ومن أصحابنا من قال: صورتها: أن يموت رجل ويخلف ثلاثة أولاد، فادعى أحد الأولاد الثلاثة على رجل أجنبي في يده دار أن أباه وقف عليه الدار وعلى أخويه ثم على أولادهم ثم على الفقراء، وأنكر من بيده الدار، وأقام المدعي شاهدا، فإن قلنا: لا يحكم بالشاهد واليمين في الوقف.. فلا كلام. وإن قلنا: يحكم بالشاهد واليمين في الوقف.. نظرت: فإن حلف الأولاد الثلاثة.. حكم بجميع الدار وقفا عليهم. وإن لم يحلف واحد منهم.. كانت الدار ميراثا لمن هي في يده. وإن حلف أحد الأولاد وامتنع الآخران من اليمين.. حكم بثلث الدار وقفا على الحالف، وكان ثلثاها ميراثا لمن هي في يده. قال: والدليل على أن هذه صورتها: قوله: (فمن حلف منهم.. ثبت نصيبه وقفا، وصار ما بقي ميراثا) . وهذا إنما يتصور على هذه الطريقة، وأما على الطريقة الأولى: فمن لم يحلف من الأولاد.. صار نصيبه وقفا بإقراره. وقال الشيخ أبو حامد وأكثر أصحابنا: الصحيح: أن صورتها ما ذكره أبو إسحاق، والدليل عليه قوله: (وأقام عليه شاهدا أن أباه تصدق عليه) ، وهذا كناية ترجع على المذكور، وليس هاهنا مذكور إلا المدعي، وأما ما احتج به الأول وهو قوله: (صار ما بقي ميراثا) فله تأويلان:
أحدهما: أنه أراد أن نصيب من حلف نحكم بأنه وقف من الواقف، ونصيب من لم يحلف لا يحكم بأنه وقف منه وإنما يصير وقفا بإقراره.
والثاني: أنه أراد أن نصيب من أنكر الوقف من الورثة، فأما نصيب الأولاد.. فلم يتعرض له.
إذا ثبت هذا، وحلف الأولاد الثلاثة مع الشاهد ثم ماتوا دفعة واحدة وخلفوا أولادا وقد كان الواقف شرط انتقال الوقف إلى أولادهم بعدهم.. فهل يحتاج أولاد الأولاد أن يحلفوا؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، وأكثر أصحابنا -: أنهم لا يحتاجون أن يحلفوا، وهو ظاهر المذهب؛ لأن الوقف إذا ثبت للأصل بيمينه مع الشاهد.. لم يحتج في
стр. 6941
انتقاله إلى من هو دونه إلى اليمين، كما لو ادعى رجل حقا وأقام عليه شاهدا وحلف معه، ثم مات وخلف ولدا.. فإن ولده لا يحتاج إلى اليمين بعده.
والثاني - وهو قول أبي العباس -: أنه لا بد أن يحلف ولد الولد؛ لأنه يأخذ الوقف عن الواقف، فلما لم يستحق الولد إلا باليمين.. فكذلك ولد الولد، كما لو شرك بين الولد وولد الولد في الوقف.
وهذان الوجهان مأخوذان من القولين في البطن الثاني، هل يتلقون الوقف من الواقف أو من البطن الأول؟ وفيه قولان حكاهما المسعودي [في " الإبانة "] .
فإن مات الأولاد متفرقين بعيد أن حلفوا.. فإن الأول لما مات.. لا ينتقل نصيبه إلى ولده؛ لأن الواقف شرط أن لا ينتقل الوقف إلى أولاد الأولاد إلا بعد انقراض الأولاد، فيصرف نصيبه إلى أخويه الباقيين، وهل يحتاجان إلى أن يحلفا ثانيا على نصيب الميت؟ إن قلنا: إن الأولاد إذا ماتوا كلهم انتقل الوقف إلى أولادهم ولا يحتاجون أن يحلفوا.. لم يحتج الأخوان أن يحلفا على نصيب أخيهما الذي مات قبلهما. وإن قلنا: إن أولاد الأولاد يحتاجون أن يحلفوا.. فهل يحلف الولدان الباقيان هاهنا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحلفان؛ لأن نصيب أخيهما ينتقل إليهما بموته، كما ينتقل الوقف إلى أولاد الأولاد بعد موت الأولاد.
والثاني: لا يحتاجان أن يحلفا؛ لأنهما قد حلفا وحكم بأنهما من أهل الوقف بأيمانهما، بخلاف أولاد الأولاد؛ فإنه لم يحكم بأنهم من أهل الوقف.
وإن حلف الأولاد الثلاثة وماتوا وأمضي الوقف إلى الفقراء والمساكين؛ بأن مات أولاد الأولاد بعدهم، أو لم يخلف الأولاد أولادا، فإن قلنا يظاهر المذهب، وأن أولاد الأولاد لا يحتاجون أن يحلفوا بعد موت الأولاد.. حكم بالوقف هاهنا على الفقراء والمساكين. وإن قلنا بقول أبي العباس، وأن أولاد الأولاد لا بد أن يحلفوا.. فلا يمكن إيجاب اليمين هاهنا على الفقراء والمساكين؛ لأنهم لا يتعينون ولا
стр. 6942
ينحصرون، وأما الحكم في الوقف؟ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يحكم ببطلان الوقف؛ لأنا قد قلنا: لا يمكن الحكم بالوقف إلا بعد يمين المستحق له، واليمين متعذرة من جهة الفقراء والمساكين، فحكم ببطلان الوقف.
والثاني: أنه يحكم بالوقف للفقراء والمساكين؛ لأنه قد ثبت كونه وقفا، وإنما يحكم ببطلانه لامتناع الموقوف عليه من اليمين إذا كان الموقوف عليه متعينا، فأما إذا كان أهل الوقف غير متعينين.. لم يمكن إيجاب اليمين عليهم، فسقط اعتبارها في حقهم.
والثالث - ذكره القاضي أبو الطيب -: أنها تكون وقفا، وتصرف إلى أقرب الناس بالواقف؛ لأن اليمين شرط في استحقاق الوقف، واليمين متعذرة من جهة الفقراء والمساكين فخرجوا من الوقف، وقد حكم بكونه وقفا، فيصير كالمنقطع الانتهاء، فيرجع إلى أقرب الناس بالواقف.
والذي يقتضي المذهب: أنه يعتبر يمين أقرب الناس بالواقف - على هذا - إذا حلف جميع الورثة الأولاد، فأما إذا حلف واحد منهم وامتنع الآخران من اليمين.. فقد ذكرنا: أن ثلث الدار تصير وقفا على الحالف، ويقسم ثلثا الدار على الأولاد الثلاثة ومن معهم من الورثة، فما خص الأولاد الثلاثة.. صار وقفا على الولدين الآخرين اللذين لم يحلفا، فإن مات الحالف.. نظرت: فإن مات بعد موت أخويه.. فإن نصيبه ينتقل إلى ولد الولد، وهل يحلف معه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن مات الحالف قبل موت أخويه.. فإلى من ينتقل ثلث الدار الذي يحكم بوقفه عليه؟ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 6943
أحدها: ينتقل إلى أخويه؛ لأنه لا ينتقل إلى ولد الولد إلا بعد انقراض الأولاد، ولم ينقرضوا.
فعلى هذا: هل يفتقر الأخوان إلى أن يحلفا على ذلك؟ فيه وجهان، كما قلنا في الوجهين في أولاد الأولاد.
والوجه الثاني: أن ينتقل إلى أقرب الناس بالواقف؛ لأنه لا يمكن نقله إلى ولد الولد؛ لأن شرط الانتقال إليهم هو انقراض الولد ولم يوجد، ولا يمكن نقله إلى الولدين الباقيين؛ لأنهما قد أسقطا حقهما من الوقف بامتناعهما من اليمين، فيصير كالوقف المنقطع الوسط.
فعلى هذا: هل يحلف الأقرب؟ قال ابن الصباغ: على الوجهين المذكورين في أولاد الأولاد بعد أيمان الأولاد.
والوجه الثالث: أنه ينتقل إلى ولد الولد؛ لأن الولدين أسقطا حقهما من الوقف بامتناعهما عن اليمين، فصارا كالمعدومين، ولو عدما.. لنقل الوقف إلى ولد الولد.
فعلى هذا: هل يحلف ولد الولد؟ على الوجهين.
