Полный текст (7 092 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وحكى الطبري في " العدة" قولًا آخر: أن بنفس الدخول يصير مقيمًا، كدخوله دار إقامته، والأول هو المشهور.
[فرع نية الإقامة]
] : إذا نوى المسافر أن يقيم ببلد أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، انقطعت رخص السفر، وبه قال عثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، ومالك، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: (إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا، مع اليوم الذي يدخل فيه، واليوم الذي يخرج فيه أتم الصلاة، وإن نوى دون ذلك قصر) . وهي إحدى الروايتين عن ابن عمر، واختاره المزني.
وحكي عن سعيد بن جبير: أنه إذا نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يومًا أتم الصلاة، وإن نوى دون ذلك قصر.
وروي عن ابن عمر رواية أخرى: (أنه إن نوى إقامة ثلاثة عشر يومًا أتم الصلاة، وإن نوى دون ذلك قصر) .
وروي عنه رواية ثالثة: (إن نوى إقامة اثني عشر يومًا أتم، وإن نوى دون ذلك قصر) .
وقال علي وابن عباس: (إن نوى إقامة عشرة أيام أتم الصلاة، وإن نوى دون ذلك قصر) .
стр. 912
وقال ربيعة: إن نوى إقامة يوم وليلة أتم الصلاة.
وقال الحسن البصري: إذا دخل المسافر البلد أتم الصلاة.
وقالت عائشة: (إذا وضع المسافر رحله أتم الصلاة، سواء كانت في البلد أو خارجًا منها) .
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا» .
ووجه الدلالة منه هو: أن المهاجرين حرمت عليهم الإقامة بمكة قبل فتحها، فلما صارت دار إسلام تحرج المسلمون من الإقامة فيها؛ ليكونوا على هجرتهم، وكانوا لا يدخلونها إلا لقضاء نسك، فلما أذن لهم النبي ﷺ في إقامة الثلاثة دل على أنها في حكم السفر، وما زاد علها في حكم الإقامة، وفي هذا دليل على أكثر المخالفين.
وروي: «أن النبي ﷺ قصر الصلاة بمكة، ومنى، وعرفات» ، وفي هذا دليل على باقي المخالفين فيها.
وأما يوم الدخول ويوم الخروج: فلا يعتبر؛ لأنه يشق مراعاة الزمان والساعة التي يدخل فيها أو يخرج، وضم بعضه إلى بعض، فسقط اعتبار ذلك.
стр. 913
[فرع نية الإقامة]
] : وإن نوى الإقامة في موضع لا يصلح لها، كالمفازة من الأرض؛ فقال البغداديون من أصحابنا: حكمه حكم ما لو نوى الإقامة في بلد.
وقال الخراسانيون: هل يكون كالإقامة في بلد؟ فيه قولان، بناء على القولين فيمن نوى الإقامة عند مواجهة العدو.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه الإتمام) .
دليلنا: أنه نوى الإقامة مدة الإقامة، فأشبه إذا نوى الإقامة بقرية.
[فرع نية التابع إذا انفرد بها]
إذا كان العبد مع سيده في سفر، فنوى العبد إقامة أربعة أيام، أو كانت الزوجة مع زوجها في السفر، فنوت الإقامة، ولم ينو الزوج، ولا السيد ففيه وجهان:
أحدهما: يلزم العبد والزوجة الإتمام؛ لأنهما قد نويا الإقامة، فصارا كغيرهما.
والثاني: لا يلزمهما؛ لأنه لا اختيار لهما في الإقامة.
ويحتمل أن يكون إذا نوى الجيش الإقامة مع الإمام، أو الأمير من قبله، ولم ينو هو الإقامة على هذين الوجهين.
[فرع نية إقامة المسافرين]
لو أن مسافرين دخلا بلدًا، ونويا إقامة أربعة أيام، غير يوم الدخول ويوم الخروج، وأحدهما يعتقد جواز القصر مع نية إقامة أربعة أيام، كره للآخر أن يأتم به، فإن خالف، واقتدى به، فقصر الإمام لم تبطل صلاة المأموم بذلك؛ لأن الإمام لا تبطل صلاته إلا بالسلام من ركعتين، فيقوم المأموم، ويتم لنفسه، كما لو أفسد الإمام صلاته بكلام أو غيره.
стр. 914
[فرع نية الإقامة لإنجاز حاجة]
] : فأما إذا نوى المسافر الإقامة؛ لينجز حاجة، ثم يرحل بعدها، مثل: أن يقيم على كتب حديث أو سماعه، أو قراءة علم، أو على بيع سلعة أو شرائها، أو كان مريضًا، فنوى الإقامة إلى أن يبرأ، ولم ينو إقامة مدة نظرت: فإن كان يعلم أن حاجته لا تتنجز له إلا بإقامة أربعة أيام، فما زاد لم يجز له القصر، كما لو نوى إقامة أربعة أيام.
وإن كان لا يدري متى تتنجز حاجته، وقد تتنجز في أربع، وفيما دونها، وفيما زاد عليها، فقد اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو حامد: له أن يقصر إلى أن تبلغ إقامته إقامة رسول الله ﷺ في هوازن عام الفتح قولًا واحدًا، وقد اختلفت الرواية في قدر إقامة رسول الله ﷺ في هوازن.
ففي رواية: (أنه أقام سبعة عشر يومًا) .
وفي رواية: (أنه أقام ثمانية عشر) .
قال في " الإبانة " [ق \ ٨٨] : وهو الأصح.
