Полный текст (7 092 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وقال أبو حنيفة: (ينظر فيه: فإن ذكر قبل أن يسجد في الخامسة. . فإنه يعود إلى الجلوس، كما قلنا. وإن ذكر بعدما سجد في الخامسة، فإن كان قد قعد في الرابعة قدر التشهد. . فقد تمت صلاته؛ لأنه لم يبق عليه غير الخروج منها، وقيامه إلى الخامسة خروج، فيضيف إلى هذه الخامسة ركعة ثانية، فيحصل له ركعتان نافلة؛ لأنه لا يجبر التنفل بأقل من ركعتين، وإن قام إلى الخامسة قبل أن يقعد في الرابعة قدر التشهد. . فقد بطلت صلاته بالقيام) .
دليلنا: ما روى ابن مسعود: أن النبي ﷺ : «صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ "، فقيل له: صليت الظهر خمسًا، فسجد سجدتين، وهو جالس بعد السلام» . قال ابن مسعود: (ولم يكن قعد في الرابعة) .
إذا ثبت ما ذكرناه: نظرت: فإن ذكر في الخامسة بعد أن تشهد، وسلَّم. . فإنه يسجد للسهو، كما فعل النبي ﷺ .
وإن ذكر بعدما تشهد، وقبل أن يسلِّم. . فإنه يسجد للسهو، ويسلم.
وإن ذكر قبل أن يتشهد في الخامسة، فإن كان لم يتشهد في الرابعة. . فإنه يعود إلى الجلوس، ويتشهد، ثم يسجد للسهو، ويسلِّم، وإن كان قد تشهد في الرابعة. . فهل يعيد التشهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعيد التشهد، بل يجلس، ويسجد للسهو، ويسلِّم، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ ما فعله من التشهد قد صح، فلا يبطل بسهوه إلى القيام.
والثاني- وهو قول أبي العباس -: أنه يلزمه أن يعيد التشهد. والعلة فيه - عند
стр. 772
أصحابنا ببغداد: ليكون السلام عقيب التشهد؛ لأن ترتيب الصلاة هكذا.
وقال أصحابنا بخراسان: في علته معنيان:
أحدهما: لأن الموالاة شرط بين الأركان.
والثاني: لأنه لا يجوز إفراد ركن.
قالوا: وفائدة هذا تظهر فيما لو ترك الركوع ناسيًا، وذكره وهو في السجود، فإن قلنا: يجب عليه لأجل الموالاة. . فإنه يجب عليه ها هنا أن يقوم من السجود مستويًا، ثم يركع.
وإن قلنا هناك: يجب عليه؛ لأنه لا يجوز إفراد ركن. . جاز ها هنا أن يقوم من السجود إلى الركوع.
[مسألة سجود السهو للزيادة والنقصان]
] : قال الشافعي ﵁: (ولا سجود إلا في عمل البدن) .
وجملة ذلك: أن سجود السهو يقع تارة للزيادة، وتارة للنقصان، فأما الزيادة: فضربان: أفعال، وأقوال.
فأما الأفعال: فهي كل فعل إذا أتى به في الصلاة عامدًا. . أبطل الصلاة، فإذا أتى به ساهيًا. . سجد للسهو لأجله، وهي على ضربين:
ضرب: من غير جنس أفعال الصلاة، وضرب: من جنس أفعالها.
فأما زيادة الأفعال التي ليست من جنس أفعال الصلاة: فإنها لا تقتضي سجود السهو بحال؛ لأنها إن كانت قليلاً، كالخطوة والضربة. . فإن الصلاة لا تبطل بفعلها عامدًا ففعلها في السهو لا يقتضي السجود.
وإن كانت كثيرة. . فإن الصلاة تبطل بفعلها في العمد والسهو، فلا معنى لسجود السهو لأجله.
стр. 773
وأما ما كان من جنس أفعال الصلاة. . فضربان: متحقَّقَةٌ، ومتوهَّمَةٌ.
فأما (المتحققة) : فهو أن يزيد ركعة.
والدليل عليه: ما روى ابن مسعود: «أن النبي ﷺ صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له في ذلك، فسجد سجدتين، وهو جالس بعد السلام» .
وهكذا: إذا سجد في موضع الركوع، أو ركع في موضع السجود. . فإنه يسجد للسهو؛ لأنه في معنى زيادة ركعة.
وإن طال القيام بنية القنوت، في غير موضع القنوت. . قال الشيخ أبو إسحاق: يسجد للسهو.
وإن جلس عقيب السجدة الثانية في الركعة الأولى، أو الثالثة في الصلاة الرباعيَّة، فإن ابتدأ بالتشهد ساهيًا. . سجد للسهو؛ لأنها زيادة في الصلاة، فهو كما لو قام في موضع القعود. وإن لم يتشهد. . قال المحامليُّ: فإن كان قعد بقدر جلسة الاستراحة. . فلا سجود عليه، وإن كان أكثر من ذلك. . سجد للسهو.
وأما (المتوهمة) : فهو أن يشكَّ: هل صلَّى ثلاثًا، أم أربعًا؟ فيأتي بركعة، ويسجد للسهو؛ لحديث أبي سعيد في أوَّل الباب.
وأما زيادة الكلام: فهو أن يسلم في غير موضع السلام ناسيًا، أو يتكلم ناسيًا. . فيسجد للسهو؛ لـ: «أن النبي ﷺ سلَّم في العصر من اثنتين، وكلَّم ذا اليدين، وأتمَّ صلاته، وسجد للسهو» .
قال ابن الصباغ: فإن قام قبل الركوع وبعد القراءة، فدعا، فإن نوى به القنوت. . سجد؛ لأنه أتى به في غير موضعه، وإن لم ينو القنوت. . لم يسجد للسهو، وكان تابعًا للقراءة.
وإن قرأ في الركوع أو القعود ناسيًا. . سجد للسهو؛ لأنه قرأ في غير موضعه، فهو كما لو سلَّم في غير موضعه، وهذا نادرٌ، لأن عمده لا يبطل الصلاة، وسهوه يقتضي سجود السهو.
وحكى في "الفروع" وجهًا آخر: أنه لا يسجد للسهو، ولعل قائل هذا يقول:
стр. 774
لأن عمد ذلك لا يبطل الصلاة، فسهوه لا يقتضي سجود السهو. والأول هو المشهور.
وأما النقصان: فإن ترك ركنًا من أركان الصلاة. لم يحكم بصحة صلاته حتى يأتي به، ولا ينجبر بسجود السهو.
وإن ترك سُنَّة يقصد لها عمل البدن، مثل الجلوس للتشهد الأول، أو التشهد فيه، أو الصلاة على النبي ﷺ فيه - إذا قلنا: إنها سُنن- أو القنوت في الصبح، أو الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان، فمتى ترك شيئًا من ذلك ناسيًا. . سجد للسهو؛ لما روى عبد الله بن بحينة: «أن النبي ﷺ قام في الظهر من اثنتين، فلما جلس من أربع. . انتظر الناس تسليمه، فسجد قبل أن يسلم» .
وقول الشافعي: (لا سجود إلا في عمل البدن) ليس على ظاهره، وإنما أراد فيما يقصد له عمل البدن، وهي هذه الأذكار التي ذكرناها؛ لأنها ليست بهيئة لغيرها، وإنما يقصد بعمل البدن الإتيان بها.
