← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

البعض، وكل من أقر بشيء.. فإنه يلزمه ما تحقق إقراره فيه، ويرجع في المحتمل إليه وهذا محتمل، فكان القول فيه قوله) . [مسألة إقراره بأن لفلان درهما] وإن قال: لفلان علي درهم، فإن كان في بلد يتعاملون فيه بالدراهم الوازنة - وهي دراهم الإسلام التي في كل درهم منها ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم منها وزن سبعة مثاقيل - فإنه يلزمه درهم من دراهم الإسلام؛ لأن إطلاق الدراهم ينصرف إلى الدراهم الوازنة. وإن فسره بدرهم ناقص، كالدراهم الطبرية التي وزن كل درهم أربعة دوانيق، أو دراهم خوارزم التي وزن كل درهم أربعة دوانيق ونصف، فإن كان ذلك منفصلا عن إقراره.. لم يقبل منه؛ لأن إطلاق الدراهم إنما ينصرف في البدل التي يتعامل فيها بالدراهم الوازنة إليها. وإن كان ذلك متصلا بإقراره.. قبل منه، كما لو قال: له علي درهم إلا دانقين. وحكى ابن الصباغ عن بعض أصحابنا أنه قال: هل يقبل منه ذلك؟ فيه قولان، كما لو قال: له علي ألف درهم قضيتها. وليس بصحيح؛ لأن الدراهم يعبر بها عن الوازنة والناقصة، وإنما حملت على الوازنة؛ لأن عرف الإسلام قائم بها، فإذا فسرها بأنقص منها متصلا بكلام.. كان كالاستثناء فقبل منه. وأما إذا كان المقر في بلد يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة الوزن عن دراهم الإسلام.. فقد قال الشافعي ﵀ في كتاب (الإقرار والمواهب) : (ولو كان ببلد دراهمهم كلها نقص، ثم أقر بدرهم.. كان درهما من درهم البلد) .

стр. 7037

ووجهه: أنه إذا كان هذا عرفا عندهم.. انصرف الإطلاق إليه، كما ينصرف الإطلاق إليه في البيع. فمن أصحابنا من قال: يلزمه من دراهم الإسلام؛ لأن ذلك وزن الإسلام. هكذا ذكر ابن الصباغ: أن إطلاق الإقرار بالدرهم في البلد التي يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة.. هل ينصرف الإقرار إليها؟ على الوجهين.. المنصوص: (أنه ينصرف إليها) . وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن إطلاق الإقرار بالدرهم ينصرف إلى دراهم الإسلام في كل موضع، فإن فسره المقر بدرهم ناقص عن وزن درهم الإسلام وكان المقر في بلد يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة.. فهل يقبل منه؟ فيه وجهان. المنصوص: (أنه يقبل منه) . [فرع اعترف له بدرهم كبير أو صغير] فإن قال: له علي درهم كبير.. لزمه درهم من دراهم الإسلام؛ لأنه هو الكبير في العرف، فإن كان في البلد دراهم كبار القدر.. لزمه ذلك.. وإن فسره بما هو أكبر منه من وزن دراهم الإسلام.. قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله. وإن قال: له علي درهم صغير أو دريهم.. قال ابن الصباغ: فإن كان للناس دراهم صغار.. لزمه درهم صغير، وإن كانت دراهمهم وازنة.. لزمه درهم وازن صغير. يريد: صغير القدر. وذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه إذا قال: درهم صغير أو دريهم.. فإنه يلزمه درهم وازن، فإن كان في البلد دراهم صغار ففسره بها.. قبل. قال الشافعي ﵀ في (الإقرار والمواهب) : (إذا قال: له علي مائة درهم عددا.. فهي وازنة) . قال ابن الصباغ: ومعنى ذلك: أنه إذا كان في بلد يتعاملون فيها بالوزانة، فقال: عددا.. اقتضى أن يكون عددا بحكم اللفظ، ووزانة بحكم الاسم، وهما لا يتنافيان.

стр. 7038

[فرع أقر بدراهم ففسرها بالمزيفة] وإن أقر له بدراهم، ففسرها بدراهم زيف.. نظرت: فإن فسرها بدراهم كلها نحاس أو رصاص لا فضة فيها.. لم يقبل منه، سواء وصل ذلك بإقراره أو فصله؛ لأن النحاس والرصاص لا يسمى دراهم. وإن فسرها بدراهم فضة مغشوشة برصاص أو نحاس.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب: يقبل منه، سواء وصل ذلك بإقراره أو فصله؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (ولو قال: من سكة كذا وكذا.. صدق مع يمينه، كانت أردأ الدراهم أو أوسطها) . قال القاضي: وأردأ الدراهم المغشوشة. وقال الشيخان - أبو إسحاق الشيرازي وأبو حامد الإسفرائيني -: حكمه حكم النقص، فإن وصلها بإقراره.. قبل، وإن لم يصلها.. لم يقبل؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (ولو قال: له علي درهم، ثم قال: نقص أو زيف.. لم يصدق) . وما احتج به القاضي.. فإنها تعود إلى أدنى الدراهم سكة. ولأن الدراهم المغشوشة خارجة عن ضرب الإسلام، كالنقص. قال ابن الصباغ: فإن كان المقر ببلد يتعامل فيه بالدراهم المغشوشة.. فينبغي إذا أطلق أن لا يلزمه إلا منها، كما قلنا في النقص. [فرع أقر بغصب ألف درهم أو بأنها وديعة عنده] وإن قال: غصبته ألف درهم، أو عندي له ألف درهم وديعة، ثم قال: هي نقص أو زيف.. قال ابن الصباغ: والذي يقتضي المذهب: أنه لا يقبل منه، كما لو قال: له علي ألف درهم. وقال أبو حنيفة: (يقبل منه في الغصب والوديعة) . دليلنا: أن الاسم يقتضي الوازنة غير الزيف، فلم يقبل ما يخالف الاسم، كما لو قال: له علي ألف درهم.

стр. 7039

[فرع أقر بدراهم ثم فسر نوع سكتها] وإن قال: له علي دراهم، ثم فسرها بسكة دراهم البلد.. قبل منه، وإن فسرها بغير سكة البلد.. فالمنصوص: (أنه يقبل منه) . وقال المزني: لا يقبل منه؛ لأن إطلاق اسم الدراهم ينصرف إلى سكة دراهم البلد، كما قلنا في البيع. وليس بشيء؛ لأن الإقرار إخبار، فإذا كان مطلقا.. قبل تفسيره بما يحتمله، بخلاف البيع؛ فإنه إيجاب في الحال فاعتبر فيه عرف البلد. [مسألة الإقرار بدرهم أو أكثر من مرة مطلقا أو مقيدا] إذا أقر له يوم السبت بدرهم، وأقر له يوم الأحد بدرهم، وأطلق الإقرارين.. لم يلزمه إلا درهم واحد إلا أن يعترف أنه أراد بالثاني غير الأول. وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: (يلزمه درهمان) . واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا فرق بين المجلس والمجلسين. ومنهم من فرق بين المجلس والمجلسين. دليلنا: أن الإقرار إخبار، فإذا أقر، ثم أقر.. احتمل أن يكون الثاني هو الأول، واحتمل أن يكون غيره، وكان المرجع إليه فلم يلزمه ما زاد على درهم بالشك. وإن قال: له علي درهم من ثمن عبد، ثم قال: له علي درهم من ثمن ثوب.. لزمه درهمان؛ لأن الثاني غير الأول. وإن قال: له علي درهم من ثمن عبد، ثم قال: له علي درهم وأطلق.. لم يلزمه إلا درهم واحد؛ لأن الثاني يجوز أن يكون هو الأول، ويجوز أن يكون غيره، فلا يلزمه غير الأول بالشك، كما لو أطلق الإقرار فيهما. [فرع أقر بدرهم ودرهم وما أشبه ذلك من حروف العطف] وإن قال: له علي درهم ودرهم.. لزمه درهمان؛ لأن الواو لا تحتمل غير العطف، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه.

стр. 7040

وإن قال: له علي درهم ودرهمان.. لزمه ثلاثة دراهم، لما ذكرناه. وإن قال: له علي درهم، ثم درهم.. لزمه درهمان؛ لأن ثم للعطف وإن كانت تقتضي الترتيب مع العطف. وإن قال: له علي درهم فدرهم.. رجع إليه: فإن قال: أردت العطف.. لزمه درهمان، وإن قال: لم أرد العطف.. فقد قال الشافعي ﵀: (يقبل منه) ، وقال: (إذا قال لامرأته: أنت طالق فطالق.. يلزمه طلقتان) . فنقل أبو علي بن خيران جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى وخرجهما على قولين: أحدهما: يلزمه درهمان وطلقتان - وبه قال أبو حنيفة - لأن الفاء من حروف العطف، فهو كما لو عطف بالواو. والثاني: لا يلزمه إلا درهم وطلقة؛ لأن قوله يحتمل الصفة والإيجاب، فلم يلزمه ما زاد على درهم وطلقة بالشك. وقال سائر أصحابنا: يلزمه درهم وطلقتان قولا واحدا. والفرق بينهما: أن الدراهم تدخلها الصفة والتفضيل، فيجوز أن يريد: فدرهم أجود منه، والطلاق إيقاع لا تدخله الصفة والتفضيل. قال أبو علي في " الإفصاح " فوزان الإقرار من الطلاق أن يقول: أنت طالق مطلقة، ويريد بذلك الصفة.. فيقبل منه، كما قلنا في الإقرار. وإن قال: له علي درهم ودرهم ودرهم.. فالمنصوص: (أنه تلزمه ثلاثة دراهم) . وقال في (الطلاق) : (إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق.. فإنه يلزمه طلقتان، ويرجع إليه في قوله: وطالق الأخير: فإن قال: أردت به تأكيد الثانية.. لم يلزمه إلا طلقتان. وإن قال: لم أنو شيئا.. ففيه قولان: أحدهما: يلزمه ثلاث طلقات. والثاني: لا يلزمه إلا طلقتان) . وقال أبو علي بن خيران: الإقرار هاهنا مثل الطلاق، فإن قال: أردت تأكيد الثاني

