Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.
стр. 6966
وإن شاهد شاهدان على شهادة أحد شاهدي الأصل، ثم شهدا على شهادة شاهد الأصل الثاني.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يثبتان شهادة شاهدي الأصل، وإنما يثبتان شهادة أحدهما - وهو اختيار المزني - لأن من ثبت به أحد طرفي الشهادة.. لا يجوز أن يثبت به الطرف الآخر، كما لو شهد رجل بحق وكان أصلا في الشهادة، ثم شهد مع آخر على شهادة أصل آخر.. فإنه لا يقبل، فكذلك هذا مثله.
والثاني: يثبتان شهادة شاهدي الأصل - وبه قال ربيعة ومالك وأبو حنيفة، وهو الأصح - لأنهما شهدا على قول اثنين فقبلا، كما لو شهدا على إقرار رجلين. ويخالف إذا شهد بشهادة وكان أصلا فيها، ثم شهد مع آخر على شهادة آخر.. فإنها لا تقبل؛ لأنه يجر بشهادته الثانية إلى نفسه نفعا؛ وهو تصديق شهادته الأولى.
إذا ثبت هذا: فقال الشيخ أبو حامد: أصل هذين القولين: هل شهود الفرع يقومون مقام شهود الأصل، ويثبت الحق بشهادة شهود الفرع كما يثبت بشهادة شهود الأصل، أو لا يقومون مقام شهود الأصل وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل، ولا يثبت الحق إلا بشهادة شهود الأصل دون شهود الفرع؟ وفيه قولان.
فإن قلنا: إن شهود الفرع يقومون مقام شهود لأصل.. فلا بد أن يقوم مقام كل واحد من شاهدي الأصل شاهدان منفردان.
وإن قلنا: إنهم لا يقومون مقام شهود الأصل، وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل.. جاز أن يشهد على شهادة شهود الأصل شاهدان.
قال ابن الصباغ: ولا معنى لقوله: إنهم يقومون مقام شهود الأصل، ويثبت الحق بشهادة شهود الفرع؛ لأنهم لا يشهدون بالحق وإنما يثبتون شهادة شهود الأصل، ولو قاموا مقامهم.. لقام كل واحد منهم مقام واحد.
стр. 6967
فإن كان شهود الأصل شاهدا وامرأتين، فإن قلنا: إن قول كل واحد من الشاهدين لا يثبت إلا بشاهدين.. لم يثبت قول كل واحد من هؤلاء إلا بشاهدين، فيفتقر إلى ستة شهود.
وإن قلنا: إن قول الشاهدين معا يثبت بقول شاهدين.. ثبت قول الرجل والمرأتين بشاهدين أيضا.
وإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الرضاع والولادة، فإن قلنا: إن قول كل واحد من شاهدي الأصل لا يثبت إلا بشاهدين.. لم يثبت قول كل واحدة من النساء إلا بشاهدين. وإن قلنا: يثبت قول الشاهدين بشاهدين.. ثبت قول الأربع بشاهدين.
[فرع شهدا على شهادة رجل أو بدار لرجل ثم شهدا ضدها]
] : وإن شهد شاهدان على شهادة رجل: أن هذه الدار لزيد، ثم شهدا على شهادة رجل آخر: أن هذه الدار بعينها لعمرو.. قال الشيخ أبو حامد: قبلا قولا واحدا. فيكون قد ثبت لزيد في الدار شاهد ولعمرو فيها شاهد؛ لأنهما يثبتان قول كل واحد من الشاهدين لواحد ولا تناقض في شهادتهما.
وإن شهد شاهدان: أن هذه الدار لزيد، ثم شهدا: أن هذه الدار لعمرو.. كان ذلك تناقضا ورجوعا عن الشهادة الأولى.
[فرع إثبات شهادة الشهود على الزنى بالشهادة]
وإن أرادا إثبات شهادة الشهود في الزنا بالشهادة، فإن قلنا: إن الحدود لله لا تقبل فيها الشهادة على الشهادة.. فلا تفريع عليه.
وإن قلنا: تقبل فيها الشهادة على الشهادة، فإن قلنا: إن قول شاهدي الأصل في غير الزنا يثبت بشاهدين.. ففي القدر الذي يثبت به شهادة شهود الزنا قولان:
أحدهما: يثبت قول الأربعة بشاهدين، كما يثبت قول الشاهدين في غير الزنا بشاهدين.
فعلى هذا: يكون عدد شهود الفرع أقل من عدد شهود الأصل.
стр. 6968
والثاني: أنه لا يثبت قول الأربعة إلا بأربعة؛ لأن أصل الحق هاهنا لا يثبت إلا بأربعة فافتقر إلى ذلك العدد في إثبات قول الأربعة، كما أن قول الشاهدين في غير حد الزنا لا يثبت إلا باثنين.
وإن قلنا: إن قول كل واحد من شاهدي الأصل في غير الزنا لا يثبت إلا بشاهدين.. فهاهنا قولان.
أحدهما: لا يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بشاهدين، كما قلنا في الشاهدين في غير الزنا، فيكون عدد شهود الفرع على هذا ثمانية.
والثاني: لا يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بأربعة؛ لأن الحق الذي يثبت بشاهدين لا يثبت قول كل واحد من الشاهدين إلا بالعدد الذي يثبت به أصل الحق، وأصل الحق هاهنا لا يثبت إلا بأربعة، فلم يثبت قول كل واحد من الأربعة إلا بذلك العدد، فيكون عدد شهود الفرع هاهنا ستة عشر، فيحصل في هذه الشهادة على الشهادة في الزنا خمسة أقوال:
أحدها: لا يقبل فيها الشهادة على الشهادة.
والثاني: يقبل فيها شاهدان على شهادة الأربعة.
والثالث: لا يقبل إلا أربعة على أربعة.
والرابع: لا يقبل إلا ثمانية في الشهادة على الأربعة.
والخامس: لا يقبل إلا ستة عشر على الأربعة.
[مسألة شهادة شهود الفرع بتعديلهم وتسميتهم لشهود الأصل]
] : وإذا شهد شهود الفرع على شهود الأصل.. لم يجز الحكم بشهادتهم حتى يعلم الحاكم عدالة شهود الفرع والأصل؛ لأن معرفة عدالة الشهود شرط في الحكم.
فإن شهد شهود الفرع على شهادة رجل وسمياه باسم يتميز به عن غيره وعدلاه،
стр. 6969
وعرف الحاكم عدالة شهود الفرع.. قبل الحاكم شهادتهم في ذلك كله بلا خلاف؛ لأن شهود الفرع غير متهمين في تعديلهم لشاهدي الأصل.
وإن قال شهود الفرع: نشهد على شهادة عدلين بكذا ولم يسموهما.. لم يجز الحكم بهذه الشهادة حتى يسموا شاهدي الأصل. وبه قال أكثر أهل العلم، إلا ابن جرير؛ فإنه قال: يحكم بهذه الشهادة.
وهذا خطأ؛ لأن الناس يختلفون في تعديل الشهود، وقد يكون شاهدا الأصل عدلين عند شهود الفرع ولا يكونان عدلين عند الحاكم، فلا بد من تسميتهما ليعرفهما الحاكم. ولأن المشهود عليه قد يجرح شهود الأصل، فإذا لم يعرفهما.. لم يمكنه جرحهما.
وإن سمى شهود الفرع شاهدي الأصل، ولم يعدلوهما.. فإن الحاكم يسمع هذه الشهادة ويسأل عن عدالة شاهدي الأصل. وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال الثوري وأبو يوسف: إذا لم يعدلوهما.. لم يسمع الحاكم شهادتهم.
دليلنا: أنها شهادة، فجاز سماعها وإن لم يعرف عدالة الشهود، كشهود الأصل.
[مسألة تحمل الشهادة على الشهادة]
مسألة: [وجوه يصح فيها تحمل الشهادة على الشهادة] :
وتحمل الشهادة على الشهادة يصح من وجوه:
أحدها: أن يسمع رجلان رجلا يشهد لرجل بحق مضاف إلى سبب يقتضي وجوب الحق؛ مثل أن يسمعه يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا من ثمن مبيع أو أجرة؛ لأنه مع ذكر السبب لا يقتضي غير الوجوب.
والثاني: أن يسمع رجلان رجلا يشهد عند الحاكم لرجل بحق على آخر.. فيجوز لهما أن يشهدا على شهادته وإن لم يسترعهما ولا أضاف الحق إلى سبب؛ لأن الشهادة عند الحاكم لا تكون إلا بحق واجب.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : وكذلك يجوز لهذا الحاكم أن يشهد على شهادته
стр. 6970
عند حاكم آخر إذا عزل. قال: وكذلك: إذا سمع رجلان رجلا يشهد بحق لرجل عند محكم لهما، سواء قلنا: ينفذ حكمه أو لا ينفذ.
الثالث: إذا استرعاهما على الشهادة؛ بأن يقول رجل لرجلين: أنا أشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهدا على شهادتي؛ لأن الاسترعاء وثيقة، والوثائق لا تكون إلا على واجب.
وحكى ابن الصباغ: أن من أصحابنا من قال: لا بد أن يقول في الاسترعاء: اشهدا على شهادتي وعن شهادتي؛ ليكون إذنا في التحمل والأداء.
وهذا كاختلاف أصحابنا في المزكي: هل يحتاج إلى أن يقول: عدل علي ولي، أو يكفيه أن يقول: عدل.
وقد حكى المسعودي [في " الإبانة "] عن بعض العلماء ما يوافق هذا، فقال: لا بد أن يقول في الاسترعاء: اشهد على شهادتي إذا استشهدت أنت فاشهد.
والأول أصح؛ لأن الغرض زوال الشبهة، وإذا أذن له في التحمل.. فقد زالت الشبهة؛ لأن التحمل للأداء.
والرابع - حكاه ابن القاص والمسعودي [في " الإبانة "]-: أن يسمع رجل رجلا يسترعي غيره على شهادة، فيجوز للسامع أن يشهد بها وإن لم يسترعه عليها؛ لأنه لما استرعى غيره.. دل على أنه ما استرعاه إلا على واجب، فجاز له الشهادة عليها، كما لو سمع رجل رجلين يتبايعان.. فله أن يشهد عليهما وإن لم يشهداه.
فأما إذا سمع رجلان رجلا يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا غير مضاف إلى سبب ولم يسترعهما، وكان بغير حضور الحاكم.. فلا يجوز لهما أن يشهدا على شهادته بذلك.
وعلله الشافعي: (بأنه يحتمل أنه أراد أن ذلك واجب عليه، ويحتمل أنه غير واجب عليه، بل من وعد وعده به، فلم يصح تحمل الشهادة عليه بذلك) .
وعلله أصحابنا: أن قوله: (أشهد) يحتمل أنه أراد الشهادة عليه بالحق، ويحتمل أن قوله: (أشهد) أني أعلم ذلك بالسماع، فلم يجز أن يتحمل الشهادة عليه بذلك.