فإن امتنع جميع الأولاد عن اليمين.. فقد ذكرنا: أن جميع الدار تقسم بين جميع الورثة، فما خص الأولاد منها.. يكون وقفا، وما خص الوارث معهم.. يكون طلقا. فإن خلف الأولاد أولادا فقالوا: نحن نحلف مع الشاهد ليكون جميع الدار وقفا علينا.. ففيه قولان:
أحدهما: ليس لهم ذلك؛ لأن الولد أصل وولد الولد تابع، فإذا لم يحلف الأصل.. لم يثبت الوقف للأصل، فلم يثبت للتبع.
والقول الثاني: أن لهم أن يحلفوا - وهو اختيار الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وهو الأصح - لأن ولد الولد يأخذ الوقف من الواقف كما يأخذه منه الولد، فإذا امتنع الولد.. أسقط به حقه دون حق ولد الولد، فكان له أن يحلف عليه. ولأنا لو قلنا:
стр. 6944
لا يحلفون.. لكنا قد جعلنا للولد إبطال الوقف على من بعده، وهذا لا سبيل إليه.
وهكذا: لو حلف أحد الأولاد وامتنع الآخران، ثم ماتا وخلفا أولادا فأرادوا أن يحلفوا مع الشاهد.. فهل لهم ذلك؟ على القولين. وهذا إنما يكون بعد موت الولد الحالف، فأما قبل موت الحالف.. فليس لهم أن يحلفوا؛ لأن الوقف إنما ينتقل إلى ولد الولد بعد انقراض جميع الأولاد. وهل لهذا الحالف أن يحلف على نصيب أخويه؟ يحتمل أن يكون على هذين القولين، واختلف أصحابنا في أصل هذين القولين: فمنهم من قال: أصلهما الوقف إذا كان متصل الابتداء منقطع الانتهاء.. فهل يصح؟ فيه قولان. فإذا قلنا: إنه صحيح.. كان لأولاد الأولاد أن يحلفوا. وإن قلنا: إنه باطل.. لم يكن لهم أن يحلفوا. ومنهم من قال: القولان أصل في نفسيهما غير مبنيين على غيرهما. هذا كله إذا وقف الواقف الوقف على الأولاد ثم على أولادهم من بعدهم، فأما إذا أشرك بينهم؛ مثل أن ادعى الأولاد الثلاثة أنه قال: وقفت هذه الدار على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا، ثم على الفقراء والمساكين، فجاء الأولاد فادعوا ذلك وأقاموا شاهدا، فإن كان هناك ولدُ ولدٍ معهم.. فإنه لا يستحق شيئا من غير يمين وجها واحدا؛ لأنهم يستحقون الوقف من جهة الواقف من غير واسطة، بخلاف الأولى. وإن لم يكن هناك غير الأولاد الثلاثة فحلفوا.. استحقوا الوقف. فإن حدث ولدُ ولدٍ.. عزل له ربع غلة الوقف من حين ولد؛ لأن الأولاد قد أقروا أنه شريك لهم، فوقف إلى أن يبلغ، فإن حلف.. استحقه ولا يحتاج إلى إعادة الشاهد، وإن لم يحلف.. رد على الأولاد الثلاثة.
فإن قيل: هلا قلتم: إن نصيب ولد الولد من الغلة يسلم إلى وليه؛ لأن الأولاد قد اعترفوا له به؟
стр. 6945
فالجواب: أنهم إنما أقروا بذلك إقرارا مضافا إلى سبب؛ وهو الوقف، وقد ثبت أن أهل الوقف لا يستحقون شيئا منه إلا بعد اليمين. وإن مات ولد الولد قبل بلوغه.. كان ما عزل له من الغلة لورثته إذا حلفوا، أو تقسم غلة الوقف بعد موت ولد الولد بين الأولاد الثلاثة؛ لأنه ليس هناك من يشاركهم. وإن مات أحد الأولاد الثلاثة قبل بلوغ ولد الولد.. فإنه يعزل لولد الولد قبل موت الولد من غلة الوقف الربع، ويعزل له من غلة الوقف بعد موت الولد الثلث، فإن بلغ ولد الولد وحلف.. استحق ما عزل له من غلة الوقف، وإن مات قبل أن يبلغ.. كان لوارثه أن يحلف ويستحقه، ولا يستحق شيئا من غلة الوقف بعد موته، بل يكون للولدين الباقيين. وإن بلغ ولد الولد وامتنع من اليمين.. فإن الربع المعزول من غلة الوقف قبل موت الولد يقسم بين الأولاد الثلاثة أثلاثا، فما خص الولد الميت.. يكون لورثته، والثلث المعزول من غلة الوقف بعد موت الولد يرد على الولدين الباقيين. وإن كان هناك حين الدعوى ولد ولد صغير.. فإن الأولاد الثلاثة إذا حلفوا.. استحقوا ثلاثة أرباع الوقف، ويعزل ربع الوقف إلى أن يبلغ ولد الولد، فإن حلف.. استحقه، وإن لم يحلف.. لم يستحقه. وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد والقاضي أبا الطيب قالا: يرد ذلك على الأولاد الثلاثة، كما قلنا فيما عزل لولد الولد الحادث. قال ابن الصباغ: وهذا غير صحيح؛ لأن الواقف شرك في الوقف بين الأولاد وأولاد الأولاد، وقد ثبت أن الأولاد الثلاثة إذا كانوا بالغين فحلف اثنان منهم وامتنع الثالث.. فإن نصيبه يكون مقسوما بين الورثة، ولا فرق بين الممتنع والصغير، ويفارق ولد الولد الحادث؛ لأن بأيمان الأولاد الثلاثة مع شاهدهم حكمنا بأن جميع الدار وقف، فلا يبطل بامتناع من حدث، وفي حق الموجود لا يمكن الحكم فوقف جميعه بيمين بعض الموقوف عليهم.
والله أعلم
стр. 6946
[باب تحمل الشهادة وأدائها]
لا يجوز لأحد أن يتحمل الشهادة على شيء ولا يؤديها إلا بعد حصول العلم له بذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] الآية [الإسراء: ٣٦] . فحكي عن قتادة في تفسيرها أنه قال: لا تقل ما لم تسمع، وما لم تر، وما لم تعلم. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف: ٨٦] ، فمدح من يشهد بما يعلم، فثبت أن العلم شرط. وقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] [الزخرف: ١٩] ، وهذا وعيد يوجب التحفظ في الشهادة. وروي: «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الشهادة فقال: " هل ترى الشمس؟ " قال: نعم، قال: " على مثلها فاشهد أو فدع» .
إذا ثبت هذا: فالأشياء التي يحصل من جهتها العلم بالشهادة ثلاثة أشياء:
أحدها: ما لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة.
والثاني: ما لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة والسماع.
والثالث: ما لا يحصل العلم به إلا بالسماع.
فأما (الذي لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة) فهي: الشهادة على الأفعال؛ مثل القتل والغصب وإتلاف المال والزنى والسرقة والولادة، فهذه الأشياء وما أشبهها إذا شاهدها إنسان.. يحصل له العلم بالمشهود عليه قطعا ويقينا، وجازت له الشهادة بذلك، ولا يجوز تحمل الشهادة عليها بالسماع من طريق الاستفاضة؛ لأنه يمكن مشاهدتها يقينا، فلا يجوز الرجوع فيها إلى الظن. ولا خلاف أن الرجل إذا وقع
стр. 6947
نظره على فرج امرأة ورجل وهما يزنيان، أو على فرج امرأة في حال الولادة، أو على ثديها وهي ترضع، أو على عيب في بدنها تحت ثيابها من غير أن يقصد النظر إلى ذلك.. جاز له أن يشهد بما شاهد من ذلك. وإن أراد أن يقصد إلى النظر في ذلك إلى العورة ليتحمل الشهادة على ذلك.. فهل يجوز له ذلك؟ فيه أربعة أوجه:
[الأول] : قال أبو إسحاق: يجوز له أن يتعمد النظر في جميع ذلك ليتحمل الشهادة، وهو المنصوص؛ لما روي: أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد تعمدوا النظر إلى فرج المغيرة والمرأة وشهدوا بذلك عند عمر، ولم ينكر عليهم عمر ولا غيره من الصحابة ذلك، فدل على أنه إجماع.
[الوجه الثاني] : قال أبو سعيد الإصطخري: لا يجوز له أن يتعمد النظر إلى العورة في جميع ذلك؛ لأن الزنى مندوب إلى ستره، والولادة والرضاع والعيوب تحت الثياب تقبل فيها شهادة النساء متفرقات، فلا حاجة به إلى تحمل الشهادة في ذلك.