стр. 7041

بالثالث.. لم يلزمه إلا درهمان، وإن لم تكن له نية.. فعلى قولين كالطلاق. وقال سائر أصحابنا: يلزمه ثلاثة دراهم بكل حال قولا واحدا. والفرق بينهما: أن الطلاق يدخله التأكيد للتخويف والإرهاب، ويؤكد بالمصدر فيقول: أنت طالق طلاقا، فقبل قوله أنه أراد تأكيده، والإقرار لا يدخله التأكيد، فلم يقبل قوله أنه أراده. وإن قال: له علي درهم، ثم درهم، ثم درهم.. لزمه ثلاثة دراهم، فإن قال: أردت بالثالث تأكيد الثاني.. قبل قوله عند أبي علي بن خيران، ولا يقبل عند سائر أصحابنا؛ لما مضى في التي قبلها. [فرع أقر بدرهم فوق درهم ونحوه] فإن قال: له علي درهم فوق درهم أو تحت درهم، أو فوقه درهم أو تحته درهم، أو مع درهم أو معه درهم، أو قبل درهم أو قبله درهم، أو بعد درهم أو بعده درهم، أو على درهم أو عليه درهم.. فاختلف أصحابنا في ذلك. فمنهم من قال: في الجميع قولان: أحدهما: يلزمه درهمان؛ لأن هذه الألفاظ تقتضي ضم درهم إليه، فأفادت ما أفادت حروف العطف. والثاني: لا يلزمه إلا درهم؛ لأن قوله: فوق درهم أو فوقه درهم؛ أي: في الجودة، وقوله: تحت درهم أو تحته درهم؛ أي: في الرداءة، وقوله: مع درهم أو معه درهم؛ أي مع درهم لي أو معه درهم لي، وكذلك قوله: علي درهم أو عليه درهم، وقوله: قبل درهم أو قبله درهم؛ أي: قبل درهم أملكه، وقوله: بعد درهم أو بعده درهم؛ أي: بعد درهم لي ملكته، وإذا احتمل هذا.. لم يلزمه ما زاد على درهم بالشك. ومنهم من قال: يلزمه في قوله: قبل درهم أو قبله درهم، أو بعد درهم أو بعده درهم درهمان قولا واحدا، وفي باقيها لا يلزمه إلا درهم؛ لأن قبل وبعد لا تحتمل إلا التأريخ، فصار أحد الدرهمين مضموما إلى الآخر.

стр. 7042

وقال أبو حنيفة وأصحابه: (إنه إذا قال: فوق درهم.. لزمه درهمان، وإذا قال: تحت درهم.. لم يلزمه إلا درهم؛ لأن قوله: فوق درهم يقتضي الزيادة، وقوله: تحت يقتضي الدون) . ودليلنا عليهم: ما مضى. وإن قال: له علي درهم في عشرة، فإن أراد الحساب في الضرب.. لزمه عشرة، وإن لم يرد ذلك.. لم يلزمه إلا درهم؛ لأنه يحتمل أنه أراد في عشرة لي. [فرع أقر بدرهم ثم قال: لا بل درهم أو درهمان] وإن قال: له علي درهم، لا بل درهم.. لم يلزمه إلا درهم واحد. وإن قال: له علي درهم، لا بل درهمان.. لم يلزمه إلا درهمان. وقال زفر وداود: (يلزمه في الأولى درهمان، وفي الثانية ثلاثة دراهم) . دليلنا: أن الأول من جنس الثاني، وقد نفى الأول وأثبت الثاني، فلم يلزمه إلا ما أثبته، كما لو قال: له علي درهمان إلا درهم. وإن قال: له علي هذا الدرهم - وأشار إلى درهم - لا بل هذان الدرهمان - وأشار إلى درهمين آخرين - لزمه الدراهم الثلاثة؛ لأن الأول غير داخل في الدرهمين الآخرين، فلزمه الجميع، بخلاف قوله: له علي درهم، لا بل درهمان ولم يشر إلى دراهم بأعيانها؛ فإن الدرهم الأول داخل في الدرهمين الآخرين. [فرع أقر بدرهم ثم قال لا بل دينار] ونحو ذلك] : وإن قال: له علي درهم، لا بل دينار، أو قال: له علي درهم، لا بل قفيز حنطة.. لزمه الدرهم والدينار والقفيز؛ لأن الثاني غير الأول فصار راجعا عن الأول مقرا بالثاني، فلم يقبل رجوعه، ولزمه حكم إقراره الثاني.

стр. 7043

وكذلك إذا قال: له علي درهم ودينار، أو درهم وقفيز حنطة.. لزمه الدرهم والدينار والقفيز؛ لأنه عطف الثاني على الأول فلزمه الجميع. وإن قال: له علي دينار فقفيز حنطة.. قال الشافعي ﵀: (لم يلزمه إلا دينار) . ووجهه: أنه أراد: له علي دينار فقفيز حنطة خير منه. ويأتي فيه قول أبي علي بن خيران في قوله: له علي درهم فدرهم على ما مضى. وإن قال: له علي درهم أو دينار.. ففيه وجهان، حكاهما في " العدة ": أحدهما - ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غيره -: أنه لا يلزمه إلا أحدهما ويلزمه تعيينه؛ لأنه لم يقر إلا بأحدهما. والثاني: لا يلزمه شيء، كما لو قال: لزيد أو لعمرو علي دينار. وإن قال: له علي درهم في دينار.. لم يلزمه إلا درهم؛ لأنه يحتمل أنه أراد: في دينار لي. وإن قال: له علي عشرة دراهم، لا بل تسعة.. قال ابن الصباغ: لزمه عشرة؛ لأنه أقر بها، ثم أضرب عنها فلم يقبل. ويخالف إذا قال: له علي درهم، لا بل درهمان؛ لأنه أضرب عن الإقرار بالدرهم إلا أنه أدخله في الثاني، فلم يلزمه الزيادة. وإن قال: له علي عشرة دراهم أو تسعة.. قال الطبري: لا يلزمه إلا الأقل؛ لأنه يقين. [مسألة الإقرار بدراهم بصيغة الجمع] إذا قال: له علي دراهم.. لزمه أن يفسر، فإن فسر ذلك بثلاثة دراهم أو بأكثر منها.. قبل منه. وإن فسرها بدون الثلاثة.. لم يقبل منه. وحكي عن بعض الناس أنه قال: يقبل منه التفسير بالدرهمين.

стр. 7044

دليلنا: أن العرب وضعت للعدد صيغة، فقالوا: رجل للواحد، ورجلان للاثنين، ورجال للثلاثة فما زاد، فدل على أن أقل الجمع ثلاثة. فإن قال: له علي دراهم عظيمة أو كثيرة.. قبل في تفسير ذلك منه الثلاثة. وقال أبو حنيفة: (لا يقبل منه أقل من عشرة) . وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقبل منه أقل من مائتي درهم. دليلنا: أن أقل الجمع ثلاثة، ووصفه لها بالكثرة والعظم لا يقتضي زيادة في العدد، كما لو قال: له علي حنطة عظيمة أو كثيرة. [فرع أقر بما بين درهم وعشرة] وإن قال: له علي ما بين الدرهم والعشرة أو إلى العشرة.. لزمه ثمانية؛ لأن الواحد والعاشر حدان فلا يدخلان في المحدود. قال ابن الصباغ: فمن أصحابنا من قال: يلزمه تسعة - وحكي ذلك عن أبي حنيفة - لأن الأول ابتداء الغاية والعاشر هو الحد، فدخل الابتداء فيه ولم يدخل الحد. وقال محمد بن الحسن: يلزمه العشرة. قال ابن الصباغ: فهذا له وجه؛ لأنا قد ذكرناه في (المرافق) : أن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه. [فرع أقر بما لا يزيد على مائة أو بألف في الكيس أو على جدار] قال الطبري في " العدة ": إذا قال: ما لزيد علي أكثر من مائة درهم.. لم يكن مقرا بالمائة. وقال أبو حنيفة: (يكون مقرا بالمائة) . دليلنا: أن قوله: (ما) نفي لا إثبات فيه، فلا يكون إقرارا، كما لو قال: ما له علي قليل ولا كثير.

стр. 7045

قال الطبري في " العدة ": إن قال: له علي ألف درهم في هذا الكيس.. فحكى أبو ثور أن الشافعي ﵀ قال: (فإن كان في الكيس ألف درهم أو أكثر.. لزمه ألف درهم، وإن لم يكن في الكيس ألف درهم.. لم يلزمه غير ما في الكيس) . وحكى أبو علي السنجي: أن القفال قال: يلزمه الألف ولا يسقط عنه شيء بالإضافة إلى الكيس، ألا ترى أنه لو اقتصر على الإقرار بالألف فلم يضف إلى الكيس.. كان يلزمه الألف. ولو قال: له علي الألف الذي في هذا الكيس.. فهاهنا يخرج على قولين: أحدهما: يلزمه الألف إذا لم يكن فيه شيء. والثاني: لا شيء عليه إلا أن يكون فيه شيء فيلزمه، بناء على ما لو حلف ليشربن ماء هذا الكوز ولم يكن فيه شيء.. فهل يحنث؟ على قولين. قال الطبري: وإن قال: له علي ألف أو على هذا الجدار.. لم يلزمه الألف. وقال أبو حنيفة: (يلزمه) . دليلنا: أن إيصال الشك ممن عليه غير ملزم للإقرار، فهو كما لو قال: علي له أو على أخي أو شريكي ألف. [مسألة أقر بكذا ولم يفسره] وإن قال: له علي كذا ولم يفسره.. كان كما لو قال: له علي شيء، فيرجع في تفسيره إليه، فإن قال: له علي كذا درهم - برفع الدرهم - لزمه درهم، وتقديره: له علي شيء هو درهم. وإن قال: له علي كذا درهما - بنصب الدرهم - لزمه درهم، ويكون الدرهم منصوبا على التفسير. وإن قال: له علي كذا درهم - بخفض الدرهم - ففيه وجهان: [أحدهما] : قال القاضي أبو الطيب: يلزمه بعض درهم، ويرجع في بيان البعض إليه؛ لأن كذا تكون كناية عن جزء من الدرهم مضاف إليه.

