Полный текст (7 092 стр.). Показаны 7071–7092 · переход к 7076.
стр. 7071
الشريطة الثالثة: إذا كان المقر به يمكن أن يكون ابنا للمقر؛ بأن يقر من هو ابن خمس عشرة سنة ببنوة من هو ابن خمس سنين أو أقل، فأما إذا أقر ببنوة من هو ابن سبع سنين أو أكثر.. لم يحكم بصحة إقراره؛ لأنا نقطع بكذبه.
إذا ثبت هذا: وأقر رجل ببنوة صغير أو مجنون مجهول النسب مما يجوز أن يكون ابنا للمقر، ثم بلغ الصغير أو عقل المجنون، فأنكر نسبه من المقر ولم يصادقه المقر على إنكاره.. لم يسمع إنكاره؛ لأن نسبه قد ثبت من المقر فلا يبطل بإنكاره، كما لو ادعى ملك صغير في يده مجهول الحرية، ثم بلغ الصغير وأنكر الرق.. فإنه لا يقبل إنكاره. فإن صادقه المقر أنه ليس بابنه.. فهل يسقط نسبه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط نسبه، كما لو أقر بمال فكذبه المقر له وصدقه المقر.
والثاني: لا يسقط، وهو الأصح؛ لأن النسب إذا ثبت.. لم يسقط، كالنسب الثابت بالفراش.
وإن كان المقر به بالغا عاقلا.. لم يثبت نسبه إلا بالشرائط المتقدمة، ويشترط مع ذلك شريطة رابعة؛ وهو: أن يصادقه المقر به؛ لأنه يمكن تصديقه فاعتبر ذلك، بخلاف الصغير والمجنون.
[فرع أقر بأن مملوكه وهو أكبر منه أنه ابنه]
إذا أقر رجل لمن هو أكبر منه أنه ابنه، وكان المقر به مملوكا للمقر.. فقد قلنا: إنه لا يثبت نسبه منه، ولا يعتق عليه عندنا. وقال أبو حنيفة: (يعتق عليه) .
دليلنا: أنه أقر بما يقطع بكذبه فيه، فلم يتعلق به حكم، كما لو قال لامرأته: إنها ابنته وهي أكبر منه.. فإن النكاح لا ينفسخ بينهما.
стр. 7072
[فرع إقراره ببنوة صغير وعلاقته بإثبات زوجية أمه]
وإن أقر ببنوة صغير.. لم يكن إقرار بزوجية أمه.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا بزوجية أمه إذا كانت مشهورة الحرية) .
دليلنا: أنه أقر بولد فلم يكن إقرارا بزوجية أمه، كما لو تكن مشهورة الحرية.
[فرع أقر ببنوته لميت مجهول النسب]
وإن أقر ببنوة ميت مجهول النسب يجوز أن يكون ابنا له، فإن كان المقر به صغيرا أو مجنونا.. ثبت نسبه من المقر وورثه.
وقال أبو حنيفة: (لا يثبت نسبه؛ لأنه متهم أنه قصد أخذ ماله) .
دليلنا: أنه سبب يثبت به نسبه كما لو كان حيا، فيثبت به نسبه إذا كان ميتا كالبينة.
وأما ثبوت التهمة.. فلا يمنع من صحة الإقرار، ألا ترى أنه يقبل إقراره بنسبه في حياته وإن كان متهما ليتصرف في ماله، وتجب نفقته فيه إذا كان معسرا؟
فإما إذا كان الميت المقر به بالغا عاقلا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يثبت نسبه؛ لأنه يعتبر في ثبوت نسبه تصديقه، وذلك غير ممكن بعد موته.
والثاني: يثبت، وهو الأصح؛ لأن تصديقه متعذر منه بعد موته، فسقط اعتباره، كالصغير والمجنون.
[فرع الإقرار بالنسب على غيره]
وإن كان المقر بالنسب يحتمل نسب المقر به على غيره.. لم يثبت بذلك النسب بينه وبينه. فإن كان من بينه وبينه حيا.. لم يصح إقرار المقر؛ لأنه فرع لغيره، فلا يثبت النسب إلا بعد ثبوته من الأصل. وإن كان من بينه وبينه ميتا؛ بأن يقر برجل أنه
стр. 7073
أخوه لأبيه أو لأمه أو لأب وأم ميتين، فإن كان المقر لا يرث أباه أو أمه؛ بأن كان عبدا أو كافرا أو قاتلا.. لم يثبت إقراره بأخيه؛ لأنه إذا لم يقبل إقراره على أبيه أو أمه بدين.. فلأن لا يقبل إقراره عليهما بابن لهما أولى.
وإن كان يجوز ميراثهما.. نظرت في المقر به: فإن كان بحيث لو أقر به الأب أو الأم لم يثبت نسبه منه؛ بأن كان المقر به أكبر أو ثابت النسب من غيرهما.. لم يصح الإقرار. وإن كان بحيث لو أقر به الأب أو الأم قبل إقراره.. نظرت: فإن كان الأب أو الأم قد نفى نسبه عن نفسه.. فذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه لا يقبل إقرار الأخ به؛ لأنه يريد أن يحمل على غيره نسبا قد نفاه عن نفسه.
وذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: أنه إذا نفى نسب ولده باللعان، ثم مات الأب وأقر به وارثه.. ثبت نسبه؛ لأن تركته قد صارت له، فقبل إقراره.
وإن لم ينف الأب أو الأم نسب المقر به.. ثبت نسبه بإقرار الوارث لهما.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يثبت) .
دليلنا: ما روي: «أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة تنازعا في ابن أمة زمعة، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقضى به النبي ﷺ لعبد بن زمعة» .
[فرع مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بأخ له من أبيه]
إذا مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ له من أبيه، وأنكر الثاني ذلك.. لم يثبت نسب المقر به؛ لأن النسب لا يتبعض فلا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر، وهو إجماع. وهل يشارك المقر به المقر فيما في يده من التركة؟
قال أصحابنا الخراسانيون: فيه قولان:
أحدهما: لا يشاركه. وهو المشهور.