стр. 6971
هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يجوز أن يتحمل الشهادة على الشهادة إلا أن يسترعيه على الشهادة، وأما بغير ذلك.. فلا يصح) .
ودليلنا عليهم: ما مضى.
[فرع طلب شاهد من اثنين أن يتحملا عنه ما يشهد به]
إذا قال شاهد الأصل لرجلين: اشهدا أني أشهد أن لفلان على فلان كذا.. فلا نص فيه للشافعي ﵀، إلا أن أبا حنيفة قال: (لا يشهدان على شهادته إلا أن يقول: اشهدا على شهادتي أني أشهد أن لفلان على فلان كذا؛ لأنه إذا قال لهما: اشهدا أن لفلان على فلان كذا.. فقد أمرهما بالشهادة ولم يسترعهما) .
وقال أبو يوسف: يجوز لهما أن يشهدا على شهادته؛ لأن معنى قوله ذلك: اشهدا على شهادتي. قال ابن الصباغ: وهذا أشبه.
[فرع طلب الرجل من الآخر أن يشهد بما يخبره به]
] : قال في " الأم ": (إذا قال رجل لآخر: اشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهد عليه بذلك.. لم يصح من الثاني تحمل الشهادة عليه؛ لأنه لم يسترعه على الشهادة) .
[مسألة كيفية أداء شهادة شاهد الفرع]
] : وأما كيفية أداء شاهد الفرع: فإنه يؤدي الشهادة ويضيفها إلى الوجه الذي تحملها منه، فإن سمع شاهد الأصل يشهد بحق مضاف إلى سبب.. فإنه يقول: أشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان كذا من ثمن مبيع أو أجرة أو غير ذلك مما سمعه يضيفه إليه. فإن سمعه يشهد عند الحاكم أو المحكم.. ذكر ذلك.
وكذلك: إذا استرعاه أو استرعى غيره.. ذكر ذلك في الأداء ليؤدي الشهادة كما تحملها.
стр. 6972
وإذا أشهده شاهد الأصل عل عين رجل، وشاهد الفرع يعرف عينه ولا يعرف نسبه واسمه.. فإنه لا يشهد إلا على عينه فحسب، وإن كان يعرف اسمه ونسبه.. كان له أن يشهد على اسمه ونسبه.
وإن أشهداه على الاسم والنسب، وكان شاهد الفرع لا يعرف عين المشهود له والمشهود عليه.. فإنه يشهد على الاسم والنسب.
قال المسعودي [في " الإبانة "] : وكل من جاءه فادعى أنه فلان بن فلان.. فعليه أن يؤدي الشهادة له، ثم ينظر القاضي: فإن أقر الخصم أنه هو.. فلا كلام، وإن تناكرا.. فعلى المدعي إقامة البينة على اسمه ونسبه، فإذا أقام البينة على ذلك.. حكم به.
[مسألة حضور شاهد الأصل قبل الحكم بشهادة الفرع]
وماذا لو رجع شاهد الأصل عن شهادته وغير ذلك؟] :
وإن شهد شاهدان على شهادة رجل عند غيبته أو مرضه، فقبل أن يحكم الحاكم بشهادة شاهدي الفرع حضر شاهد الأصل.. لم يجز الحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يسأل شاهد الأصل؛ لأنه إنما جاز الحكم بشهادة شاهدي الفرع لتعذر سماع الشهادة من شاهدي الأصل وقد قدر عليها، كما لا يجوز التيمم مع وجود الماء.
فإن شهد رجلان على شهادة رجل، فقبل أن يحكم الحاكم بشهادتهما رجع شاهد الأصل أو فسق.. فلا يجوز الحكم بشهادتهما؛ لأن شاهد الأصل لو رجع وفسق قبل الحكم بشهادته.. لم يجز الحكم بها، وكذلك شاهد الفرع.
وإن خرس شاهد الأصل أو عمي قبل الحكم بشهادة شهود الفرع عليه.. جاز الحكم بشهادة شهود الفرع عليه؛ لأن ذلك لا يؤثر في شهادته. والله أعلم
стр. 6973
باب اختلاف الشهود في الشهادة وإذا ادعى رجل على رجل ألفين، وأضاف كل ألف إلى سبب فأنكر، وأقام شاهدين، فشهد أحدهما له بألف مضاف إلى سبب كما ادعى، وشهد الثاني له بالألف الآخر.. لم تتم الشهادة على أحد الألفين، ولكن يحلف مع كل واحد من الشاهدين ويستحق الألفين؛ لأن كل واحد منهما يشهد بغير الذي شهد به الآخر.
وكذلك: إذا ادعى عليه ألفين من سكتين، فشهد بكل ألف شاهد.. فإنه يحلف مع كل واحد من الشاهدين يمينا ويستحق الألفين؛ لما ذكرناه.
فأما إذا ادعى عليه ألفين بسبب واحد أو أطلق، فشهد له شاهد بألف وشهد له شاهد بألفين، وأضافا إلى السبب الذي أضاف الدعوى إليه أو أطلقا، أو أضاف أحدهما إلى ذلك السبب وأطلق الآخر.. فإن البينة قد تمت على ألف ويحلف مع الشاهد الثاني - الذي شهد بالألفين - ويستحق الألف الثاني. وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا تتم له البينة على الألف كما لو أضافا إلى سببين مختلفين) .
دليلنا: أنهما مالان من نوع واحد غير مضافين إلى سببين مختلفين، فإذا شهد به اثنان.. ثبت الأقل منهما، كما لو شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة.. فإنه وافقنا على ذلك.
وإن ادعى على رجل ألفا فأنكره، فأقام شاهدين، فشهد أحدهما له بألف وشهد له الآخر بألفين.. ففيه وجهان:
أحدهما: تصح شهادة من شهد له بالألف؛ لأنه شهد له بما ادعاه، وتبطل شهادة من شهد له بألفين؛ لأنه مكذب له.
стр. 6974
فعلى هذا: يحلف مع من شهد له بالألف.
والثاني: تثبت له الألف التي ادعاها بشهادتهما؛ لأنهما اتفقا عليها، وله أن يحلف مع الذي شهد بالألف الثانية؛ لأنه غير مكذب له؛ لأن من له حق يجوز أن يدعي بعضه ويترك بعضه؛ لعلمه أن من عليه الحق مقر له به، أو يجوز أنه لم يعلم أن هناك من يشهد له به.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : وإن ادعى على رجل ألفا فأنكره، وأقام شاهدين فشهد أحدهما: أنه أقر له بألف، وشهد آخر: أنه أقر له بألف ولكن قضى منها خمسمائة.. ففيه وجهان:
أحدهما: تثبت خمسمائة؛ لأن شهادتهما اتفقت عليها.
والثاني: لا تثبت؛ لأنهما لم يتفقا على ما يدعيه المدعي.
[مسألة شهدوا على رجل بالزنى في بيت واختلفوا في تحديد الزاوية]
] : إذا شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة في بيت فشهد كل واحد منهم أنه زنى بها في زاوية غير الزاوية لتي شهد الآخر أنه زنى بها، أو شهد اثنان: أنه زنى بها في زاوية، وشهد الآخران: أنه زنى بها في زاوية أخرى.. فإنه لا يجب الحد على المشهود عليه، وهل يجب حد القذف على الشهود؟ على قولين، وقال أبو حنيفة: (القياس: أنه لا يجب الحد على المشهود عليه، ولكن يجب عليه الحد استحسانا) .
دليلنا: أن الشهادة لم تتم على فعل واحد، فلم يجب الحد على المشهود عليه، كما لو شهد اثنان: أنه زنى بها في الغداة، وشهد آخران: أنه زنى بها في العشي.
[فرع شهد اثنان أنه زنى بالبصرة وشهد آخران أنه زنى بالكوفة]
] : وإن شهد اثنان: أنه زنى بها في البصرة، وشهد آخران: أنه زنى بها في الكوفة.. لم يجب الحد على المشهود عليه، وهل يجب الحد على الشهود؟ على القولين.
стр. 6975
وقال أبو حنيفة: (لا يجب الحد على الشهود) . ومذهبه: أن الشهود إذا نقص عددهم.. وجب عليهم الحد. قال: (لأن عددهم هاهنا قد كمل فلم يحدوا) .
وهذا غلط؛ لأن عددهم لم يكمل على فعل واحد وإنما كمل على فعلين، فهو كما لو نقص عددهم.
[فرع اختلفا بأنها كانت مطاوعة أو مكرهة]
] : وإن شهد اثنان على رجل: أنه زنى بامرأة وهي مطاوعة له، وشهد آخران: أنه زنى بها وهي مكرهة.. فلا خلاف أنه لا يجب الحد على المرأة؛ لأن البينة لم تكمل في حقها. وأما الرجل: فنص الشافعي ﵀: (أنه لا يجب عليه الحد) . وبه قال أبو يوسف. وقال أبو العباس: يجب عليه الحد - وبه قال أبو حنيفة - لأن حكمه إذا طاوعته أو أكرهها لا يختلف.
ووجه المذهب: أن البينة لم تكمل على فعل واحد؛ لأن زناه بها وهي مطاوعة غير زناه بها وهي مكرهة، فهو كما لو شهد اثنان: أنه زنى بها في بيت، وشهد آخران: أنه زنى بها في بيت آخر.
وأما الشهود: فالذي يقتضي المذهب: أن في وجوب الحد عليهم للمرأة القولين، وأما وجوب الحد عليهم للرجل:
فإن قلنا: إنه لا يجب عليه الحد.. كان في وجوب الحد عليهم له القولان.
وإن قلنا: يجب عليه الحد.. لم يجب له عليهم حد قولا واحدا.
[مسألة ادعى قذفه فأنكر فأقام بينة مختلفة]
] : وإن ادعى رجل على رجل أنه قذفه فأنكر، فأقام المدعي شاهدين، فشهد أحدهما: أنه قذفه بالعربية وشهد الآخر: أنه قذفه بالعجمية، أو شهد أحدهما: أنه قذفه يوم الخميس، وشهد الآخر: أنه قذفه يوم الجمعة.. لم يجب الحد؛ لأن البينة لم تكمل على قذف واحد.
стр. 6976
وإن شهد أحدهما: أنه أقر بقذفه بالعربية، وشهد الآخر: أنه أقر بالعجمية بقذفه، أو شهد أحدهما: أنه أقر يوم الخميس أنه قذفه، وشهد الآخر: أنه أقر يوم الجمعة أنه قذفه.. وجب الحد؛ لأن المقر به واحد وإن اختلفت العبارة عنه، أو اختلف وقت الإقرار به.
[مسألة شهادة واحد أو اثنين على سرقة كبش واختلفوا]
في الوقت أو اللون أو العدد] :
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو شهد: أنه سرق من هذا البيت كبشا لفلان بكرة، وقال الآخر: عشية، أو قال أحدهما: الكبش الأبيض، وقال الآخر: الأسود.. لم يقطع) .