стр. 7046

و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: يلزمه درهم. وإن قال: له علي كذا درهم، ووقف ولم يعرب الدرهم.. قال ابن الصباغ: فعندي أنها على الوجهين في خفض الدرهم؛ لأن المجرور يوقف عليه ساكنا، كما يوقف على المرفوع، وإذا احتمل ذلك.. لم يلزمه إلا اليقين. وإن قال: له علي كذا كذا، ولم يفسره.. رجع في تفسيره إليه، كما لو قال: له علي شيء شيء، ولا يفيد تكراره. وإن قال: له علي كذا كذا درهم أو درهما.. لزمه درهم. وإن قال: له علي كذا كذا درهم، بخفض الدرهم أو بوقفه.. فعلى الوجهين في التي قبلها في خفض الدرهم ووقفه. وإن قال: له علي كذا وكذا ولم يفسره بشيء.. رجع في تفسيره إليه. فإذا فسر ذلك بأي شيء كان.. قبل منه، كما لو قال: له علي شيء وشيء. فإن قال: له علي كذا وكذا درهما.. فقد نقل المزني فيه قولين: أحدهما: (يلزمه درهمان) . والثاني: (لا يلزمه إلا درهم) . واختلف أصحابنا فيه على أربعة طرق: فـ[الطريق الأول] : منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: يلزمه درهمان؛ لأنه ذكر جملتين، فإذا فسر ذلك بدرهم.. عاد التفسير إلى كل واحدة من الجملتين، كما لو قال: له علي عشرون درهما.. فإن التفسير يعود إلى العشرين. والثاني: لا يلزمه إلا درهم؛ لأن (كذا) يجوز تفسيره بأقل من درهم، فإذا فسر

стр. 7047

كذا وكذا بدرهم.. جاز أن يريد لكل واحد منهما نصف درهم فلم يلزمه أكثر من درهم بالشك. و [الطريق الثاني] : من أصحابنا من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين. فحيث قال: (يلزمه درهمان) أراد: إذا قال: كذا وكذا درهما بنصب الدرهم؛ لأنه جعل الدرهم مفسرا لكل واحدة من الجملتين، فرجع إلى كل واحدة منهما. وحيث قال: (لا يلزمه إلا درهم) أراد: إذا قال: كذا وكذا درهم برفع الدرهم؛ لأنه خبر عن المبهمين، فيكون معنى ذلك: هما درهم. وقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على هذا الطريق في (الإقرار والمواهب) . و [الطريق الثالث] : من أصحابنا من قال: هي على اختلاف حالين آخرين: فحيث قال: (يلزمه درهمان) أراد: إذا فسره بالدرهم ولم ينو شيئا. وحيث قال: (يلزمه إلا درهم) أراد: إذا فسره بالدرهم وقال: نويت الدرهم. و [الطريق الرابع] : منهم من قال: هي على اختلاف حالين آخرين: فحيث قال: (لا يلزمه إلا درهم) أراد: إذا قال: له علي كذا وكذا أو كذا درهم، كما لو قال: له علي درهمان أو درهم. وقال محمد بن الحسن: إذا قال: له علي كذا كذا درهما.. لزمه أحد عشر درهما. وإن قال: له علي كذا وكذا درهما.. لزمه أحد وعشرون درهما. ووجهه: أن أقل عددين لم يدخل فيهما حرف عطف يفسران بالواحد أحد عشر، وأقل عددين يعطف أحدهما على الآخر يفسران بالواحد أحد وعشرون. قال أبو إسحاق المروزي: يحتمل إذا كان المقر من أهل العربية أن يحمل إقراره على ما قاله محمد بن الحسن، والطريق الثالث والرابع يبعدان عن كلام الشافعي

стр. 7048

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وما قاله محمد بن الحسن.. خطأ؛ لأنه لو كان كما قال.. لوجب عليه إذا قال: له علي درهم - بخفض الدرهم - مائة درهم؛ لأن أقل عدد يخفض مما فسر به مائة. [مسألة الإقرار بألف من دون تفسير] وإن قال: له علي ألف، ولم يبين من أي شيء.. رجع في تفسيره إليه؛ لأنه قد أقر بمبهم، فبأي جنس من المال فسره.. قبل منه. قال ابن الصباغ: حتى لو فسره بحبات الحنطة.. قبل منه. وإن فسره بألف كلب.. فهل يقبل منه؟ على وجهين، مضى بيانهما. قال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني: وإن فسره بأجناس.. قبل منه. وإن قال: له علي ألف ودرهم، أو ثوب وعبد.. لزمه الدرهم والثوب والعبد، ورجع في تفسير الألف إليه، وبه قال مالك. وقال أبو ثور: (يكون المعطوف تفسيرا للمعطوف عليه، وهو الألف) . وقال أبو حنيفة: (إن عطف على العدد المبهم مكيلا أو موزونا.. كان تفسيرا له، وإن كان مذروعا أو معدودا، كالثوب والعبد.. لم يكن تفسيرا له) . دليلنا على أبي ثور: أن المعطوف لا يقتضي أن يكون من جنس المعطوف عليه؛ لأنه قد يعطف الشيء على غير جنسه، فلم يكن تفسيرا له. وعلى أبي حنيفة: أنه مفسر معطوف على مبهم فلم يكن تفسيرا للمبهم، كما لو قال: له علي مائة وثوب. [فرع أقر بألف وثلاثة دراهم أو بخمسة عشر درهما] وإن قال: له علي ألف وثلاثة دراهم، أو له علي مائة وخمسون درهما، أو علي له خمسة وعشرون درهما، أو خمسون وألف درهم، أو مائة وألف درهم.. ففيه وجهان:

стр. 7049

[أحدهما] : قال أبو علي بن خيران وأبو سعيد الإصطخري: يكون تفسيرا لما يليه من الجملتين، وما قبل ذلك يرجع في تفسيره إليه، كما لو قال: له علي ألف ودرهم. و [الثاني] : قال سائر أصحابنا: يكون ذلك تفسيرا للجملتين؛ لأنه ذكر الدرهم للتفسير؛ ولهذا لا تجب به زيادة عدد، فكان راجعا إلى ما تقدمه من الجملتين، بخلاف قوله: ألف ودرهم؛ فإنه عطفه على الألف؛ ولهذا يجب الدرهم مع الألف. فإن باعه شيئا بمائة أو خمسين درهما وبخمسة وعشرين درهما أو ما أشبه ذلك.. لم يصح البيع على قول أبي علي بن خيران وأبي سعيد الإصطخري، ويصح البيع على قول سائر أصحابنا. وإن قال: له علي خمسة عشر درهما.. لزمه خمسة عشر درهما بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن هذين العددين ركبا عددا واحدا ليس أحدهما معطوفا على الآخر. [فرع أقر بألف وكر حنطة] وإن قال: له علي ألف وكر حنطة.. قال الشيخ أبو حامد: فإن الحنطة تكون تفسيرا للكر، ويرجع في تفسير الألف إليه. فإن قال: له علي ألف وثلاثة دراهم.. كانت الدراهم تفسيرا والثلاثة؛ لأن الدراهم تصلح لكل واحد منهما؛ ولهذا لو قال: له علي ألف درهم.. صح، والحنطة لا تصلح للألف؛ ولهذا لو قال: له علي ألف حنطة.. لم يصح. [مسألة الاستثناء في الإقرار] يصح الاستثناء في الإقرار؛ لأن القرآن ورد بالاستثناء، وهو لغة العرب فالاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات.

стр. 7050

فإذا قال: له علي عشرة دراهم إلا درهما.. لزمه تسعة دراهم. وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا تسعة.. لزمه درهم. وحكي عن ابن درستويه النحوي أنه قال: لا يصح استثناء الأكثر. وإليه ذهب أحمد بن حنبل. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] [الحجر: ٤٢] وقال تعالى في موضع آخر: قَالَ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] [ص: ٨٢ - ٨٣] فاستثنى الغاوين من العباد، واستثنى العباد من الغاوين، ولا بد أن يكون أحدهما أكثر من الآخر. وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا عشرة دراهم.. لزمه عشرة دراهم؛ لأن الاستثناء إذا رفع جميع المستثنى منه.. لم يكن له حكم. وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهمين.. كان المقر به تسعة؛ لأنه لما استثنى ثلاثة من العشرة المثبتة.. كان نافيا للثلاثة، فإذا استثنى الدرهمين من الثلاثة.. كان مثبتا لهما مع السبعة الباقية، فصار عليه تسعة. وإن قال: له علي ثلاثة دراهم إلا درهمين.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه ثلاثة دراهم؛ لأن الاستثناء الأول يرفع جميع المستثنى منه فبطل، والثاني معلق به فبطل ببطلانه. والثاني: يلزمه درهم؛ لأن الاستثناء الأول باطل فسقط وبقي الاستثناء الثاني فصح. والثالث: يلزمه درهمان. قال ابن الصباغ: وهو الأقيس؛ لأن الاستثناء مع المستثنى منه عبارة عما بقي، وذلك عبارة عن استثناء درهمين من ثلاثة.