стр. 7074
والثاني: يشاركه. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد.
وقال سائر أصحابنا العراقيين: لا يشاركه في الحكم قولا واحدا؛ لأنه أقر بنسب لم يثبت فلم يشارك في الميراث، كما لو أقر بنسب مشهور النسب. وهل يلزم هذا المقر إذا كان صادقا في إقراره فيما بينه وبين الله تعالى أن يدفع إليه ما يستحق مما في يده؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه إنما يستحق ذلك بالنسب، ولم يثبت نسبه.
والثاني: يلزمه، وهو الأصح؛ لأن نسبه ثابت فيما بينه وبين الله تعالى.
فإذا قلنا بهذا: فكم يلزمه أن يدفع إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نصف ما في يده - وهو قول أبي حنيفة - لأنهما اتفقا على أن المنكر أخذ الذي أخذه وهو لا يستحقه فصار كالغاصب.
والثاني: لا يلزمه أن يدفع إليه إلا ثلث ما في يده - وهو قول مالك - لأن التركة بينهم أثلاث فلا يستحق مما في يده إلا الثلث، كما لو قامت بينة على نسبه.
وأصل هذين الوجهين: القولان في أحد الابنين إذا أقر بدين على أبيه فكذبه أخوه.
وحكى ابن اللبان وجها ثالثا: أنه يدفع إليه ثلث ما في يده ويضمن له سدس ما بيد أخيه؛ لأن يده قد ثبتت على نصف جميع التركة وسلم إلى أخيه ذلك. ولو كان الحاكم حكم عليه بالقسمة وأقرع بينه وبين أخيه.. لم يلزمه ضمان ذلك.
فعلى هذا: لو لم يعلم بالأخ المجهول حين قاسمه أخوه.. فهل يضمن له؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضمن؛ لأنه قاسمه وسلمه.
والثاني: لا يضمن؛ لأن القسمة وجبت في الظاهر.
стр. 7075
[فرع مات وخلف ورثة وأنكر بعضهم النسب من الميت]
وإن مات رجل وخلف جماعة ورثة، فإن أقر اثنان منهم بنسب الميت وأنكر الباقون.. لم يثبت نسب المقر به، سواء كان المقران عدلين أو فاسقين.
وقال أبو حنيفة: (يثبت؛ لأن قولهما بينة) .
دليلنا: أنه إقرار من بعض الورثة، فلم يثبت به النسب، كما لو كانا فاسقين. ولأنه لو كانت بينة.. لاعتبر فيها لفظ الشهادة.
[فرع ادعى مجهول أنه أخ لجماعة من أبيهم]
وإن مات رجل وخلف أولادا معروفي النسب منه، فادعى رجل مجهول النسب أنه أخوهم لأبيهم فأنكروه، فإن أقام بينة.. قضي له. وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قولهم مع أيمانهم؛ لأن الأصل عدم ثبوت نسبه. فإن حلفوا له.. فلا كلام، وإن ردوا عليه فحلف.. ثبت نسبه ويشاركهم في الميراث. وإن حلف له البعض، ونكل البعض عن اليمين.. فهل يحلف المدعي على الذي رد عليه اليمين؟
إن قلنا: إنه يشاركه في الميراث لو أقر له.. حلف.
وإن قلنا: لا يشاركه.. فهل يحلف له؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحلف؛ لأن يمينه لا تفيد لأجل من حلف.
والثاني: يحلف؛ لأن الحالفين قد يقرون فتثبت يمينه على الناكلين، ولا يؤمن إذا لم يحلف أن لا ينكلوا بعد ذلك.
[فرع إقرار أحد الابنين بزوجة لأبيهما]
وإن مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بزوجة لأبيه وارثة وأنكر أخوه:
стр. 7076
فإن قلنا: لو أقر بأخ ثالث وأنكره الآخر شاركه فيما في يده.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا: لا يشاركه الأخ.. فهل تشاركه الزوجة فيما في يده؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تشاركه، كما لو أقر بأخ.
والثاني: تشاركه؛ لأن المقر به حصتها من الميراث.
أما الزوجية: فقد زالت بالموت، فإذا قلنا: تشاركه.. فبكم تشاركه؟ على الأوجه الثلاثة في الأخ.
[فرع مات وخلف بنتا فأقرت بأخ لها من أبيها ولا وارث غيرها]
وإن مات رجل وخلف بنتا لا غير، فأقرت بأخ لها من أبيها ولم يكن هناك عصبة، فإن كانت تحوز جميع الميراث؛ بأن كانت مولاة.. ثبت نسب الابن المقر به وورث معها. وإن كانت لا تحوز جميع الميراث.. فإن باقي الميراث للمسلمين.
فإن لم يقر معها الإمام.. لم يثبت النسب، فإن قلنا: لا يشاركها فيما بيدها.. فلا كلام.
وإن قلنا: يشاركها، فإن قلنا: إن الأخ الذي أقر به الأخ مع إنكار أخيه يأخذ منه ثلث ما بيده.. قال القاضي أبو الفتوح: أخذ الأخ هاهنا خمسي ما بيدها.
والذي يقتضي المذهب: أنه يأخذ ثلث ما بيدها لا غير على هذا.
وإن قلنا: إن الأخ يأخذ من أخيه نصف ما بيده.. أخذ الأخ هاهنا ثلثي ما بيدها.
وإن أقر معها الإمام.. فهل يثبت نسب المقر به؟ فيه وجهان - حكاهما الشيخ أبو إسحاق -:
أحدهما: لا يثبت نسب المقر به؛ لأن الإمام لا يرث المال، وإنما هو نائب عن المسلمين في القبض فلم يثبت إقراره، كالوكيل إذا أقر على موكله بغير إذنه.
والثاني: يثبت نسبه - ولم يذكر ابن الصباغ غيره - لأنه نافذ الإقرار في بيت المال.
стр. 7077
[فرع أقرت امرأة أو خنثى بولد]
فإن أقرت المرأة بولد يمكن أن يكون منها.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يقبل.