стр. 915
وفي رواية ثالثة ذكرها في " الإبانة " [ق \ ٨٨] : (أنها عشرون يومًا) .
وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة، جمعت هوازن قبائل العرب، وأرادت المسير إلى قتاله، فكان النبي ﷺ مقيمًا يتخوف من ذلك، وينتظرهم ليقاتلهم، وهو يقصر الصلاة، فأقام المدة التي ذكرناها.
فإن زادت إقامته على ذلك، ففيه قولان:
أحدهما: يجوز له أن يقصر؛ لأنه إقامة في مدة، على تنجز حاجة يرحل بعدها، فجاز له القصر فيها، كالإقامة في سبعة عشر يومًا.
والثاني: يلزمه الإتمام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] [النساء: ١٠١] ، وهذا ليس بضارب؛ ولأن الأصل التمام، إلا فيما وردت فيه الرخصة، وهو قدر إقامة رسول الله ﷺ ، ونفي ما زاد على الأصل.
وقال أبو إسحاق المروزي: له أن يقصر أربعة أيام، قولًا واحدًا، وفيما زاد عليها ثلاثة أقوال:
أحدها: يجوز له أن يقصر أبدًا.
والثاني: له أن يقصر إلى أن يبلغ مدة إقامة رسول الله ﷺ ثم يتم فيما زاد عليها، ووجههما ما ذكرناه.
والثالث: يلزمه الإتمام بعد الأربع؛ لأن الإقامة أبلغ من نية الإقامة، فإذا لزمه
стр. 916
الإتمام بنية إقامة أربعة أيام، فلأن يلزمه الإتمام بالإقامة فيما زاد عليها أولى.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٨٨] : له أن يقصر ثلاثة أيام قولًا واحدًا، وفيما زاد عليها قولان:
أحدهما: يقصر أبدًا.
والثاني: يقصر ما لم تبلغ مدة إقامة رسول الله ﷺ ، ويتم فيما زاد عليها.
فأما الإقامة على حرب: فلا فرق بين أن يكون مقاتلًا في الحال، أو يكون متخوفًا من القتال، والحكم فيه واحد، فينظر فيه:
فإن لم ينو إقامة مدة، بل نوى أنه متى انقضى القتال رحل، فهو كما لو نوى الإقامة على تنجز حاجة يرحل بعدها، على ما مضى من الطرق.
وإن نوى إقامة أربعة أيام، فما زاد على ذلك ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز له القصر؛ لأنه نوى إقامة أربعة أيام، فهو كما لو نوى الإقامة على غير حرب.
والثاني: له أن يقصر؛ لأن رسول الله ﷺ أقام بمكة على قتال هوازن المدة التي ذكرناها، وهو يقصر الصلاة.
ولما روي: أن رجلًا سأل ابن عباس، فقال: إنا نغزو بخراسان، فتطول المدة؛ أنقصر؟ فقال: (اقصروا، ولو بقيتم عشر سنين) ، وروي: (أن أنسًا أقام بنيسابور سنة يقصر الصلاة على حرب) ، و (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) .
стр. 917
قال أبو المحاسن من أصحابنا: إذا نزل المسافر قرية، فأقام بها أربعة أيام، من غير نية الإقامة لم يكن له أن يقصر بعدها.
وقال أبو حنيفة: (يقصر ما لم ينو الإقامة) .
دليلنا: أن وجود الإقامة عيانًا وحقيقة، أقوى من نية الإقامة، ولو نوى هذه المدة لم يقصر كذلك إذا وجد حقيقة.
[فرع المسافر في البحر عند ركود الريح]
وإن سافروا في البحر، فركدت بهم الريح، فأقاموا على هبوبها، فهم كالمقيمين على تنجز حاجة، فلو أقاموا في موضع قدر إقامة رسول الله ﷺ في التي قبلها، وقلنا: يجب عليهم التمام، أو قلنا: يلزمهم الإتمام بعد أربعة أيام، في أحد الأقوال على طريقة أبي إسحاق، ثم هبت الريح، فعدوا عن موضعهم، جاز لهم القصر.
فإن ردتهم الريح إلى موضعهم الأول، ثم ركدت بهم الريح فيه كانوا كالمقيمين في هذه الحالة على تنجز حاجة، فلهم أن يقصروا أربعة أيام، قولًا واحدًا، وفيما زاد عليها الطرق؛ لأنهم قد أنشئوا السفر بهبوب الريح، وهذه إقامة غير الأولى، وإن كان الموضع واحدًا.
[فرع يقصر المكي]
] : ذكر الطبري في " العدة": لو أن مكيًّا قصد إلى عرفات، ثم يعود إلى منى، ثم إلى مكة، ثم يخرج إلى بعض الآفاق، ولم يقم في شيء من هذه المواضع أربعة أيام، فليس له أن يقصر في شيء منها، ما لم يفارق مكة بعد رجوعه إليها؛ لأن كل ذلك بلد إقامته، والمسافات متقاربة.
стр. 918
فأما إذا قصد المكي إلى جدة، أو إلى موضع تقصر إليه الصلاة من مكة، ثم يعود إلى مكة، ولا يقيم بها أربعة أيام، بل يخرج منها إلى بعض الآفاق فله أن يقصر هاهنا عند خروجه من مكة إلى جدة، وفي رجوعه من جدة إلى مكة، وهل له أن يقصر بمكة؟ فيه قولان، كالقولين فيمن مر ببلد له فيها أهل ومال.