стр. 7051

وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا خمسة وخمسة.. ففيه وجهان: أحدهما: يبطل الاستثناءان. والثاني: يصح الأول دون الثاني. قال الطبري: وإن قال: له علي ألف درهم - أستغفر الله - إلا مائة درهم.. صح الاستثناء. وقال أبو حنيفة: (لا يصح الاستثناء) . دليلنا: أن الفصل اليسير بين الاستثناء والمستثنى منه إذا لم يكن حرف إبطال الاستثناء.. لا يبطله، كما لو قال: له علي ألف - يا فلان - إلا مائة. [مسألة كون المستثنى من غير جنس المستثنى منه] يجوز أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه؛ بأن يقول: له علي مائة درهم إلا دينار. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (إن استثنى مكيلا أو موزونا.. جاز، وإن استثنى عبدا أو ثوبا من مكيل أو موزون.. لم يجز) . وقال زفر ومحمد: لا يجوز بحال. وبه قال أحمد. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] [الكهف: ٥٠] وقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] [الواقعة: ٢٥-٢٦] ، وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس فاستثنى اليعافير - وهي: ذكور الظباء - والعيس - وهي: الجمال البيض - من الأنيس.

стр. 7052

إذا ثبت هذا: فقال: له علي ألف إلا درهما.. قيل له: قد أقررت بألف مبهم وفسرت المستثنى منه ففسر الألف المقر بها، فإن فسره بجنس قيمته أكثر من درهم.. سقط منه قدر الدرهم، وبقي الباقي عليه. وإن فسره بجنس قيمته درهم أو أقل.. ففيه وجهان: أحدهما: يبطل التفسير؛ لأن الاستثناء قد صح، فإذا فسر الإقرار المبهم بما يرفع الاستثناء.. لم يصح التفسير، ويطالب بالتفسير على ما مضى. والثاني: يصح التفسير، ويبطل الاستثناء؛ لأنه فسره بما يقبل منه، فإذا كان الاستثناء يرفعه.. حكم ببطلان الاستثناء. وإن قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا.. قلنا له: بين قيمة الثوب، فإن بين قيمته بقدر يبقى بعده من الألف شيء.. قبل منه. قال ابن الصباغ: وعندي أنه ينبغي أن يكون ذلك قدر ما يجوز أن يكون قيمة الثوب. وإن فسره بما قيمته أغلى من الثوب وكانت قدر ألف.. ففيه الوجهان الأولان: أحدهما: يلزمه الألف، ويبطل الاستثناء. والثاني: يبطل التفسير، ويطالب بتفسير قيمة الثوب بقدر يكون أقل من ألف درهم. وإن قال: له علي ألف إلا ثوبا.. فقد أقر بمبهم واستثنى منه مبهما، فيطالب بتفسيرهما، والكلام فيه إذا فسر على ما مضى. [فرع استثنى من جنسين كل على حدى] إذا قال: له علي ألف درهم إلا مائة درهم، وعشرة دنانير إلا قيراطا.. فيه وجهان: أحدهما: يلزمه تسعمائة درهم وعشرة دنانير إلا قيراطا؛ لأن الظاهر أنه أقر

стр. 7053

بمالين، وهما ألف درهم وعشرة دنانير وعقب كل واحد منهما استثناء. والثاني - وهو قول أبي حنيفة -: أنه يلزمه تسعمائة درهم وقيراط إلا قيمة عشرة دنانير؛ لأنه أقر له بألف درهم واستثنى منه مائة درهم، وعطف على المائة عشرة دنانير فكانت قيمتها مستثناة مع المائة، ثم استثنى من الدنانير قيراطا فكان باقيا عليه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات. [فرع استثنى من جنسين معا] وإن قال: له علي ألف درهم ومائة دينار إلا مائة درهم وعشرة دنانير.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه ألف درهم، ويكون الاستثناء يرجعان إلى المائة الدينار؛ لأنهما يعقبانها فرجعا إليها. والثاني - وهو قول أبي حنيفة -: أن المائة الدرهم تكون مستثناة من ألف درهم، والعشرة الدنانير مستثناة من المائة الدينار؛ لأن الظاهر أنه استثنى كل جنس من جنسه. [فرع استثنى عبدا من عبيد أو كان بيده عبد وجارية وأقر بأحدهما] وإن كان في يده عشرة عبيد، فقال: هؤلاء العبيد لزيد إلا واحدا.. صح الإقرار، ويطالب بتعيين العبيد الذين للمقر له، فإن قال: له هؤلاء التسعة.. صح، وإن قال: ليس له إلا هذا.. كان الباقي منهم للمقر له. وإن كذبه المقر له في التعيين.. كان القول قول المقر مع يمينه؛ لأنه أعرف بما أقر. فإن مات من العبيد تسعة وبقي واحد، فقال المقر: هذا الذي بقي ليس له، فإن كان العبيد غير مضمونين على المقر.. فهل يقبل منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل منه؛ لأن هذا تفسير برفع جميع المقر به فلم يقبل، كما لو قال: له علي درهم إلا درهما. والثاني: يقبل قوله، وهو الأصح؛ لأن التفسير يرفع إلى وقت الإقرار وقد كان التفسير لو لم يمت التسعة صحيحا وكذلك إذا ماتوا، فصار كما لو قال: هؤلاء العبيد له إلا غانما ثم

стр. 7054

ماتوا إلا غانما. ويخالف إذا استثنى الجميع؛ فإن ذلك مضاد للإقرار فسقط. وإن كانوا مضمونين على المقر؛ بأن أقر أنه غصبهم.. قبل وجها واحدا؛ لأنه يجب عليه قيمة التالفين. وكذلك إذا قتلهم أو قتلهم غيره.. فإنه يقبل قوله وجها واحدا؛ لما ذكرناه. وإن كان في يده عبد وجارية، فقال: أحد هذين لزيد.. صح إقراره وطولب بالبيان، فإن قال: العبد له وصادقه المقر له.. سلم إليه العبد. وإن قال المقر له: بل الجارية لي دون العبد.. فالقول قول المقر مع يمينه في الجارية. وأما العبد: فقد أقر به لمن كذبه، فالحكم فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: يبقى على ملك المقر؛ لأنه على ملكه، فإذا أقر به لمن لا يدعيه.. بقي على ملكه. والثاني: ينتزعه الحاكم ويحفظه إلى أن يجيء من يدعيه. والثالث: يحكم بعتقه. [فرع أقر بدار لفلان إلا بيتا وعينه أو أقر بإعارتها له] إذا قال: هذه الدار لزيد إلا هذا البيت، أو هذه الدار لزيد وهذا البيت لي.. فإن البيت يكون للمقر؛ لأنه بمنزلة الاستثناء أو أصرح منه، فقبل. فإن قال: هذه الدار لفلان هبة عارية أو هبة سكنى.. لم يكن إقرارا بالدار، بل يكون إقرارا بإعارة الدار، فإن رجع المعير في العارية.. صح رجوعه في المستقبل، ولا يصح رجوعه فيما استوفى المستعير من المنفعة. فإن قيل: قوله: هذه الدار لفلان إقرار بالدار، فإذا قال: هبة عارية أو هبة سكنى.. كان ذلك منه رجوعا عن الإقرار بالدار، فلم يقبل. قلنا: إنما يكون إقرارا لو اقتصر في الإقرار على قوله: هذه الدار لفلان، فأما إذا

стр. 7055

وصله بقوله: هبة عارية أو هبة سكنى.. لا يكون إقرارا بالدار، وإنما هو إقرار بهبة منافعها. ولأنه مقر بالعين والمنفعة، فإذا استثنى العين وبقاء المنفعة.. صح، كما لو قال: هذه الدار له إلا هذا البيت. [مسألة أقر بثوب في منديل ونحوه أو أقر بغصبه] وإن قال: عندي لفلان ثوب في منديل، أو تمر في جراب.. كان إقرارا بالثوب دون المنديل، وبالتمر دون الجراب؛ لأنه يحتمل في منديل لي، وفي جراب لي. وكذلك: إذا قال: غصبت منه ثوبا في منديل، أو زيتا في زق.. كان مقرا بغصب الثوب دون المنديل، والزيت دون الزق. وكذلك: إذا قال: غصبت زقا فيه زيت، وجرة فيها خل.. كان مقرا بغصب الزق دون الزيت، والجرة دون الخل. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (إذا قال: غصبت منه ثوبا في منديل، أو زيتا في زق.. كان مقرا بغصبهما) . دليلنا: أنه يحتمل أن يكون المنديل له، فقوله: (غصبت ثوبا في منديل) يحتمل في منديل لي، ولو قال ذلك.. لم يكن غاصبا لهما، فإذا أطلقه.. كان قوله محتملا له، فلم يكن مقرا بغصبهما، كما لو قال: عندي له ثوب في منديل، وكما لو قال: غصبت دابة في إصطبلها. وإن قال: عندي له خاتم.. لزمه الخاتم بفصها؛ لأن اسم الخاتم يجمعهما. وإن قال: له عندي ثوب مطرز.. لزمه الثوب بطرازه، سواء كان الطراز منسوجا مع الثوب أو مركبا عليه.

стр. 7056

ومن أصحابنا من قال: إن كان الطراز مركبا على الثوب بعد النسج.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه الثوب مع طرازه؛ لأنه من أجزاء الثوب. والثاني: لا يلزمه الطراز؛ لأنه متميز عن الثوب. [فرع أقر بدار مفروشة أو بدابة عليها سرج أو بعبد عليه عمامة أو ثوب] وإن قال: عندي له دار مفروشة.. كان مقرا بالدار دون الفراش؛ لأنه يجوز أن تكون مفروشة بفراش للمقر. قال الطبري: فإن قال: عندي له دابة بسرجها، أو سفينة بطعامها.. كان مقرا بالدابة والسرج والسفينة والطعام؛ لأنه لا يحتمل إلا الإقرار بالأمرين جميعا. قال ابن القاص في " التلخيص ": فإن قال: له عندي دابة عليها سرج.. كان مقرا بالدابة دون السرج. وإن قال: له عندي عبد عليه عمامة أو ثوب.. كان مقرا بالعبد والعمامة والثوب. فوافق على ذلك أكثر أصحابنا، وفرقوا بينهما؛ بأن قالوا: الدابة لا يد لها على السرج، وللعبد يد على العمامة والثوب فكان مقرا للعبد وبما في يده. قال أبو علي السنجي: لا يكون مقرا بالسرج ولا بالعمامة والثوب؛ لأن ابن القاص قد ذكر الفرس والعبد في " المفتاح " ولم يفرق بينهما. ولأنه يحتمل أن قوله: عليه عمامة أو ثوب لي، ومتى احتمل قوله دخوله وعدم دخوله.. لم يدخل بالشك. ولأن يده ثابتة على الجميع فلم يدخل في الإقرار إلا ما تيقن. [مسألة الإقرار وملابسات الوديعة] وإن قال: له علي ألف درهم وديعة.. قبل قوله؛ لأن الوديعة عليه ردها. فإن قال: له علي ألف درهم - بعد ذلك - كنت أظنها باقية وقد كانت تلفت قبل إقراري..