وإن ترك شيئًا من هيئات الصلاة ناسيًا، كدعاء الاستفتاح، وقراءة السورة بعد الفاتحة، والتكبيرات في الصلاة للركوع، والسجود، والرفع، وتكبيرات العيد، والجهر، والإسرار، وغير ذلك من الهيئات. . فإنه لا يسجد للسهو؛ لأن هذه الأشياء يؤتى بها هيئة، وتابعة لغيرها؛ لأن دعاء الاستفتاح يراد لاستفتاح الصلاة، وقراءة السورة تبع للفاتحة، والتكبيرات هيئات للخفض والرفع، والتسبيح هيئة للركوع والسجود، بخلاف القنوت والتشهد؛ فإنهما لا يفعلان على وجه الهيئة والتبع لغيرهما، بل يقصدان بأنفسهما، ولهذا شرع لهما محل غير مفروض، يختص بهما.
стр. 775
قال ابن الصباغ: وحكى أبو إسحاق: أن الشافعي قال في القديم: (يسجد لترك كل مسنون في الصلاة، سواء كان ذكرًا، أو عملاً) .
وهكذا: إذا جهر بما يسر به، أو أسر بما يهجر به. قال: وهذا مرجوع عنه، وبه قال مالك، وهذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا ترك تكبيرات العيد. . سجد للسهو، ولا يسجد لترك سائر التكبيرات، وإن ترك الجهر أو الإسرار. . سجد إذا كان إمامًا) .
وقال ابن أبي ليلى: إذا جهر في موضع الإسرار، أو أسر في موضع الجهر. . بطلت صلاته.
دليلنا: ما روي: (أن أنسًا جهر في صلاة العصر، فلم يعدها، ولم يسجد للسهو) ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، لأن هذه هيئات. . فلم تقتض الجبران، كالرمل والاضطباع في الحج.
[فرع ترك السنة في الصلاة]
] : وإن ترك السنن المقصودة في موضعها عامدًا. . فهل يسجد للسهو؟ فيه وجهان، ومن أصحابنا من يحكيهما قولين:
أحدهما: لا يسجد، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن هذا السجود يسمَّى: سجود السهو، وإذا ترك هذه الأشياء عامدًا. . لم يسم بهذا الاسم.
والثاني: يسجد، وهو الأصح؛ لأنه إذا سجد لتركها ساهيًا. . فلأن يسجد لتركها
стр. 776
عامدًا أوْلى، ولأن ما اقتضى الجبران إذا فعله ناسيا. . اقتضى الجبران إذا فعله عامدًا، كفدية الأذى، وقتل الصيد في الحج.
[فرع الشك في السهو]
قال الشافعي: (ومن شكَّ: هل سها، أو لا؟ فلا سهو عليه) .
قال أصحابنا: إذا شكَّ هل زاد في الصلاة، أم لا؟ لم يسجد؛ لأن الأصل أنه لم يزد. وهذا مراد الشافعي.
وحُكي: أن الكسائي، ومحمد بن الحسن اجتمعا عند هارون الرشيد، فقال الكسائي: العلوم كلها جنس يُستدل ببعضها على بعض، فقال محمد بن الحسن: ليست بجنس، ولا يستدل ببعضها على بعض، فقال الكسائي: بلى، فقال محمد: ما تقول في رجل شكَّ هل سها، أم لا؟ هل عليه سجود السهو؟
فقال الكسائي: لا سجود عليه، فقال محمد بن الحسن: لم؟ قال: لأن العرب لا تصغر التصغير، كذا لا سهو عليه للسهو.
فإن قيل: أليس إذا شك: هل صلى ثلاثًا، أم أربعًا، فإنه يأتي بركعة ويسجد للسهو، وإن كانت هذه الزيادة مشكوكًا فيها، والأصل عدمها؟
فالجواب: أنه إذا شكَّ في هذه الركعة: هل هي من أصل الصلاة، أم لا؟ فإن هذه الركعة قد دخل عليها النقص في ذلك، فجبرها بالسجود، وإن كان الشك في النقصان: هل أتى بالتشهد الأول، أو القنوت؟ سجد للسهو؛ لأن الأصل أنه لم يأت به.
[مسألة من لزمه سهوان]
وإن اجتمع عليه في صلاته سهوان، أو أكثر. . كفاه للجميع سجدتان، وبه قال أكثر أهل العلم.
стр. 777
وقال الأوزاعي: (إن كانا من جنس واحد. . تداخلا، وإن كانا من جنسين. . لم يتداخلا) .
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ سلَّم من اثنتين، وكلَّم ذا اليدين، واقتصر على سجدتين» . ولأن سجود السهو إنما أخر إلى آخر الصلاة؛ ليجبر كل سهو وقع فيها.
وإن سجد للسهو، ثم سها قبل أن يسلم. . فهل يسجد لسهوه ثانيًا؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس بن القاص -: أنه يسجد، وبه قال قتادة؛ لأن سجود السهو لا يجبر ما بعده.
والثاني- وهو قول أبي عبد الله الختن، والمسعودي [في " الإبانة " ق ٧٢] ، واختيار الشيخ أبي نصر -: أنه لا يسجد، لأنه لو لم يجبر كل سهو. . لما أُخر إلى آخر الصلاة.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق ٧٢] : ولأنه لو لزمه السجود. . لم يؤمن أن يسهو ثانيًا وثالثًا، فيؤدي إلى ما لا نهاية له، والتصغير لا يصغر.
[مسألة السهو خلف الإمام]
] : إذا سها خلف الإمام. . فلا سجود عليه، وإن سها إمامه. . سجد معه، وبه قال كافة أهل العلم، إلا ما حُكي عن مكحول: أنه قام عن قعود الإمام، فسجد سجدتي السهو.
دليلنا: ما روى الدارقطني، عن عبد الله بن عمر [عن عمر] : أن النبي ﷺ قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام. . فعليه وعلى من خلفه» .
стр. 778
ولأن النبي ﷺ قال: «الأئمة ضمناء» .
قيل في تفسيره: إنهم يتحملون السهو عن المأمومين. وقيل: قراءة الفاتحة. وقيل: قراءة السورة.
ولـ: (أن معاوية بن الحكم شمَّت العاطس خلف رسول الله ﷺ ، ولم يأمره النبي ﷺ بالسجود) .
فإن سها الإمام فسجد. . سجد معه المأموم.
قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع.
والدليل عليه: قوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به» . و (الائتمام به) هو: الاقتداء في جميع أفعاله، ومن أفعاله أيضًا إذا سها. . سجد سجود السهو، ولأنه قال: «فإذا سجد. . فاسجدوا» . ولم يفرِّق.
فإن لم يتابعه المأموم في سجود السهو. . قال صاحب " الإبانة " [ق ٧٢] : بطلت صلاته.
فإن لم يسجد الإمام. . سجد المأموم، وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث.
وقال أبو حنيفة والنخعي: (لا يسجد) . وبه قال المزني، وأبو حفص من أصحابنا؛ لأنه إنما يسجد تبعًا للإمام، وقد ترك الإمام، فلم يسجد المأموم.
ودليلنا: أن صلاة المأموم قد نقصت بنقصان صلاة إمامه، فإذا لم يجبر الإمام صلاته. . جبر المأموم صلاته.