والثاني: لا يقبل.
والثالث: إن كانت غير فراش لرجل.. قبل، وإن كانت فراشا.. لم يقبل، وقد مضت هذه الأوجه بعللها في (اللقيط) .
قال ابن اللبان: فمن قبل إقرار المرأة بالولد.. قبل إقرار ورثتها بولدها، ومن لم يقبل إقرارها.. لم يقبل إقرار ورثتها إلا أن يصدقهم زوجها. قال: وكذلك من قبل إقرار المرأة.. قبل الإقرار بالأم، ومن لم يقبل إقرار المرأة.. لم يقبل الإقرار بالأم لإمكان إقامة البينة. وإن أقر الخنثى بولد، فإن بان رجلا.. فهو كالرجل، وإن بان امرأة.. فقد مضى بيان حكم إقرار المرأة. وإن كان باقيا على الإشكال: فإن قلنا: للمرأة دعوى في النسب.. ثبت نسبه؛ لأنه إن كان رجلا.. ثبت، وإن كان امرأة.. صح.
فعلى هذا: إذا مات الولد المقر به قبل أن يتبين حال الخنثى.. ورث منه ميراث أم ووقف الباقي على البيان. وإن قلنا: لا دعوى للمرأة.. قال القاضي: احتمل أن لا يقبل إقرار الخنثى لاحتمال كونه امرأة، ويحتمل أن يقبل، وهو الصحيح. ويثبت النسب بقوله؛ لأن النسب يحتاط لإثباته ولا يحتاط لإسقاطه.
فإن مات الخنثى المقر، ثم مات الولد المقر به وللخنثى إخوة.. فهل يرثون الولد إذا كان خلف مالا؟ قال القاضي: الذي يقتضيه المذهب: أنهم لا يرثون؛ لأنهم يحتملون أن يكونوا أعماما فيرثوا، ويحتمل أن يكونوا أخوالا فلا يرثوا، فلم يرثوا مع الشك. ولو مات هذا الخنثى وخلف أبويه، ثم مات الولد المقر به.. فإن الأب لا يرث من ولد الخنثى، وترث أم الخنثى منه.
ولو قتل هذا الولد.. لم يكن لإخوة الخنثى ولا لأبيه القصاص. ولو أبرأ أبو الخنثى القاتل.. احتمل أن يقال: سقط القصاص عن هذا القاتل؛ لأن القصاص
стр. 7078
يسقط بالشبهة، ويحتمل أن يكون جدا أبا أب، ولسنا نقطع بكونه غير وارث أصلا.
قال: ويحتمل أن لا يسقط القصاص وهو الظاهر.
[فرع مات عن زوجة وأخ لأب وأقرت الزوجة بابن]
وإن مات رجل وخلف زوجة وأخا لأب، فأقرت الزوجة بابن للميت وأنكر الأخ.. لم يثبت نسب الابن. فإن كان المال في يد الأخ.. لم تأخذ الزوجة منه إلا الثمن؛ لأنه لا تدعي سواه. وإن كان في يدها.. لم يأخذ الأخ إلا ثلاثة أرباعه. هكذا ذكر أكثر أصحابنا. قال ابن الصباغ: لها أن تأخذ الربع من الأخ؛ لأن ذلك لا يلزمها في الحكم. فإذا أخذت الربع.. وجب عليها فيما بينها وبين الله تعالى أن تدفع نصفه إلى الابن الذي أقرت به.
[فرع مات عن ابنين أحدهما مجنون فأقر العاقل بثالث]
وإن مات رجل وخلف ابنين، أحدهما بالغ عاقل والآخر مجنون أو صغير، فأقر البالغ العاقل بأخ ثالث.. لم يثبت نسبه؛ لأنه لا يحوز جميع الميراث.
فإن أفاق المجنون أو بلغ الصبي وأقر معه بالأخ الذي أقر به.. ثبت نسبه.
وإن مات الصغير أو المجنون: فإن كان لهما وارث غير الأخ البالغ المقر.. قام مقامهما في الإقرار. وإن لم يكن لهما وارث غير الأخ البالغ العاقل.. ثبت نسب المقر به بإقراره الأول؛ لأنه قد صار جميع الورثة.
وإن مات رجل وخلف ابنين عاقلين بالغين، فأقر أحدهما بأخ ثالث وأنكره أخوه، ثم مات المنكر ولا وارث له غير المقر.. فهل يثبت نسب المقر به؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يثبت؛ لأن النسب لا يثبت مع إنكار الورثة، وقد كان الأخ منكرا لنسبه.
والثاني: يثبت نسبه، وهو المذهب؛ لأن المنكر سقط إنكاره بموته، وقد صار المقر جميع الورثة.
فعلى هذا: إن خلف المنكر ولدا.. اعتبر إقراره مع عمه؛ لأنه يقوم مقام أبيه.
стр. 7079
[فرع أقر بالغ عاقل بأخ مثله ثم أقر بثالث]
وإن مات رجل وخلف ابنا بالغا عاقلا فأقر بأخ بالغ عاقل فصدقه.. ثبت نسبه. فإن أقرا معا بنسب أخ ثالث بالغ عاقل.. ثبت نسب الثالث. فإن أنكر الثالث نسب الثاني.. ففيه وجهان - حكاهما الشيخ أبو إسحاق -:
أحدهما: لا يقبل إنكاره؛ لأنه فرع له، فلا يسقط بقوله.
والثاني - ولم يذكر ابن الصباغ غيره -: أنه يسقط نسب الثاني؛ لأن الثالث ابن وارث، فاعتبر إقراره في ثبوت نسب الثاني، وهاهنا يقول الثالث: أدخلني أخرجك.
[فرع مات مسلم أو كافر وخلف ابنين مسلما وكافرا فأقر أحدهما بثالث]
وإن مات مسلم وخلف ابنين وكافرا، فأقر الابن المسلم بأخ ثالث.. ثبت نسبه؛ لأنه هو الوارث. فإن كان المقر به مسلما.. ورث معه، وإن كان كافرا.. لم يرث. وإن مات كافر وخلف ابنين مسلما وكافرا، فأقر الكافر بأخ ثالث.. ثبت نسبه. فإن كان المقر به كافرا.. ورث، وإن كان مسلما.. لم يرث.