стр. 7057

لم يقبل قوله؛ لأنه قد أقر بوجوب ردها، فلا يقبل رجوعه. وإن قال: أتلفت بعد إقراري.. قبل قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. وإن قال: علي لزيد ألف درهم، ثم جاء بألف ثم قال: هذه الألف التي أقررت بها وكانت وديعة له عندي، فإن صدقه زيد.. فلا كلام، وإن كذبه وقال: هذه وديعة لي عندك والتي أقررت بها لي غيرها.. ففيه قولان - حكاهما الشيخ أبو إسحاق -: أحدهما: لا يقبل قوله - وحكى ابن الصباغ: أنه قول أبي حنيفة - لأن معنى قوله: (علي) للإيجاب وذلك يقتضي كونها في ذمته. ألا ترى أنه إذا قال: ما على فلان علي.. كان ضامنا؟ والوديعة ليست بواجبة عليه، فلم يقبل تفسيره بها. والثاني: يقبل قول المقر مع يمينه - ولم يذكر ابن الصباغ ولا المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ ٢٩٦] غيره - لأن الوديعة عليه حفظها وردها، فإذا فسر إقراره بقوله: (علي) بالوديعة.. قبل، كما لو قال: عندي له ألف درهم، ثم قال هي وديعة.. فإنه يقبل، و (علي) : بمعنى عندي؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] [الشعراء: ١٤] أي: عندي ذنب. وإن قال: له علي ألف درهم في ذمتي، فجاء بألف وقال: الألف التي كنت أقررت لك بها كانت وديعة وتلفت عندي، وهذه بدلها.. قبل قوله؛ لأنه يجوز أن تكون تلفت بتعديه، أو بتفريطه فتكون بدلها في ذمته. وأما إذا جاء بألف وقال: التي أقررت بها هي هذه وهي وديعة عندي، فقال المقر له: هذه وديعة لي عندك وتلك دين لي في ذمتك.. فهل يقبل قول المقر؟ إن قلنا في التي قبلها: لا يقبل قوله.. فهاهنا أولى. وإن قلنا: تقبل هناك.. فهاهنا وجهان. أحدهما: لا يقبل؛ لأن الوديعة لا تثبت بالذمة، بخلاف ما لو قال: علي ألف درهم ثم فسرها بالوديعة؛ لأنه لم يصرح بكونها في ذمته.

стр. 7058

والثاني: يقبل قوله مع يمينه؛ لجواز أن تكون وديعة تعدى بها فكان ضمانها في ذمته. [فرع أقر بألف وديعة أو مضاربة] إذا قال: له علي ألف درهم وديعة أو مضاربة دينا.. قبل قوله؛ لأنه قد يتعدى بالوديعة، وأما مال المضاربة: فيكون مضمونا عليه. وإن قال: له علي ألف أخذتها منه.. فقد اختلف أصحابنا الخراسانيون فيه: فمنهم من قال: هو كما لو قال: دفعها إلى وديعة، فلو ادعى بعد ذلك أنها تلفت.. قبل قوله فيها مع يمينه؛ لأنه قد تضاف الوديعة إلى آخذها كما تضاف إلى دافعها. وقال القفال: لا يقبل قوله: إنها وديعة عنده، بل تكون مضمونة عليه - وهو قول أبي حنيفة - لأن الأخذ يقتضي الغصب، فإذا فسره بالوديعة.. لم يقبل. [فرع أقر بألف عارية] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو قال: له عندي ألف درهم عارية.. كانت مضمونة) . قال أصحابنا: هل تصح عارية الدراهم والدنانير؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. والثاني: لا يصح؛ لأنه لا ينتفع بها مع بقاء عينها انتفاعا مقصودا. فإذا استعارها.. كانت مضمونة عليه على الوجهين، فإذا أقر بذلك.. كانت مضمونة عليه، سواء قلنا: تصح إعارتها أو لا تصح؛ لأن ما ضمن بالعقد الصحيح.. ضمن بالعقد الفاسد كالبيع. [مسألة الإقرار بحصة في العبد أو السلعة] وإن قال: له في هذا العبد ألف، أو من هذا العبد ألف.. قلنا له: بين ما أردت بهذا؟

стр. 7059

فإن قال: أردت: أنه وزن عني ألفا في ثمنه قرضا.. كان مقرا بألف في ذمته. وإن قال: نقد في ثمنه عن نفسه ألف درهم.. قيل له: بين كم كان ثمن العبد، وكيف وقع الشراء؟ فإن قال: اشتريته أنا وهو صفقة واحدة.. قلنا: فكم نقدت أنت من الثمن؟ فإن قال: نقدت ألفا.. كان مقرا له بنصف العبد. وإن قال: نفدت ألفين.. كان مقرا بثلث العبد، وسواء كان ذلك قيمة العبد أو أقل أو أكثر. فإن قال: اشترى ربعه أو ثلثه بألف بعقد، واشتريت الباقي أو اتهبته أو ورثته.. قبل قوله. فإن كذبه المقر له في شيء من ذلك.. كان القول قول المقر مع يمينه؛ لأن ما قاله محتمل. وإن قال: جنى عليه العبد جناية أرشها ألف درهم.. قبل قوله في ذلك. وإن قال: وصى له بألف درهم من ثمنه.. استحق الألف من ثمنه. وإن قال: هو مرهون عنده بألف.. فهل يقبل قوله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل؛ لأن الدين في الرهن يتعلق بالذمة، والرهن وثيقة فيكون تفسيره مخالفا لظاهر إقراره. والثاني: يقبل؛ لأن الدين يتعلق بالرهن والذمة. إذا ثبت هذا: فقال صاحب " التلخيص " إذا قال: لفلان علي ألف درهم في هذه السلعة.. سئل، فإن قال: نقد في ثمنها ألف درهم.. قيل له: وأنت كم نقدت؟ فإن قال: ألفين.. كانت بينهما أثلاثا. قال أصحابنا: هذا غلط، وإنما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هذا: إذا قال: له علي في هذا العبد ألف.. (سئل عن قوله) فأما إذا قال: له علي ألف في هذه السلعة.. فالألف لازمه له بكل حال؛ لأن قوله: (له علي ألف) إقرار، فإضافة إلى السلعة لا تغيره.

стр. 7060

[فرع أقر بأن له في هذا العبد شرك] وإن قال: له في هذا العبد شرك.. صح إقراره ورجع إليه في تفسير ذلك الشرك منه، فبأي قدر فسره.. قبل منه. وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: يكون له النصف. دليلنا: أن الشرك يقع على القليل والكثير فقبل قوله فيه، كما لو قال: له فيه شيء. [مسألة أقر بأن له حصة من ميراث أبيه أو من ميراثه من أبيه] وإذا قال: له في ميراث أبي، أو من ميراث أبي ألف.. كان مقرا له على أبيه بدين. وإن قال: له في ميراثي من أبي، أو من ميراثي من أبي ألف.. رجع في تفسيره إليه: فإن قال: أردت الإقرار.. قبل منه. وإن قال: أردت الهبة مني.. قبل قوله، ويكون بالخيار: بين أن يسلم له ما وهب له، وبين أن لا يسلم له. والفرق بينهما: أنه إذا أطلق ولم يصف الميراث إلى نفسه.. اقتضى وجوبها في التركة لحق كان على أبيه، فإذا أضاف الميراث إلى نفسه ثم جعل له منها جزءا, احتمل أن يكون ذلك هبة منه له، والهبة لا تلزم عليه إلا بالتسليم. وكذلك إذا قال: له في هذه الدار نصفها، أو له نصف هذه الدار.. كان إقرارا بنصفها. وإن قال: له في داري نصفها.. لم يكن إقرارا؛ لما ذكرناه. وإن قال: له في ميراثي أو من ميراثي من أبي ألف بحق، أو في داري أو من داري نصفها بحق.. لزمه ذلك إقرارا؛ لأنه قد اعترف أن المقر له يستحق ذلك فلزمه. وإن قال: له في هذا المال ألف.. كان ذلك إقرارا. وإن قال: له في مالي، أو من مالي ألف.. فنص الشافعي ﵀ في موضع: (أنه لا يكون إقرارا، بل يرجع إليه في تفسيره) كما قال في قوله: له في ميراثي من أبي، أو من ميراثي من أبي ألف. وقال في (الإقرار والمواهب) : (لو قال: له في