стр. 779
[فرع سهو الإمام حال اقتدائه]
] : فلو سبقه الإمام بركعة، فلمَّا كان في آخر التشهد. . سمع المأموم صوتًا، فظن أن الإمام قد سلم، فقام، فقضى ما فاته، فلمَّا فرغ من القضاء. . بان أن إمامه سلَّم بعدما جلس هو. . لم يعتد له بتلك الركعة التي قضاها؛ لأنه أتى بها في غير موضعها، فيقوم، ويأتي بها، ولا سجود عليه للسهو؛ لأنه كان في حكم صلاة الإمام عند السهو.
وإن سلَّم الإمام وهو قائم. . فهل يجب عليه أن يمضي في القيام، ويستأنف القراءة؟ أو يجب أن يعود إلى القعود، ثم يقوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه القعود، ولا يجوز له؛ لأن الواجب عليه القيام، وقد صار قائمًا.
والثاني: يجب عليه القعود؛ لأنه قام في غير محله، فلم يحتسب له به، كما لو أتى بالركعة.
[فرع سها الإمام قبل الائتمام]
] : وإن سها الإمام، ثم أدركه المأموم. . فإنه يلزم المأموم حكم سهو الإمام.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه، كما لا يحمل عنه الإمام سهوه بعد انفراده عنه. والمذهب الأول؛ لأن المأموم دخل في صلاة ناقصة، فنقصت بها صلاته.
فإذا قلنا بهذا، فسجد الإمام لسهوه قبل السلام. . لزم المأموم متابعته في السجود، وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال ابن سيرين: لا يلزمه أن يسجد معه، وحكاه الطبري عن بعض أصحابنا؛
стр. 780
لأن محل سجود السهو آخر الصلاة، وليس هذا آخر صلاة المأموم، والمذهب الأول؛ لقوله ﷺ : «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد. . فاسجدوا» .
وإن سلم الإمام قبل أن يسجد، ثم سجد الإمام بعد السلام. . قام المأموم على ما بقي من صلاته، ولم يتابع الإمام في سجود السهو.
وقال أبو حنيفة: (عليه متابعته) .
دليلنا: أن المأموم إنما يلزمه متابعة الإمام ما دام في الصلاة، وبالسلام قد خرج عن الصلاة، فلم يلزمه متابعته.
فإن سجد الإمام للسهو قبل السلام، فسجد معه المسبوق، ثم قضى ما عليه. . فهل يعيد سجود السهو في آخر صلاته؟ فيه قولان:
أحدهما: يعيد؛ لأن هذا موضع سجوده.
والثاني: لا يعيد؛ لأن النقص قد انجبر بسجوده مع الإمام.
وإن سبقه الإمام ببعض الصلاة، ثم سها الإمام فيما أدرك معه المأموم، وسجد الإمام في آخر صلاته، فسجد معه المسبوق، ثم قضى المسبوق ما فاته مع الإمام. . فهل يلزمه أن يعيد السجود؟ على القولين في التي قبلها.
وإن سبقه الإمام ببعض الصلاة، ثم سها الإمام فيما أدرك معه المأموم، وسجد الإمام لسهوه، فسجد معه المأموم، ثم قام المسبوق إلى قضاء ما فاته، فسها فيما قضاه، فإن قلنا في الأولى: لا يلزمه أن يعيد ما سجد مع الإمام. . سجد المأموم ها هنا في آخر صلاته سجدتين للسهو الذي سهاه في انفراده.
وإن لم يسجد الإمام، أو سجد وسجد معه المسبوق، وقلنا: يلزمه أن يعيد سجود السهو في آخر صلاته. . فكم يسجد ها هنا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه أن يسجد أربع سجدات؛ لأنه يسجد لسهوين مختلفين: أحدهما من جهة الإمام، والآخر من جهته.
والثاني- وهو المنصوص -: تكفيه سجدتان؛ لأن السجدتين تجبران كلَّ سهو وقع في الصلاة.
стр. 781
فإذا قلنا بهذا، فعما يقعان؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها في "الفروع":
أحدها: يقعان عن سهو إمامه، وسهوه تابعٌ:
والثاني: يقعان عن سهوه، وسهو إمامه تابعٌ.
والثالث: يقعان عنهما.
قال: وفائدة هذا تظهر فيه إذا نوى به خلاف ما جعل مقصودًا بهما.
[فرع المنفرد والساهي بعد صلاة الإمام]
] : وإن صلَّى ركعة منفردا، فسها فيها، ثم أحرم إمامٌ، فضم المنفرد بركعة صلاته على صلاة الإمام، وقلنا: يصح، فسَها الإمام، فإن تمت صلاة المأموم قبل أن تتم صلاة الإمام. . كان المأموم بالخيار بين أن يقعد، وينتظر الإمام إلى أن يتم صلاته، ويسجد للسهو معه، وبين أن ينوي مفارقته، فإن نوى مفارقته. . سجد للسهوين، وكم يسجد؟ على الوجهين في التي قبلها:
أحدهما: أربع سجدات.
والثاني: يكفيه سجدتان.
فإذا قلنا بهذا، فعمَّا يقعان؟ يحتمل الأوجه الثلاثة التي حكاها صاحب "الفروع".
وإن كانت صلاة المأموم أطول، بأن كانت صلاته رباعية، فصلى منها ركعة منفردًا، فسها فيها ثم ألحق صلاته بصلاة من يصلِّي ركعتين، فسها الإمام، ثم قام المأموم إلى ما بقي عليه من صلاته، فسها فيها. . فكم يسجد في آخر صلاته؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يسجد ست سجدات؛ لأنه سها في ثلاث حالات.
стр. 782
والثاني: يسجد أربع سجدات؛ لأن سهوه جنسان: سهو في جماعة، وسهو في انفراد.
والثالث- وهو الأصح -: تكفيه سجدتان؛ لأنهما يجبران كل سهوٍ وقع في الصلاة.
فإذا قلنا بهذا، فعما يقعان؟ يحتمل أن يكون فيه الأوجه الثلاثة التي حكاها صاحب "الفروع" في الأولى.
[فرع سها في الجمعة]
] : إذا سها في صلاة الجمعة، فسجد سجدتي السهو، ثم دخل وقت العصر قبل أن يسلِّم منها. . فإنه يجب عليه أن يتمها ظهرًا، ويعيد سجدتي السهو في آخر صلاته؛ لأن الأوليين حصلتا في وسط صلاته.
[فرع سهو المسافر القاصر]
] : إذا نوى المسافر القصر، وسجد للسهو، ثم نوى الإقامة قبل أن يسلّم، أو اتَّصلت السفينة بدار إقامته، وهو في الصلاة، أو نوى الإتمام. . وجب عليه أن يتمها أربعًا، ويعيد سجود السهو؛ لأن الأوليين حصلتا في وسط الصلاة.
[فرع من زاد ركعة سهواً]
ً] : إذا صلَّى المغرب أربع كلمات ساهيًا. . سجد للسهو، وأجزأته صلاته.
وقال قتادة والأوزاعي: (يضيف إليها أخرى، ويسجد للسهو) ؛ لأنه إذا لم يضف إليها ركعة، كانت شفعًا.
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ صلَّى الظهر خمسًا، فلمَّا قيل له في ذلك. .