قلت: وعندي: أنه لا يقصر بمكة قولًا واحدًا؛ لأن الشافعي قال: (لو خرج من وطنه مسافرًا إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فأحرم بالصلاة خارج البلد فرعف، فرجع إلى البلد لغسل الدم، أو لحاجة نسيها لم يكن له أن يقصر ببلده) ؛ لأنه في دار إقامته، وإن كان برجوعه لم ينو الإقامة، بل هو على نية السفر.
ويدل على ما ذكرته: أن الشافعي قال في "الأم" [١/١٦٤] والقديم: (إذا ولى الإمام رجلًا مكة، فسار من موضع تقصر منه الصلاة إليها، وهو يريد الحج، فبلغ مكة انقطع قصره، وإن كان يريد المسير إلى منى وعرفات) ؛ لأنه يحصل بذلك في وطنه، ولا يقطع قصره إذا حصل في طرق عمله؛ لأن ذلك ليس بوطن له؛ ولأن النبي ﷺ كان يسير في البلد التي فيها أهل طاعته، وكان يقصر الصلاة فيها.
[فرع المسافر يؤم غيره]
إذا أمّ المسافر بمسافرين وبمقيمين جاز، ويجوز للإمام، ولمن خلفه من المسافرين أن يقصروا، ويتم المقيمون؛ لأن النبي ﷺ كان يؤم المسافرين والمقيمين بمكة، وكان ﷺ ومن خلفه من المسافرين يقصرون الصلاة، ويتم المقيمون خلفه.
ويستحب للإمام إذا سلم أن يقول للمقيمين: أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر؛ لما روي: «أن النبي ﷺ كان إذا سلم قال: "أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر» .
فإن أراد أن يستخلف أحد المقيمين؛ ليتم بهم الصلاة، بنى على القولين في
стр. 919
الاستخلاف عند الحدث، فإن قلنا هناك: لا يجوز فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: يجوز فهاهنا وجهان، ويأتي بيان ذلك.
[مسألة قضاء فائتة الحضر في السفر]
] : فإن فاتته صلاة في الحضر، فقضاها في الحضر، وجب عليه أن يقضيها تامة، سواء كان بين فواتها وقضائها سفر أو لم يكن؛ لأنه مقيم حال الوجوب، وحال القضاء.
وإن فاتته صلاة في السفر، فقضاها في الحضر ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يجوز له أن يقضيها مقصورة) ، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، والحسن البصري، وحماد؛ لأنها صلاة، فكان قضاؤها كأدائها كالصبح، والمغرب، وكما لو فاتته في الحضر، فقضاها في السفر.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يلزمه أن يقضيها تامة) ، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وهو الأصح؛ لأن القصر تخفيف تعلق بعذر، وقد زال العذر، فزال التخفيف، كالقعود في صلاة المريض.
وإن فاتته صلاة في السفر، فقضاها في السفر ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز له قصرها؛ لأنها صلاة ردت إلى ركعتين، فكان من شرطها الوقت، كصلاة الجمعة.
والثاني: يجوز له قصرها، وهو الأصح؛ لأنه تخفيف تعلق بعذر، والوقت باق، فجاز أن يكون التخفيف باقيًا، كالقعود في صلاة المريض.
فعلى هذا: إن تخلل بين الفوات والقضاء حضر، فهل يجوز له القصر؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ ٨٧] .
стр. 920
[فرع القضاء في السفر]
] : وإن فاتته صلاة في الحضر، وأراد قضاءها في السفر، وجب عليه أن يقضيها تامة.
وقال الحسن البصري والمزني: يجوز أن يقضيها مقصورة؛ لأن الاعتبار بحال الفعل، ولهذا لو ترك صلاة في حال الصحة، فقضاها في حال المرض، كان له أن يصليها قاعدًا، وكما لو فاته صوم في الحضر، فذكره في السفر فإن له أن يفطر.
ودليلنا: أن هذه صلاة تعين عليه فعلها أربعًا، فلا يجوز له النقصان عن عددها، كما لو لم يسافر، وكم لو نذر أن يصلي أربع ركعات.
وأما ما ذكراه من صلاة المريض: فالفرق بينهما: أن المرض حال ضرورة، والسفر حال عذر، فلا يعتبر أحدهما بالآخر، ألا ترى أنه لو افتتح الصلاة قائمًا في الصحة، ثم طرأ عليه المرض، في أثنائها جاز له القعود، ولو افتتح الصلاة في الحضر، ثم سافر في أثنائها لم يجز له قصرها.
وأما الصوم: فإن كان تركه في الحضر لغير عذر، بأن أكل عامدًا فقد اختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق المروزي: لا يجوز له تركه في السفر؛ لأنه مفرط.
فعلى هذا: يسقط السؤال.
وقال أكثر أصحابنا: هو مخير بين قضائه في السفر أو الحضر، وكذلك إذا تركه في الحضر بعذر، فهو مخير أيضًا بين قضائه بالسفر أو الحضر، فيكون الفرق بينه وبين الصلاة: أن الترخص في الصوم بالسفر هاهنا إنما هو بتأخيره، لا بسقوط بعضه، والترخص بالسفر في الصلاة إنما هو بسقوط بعضها، ولهذا لو دخل في الصوم بالسفر؛ كان مخيرًا بين إتمامه أو الفطر منه، ولو دخل في الصلاة في السفر بنية التمام لم يجز له قصرها.
стр. 921
[فرع أدرك الصلاة حضرًا وصلاها سفرًا]
] : إذا دخل عليه وقت الصلاة في الحضر، وتمكن من أدائها، ثم سافر فله أن يقصر، وقال المزني: ليس له أن يقصر.