[الوجه الثالث] : من أصحابنا من قال: يجوز له النظر إلى فرج الزاني ليتحمل الشهادة عليه، ولا يجوز له التعمد إلى النظر إلى الفرج عند الولادة ولا إلى الثدي عند الرضاع ولا إلى ما تحت الثياب من العيوب؛ لأن الزنى لا يثبت بشهادة النساء فكان بالرجال حاجة إلى النظر إلى ذلك ليشهدوا، وفي غير الزنى يجوز فيه شهادة النساء متفرقات فلا حاجة للرجال إلى النظر فيها. ولأن الزاني هتك حرمة الله تعالى فجاز أن يتعمد النظر إلى فرجه لتهتك حرمته، وغير الزاني لم يهتك حرمة الله، فلم يجز التعمد إلى النظر إلى عورته.
[الوجه الرابع] : من أصحابنا من قال: لا يجوز أن بتعمد النظر إلى فرج الزاني، ويجوز التعمد للنظر إلى عورة غيره؛ لأن الحق في الزنا لله، وحقوق الله مبنية على المسامحة ومندوب إلى سترها، والحق في تلك الأشياء للآدميين، وهي مبنية على التأكيد ولا تقبل المسامحة.
стр. 6948
وأما (الذي لا يحصل العلم به إلا بالمشاهدة والسماع) فهي: الشهادة على العقود؛ مثل البيع والرهن والصلح والإجارة والنكاح، فلا يحصل له العلم بالشهادة في ذلك إلا بمشاهدة الشاهد للعاقدين وسماعه لقولهما. وكذلك الشهادة على الطلاق والقذف والإقرار وغير ذلك من الأقوال.. فإنه لا يحصل العلم إلا بمشاهدة القائل وسماعه لقوله، ولا يجوز له أن يتحمل الشهادة على ذلك بالاستفاضة؛ لأنه يمكنه الرجوع في ذلك إلى اليقين والإحاطة، فلا يجوز له الرجوع فيها إلى الظن.
وأما (الذي يحصل العلم به بالسماع من غير أن يشاهد المشهود عليه) فهي ثلاثة أشياء: النسب، والموت، والملك المطلق. فأما (النسب) : فإنه إذا استفاض في الناس أن فلانا ابن فلان، وسمع رجل هذه الاستفاضة.. جاز له أن يشهد أن فلانا ابن فلان - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأن إلحاق النسب بالأب إنما يكون من طريق الظاهر؛ وهو: إذا ولد على فراشه ولا يمكن إلحاقه به من طريق القطع، فجاز التحمل بالشهادة في ذلك من طريق الظاهر أيضا. وأما (الموت) : فإنه إذا استفاض في الناس أن فلانا مات، وسمع رجل هذه الاستفاضة.. جاز له أن يشهد أن فلانا مات؛ لأنه قد يموت في السفر والحضر، فيشق أن يشهد على موته الشهود، ولأنه مأمور بتعجيل دفنه ولا ينتظر به الشهود، ولأنه يتعذر معرفة موته قطعا؛ لأنه قد يموت بعلة معروفة وغير معروفة، والموت يشبه السكتة، فجاز تحمل الشهادة على ذلك من طريق الظن. وأما (الملك المطلق) : فيجوز تحمل الشهادة فيه بالسماع، فإذا استفاض في الناس أن هذه الدار لفلان، وسمع ذلك رجل.. جاز له أن يشهد بملك الدار له. وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يجوز تحمل الشهادة على ذلك بالسماع؛ لأنه شهادة بمال، فلم يجز تحملها بالسماع من غير المشهود عليه، كالدين) .
دليلنا: أن الملك يقع بأسباب مختلفة؛ مثل البيع والهبة والإرث والإحياء والاصطياد وغير ذلك، وقد يتعذر معرفة سببه، فجازت الشهادة عليه بالاستفاضة كالنسب والموت.
стр. 6949
قال ابن الصباغ: وأما الدين.. فإن أصحابنا لا يسلمونه، ويمكن أن يفرق بينهما: بأن قدره لا يقع فيه استفاضة، وإنما يستفيض الدين في الجملة من حيث المطالبة والملازمة، بخلاف الأعيان.
فإن قيل: فقد يمكنه أن يعلم الملك بمشاهدة سببه، فلا حاجة به إلى الشهادة عليه بالاستفاضة؟ فالجواب: أن وجود السبب لا يثبت به الملك قطعا ويقينا؛ لأنه يجوز أن يشتري من إنسان شيئا لا يملكه، أو يصطاد صيدا قد اصطاده غيره وانفلت منه، وإنما يتصور ذلك نادرا؛ مثل: أن يشاهد رجل ماء نزل من السماء فأخذه إنسان ولم يغب عن عين الشاهد من حين نزل إلى أن أخذه من أخذه، وكذلك إذا شاهد رجلا أخذ ماء من ماء دجلة أو من البحر.. فقد قال بعض أصحابنا: يجوز أن يكون هذا الماء أخذه غيره قبله ثم رده إلى دجلة أو إلى البحر بعد أن ملكه الأول، وهذا ضعيف.
ولا يجوز أن يشهد بملك مضاف إلى سبب، كالبيع والهبة وما أشبههما بالاستفاضة، فيقول: أشهد أنه ملكه بالبيع أو الهبة؛ لأنه يمكنه مشاهدة العاقدين إلا الميراث؛ فإنه يجوز له إذا سمع الناس يقولون: ورث فلان هذه الدار.. جاز له أن يشهد أنها ملكه ميراثا؛ لأن الموت يثبت بالاستفاضة وكذلك ما يتعلق بسببه، بخلاف سائر أسباب الملك، مثل: البيع والهبة وغيرهما من العقود؛ فإنه لا تجوز الشهادة عليها بالاستفاضة، وكذلك ما يتعلق بسببها.
وكل موضع قلنا: يجوز تحمل الشهادة فيه بالسماع بالاستفاضة.. اختلف أصحابنا في أقل عدد يجوز للشاهد الرجوع إليهم وتحمل الشهادة عن قولهم:
فقال الشيخ أبو حامد: أقل ذلك أن يسمع الشاهد ذلك من رجلين عدلين. قال ابن الصباغ: ويسكن قلبه إلى خبرهما على هذا؛ لأن الحقوق تثبت بشهادة اثنين.
وقال القاضي أبو الحسن الماوردي: لا يقبل إلا من عدد يقع العلم بخبرهم؛
стр. 6950
لأن ما دون ذلك من أخبار الآحاد. فلا يقع العلم من جهتهم. وظاهر كلامه أنه أراد: ما يقع به خبر التواتر، وهذا بعيد. وقال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي ﵀ يقتضي: أن تكثر به الأخبار؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (العلم من ثلاثة أوجه: منها: ما عاينه وشهد به) وأراد به الشهادة على الأفعال، (ومنها: ما تظاهرت به الأخبار، وتثبت معرفته في القلوب) وأراد بذلك ما يعلم بالاستفاضة. (ومنها: ما أثبته سماعا مع إثبات حضور من المشهود عليه) وأراد به الشهادة على العقود، فشرط في الاستفاضة ظاهر الأخبار، وذلك يكون بانتشارها وكثرتها.
وظاهر قول ابن الصباغ: أنه أراد إذا سمع ذلك من عدد فوق الاثنين ووقع في نفسه صدقهم.. جاز له أن يشهد بذلك وإن كان دون العدد الذي يقع به خبر التواتر.
[مسألة إخباره عن أبوة صبي والشهادة بمجرد السماع]
] : وإن سمع رجلا يقول لصبي صغير مجهول النسب: هذا ابني، وكان الصبي ممن يجوز أن يكون ابنا له، أو سمع رجلا مجهول النسب يقول لرجل: هذا أبي، فسمعه الأب وسكت وهو ممن يجوز أن يكون ابنا له.. جاز له أن يشهد بذلك النسب؛ لأن سكوت الأب بمنزلة إقراره، والإقرار جهة يثبت بها النسب. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يشهد بالنسب حتى تتكرر الدعوى من أحدهما والسكوت من الآخر، وليس بشيء. وإن كذبه الأب.. لم يجز له أن يشهد؛ لأن النسب لا يثبت مع التكذيب.
[فرع تصرف شخص بدار كهدم ونحوه والشهادة له بالملك]
] : إذا رأى رجل دارا في يد رجل يتصرف فيها بالهدم والبناء والإعارة والإجارة.. فله أن يشهد له بها باليد، وهل يجوز له أن يشهد له بملكها؟ ينظر في المدة التي رآها في يده:
فإن كانت قليلة - قال الشيخ أبو حامد: كالشهر والشهرين - فليس له أن يشهد له
стр. 6951
بملكها بلا خلاف على المذهب. وإن كانت في يده مدة طويلة.. فهل يجوز له أن يشهد له بالملك؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: يجوز؛ لأن اليد تدل على الملك، والتصرف يقوي ذلك، فجازت الشهادة بالملك لأجله.