стр. 783
سجد للسهو» . ولم يضف إليها أخرى، لتصير شفعًا.
وإن سبقه الإمام ببعض الصلاة. . فإنه يقضي ما فاته مع الإمام بعد سلام الإمام، ولا يسجد للسهو.
وحُكي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي سعيد الخدري: أنهم قالوا: (يسجد للسهو في آخر صلاته) .
دليلنا: قوله ﷺ : «ما أدركتم مع الإمام فصلوا، وما فاتكم. . فاقضوا» .
ولم يأمر بالسجود.
[مسألة استحباب سجود السهو]
] : سجود السهو مستحب، وليس بواجب.
وقال الكرخي: ليس لأبي حنيفة فيه نص، والذي يقتضيه مذهبه: أنه واجب.
وقال مالك: (إن كان لنقصان. . فهو واجب، وإن كان لزيادة. . فليس لواجب) .
دليلنا على أبي حنيفة: قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد: «كانت الركعة نافلة له والسجدتان» .
وعلى مالك: قوله ﷺ : «وإن كانت صلاته ناقصة، كانت الركعة تمامًا لصلاته، والسجدتان ترْغمان أنف الشيطان» .
وما يرغم أنف الشيطان، فليس بواجب.
ولأنه سجود لا تبطل الصلاة بتركه، فلم يكن واجبًا، كسجود التلاوة.
стр. 784
[مسألة محل سجود السهو]
] : قال الشافعي: (فإذا فرغ من صلاته بعد التشهد. . سجد سجدتي السهو) .
واختلف الناس في محل سجود السهو: فذهب الشافعي في عامة كتبه إلى: (أن محلَّه قبل السلام) سواءٌ كان لزيادة، أو نقصان، وروي ذلك عن أبي هريرة , وأبي سعيد الخدري، والزهري، وربيعة، والليث، والأوزاعي.
ومن أصحابنا من حكى للشافعي قولاً في القديم: (أنه إن كان السهو لنقصان. . كان محل سجود السهو قبل السلام، وإن كان لزيادة. . فمحله بعد السلام) . وهو مذهب مالك، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والمزني.
وحكى الطبري في "العدة": أن من أصحابنا من حكى أن الشافعي أشار في القديم: (أنه مخير بين أن يسجد قبل السلام، أو بعده) . والمشهور من المذهب هو الأول.
وقال الحسن البصري، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة: (محله بعد السلام، سواءٌ كان لزيادة، أو نقصان) ، وروي ذلك عن عليٍّ، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار.
стр. 785
دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري في أول الباب، وروي عن عبد الله ابن بحينة: أنه قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشاء، فقام من اثنتين، فقام الناس معه، فلما جلس. . انتظر الناس تسليمه، فسجد قبل أن يسلم» .
وكذلك: رواه عمر، وابن عباس.
وروي عن أبي هريرة: أنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ السجود قبل السلام» .
ولأنه يفعل لتكمل الصلاة به، فكان محله قبل السلام، كما لو نسي سجدة من صلب الصلاة.
فإذا قلنا: محله قبل السلام، فسلم قبل سجود السهو عامدًا، وأراد السجود من قريب. . ففيه وجهان، حكاهما بعض أصحابنا المتأخرين:
أحدهما: لا يسجد؛ لأنه قد قطع الصلاة بالتسليم.
والثاني: حكمه حكم ما لو سلَّم ناسيًا، فيسجد.
فإن سلَّم ناسيًا لسجود السهو، ثم ذكر من قريب. . سجد للسهو؛ لـ: «أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا وسلّم، فقيل له في ذلك، فسجد بعد السلام» .
وما حكم سلامه؟ فيه وجهان:
أحدهما - وإليه ذهب أبو زيد المروزي، والجويني -: أنه يسقط، كما لو سلَّم ناسيًا في غير موضعه.
فعلى هذا: لا يحتاج إلى إعادة التشهد؛ لأنه قد عاد إلى أصل صلاته، فلو أحدث في هذه الحالة. . بطلت صلاته.
والثاني: أن السلام قد وقع موقعه، وتحلل من الصلاة.
стр. 786
فعلى هذا: إذا أحدث في هذه الحالة. . لم تبطل صلاته؛ لأن السلام لو لم يقع موقعه، لزمه الرجوع إليه.
فعلى هذا: هل يعيد التشهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يتشهد ويسلم، وهو ظاهر كلام الشافعي، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأن هذا أشبه بأفعال الصلاة؛ لأن من حكم الصلاة أن يكون السلام عقيب التشهد.
والثاني - وهو اختيار ابن الصباغ، والطبري في " العدة " -: أنه لا يتشهد؛ لما روي: «أن النبي ﷺ صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له في ذلك، فسجد سجدتين بعدما سلَّم» . ولم يذكروا أنه تشهد.
ولأنه إنما ترك السجود وحده، فلا يعيد ما قبله، كما إذا نسي شيئًا من صلب الصلاة، فإنه لا يعيد ما قبله.
قال الطبري: فإذا قلنا يتشهد. . ففيه وجهان.
أحدهما: أنه يسجد للسهو، ثم يتشهد، ثم يسلم، وبه قال أبو حنيفة؛ ليكون السلام عقيب التشهد.
والثاني: يتشهد، ثم يسجد للسهو، ثم يسلم، وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراييني؛ لأن سنَّة سجود السهو أن يكون عقيب التشهد.
وإن سلم ناسيًا لسجود السهو، ثم ذكر بعد تطاول الفصل. . فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم (يسجد) ؛ لأنه جبران للعبادة، فجاز الإتيان به بعد تطاول الفصل، كالجبران في الحج.
فعلى هذا: حكمه حكم ما لو لم يتطاول الفصل.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يسجد) ، وهو الأصح؛ لأنه يفعل لتكميل
стр. 787
الصلاة، فلم يفعله بعد تطاول الفصل، كما لو ترك سجدة من الصلاة، فذكرها بعد السلام، وبعد تطاول الفصل.
وأما حد القرب والبعد في ذلك: فحكى المحاملي فيه قولين:
[الأول] : قال في الجديد: (المرجع فيه إلى العرف والعادة) .
و [الثاني] : قال في القديم: (القرب: ما لم يقم من مجلسه، والبعد هو: إذا قام من مجلسه) .
وقال الحسن البصري، وابن سيرين: يسجد، ما لم يلتفت من محرابه.
وقال أبو حنيفة: (يسجد ما لم يتكلم أو يخرج من المسجد) .
دليلنا للأول - وهو الأصح -: أنه لا حد لهذا في لغة، ولا في الشرع، فرجع فيه إلى العرف والعادة، كالقبض، والحرز.
وأما إذا قلنا: إن محل سجود السهو بعد السلام للزيادة. . قال الشيخ أبو حامد والمحاملي: فإنه يكبر، ويسجد سجدتي السهو، ويتشهد، ويسلم، بلا خلاف، على المذهب؛ لما روي عن عمران بن الحصين: أنه قال: «صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة، فسها فيها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم» ، ولأن هذا أشبه بترتيب الصلاة.
[فرع السهو في النوافل]
] : إذا سها في صلاة النفل. . سجد للسهو، ومن أصحابنا من حكى فيه قولاً آخر: أنه
стр. 788
لا يسجد للسهو في صلاة النفل. وبه قال ابن سيرين.