وجملة ذلك: أنه إذا شهد رجل: أن فلانا سرق من فلان كبشا غدوة، وشهد الآخر: أنه سرق منه ذلك الكبس عشية، أو شهد أحدهما: أنه سرق منه كبشا أبيض وقت الزوال، وشهد آخر: أنه سرق منه كبشا أسود ذلك الوقت.. فهما شهادتان بسرقتين مختلفتين؛ لأنه لا يمكن أن يسرق كبشا واحدا بالغداة والعشي، ولا يمكن أن يكون أبيض أسود، فلا يجب القطع على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تتم على سرقة كبش، ولكن يحلف المشهود له مع أي الشاهدين شاء، ويحكم له بالكبش.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا من صفته كذا وكذا بالغداة، وشهد رجلان آخران: أنه سرق منه ذلك الكبش بعينه بالعشي.. فهما بينتان متعارضتان، فلا يحكم للمشهود له بشيء.
والفرق بينها وبين الأولى: أن الشاهدين حجة يثبت بها الحق وقد عارضها مثلها فسقطتا، وفي الأولى: الشاهد الواحد ليس بحجة، فلم يقع فيها تعارض.
وإن شهد رجل: أنه سرق منه كبشا بالغداة ولم يصف الكبش، وشهد شاهد آخر: أنه سرق منه كبشا بالعشي ولم يصف الكبش، أو قال أحدهما: إنه سرق منه بالغداة كبشا أبيض، وشهد الآخر: أنه سرق منه بالعشي كبشا أسود.. فهما شهادتان بكبشين، فلا يجب على المشهود عليه القطع؛ لأن البينة لم تتم على كل كبش وللمشهود له أن يحلف مع كل واحد من الشاهدين ويستحق الكبشين.
стр. 6977
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا بالغداة ولم يصفا الكبش، وشهد شاهدان: أنه سرق منه كبشا بالعشي ولم يصفا الكبش، أو شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا أبيض بالغداة، وشهد آخران: أنه سرق منه كبشا أسود بالعشي.. فقد تمت البينتان على سرقتين، فيجب على السارق القطع، ويجب عليه غرم الكبشين.
قال الشيخ أبو حامد: وإن شهد شاهد: أنه سرق منه كبشا، وشهد آخر: أنه سرق منه كبشين.. فيجب القطع على السارق إذا كان قيمة كل واحد من الكبشين نصابا؛ لأنه قد شهد بسرقة النصاب شاهدان، وللمشهود له أن يحلف مع الشاهد الثاني، ويجب له ضمان الكبش الثاني.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه كبشا، وشهد آخران: أنه سرق منه كبشا.. حكم له بالكبشين؛ لأنه شهد بكل واحد منهما شاهدان، ويجب القطع على المشهود عليه.
ومن أصحابنا من صحف وقال: أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بذلك: كيسا.
وهذا خطأ، بل أراد كبشا بالشين المعجمة؛ لأنه قال في " الأم ": (كبشا أقرن) ، والحكم لا يختلف بالكبش والكيس إلا أن الغالب من قيمة الكيس: أنه لا يبلغ نصابا فيجب به القطع.
[فرع شهد واحد أو اثنان على رجل سرقة ثوب واختلفوا في لونه أو قيمته]
] : وإن شهد رجل: أنه سرق من رجل ثوبا من صفته كذا وكذا وقيمته ربع دينار، وشهد آخر: أنه سرق منه ذلك الثوب بعينه وقيمته ثمن دينار.. فإن القطع لا يجب على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تتم على سرقة ما قيمته نصاب، ويجب على المشهود عليه ثمن دينار؛ لأن الشاهدين قد اتفقا عليه، وللمشهود له أن يحلف مع الشاهد الذي شهد أن قيمته ربع دينار، ويجب له ثمن آخر.
وإن شهد رجلان على رجل: أنه سرق من رجل ثوبا من صفته كذا وكذا وقيمته ثمن دينار، وشهد آخران: أنه سرق ذلك الثوب بعينه وقيمته ربع دينار.. فإن القطع
стр. 6978
لا يجب على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تكمل عليه بسرقة ما قيمته نصاب، ولا يجب على المشهود عليه إلا ثمن دينار، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجب عليه ربع دينار) .
وكذلك الخلاف إذا أتلف عليه ثوبا فشهد رجلان: أن قيمته ثمن دينار، وشهد رجلان: أن قيمته ربع دينار.. فإنه لا يجب على المشهود عليه إلا ثمن دينار عندنا، وعند أبي حنيفة يجب عليه ربع دينار.
دليلنا: أن الشاهدين اللذين شهدا أن قيمته ثمن دينار نفيا أن تكون قيمته ربع دينار، والشاهدين اللذين شهدا أن قيمته ربع دينار أثبتا الربع، فقد تعارضت البينتان في الثمن الثاني، فسقط وثبت ما اتفقا عليه.
وأما إذا شهد رجل: أنه سرق منه ثوبا أبيض قيمته ثمن دينار، وشهد آخر: أنه سرق منه ثوبا أسود قيمته ربع دينار.. فهما شهادتان مختلفتان، فلا يجب القطع على المشهود عليه؛ لأن البينة لم تتم على سرقة ما قيمته نصاب، وللمشهود له أن يحلف مع الشاهدين ويحكم له بثمن دينار وربع دينار.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه ثوبا أبيض قيمته ثمن دينار، وشهد آخران: أنه سرق منه ثوبا أسود قيمته ربع دينار.. فهما بينتان تامتان على سرقتين مختلفتين، فيجب له ثمن الدينار وربع الدينار، ويجب القطع على المشهود عليه.
فأما إذا شهد شاهد واحد: أنه سرق منه ثوبا قيمته ثمن دينار، وشهد شاهد آخر: أنه سرق منه ثوبا قيمته ربع دينار.. قال الشيخ أبو حامد: والذي يجيء على المذهب: أن الحكم في هذه كالحكم فيه إذا عينا الثوب واختلفا في قيمته، فيثبت له الثمن بشهادتهما، ويحلف مع الشاهد الآخر على ثمن دينار، ولا يجب القطع على المشهود عليه.
وإن شهد رجلان: أنه سرق منه ثوبا قيمته ثمن دينار، وشهد شاهدان: أنه سرق
стр. 6979
منه ثوبا قيمته ربع دينار، لزمه ثمن دينار لا غير، ولا يجب عليه القطع؛ لأنه يحتمل: أنهما شهدا بثوبين مختلفين، ويحتمل: أنهما شهدا بثوب واحد وإنما اختلفا في قيمته، فلم يحكم له إلا بالمتقين وهو ثمن دينار.
[مسألة تقديم الشهادة على الدعوى]
مسألة: [صور يصح فيها تقديم الشهادة على الدعوى] : وإن شهد رجلان على رجلين أنهما قتلا رجلا، وشهد المشهود عليهما على الشاهدين أنهما قتلاه.. قال الشافعي ﵀: (سألت الولي، فإن صدق الأولين وكذب الآخرين.. وجب عليهما القتل ولا يسمع قولهما؛ لأن الولي يكذبهما، ولأنهما يدفعان عن أنفسهما ضررا بشهادتهما. وإن صدق الآخرين وكذب الأولين.. لم يثبت القتل؛ لأنه كذب الأولين فبطلت شهادتهما، والآخران يدفعان ضررا عن أنفسهما بشهادتهما فلم تقبلا. وكذلك: إذا صدق الأولين والآخرين.. بطلت شهادة الجميع؛ لأنه كذب كل واحدة منهما بتصديق الآخرين) .
فإن قيل: هذا لا يتصور؛ لأن الشهادة لا تسمع إلا بعد الدعوى، فكيف يسأل الولي بعد شهادتهم؟ واختلف أصحابنا في الجواب:
فقال أبو إسحاق: إنما يفتقر إلى الدعوى أن تكون قبل الشهادة إذا كانت الدعوى ممن يعبر عن نفسه، فأما إذا كانت الدعوى لميت أو صغير أو مجنون.. فيصح أن تكون الشهادة سابقة للدعوى، والحق هاهنا للميت؛ لأنه يقضى دينه من ديته وتنفذ منها وصاياه.
ومن أصحابنا من قال: يحتمل أن يكون الولي لم يعلم من قتل وليه ولا يعرف من يشهد له بذلك، فيصح أن تتقدم الشهادة على الدعوى.
ومنهم من قال: يحتمل أن يكون الولي ادعى على الآخرين القتل، فشهد له الأولان، ثم شهد له الآخران على الأولين، فأورث ذلك شبهة، والشبهة تؤثر في الدم، فاحتاط الحاكم بسؤال الولي لينظر ما يقول.
стр. 6980
ومن أصحابنا من قال: إنما يتصور ذلك في وكيلين للولي، ادعى أحدهما القتل على هذين، وادعى الآخر على هذين.
[مسألة شهد شاهد على آخر بقتل عمد وشهد آخر أنه خطأ أو شهدا على إقراره]
] : وإن شهد رجل على رجل: أنه أقر بقتل رجل عمدا، وشهد آخر: أنه أقر بقتله خطأ.. فقد تمت البينة على القتل ولم تتم على صفة القتل، فيسأل المشهود عليه، فإن أنكر القتل.. لم يلتفت إلى إنكاره. وإن أقر بقتل العمد.. حكم عليه بموجب قتل العمد بإقراره. وإن أقر بقتل الخطأ وصدقه الولي على ذلك.. وجبت الدية في ماله، وإن كذبه الولي.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العمد، فإن حلف.. ثبت قتل الخطأ، وإن نكل.. حلف المدعي ويثبت قتل العمد.
وإن أقر المشهود عليه بقتل العمد وكذبه الولي وقال: بل كان خطأ.. لم يجب القود؛ لأن الولي لا يدعيه، وتجب فيه دية الخطأ.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون في مال الجاني؛ لأنها لم تثبت بالبينة.
وإن شهد أحدهما: أنه قتله عمدا، وشهد الآخر: أنه قتله خطأ.. ثبت القتل بشهادتهما ولم تتناف الشهادتان؛ لأن الفعل الواحد قد يعتقده أحدهما عمدا والآخر خطأ، ويسأل الجاني، فإن أقر بقتل العمد.. حكم عليه بموجبه. وإن أقر بالخطأ وصدقه الولي.. وجبت الدية، وإن كذبه الولي.. فللولي أن يحلف؛ لأنه أقام بما يدعيه شاهدا، وذلك لوث، ويخالف الأولى؛ فإن الشهادة هناك على الإقرار ولا لوث في الإقرار.
فإن لم يحلف الولي.. حلف الجاني ووجبت الدية في ماله مؤجلة؛ لأنها تثبت بإقراره. فإن لم يحلف الجاني.. فهل ترد اليمين على الولي؟ فيه قولان مضى ذكرهما.
فإن قلنا: ترد عليه فحلف.. ثبت موجب قتل العمد.
وإن قلنا: لا ترد عليه، أو قلنا ترد وامتنع عن اليمين.. تثبت دية الخطأ مؤجلة في مال الجاني؛ لأنها متيقنة.