قال الشيخ أبو إسحاق: ووافقه أبو العباس ابن سريج على هذا، كما لو دخل على المرأة وقت الصلاة في الحضر، وتمكنت من أدائها، ثم حاضت قبل أن تصليها، فإنها لا تسقط عنها.
والمذهب الأول؛ لأن الاعتبار في الصلاة بحال الأداء، لا بحال الوجوب، بدليل أنه لو دخل عليه وقت الظهر يوم الجمعة، وهو عبد، فلم يصل حتى أعتق فإن الجمعة تجب عليه، وهذا مسافر في حال الأداء فجاز له القصر.
قال ابن الصباغ: وأما الحائض: فلا نسلمه، على قول أبي العباس، فإنه قال فيها: إذا دخل عليها وقت الصلاة، وتمكنت من فعلها، ثم طرأ عليها الحيض، أو الإغماء، فإنها تسقط عنها، وقد حكى الشيخ أبو إسحاق هذا عن أبي العباس في الحائض.
فإن ثبتت الحكايتان عن أبي العباس، تناقض قوله.
وإن سلمنا الحائض على المذهب، فالفرق بينها وبين المسافر: أن الحيض يؤثر في إسقاط الصلاة، فلو أثر ذلك بعد التمكن من فعلها، لأدى إلى إسقاط فرض الصلاة بعد وجوبها، والسفر لا يؤثر في إسقاط الفرض، وإنما يؤثر في عدد الركعات، فلا يؤدي إلى إسقاطها.
وإن سافر، ولم يبق من وقت الصلاة إلا قدر أربع ركعات، جاز له القصر.
وقال المزني: لا يجوز له القصر، ووافقه على هذا أبو الطيب بن سلمة، والصحيح هو الأول؛ لما ذكرناه في الأولى.
وإن سافر وقد بقي من الوقت قدر ركعة، فإن قلنا بقول المزني، وابن سلمة في الأولى لزمه التمام.
стр. 922
وإن قلنا بقول عامة أصحابنا في الأولى بنيت هذه على من صلى في الوقت ركعة، ثم خرج الوقت، فإن قلنا بقول أبي علي ابن خيران: إنه يكون مؤديًا للجميع، وهو ظاهر المذهب، جاز له القصر.
وإن قلنا: يكون مؤديًا لما صلى في الوقت، قاضيًا لما صلى بعد خروج الوقت لم يجز له القصر.
وإن لم يصل المسافر، حتى بقي من الوقت قدر ركعة أو أقل، فإن قلنا: يكون مؤديًا للجميع جاز له القصر، قولًا واحدًا.
وإن قلنا: يكون مؤديًا لما صلى في الوقت، قاضيًا لما صلى بعد خروج الوقت، فهل يجوز له القصر؟ فيه قولان، كما لو فاتته في السفر، فقضاها في السفر.
[فرع استخلاف المسافر المقيم]
] : قال في " الإبانة " [ق \ ٨٩] : إذا اقتدى مسافر بمسافر، ونويا القصر، فأحدث الإمام، واستخلف مقيمًا لزم المأموم الإتمام، وأما الإمام الأول: فإن توضأ وعاد، فائتم بخلفيته لزمه التمام، وإن صلى منفردًا جاز له القصر.
قال: وفيه وجه بعيد: أنه يلزمه الإتمام؛ لأن نظام صلاة الخليفة بنظام صلاته، ولعل هذا الوجه مأخوذ من أحد التأويلات في مسألة الراعف التي مضت.
[مسألة الجمع بين الصلوات]
يجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، في السفر الطويل، وبه قال سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن
стр. 923
زيد، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى، ومعاذ بن جبل، وجابر بن سمرة.
وهل يجوز الجمع بينهما في السفر الطويل؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يجوز) ، وبه قال مالك.
ووجهه: أن أهل مكة يجمعون بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، ولا ننكر عليهم منكر؛ ولأنه سفر يجوز فيه التنفل على الراحلة، فجاز الجمع فيه كالطويل.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يجوز) ، وهو الأصح؛ لأنه إخراج عبادة عن وقتها، فلم يجز في السفر القصير كالفطر، وأما أهل مكة: فلا حجة في فعلهم أيضًا.
قال ابن الصباغ: لأنهم يقصرون أيضًا، ونحن لا نجيز ذلك في القصر، وأما التنفل على الراحلة: فإنما جاز ذلك؛ لئلا ينقطع عن النافلة، وفي ذلك مشقة، وهذا يستوي فيه القصير والطويل، وليس في منع الجمع في القصر مشقة، هذا مذهبنا.
стр. 924
وقال الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، والنخعي، وأبو حنيفة، وأصحابه: (لا يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر بحال، وإنما يجوز لأجل النسك في عرفة، ومزدلفة لا غير) .
ودليلنا: ما روي عن «ابن عباس: أنه قال: (ألا أخبركم بصلاة رسول الله ﷺ في السفر: كان النبي ﷺ إذا زالت الشمس، وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في وقت الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر» .
وروي عن «عبد الله بن دينار: أنه قال: غربت الشمس، ونحن مع عبد الله بن عمر في سفر، فسار حتى أمسى، فقلنا: الصلاة، فسار حتى غاب الشفق، وتصوبت النجوم ثم نزل، فجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وقال: (كان رسول الله ﷺ إذا جد به السير صلى صلاتي هذه» .
стр. 925
إذا ثبت هذا: فالأفضل إن كان نازلًا في وقت الأولى أن يجمع بينهما في وقت الأولى، وإن كان سائرًا فالأفضل أن يجمع بينهما في وقت الثانية؛ لما ذكرناه من حديث ابن عباس؛ ولأنه أرفق بالمسافر، فكان أولى.