والمذهب الأول؛ لقوله ﷺ : «لكل سهو سجدتان» . ولم يفرق بين الفرض والنفل.
ولأنها عبادة يدخل الجبران في فرضها، فدخل في نفلها، كالحج، ويسلم بعد سجود السهو تسليمتين.
وقال النخعي: لا يسلم فيه إلا تسليمة واحدة. وكذلك قال في صلاة الجنازة.
دليلنا: أنه سجود مشروع، فشرع فيه تسليمتان، كسجود التلاوة.
وبالله التوفيق
стр. 789
[باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها]
وهي خمس ساعات: ثلاث منها نهي عن الصلاة فيها لأجل الوقت، وهي: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح أو رمحين، وعند استواء الشمس في كبد السماء، حتى نزول، وعند ابتدائها في المغيب حتى تغرب.
وساعتان منها نهي عن الصلاة فيهما لأجل الفعل، وهما: بعد الصبح، وبعد العصر، فمن صلَّى صلاة الصبح في وقتها. . لا يجوز له التنفل بعدها إلى أن ترتفع الشمس، ومن صلَّى صلاة العصر في وقتها. . لا يجوز له التنفل بعدها إلى أن تغرب الشمس، وروي عن عليَّ: (أنه دخل فسطاطه بعد العصر، فصلَّى ركعتين) .
وقال ابن المنذر: لا يكره فعل النوافل بعد العصر، ما لم تصفر الشمس.
وقال داود: (يجوز فعل النوافل إلى غروب الشمس) .
دليلنا: ما روي «عن ابن عباس: أنه قال: (شهد عندي رجالٌ مرضيون أرضاهم عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس» .
وروي عن عقبة بن عامر: أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلّي فيها، أو نقبر أمواتنا: إذا طلعت الشمس، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب» .
стр. 790
وقوله: (تضيف) أي: تميل، ومنه قولهم: ضفت فلانًا: إذا ملت إليه.
وروى الشافعي بإسناده، عن الصنابحي، عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن الشمس تطلع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها» . فنهى النبي ﷺ عن الصلاة في تلك الأوقات.
وقد اختلف في تأويل هذا الحديث، فقيل: معناه أن قرن الشيطان ناحية رأسه، والعرب تسمِّي ناحيتي رأس الإنسان: قرنين.
وقيل: يحتمل أنه أراد: أن الكفار كانوا يعبدونها في تلك الأوقات، وسمَّاهم قرن الشيطان، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم: ٧٤] [مريم: ٧٤] .
وحُكي عن إبراهيم الحربي، أن معنى ذلك: أن في تلك الأوقات يتحرك الشيطان، ويتسلَّط، فيكون كالمعين لهم.
стр. 791
وكذلك الحديث الآخر: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم» . أي: يقويه على المعاصي.
وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح، حتى تطلع الشمس» .
وإذا ثبت هذا: فإن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ليس بعام عندنا، وإنما يختص ببعض الصلوات وبعض الأزمان وبعض البلدان.
فأما الصلوات: فإنما ينصرف النهي إلى إنشاء صلاة نافلة لا سبب لها، فأما الصلاة التي لها سبب: فيجوز فعلها في هذه الأوقات، كقضاء الفائتة من الفرائض، والسنن، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة.
وقال مالك: (يقضي الفرائض في هذه الأوقات، ولا يقضي فيها السنن) .
وبه قال أحمد، إلا أنه أجاز فيها ركعتي الطواف، وصلاة الجماعة مع إمام الحيِّ. ووافقنا أبو حنيفة على جواز فعل الصلاة التي لها سبب بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر.
وأما الأوقات الثلاثة: فقال: (لا يجوز فعل جميع الصلوات فيها، إلا عصر يومه) ؛ لما روي عن عقبة بن عامر: أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ -
стр. 792
ينهانا أن نصلي فيها، وان نقبر فيها أمواتنا: إذا طلعت الشمس بازغة، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب» .
قال: (والنهي عن القبران في هذه الأوقات، إنما هو نهيٌ عن صلاة الجنازة فيها، لا عن نفس القبران) .
ودليلنا: ما روي عن قيس بن قهد: أنه قال: «رآني النبي ﷺ وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد الصبح، فقال: "ما هاتان الركعتان؟ " قلت: لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان الرَّكعتان» .
وروي عن أم سلمة: أنها قالت: «دخل عليَّ رسول الله ﷺ بعد العصر، فصلَّى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت هاتين الرَّكعتين في وقت ما كنت تصليهما فيه؟ فقال: "ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، فقدم عليَّ وفد بني تميم، فشغلوني عنهما، فصليتهما بعد العصر". قالت: ثم داوم عليهما» .
وروي: أن النبي ﷺ قال: «من نام عن صلاة، أو نسيها: فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها» . ولم يفرق.
وأما الجواب عن حديث عقبة بن عامر: فظاهر الإقبار أنه: الدفن، وذلك جائز بالإجماع بيننا وبينهم، فلا يجوز حمله على الصلاة.
стр. 793
فإن عقد نافلة لا سبب لها في هذه الأوقات. . فهل تنعقد؟ فيه وجهان، حكاهما صاحب " الإبانة " [ق ٧٨] : وكذلك الوجهان في عقد نذر الصلاة في هذه الأوقات.
واختار ابن الصباغ: أنه لا يصح نذره.
فأما إذا قال: إن شفاني الله من المرض، أو رزقني ولدًا. . فعليَّ لله أن أصلي ركعتين، فشفاه الله، أو رزقه الولد في تلك الأوقات. . جاز له أن يصلي فيها؛ لأنه قد كان يجوز أن يشفيه الله، أو يرزقه في غير تلك الأوقات.
وهل يجوز أن يصلي الاستسقاء في هذه الأوقات؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوزُ؛ لأنها صلاة لها سبب.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يخاف فوتها.
قال في " الإبانة " [ق ٧٨] : ولا يجوز أن يصلي ركعتي الإحرام في هذه الأوقات؛ لأن سببها متأخر عنها.
وأما تحية المسجد في هذه الأوقات: فاختلف أصحابنا فيها:
فذكر الشيخ أبو حامد، وأصحابنا البغداديون: أنه ينظر فيه: فإن دخل المسجد في هذه الأوقات ليعتكف فيه، أو ليدرس العلم فيه، أو يقرأ، أو غير ذلك من الأغراض. . جاز له أن يصلي تحية المسجد؛ لقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد. . فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين» . ولم يفرق.
وإن دخل المسجد، لا لحاجة، ولكن ليصلي التحية لا غير. . ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز أن يصلي التحية؛ لما ذكرناه من الخبر، ولأن سبب الصلاة الدخول، وقد وجد.
стр. 794
والثاني: لا يجوز؛ لقوله ﷺ : «لا يتحرى أحدكم بصلاته طلوع الشمس وغروبها» ، وهذا تحرى بصلاته طلوع الشمس وغروبها، والتحري: التعمد.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان، من غير تفصيل:
أحدهما: يجوز.
والثاني - وهو قول أبي عبد الله الترمذي -: أنه لا يجوز.