стр. 6981
[مسألة قتل عمدا وله وارثان شهد أحدهما أن أخاه عفا عن القصاص والدية]
وإن قتل رجل وله وارثان ابنان أو أخوان، فشهد أحدهما: أن أخاه عفا عن القود والدية.. سقط القصاص، سواء كان الشاهد عدلا أو فاسقا؛ لأن شهادته بعفو أخيه تضمنت سقوط حقه من القصاص، ويكون نصيب الشاهد من الدية ثابتا، وأما نصيب المشهود عليه من الدية: فإن كان الشاهد غير مقبول الشهادة.. فالقول قول المشهود عليه مع يمينه. وإن كان الشاهد عدلا.. حلف معه الجاني.
قال الشافعي ﵀: (ويحلف: لقد عفا عن القصاص والمال) واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال بظاهره: ويجب أن يحلف: أنه عفا عن القصاص والدية؛ لأن العفو عن الدية لا يصح إلا بعد العفو عن القصاص، وهو إذا قلنا: إن قتل العمد لا يوجب غير القود.
ومنهم من قال: يكفيه أن يحلف: لقد عفا عن الدية؛ لأن القصاص قد حكم بسقوطه بكل حال، فلا معنى ليمينه عليه.
قال في ((الأم)) : (إذا ادعى رجل عبدا في يد آخر فأنكره، فأقام شاهدين، فشهد أحدهما: أنه ملكه، وشهد الآخر: أنه أقر بغصبه.. لم يحكم بالشهادة؛ لأنها شهادة بسببين مختلفين، ويحلف المشهود له مع أيهما شاء ويقضى له به. وهكذا إن شهد أحدهما: أنه غصبه، وشهد الآخر: أنه أقر بغصبه.. لم يحكم له بالشهادة؛ لأنها شهادة على فعلين مختلفين، ويحلف المشهود له مع أيهما شاء ويحكم له بالعبد) .
[مسألة شهدا أنه أوصى بعتق غانم وشهد الوارثان لسالم]
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو شهد أجنبيان لعبد: أن فلانا المتوفى أعتقه وهو الثلث في وصيته، وشهد وارثان لعبد غيره: أنه أعتقه وهو الثلث في وصيته.. فسواء، ويعتق من كل واحد منهما نصفه) . قال المزني: قياس قوله: أن يقرع
стр. 6982
بينهما. واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة وحكمها:
فقال أبو العباس وأبو إسحاق وأكثر أصحابنا: صورتها: أن يشهد أجنبيان أن فلانا المتوفى أوصى بعتق عبده غانم وهو ثلث ماله، وشهد وارثان: أنه أوصى بعتق سالم وهو ثلث ماله، فعبر الشافعي عن الوصية بالعتق؛ لأن الوصية وقعت بالعتق، فإذا كان هذا صورتها.. فإنه يقرع بينهما كما قال المزني. وقول الشافعي: (فسواء، ويعتق من كل واحد منهما نصفه) لم يرد به تبعيض العتق فيهما، وإنما أراد: أن شهادة الأجنبيين كشهادة الوارثين لا مزية لأحدهما على الآخر، وأن العبدين سواء يجب أن يقسم الثلث بينهما كما يقسم في الوصايا غير العتق في القياس، إلا إن السنة منعت من قسم الثلث في العتق ووردت في الإقراع.
ومن أصحابنا من قال: صورتها: كما قال أبو العباس وأبو إسحاق، ولكن الحكم ما ذكره الشافعي، وهو: أن يعتق من كل واحد منهما نصفه، ولكن لا يعتق من كل واحد منهما نصفه، إلا إذا كان في كلام الموصي ما يدل على أنه قصد تبعيض الحرية في العبدين؛ بأن يشهد الأجنبيان أنه قال: أعتقوا هذا العبد وإن لم يحتمل الثلث إلا نصفه فأعتقوا نصفه، وشهد الوارثان بمثل ذلك لعبد آخر؛ لأنه قد علم من الموصي أنه أراد تبعيض الحرية فيهما، كما لو أوصى أن يعتق من كل واحد منهما نصفه، فأما إذا لم يكن في كلام الموصي ما يدل على أنه قصد تبعيض الحرية فيهما.. فإنه يقرع بينهما.
ومن أصحابنا من خالف أبا إسحاق وأبا العباس في صورتها وحكمها وقال: صورتها: أن الشهادتين وقعتا بالعتق المنجز لا بالوصية، والحكم في ذلك: أنه إن عرف المعتق منهما أولا.. عتق ورق الثاني، وإن لم يعرف السابق منهما.. ففيه قولان:
أحدهما: أنه يقرع بينهما، فأيهما خرج له سهم العتق.. عتق ورق الآخر؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون هو الذي أعتقه أولا فيعتق ويرق الآخر، وليس لأحدهما مزية على الآخر فأقرع بينهما، كما لو أعتقهما معا.
والثاني: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنا نعلم أن أحدهما حر والآخر رقيق، فإذا أقرعنا بينهما.. لم نأمن أن تخرج الحرية لمن هو رقيق، والرق على من هو حر، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فأعتق من كل واحد منهما نصفه لتساويهما. ويخالف
стр. 6983
إذا أعتقهما؛ لأن الحرية لم تقع لأحدهما.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا الطريق أشبه بالمذهب وعليه التفريع.
هذا إذا كانت البينتان عادلتين، فإن كانت إحداهما غير عادلة.. نظرت: فإن كان الأجنبيان فاسقين، والوارثان عدلين.. فلا تعارض شهادة العدلين بشهادة الفاسقين، فيرق العبد الذي شهد الأجنبيان بعتقه، ويعتق العبد الذي شهد الوارثان بعتقه.
وإن كان الأجنبيان عدلين، والوارثان فاسقين.. فلا تعارض شهادة العدلين بشهادة الفاسقين، فإن كان الوارثان لم ينفيا ما شهد به الأجنبيان.. عتق العبد الذي شهد بعتقه الأجنبيان، وأما العبد الذي شهد بعتقه الوارثان.. قال الشيخ أبو حامد: فإنه يعتق نصفه عليهما؛ لأنهما يقولان: لو قبلت شهادتنا وشهادة الأجنبيين.. لعتق النصف من كل واحد من العبدين لا غير - على القول الذي يقول: يقسم العتق بينهما - والنصف الثاني من العبد الذي شهد الأجنبيان بعتقه مغصوب علينا وهو رقيق لنا، وإنما نصف هذا الذي شهدنا له حر، فيلزمهما عتق نصف العبد الذي شهدا له بإقرارهما.
قال ابن الصباغ: وهذا سهو، وينبغي أنه إذا كان قد غصب منهما نصف العبد الذي شهد به الأجنبيان أن لا يعتق عليهما إلا خمسة أسداس عبد؛ لأن سدس التركة مغصوب عليهما، ويدخل النقص على ما يستحقه الأول بالوصية فيحصل هاهنا دور، ويقال: عتق من الأول - وهو ثلث التركة - نصف شيء والباقي منه مغصوب، وعتق من الثاني نصف شيء تمام الوصية، وبقي في يد الورثة ثلث التركة إلا نصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدل ثلث التركة شيئين ونصف شيء، الشيء الكامل أربعة أخماس عبد وهو ثلث التركة، فيكون قد عتق من العبد الذي أقر له الوارثان خمساه ورق ثلاثة أخماسه، وعتق من العبد الذي شهد له الأجنبيان بالوصية خمساه والباقي منه مغصوب من حق الورثة، ويبقى في يد الورثة عبد وثلاثة أخماس
стр. 6984
عبد، وذلك مثلا ما عتق منهم بالوصية.
وأما إذا نفى الوارثان ما شهد به الأجنبيان؛ بأن قال الأجنبيان: إنه أعتق عبده غانما وقيمته ثلث التركة، وقال الوارثان: لم يعتق غانما وإنما أعتق سالما وقيمته ثلث التركة، وكان الأجنبيان عدلين والوارثان فاسقين.. فشهادة الوارثين: أنه لم يعتق غانما لا تقبل لفسقهما، ولأنها شهادة على نفي، فيعتق غانم بشهادة الأجنبيين، والوارثان يقران: أن المعتق هو سالم، وغانما مغصوب عليهما.
قال الشيخ أبو حامد: فيعتق عليهما سالم بإقرارهما.
قال ابن الصباغ: وهذا سهو أيضا، ويجب أن يقال: يعتق ثلثاه؛ لأن غانما كالمغصوب، فلا يحتسب عليهما في التركة.
وإن اختلفت قيمة العبدين، فشهد أجنبيان: أنه أعتق غانما في مرض موته وقيمته ثلث ماله، وشهد الوارثان: أنه أعتق سالما وقيمته سدس ماله، والبينتان عادلتان:
فإن قلنا: لا يقرع بينهما.. عتق من كل واحد مهما ثلثاه، وهو ثلث التركة.
وإن قلنا: يقرع بينهما.. أقرع بينهما، فإن خرج سهم الحرية للعبد الذي شهد له الأجنبيان.. عتق ورق الآخر، وإن خرج سهم الحرية للعبد الذي شهد له الوارثان.. عتق جميعه ونصف الآخر تمام الثلث.
стр. 6985
[فرع شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق غانم وشهد الوارثان لغيره]
وبرجوعه وكلاهما ثلث التركة] :
وإن شهد أجنبيان: أن فلانا أوصى بعتق عبده غانم وقيمته ثلث ماله، وشهد وارثان: أنه رجع عن وصيته بعتق غانم وأوصى بعتق سالم وقيمته ثلث ماله، والبينتان عادلتان.. فإن شهادة الوارثين تقبل بإبطال عتق غانم وبإثبات العتق لسالم؛ لأنهما لا يجران إلى نفسهما بذلك نفعا ولا يدفعا عنهما ضررا؛ لأن قيمة العبدين متساوية.
وإن كان الأجنبيان عدلين والوارثان فاسقين.. لم تقبل شهادة الوارثين بالرجوع عن عتق غانم، ولكنهما يقولان: غانم لا يستحق العتق، وإنما الذي يستحق العتق سالم، فيكون غانم كالمغصوب عليهما.
قال الشافعي ﵀: (فيعتق عليهما ثلثا سالم وهو ثلث التركة مما بقي من المال في أيديهما) . وهذا يؤيد قول ابن الصباغ في الأولى.
وإن كان الأجنبيان فاسقين والوارثان عدلين.. فلا تعارض شهادة الأجنبيين الفاسقين شهادة العدلين، فيعتق العبد الذي شهد له الوارثان بالوصية.
[فرع شهد بوصية عتق وشهد الوارثان برجوعه لغيره]
فرع: [شهد بوصية عتق بسدس التركة وشهد الوارثان برجوعه لغيره وبغير السدس] :
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بعتق غانم وقيمته سدس التركة، وشهد الوارثان: أنه رجع عن عتق غانم وأوصى بعتق سالم وقيمته ثلث التركة، وهم عدول.. عتق سالم ورق غانم.
وإن كان الوارثان فاسقين.. عتق غانم؛ لأن الوارثين لا تقبل شهادتهما في الرجوع عن وصيته وهما يقران: أن غانما ملكهما وهو مغصوب عليهما، ويقران: أن الوصية إنما هي لسالم، فيعتق من ثلث التركة التي حصلت في أيديهما وهي خمسة أسداس سالم.