[فرع مات وخلف ابنا فأقر بأخوين أو بتوأمين]
وإن مات رجل وخلف ابنا، فأقر بأخوين في وقت واحد، فصدق كل واحد منهما صاحبه.. ثبت نسبهما. وإن كذب كل واحد منهما صاحبه.. لم يثبت نسبهما. وإن صدق أحدهما صاحبه وكذبه الآخر.. ثبت نسب المصدق دون المكذب.
وإن أقر الابن بنسب أحد التوأمين.. ثبت نسبهما، فإن أقر بهما وكذب أحدهما الآخر.. لم يؤثر التكذيب في نسبهما؛ لأنهما لا يفترقان في النسب.
[فرع الإقرار بعم]
فرع: [في الإقرار بعم] :
وإن كان بين المقر والمقر به اثنان؛ مثل أن يقر بعم. فقد قال بعض أصحابنا: يعتبر تصديق الأب والجد.
стр. 7080
والذي يقتضي المذهب: أنه لا يعتبر تصديق الأب هاهنا، بل يكفي تصديق الجد؛ لأنه هو الأصل الذي يثبت النسب منه، ولو كذبه ابنه لم يؤثر تكذيبه، فلا معنى لاعتبار تصديقه الابن.
[مسألة خلف أخا لأب فأقر بابن]
وإن مات رجل وخلف أخا لأب، فأقر بابن للميت.. ثبت نسب الابن، وهل يرث؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال أبو العباس: يرث - واختاره ابن الصباغ - لأنه إذا ثبت نسبه.. فالميراث مستحق بالنسب، فلا يجوز أن يثبت النسب ولا يثبت الميراث.
وقال سائر أصحابنا: لا يرث، وهو الأصح؛ لأنا لو ورثنا الابن.. لخرج الأخ عن أن يكون وارثا، وإذا لم يكن وارثا.. لم يقبل إقراره بالنسب؛ وإذا لم يقبل إقراره بالنسب.. لم يثبت نسب الابن ولا ميراثه؛ فإثبات الميراث له يؤدي إلى نفي نسبه وميراثه، فأثبتنا النسب وأسقطنا الميراث، ولنا مثل هذه المسألة ثمان مسائل:
إحداهن: إذا تزوجت الحرة بعبد بألف في ذمته، وضمن السيد عن المهر، ثم باعه منها بالألف التي ضمنها قبل الدخول.. فلا يصح البيع، وقد مضى بيانها في (الصداق) .
الثانية: إذا أعتق في مرض موته جارية وتزوجها، ثم مات.. فإنها لا ترثه، وقد مضى ذكرها.
الثالثة: إذا أعتق في مرض موته جارية قيمتها مائة وتزوجها على مائة، ومات وخلف مائتين لا غير.. فلا ميراث لها ولا صداق، وقد مضت أيضا.
الرابعة: إذا كانت له جارية قيمتها مائة، وزوجها من عبد على مائة وأعتقها قبل الدخول، وخلف مائة لا غير.. فلا يثبت لها الفسخ، وقد مضت أيضا.
الخامسة: إذا أعتق عبدين، ثم ادعى رجل أن المعتق كان غصبهما منه، وقد صارا عدلين فشهدا للمدعي بذلك.. فلا تقبل شهادتهما؛ لأنا لو قبلنا شهادتهما.. بطل عتقهما، وإذا بطل عتقهما.. بطلت شهادتهما.
стр. 7081
السادسة: إذا أعتق عبدين في مرض موته وخرجا من ثلثه، فادعى رجل أن له على الميت دينا ينقص الثلث عن قيمتها وشهد له بذلك العبدان.. لم تقبل شهادتهما؛ لما مضى في التي قبلها.
السابعة: إذا اشترى أباه أو ابنه في مرض موته.. فإنه لا يرثه، وقد مضى بيانها.
الثامنة: إذا أوصى له بأبيه أو بابنه فقبل الوصية في مرض موته.. فإنه لا يرثه، وقد مضت.
[فرع خلف أخا لأب فجاء مجهول وادعى أنه ابن الميت]
وإن مات رجل وخلف أخا لأب، فجاء رجل مجهول النسب فادعى أنه ابن الميت، وأنكر الأخ، فإن كان مع الابن بينة.. قضي له، وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قول الأخ مع يمينه.. فإن حلف الأخ.. انصرف المدعي، وإن نكل الأخ عن اليمن فحلف الابن.. ثبت نسبه، وهل يرث؟ إن قلنا: إن يمينه بمنزلة بينة يقيمها.. ورث. وإن قلنا: إنها كإقرار الأخ.. لم يرث على قول أكثر أصحابنا، ويرث على قول أبي العباس وابن الصباغ.
[مسألة إقرار مسلم بولد جاء مع امرأة رومية إلى دار الإسلام]
وإن خرجت امرأة من أرض الروم إلى دار الإسلام ومعها ولد صغير، فأقر رجل في دار الإسلام أنه ولده منها.. لحقه نسبه وإن لم يعرف الرجل أنه خرج إلى دار الروم، ولا عرفت المرأة أنها خرجت إلى دار الإسلام؛ لإمكان أن يكون الرجل خرج إلى دار الروم ولم يعلم به فأصابها بنكاح أو شبهة، أو خرجت إلى دار الإسلام ولم
стр. 7082
يعلم بها فأصابها بنكاح أو شبهة، ويجوز أن يكون تزوجها وهي في دار الروم وبعث إليها بمائة فاستدخلته. هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال القفال: إنما يلحق به الولد إذا كان إمكان الوطء بنكاح أو بشبهة نكاح حاصلا؛ بأن لا يعرف حاله، فأما إذا عرف حاله؛ بأن لم يغب عن أعيننا، أو غاب مدة لا يتصور بلوغه إلى تلك الأرض، وعلم أيضا أن المرأة لم تغب طوال عمرها إلى دار الإسلام إلى الآن، فلا يثبت النسب. وقال الشافعي ﵀ في موضع: (لا يلحقه نسبه) .