فإن جمع بينهما في وقت الأولى، افتقر إلى ثلاثة شروط:
أحدها: نية الجمع.
وقال المزني: لا يفتقر إلى نية الجمع، بل إذا فرغ من الأولى، وأراد أن يصلي الثانية نوى أنه يترخص بها.
ودليلنا: أنه جمع، فلا بد من نيته، كالجمع في وقت الثانية، فإنه وافقنا على ذلك.
إذا ثبت هذا: فإن نوى الجمع عند الإحرام بالأولى صح ذلك قولًا واحدًا، وإن أخر نية الجمع عن حال الإحرام بالأولى، ونواه قبل تسليمه منها، في أي جزء كان منها فهل يصح؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن القصر رخصة، والجمع رخصة، فلما كان القصر لا يصح إلا بنية مع الإحرام، فكذلك الجمع.
والثاني: يصح، وهو الأصح؛ لأن الجمع يحصل بفعل الثانية عقيب الأولى، فإذا نوى الجمع قبل الفراغ من الأولى أجزأه، كما لو نوى عند الإحرام.
وحكى في " الإبانة " [ق \ ٩٠] : طريقة ثانية: إن كان الجمع بالمطر، اشترط أن تكون النية عند الإحرام بالأولى، وإن كان في السفر أجزأه أن ينوي قبل التسليم من الأولى، قال: وقد نص الشافعي على هذا، والفرق بينهما: أن وجود السفر شرط في جميع الصلاة، فاكتفي بوجوده عن النية في أولها، والمطر لا يفتقر إلى وجوده في جميع الصلاة، فافتقر إلى النية في أولها؛ لأن المطر يشترط في أولها.
الشرط الثاني: الترتيب بين الصلاتين، وهو أن يقدم الأولى منهما؛ لأن الوقت
стр. 926
لها، والثانية تبع لها، فاشترط تقديم المتبوع.
الشرط الثالث: التتابع بينهما، فإن فصل بينهما بفصل يسير جاز؛ لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه، وإن فصل بينهما بفصل طويل، ويعرف حده بالعرف والعادة منع الجمع.
قال الشافعي: (ولا يسبح بينهما) ؛ يعني: لا يتنفل بينهما.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يمنع ذلك؛ لأن ذلك من سنن الصلاة، فلم يمنع صحة الجمع كالإقامة، وهذا ليس بشيء؛ لأن النبي ﷺ أمر بالإقامة للثانية، ولم يتنفل بينهما.
وإن كان عادمًا للماء، وأراد الجمع بينهما بالتيمم ففيه وجهان:
[الأول] : قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن يطلب الماء للثانية، ويجدد التيمم للثانية، بعد الفراغ من الأولى، وذلك فصل يطول، فمنع الجمع، كما لو فصل بينهما بنافلة.
و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: يجوز، كما يجوز الجمع بينهما بالوضوء، وما ذكرناه من الفصل غير صحيح؛ لأنه من مصلحة الصلاة؛ ولأنه دون الطلب الأول، ويفارق النافلة؛ لأنها ليست من مصلحة الصلاة.
فإن جمع بينهما في وقت الأولى، فلما فرغ منهما تيقن أنه ترك سجدة من إحدى الصلاتين، ولم يعرفها بعينها، لزمه إعادة الظهر؛ لجواز أن يكون قد ترك السجدة منها، ولم يجز له أن يجمع إليها العصر، بل يصلي العصر في وقتها؛ لجواز أن يكون قد ترك السجدة من العصر، وقد يسقط عنه فرض الظهر بفعل الأولى، وقد حصل هناك فصل طويل، بفعل العصر وبإعادة الظهر، فمنع صحة الجمع.
قال أصحابنا: ويجيء فيه قول آخر: أنه يجوز الجمع له، قياسًا على الجمعتين إذا
стр. 927
أقيمتا في بلد واحد، ولم تعرف السابقة منهما: أن لهم أن يصلوا الجمعة ثانيًا، في أحد القولين.
وإن نوى الإقامة في أثناء الأولى، أو بعد الفراغ منها وقبل الدخول في الثانية بطل الجمع؛ لأنه زال سبب الرخصة، وهو السفر.
وإن نوى الإقامة في أثناء الثانية، فهل يبطل الجمع؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ ٩٠] .
وإن نوى الإقامة بعد الفراغ من الثانية، فإن قلنا: إن نية الإقامة في أثناء الثانية لا تمنع الجمع فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: إنها تمنع الجمع بينهما، فهاهنا وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ ٩٠] .
قلت: وهذا بعيد؛ لأنا قد حكمنا بسقوط الفرض عنه بالفراغ منها، فلا تؤثر هذه النية، كما لو أحدث، وكما لو قصر، ثم نوى الإقامة بعد الفراغ منها.
وإن أراد الجمع بينهما في وقت الثانية افتقر إلى نية الجمع، وهو أن ينوي أنه يصليها مع الثانية في وقتها، وتجزئه النية في أي وقت شاء من وقت الأولى؛ لأنه قد يؤخر الأولى إلى وقت الثانية، على وجه المعصية، وعلى وجه النسيان، فافتقر إلى النية؛ لتمييز التأخير الشرعي عن غيره، ولا يفتقر إلى تقديم إحداهما على الأخرى، ولا إلى المتابعة بينهما؛ لأن الأولى قد فات وقتها، فهي تفعل في وقت الثانية على وجه القضاء، والثانية تؤدى في وقتها، فلا تتعلق إحدى الصلاتين بالأخرى، هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: هل تفتقر إلى الشروط الثلاثة هاهنا؟ فيه وجهان.