وإن كانت قيمة غانم ثلث التركة، وقيمة سالم سدس التركة، والوارثان عدلان..
стр. 6986
فإن شهادتهما لا تقبل في نصف غانم؛ لأنهما يجران بها إلى أنفسهما نفعا بالرجوع عن الوصية بالسدس، وهل تقبل شهادتهما في نصفه الآخر؟ فيه قولان؛ لأنها شهادة اشتملت على شيئين فردت في أحدهما للتهمة.
فإن قلنا: ترد شهادتهما في الجميع.. حكم بعتق العبد الذي شهد له الأجنبيان، إلا أن الوارثين يقولان: هو مغصوب علينا، وإنما الموصى بعتقه هو سالم فيعتق عليهما أيضا بإقرارهما؛ لأنه ثلث ما بقي في أيديهما من التركة.
وإن قلنا: إنها ترد في نصفه وتقبل في نصفه.. عتق نصف غانم ورق نصفه، وعتق جميع سالم؛ لأن الثلث يحتمله.
وإن كان الوارثان فاسقين.. عتق غانم بشهادة الأجنبيين، وعتق سالم بإقرار الوارثين.
[فرع شهد أنه أوصى بعتق عبد وشهد الوارثان لغيره]
من دون رجوع أو رجع وشهدت بينة ثالثة] :
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بعتق غانم وقيمته ثلث التركة، وشهد الوارثان: أنه أوصى بعتق سالم وقيمته ثلث التركة ولم يشهدا برجوعه عن عتق غانم وهم عدول.. أقرع بين العبدين، فمن خرج له سهم الحرية.. عتق ورق الآخر.
وإن كانت قيمة غانم ثلث التركة، وقيمة سالم سدس التركة.. أقرع بينهما، فإن خرج سهم الحرية على غانم.. عتق ورق سالم، وإن خرج سهم العتق على سالم.. عتق جميعه وعتق من غانم نصفه، وهو تمام الثلث.
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى لزيد بثلث ماله، وشهد الوارثان: أنه أوصى لعمرو بثلث ماله ولم يشهدا على رجوعه عن وصية لزيد.. قسم الثلث بين زيد وعمرو نصفين.
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد الوارثان: أنه رجع عن وصيته لزيد وأوصى بثلث ماله لعمرو وهم عدول.. بطلت وصيته لزيد وثبتت وصيته لعمرو.
فإن كانت بحالها وشهد آخران: أنه رجع عن وصية عمرو وزيد وأوصى بثلثه
стр. 6987
لخالد.. بطلت وصية زيد وعمرو وثبتت وصية خالد.
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بثلثه لزيد، وشهد الوارثان: أنه رجع عن وصيته لزيد وأوصى بثلثه لعمرو، وشهد آخران: أنه رجع عن إحدى الوصيتين ولم يعيناها.. بطلت شهادة من شهد بالرجوع من غير تعيين وثبتت الوصية لعمرو.
[فرع شهدا بوصية لزيد بثلث وشهد واحد لغيره]
وإن شهد رجلان: أنه أوصى لزيد بثلث ماله، وشهد واحد: أنه أوصى لعمرو بثلث ماله.. فهل يحلف عمرو ويساوي زيدا في قسمة الثلث بينهما؟ فيه قولان، مضى بيانهما.
فأما إذا شهد رجلان: أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد آخر: أنه رجع عن وصيته لزيد ووصى بثلث ماله لعمرو.. فلعمرو أن يحلف مع شاهده، ويحكم ببطلان وصية زيد، وثبوت وصية عمرو قولا واحدا؛ لأن البينتين هاهنا لم يتعارضا، وإنما الشاهدان شهدا بالوصية، والشاهد شهد بالرجوع وهو يشهد بغير ما شهدا له به، والمقصود بالرجوع المال فثبت بالشاهد واليمين.
[فرع ادعى عليهما أنهما رهنا عبدا بدين]
وإن ادعى رجل على رجلين: أنهما رهنا عبدا لهما عنده بدين له عليهما، فصدقه كل واحد منهما على حق شريكه وكذبه في حق نفسه.. فيه وجهان:
أحدهما: لا تقبل شهادتهما، لأنه يدعي أن كل واحد منهما، كاذب.
والثاني: تقبل شهادتهما ويحلف مع كل واحد منهما ويصير العبد رهنا عنده؛ لأن كذب كل واحد مهما غير معلوم؛ لجواز أن يكون نسي رهنه لنصيبه.
والله أعلم.
стр. 6988
[باب الرجوع عن الشهادة]
إذا شهد الشهود عند الحاكم، ثم رجعوا عن الشهادة.. لم يخل رجوعهم من ثلاثة أحوال:
إما أن يكون قبل الحكم بشهادتهم، أو بعد الحكم وقبل استيفاء ما شهدوا به، أو بعد الحكم وبعد استيفاء ما شهدوا به.
فإن كان قبل الحكم.. لم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهم.
قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع، إلا ما حكي عن أبي ثور أنه قال: (يحكم بشهادتهما؛ لأن الشهادة قد حصلت فلم تبطل بالرجوع، كما لو رجعوا بعد الحكم) .
وهذا خطأ؛ لأن الحاكم إنما يحكم بشهادتهم، فإن رجعوا.. لم تبق هناك شهادة يحكم بها، ولأن الحاكم إنما يجوز له أن يحكم بشهادة يغلب على ظنه صدق شهودها، فإذ رجعوا عن الشهادة.. احتمل أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع، واحتمل أن يكونوا كاذبين في الشهادة وصادقين في الرجوع، وذلك يوقع شكا في شهادتهم فلم يجز الحكم بشهادتهم، كما لو فسقوا بعد الشهادة وقبل الحكم بها.
وإن شهدوا بحق، فقالوا للحاكم قبل الحكم: توقف في الحكم حتى نتثبت في شهادتنا، ثم عادوا وقالوا: قد أثبتنا شهادتنا.. فهل يجوز للحاكم أن يحكم بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز أن يحكم بها؛ لأنهم لم يرجعوا عن الشهادة.
والثاني: لا يجوز أن يحكم بها؛ لأن قولهم هذا يورث ريبة في شهادتهم.
فإن رجعوا بعد الحاكم بشهادتهم وقبل استيفاء ما شهدوا به، فإن كان
стр. 6989
ما شهدوا به مما يسقط بالشبهة؛ كالحدود والقصاص.. لم يجز استيفاؤه؛ لأن هذه الحقوق تسقط بالشبهة، ورجوع الشهود أقوى شبهة فلم يجز استيفاؤها.
وحكى المسعودي [في ((الإبانة)) ] وجها آخر في القصاص: أنه يستوفى؛ لأنه حق للآدمي. والمشهور هو الأول.
وإن كان المشهود به حقا لآدمي لا يسقط بالشبهة؛ كالمال والنكاح وما أشبهه.. فالمنصوص: (أنه يجوز للمشهود له استيفاؤه) .
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له استيفاؤه؛ لأن الحكم غير مستقر قبل استيفاء المشهود به، فرجوع الشهود في هذه الحالة كرجوعهم قبل الحكم.
وليس بشيء؛ لأن الحكم قد نفذ والشبهة لا تؤثر فيه، فجاز استيفاؤه.
وإن رجعوا بعد الحكم وبعد استيفاء المشهود به.. لم ينقض الحكم، ولم يجب على المشهود له رد ما أخذه.
وهو قول كافة العلماء، إلا ابن المسيب والأوزاعي؛ فإنهما قالا: ينقض الحكم ويجب على المشهود له أن يرد ما أخذه. وهكذا قالا: إذا رجع الشهود بعد الحكم وقبل الاستيفاء.. فإنه ينقض الحكم ولا يستوفى الحق المشهود به.
دليلنا: أن الشهود يجوز أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع، ويجوز أن يكونوا كاذبين في الشهادة صادقين في الرجوع، فليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا يجوز نقض الحكم لأمر محتمل.
[مسألة ما يترتب على الشهود فيما لو رجعوا عن شهادتهم وبعد استيفاء الحكم]
وإذا شهد الشهود بحق ثم رجعوا بعد الحكم وبعد الاستيفاء.. فقد ذكرنا: أنه لا ينقض الحكم ولا يجب على المشهود له رد ما حكم له به ولا ضمانه، والكلام هاهنا
стр. 6990
فيما يجب على الشهود؛ فلا يخلو المشهود به: إما أن يكون إتلافا أو في معنى الإتلاف، أو يكون مالا.
فإن كان إتلافا؛ كالشهادة فيما يوجب القتل والقطع والرجم.. وجب على الشهود الضمان؛ لأن المشهود عليه قتل أو قطع بسبب ملجئ من قبل الشهود.. فوجب عليهم ضمانه، كما لو أتلفوه بأيديهم. إذا ثبت هذا: ففيه ثمان مسائل:
إحداهن: أن يشهد رجلان أو جماعة على رجل بما يوجب القتل فقتل، أو بما يوجب القطع فقطع، ثم رجعوا عن الشهادة، فإن قالوا: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل أو ليقطع.. وجب عليهم القتل أو القطع، وبه قال ابن سيرين وأحمد وإسحاق.
وقال ربيعة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يجب عليهم القتل ولا القطع، وإنما يجب عليهم الأرش) .
دليلنا: ما روي: أن رجلين شهدا عند أبي بكر ﵁ على رجل بالسرقة فقطع يده، ثم رجعا عن الشهادة وقالا: أخطأنا، فقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما.. لقطعتكما) .
وروي: (أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل بالسرقة فقطع يده، ثم أتياه بآخر فقالا: هذا هو السارق وأخطأنا بالأول، فرد شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية يده، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما.. لقطعتكما) .
ولا مخالف لهما في الصحابة، ولأنه نوع إتلاف يضمن بالفعل فضمن بالقول كالعتق، ولأنهما ألجآ الحاكم إلى إتلافه فصارا كالمكرهين له على إتلافه شرعا، والقود يجب عندنا وعنده على المكره الآمر، وكذلك هذا مثله.
المسألة الثانية: أن يقول الشهود: تعمدنا الشهادة عليه بالقتل والقطع والزنى، وما ظننا أنه يقتل أو يقطع بشهادتنا، وإنما ظننا أنه يجلد أو يحبس، وهم ممن يجوز أن يجهلوا ذلك.. فلا يجب عليهم القود؛ لأنهم لم يعترفوا بما يوجب القود، وتجب عليهم دية مغلظة من أموالهم؛ لأنها عمد خطأ، ولا تحملها العاقلة؛ لأنها وجبت باعترافهم، وهل تجب الدية حالة أو مؤجلة؟
стр. 6991
قال المسعودي ﵀[في ((الإبانة)) ] : نص الشافعي ﵀: (أنها تجب حالة) وبه قال القفال؛ لأنهم متعمدون من كل وجه، وقولهم: (ولم نعلم أنه يقتل) كقول من يقول: رميته قصدا ولم أعلم أن السهم يبلغه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ: أنها تجب مؤجلة؛ لما فيها من الخطأ. وبه قال صاحب ((التقريب)) وحمل النص عليه إذا مضى من وقت القتل إلى وقت المطالبة ثلاث سنين.