стр. 7061

مالي ألف.. كان إقرارا) واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في قوله: (له في مالي ألف) قولان: أحدهما: يكون إقرارا؛ لأن الألف التي في ماله وفاؤها عليه وماله ظرف لها؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] [المعارج: ٢٤] وأراد به حق الله تعالى، وهو واجب عليهم. والثاني: لا يكون إقرارا، وهو الصحيح؛ لأنه أضاف المال إلى نفسه ثم جعل لغيره منه ألفا فلا يحمل على غير الهبة، والهبة لا تلزم عليه إلا بالقبض. ومنهم من قال: لا يكون إقرارا قولا واحدا؛ لأنه لا فرق بين قوله: له في مالي ألف، وبين قوله: له من مالي ألف، وكذلك: له في داري أو من داري، وفي ميراثي أو من ميراثي. وما قاله في (الإقرار والمواهب) يحتمل: أن يكون سهوا من الكاتب أو متأولا على أنه قال: علي له في مالي ألف؛ لأنه إذا قال: علي له.. فقد صرح بوجوبه عليه، فكان إقرارا. [مسألة تخلل الإقرار بسكوت] إذا قال: له عندي ألف وسكت، ثم قال بعد ذلك: من ثمن مبيع لم أقبضه.. لم يقبل قوله، ويكون القول قول المقر له، فإذا حلف: أنه ليس له عنده مبيع بالألف المقر بها.. استحق الألف؛ لأنه فسر إقراره بما يسقط وجوب تسليمه منفصلا عنه فلم يقبل. وإن قال: له عندي ألف درهم من ثمن مبيع وسكت، ثم قال بعد ذلك: لم أقبضه.. قبل قوله، فإن خالفه المقر له.. كان القول قول المقر مع يمينه؛ لأن إقراره تعلق بالمبيع، والأصل عدم القبض فقبل قوله فيه. وإن قال: له عندي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه.. قبل قوله، فإن أنكر المقر له وقال: بل هي عنده دين من غير ثمن مبيع.. فالقول قول المقر مع يمينه، ولا فرق

стр. 7062

بين أن يعين المبيع أو لا يعينه. وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: (إن عين المبيع.. قبل قوله، وسواء وصل بإقراره أو لم يصل فإن أطلق.. لم يقبل منه) . دليلنا: أنه أقر بحق عليه في مقابلة حق له لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا لم يثبت ما له.. لم يثبت ما عليه، كما لو عين المبيع. [فرع أقر له بخمسة دراهم في ثوب لسنة] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في (الإقرار والمواهب) : (إذا قال: عندي له خمسة دراهم في ثوب اشتريته منه إلى سنة) . ومعناه: أني أسلمت إليه في ثوب خمسة دراهم إلى سنة، وصدقه المقر له.. نظرت: فإن قال ذلك بعد التفرق من مجلس السلم.. فقد بطل السلم. وإن كان قبل التفرق.. فلكل واحد منهما الخيار في فسخه. وإن كذبه المقر له وقال: بل عنده لي خمسة دراهم دين لا عن سلم.. فالقول قول المقر له مع يمينه؛ لأن المقر وصل بإقراره ما يرفعه، فلم يقبل. وإن قال: له عندي ثوب في خمسة دراهم، ومعنى ذلك: دفع إلي ثوبا بخمسة دراهم.. كان مقرا بخمسة دراهم. وإن قال: له عندي ثوب فيه خمسة دراهم.. كان مقرا له بالثوب دون الدراهم، كما قلنا في قوله: له عندي جراب فيه تمر. [مسألة أقر بحق ثم وصله بما يسقطه] إذا أقر له بحق ثم وصله بما يسقطه لا من الوجه الذي أثبته؛ مثل أن يقول: تكفلت ببدن فلان على أني بالخيار، أو له عندي ألف من ثمن خمر أو كلب، أو من ثمن مبيع

стр. 7063

هلك قبل القبض، أو له علي ألف قضيته إياها.. فهل يقبل قوله في ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يقبل قوله - وبه قال أبو حنيفة - لأنه يحتمل ما قاله، كما لو قال: من ثمن مبيع لم أقبضه. والثاني: لا يقبل قوله؛ لأنه وصل إقراره بما يسقطه فلم يقبل منه، كما لو قال: له علي ألف درهم إلا ألف درهم. فأما إذا وصله بما يرفعه من الوجه الذي أثبته؛ بأن قال: له علي ألف درهم إلا درهما.. فإنه لا يقبل. وإن قال: له علي ألف درهم إلى سنة.. فاختلف أصحابنا فيه. فمنهم من قال: هي على قولين، كما لو قال: له علي ألف درهم قضيته إياها. ومنهم من قال: يقبل منه قولا واحدا؛ لأن ذلك لا يسقط الإقرار وإنما يؤخره. وقال أبو حنيفة: (يكون مدعيا للأجل، والقول فيه قول المقر له مع يمينه) . دليلنا: أن الأجل أحد نوعي الدين، فوجبت أن يثبت بالإقرار كالحلول. [فرع ادعى عليه مائة فقال قضيتك منها خمسين] وإن ادعى على رجل مائة درهم، فقال المدعى عليه: قد قضيتك منها خمسين.. فقد صار مقرا له بهذه الخمسين ومدعيا لقضائها، وهل يقبل قوله في القضاء؟ على القولين. وأما الخمسون الأخرى: فالقول قول المدعى عليه مع يمينه فيها؛ لأن الأصل براءة ذمته منها. [فرع الإقرار بملكه أو قبضه عبدا من فلان] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في (الإقرار والمواهب) : (إذا قال: ملكت هذا

стр. 7064

العبد من فلان أو قبضته منه.. كان إقرارا له بالملك واليد، فإن كذبه فلان في انتقاله إليه.. كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف.. رد إليه. وإن قال: ملكته على يد فلان أو أخذته أو قبضته أو وصل على يديه.. لم يكن إقرارا له بالملك ولا باليد؛ لأن قوله: (على يده) يقتضي معاونته. وإن قال أودعني ألفا فلم أقبضها، أو أقرضني أو أعطاني أو أنقدني ألفا فلم أقبضها.. قبل قوله إذا كان متصلا، ولا يقبل إذا كان منفصلا) . وقال أبو يوسف: لا يقبل قوله في أنقدني ألفا. دليلنا: أنه لم يقر بالقبض فلم يلزمه، كما لو قال: أقرضني فلم أقبضه. [مسألة أقر لزيد ثم قال: لا بل لعمرو] وغير ذلك] : إذا قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو، أو غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، أو قال: غصبتها من زيد وغصبها زيد من عمرو.. فالحكم في ذلك كله واحد، ويلزمه تسليم الدار إلى زيد؛ لأنه أقر له بها. وهل يلزمه أن يغرم لعمرو قيمة الدار؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه أقر للثاني بما عليه، وإنما منع الشرع من قبوله، وذلك لا يوجب الضمان. والثاني: يجب عليه أن يغرم لعمرو قيمة الدار، وهو الأصح؛ لأنه حال بينه وبين الدار بإقراره الأول، فلزمه أن يغرم له، كما لو شهد رجلان عل رجل بعتق عبده، فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا عن الشهادة. وحكى المسعودي [في ((الإبانة)) ق\٢٩٧] : أن من أصحابنا من قال: إذا قال: هذه الدار لزيد، بل لعمرو ولم يقل: غصبتها.. أنه لا يغرم لعمرو شيئا قولا واحدا؛ لأنه لم يقر بالجناية على نفسه. والصحيح هو الأول.

стр. 7065

ولا فرق بين أن يوالي الإقرار لهما، أو أن يفصل بينهما بفصل طويل أو قصير. واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا سلمها الحاكم إلى زيد، أو حكم عليه الحاكم بالتسليم وأجبره على تسليمها. فأما إذا سلمها المقر بنفسه إلى زيد.. فإنه يغرم لعمرو قيمتها قولا واحدا؛ لأنه ضمنها بالتسليم. ومنهم من قال: القولان في الحالين، وهو الصحيح؛ لأن الحاكم إنما يسلمها أو يخبره بإقراره. وإن باع من رجل عينا وأخذ ثمنها، ثم أقر بها لغيره.. لم يقبل إقراره بها للثاني لحق المشتري. وهل يلزمه أن يغرم قيمتها للثاني؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان كالأولى. ومنهم من قال: يلزمه أن يغرم له قيمتها قولا واحدا؛ لأنه قد أخذ عوضها. وإن أقر رجل أن الدار التي في تركة أبيه لزيد، لا بل لعمرو، وسلمت إلى زيد.. فهل يغرم لعمرو قيمتها؟ قال ابن الصباغ: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو قال: غصبتها من زيد، لا بل من عمرو. ومنهم من قال: لا يغرم لعمرو شيئا قولا واحدا. والفرق بينهما: أن هاهنا أقر بما يغلب على ظنه، ولا يوجد ذلك منه بالعلم والإحاطة، وإذا أقر بمال نفسه.. حمل أمره على العلم والإحاطة، فلم يعذر في الرجوع. فإن كان في يده دار، فقال: غصبتها من زيد وملكها لعمرو.. وجب عليه تسليمها إلى زيد؛ لأن قوله: (غصبتها من زيد) يقتضي: أنها كانت في يده بحق، وقوله: (وملكها لعمرو) لا ينافي ذلك؛ لأنها قد تكون في يد زيد بإجارة أو موصى له بمنفعتها وملكها لعمرو. ولا تقبل شهادته لعمرو؛ لأنه قد أقر أنه غاصب، وشهادة الغاصب غير مقبولة، ولا يلزمه أن يغرم لعمرو قيمتها قولا واحدا؛ لأنه لم يكن منه تفريط إلا أن يعلم المقر أنها في يد زيد بغير حق.. فلا يجوز له تسليمها إليه فيما بينه وبين الله تعالى، فإن سلمها إليه ضمنها.