و [الثاني] : قال أبو إسحاق: لا يجوز.
وقال الشيخ أبو حامد: وهو الأشبه؛ لأن اليد قد تكون بملك وغير ملك، فلا يجوز له أن يشهد له بالملك بمجرد اليد.
وقال أبو حنيفة: (يجوز له أن يشهد بالملك في المدة القليلة والطويلة) .
ودليلنا عليه: ما مضى.
[فرع الشهادة على النكاح والوقف والعتق والولاء بمجرد الاستفاضة]
] : واختلف أصحابنا في أربعة أشياء، هل تجوز الشهادة عليها بالاستفاضة؟ وهي: النكاح، والوقف، والعتق، والولاء. فقال أبو إسحاق: لا يجوز - وهو اختيار الشيخ أبي حامد - لأنها شهادة على عقد، فلم تجز بالاستفاضة، كالشهادة على البيع. وقال أبو سعيد الإصطخري: يجوز - وبه قال أحمد، وهو اختيار ابن الصباغ - لأن الناس يقولون: عائشة زوج النبي ﷺ ، ونافع مولى ابن عمر، وإن لم يعاينوا ذلك، وإنما حصل لهم معرفة ذلك بالسماع والاستفاضة، كما حصل لهم العلم بأن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فدل على أن ذلك جائز. ولأن الشهادة بهذه الأشياء ليست بشهادة بالعقود، وإنما هي شهادة بالملك الحاصل بتلك العقود، فهي بمنزلة الشهادة على الملك. ولأن هذه الأشياء تتأبد ويموت شهودها، فلو لم تجز الشهادة فيها بالاستفاضة.. أدى إلى ضياعها. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز في الولاء إذا اشتهر، مثل: عكرمة مولى ابن عباس. وقال أبو حنيفة وأصحابه: (يجوز في النكاح والدخول؛ لأن ذلك يستفيض في الناس) .
دليلنا عليهم: ما مضى.
стр. 6952
[مسألة تحمل الشهادة لمن ليس من أهل أدائها]
مسألة: [يجوز تحمل الشهادة لمن ليس من أهل أدائها] : يجوز لمن ليس من أهل أداء الشهادة أن يتحملها، كالصبي والعبد والفاسق والكافر؛ لأن الاعتبار في الحكم بالشهادة حال الأداء لا حال التحمل كالصبي، فلم يعتبر حال الشاهد حال التحمل. وإن رأى الشاهد رجلا قتل إنسانا، أو أتلف عليه مالا، أو تبايع رجلان عند رجل وسمعهما.. جاز أن يشهد عليهما وإن لم يشهداه.
وكذلك: لو حضر رجل عند رجلين فتبايعا أو تحاسبا عنده وقالا له: لا تشهد علينا.. فله أن يشهد عليهما؛ لأن الاعتبار بحصول العلم للشاهد بالذي يشهد به، والعلم قد حصل له، فجاز له أن يشهد. وإن أقر رجل بحق عند رجل ولم يشهده على نفسه.. فهل له أن يشهد عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له أن يشهد عليه، كما لو سمعه يشهد بحق مطلق، فلا يجوز له أن يشهد على شهادته من غير أن يستدعيه.
والثاني: يجوز له أن يشهد عليه، وهو المشهور؛ لأن العلم قد حصل له بذلك، بخلاف الشهادة على الشهادة؛ فإنه يجوز أن يكون شهد عليه بحق وعده به.
[فرع شهادة المختفي]
] : وتقبل شهادة المختفي عندنا؛ وهو: أن يكون لرجل عند رجل حق يقر له به في الباطن ويجحده في الظاهر، فأحضر من له الحق شاهدين وأخفاهما في موضع، وأحضر من عليه الحق وسأله أن يقر له بما عليه فيما بينه وبينه ولم يعلم المقر بالشاهدين، فأقر له بالحق والشاهدان ينظران إلى المقر ويسمعان إقراره.. فيجوز لهما أن يشهدا عليه بإقراره. وبه قال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة.
وقال شريح والشعبي والنخعي: لا تقبل شهادتهما.
стр. 6953
وقال مالك: (إن كان المشهود عليه جلدا باطشا لا يمكن أن يخدع ليقر.. صح تحمل الشهادة عليه بذلك، وإن كان ضعيفا يمكن أن يخدع بالإقرار.. لم يصح تحمل الشهادة عليه) . هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: مذهب مالك: (أنه لا تقبل شهادة المختفي بكل حال) وهو قول الشافعي ﵀ في القديم.
والمشهور من المذهب هو الأول؛ لأن طريق تحمل الشهادة حصول العلم للشاهد، وقد حصل له العلم بما شهد به فقبلت شهادته، كما لو شهد المختفي بالقتل والغصب.. فإنه يقبل بلا خلاف.
وإذا ثبت هذا: فالمستحب للشاهدين المختفيين أن يظهرا للمقر ويخبراه بأنا قد شهدنا على إقرارك؛ حتى لا يكذبهما فيعذر لأجل ذلك.
[مسألة شهادة الأعمى]
] : كل موضع قلنا: لا يصح تحمل الشهادة إلا بمشاهدة المشهود عليه؛ كالشهادة على القتل والغصب والزنى وما أشبه ذلك.. فلا يجوز أن يكون الأعمى شاهدا في ذلك بلا خلاف؛ لأن العلم في هذه الأشياء يحصل من طريق حاسة النظر، والنظر معدوم منه. وأما الأشياء التي يحصل بها العلم للشاهد من طريق الاستفاضة؛ كالشهادة على النسب والموت والملك المطلق.. فهل يصح للأعمى أن يتحمل الشهادة في ذلك في حال العمى ويؤديها به؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أكثر أصحابنا: يصح أن يتحمل الشهادة في ذلك في حال العمى، ويشهد به؛ لأن العلم يحصل له بذلك من طريق السماع، والأعمى كالبصير في السماع.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: لا يصح ذلك منه - وهو اختيار ابن الصباغ وقول أبي حنيفة - لأنه لا يصح له تحمل الشهادة بالسماع إلا ممن تعرف عدالته، والأعمى لا يمكنه معرفة العدل بالمشاهدة، فلم يجز أن يتحمل الشهادة عن قول من لا يعرفه.
стр. 6954
وأما ما لا يحصل العلم به للشاهد إلا بمشاهدة المشهود عليه وسماع قوله، كالشهادة على البيع وغيره من العقود.. فلا يصح أن يكون الأعمى شاهدا في شيء من ذلك. وبه قال علي بن أبي طالب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وسوار القاضي، وعثمان البتي.
وذهبت طائفة إلى: أنه إذا عرف العاقد وميزه عن غيره.. صح أن يكون شاهدا في هذه الأشياء - وهو قول ابن عباس، وشريح، وعطاء، والزهري، وربيعة، ومالك، والليث، والمزني - كما يجوز أن يستمتع بامرأته إذا عرف صوتها.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون إذا ألف وعرف صوت العاقدين: أنه يجوز له أن يشهد عليه بذلك، كما قال أصحابنا في شهادته بما ثبت بالاستفاضة.
والمشهور هو الأول؛ لأنها شهادة على عقد عدم فيه رؤية العاقد، فلم يصح كما لو كانت الشهادة على العقد بالاستفاضة، ويخالف وطء امرأته؛ لأن أمر الوطء يخالف الشهادة؛ ولهذا قال الشافعي ﵀: (إذا لمس امرأة فعرف أنها امرأته بعلامة فيها.. حل له وطؤها وإن لم يسمع صوتها) وتحمل الشهادة بمثل ذلك لا يصح. وقال أصحابنا: ولو أن رجلا تزوج امرأة فزفتها إليها امرأة وقالت له: هذه زوجتك.. حل له وطؤها. ومثل هذا في الشهادة لا يجوز، فدل على: أن الوطء أوسع من الحكم في الشهادة.
[فرع تحمل الأعمى شهادة قول أو فعل أو مضبوط ثم عمي]
وغير ذلك] : وإن تحمل الشهادة على رجل بالفعل أو بالقول هو مبصر، ثم عمي وأراد أن يؤدي الشهادة، فإن كان يعرف المشهود عليه بعينه واسمه ونسبه.. جاز أن يشهد عليه عند الحاكم.
وإن كان لا يعرفه إلا بعينه، وهو خارج عن يده حال الأداء.. لم يجز أن يشهد عليه.
стр. 6955
وقال أبو حنيفة: (إذا تحمل الشهادة وهو بصير ثم عمي.. بطلت شهادته، سواء كان يعرف المشهود عليه بعينه أو باسمه أو نسبه) .