المسألة الثالثة: أن يقول الشهود: أخطأنا في الشهادة عليه وظننا أنه القاتل أو الزاني، وإنما القاتل والزاني غيره.. فلا يجب عليهم القود وتجب عليهم الدية في أموالهم مؤجلة.
المسألة الرابعة: إذا اتفقوا أن بعضهم تعمد الشهادة عليه ليقتل، وأن بعضهم أخطأ في الشهادة عليه.. فلا يجب على العامد قود لمشاركته المخطئ، ويجب عليه قسطه من الدية المغلظة في ماله، ويجب على المخطئ قسطه من الدية المخففة في ماله؛ لأنها وجبت باعترافه.
المسألة الخامسة: إذا اختلفوا فقال بعضهم: تعمدنا كلنا الشهادة عليه ليقتل، وقال بعضهم: أخطأنا كلنا بالشهادة عليه أو أخطأنا دونهم؛ فمن أقر بعمد الجميع.. وجب عليه القود؛ لأنه أقر أنه عامد هو وشريكه، ولا يجب القود على من أقر بالخطأ؛ لأنه لا يقبل عليه إقرار غيره، ويلزمه قسطه من الدية المخففة.
المسألة السادسة: إذا شهد أربعة على رجل بما يوجب القتل فقتل، ثم رجعوا عن الشهادة، فقال اثنان منهم: تعمدنا كلنا الشهادة عليه ليقتل، وقال الآخران: تعمدنا نحن الشهادة عليه ليقتل وأخطأ الأولان.. فإن الأولين اللذين أقرا بعمد الجميع يجب عليهما القود؛ لأنهما أقرا على أنفسهما بذلك، وهل يجب القود على الآخرين؟
حكى الشيخ أبو إسحاق فيها قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والمسعودي [في ((الإبانة)) ] وجهين:
стр. 6992
أحدهما: يجب عليهما القود؛ لأنهما اعترفا على أنفسهما بالعمد وأضافا الخطأ إلى من اعترف على نفسه بالعمد، فصار كما لو اعترفوا جميعا بالعمد.
والثاني: لا يجب عليهما القود، وهو الأصح؛ لأنهما أقرا بعمد شاركهما فيه مخطئ، ومقتضى هذا: لا يجب عليهما القود، فلا يجب عليهما القود بقول غيرهما.
فعلى هذا: يجب عليهما نصف الدية مغلظة في أموالهما.
المسألة السابعة: إذا قال اثنان منهم: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل وأخطأ هذان، وقال الآخران: بل تعمدنا نحن الشهادة عليه ليقتل وأخطأ هذان.. فهل يجب على جميعهم القود، أو لا يجب عليهم القود بل الدية مغلظة؟ فيه قولان حكاهما الشيخ أبو إسحاق، ووجههما ما ذكرناه في التي قبلها.
المسألة الثامنة: أن يقول بعضهم: تعمدت الشهادة عليه ليقتل ولا أدري: هل تعمد أصحابي أو أخطؤوا؟ فإنه يرجع إليهم، فإن أقروا جميعا بالعمد.. وجب القود على جميعهم. وإن أقروا بالخطأ، أو أقر واحد منهم بالخطأ والباقون بالعمد.. لم يجب على واحد منهم القود؛ لأن العامد شريك للمخطئ، ويجب على من أقر العمد قسطه من الدية المغلظة في ماله، وعلى من أقر بالخطأ قسطه من الدية المخففة مؤجلة في ماله.
[فرع اعتبار عدد الراجعين عن شهادة على إتلاف بعد الاستيفاء]
وإن رجع بعض من شهد بإتلاف بعد استيفاء المشهود به.. نظرت: فإن: فإن لم يزد عدد الشهود على عدد البينة؛ بأن شهد اثنان على رجل: أنه قتل رجلا عمدا فقتل به، ثم رجع أحد الشاهدين وقال: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل.. وجب عليه القود، ولا يجب على الآخر شيء. وإن قال الراجع: أخطأنا بالشهادة عليه، أو أخطأت وتعمد صاحبي.. لم يجب على الراجع قود، ووجب عليه نصف دية مخففة.
وكذلك: إذا شهد أربعة على رجل بالزنى وهو محصن فرجم، ثم رجع واحد منهم، فإن قال: تعمدنا كلنا الشهادة عليه ليقتل.. وجب عليه القود، ولم يجب على
стр. 6993
الثلاثة شيء. وإن قال الراجع: أخطأنا كلنا، أو أخطأ بعضنا.. وجب عليه ربع دية مخففة. وإن رجع اثنان.. وجب عليهما نصف الدية.
وإن زاد عدد الشهود على عدد البينة.. نظر في ذلك: فإن كان الشهود في غير الزنى؛ بأن شهد ثلاثة رجال على رجل: أنه قتل رجلا عمدا، فقتله ولي الدم، ثم رجع أحد الثلاثة وقال: شهدت بالزور وعمدت إلى ذلك ليقتل وتعمد شريكاي.. قال ابن الحداد: وجب على الراجع القود، فإن اختار الولي أن يعفو عنه على مال.. وجب عليه ثلث الدية.
وإن كان ذلك في الشهادة على الزنا؛ بأن شهد خمسة رجال على رجل: أنه زنى وهو محصن، فرجم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم وقال: شهدت بالزور وعمدت إلى ذلك ليقتل، وعمد أصحابي إلى الشهادة عليه بالزور ليقتل.. فإنه لا يجب على الراجع قود.
والفرق بينها وبين الأولى: أن قيام البينة عليه يوجب القتل في غير الزنا، ولا يسقط ضمانه عن الأجنبي؛ لأنه لا يكون مباح الدم؛ بدليل: أنه لو قتله غير ولي الدم.. وجب عليه القود، فلم يكن مسقطا لضمان نفسه. وإذا قامت البينة عليه بالزنى وهو محصن.. كان وجوب رجمه يوجب سقوط ضمانه ويصير مباح الدم؛ بدليل: أنه لو قتله قاتل.. لم يجب عليه القود.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يجب حد القذف على الراجع؛ لأن حصانه المقذوف ساقطة ببقاء قيام الأربعة عليه بالزنى.
وهل يجب على الراجع شيء من الدية؟ فيه قولان، حكاهما المسعودي [في ((الإبانة)) ] ، وحكاهما أصحابنا العراقيون وجهين:
أحدهما - حكاه المزني في ((المنثور)) واختاره أبو إسحاق المروزي -: أنه يجب عليه خمس الدية؛ لأنه مقر أنه أتلف جزءا منه وهو مضمون، فلزمه من ضمانه بقدر ما أقر من إتلافه.
стр. 6994
والثاني - وهو قول ابن الحداد والقاضي أبي حامد -: أنه لا يجب عليه شيء، وهو الصحيح؛ لأن البينة قائمة على إباحة نفسه وسقوط ضمانه بالشهود الأربعة، فهو كما لو قتل رجل رجلا فقامت بينة على زنى المقتول وهو محصن.. فإنه لا يجب على قاتله شيء وكذلك هذا مثله.
فإن رجع اثنان من الخمسة وقالا: شهدنا بالزور عليه وتعمدنا بالشهادة عليه ليقتل، وتعمد أصحابنا الشهادة بالزور ليقتل.. وجب عليهما القود. وإن قالا: أخطأنا.. فعلى قول أبي إسحاق: تجب عليهما خمسا الدية، وعلى قول ابن الحداد: يجب عليهما ربع الدية بينهما نصفين؛ لأن البينة لم ينخرم إلا ربعها.
وإن شهد عليه ثمانية بالزنا وهو محصن فرجم، فرجع واحد منهم، أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة، وقالوا: قد تعمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل.. فلا خلاف: أنه لا يجب عليهم القود؛ لما مضى، وأما الدية: فتجب على قول أبي إسحاق: على كل واحد منهم ثمن الدية، وعلى قول ابن الحداد: لا يجب على الأربعة شيء.
وإن رجع خمسة منهم وقالوا: تعمدنا بالشهادة عليه بالزور ليقتل، وتعمد أصحابنا.. وجب عليهم القود. وإن قالوا: أخطأنا.. وجب عليهم ربع الدية بينهم أخماسا.
وإن رجع ستة.. وجب عليهم نصف الدية، وإن رجع سبعة.. وجب عليهم ثلاثة أرباع الدية، وإن رجعوا كلهم.. وجبت الدية عليهم على كل واحد منهم ثمنها.
[مسألة شهد أربعة على شخص بالزنى وشهد اثنان بإحصانه فرجم ثم رجع الشهود]
وإن شهد أربعة على رجل بالزنى، وشهد اثنان من غيرهم: أنه محصن، فرجم، ثم رجعوا كلهم، فقال شهود الزنا: أخطأنا وما كان زنى، وقال شاهدا الإحصان: أخطأنا ما كان وطئ في نكاح صحيح.. فهل يجب الضمان على شاهدي الإحصان؟ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 6995
أحدها: لا يجب عليهما الضمان - وبه قال أبو حنيفة - لأن شهود الزنى شهدوا بفعله، وشاهدي الإحصان إنما يشهدان بصفته، وإنما قتل بفعله لا بصفته.
والثاني: يجب عليهما الضمان؛ لأنه إنما قتل بالزنى والإحصان؛ بدليل: أنه لو انفرد أحدهما عن الآخر.. لم يقتل.
والثالث: ينظر في شاهدي الإحصان: فإن شهدا بإحصانه قبل قيام البينة عليه بالزنى.. لم يجب عليهما الضمان؛ لأنهما إنما أثبتا صفته. وإن شهدا بعد قيام البينة عليه بالزنى.. وجب عليهما الضمان؛ لأنهما إنما شهدا عليه ليقتل.
فإذا قلنا: يجب الضمان على شاهدي الإحصان. فكم يجب عليهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليهما نصف الدية، على كل واحد منهما ربع الدية، ويجب على شهود الزنى نصفها على كل واحد منهم ثمنها؛ لأنه قتل بنوعين من البينة.
والثاني: يجب على شاهدي الإحصان ثلث الدية، وعلى شهود الزنى ثلثاها؛ لأنه قتل بشهادة ستة، فكان على كل واحد منهم سدس الدية.
وقال أبو ثور: (لا يجب على شهود الزنى هاهنا شيء من الدية، ويجب جميع الدية على شاهدي الإحصان) .
وهذا خطأ؛ لأنه قتل بشهادة الجميع.. فكان ضمانه على الجميع.
وإن شهد أربعة رجال على رجل بالزنى، وشهد اثنان منهم أنه محصن.. قبلت شهادتهما؛ لأنهما لا يجران بذلك إلى أنفسهما نفعا. فإن رجم ثم رجعوا كلهم عن الشهادة.