وقال في موضع: (يلحقه نسبه) . وليست على قولين وإنما هي على اختلاف حالين:
وحيث قلنا: يثبت النسب.. فلا اعتبار بتصديق المرأة وتكذيبها؛ لأن النسب حقه وحق الولد وقد أقر به.
قال المسعودي [في ((الإبانة)) ق\٢٩٩] : إذ صارت المرأة فراشا لرجل ومعها ولد، فأقرت أنه ولد لغيره.. لم يقبل قولها، بل القول قول صاحب الفراش.
[مسألة ادعاء نسب لأجل إرث]
إذا مات رجل ولا وارث له معروف، فجاء رجل وادعى أنه وارثه.. لم تسمع دعواه حتى يبين سبب الميراث؛ لأنه قد يعتقد أنه وارث بسبب لا يورث به كالمحالفة، أو يكون من ذوي الأرحام. فإن بين سببا يورث به.. لم يحكم له بالميراث حتى يقيم البينة وشاهدين ذكرين عدلين ويذكرا نسبا أو سببا يورث به، فإن ذكرا وقالا: لا نعلم له وارثا سواه وهما من أهل الخبرة الباطنة بحاله.. حكم للمدعي بالميراث. وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يثبت الإرث حتى يقولا: لا وارث له غيره على وجه القطع؛ لأنهما إذا قالا: لا نعلم له وارثا سواه.. فلم ينفيا غيره ويجوز أن يكون هناك وارث غيره موجود لا يعلمانه. وهذا خطأ؛ لأنهما لا يمكنهما
стр. 7083
ذلك؛ لجواز أن يكون تزوج امرأة سرا، أو وطئ امرأة بشبهة وأتت منه بولد. فإن قالا: نشهد أنه لا وارث له غيره.. قال الشافعي ﵀: (سألتهما عن ذلك، فإن قالا: أردنا أنا لا نعلم له وارثا غيره.. كان كما لو صرحا به. وإن قالا: نريد به قطعا ويقينا.. قيل لهما: قد أخطأتما؛ لأنه قد يجوز أن يكون له وارث لا تعلمانه، ولا ترد شهادتهما بذلك) . وقال أبو حنيفة: (القياس أن ترد شهادتهما؛ لأنهما كذبا، ولكن لا ترد استحسانا) .
دليلنا: أنهما إذا صحباه الزمن الطويل وعرفا حاله.. جرى ذلك مجرى القطع، فلم ينسبا إلى الكذب. وإن لم يكونا من أهل الخبرة الباطنة بالميت، أو كانا من أهل الخبرة الباطنة به إلا أنهما لم يقولا: لا نعلم له وارثا سواه.. فإنه يثبت بذلك نسب المدعي، ولا يثبت بذلك نفي نسب غيره. فإن كان له فرض لا يحجب عنه، كالأبوين والزوجين.. أعطي أقل فرض يستحقه بحال، فيعطى كل واحد من الأبوين سدسا عائلا، ويدفع إلى الزوج ربع عائل. قال الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: ويدفع إلى الزوجة ثمن عائل. وقال أبو علي في " الإفصاح ": يدفع إليها ربع ثمن عائلا، وقد مضى مثل ذلك في (الدعاوى) .
وإن كان المدعي ممن له تعصيب.. بعث الحاكم إلى البلاد التي كان يسافر إليها الميت ويقيم بها فيسأل بها: هل له وارث؟ فإن لم يوجد له وارث ومضت مدة لو كان له وارث لظهر.. نظر في المدعي، فإن كان ممن لا يحجب، كالأب والابن.. دفعت التركة إليه.. وإن كان ممن يحجب، كالأخ وابن الأخ.. ففيه وجهان:
стр. 7084
أحدهما: لا يدفع إليه شيء؛ لجواز أن يكون هناك وارث يحجبه.
والثاني: يدفع إليه؛ لأن الظاهر مع البحث أنه لا وارث له؛ إذ لو كان له وارث.. لظهر. ويؤخذ منه كفيل بما أخذه. وهل يجب أخذ الكفيل منه أو يستحب؟ فيه وجهان، مضى بيانهما في (الدعاوى) .
[مسألة له أمتان ولكل ولد فألحق أحدهما لا بعينه بنسبه]
إذا كان لرجل أمتان، لكل واحدة منهما ولد، فقال السيد: أحدهما ابني.. لحقه نسب أحدهما لا بعينه وطولب بتعيينه. وإنما يتصور هذا بشرطين:
أحدهما: إذا لم يكن لإحداهما زوج.
والثاني: إذا لم يقر السيد بوطء إحداهما.
فأما إذا كان لكل واحدة منهما زوج، أو لإحداهما زوج وأمكن أن يكون الولد منه.. فإن الولد يلحق به دون السيد. فإن أقر السيد بوطئهما أو بوطء إحداهما.. فإن التي أقر بوطئها تكون فراشا له، فإذا أتت بولد لأقل مدة الحمل.. لحقه من غير إقرار. فإذا عدم الشرطان.. فإنه يطالب ببيان ولده منهما، فإن قال: هذا ولدي.. حكم بحريته ويسئل عن سبب استيلاده: فإن قال: استولدتها في ملكي.. ثبت لأمه حرمة الاستيلاد، ولا ولاء على الولد. وإن قال: استولدتها في نكاح.. كانت أمه قنا، وثبت له على ولده الولاء؛ لأنه ملكه، ثم عتق عليه. فإن قالت الأمة الأخرى: بل أنا التي أقررت بحرية ولدي، فإن صدقها.. كان الحكم فيها وفي ولدها كالذي أقر به أولا، ولا يبطل بذلك إقراره للأمة الأولى ولولدها. وإن كذب الثانية.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف.. سقطت دعوى الثانية ورقت ورق ولدها.