دليلنا: أن البصر معنى لا يزول التكليف بزواله، فلم يمنع زواله من أداء الشهادة على من يعرفه باسمه ونسبه، كحاسة السمع.
وأما شهادة الأعمى على المضبوط وهو: أن يشهد رجل بصير على رجل لا يعرفه إلا بعينه بفعل أو قول، وأمسكه الشاهد بيده، ثم عمي الشاهد وجاء به إلى الحاكم، فشهد عليه بما فعل أو سمع، أو وضع رجل فاه على أذن الأعمى فأقر لرجل بشيء معروف، أو طلق امرأته، أو وضع الأعمى يده على رأسه وضبطه إلى أن أتى به إلى الحاكم فشهد عليه بما سمع منه.. فتقبل شهادته في ذلك ويحكم بها.
حكى المسعودي [في " الإبانة "] في ذلك وجها آخر: أن شهادته في ذلك لا تقبل، وبه قال أبو حنيفة. والمنصوص هو الأول؛ لأنه شهد بذلك على علم.
وتقبل شهادة الأعمى في الترجمة؛ لأنه يعبر بما سمعه عند الحاكم.
وإن شهد البصير بشهادة عند الحاكم، فقبل أن يحكم بها الحاكم عمي الشاهد.. لم تبطل شهادته. وقال أبو حنيفة: (تبطل) .
دليلنا: أن ذهاب بصره لا يورث شبهة في شهادته، فلم تبطل شهادته، كما لو ذهب سمعه.
[مسألة كيفية أداء الشهادة في النكاح والرضاع]
] : قد مضى الكلام في تحمل الشهادة، وأما الكلام في أدائها.. فينظر في الشاهد: فإن شهد في النكاح.. فلا بد أن يقول: أشهد أنه نكحها من ولي مرشد بلفظ الإنكاح أو التزويج، وقبل الزوج على الفور؛ لأن الناس يختلفون فيما ينعقد به النكاح، والنظر في ذلك إلى الحاكم.
стр. 6956
ومن شهد بالرضاع.. لم تقبل شهادته حتى يشهد: أنه ارتضع من لبنها، أو سقي من لبنها، وله دون الحولين خمس رضعات متفرقات، ووصل اللبن في كل مرة إلى جوفه؛ لأن الناس يختلفون في الرضاع الذي يثبت به التحريم، فلم يكن بد من ذكر ذلك ليحكم الحاكم فيه باجتهاده. فإن قيل: كيف اعتبرتم في الشهادة وصول اللبن إلى الجوف والشاهد لا يعلم ذلك مشاهدة؟ قلنا: إنما يعتبر علم الشاهد فيما يشهد به مشاهدة فيما يمكن مشاهدته، وأما ما لا يمكن مشاهدته.. فإنما يعتبر علم الشاهد فيه من طريق الظاهر، فمتى علم الشاهد أن المرأة ذات لبن ورأى الصبي التقم ثديها وحرك شفتيه فامتصه وقتا يعلم أن اللبن يصل إلى جوفه.. فقد حصل له العلم بذلك من طريق الظاهر. فإن شهدت أمه أو أخته من الرضاع، أو أن بينهما رضاعا يحرم.. لم يحكم بهذه الشهادة؛ لجواز أن تعتقد التحريم بما لا يقع به التحريم عند الحاكم.
وإن رأى امرأة أدخلت صبيا تحت ثيابها، وسمعه يمتص شيئا.. لم يجز له أن يشهد بالرضاع؛ لجواز أن تكون قد أعدت له شيئا فيه لبن من غيرها على هيئة الثدي، فسمع الصبي يمتص ذلك.
[مسألة كيفية أداء الشهادة في الجناية]
وإن شهد الشاهدان في الجناية.. فلا تقبل شهادتهما في إثبات القصاص إلا مع زوال الشبهة في لفظهما. فإن كانت الشهادة بالقتل، فقالا: نشهد أنه ضربه بالسيف فمات، أو فوجدناه ميتا.. لم يثبت القتل بهذه الشهادة؛ لجواز أن يكون ضربه فمات بسبب آخر. فإن قالا: ضربه بالسيف فمات منه، أو ضربه بالسيف فقتله.. ثبت القتل بشهادتهما؛ لأنهما قد صرحا بإضافة القتل إليه.
فإن قالا: ضربه بالسيف فأنهر دمه ومات مكانه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يثبت القتل بشهادتهما؛ لأنه قوله: فأنهر دمه يبين أنه مات منه) .
وإن كانت الشهادة بالجراح، فإن قالا: ضربه بالسيف فاتضح رأسه، أو فوجدناه
стр. 6957
موضحا.. لم تثبت الموضحة بشهادتهما؛ لأنه قد يضربه بالسيف ولا يوضحه، ثم تتضح رأسه بعد ضربه. وإن قالا: ضربه بالسيف فأوضحه، أو قالا: ضربه بالسيف فاتضح رأسه منه، أو فوجدناه موضحا من ضربه.. تثبت الموضحة بشهادتهما؛ لأنهما قد أضافا الإيضاح إليه. ولا بد أن ينعتا الموضحة ليجب القصاص فيها. فإن كان في رأسه موضحتان.. احتاج الشاهدان إلى بيان الموضحة التي شهدا أنه أوضحه إياها، فإن قالا في شهادتهما: أوضحه في موضع كذا من رأسه قدرها كذا وكذا.. قبلت شهادتهما. وإن قالا: أوضحه موضحة لا نعلم موضعها ولا قدرها.. لم يجب القصاص؛ لأنه يتعذر مع الجهالة بها، ويجب له أرش الموضحة.
وإن قالا: ضربه بالسيف فسال دمه.. لم تقبل شهادتهما في الدامية؛ لأنهما لم يضيفا إسالة الدم إليه. وإن قالا: ضربه بالسيف فأسال دمه، أو فسال دمه من ضربه.. ثبتت الدامية بشهادتهما؛ لأنهما أضافا إسالة الدم إليه. وإن قالا: ضربه بالسيف فأسال دمه ومات.. لم يثبت القتل بشهادتهما؛ لأنهما لم يضيفا القتل إليه. وإن قالا: ضربه بالسيف فأسال دمه فمات منه.. تثبت شهادتهما بالقتل؛ لأنهما أضافا القتل إليه. وإن قالا ضربه بالسيف فأسال دمه ومات مكانه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لم يثبت القتل بشهادتهما) . والفرق بين هذه وبين قوله: (فأنهر دمه ومات مكانه) حيث قلنا: يثبت القتل بشهادتهما.. أن إنهار الدم يكون منه الموت في العادة، وسيلان الدم لا يكون منه الموت في العادة.
وإن قالا: ضربه فأسال دمه، فوجد في رأس المجروح موضحة.. لم يلزم المشهود عليه القصاص في الموضحة ولا أرشها؛ لأنهما لم يضيفا الإيضاح إليه، ويجوز أن يكون أوضحه غير الجاني.
стр. 6958
[فرع شهدا أنه قطع يد رجل مقطوع اليدين ولم يعينا اليد]
] : وإن قالا: نشهد أنه قطع يده، ولم يعينا اليد، وكان المشهود عليه مقطوع اليدين، فإن طلب المجني عليه القصاص.. لم يكن له ذلك؛ لأن الشاهدين لم يعينا اليد. وإن طلب دية اليد.. كان له؛ لأن ديتهما لا تختلف.
[فرع شهدا أنه ضربه ملففا فقده نصفين]
] : ولو شهدا أنه ضربه ملففا فقده نصفين، فإن أثبتا الحياة.. فقد ثبت القتل ولا يشترط أن يقولا: ضربه وهو حي، بل يقولان: تلفف وهو حي ثم ضربه.. فإنه يكفي.
فإن لم يشهدا بالحياة.. فقد قال في موضع: (يثبت القتل) وقال في موضع: (لا يثبت) واختلف أصحابنا الخراسانيون: فمنهم من قال: فيه قولان.
أحدهما: يثبت القتل؛ لأن الأصل حياة المضروب.
والثاني: لا يثبت؛ لأن الأصل براءة ذمة الضارب.
ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين: فإن كان ملففا في ثياب الأموات.. فلا يثبت القتل. وإن كان ملففا في ثياب الأحياء.. ثبت القتل.
والأول أصح؛ لأن الشافعي ﵀ نص على: (أنه لو هدم بيتا على جماعة فاختلفوا، هل كانوا أحياء؟ على قولين) . وأصل هذا اعتراض الأصل والظاهر، فإذا قلنا: القول قول الولي.. حلف ويستحق الدية ولا يجب القصاص بيمينه. وقال القاضي أبو الطيب: ينبغي أن يكون في القصاص قول آخر، كما قلنا في (القسامة) .