стр. 7066

فأما إذا قال: هذه الدار ملكها لعمرو وغصبتها من زيد.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: الحكم فيها كالحكم في التي قبلها؛ لأنه لا فرق بين أن يقدم ذكر الغصب أو الملك؛ لأنهما لا يتنافيان على ما مضى. ومنهم من قال: يلزمه هاهنا أن يسلمها إلى زيد، وهل يلزمه أن يغرم لعمرو؟ فيه قولان، كما قلنا فيه إذا قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو. وحكى ابن الصباغ: أن من أصحابنا من قال: يلزمه أن يسلمها إلى عمرو، وهل يضمنها لزيد؟ على قولين؛ لأنه أقر بالملك لعمرو، فلم يقبل إقراره باليد لزيد. [فرع أقر بغصب عبد من أحد رجلين] إذا قال: غصبت هذا العبد من أحد هذين الرجلين.. فإنه يطالب بتعيين المغصوب منه منهما. فإن قال: لا أعرف عينه.. نظرت: فإن صدقاه على ذلك.. انتزع العبد من يده وكانا خصمين فيه. وإن كذباه وادعى كل واحد منهما أنه يعلم أنه غصبه منه.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بفعله، فإذا حلف.. انتزع منه العبد وكانا خصمين فيه، وإن نكل.. حلف المدعي وكان كما لو أقر له. وإن قال المقر له: هو لهذا.. فإنه يكون له لا ويغرم للآخر شيئا قولا واحدا؛ لأنه لم يقر له بشيء. فإن قال الآخر: أحلفوه أنه لا يعلم أنه لي.. فهل يلزمه أن يحلف؟ يبنى على القولين فيه إذا أقر له به بعد الأول: فإن قلنا: يلزمه أن يغرم له قيمته.. لزمه أن يحلف له؛ لجواز أن يخاف اليمين فيقر. وإن قلنا: لا يلزمه أن يغرم له قيمته.. لم يلزمه أن يحلف؛ لأنه لا فائدة في عرض اليمين عليه.

стр. 7067

[مسألة ادعى عبده أن سيده أعتقه فأنكر السيد فأقام العبد شاهدين ثم اشتراه أحدهما] وإن كان في يده عبد، فادعى عليه أنه أعتقه فأنكر، فأقام عليه شاهدين بأنه أعتقه، فإن قبلت شهادتهما.. عتق، وإن ردت شهادتهما.. فالقول قول السيد مع يمينه، فإذا حلف.. استقر ملكه عليه. فإن اشتراه الشاهدان أو أحدهما.. حكم بصحة البيع من جهة البائع؛ لأنه محكوم له بملكه، ويكون الشراء من جهة المشتري ابتداء، كما إذا وجد المسلم مع المشرك أسيرا مسلما فاشتراه.. فإنه يكون استنقاذا. فإذا أنفذ البيع.. حكم بعتقه على المشتري؛ لتقدم إقراره بعتقه، ويثبت عليه الولاء؛ لأن العتق لا ينفك عن الولاء، ويكون موقوفا؛ لأن المشتري لا يدعيه والبائع لا يدعيه. فإن مات هذا العبد وخلف مالا، فإن كان له وارث مناسب أو من له فرض.. ورث ميراثه. وإن لم يكن له وارث.. نظرت: فإن أقر البائع أنه قد كان أعتقه.. قبل قوله ولزمه رد الثمن على المشتري، وكان مال المعتق أو ما بقي عن أهل الفرض له؛ كما إذا لاعن امرأته ونفى نسب ولدها، ثم مات الولد وخلف مالا.. فأكذب الرجل نفسه. وإن لم يقر البائع أنه قد كان أعتقه، لكن اعترف المشتري أنه كان قد كذب في الشهادة في العتق.. لم يقبل قوله في إبطال العتق، ولكن يكون له أخذ مال المعتق بالولاء؛ لأنه حكم بعتقه عليه. وإن أقر البائع أنه كان أعتقه، وأقر المشتري أنه كان شهد بالزور.. فالذي يقتضي المذهب: أن ماله يوقف بينهما إلى أن يصطلحا عليه؛ لأنه لا مزية لقول أحدهما على الآخر. وإن لم يقر البائع بعتقه، ولا رجع المشتري عن شهادته بالعتق.. فنقل المزني أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (أوقفت المال حتى يجيء من يدعي الولاء) .

стр. 7068

قال المزني: ينبغي أن يكون للمشتري أن يأخذ من مال المعتق أقل الأمرين: من ثمنه أو المال؛ لأنه إن كان صادقا.. فالثمن له دين على البائع، وما ترك المعتق.. فهو للبائع، فكان للمشتري أخذ ما دفع من الثمن من مال البائع، كمن له على رجل حق وامتنع من دفعه ووجد من له الحق مالا له. وإن كان المشتري كاذبا في الشهادة.. فقد عتق عليه، فكان له أخذ ماله. فمن أصحابنا من غلط المزني وقال: ليس للمشتري ذلك؛ لأنه يقول: إن كنت صادقا في شهادتي.. فقد خلصته من الرق وتطوعت بدفع الثمن فلا أرجع به. وإن كنت كاذبا في الشهادة.. فلا حق لي على البائع. ومن أصحابنا من قال: بل ما قاله المزني هو الصحيح، وقد نص عليه الشافعي ﵀ في (الإقرار) بالحكم الظاهر كما ذكره المزني، ودفعه للثمن على وجه القربة لا يسقط رجوعه عنه. ألا ترى أن مسلما لو افتدى مسلما من أيدي المشركين بمال، ثم غلب المسلمون المشركين ووجد ماله.. فإن له أخذه ويختص به من بين سائر المسلمين؟ فإن كانت بحالها فمات البائع وخلف ابنا، ثم مات المعتق.. فالذي يقتضي المذهب: أن ابن البائع إذا أقر أن أباه كان قد أعتق العبد في حياته.. أن له أن يأخذ مال المعتق ويرد إلى المشتري ما دفع من الثمن إن وجده بعينه أو بدله إن ترك أبوه معه تركة، وإن لم يترك أبوه معه تركة.. لم يلزمه أن يغرم. وإن لم يقر ابن البائع بأن أباه أعتقه في حياته، لكن أقر المشتري أنه كذب في الشهادة بالعتق.. فإن له أخذ مال المعتق بالولاء. وإن لم يقر ابن البائع بالعتق، ولا رجع المشتري عن الشهادة.. فليس للمشتري أن يأخذ من مال المعتق شيئا؛ لأنه يقر أنه مال لابن البائع، ولا يستحق عليه شيئا، وإنما يدعي بالثمن على أبيه. وإن مات المشتري وخلف ابنا.. فالذي يقتضي المذهب: أنه إذا أقر أن أباه كذب

стр. 7069

في شهادته.. كان له مال المعتق؛ لأنه قد يتوصل إلى ذلك بإخبار أبيه له في حياته، فكان كما لو أقر الأب بذلك. [مسألة مات وخلف تركة وابنين فادعى رجل دينا فصدقه أحدهما] وإن مات رجل وخلف ابنين وتركه، فادعى رجل أن له على أبيهما دينا، فأنكره أحدهما وصدقه الآخر، فإن كان عدلا.. قبلت شهادته له وحلف معه.. استحق دينه. وإن كان غير عدل.. فالمنصوص: (أنه لا يلزم المقر إلا حصته من الدين) . قال أبو عبيد ابن حربويه وأبو جعفر الاستراباذي: وفيها قول آخر: أنه يلزمه جميع الدين. فجعلاها على قولين - وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -: أحدهما: يلزمه جميع الدين - وبه قال أبو حنيفة - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] [النساء: ١٢] فرتب الميراث على الوصية والدين، فاقتضى الظاهر: أنه لا يحصل للمقر شيء من التركة إلا من بعد قضاء جميع الدين. ولأن المقر يقول: أخي ظالم بجحوده الدين وغاصب لما أخذه من التركة، ولو غصب بعض التركة غاصب.. لتعلق جميع الدين بالباقي، فكذلك هذا مثله. والثاني: لا يزم المقر إلا حصته من الدين، وهو الأصح؛ لأن إقرار المقر تضمن تعلق جميع الدين بجميع التركة، كما لو قامت به بينة. فإذا لم يقبل إقراره في حق أخيه.. لم يلزمه أكثر مما يتعلق بنصيبه، كما لو قال: له علي وعلى أخي كذا وكذا.. فإنه لا يلزمه إلا حصته. ولأنه لا خلاف أنه إذا أقر أحد الابنين أن أباه أوصى لرجل بثلث ماله وكذبه أخوه.. فإنه لا يلزم المقر إلا ثلث ما بيده من التركة، فكذلك هذا مثله. ولأنه لا خلاف أن شهادته مقبولة، فلو كان جميع الدين يتعلق بنصيبه.. لم تقبل شهادته؛ لأنه يدفع بها عن نفسه ضررا. وقال أكثر أصحابنا: لا يلزم المقر إلا حصته من الدين قولا واحدا؛ لما ذكرناه. قال الشيخ أبو حامد: وأظن أن أبا عبيد وأبا جعفر أخذا هذا القول من قول

стр. 7070

الشافعي: (إذا قتل رجل وعليه دين، وخلف ابنين وهناك لوث، فحلف أحد الابنين خمسين يمينا.. فإنه يقضى له بنصف الدية ويقضى جميع الدين من ذلك النصف) . والفرق بينهما: أن الميت هناك لم يثبت له تركة إلا نصف الدية، فكان جميع دينه فيها، وهاهنا للمنكر نصف التركة، فلم يتعلق جميع الدين بنصف التركة. ولأن في القسامة قد أقر الابنان بالدين، وهاهنا أحد الابنين منكر عين الدين. [مسألة الإقرار بالنسب وشروطه] الإقرار بالنسب جائز ويثبت النسب به. وذهب بعض الناس إلى: أن النسب لا يثبت بالإقرار. دليلنا: ما روي: «أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة اختصما في ابن أمة زمعة، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال النبي ﷺ : الولد للفراش، وللعاهر الحجر» فقضى به النبي ﷺ لعبد بالإقرار. إذا ثبت هذا: فر يخلو المقر: إما أن يقر بالنسب على نفسه، أو على غيره. فإن أقر على نفسه؛ بأن ادعى بنوة غيره، فإن كان المقر به صغيرا أو مجنونا.. لم يثبت نسبه إلا بثلاث شرائط: إحداهن: أن يكون المقر به مجهول النسب، فأما إذا كان معروف النسب من رجل.. لم يحكم بصحة إقرار المقر؛ لأن في ذلك إبطال نسبه الثابت. الشريطة الثانية: إذا كان لا ينازع المقر فيه أحد، فأما إذا كان هناك غيره يدعي بنوته حال الدعوى.. لم يحكم بثبوت نسبه من أحدهما إلا بالإقرار؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.