فأما إذا كانت له نافلة يداوم على فعلها في وقت يجوز فيه فعل الصلاة، فنسيها أو شغل عنها. . جاز له أن يقضيها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لما ذكرناه من حديث أم سلمة. وهل له أن يداوم على فعلها في ذلك الوقت الذي قضاها فيه بعد ذلك؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: يجوز؛ لما ذكرناه في حديث أم سلمة: أنها قالت: «ثم داوم على فعلهما» .
وقالت عائشة ﵂: «ما دخل عليَّ رسول الله ﷺ بعد العصر قط إلا صلَّى ركعتين» .
стр. 795
والثاني: لا يجوز له المداومة على ذلك؛ لأنا لو جوَّزنا له ذلك، لصارت صلاة لغير سبب.
وأما النبي ﷺ : فإنه كان ملتزمًا للمداومة على أفعاله، فصار مخصوصًا بذلك.
وهل يكره التنفل بعد طلوع الفجر بغير ركعتي الفجر؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: وهل يكره ذلك صلَّى ركعتي الفجر، فيه وجهان:
أحدهما: يكره؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «ليبلغ الشاهد الغائب، ألا لا تصلُّوا بعد الفجر إلا سجدتين» .
والثاني: لا يكره؛ لـ: (أن النبي ﷺ لم ينه إلا بعد الصبح، حتى تطلع الشمس) .
وظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق: أنه لا يكره التنفل بعد طلوع الفجر لمن لم يصل ركعتي الفجر.
وذكر ابن الصباغ: أن الوجهين في كراهية التنفل بعد طلوع الفجر من غير تفصيل:
أحدهما - وهو ظاهر مذهب الشافعي -: أنه يكره، وبه قال ابن عمر، وعبد الله بن عمر، وابن المسيب، والنخعي، وأبو حنيفة.
[والثاني] : قال بعض أصحابنا: لا يكره. وبه قال مالك، والأوزاعي، والأوَّل
стр. 796
أصحُّ؛ لما روي: أنَّ النبي ﷺ قال: «لا صلاة بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر» .
وصحَّ: (أن النبي ﷺ لم يكن يصلي بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر) .
[مسألة تخصيص بعض الأزمان بعدم الكراهة]
مسألة: [تخصيص بعض الأزمان بعدم الكراهية] : وأما اختصاص النهي في بعض الزمان: فإنه لا يكره التنفل بما لا سبب لها يوم الجمعة، عند استواء الشمس لمن حضر الجامع.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: (يكره) .
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار، حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة» .
ولأن الناس ينتظرون الجمعة، ويشق عليهم مراعاة الشمس، وربما غلبهم النوم إن قعدوا، فجوَّز لهم النفل لذلك.
وهل يكره التنفل بما لا سبب له في سائر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها في يوم الجمعة؟ فيه وجهان:
стр. 797
أحدهما: يكره؛ لأنَّ الرخصة إنما وردت في نصف النهار.
والثاني: أنه لا يكره، وهو قول أبي عليٍّ الطبري؛ لأنه قد روي في بعض الأخبار: (أن جهنم تُسْجَرُ في الأوقات الثلاثة في سائر الأيام إلا في يوم الجمعة) . والأول أصحُّ.
فإذا قلنا بهذا، لم يكره التنفل يوم الجمعة نصف النهار لمن كان في الجامع وغيره.
وإذا قلنا بالأول. . فهل يكره التنفل يوم الجمعة نصف النهار، لمن لم يحضر الجامع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكره؛ لأن الرخصة إنما وردت فيمن يحضر الجامع؛ لئلا يغلبه النوم إن قعد، وعليه مشقة في مراعاة الشمس، وهذا المعنى لا يوجد في غيره.
والثاني: لا يكره؛ لعموم قوله ﷺ : «إلا يوم الجمعة» .
[مسألة النهي في بعض البلدان]
وأما اختصاص النهي في بعض البلدان: فإنه لا يكره أن يصلي صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات بمكة.
ومن أصحابنا من قال: إنما الرخصة فيها في ركعتي الطواف؛ لئلا ينقطع الطواف، فأما غير ركعتي الطواف مما لا سبب لها: فيكره.
وقال أبو حنيفة: (يكره الجميع) . والأول أصحُّ.
والدليل عنه: ما روي أبو ذرٍّ: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بعد صلاة الصبح، حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس، إلا بمكة» . ولم يفرق بين ركعتي الطواف وغيرهما.
стр. 798
وروى جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف: مَنْ ولي منكم مِنْ أمور الناس شيئًا. . فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلَّى، أية ساعة شاء من ليل أو نهار» . وهذا عام.
قال أصحابنا: ولا فرق بمكة بين مسجدها، وبيوتها؛ لعموم الخبر.
[مسألة من أدرك ركعة قبل طلوع الشمس]
فإن صلَّى ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس. . لم تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: (تبطل) ؛ لأنه نُهيَ عن الصلاة في هذا الوقت.
ودليلنا ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من صلَّى ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس. . فقد أدرك الصبح - وروي: "فليتم صلاته" - ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس. . فقد أدرك العصر» .
ولأن أبا حنيفة وافقنا إذا اصفرت الشمس هو في صلاة العصر. . أن صلاته لا تبطل، فكذلك هذا مثله.
وبالله التوفيق
стр. 799
[باب صلاة الجماعة]
الجماعة في الجمعة فرض على الأعيان، فيمن وجدت فيه شرائط، نذكرها في الجمعة، إن شاء الله تعالى.
وحكى ابن الصباغ عن بعض أصحابنا: أنها فرض على الكفاية. وليس بشيء.
وأما الجماعة في سائر الصلوات: فإنها ليست بواجبة على الأعيان، ولا شرط فيها، بلا خلاف على المذهب.
واختلف أصحابنا: هل هي فرض على الكفاية، أو سُنَّة:
فذهب أبو إسحاق، وأبو عباس، وأكثر أصحابنا إلى أنها فرض على الكفاية، وهو المنصوص للشافعي في (الإمامة) .
ومن أصحابنا من قال: إنها سُنَّة؛ لأن الصلاة لا تفسد بعدمها، فكانت سُنَّة فيها، كالتكبيرات والتسبيحات، والأوَّل أصحُّ؛ لما روى أبو الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «ما من ثلاثة في قرية أو بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، عليك بالجماعة، فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم» .
стр. 800
واستحواذ الشيطان لا يكون إلا على ترك شيء واجب، هذا مذهبنا، وبه قال الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وقال الأوزاعي، وأحمد، وداود، وأبو ثور، وابن المنذر: (الجماعة فرض على الأعيان) .
وقال بعض أهل الظاهر: الجماعة شرط في الصلاة، ولا تصحُّ صلاة المنفرد.
ودليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة» . وروي: «بسبع وعشرين درجة» ،
стр. 801
ففاضل بين صلاة من صلَّى في جماعة، وبين صلاة المنفرد، والمفاضلة بينهما تدل على كونهما صحيحتين فاضلتين، إلا أن إحداهما أفضل من الأخرى.
ولأنها صلاة تؤدى جماعة وفرادى، فلم تكن الجماعة شرطًا في صحتها، كصلاة العيدين.
فإذا قلنا: إنها سُنَّة، فأطبق أهل بلد أو قرية على تركها. . فإنهم لا يأثمون، ولا يقاتلون، ولكنهم تركوا سُنَّة مؤكدة، وضيَّعوا حظ أنفسهم.