[مسألة الجمع بالمطر]
] : يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في وقت الأولى منهما في الحضر في المطر.
وقال أبو حنيفة، والمزني: (لا يجوز) .
стр. 928
وقال مالك: (يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في المطر، ولا يجوز بين الظهر والعصر) .
دليلنا: ما روى نافع، عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر؛ لأجل المطر» ، وقد روى الشافعي، عن مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ جمع في المدينة بين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر» .
قال مالك: (أرى ذلك في المطر) .
إذا ثبت هذا: فمن شرط صحة ذلك: تقديم الأولى منهما، ونية الجمع على ما مضى، والموالاة بينهما.
وأما المطر: فيشترط وجوده عند الإحرام في الأولى، وعند السلام منها، وعند الإحرام في الثانية، ولا يؤثر انقطاع المطر في غير هذه الحالات؛ لأن المطر قد وجد حال الجمع.
وقال ابن الصباغ: إذا حدث المطر بعد الإحرام بالأولى، فعندي أنه يجوز له الجمع إذا قلنا: تجوز نية الجمع قبل السلام منها؛ لأن سبب الجمع قد وجد، وهو المطر.
والأول هو المشهور، هذا طريقة أصحابنا العراقيين.
стр. 929
وقال الخراسانيون: إذا انقطع المطر في أثناء العصر فهل يبطل الجمع؟ فيه وجهان.
وإن انقطع بعد الفراغ من العصر، فعلى أحد الوجهين وجهان، كما مضى في نية الإقامة، وإن أراد الجمع بينهما للمطر في وقت الثانية، فهل يجوز؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يجوز) ؛ لأن كل سبب جاز لأجله تقديم العصر إلى الظهر، جاز تأخير الظهر إلى العصر لأجله كالسفر.
و [الثاني] : قال في "الأم": (لا يجوز) ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الجمع من غير وجود العذر؛ ولأن المطر قد ينقطع.
فإذا قلنا: يجوز الجمع بينهما في وقت الثانية، قال أصحابنا: فإنه يجوز الجمع سواء اتصل المطر إلى وقت الثانية أو انقطع؛ لأنه إذا أخر فقد لزمه الجمع بالضرورة، فلا تتغير حاله، هذه طريقة أصحابنا العراقيين.
وقال في " الإبانة " [ق \ ٩٠] : يجوز أن يؤخر الأولى إلى الثانية في المطر، وهل يجوز أن يقدم الثانية إلى الأولى؟ فيه وجهان.
стр. 930
[فرع الجمع في المطر لمن لا حرج عليه]
] : وهل يجوز الجمع في المطر للمنفرد، أو لمن يصلي في بيته، أو لمن يصلي في المسجد، وبين المسجد وبين بيته سقف يمنع من وصول المطر إليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنا إنما جوزنا له الجمع؛ لئلا تفوته الجماعة، وللمشقة التي تلحقه بالمطر، وهذا غير موجود هاهنا.
والثاني: يجوز؛ لأن العلة في جواز الجمع وجود المطر، والمطر موجود، فوجب أن يجوز له الجمع، كمن يصلي في جماعة في مسجد لا سقف بينه وبين بيته.
ولأن النبي ﷺ كان يجمع في المطر في المسجد، وليس بين حجرة عائشة وبين المسجد شيء.
[فرع المطر المجيز للجمع]
والمطر الذي يجوز الجمع لأجله: هو المطر الذي يبل الأرض والثياب، سواء كان كثيرًا أو خفيفًا؛ لأن التأذي به موجود.
فأما الرذاذ الذي لا يبل الأرض والثياب إلا بطول المكث فيه: فلا يجوز الجمع لأجله؛ لأن ذلك لا يتأذى به، وأما البرد: فإنه لا يجوز الجمع لأجله؛ لأنه لا يبل الأرض والثبات.
وأما الثلج: فإن كان رخوًا يبل الأرض والثياب جاز الجمع لأجله؛ لأنه بمنزلة المطر بالتأذي به، وإن كان صلبًا لا يبل الأرض والثياب لم يجز الجمع لأجله كالبرد، وأما الوحل: فلا يجوز الجمع لأجله.
وقال مالك وأحمد: (يجوز) .
стр. 931
دليلنا: أن النبي ﷺ جمع لأجل المطر، ولم ينقل أنه جمع لأجل الوحل؛ ولأن الوحل لا يشارك المطر في التأذي به؛ لأن المطر يبل الثياب، وذلك لا يوجد في الوحل.
[فرع الجمع للمرض والخوف]
] : ولا يجوز الجمع في الحضر للمرض، ولا للخوف.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: (يجوز الجمع للمرض والخوف) .
وقال ابن سيرين: يجوز الجمع في الحضر أيضًا من غير مرض، ولا خوف، ولا مطر، واختاره ابن المنذر؛ لما روي عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر من غير خوف ولا سفر» .
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: (أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته) .
وروي عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر» .
стр. 932
ودليلنا: ما ذكرناه من الأخبار في المواقيت.
وأما الخبر الأول: فقوله: (من غير خوف ولا سفر) ، فنقول: أراد به: في المطر، وأما قوله في الخبر الثاني: (من غير خوف ولا مطر) ، فيحتمل أن يكون أراد: أن المطر انقطع في الثانية، ويحتمل أن يكون أراد: الجمع الذي يقوله أبو حنيفة وهو: أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في أول وقتها.