قال ابن الصباغ: ويمكن عندي أن يفرق بينهما: بأن القسامة تتكرر فيها الأيمان وفي مسألتنا يمين واحدة.
стр. 6959
[مسألة أسئلة يوجهها الحاكم للشهود عن ملابسات الزنى]
] : وإن شهد أربعة على رجل بالزنى.. سألهم الحاكم عن أربعة أشياء:
عمن زنى بها، وعن كيفية الزنى، وعن المكان الذي زنى به، وعن الزمان.
فأما سؤاله (عمن زنى بها) : فلأنهم قد يرونه يطأ جارية ولده، أو جارية مشتركة بينه وبين غيره فيعتقدون أن ذلك زنى وليس ذلك بزنى، أو يرونه على بهيمة فيعتقدون أن ذلك زنى ولا يعتقده الحاكم زنى. فإن ذكروا أنه وطئ امرأة أجنبية.. سألهم (عن كيفية الزنى) ؛ لأنه قد يطؤها فيما دون الفرج أو يقبلها أو يلمسها، وقد يقع عليه اسم الزنى ولا يجب به الحد. فإن قالوا: رأيناه أدخل ذكره في فرجها.. فهذا هو التصريح بالزنى، وإن قالوا مع ذلك: مثل المرود في المكحلة والرشاء في البئر.. فهو آكد؛ والدليل عليه: ما روى أبو هريرة: «أن ماعز بن مالك الأسلمي شهد على نفسه عند النبي ﷺ أنه أصاب امرأة أجنبية حراما أربع مرات، والنبي ﷺ يعرض عنه، فلما كان في الخامسة.. قال له النبي ﷺ : " أنكتها؟ " قال نعم، قال: " حتى دخل ذلك منك في ذلك منها مثل المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ " قال: نعم، فقال له: " أتعرف الزنى؟ " قال: نعم، قال: " وما هو؟ " قال: هو أن ينال الرجل من امرأة حراما مثل ما ينال من امرأته حلالا، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ قال له النبي ﷺ : " ما تريد؟ " قال: طهرني، فأمر النبي ﷺ برجمه» . فاستفسر النبي ﷺ في الإقرار حتى أتى بالصريح الذي لا يحتمل غير الزنى، فإذا وجب ذلك في الإقرار.. فلأن يجب في الشهادة أولى. ولما روي: (أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد وزيادا لما شهدوا على المغيرة عند عمر ﵁.. صرح أبو بكرة ونافع وشبل بالزنا عليه، وأتى زياد ليشهد فقال عمر: إنك شاب، وأرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، فقال زياد: رأيت استا تنبو ونفسا تعلو، ورأيت رجليها على كتفيه كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فقال عمر ﵁ (الله
стр. 6960
أكبر) ، ودرأ الحد عن المغيرة وجلد الثلاثة وإنما لم يجلد المغيرة؛ لأن زيادا لم يصرح بالشهادة في الزنى عليه.
الشرط الثالث: أن يسألهم (عن المكان الذي زنى به) ؛ لأنهم قد يختلفون فيدرأ عنه الحد.
والشرط الرابع - ذكره ابن الصباغ ولم يذكره الشيخ أبو حامد -: أن يسألهم (عن الزمان) ؛ لأنهم قد يختلفون فيدرأ عنه الحد.
إذا ثبت هذا: فقد ذكر الشافعي ﵀ مسائل في ذلك:
إحداهن: إذا جاء أربعة ليشهدوا على رجل بالزنى، فصرح ثلاثة في الشهادة بالزنى عليه ولم يصرح الرابع بالزنى عليه.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن البينة لم تكمل عليه ولا يحد الرابع الذي لم يصرح بالزنى؛ لأنه لم يقذفه، وهل يحد الثلاثة؟ فيه قولان.
الثانية: إذا شهد أربعة بالزنى على رجل، فسألهم الحاكم عن تفسير الشهادة، فصرح ثلاثة منهم في الشهادة بالزنى عليه، وفسر الرابع ما ليس بزنى.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن البينة عليه بالزنى لم تكمل، ويحد الرابع قولا واحدا؛ لأنه قاذف، وهل يحد الثلاثة؟ على قولين.
الثالثة: إذا شهد أربعة على رجل بالزنى، فلما سألهم الحاكم. صرح ثلاثة بالشهادة عليه بالزنى ومات الرابع قبل أن يفسر.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن البينة لم تكمل، ولا يحد الثلاثة قولا واحدا؛ لجواز أن يكون ما شهد به الرابع زنى.
الرابعة: إذا شهد أربعة بالزنى، ثم استفسرهم الحاكم ففسروا ما ليس بزنى.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأنهم لم يصرحوا بالزنى عليه، ويحد الشهود قولا واحدا؛ لأنهم قذفة.
الخامسة: إذا لم يشهدوا بالزنى وإنما عرضوا بالشهادة به.. فلا يحد المشهود عليه؛ لأن ما شهدوا به ليس بزنى، ولا يحد الشهود؛ لأنهم لم يقذفوه بالزنى.
[فرع يشهد في السرقة والردة على أمور]
] : ومن شهد بالسرقة.. فيشترط في وجوب القطع على السارق أن يذكر الشاهدان:
стр. 6961
السارق، والمسروق منه، والحرز، والنصاب، وصفة السرقة؛ لأن الناس مختلفون في ذلك. وإن شهد شاهدان على رجل بالردة.. اشترط أن يذكرا ما سمعا منه؛ لاختلاف الناس فيما يصير به مرتدا.
[فرع يتعرض للشهود بالتوقف من قبل الحاكم]
] : وهل يجوز للحاكم أن يعرض للشهود في حدود الله بالتوقف عن الشهادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن فيه قدحا بالشهادة.
والثاني: يجوز؛ لأن عمر ﵁ عرض لزياد في التوقف عن الشهادة على المغيرة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃. ولأنه يجوز للحاكم أن يعرض للمقر في التوقف عن الإقرار بذلك، فجاز له التعريض للشاهد بالتوقف.
فإن قيل: كيف ساغ لعمر ﵁ أن يعرض لزياد في التوقف عن الشهادة لدرء الحد عن المغيرة، وفي ذلك إيجاب الحد على الثلاثة الشهود الذين صرحوا بالزنا قبله؟ قيل: إنما ساغ له ذلك لثلاثة معان:
أحدها: أن الحد الذي كان يجب على المغيرة الرجم، وفيه إتلاف النفس، والحد الذي يجب على الشهود هو حد القذف وليس فيه إتلاف النفس، فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما.
والثاني: أن الثلاثة الذين شهدوا على الزنى تركوا أمرا مندوبا إليه؛ وهو الستر؛ بدليل: «أن ماعزا لما ذكر لهزال أنه زنى، فقال له: بادر إلى رسول الله ﷺ قبل أن ينزل الله فيك قرآنا، فلما أتى ماعز رسول الله ﷺ وأخبره بقول هزال.. قال له النبي ﷺ : " هلا سترته بثوبك يا هزال» فلما خالفوا المندوب.. غلظ عليهم.
والثالث: أن سكوت الرابع عن الشهادة لم يسقط به الحد عن المشهود عليه؛ لأنه لم يجب بعد، فلم يجب به الحد على الثلاثة؛ لأن الحد إنما وجب عليهم بقولهم.
والله أعلم
стр. 6962
[باب الشهادة على الشهادة]
الشهادة على الشهادة جائزة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] [الطلاق: ٢] ، ولم يفرق بين الإشهاد على أصل الحق أو على شهود الحق. ولأن الشهادة في الأصل إنما جوزت للحاجة إليها، وهو الاستيثاق بالحق؛ لأن من عليه الحق قد يموت أو يغيب أو يجحد، وكذلك شاهد الأصل قد يغيب أو يموت أو يمرض، فدعت الحاجة إلى الإشهاد عليه للتوثيق.
إذا ثبت هذا: فالحقوق على ضربين: حقوق الله، وحقوق الآدميين.
فأما (حقوق الآدميين) : فتقبل الشهادة على الشهادة في جميعها، كالمال والنكاح والطلاق والرجعة وحد القذف والقصاص وغير ذلك.
وقال أبو حنيفة: (لا تقبل الشهادة على الشهادة في القصاص، وتقبل في غيره من حقوق الآدميين) .
قال المسعودي [في " الإبانة "] : وهو قول مخرج لنا من الشهادة على الشهادة في حقوق الله تعالى، وليس بمشهور.