فإن مات.. ورثه الابن المقر به، فإن كان أقر أنه استولد أمه في ملكه.. عتقت بموته. وإن أقر أنه استولدها في نكاح.. لم تعتق عليه بموته، وإن لم يكن له وارث غير ابنها.. عتقت على ابنها، وإن كان مع الابن وارث.. عتق على الابن
стр. 7085
نصيبه ولا يقوم عليه الباقي. وإن مات السيد قبل أن يبين.. قام وارثه مقامه في البيان، فإن بين الولد منهما وكيفية الاستيلاد.. كان الحكم فيه كما لو بين السيد. وإن بين الوارث الولد منهما وقال: لا أدري كيف كان الاستيلاد.. ففيه وجهان:
أحدهما: تكون الأم رقيقة؛ لأن الأصل فيها الرق.
والثاني: تكون أم ولد؛ لأن الظاهر ممن أقر بولد أمته أنه استولدها في ملكه.
وإن امتنع الورثة من التعيين، فإن لم يدع الولدان عليهم بالعلم.. فلا كلام. وإن ادعيا عليهم بالعلم.. حلفوا أنهم لا يعلمون، ويعرض الولدان على القافة، فإن ألحقت القافة به أحدهما.. لحقه وكان حرا. فإن كان السيد قد أقر أن أحدهما ابنه استولد أمه في ملكه.. لم يكن على الولد الذي ألحقته القافة به ولاء وعتقت أمه بموت السيد. وإن كان قد أقر أنه ابنه من نكاح.. كان على الولد الولاء ولم تعتق أمه بموت السيد. وإن لم يتقدم منه إقرار بكيفية الاستيلاد.. فهل تكون أمه أم ولد؟ على الوجهين إذا عين الوارث الولد ولم يبين كيفية الاستيلاد، ويحتمل أن يكون في ثبوت الولاء على الولد الذي ألحقته القافة به هذان الوجهان. وإن لم يكن هناك قافة، أو كانت هناك قافة وأشكل عليها الولد منهما.. أقرع بين الولدين للحرية؛ لأن للقرعة مدخلا في تمييز الحر من الرقيق. فإذا خرجت القرعة لأحدهما.. عتق، ويحتمل أن يكون في ثبوت الولاء عليه الوجهان، ولا يثبت نسبه من المقر؛ لأن النسب لا يثبت بالقرعة، ولا يحكم لأحدهما بالميراث؛ لأنه لم يثبت نسب أحدهما. وهل يوقف من ماله ميراث ابن؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال المزني: يوقف؛ لأنا نتيقن أن أحدهما ابن وارث.
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: لا يوقف؛ لأن الشيء إنما يوقف إذا رجي انكشافه، وهذا لا يرجى انكشافه، ويحتمل أن يكون الحكم في أم ذلك الولد حكم أم من ألحقت به القافة منهما.
هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة: (يعتق من كل واحد منهما نصفه، ويستسعى في قيمة باقيه، ولا يرثان) . وقد مضى الدليل عليه في (العتق) .
стр. 7086
[مسألة أقر بإلحاق أحد أولاد أمته الثلاثة من دون تعيين]
وإن كان لرجل أمه لها ثلاثة أولاد، فقال سيدها: أحد هؤلاء ولدي.. فهو إقرار صحيح، ويرجع إليه في بيان الولد منهم، وإنما يتصور هذا بشرطين:
أحدهما: أن لا يكون للأمة زوج، فإن كان لها زوج وأتت بولد يمكن أن يكون منه.. لحق به، ولا يقبل إقرار السيد به.
والثاني: إذا لم يقر السيد بوطئها في وقت، فأما إذا أقر بوطئها في وقت.. فما أتت به من ولد لأقل مدة الحمل من ذلك الوقت لحق به من غير إقرار. فإذا ثبت أنه يرجع إليه في بيان الولد منهم.. نظرت: فإن أقر أن الأصغر منهم ولده.. حكم بحريته ويثبت نسبه منه، ويطالب بكيفية الاستيلاد. فإن قال: استولدتها في ملكي.. لم يثبت على الولد الولاء، وكانت الجارية أم ولد له والولدان الآخران مملوكين.
وإن قال: استولدتها في نكاح.. فالولد حر، وعليه له الولاء، والأمة مملوكة.
وإن قال: استولدتها بشبهة.. فالولد حر، وعليه له الولاء، وهل يثبت للأمة حرمة الاستيلاد؟ على قولين. وإن لم يعين جهة الاستيلاد.. فهل يثبت للأمة حرمة الاستيلاد؟
على وجهين، مضى ذكرهما في التي قبلها، ويحتمل أن يكون في ثبوت الولاء على الولد هذان الوجهان. وأما إذا قال: الولد الأوسط ولدي.. حكم بحريته وثبوت نسبه منه فإن قال: استولدتها في ملكي.. فلا ولاء على الولد، وتثبت للأم حرمة الاستيلاد فيه، وهل يثبت للولد الأصغر ما يثبت للأمة من حرمة الاستيلاد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت له ذلك؛ لأنه ولد أم ولد.
والثاني: لا يثبت له؛ لأنه يجوز أن يكون استولدها وهي مرهونة، فلم يثبت لها حرمة الاستيلاد في الحال، ثم بيعت في الرهن، ثم أتت بالولد الأصغر في غير ملكه، ثم ملكها بعد ذلك، فثبت لها حرمة الاستيلاد دون الولد الأصغر.