[فرع جمع العصر مع الجمعة]
إذا أراد جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة في المطر، فلا أعلم فيها نصًّا.
والذي يقتضي القياس: أنه يجوز ويشترط وجود المطر عند الإحرام بصلاة الجمعة، وعند السلام منها، وعند الإحرام بالعصر، ولا يشترط وجود المطر في الخطبتين؛ لأنهما ليستا من الصلاة، وإنما هما شرط في صحة الجمعة، فلم يشترط وجود المطر فيهما كالطهارة والتيمم.
وإن أراد أن يؤخر الجمعة إلى العصر، على القول القديم جاز ذلك، ولا يشترط وجود المطر في وقت العصر، على ما مضى، ويخطب وقت العصر، ويصلي الجمعة؛ لأن كل وقت جاز فعل الظهر فيه، جاز فيه فعل صلاة الجمعة، كآخر وقت الظهر، وهذا القول ضعيف، وما ت فرع عليه.
стр. 933
وبالله التوفيق
стр. 934
[باب صلاة الخوف]
صلاة الخوف ثابتة في وقتنا، ولم تنسخ، وبه قال كافة أهل العلم.
وقال أبو يوسف والمزني: كانت جائزة للنبي ﷺ ثم نسخت في آخر زمانه، وفي حق غيره، فلا يجوز لأحد فعلها بعد النبي ﷺ .
وقيل: لم تنسخ، وإنما هي خاصة للنبي ﷺ دون من بعده.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وهذا عام، ويدل عليه إجماع الصحابة، فإنه روي: (أن علي بن أبي طالب ﵁ صلى بأصحابه صلاة الخوف ليلة الهرير) ، وروي: (أن أبا موسى الأشعري صلى بأصحابه صلاة الخوف في بعض غزواته) ، وروي: «أن سعيد بن العاص كان أميرًا على الجيش بطبرستان، فأراد أن يصلي صلاة الخوف، فقال: (هل فيكم من
стр. 935
صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا فقدمه، حتى يصلي بهم» . ولم ينكر ذلك كله أحد من الصحابة، فدل على أنه إجماع.
ولا يؤثر الخوف في عدد الركعات، بل إن كان في الحضر صلاها أربعًا، وإن كان في السفر صلاها ركعتين، ويستوي الإمام والمأموم في ذلك، وهو قول كافة الفقهاء، وبه قال ابن عمر وجابر.
وذهب الحسن البصري، وطاوس إلى: أن الإمام يصلي ركعتين، والمأموم يصلي ركعة، وروي ذلك عن ابن عباس.
دليلنا: قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولم يفرق.
وروي: «أن النبي ﷺ صلى بهم بذات الرقاع، بكل طائفة ركعتين» .
стр. 936
[مسألة جواز صلاة الخوف في القتال]
] : ويجوز صلاة الخوف بالقتال الواجب والمباح.
فأما الواجب: فهو قتال الكفار، وقتال أهل العدل لأهل البغي، وقتال من يقصد نفسه، إذا قلنا: إنه واجب.
وأما المباح: فهو كقتاله لمن أراد أخذ ماله، أو مال غيره من المسلمين، أو من أهل الذمة؛ لأن القرآن دل على جواز ذلك في قتال الكفار، وقسنا غيره عليه.
ولا تجوز صلاة الخوف في قتال المعصية، كقتال المسلمين وأهل الذمة لأخذ أموالهم، وقتال أهل البغي لأهل العدل، وما أشبه ذلك؛ لأن ذلك رخصة متعلقة بسبب، فإذا كان السبب معصية لم تتعلق به الرخصة، كالقصر والفطر في سفر المعصية.
فإن هرب من غريمه، وهو معسر فله أن يصلي صلاة الخوف عند الخوف.
قال في " الإبانة " [ق \ ٩٩] : وكذلك إذا هرب من القصاص، فله أن يصلي صلاة الخوف؛ لأنه يرجو العفو.
وإن انهزموا عن المشركين، فصلوا صلاة شدة الخوف، فإن كانوا متحرفين لقتال، مثل أن تكون الشمس في وجوههم، أو في هبوط من الأرض، والعدو أعلى منهم، فانهزموا؛ ليطلبوا مكانًا أمكن للقتال، أو كانوا متحيزين إلى فئة، مستنصرين بهم، جاز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف؛ لأنهم ليسوا بعصاة.
стр. 937
وإن انهزموا منهم لغير هذين المعنيين، فإن كان العدو أكثر من مثليهم، جاز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف؛ لأنه فرار جائز، وإن كانوا مثلهم أو مثليهم لم يجز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف؛ لأنهم عاصون بالهزيمة منهم.
[مسألة صلاة الخوف عند طلب العدو]
] : قال الشافعي: (وليس لأحد أن يصلي صلاة شدة الخوف في طلب العدو) .
قال أصحابنا: طلب العدو على ضربين.
أحدهما: أن يدخل المسلمون بلاد العدو، ويبلغوا منها موضعًا لا يتلقاهم العدو هناك، ولا يخالفون منهم، أو يكون المشركون قد انهزموا من المسلمين هزيمة يتحقق أنهم لا يرجعون ولا يجتمعون عن قرب، فإن كان هكذا لم يجز أن يصلوا صلاة الخوف؛ لأنهم غير خائفين.
الثاني: أن يدخل المسلمون بلاد العدو، ويبلغوا منها موضعًا لا يأمنون وقوع العدو عليهم، ويخافون نكايتهم، أو يكونون قد هزموهم هزيمة قد يمكنهم الرجوع، والاجتماع عليهم عن قرب، ولا يؤمن ذلك منهم، فيجوز لهم أن يصلوا صلاة الخوف؛ لأن الخوف هاهنا موجود.