وإذا قلنا: إنَّها فرضٌ على الكفاية، فأطبقوا على تركها. . أثموا، وقوتلوا على تركها، كما لو أطبقوا على ترك الصلاة على الجنازة.
وإن ظهرت فيهم. . سقط الفرض عنهم.
قال الشيخ أبو حامد: وحدُّ ظهورها: إن كان في قرية عشرون رجلاً، أو ثلاثون، فأقيمت الجماعة في مسجد واحد في القرية. . فإن ذلك يظهر في العادة، ويعلم به أهل القرية كلهم، فيسقط الفرض عن الباقين.
وإن كانت القرية كبيرة، فأقيمت في طرفٍ منها. . لم يسقط عنهم الفرض؛ لأنها لا تظهر فيهم، وإنما يسقط الفرض بأن تقام في كل طرفٍ، وكذلك أهل البلد العظيم، كبغداد لا يسقط الفرض عنهم، حتى يقام في كلّ محلَّة في مسجد، حتى يظهر إقامتها في المحلة.
стр. 802
قال أبو إسحاق المروزي: ولو أن كل واحد من أهل البلد أقام الجماعة في بيته. . لم يسقط الفرض عنهم؛ لأنها لا تظهر في البلد.
وقال ابن الصباغ: إذا أقامها في بيته، بحيث يظهر ذلك في الأسواق. . سقط الفرض بذلك.
[مسألة أقل الجماعة]
وأما أقلُّ الجماعة: فإن الشافعي ﵁ قال في " الأمِّ " [١ ١٣٧] : (وإذا كانوا ثلاثة، فصلَّى بهم أحدهم. . كان ذلك جماعة، وإن كانوا اثنين، فأمَّ كل واحد بصاحبه. . رجوت أن تجزئهما الجماعة) ، ثم قال في آخر الباب: (وإن كانوا اثنين، فصلَّى أحدهما بالآخر. . كان ذلك جماعة) .
قال الشيخ أبو حامد: والذي لا خلاف فيه على المذهب، ولا بين أحد - إن شاء الله - أن الاثنين إذا أمَّ أحدهما الآخر جماعةٌ داخلة تحت قوله ﷺ : «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة» .
والدليل عليه: ما روى أبو موسى الأشعري: أن النبي ﷺ قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» .
فإن صلى في بيته بزوجته أو جاريته، أو ولده. . فقد أتى بفضيلة الجماعة.
وأما أفضل الجماعة فكلَّما كثرت فيه الجماعة. . كان أفضل؛ لقوله ﷺ : «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من
стр. 803
صلاته مع الرجل، وما كان أكثر. . فهو أحب إلى الله تعالى» .
فإن كان بالبعد منه مسجد تكثر فيه الجماعة، وبالقرب منه مسجد فيه الجماعة أقلُّ من المسجد البعيد. . نظرت: فإن كانت جماعة المسجد القريب منه، تختل بتخلفه عنه، بأن يكون إمامًا له، أو كان مِمَّن يحضر الناس فيه بحضوره فيه. . فصلاته في المسجد القريب أفضل؛ لتحصل الجماعة في البلد في موضعين.
وإن كانت الجماعة في المسجد القريب، لا تختل بتخلفه عنه. . فالأفضل أن يصلِّي في المسجد البعيد الذي تكثر فيه الجماعة.
وحكى في " الإبانة " [ق ٧٩] وجهًا آخر: أن صلاته في مسجد الجوار أفضل؛ لئلا يؤدي إلى تعطيل الجماعة الأخرى، والمذهب الأول، لقوله ﷺ : «صلاة الرجل مع الرجل، أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين، أزكي من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر. . فهو أحب إلى الله تعالى» .
فإن كان إمام المسجد البعيد مبتدعًا، رافضيًّا أو معتزليًّا أو فاسقًا مظهرًا لفسقه. . فالأفضل أن يصلي في المسجد القريب، الذي تقل فيه الجماعة بكل حال.
وقال أبو إسحاق المروزي: وصلاة المنفرد أحب إليَّ من الصلاة خلف الحنفيِّ؛ لأنه لا يرى الترتيب واجبًا في الطهارة، ولا النية، ولا يرى وجوب الأركان.
وقال في "الفروع": وقيل: الصلاة خلفه أفضل من الانفراد.
стр. 804
[فرع جماعة النساء]
وأما النساء: فجماعتهن في البيوت أفضل؛ لقوله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن» .
فإن أرادت المرأة حضور الجماعة مع الرجل في المسجد، فإن كانت شابَّة أو كبيرة يُشتهى مِثلها. . كُرِه لها الحضور؛ لأنه يخاف الافتتان بها، وإن كانت كبيرة، لا يُشتهى مثلُها. . لم يكره لها الحضور؛ لما روي «أن النبي ﷺ نهى النساء عن الخروج إلى المساجد، إلا عجوزًا في مَنْقَلَيْهَا» .
و (المَنْقَلُ) - بفتح الميم -: هو الخفُّ، ولم يرد أن المنقل شرط في الرخصة، وإنما ذكره؛ لأن الغالب من العجائز لبس الخفاف.
[مسألة نية المأموم بالاقتداء]
ولا تصح الجماعة للمأموم، حتى ينوي الاقتداء بالإمام؛ لأنه يريد أن يتبع غيره، فلا بد من نية الاتِّبَاع.
стр. 805
فإن صلى خلفه، وتابعه في الأفعال، ولم ينو الاقتداء به. . فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
وإن نوى الاقتداء به، ولم يعلم الإمام. . صحت صلاته.
وقال الأوزاعي: (لا تصحُّ صلاة المأموم، حتى ينوي الإمام أنه إمامٌ، وليس بشيء) .
وأما الإمام: فذكر المسعودي [في " الإبانة " ق ٨١] ، والجويني: أنه لا يصحُّ له فضيلة الجماعة، حتى ينوي أنه إمامٌ، والذي يقتضيه المذهب: أن فضيلة الجماعة تحصل له وإن لم ينو ذلك؛ لأن هذه النية لا تصح منه عند الإحرام.
[فرع الائتمام بأكثر من إمام]
وإن رأى رجلين يصلِّيان، فنوى الائتمام بهما، أو بأحدهما، لا بعينه. . لم تصحَّ صلاته؛ لأنه لا يمكنه الائتمام بهما، وإن كان أحدهما يصلِّي بالآخر فنوى الائتمام بالمأموم. . لم تصحَّ صلاته؛ لأنه ائتم بمن ليس بإمام.
فإن قيل: فقد روي: «أن النبي ﷺ لمَّا وجد في مرضه خفَّة. . خرج يُهادى بين رجلين، فتقدم، فكان يؤم أبا بكر وحده، وأبو بكر يؤم الناس» .
قال أصحابنا: فالجواب: إن هذا لا يصح عند أحد من الناس، فيكون تأويل ذلك: أن النبي ﷺ كان إمامًا لأبي بكر وللناس، وإنما كان أبو بكر يُسمعُهُم التكبير؛ لعجز النبي ﷺ عن إبلاغهم ذلك.