стр. 7087
وإن قال: استولدتها في نكاح.. ثبت على الأوسط الولاء، ولا يثبت للأم حرمة الاستيلاد، والأصغر مملوك. وإن قال: استولدتها بشبهة.. فعلى الوسط الولاء، وهل تثبت للأم حرمة الاستيلاد؟ على القولين. فإن قلنا: لا تثبت لها.. فالأصغر مملوك. وإن قلنا: تثبت لها.. فهل تثبت للأصغر حرمة الاستيلاد؟ على وجهين. وأما الولد الأكبر: فمملوك بكل حال. وإن قال: الولد الأكبر ابني.. حكم بحريته وثبوت نسبه منه، والحكم في الأوسط والأصغر حكم الأصغر إذا عين الأوسط على ما مضى. فإن مات السيد قبل أن يبين.. قام وارثه مقامه في البيان، فإن بين الوارث الولد وكيفية الاستيلاد.. فهو كما لو بينة السيد، وإن بين الولد ولم يبين جهة الاستيلاد.. حكم بحرية الولد الذي بينه الوارث وثبوت نسبه من السيد، وهل يثبت للأمة حكم الاستيلاد؟ على الوجهين في التي قبلها. فإن بين الولد الأصغر.. فالولد الأكبر والأوسط مملوكان. وإن بين الأكبر.. فهل يثبت للأوسط والأصغر حرمة الاستيلاد؟ إن قلنا: لا يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. لم يثبت لهما. وإن قلنا: يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. فهل يثبت لهما حرمة الاستيلاد؟ على الوجهين اللذين مضى بيانهما. وإن لم يبين الوارث الولد منهم، أو لا وارث له.. عرض الأولاد الثلاثة على القافة، فإذا ألحقت به أحدهم.. لحقه نسبه وحكم بحريته. فإن كان قد تقدم من السيد إقرار أنه استولدها في ملك أو نكاح أو شبهة.. كان الحكم فيه كما لو عين السيد الولد منهم وبين جهة الاستيلاد على ما مضى. وإن لم يتقدم من السيد إقرار بجهة الاستيلاد.. فهل يثبت للأمة حرمة الاستيلاد؟ على وجهين، قد مضى بيانهما. فإن ألحقت القافة به الأصغر.. فالولد الأكبر والأوسط مملوكان، وإن ألحقت به الأكبر: فإن قلنا: لا يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. فالولد الأوسط والأصغر مملوكان. وإن قلنا: يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. فهل تثبت حرمة الاستيلاد للأوسط والأصغر؟ على وجهين. وإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها الولد منهم.. أقرع بين الأولاد الثلاثة؛ لأن للقرعة مدخلا في تمييز الحر من الرقيق، فإذا خرجت القرعة لأحدهما.. حكم بحريته، ولا يثبت نسبه من السيد؛ لأنه لا مدخل للقرعة في إثبات النسب، وهل يوقف من ماله ميراث ابن؟ على وجهين، مضى بيانهما في التي قبلها.
стр. 7088
[مسألة اختلفا في كون الجارية بيعت أم زوجت]
] : إذا كان في يد رجل جارية فانتقلت منه إلى رجل فوطئها ولم يحبلها، فاختلفا في جهة انتقالها إليه، فقال من انتقلت منه: بعتكها بألف لم أقبضها منك، وقال من هي في يده: بل زوجتنيها بألف.. فإن كل واحد منهما يحلف على نفي ما ادعى عليه؛ لأن الأصل عدمه. فيحلف الذي انتقلت منه أني ما زوجتكها، ويحلف من هي بيده أني ما اشتريتها.
فإن حلفا معا.. حكمنا بزوال العقدين، ولا يستحق من انتقلت منه على من هي بيده مهرا؛ لأن من هي بيده مقر به لمن لا يدعيه، وترد الأمة إلى الذي انتقلت منه. واختلف أصحابنا لأي معنى رجعت إليه: فمنهم من قال: رجعت إليه بمعنى: من اشترى جارية بثمن، فأفلس المشتري ورجع البائع إلى جاريته فعلى هذا: يفسخ البيع وتعود إليه الجارية ويملك وطأها. ومنهم من قال: رجعت إليه بمعنى: من كان له على غيره حق ولم يقدر عليه، ووجد له شيئا من ماله من غير جنس حقه.
فعلى هذا: تباع الجارية ويستوفي البائع من ثمنها الثمن الذي حلف عليه، وهل يملك بيعها بنفسه، أو لا يصح منه بيعها إلا من الحاكم؟ فيه وجهان، مضى بيانهما.
فإن فضل فضلة من ثمنها على ما يدعيه البائع من الثمن.. ردت إلى من انتقلت إليه، وإن نقص ثمنها عما يدعيه البائع من الثمن.. كان له أن يأخذ من مال المبتاع.
فأما إن حلف من انتقلت منه الجارية: أنه ما زوجها، ونكل من انتقلت إليه عن اليمين: أنه ما اشتراها.. ردت اليمين على البائع، فيحلف: أنه لقد باعها منه بألف، ولزم المبتاع الألف. وإن حلف من هي بيده: أنه ما اشتراها، ولم يحلف من انتقلت منه: أنه ما زوجها.. حلف من هي بيده: لقد تزوجها وهذا زوجها، وحكم
стр. 7089
له بزوجيتها، وأقرت في يده، وعاد حكم الرق عليها للبائع. فإذا زال النكاح بطلاق أو وفاة.. رجعت إلى من انتقلت منه. فإذا كان من انتقلت منه صادقا: أنه باعها وهي ملك للمشتري.. لا يحل للبائع وطؤها وقد عادت إليه، وكيف يكون الحكم بعودتها إليه؟ على الوجهين اللذين مضيا. وإن كان من انتقلت منه كاذبا في دعواه: أنه باعها.. عادت إلى ملكه وتصرفه بالوطء وغيره. وأما إن كان الذي انتقلت إليه قد استولدها.. فإن من انتقلت منه يقر بحقين عليه ويدعي حقا له.
فأما الحقان اللذان يقر بهما على نفسه: فإنه يقر أنها صارت أم ولد لمن انتقلت إليه، وأن ولدها حر، وهذان يضران به فيقبل إقراره بهما على نفسه.