فإن قلنا: لا يجب الضمان على شاهدي الإحصان في التي قبلها.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا: يجب الضمان على شاهدي الإحصان في التي قبلها.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: لا يجب عليهما الضمان؛ لأن الشاهدين اللذين شهدا بالزنا لا غير، وجد من كل واحد منهما جناية، وهو شهادته بالزنى، وود من اللذين شهدا بالإحصان والزنى جنايتان، فإذا تلف المشهود عليه بجنايتهم.. قسم الضمان عليهم على عدد رؤوسهم لا على عدد جناياتهم، كما لو جرح رجل رجلا جراحة وجرحه آخر جراحتين ومات.
стр. 6996
والثاني: يجب عليهما الضمان؛ لأنه تلف بسببين؛ بالشهادة بالزنى والشهادة بالإحصان، فقسمت الدية عليهما.
فإذا قلنا بهذا، وقلنا في التي قبلها: إنه يجب على شاهدي الإحصان نصف الدية.. وجب هاهنا على الشاهدين اللذين شهدا بالزنا والإحصان ثلاثة أرباع الدية وعلى الشاهدين اللذين شهدا بالزنا لا غير.. ربع الدية.
وإن قلنا في التي قبلها: يجب على شاهدي الإحصان ثلث الدية.. وجب هاهنا على الشاهدين اللذين شهدا بالزنا والإحصان ثلثا الدية، وعلى الشاهدين اللذين شهدا بالزنا لا غير ثلث الدية.
[فرع شهدوا على زنى رجل فزكاهما اثنان فرجم ثم بان عدم أهلية الشهود]
وإن شهد أربعة على رجل بالزنى، فجهل الحاكم عدالتهم، فزكاهم رجلان، فقبل الحاكم تزكيتهما ورجم المشهود عليه، ثم بان أن الشهود كانوا عبيدا أو كفارا.. فإنه يجب ضمان نفس المشهود عليه؛ لأنه رجم بغير حق، ووليه بالخيار: إن شاء طالب الحاكم؛ لأنه أمكن من قتله، وإن شاء طالب المزكيين؛ لأنهما ألجآ الحاكم إلى قتله. فإن طالب الحاكم.. رجع على المزكيين؛ لأنهما غراه، وإن طالب المزكيين.. لم يرجعا على غيرهما؛ لأنهما لم يلجئهما إلى التزكية أحد.
[مسألة رجوع الشهود عن شهادتهم بما فيه معنى الإتلاف وبعد الاستيفاء]
وإن كان المحكوم به ليس بإتلاف وإنما هو بمعنى الإتلاف؛ وهو: إتلاف الحكم، كالشهادة بالطلاق والعتاق وما أشبههما.. وجب على الشهود الضمان إذا رجعوا كما قلنا في شهود القتل.
فإذا شهد شاهدان على رجل: أنه أعتق عبدا له، فقبل الحاكم شهادتهما وحكم
стр. 6997
بعتقه، ثم رجعا عن الشهادة.. وجب عليهما قيمة العبد؛ لأنهما أتلفا عليه رقبة العبد، فوجب عليهما قيمته، كما لو قتلاه. وسواء قالا: تعمدنا الشهادة أو أخطأنا؛ لأن المال يضمن بالعمد والخطأ.
وإن شهد عليه: أنه كاتب عبده، فحكم الحاكم بالكتابة، ثم رجعا عن الشهادة.. ففيه وجهان - حكاهما الصباغ -:
أحدهما: يرجع عليهما بما بين قيمته وعوض الكتابة؛ لأن مال الكتابة قد رجع إليه.
والثاني: يرجع عليهما بجميع قيمته؛ لأن مال الكتابة الذي أداه إنما هو كسبه والسيد يملكه.
قال ابن الصباغ: وهذا ينبغي أن يكون إذا أدى وعتق، فأما قبل ذلك.. فلا يضمن.
وإن شهدا لأمة باستيلاد سيدها لها، ثم رجعا، فإذا مات السيد.. عتقت ورجع ورثة سيدها عليهما بقيمتها.
قال ابن الحداد: وإن شهد شاهدان على رجل: أنه أعتق عبده على ضمان مائة درهم، وقيمة العبد مائتا درهم، فضمن العبد المائة، وحكم الحاكم بعتق العبد، ثم رجعا عن شهادتهما.. فإن الحاكم لا ينقض حكمه، ويرجع السيد عليهما بتمام القيمة وهي مائة درهم؛ لأن الشاهدين قد أقرا برجوعهما أنهما أتلفا عليه نصف العبد وهو ما يقابل المائة الثانية من قيمته، فلزمهما ضمان ذلك.
وإن شهد ثلاثة على رجل: أنه أعتق عبده، فحكم الحاكم بعتقه، ثم رجع واحد منهم.. لم يرجع عليه بشيء على قول ابن الحداد والقاضي أبي حامد، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق المروزي.. يرجع عليه بثلث القيمة. وإن رجعوا كلهم.. رجع عليهم بقيمة العبد، على كل واحد ثلث قيمته بلا خلاف على المذهب.
стр. 6998
[فرع شهدا على رجل أنه طلق بائنا فطلقت زوجته ثم رجعا]
وإن شهد رجلان على رجل: أنه طلق امرأته طلاقا بائنا، وحكم الحاكم عليه بالطلاق، ثم رجعا عن الشهادة.. نظرت: فإن كان بعد الدخول.. رجع الزوج عليهما بمهر مثلها، على كل واحد منهما بنصف مهر مثلها. وبه قال ربيعة وعبيد الله بن الحسن العنبري. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يرجع عليهما بشيء) .
دليلنا: أنهما أتلفا عليه بضعها، فوجب عليهما مهر مثلها، كما لو كان قبل الدخول.
فإن كان ذلك قبل الدخول.. وجب عليهما الضمان؛ لأنهما أتلفا عليه بضعها، وبكم يرجع عليهما؟
روى المزني: (أنه يرجع عليهما بجميع مهرها) ، وروى الربيع: (أنه يرجع عليهما بنصف مهر مثلها) . واختلف أصحابنا فيها على طريقين:
فـ[الأول] : منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يرجع عليهما بنصف مهر مثلها - وهو اختيار القاضي أبي الطيب - لأن الفرقة إذا وقعت قبل الدخول.. فالزوج مالك لنصف البضع؛ بدليل: أنه لا يلزمه إلا نصف المهر، فكأنهما لم يتلفا عليه إلا بنصف البضع، فلم يلزمهما أكثر من قيمة نصف مهر مثلها.
والثاني: يلزمهما جميع مهر مثلها - وهو اختيار الشيخ أبي حامد - لأن ملك الزوج على البضع قبل الدخول كملكه عليه بعد الدخول؛ بدليل: أنه يملك المعاوضة عليه قبل الدخول كما يملك ذلك بعد الدخول، فلما ثبت أنهما إذا شهدا عليه بعد الدخول وجب عليهما مهر مثلها.. فكذلك قبل الدخول.
و [الطريق الثاني] : من أصحابنا من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
стр. 6999
فحيث قال: (يرجع عليهما بجميع مهر مثلها) أراد: إذا كان قد سلم إليها جميع مهرها، ثم شهدا عليه بالطلاق.
وحيث قال: (يرجع عليهما بنصف مهر مثلها) أراد: إذا لم يسلم إليها شيئا من المهر، ثم شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول.
والفرق بينهما: أنه إذا سلم إليها صداقها، ثم شهدا عليه بالطلاق.. فهو يقول: هي زوجتي وقد سلمت إليها ما تستحقه، ولا أستحق الرجوع عليها بشيء مما سلمته إليها؛ فلذلك استحق الرجوع على الشاهدين بجميع مهر مثلها، وإذا لم يسلم إليها صداقها؛ فالزوجة تقول: قد وقعت الفرقة بيننا قبل الدخول، فلا أستحق عليه إلا نصف المهر المسمى، فلا يغرم الزوج غير ذلك، فلا يرجع على الشاهدين إلا بقدر ذلك من مهر المثل.
والصحيح هو الطريق الأول؛ لأن الاعتبار بما أتلف الشاهدان على الزوج من البضع لا بما سلمه الزوج؛ بدليل: أنه إنما يرجع عليهما بمهر المثل أو بنصفه، ولا اعتبار بالمسمى.
[فرع ادعت نكاحه ودخوله وطلاقه فأنكر ذلك وشهد لها شهود فغرم ثم رجعوا]
وإن ادعت امرأة على رجل: أنه نكحها ودخل بها فطلقها ومهر مثلها ألفان، فأنكر الزوج النكاح والإصابة والطلاق، فشهد عليه شاهدان بالنكاح، وآخران بإقراره بالإصابة، وآخران بالطلاق، فحكم عليه الحاكم بذلك كله، ثم رجع جميع الشهود.. قال ابن الحداد: يرجع الزوج على شاهدي الطلاق؛ لأنهما حالا بشهادتهما بينه وبين بضعها وأتلفاه عليه.
فمن أصحابنا من خطأه في ذلك وقال: لا يرجع عليهما بشيء؛ لأنه منكر للنكاح والإصابة، فصار مقرا بأنه لم يملك بضعها، وإذا لم يملك بضعها.. فلم يتلف عليه شاهدا الطلاق شيئا؛ فلم يرجع عليهما بشيء.
стр. 7000
[فرع شهدا عليه بطلاق زوجته قبل الدخول ففرق بينهما ثم رجعا عن الشهادة]
وإن شهد عليه رجلان: أنه طلق امرأته قبل الدخول، وكان قد فرض لها صداقا، ففرق الحاكم بينهما وألزمه نصف المسمى، ثم رجع شاهدا الطلاق عن شهادتهما، ثم قامت بينة أنها ابنته أو أخته من الرضاع.. قال ابن الحداد: فإنه لا يجب على شاهدي الطلاق له شيء؛ لأنا تبينا أنه لم يكن بينهما نكاح، ويجب عليها أن ترد على الزوج ما أخذت منه؛ لأنا تبينا أن ذلك غير واجب عليه.
وإن شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول ولم يكن الزوج فرض لها مهرا، فحكم الحاكم بالفرقة وألزم الزوج المتعة، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما.. فإن الزوج لا يرجع بما دفع من المتعة عليهما؛ لأنه لا يرجع بما غرم، وإنما يرجع عليهما بقيمة البضع، وفي قدر ذلك طريقان، مضى ذكرهما.
فإذا طلقها قبل الدخول وكان قد فرض لها مهرا.. قال ابن الحداد: وإن شهدا عليه أنه طلق امرأته على ضمان ألف ومهر مثلها ألفان، ثم رجعا عن الشهادة.. فإنه يرجع عليهما بألف وهو تمام مهر المثل.
[فرع شهدا على طلاق رجعي فحكم بشهادتهما ثم رجعا]
وإن شهد رجلان على رجل بطلاق رجعي، فحكم بشهادتهما، ثم رجعا عن شهادتهما.. فحكى ابن الصباغ فيها وجهين:
أحدهما: يرجع عليهما بما يرجع عليهما بالطلاق البائن؛ لأن الطلاق يزيل ملكه عنها بانقضاء العدة.