والدليل على أن الشهادة على الشهادة في هذا تقبل: لأنه حق آدمي فقبلت فيه الشهادة على الشهادة، كالمال. ولأن الشهادة على الشهادة إنما جوزت للاستيثاق وهذا المعنى موجود في القصاص وغيره من حقوق الآدميين.
وأما (حقوق الله تعالى) : فذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الشهادة على الشهادة يقبل منها فيما لا يسقط بالشبهة. ولعله أراد الشهادة على هلال رمضان للصوم وهلال ذي الحجة للحج، والشهادة على الزكاة فيما يتعلق من الأحكام بالشهادة فيها.
وأما حقوق الله تعالى التي تسقط بالشبهة؛ وهي: حد الزنى وحد السرقة وحد قطع
стр. 6963
الطريق وحد الخمر.. فهل تقبل فيه الشهادة على الشهادة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تقبل فيه - وبه قال أبو حنيفة - لأنه مندوب إلى سترها، وفي الشهادة على الشهادة فيها إبانتها فلم تصح.
والثاني: تقبل - وبه قال مالك، واختاره الشيخ أبو حامد - لأن كل ما يثبت بالشهادة.. يثبت بالشهادة على الشهادة، كحقوق الآدميين.
وما قاله الأول يبطل.. بأصل الشهادة؛ فإن لها مدخلا في هذه الحقوق وإن كانت تراد للاستيثاق.
قال ابن القاص: وفي الشهادة على الشهادة في إحصان من ثبت عليه الزنى قولان، كالشهادة على الشهادة في حد الزنى، قلته تخريجا.
ويجوز الشهادة على الشهادة بأن الحاكم قد حد فلانا - قولا واحدا - لأن هذا حق لآدمي؛ لأنه يسقط به عنه الحد.
وكل حق قبلت فيه الشهادة على الشهادة.. قبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وكل حق لا تقبل فيه الشهادة على الشهادة.. لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن الكتاب لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي الكاتب، فكان كالشهادة على الشهادة.
[مسألة الحالات التي تقبل فيها شهادة الفرع بدل شهادة الأصل]
إذا شهد شاهدان على شهادة رجل بحق.. فلا يجوز للحاكم أن يسمع شهادة شاهدي الفرع مع حضور شاهدي الأصل؛ لأن على الحاكم أن يبحث عن عدالة شاهدي الفرع وشاهدي الأصل، وإذا أمكنه سماع شهادة شاهدي الأصل.. استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع.
стр. 6964
وإن مات شاهد الأصل أو غاب أو مرض مرضا يشق عليه معه الوصول إلى مجلس الحاكم، أو كان محبوسا في موضع لا يقدر على الوصول إلى مجلس الحاكم.. جاز للحاكم سماع شهادة شاهدي الفرع عليه والحكم بها.
وقال الشعبي: لا تسمع شهادة شاهدي الفرع إلا إذا مات شاهد الأصل.
دليلنا: أنه قد تعذر حضور شاهد الأصل، فجاز سماع شهادة شاهدي الفرع والحكم بها، كما لو مات شاهد الأصل.
واختلف أصحابنا في حد غيبة شاهد الأصل التي يجوز فيها سماع شهادة شاهدي الفرع والحكم بها:
قال بعضهم: هو أن يكون شاهد الأصل في موضع من موضع الحاكم لو حضر منه إلى مجلس الحكم وأقام الشهادة فيه.. لم يمكنه أن يأوي في الموضع الذي خرج منه، فأما بدون ذلك.. فلا تقبل فيه شهادة شاهدي الفرع على شاهد الأصل - وبه قال أبو يوسف - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] [البقرة: ٢٨٢] ، وفي تكليف الشاهد سفر يوم إلى الليل إضرار به.
وقال القاضي أبو الطيب: إذا كان بين الشاهد وموضع الحاكم مسافة القصر.. جاز سماع شهادة شاهدي الفرع، وإن كان بينهما أقل من ذلك.. لم يجز سماع شهادة شاهدي الفرع - وبه قال أبو حنيفة، إلا أن مسافة القصر عنده: ثلاثة أيام، وعندنا: يومان - لأن ما دون مسافة القصر في حكم الحضر.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يعتبر في ذلك حد، وإنما يعتبر خوف المشقة غالبا، فإن كان شاهد الأصل لا تلحقه مشقة غالبا في الحضور.. لم تسمع شهادة شاهدي الفرع عليه، وإن كان يلحقه مشقة غالبا في الحضور.. سمعت شهادة شاهدي الفرع عليه. وقوله قريب من الوجه الأول إلا أنه غير محدود عنده.
стр. 6965
[مسألة شهادة النساء في الشهادة على الشهادة]
] : ولا تقبل في الشهادة على الشهادة، ولا في كتاب القاضي إلى القاضي شهادة النساء في جميع الحقوق.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الحق مما تقبل فيه شهادة النساء على أصل الحق.. قبل فيه شهادة النساء) إلا أن عندنا لا تقبل شهادة النساء فيما ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال، وعنده تقبل شهادتهن في ذلك، وقد مضى الدليل عليه.
والدليل على صحة قولنا هاهنا: أن الشهادة على الشهادة ليست بمال ولا المقصود منها المال، وإنما هي إثبات قول الشاهد وذلك مما يطلع عليه الرجال، فلم يكن فيه للنساء مدخل، كالقصاص والحدود.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: إن كان المشهود به مالا يثبت بشاهد وامرأتين.. قبل. وليس بشيء.
[مسألة عدد شهود الفرع على الأصل]
وأما عدد شهود الفرع: فإن كان عدد شهود الأصل شاهدين، فشهد شاهدان على شهادة أحد الشاهدين، ثم يشهد شاهدان آخران على شهادة الشاهد الآخر.. ثبتت شهادة شاهدي الأصل بالإجماع؛ لأن قول كل واحد منهما قد ثبت بشاهدين.
وإن شهد على شهادة كل واحد من شاهدي الأصل شاهد واحد.. لم تثبت شهادة الأصل ولا أحدهما عندنا. وبه قال شريح والشعبي، والنخعي، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وعثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وإسحاق: تثبت شهادة شاهدي الأصل.
دليلنا: أن الشهادة على الشهادة ليست بمال ولا المقصود منها المال، وإنما هي إثبات قول الشاهد، فلا يثبت قول الشاهد إلا بشاهدين، كالشهادة على الطلاق.
стр. 6966
وإن شاهد شاهدان على شهادة أحد شاهدي الأصل، ثم شهدا على شهادة شاهد الأصل الثاني.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يثبتان شهادة شاهدي الأصل، وإنما يثبتان شهادة أحدهما - وهو اختيار المزني - لأن من ثبت به أحد طرفي الشهادة.. لا يجوز أن يثبت به الطرف الآخر، كما لو شهد رجل بحق وكان أصلا في الشهادة، ثم شهد مع آخر على شهادة أصل آخر.. فإنه لا يقبل، فكذلك هذا مثله.
والثاني: يثبتان شهادة شاهدي الأصل - وبه قال ربيعة ومالك وأبو حنيفة، وهو الأصح - لأنهما شهدا على قول اثنين فقبلا، كما لو شهدا على إقرار رجلين. ويخالف إذا شهد بشهادة وكان أصلا فيها، ثم شهد مع آخر على شهادة آخر.. فإنها لا تقبل؛ لأنه يجر بشهادته الثانية إلى نفسه نفعا؛ وهو تصديق شهادته الأولى.
إذا ثبت هذا: فقال الشيخ أبو حامد: أصل هذين القولين: هل شهود الفرع يقومون مقام شهود الأصل، ويثبت الحق بشهادة شهود الفرع كما يثبت بشهادة شهود الأصل، أو لا يقومون مقام شهود الأصل وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل، ولا يثبت الحق إلا بشهادة شهود الأصل دون شهود الفرع؟ وفيه قولان.
فإن قلنا: إن شهود الفرع يقومون مقام شهود لأصل.. فلا بد أن يقوم مقام كل واحد من شاهدي الأصل شاهدان منفردان.
وإن قلنا: إنهم لا يقومون مقام شهود الأصل، وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل.. جاز أن يشهد على شهادة شهود الأصل شاهدان.
قال ابن الصباغ: ولا معنى لقوله: إنهم يقومون مقام شهود الأصل، ويثبت الحق بشهادة شهود الفرع؛ لأنهم لا يشهدون بالحق وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل، ولو قاموا مقامهم.. لقام كل واحد منهم مقام واحد.
стр. 6967
فإن كان شهود الأصل شاهدا وامرأتين، فإن قلنا: إن قول كل واحد من الشاهدين لا يثبت إلا بشاهدين.. لم يثبت قول كل واحد من هؤلاء إلا بشاهدين، فيفتقر إلى ستة شهود.