وأما الحق الذي يدعيه: فإنه يدعي أنه باعها بألف في ذمة من هي بيده، وهذا ينفعه فلم يقبل قوله فيه. فيحلف من هي في يده: أنه ما اشترى الجارية؛ ليسقط عنه الثمن الذي يدعي به عليه من انتقلت منه، فإذا حلف.. حكمنا بزوال البيع وسقوط الثمن عنه، وكانت الجارية أم ولد له وولدها حرا، ومن بيده الجارية يقر بالمهر لمن انتقلت منه وهو لا يدعيه ولكن يدعي عليه الثمن، وهل يرجع عليه من انتقلت منه بالأقل: من المهر الذي أقر به من انتقلت إليه الجارية، أو الثمن الذي يدعيه من انتقلت منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليه بأقلهما؛ لأنهما متفقان على استحقاقه.
والثاني: لا يرجع عليه بشيء؛ لأن من بيده الجارية لما خلف.. زال عنه حكم الثمن، وقول من انتقلت منه: ما زوجتكها.. يسقط استحقاقه المهر، فلم يرجع عليه بشيء. على الوجهين معا لا ترد الجارية إلى من انتقلت منه، بل تقر في يد من انتقلت إليه؛ لأن من انتقلت منه أقر بزوال ملكه عنها، وأنها قد تلفت في يد من انتقلت إليه
стр. 7090
بالإحبال فلم ترد إليه، كما لو قال: بعت عبدي من ويد، وأعتقه.
إذا تقرر هذا: فإنه يقال لمن انتقلت إليه: إن علمت بأنها زوجتك.. حل لك وطؤها فيما بينك وبين الله تعالى، وهل يحل له وطؤها في ظاهر الحكم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل له؛ لأنهما اتفقا على إباحة وطئها له وإن اختلفا في سببه.
والثاني: لا يحل له وطؤها؛ لأن من هي في يده قد حلف: أنه لا يملكها، فبطل أن تحل له بالملك ويدعي أنها زوجته، ومن انتقلت منه غير مسلم أنها تحل له بالزوجية، فما اتفقا عل إباحتها له.. فمنع من وطئها.
وإن نكل من انتقلت إليه عن اليمن.. حلف من انتقلت منه: أنه باعها، ووجب على من انتقلت إليه الثمن لمن انتقلت منه.. وهذا الكلام في جنبة من انتقلت منه، وأما من انتقلت إليه.. فإنه يدعي على من انتقلت منه أنه زوجة إياها، ويجب بهذا أنها مملوكة لمن انتقلت منه، وولدها مملوك لمن انتقلت منه، وعلى من انتقلت إليه المهر، فيسقط قوله: إن الجارية والولد مملوكان لمن انتقلت منه؛ لأنه يقر أن الجارية أم ولد لمن هي بيده وأن ولدها حر، ويكون القول قول من انتقلت منه: إنه ما زوجها، وهل يحلف على ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحلف؛ لأنه لو رجع وأقر أنه قد زوجها.. لم يقبل، فلا معنى لاستحلافه.
والثاني: يحلف؛ لأنه ربما ينكل، فيحلف من هي بيده: أنه زوجها منه ويحكم له بالزوجية.
فإن حلف كل واحد منهما لصاحبه.. حكمنا بزوال العقدين، وأنها غير مبيعة ولا مزوجة، والكلام على النفقة والميراث، فأما نفقة الولد.. فعلى الواطئ؛ لأنه ابنه وقد حكمنا بحريته، وأما نفقة الجارية.. ففيها قولان حكاهما أبو إسحاق في " الشرح ":
أحدهما: أنها على البائع؛ لأنه أقر بأمرين، أحدهما عليه وهو كونها أم ولد
стр. 7091
للغير، والآخر حق له وهو سقوط نفقتها عنه، فقبل قوله فيما عليه ولا يقبل فيما له.
والثاني - وهو الأصح - أن نفقتها في كسبها؛ لأنه لا يمكن إيجابها على البائع؛ لأنا قد حكمنا أنها أم ولد للغير، ولا على المشتري؛ لأنه لا يدعي أنها أم ولد له، فلم يبق إلا إيجابها في كسبها، فإن بقي من كسبها شيء.. كان موقوفا.
وأما الميراث: فإن ماتت الجارية قبل الوطء.. فللبائع أن يأخذ من مالها قدر الثمن الذي يدعي أنه باعها به؛ لأن من انتقلت إليه يقر له بجميع مالها، وهو يقر به لمن انتقلت إليه ويدعي عليه الثمن، وما بقي من مالها حتى يصطلحا عليه.
فإن ماتت بعد موت من هي بيده.. كان إرثها لولدها، فإن كان ولدها قد مات قبلها.. كان مالها لمناسبها، فإن لم يكن لها مناسب.. فميراثها موقوف؛ لأن ولاءها موقوف لا يدعيه أحدهما، وليس للبائع أن يأخذ منه شيئا؛ لأنه يدعي الثمن على الواطئ وقد مات قبلها. وإن رجع أحدهما عن إقراره، فإن رجع البائع.. لم يقبل قوله في إسقاط حقها ولا حق ولدها من الحرية، ويقبل قوله في سقوط الثمن عن المشتري ورجوع الولاء إليه فيأخذ مالها. وإن رجع الواطئ.. وجب عليه الثمن، وكانت الجارية على ما ثبت لها من حرمة الاستيلاد، والولد على ما ثبت له من الحرية.
والله أعلم، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم الولي ونعم النصير، وصلى الله على رسوله سيدنا محمد النبي الأمي وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحاب أجمعين.
[الخاتمة]
تم الكتاب بحمد الله تعالى منه، وكرمه ولطفه وعونه، وتيسيره وهدايته وفضله، وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وآله وصحبه، وسلامه عليهم أجمعين وبه تم كتاب " البيان ".
وقع الفراغ من تمام هذا الجزء الآخر ليلة الخميس ثلاث عشرة من شهر رجب الفرد من شهور سنة اثنتين وثلاثمائة وألف من الهجرة المطهرة على صاحبها الصلاة والسلام.
стр. 7092
بخط أسير الذنوب المستغفر من ربه، الراجي ثوابه: محمد بن عبد الله بن عبد العزيز المفتي الحبيشي الإصابي الساكن في نفس مدينة جبلى المحمية بالله تعالى، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يسعدنا في الدارين بحق محمد وآله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.