стр. 7071

الشريطة الثالثة: إذا كان المقر به يمكن أن يكون ابنا للمقر؛ بأن يقر من هو ابن خمس عشرة سنة ببنوة من هو ابن خمس سنين أو أقل، فأما إذا أقر ببنوة من هو ابن سبع سنين أو أكثر.. لم يحكم بصحة إقراره؛ لأنا نقطع بكذبه. إذا ثبت هذا: وأقر رجل ببنوة صغير أو مجنون مجهول النسب مما يجوز أن يكون ابنا للمقر، ثم بلغ الصغير أو عقل المجنون، فأنكر نسبه من المقر ولم يصادقه المقر على إنكاره.. لم يسمع إنكاره؛ لأن نسبه قد ثبت من المقر فلا يبطل بإنكاره، كما لو ادعى ملك صغير في يده مجهول الحرية، ثم بلغ الصغير وأنكر الرق.. فإنه لا يقبل إنكاره. فإن صادقه المقر أنه ليس بابنه.. فهل يسقط نسبه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط نسبه، كما لو أقر بمال فكذبه المقر له وصدقه المقر. والثاني: لا يسقط، وهو الأصح؛ لأن النسب إذا ثبت.. لم يسقط، كالنسب الثابت بالفراش. وإن كان المقر به بالغا عاقلا.. لم يثبت نسبه إلا بالشرائط المتقدمة، ويشترط مع ذلك شريطة رابعة؛ وهو: أن يصادقه المقر به؛ لأنه يمكن تصديقه فاعتبر ذلك، بخلاف الصغير والمجنون. [فرع أقر بأن مملوكه وهو أكبر منه أنه ابنه] إذا أقر رجل لمن هو أكبر منه أنه ابنه، وكان المقر به مملوكا للمقر.. فقد قلنا: إنه لا يثبت نسبه منه، ولا يعتق عليه عندنا. وقال أبو حنيفة: (يعتق عليه) . دليلنا: أنه أقر بما يقطع بكذبه فيه، فلم يتعلق به حكم، كما لو قال لامرأته: إنها ابنته وهي أكبر منه.. فإن النكاح لا ينفسخ بينهما.

стр. 7072

[فرع إقراره ببنوة صغير وعلاقته بإثبات زوجية أمه] وإن أقر ببنوة صغير.. لم يكن إقرار بزوجية أمه. وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا بزوجية أمه إذا كانت مشهورة الحرية) . دليلنا: أنه أقر بولد فلم يكن إقرارا بزوجية أمه، كما لو تكن مشهورة الحرية. [فرع أقر ببنوته لميت مجهول النسب] وإن أقر ببنوة ميت مجهول النسب يجوز أن يكون ابنا له، فإن كان المقر به صغيرا أو مجنونا.. ثبت نسبه من المقر وورثه. وقال أبو حنيفة: (لا يثبت نسبه؛ لأنه متهم أنه قصد أخذ ماله) . دليلنا: أنه سبب يثبت به نسبه كما لو كان حيا، فيثبت به نسبه إذا كان ميتا كالبينة. وأما ثبوت التهمة.. فلا يمنع من صحة الإقرار، ألا ترى أنه يقبل إقراره بنسبه في حياته وإن كان متهما ليتصرف في ماله، وتجب نفقته فيه إذا كان معسرا؟ فإما إذا كان الميت المقر به بالغا عاقلا.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يثبت نسبه؛ لأنه يعتبر في ثبوت نسبه تصديقه، وذلك غير ممكن بعد موته. والثاني: يثبت، وهو الأصح؛ لأن تصديقه متعذر منه بعد موته، فسقط اعتباره، كالصغير والمجنون. [فرع الإقرار بالنسب على غيره] وإن كان المقر بالنسب يحتمل نسب المقر به على غيره.. لم يثبت بذلك النسب بينه وبينه. فإن كان من بينه وبينه حيا.. لم يصح إقرار المقر؛ لأنه فرع لغيره، فلا يثبت النسب إلا بعد ثبوته من الأصل. وإن كان من بينه وبينه ميتا؛ بأن يقر برجل أنه

стр. 7073

أخوه لأبيه أو لأمه أو لأب وأم ميتين، فإن كان المقر لا يرث أباه أو أمه؛ بأن كان عبدا أو كافرا أو قاتلا.. لم يثبت إقراره بأخيه؛ لأنه إذا لم يقبل إقراره على أبيه أو أمه بدين.. فلأن لا يقبل إقراره عليهما بابن لهما أولى. وإن كان يجوز ميراثهما.. نظرت في المقر به: فإن كان بحيث لو أقر به الأب أو الأم لم يثبت نسبه منه؛ بأن كان المقر به أكبر أو ثابت النسب من غيرهما.. لم يصح الإقرار. وإن كان بحيث لو أقر به الأب أو الأم قبل إقراره.. نظرت: فإن كان الأب أو الأم قد نفى نسبه عن نفسه.. فذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه لا يقبل إقرار الأخ به؛ لأنه يريد أن يحمل على غيره نسبا قد نفاه عن نفسه. وذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: أنه إذا نفى نسب ولده باللعان، ثم مات الأب وأقر به وارثه.. ثبت نسبه؛ لأن تركته قد صارت له، فقبل إقراره. وإن لم ينف الأب أو الأم نسب المقر به.. ثبت نسبه بإقرار الوارث لهما. وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يثبت) . دليلنا: ما روي: «أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة تنازعا في ابن أمة زمعة، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقضى به النبي ﷺ لعبد بن زمعة» . [فرع مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بأخ له من أبيه] إذا مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ له من أبيه، وأنكر الثاني ذلك.. لم يثبت نسب المقر به؛ لأن النسب لا يتبعض فلا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر، وهو إجماع. وهل يشارك المقر به المقر فيما في يده من التركة؟ قال أصحابنا الخراسانيون: فيه قولان: أحدهما: لا يشاركه. وهو المشهور.

стр. 7074

والثاني: يشاركه. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد. وقال سائر أصحابنا العراقيين: لا يشاركه في الحكم قولا واحدا؛ لأنه أقر بنسب لم يثبت فلم يشارك في الميراث، كما لو أقر بنسب مشهور النسب. وهل يلزم هذا المقر إذا كان صادقا في إقراره فيما بينه وبين الله تعالى أن يدفع إليه ما يستحق مما في يده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه إنما يستحق ذلك بالنسب، ولم يثبت نسبه. والثاني: يلزمه، وهو الأصح؛ لأن نسبه ثابت فيما بينه وبين الله تعالى. فإذا قلنا بهذا: فكم يلزمه أن يدفع إليه؟ فيه وجهان: أحدهما: نصف ما في يده - وهو قول أبي حنيفة - لأنهما اتفقا على أن المنكر أخذ الذي أخذه وهو لا يستحقه فصار كالغاصب. والثاني: لا يلزمه أن يدفع إليه إلا ثلث ما في يده - وهو قول مالك - لأن التركة بينهم أثلاث فلا يستحق مما في يده إلا الثلث، كما لو قامت بينة على نسبه. وأصل هذين الوجهين: القولان في أحد الابنين إذا أقر بدين على أبيه فكذبه أخوه. وحكى ابن اللبان وجها ثالثا: أنه يدفع إليه ثلث ما في يده ويضمن له سدس ما بيد أخيه؛ لأن يده قد ثبتت على نصف جميع التركة وسلم إلى أخيه ذلك. ولو كان الحاكم حكم عليه بالقسمة وأقرع بينه وبين أخيه.. لم يلزمه ضمان ذلك. فعلى هذا: لو لم يعلم بالأخ المجهول حين قاسمه أخوه.. فهل يضمن له؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن؛ لأنه قاسمه وسلمه. والثاني: لا يضمن؛ لأن القسمة وجبت في الظاهر.

стр. 7075

[فرع مات وخلف ورثة وأنكر بعضهم النسب من الميت] وإن مات رجل وخلف جماعة ورثة، فإن أقر اثنان منهم بنسب الميت وأنكر الباقون.. لم يثبت نسب المقر به، سواء كان المقران عدلين أو فاسقين. وقال أبو حنيفة: (يثبت؛ لأن قولهما بينة) . دليلنا: أنه إقرار من بعض الورثة، فلم يثبت به النسب، كما لو كانا فاسقين. ولأنه لو كانت بينة.. لاعتبر فيها لفظ الشهادة. [فرع ادعى مجهول أنه أخ لجماعة من أبيهم] وإن مات رجل وخلف أولادا معروفي النسب منه، فادعى رجل مجهول النسب أنه أخوهم لأبيهم فأنكروه، فإن أقام بينة.. قضي له. وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قولهم مع أيمانهم؛ لأن الأصل عدم ثبوت نسبه. فإن حلفوا له.. فلا كلام، وإن ردوا عليه فحلف.. ثبت نسبه ويشاركهم في الميراث. وإن حلف له البعض، ونكل البعض عن اليمين.. فهل يحلف المدعي على الذي رد عليه اليمين؟ إن قلنا: إنه يشاركه في الميراث لو أقر له.. حلف. وإن قلنا: لا يشاركه.. فهل يحلف له؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحلف؛ لأن يمينه لا تفيد لأجل من حلف. والثاني: يحلف؛ لأن الحالفين قد يقرون فتثبت يمينه على الناكلين، ولا يؤمن إذا لم يحلف أن لا ينكلوا بعد ذلك. [فرع إقرار أحد الابنين بزوجة لأبيهما] وإن مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بزوجة لأبيه وارثة وأنكر أخوه:
следующие страницы →