وإن رأى رجلين يصلِّيان، فائتم بمن على يسار القبلة، وظنه الإمام؛ لأن السُنَّة أن
стр. 806
يكون ذلك موقف الإمام، ثم بان أنه كان مأمومًا، خالف سُنَّة الموقف. . لم تصح صلاة المؤتم به، لأنه بان أنه ائتم بمن ليس بإمام.
فإن صلَّى رجلان في مكان واحد، واعتقد كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر. . لم تصحَّ صلاتهما؛ لأن كل واحدٍ منهما ائتم بمن ليس بإمام، فإن اعتقد كل واحد منهما أنه إمام للآخر. . صحَّت صلاتهما؛ لأن كل واحد منهما يُصلي لنفسه، ولا يتبع غيره.
وإن فرغا من الصلاة، فشكَّ كل واحد منهما أنه كان الإمام أو المأموم. . لم تصح صلاتهما؛ لأن كل واحدٍ منهما لا يدري هل صحت صلاته، أم لا؟ لأنه إن كان إمامًا. . صحَّت صلاته، وإن كان مأمومًا. . لم تصح صلاته؛ لجواز أن يكون قد نوى الاقتداء بمن ليس بإمام.
وهكذا: لو طرأ الشَّكَّ عليه في أثناء الصلاة أنه إمامٌ، أو مأمومٌ. . بطلت صلاته؛ لأنه لا يدري أنه تابع، أو متبوعٌ.
[مسألة أعذار ترك صلاة الجماعة]
] : يجوز ترك الجماعة للعذر، سواءٌ قلنا: إن الجماعة فرض على الكفاية، أو سُنَّة.
والعذر في ذلك ضربان: عامٌّ، وخاصٌ.
فأما العامُّ: فمثل: المطر، والريح في الليلة المظلمة، فأما بالنهار: فإن الريح ليس بعذرٍ، لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المظلمة المطيرة ذات الريح: «ألا صلُّوا في رحالكم» .
стр. 807
وأما الوَحَلُ: فقال أصحابنا ببغداد: هو عذرٌ؛ لقوله ﷺ : «إذا ابتلت النعال. . فصلُّوا في الرحال» .
وقال الخراسانيون: فيه وجهان:
أحدهما: أنع عذرٌ، كالمطر.
والثاني: ليس بعذر؛ لأنه له مُدَّةً.
قال ابن الصباغ: وكذلك الحَرُّ الشديد عذرٌ في ترك الجماعة؛ لقوله ﷺ : «إذا اشتد الحر، فأبردوا بالظهر» .
وأما الأعذار الخاصة: فذكر الشافعي ﵁ عشرة أشياء:
أحدها: أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه، فيبدأُ بالأكل، لقوله ﷺ : «إذا حضر العَشَاءُ والعِشَاءُ، وأُقيمت الصلاة. . فابدءوا بالعَشَاء» . ولأن ذلك يمنعه من الخشوع في الصلاة.
فإن كان طعامًا يمكنه أن يستوفيه قبل فوات وقت الصلاة. . استوفاه، وإن كان يخشى فوت الوقت. . أكل منه ما يسد به رمقه لا غير.
والثاني: أن تحضر الصلاة، وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما، فيبدأ بقضاء
стр. 808
حاجته؛ لقوله ﷺ : «لا يُصلِّينَّ أحدكم وهو يدافع الأخبثين» .
فإن خالف وصلَّى مع ذلك. . صحَّت صلاته.
وقال أبو زيد المروزي: لا تصحُّ صلاته؛ لعموم الخبر.
والمذهب الأوَّل؛ لأنه غير محدثٍ، والخبر محمول على الاستحباب، كما قلنا في العَشَاء.
الثالث: أن يكون معه مرضٌ يشق القصد؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد. . قال الله لملائكته: ما كان يصنع عبدي؟ فيقولون: كان يصنع كذا وكذا، فيقول: اكتبوا له ثواب ما كان يعمل» .
ولأنه يشق عليه القصد.
الرابع: الخوف، وهو أن يكون عليه دين، ولا مال له يُقضى منه، ويخشى أن يحبسه غريمه إن رآه، أو يخشى السلطان ظُلمًا، فله ترك الجماعة؛ لما روي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء، فلم يُجبه. . فلا صلاة له، إلا من عُذر. قالوا: وما العُذر يا رسول الله؟ قال: خوفٌ، أو مرضٌ» .
стр. 809
الخامس: السفر، وهو أن تقام الصلاة، وهو يريد السفر، ويخشى أن ترحل القافلة، ولا يلحقها، فله ترك الجماعة؛ لأن عليه ضررًا بتخلفه عن القافلة.
السادس: خوف غلبة النوم إن انتظر الجماعة، فله أن يشتغل بالنوم؛ لأن النعاس يمنعه من الخشوع في الصلاة، ورُبما انتقضت طهارته.
السابع: أن يكون قيِّمًا بمريض يخاف ضياعه، لأن سبب حفظ الآدمي آكد من حُرمة الجماعة، فإن كان له قيِّم سواه، إلا أنه مشتغل القلب بسببه. . ففيه وجهان:
أحدهما: له ترك الجماعة، لأن اشتغال قلبه به يمنعه من الخشوع في الصلاة.
والثاني: ليس له ترك الجماعة به؛ لأن للمريض من يقوم به.
الثامن: أن يكون له قريب منزول به، فله ترك الجماعة، ليقف عنده؛ لأن قلبه يألم بتخلفه عنه.
التاسع: أن يخاف فساد مالهِ أو ضياعه، بأن يكون الخبز على النار، فيخشى من اشتغاله بالجماعة احتراقه، أو يقدم له من سفرٍ أو من موضع مالٌ، فيخشى لو اشتغل بالجماعة تلفه أو ذهاب منه شيء، فله ترك الجماعة؛ لأن عليه ضررًا بذلك.
العاشر: أن يكون قد ضاع له مال، يرجو إن ترك الجماعة وجوده، فيجوز له ترك الجماعة له، لأن قلبه يألم بذهاب ماله.
وذكر القاضي أبو الطيب: إذا أكل بصلاً، أو كرَّاثًا، أو ثُومًا، فإن ذلك عذرٌ في ترك الجماعة؛ لما روي: أن النبي قال: «من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين، فلا يؤذنا في مسجدنا» .
стр. 810
قال: وهذا إذا كان لم يمكنه إزالة هذه الرائحة بغسل فيه، أو بدواءٍ، فأما إذا أمكنه ذلك: لم يكن ذلك عذرًا.
فإن أكلهما مطبوختين. . لم يكن عذرًا في ترك حضور الجماعة؛ لما روي: أن عمر ﵁ قال: (من أراد أكلهما، فليطبخهما) .
قال المسعودي [في " الإبانة " ق ٨٠] : ومن الأعذار أيضًا: أن يكون عاريًا، أو يكون عليه قصاص، ويرجو العفو.
[مسألة المشي بسكينة إلى الجماعة]
] : والمستحب لمن قصد الجماعة: أن يمشي إليها على سجية مشيه.
وقال أبو إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى. . أسرع؛ لما روي: أن ابن مسعود استدعى إلى الصلاة، وقال: (بادروا حدَّ الصلاة) ، يعني: التكبيرة الأولى.
والصحيح هو الأول؛ لقوله ﷺ : «إذا أُقيمت الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة» .
следующие страницы →