والثاني: لا يرجع عليهما بشيء؛ لأنه يمكنه تلافي ذلك بالرجعة، وإنما تبين باختياره.
[فرع شهدا على امرأة بنكاح فحكم به ثم رجعا]
وإن شهد رجلان على امرأة بنكاح لرجل، فحكم الحاكم عليها بالنكاح، ثم رجع
стр. 7001
الشاهدان.. فقد قال بعض أصحابنا: إن كان قبل الدخول.. لم ترجع عليهما بشيء، وإن كان بعد الدخول.. غرما ما نقص من المسمى عن مهر مثلها.
فال ابن الصباغ: وينبغي أن يقال: إن كان قبل الدخول.. رجعت على الشهود - إن كان المهر المسمى دون مهر المثل - ببقيته.
[فرع شهد رجل وعشر نسوة على رضاع بين زوجين ثم حصل رجوع]
وإن شهد رجل وعشر نسوة على رجل: أن بينه وبين زوجته رضاعا يحرم فحكم الحاكم بالفرقة بينهما، ثم رجع الرجل وسبع نسوة.. قال ابن الحداد: فإن الزوج يرجع على الراجعين بربع مهر مثلها؛ لأنه انخرم ربع البينة وبقي ثلاثة أرباعها. وعلى قول المزني في ((المنثور)) وأبي إسحاق المروزي: يجب على الراجعين ثلاثة أرباع مهر مثلها، على الرجل سهمان، وعلى كل امرأة سهم.
وإن رجع الرجل وست نسوة.. فعلى قول ابن الحداد: لا شيء على الراجعين. وعلى قول المزني وأبي إسحاق: يرجع عليهم بثلثي مهر المثل.
وإن رجع الرجل: قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول ابن الحداد.. لا يجب على الراجع شيء؛ لأن البينة قائمة. وعلى قول المزني وأبي إسحاق.. يرجع عليه بسدس مهر مثلها.
[مسألة رجوع الشهود عن مال الرجل]
وإن كان المشهود به مالا؛ بأن شهدا عليه بمال لرجل وحكم الحاكم بالشهادة، ثم رجع الشهود عن الشهادة.. فقد ذكرنا: أن الحكم لا ينقض، ولا يجب على المشهود
стр. 7002
له رد ما أخذ، وهل يجب على الشهود الضمان؟ نقل المزني: (أنه لا ضمان عليهم) .
وقال فيمن أقر بدار في يده لزيد، ثم أقر بها لعمرو: إنها تسلم إلى زيد، وهل يغرم لعمرو شيئا؟ فيه قولان. واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: لا يجب على الشهود في المال إذا رجعوا الضمان قولا واحدا؛ لأن أيديهم لم تثبت على المال، فلم يلزمهم غرم بخلاف المقر؛ فإن يده ثبتت على الدار. وقال أكثرهم: فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليهم الضمان؛ لما ذكرناه.
والثاني: يلزمهم الضمان - وبه قال مالك وأبو حنيفة - وهو الأصح؛ لأنهم حالوا بين المشهود عليه وبين ماله بغير حق فلزمهم الضمان، كما لو غصبوه منه.
وما قاله الأول.. غير صحيح؛ لأن المال قد يضمن بغير اليد والإتلاف، وهو: إذا حفر بئرا في طريق الناس، فوقع فيها بهيمة أو عبد لرجل.. فإنه يجب على الحافر ضمانه.
فإذا قلنا بهذا: فإن شهد رجلان عليه بمال، فحكم الحاكم بشهادتهما عليه، ثم رجعا عن الشهادة.. وجب الضمان عليهما نصفين.
وإن رجع أحدهما دون الآخر.. وجب على الراجع نصف المشهود به عليه.
وإن شهد عليه ثلاثة رجال بمال، وحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم وبقي اثنان.. لم يجب عليه الضمان على قول ابن الحداد، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق: يجب عليه ضمان ثلث المشهود به.
فإن رجع اثنان منهم وبقي الثالث.. رجع عليهما على قول ابن الحداد بضمان نصف المشهود به، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق: يرجع عليهما بضمان ثلثيه.
وإن رجع الثلاثة كلهم.. رجع عليهم بالمشهود به بينهم أثلاثا.
стр. 7003
[فرع شهد أربعة على رجل بمال فحكم بها ثم رجعوا واحدا بعد واحد]
وإن شهد أربعة رجال على رجل بأربعمائة درهم وحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم عن مائة، ورجع الثاني عن مائتين، ورجع الثالث عن ثلاثمائة، ورجع الرابع عن أربعمائة.. فعلى ما حكاه المزني وقول أبي إسحاق: يلزم كل واحد منهم بحصته مما رجع عنه؛ فيلزم الراجع عن مائة خمسة وعشرون درهما، ويلزم الراجع عن مائتين خمسون، ويلزم الراجع عن ثلاثمائة خمسة وسبعون، ويلزم الراجع عن أربعمائة مائة.
وعلى قول ابن الحداد: لا يرجع عليهما بمائتين؛ لأن البينة قائمة فيهما، فإذا رجع الأول والثاني.. لا يرجع عليهما بشيء بنفس رجوعهما، فإذا رجع على الثالث والرابع.. فإن البينة قائمة في مائتين، وقد رجع الأربعة عن مائة، فيجب على الأربعة على كل واحد منهم ربعها، وقد رجع الثاني والثالث والرابع من المائة الثانية وبقي فيها الأول شاهدا، وكم يجب على الثاني والثالث والرابع من المائة التي رجعوا بها، فيه وجهان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: يرجع عليهم بثلاثة أرباعها؛ لأنها لزمته بشهادة أربعة، وقد بقي منهم واحد ثابتا على الشهادة.
والثاني: يجب عليهم نصفها؛ لأنه لم ينخرم إلا نصف البينة التي يلزم بها الحق.
[فرع شهد رجل وامرأتان أو أكثر على رجل بمال فحكم بها ثم رجعوا]
وإن شهد رجل وامرأتان على رجل بمال، فحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجعوا عن الشهادة.. وجب على الرجل ضمان النصف وعلى المرأتين ضمان النصف؛ لأن شهادة الرجل كشهادة المرأتين.
وإن شهد رجل وعشر نسوة بمال، فحكم بشهادتهم، ثم رجعوا عن الشهادة.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس وأبي يوسف -: أنه يجب على الرجل ضمان
стр. 7004
النصف وعلى النساء ضمان النصف؛ لأن النساء لا يحكم بشهادتهن بانفرادهن في المال، وإنما يحكم بشهادتهن في ذلك مع الرجل، فدل على أنهن حزب والرجل حزب، فوجب عليهن ضمان النصف وعلى الرجل ضمان النصف.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة -: أنه يجب على الرجل ضمان السدس وعلى النسوة ضمان خمسة أسداس.
وهو الأصح؛ لأن شهادة كل امرأتين بشهادة رجل، فهو كما لو شهد بالمال ستة رجال، ثم رجعوا.
فإن رجع ثمان نسوة.. لم يجب عليهن شيء على قول ابن الحداد، وعلى قول المزني وأبي إسحاق: يجب عليهن ثلثا المال.
وإن رجع منهن تسع.. وجب على التسع على قول ابن الحداد ربع المال، وعلى قول أبي إسحاق: يجب ثلاثة أرباع المال.
[فرع حكم بشهادة الفرع ثم رجع شاهدا الأصل]
وإن شهد شاهدان على شهادة رجلين بحق، فشهد شاهد الفرع بالحق، وحكم الحاكم بشهادتهما، فاعترف شاهدا الأصل: أنهما ادعياهما وأنهما رجعا عن الشهادة، وإنما ادعياهما لزور.. فإن الضمان يجب على شاهدي الأصل عندنا، وبه قال أبو حنيفة. وقال محمد: يجب الضمان على شاهدي الفرع.
دليلنا: أن الحق إنما يثبت بشهادة شاهدي الأصل، وشاهدا الفرع إنما يثبتان شهادتهما، فإذا رجعا.. لزمهما الضمان، كما لو شهدا بها عند الحاكم فحكم بها، ثم رجعا.
[فرع رجوع الشهود وتعزيرهم وماذا عن قبول شهادتهم]
وإذا شهد الشهود بحق ثم رجعوا.. فهل يعزرون؟ ينظر فيهم:
فإن وجب عليهم عند رجوعهم قصاص في نفس أو طرف.. لم يعزروا؛ لأن التعزير للردع، والذي يفعل بهم أبلغ من التعزير بالردع.
стр. 7005
وإن لم يلزمهم قصاص، وإنما لزمهم مال.. نظرت: فإن ذكروا أنهم أخطؤوا في الشهادة.. لم يعزروا؛ لأنهم معذورون في الخطأ، وإن قالوا: تعمدنا.. عزروا؛ لأنهم أقروا بارتكاب كبيرة مع العلم بها فاستحقوا التعزير.
وهل تقبل شهادتهم بعد رجوعهم؟
أما في الذي رجعوا عنه: فلا تقبل شهادتهم فيه بحال؛ لأنهم قد رجعوا عن الشهادة فيه.
وأما في غيره: فينظر فيه: فإن قالوا: تعمدنا الشهادة بالزور عليه.. لم تقبل شهادتهم إلا بعد التوبة والإصلاح، كما قلنا في شهادة الزور. وإن قالوا: أخطأنا.. قبلت شهادتهم في غيره؛ لأنهم معذورون في الخطأ، فلا تسقط به عدالتهم.
[مسألة موت الشهود أو طرو جنون أو إغماء]
أو فسق عليهم] :
وإذا شهد الشهود بحق، ثم ماتوا قبل أن يعرف الحاكم عدالتهم، ثم قامت البينة بعدالتهم بعد موتهم، أو ماتوا بعد ثبوت عدالتهم وقبل الحكم بشهادتهم، أو جنوا قبل ثبوت عدالتهم ثم ثبتت عدالتهم بعد جنونهم، أو جنوا بعد ثبوت عدالتهم وقبل الحكم بشهادتهم.. فللحاكم أن يحكم بشهادتهم في جميع ذلك؛ لأن الموت أو الجنون ليس بفسق، فلم يورث ذلك شكا في شهادتهم، فجاز الحكم بها، كما لو كانوا أحياء عقلاء.
وكذلك: إذا أغمي عليهم أو ارتدوا أو خرسوا أو عموا.. فإنه يجوز الحكم بشهادتهم.
وقال أبو حنيفة: (إذا عموا قبل الحكم بشهادتهم.. لم يجز الحكم بشهادتهم) .
وقد مضى ذلك والدليل عليه.
وأما إذا شهد الشهود بحق، ثم فسقوا قبل الحكم بشهادتهم.. لم يجز الحكم بشهادتهم؛ لأن الفسق إذا ظهر قبل الحكم.. أوقع شكا في العدالة حال الشهادة؛ لأن العادة في الناس أنهم يستترون في المعاصي ويظهرون الطاعات، فإذا ظهر الفسق.. دل على تقدم أمثاله، فلم يجز الحكم بشهادتهم.
следующие страницы →