وإن قلنا: إن قول الشاهدين معا يثبت بقول شاهدين.. ثبت قول الرجل والمرأتين بشاهدين أيضا.
وإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الرضاع والولادة، فإن قلنا: إن قول كل واحد من شاهدي الأصل لا يثبت إلا بشاهدين.. لم يثبت قول كل واحدة من النساء إلا بشاهدين. وإن قلنا: يثبت قول الشاهدين بشاهدين.. ثبت قول الأربع بشاهدين.
[فرع شهدا على شهادة رجل أو بدار لرجل ثم شهدا ضدها]
] : وإن شهد شاهدان على شهادة رجل: أن هذه الدار لزيد، ثم شهدا على شهادة رجل آخر: أن هذه الدار بعينها لعمرو.. قال الشيخ أبو حامد: قبلا قولا واحدا. فيكون قد ثبت لزيد في الدار شاهد ولعمرو فيها شاهد؛ لأنهما يثبتان قول كل واحد من الشاهدين لواحد ولا تناقض في شهادتهما.
وإن شهد شاهدان: أن هذه الدار لزيد، ثم شهدا: أن هذه الدار لعمرو.. كان ذلك تناقضا ورجوعا عن الشهادة الأولى.
[فرع إثبات شهادة الشهود على الزنى بالشهادة]
وإن أرادا إثبات شهادة الشهود في الزنا بالشهادة، فإن قلنا: إن الحدود لله لا تقبل فيها الشهادة على الشهادة.. فلا تفريع عليه.
وإن قلنا: تقبل فيها الشهادة على الشهادة، فإن قلنا: إن قول شاهدي الأصل في غير الزنا يثبت بشاهدين.. ففي القدر الذي يثبت به شهادة شهود الزنا قولان:
أحدهما: يثبت قول الأربعة بشاهدين، كما يثبت قول الشاهدين في غير الزنا بشاهدين.
فعلى هذا: يكون عدد شهود الفرع أقل من عدد شهود الأصل.
стр. 6968
والثاني: أنه لا يثبت قول الأربعة إلا بأربعة؛ لأن أصل الحق هاهنا لا يثبت إلا بأربعة فافتقر إلى ذلك العدد في إثبات قول الأربعة، كما أن قول الشاهدين في غير حد الزنا لا يثبت إلا باثنين.
وإن قلنا: إن قول كل واحد من شاهدي الأصل في غير الزنا لا يثبت إلا بشاهدين.. فهاهنا قولان.
أحدهما: لا يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بشاهدين، كما قلنا في الشاهدين في غير الزنا، فيكون عدد شهود الفرع على هذا ثمانية.
والثاني: لا يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بأربعة؛ لأن الحق الذي يثبت بشاهدين لا يثبت قول كل واحد من الشاهدين إلا بالعدد الذي يثبت به أصل الحق، وأصل الحق هاهنا لا يثبت إلا بأربعة، فلم يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بذلك العدد، فيكون عدد شهود الفرع هاهنا ستة عشر، فيحصل في هذه الشهادة على الشهادة في الزنا خمسة أقوال:
أحدها: لا يقبل فيها الشهادة على الشهادة.
والثاني: يقبل فيها شاهدان على شهادة الأربعة.
والثالث: لا يقبل إلا أربعة على أربعة.
والرابع: لا يقبل إلا ثمانية في الشهادة على الأربعة.
والخامس: لا يقبل إلا ستة عشر على الأربعة.
[مسألة شهادة شهود الفرع بتعديلهم وتسميتهم لشهود الأصل]
] : وإذا شهد شهود الفرع على شهود الأصل.. لم يجز الحكم بشهادتهم حتى يعلم الحاكم عدالة شهود الفرع والأصل؛ لأن معرفة عدالة الشهود شرط في الحكم.
فإن شهد شهود الفرع على شهادة رجل وسمياه باسم يتميز به عن غيره وعدلاه،
стр. 6969
وعرف الحاكم عدالة شهود الفرع.. قبل الحاكم شهادتهم في ذلك كله بلا خلاف؛ لأن شهود الفرع غير متهمين في تعديلهم لشاهدي الأصل.
وإن قال شهود الفرع: نشهد على شهادة عدلين بكذا ولم يسموهما.. لم يجز الحكم بهذه الشهادة حتى يسموا شاهدي الأصل. وبه قال أكثر أهل العلم، إلا ابن جرير؛ فإنه قال: يحكم بهذه الشهادة.
وهذا خطأ؛ لأن الناس يختلفون في تعديل الشهود، وقد يكون شاهدا الأصل عدلين عند شهود الفرع ولا يكونان عدلين عند الحاكم، فلا بد من تسميتهما ليعرفهما الحاكم. ولأن المشهود عليه قد يجرح شهود الأصل، فإذا لم يعرفهما.. لم يمكنه جرحهما.
وإن سمى شهود الفرع شاهدي الأصل، ولم يعدلوهما.. فإن الحاكم يسمع هذه الشهادة ويسأل عن عدالة شاهدي الأصل. وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال الثوري وأبو يوسف: إذا لم يعدلوهما.. لم يسمع الحاكم شهادتهم.
دليلنا: أنها شهادة، فجاز سماعها وإن لم يعرف عدالة الشهود، كشهود الأصل.
[مسألة تحمل الشهادة على الشهادة]
مسألة: [وجوه يصح فيها تحمل الشهادة على الشهادة] :
وتحمل الشهادة على الشهادة يصح من وجوه:
أحدها: أن يسمع رجلان رجلا يشهد لرجل بحق مضاف إلى سبب يقتضي وجوب الحق؛ مثل أن يسمعه يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا من ثمن مبيع أو أجرة؛ لأنه مع ذكر السبب لا يقتضي غير الوجوب.
والثاني: أن يسمع رجلان رجلا يشهد عند الحاكم لرجل بحق على آخر.. فيجوز لهما أن يشهدا على شهادته وإن لم يسترعهما ولا أضاف الحق إلى سبب؛ لأن الشهادة عند الحاكم لا تكون إلا بحق واجب.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : وكذلك يجوز لهذا الحاكم أن يشهد على شهادته
стр. 6970
عند حاكم آخر إذا عزل. قال: وكذلك: إذا سمع رجلان رجلا يشهد بحق لرجل عند محكم لهما، سواء قلنا: ينفذ حكمه أو لا ينفذ.
الثالث: إذا استرعاهما على الشهادة؛ بأن يقول رجل لرجلين: أنا أشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهدا على شهادتي؛ لأن الاسترعاء وثيقة، والوثائق لا تكون إلا على واجب.
وحكى ابن الصباغ: أن من أصحابنا من قال: لا بد أن يقول في الاسترعاء: اشهدا على شهادتي وعن شهادتي؛ ليكون إذنا في التحمل والأداء.
وهذا كاختلاف أصحابنا في المزكي: هل يحتاج إلى أن يقول: عدل علي ولي، أو يكفيه أن يقول: عدل.
وقد حكى المسعودي [في " الإبانة "] عن بعض العلماء ما يوافق هذا، فقال: لا بد أن يقول في الاسترعاء: اشهد على شهادتي إذا استشهدت أنت فاشهد.
والأول أصح؛ لأن الغرض زوال الشبهة، وإذا أذن له في التحمل.. فقد زالت الشبهة؛ لأن التحمل للأداء.
والرابع - حكاه ابن القاص والمسعودي [في " الإبانة "]-: أن يسمع رجل رجلا يسترعي غيره على شهادة، فيجوز للسامع أن يشهد بها وإن لم يسترعه عليها؛ لأنه لما استرعى غيره.. دل على أنه ما استرعاه إلا على واجب، فجاز له الشهادة عليها، كما لو سمع رجل رجلين يتبايعان.. فله أن يشهد عليهما وإن لم يشهداه.
فأما إذا سمع رجلان رجلا يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا غير مضاف إلى سبب ولم يسترعهما، وكان بغير حضور الحاكم.. فلا يجوز لهما أن يشهدا على شهادته بذلك.
وعلله الشافعي: (بأنه يحتمل أنه أراد أن ذلك واجب عليه، ويحتمل أنه غير واجب عليه، بل من وعد وعده به، فلم يصح تحمل الشهادة عليه بذلك) .
وعلله أصحابنا: أن قوله: (أشهد) يحتمل أنه أراد الشهادة عليه بالحق، ويحتمل أن قوله: (أشهد) أني أعلم ذلك بالسماع، فلم يجز أن يتحمل الشهادة عليه بذلك.
следующие страницы →