[مسألة كيفية صلاة الخوف]
] : وأما كيفية صلاة الخوف: فقد روي عن النبي ﷺ : (أنه صلى صلاة الخوف في مواضع كثيرة، وبعضها يخالف بعضًا فعلًا) ، واختار الشافعي منها صلاته في ثلاثة مواضع: في بطن نخل، وفي ذات الرقاع، وبعسفان، وكل صلاة تخالف الأخرى فعلًا؛ لاختلاف الحال فيها.
стр. 938
فأما صلاة بطن نخل: فيصليها الإمام بوجود ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة.
الثاني: أن يكون في المسلمين كثرة، وفي العدو قلة.
والثالث: ألا يأمنوا من انكباب العدو عليهم في الصلاة.
فإذا وجدت هذه الشرائط، فرق الإمام الناس فرقتين، فيصلي بفرقة جميع الصلاة، وفرقة في وجه العدو، فإذا سلم الإمام بالأولى، مضت إلى وجه العدو؛ وجاءت الفرقة الثانية، فيصلي بهم جميع الصلاة أيضا مرة ثانية، فتكون للإمام تطوعا، ولهم فريضة.
والدليل عليه: ما روى أبو بكرة: «أن النبي ﷺ صلى بالناس ببطن النخل هكذا» .
[مسألة صلاة ذات الرقاع]
] : وأما صلاة ذات الرقاع: فتجوز بوجود هذه الشروط الثلاثة.
стр. 939
وصفتها: أن يفرق الإمام الناس فرقتين، فتقف فرقة في وجه العدو، ويحرم الإمام بالصلاة، وتصلي خلفه فرقة، فإن كانت الصلاة ركعتين، صلى الإمام بالفرقة الأولى ركعة، فإذا قام إلى الثانية، ثبت الإمام قائما، ونوت الأولى مفارقته، وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم، ثم يمضون إلى وجه العدو، وتأتي الفرقة الثانية، ويحرمون خلف الإمام، وينوون الاقتداء به، فيصلي بهم الركعة الثانية، ويقومون قبل سلامه، ويتمون الركعة الثانية لأنفسهم، وينتظرهم حتى يسلم بهم، وهذا أفضل من أن يصلي بكل فرقة جميع الصلاة؛ ليسوي بين الطائفتين، فأما في الأولى: فقد صلى مع الأولى فرضا، ومع الثانية نفلا؛ ولأن هذا أخف من الأولى، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، إلا في شيء واحد، وهو أنه قال: (إذا صلى الإمام بالفرقة الثانية الركعة التي بقيت عليه، فإنه يتشهد بهم ويسلم، فإذا سلم أمر الطائفة يقضون ما عليهم، ويسلمون لأنفسهم) .
وقال أبو حنيفة: (يصلي بالطائفة الأولى ركعة، فإذا قام الإمام إلى الثانية، مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، وهم في الصلاة، وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الأولى، فيصلي بهم الإمام ركعة ثانية، ويتشهد بهم، ويسلم الإمام وحده، فإذا فرغ الإمام من السلام، قامت الطائفة، ومضت إلى وجه العدو، وهم في الصلاة، وجاءت الطائفة الأولى إلى مكانها، وأتمت صلاتها وسلمت، ومضت إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية إلى مكانها، وأتمت صلاتها) .
واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] .
فدل على أنهم إذا قاموا من سجود الأولى، مضوا إلى وجه العدو.
وروى ابن عمر: «أن النبي ﷺ صلى بذات الرقاع نحو ما ذكروه» .
стр. 940
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] .
فأضاف السجود إليهم، وذلك لا يضاف إليهم بانفرادهم، إلا في الركعة الثانية؛ لأنه لو أراد السجود في الأولى، لأضافه إلى الإمام وإليهم، كما قال في الأولى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] ، فأضاف القيام إليه وإليهم؛ لما كان مشتركًا بينهم.
وروى صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف بذات الرقاع، فذكر نحو ما قلناه.
ولأن ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه روى ذلك صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ ، وسهل بن أبي حثمة، وخبرهم تفرد به ابن عمر.
ولأن فيما ذكروه المشي في الصلاة، فكان ما ذهبنا إليه أولى.
وذات الرقاع: اسم لمكان، واختلفوا: لم سمي بذلك؟ فقيل: لأنه اسم لجبل مختلف البقاع، فمنه: أسود، وأحمر، وأصفر، فلما اختلفت بقاعه سمي: ذات الرقاع.
وقيل: إنها أرض خشنة، مشى فيها ثمانية نفر، قد ذهبت أظافيرهم، وبقيت أقدامهم، فكانوا يرقعون أظافيرهم بالخرق، فسميت بذات الرقاع.
стр. 941
[فرع كيفية صلاة الخوف]
] : إذا قام الإمام إلى الركعة الثانية، فإن الطائفة الأولى تنوي مفارقته، وتتم الركعة الثانية لأنفسهم، فيفارقونه فعلًا وحكمًا.
ومعنى قولنا: (فعلًا) أي: أنهم ينفردون بفعل الثانية.
ومعنى قولنا: (حكمًا) أي أن الإمام إذا سها بعد أن فارقوه، لم يلحقهم سهوه، وإن سهوا بعد مفارقته، لم يتحمل عنهم الإمام؛ لأنهم غير مؤتمين به، فلم يتعلق حكمهم بحكمه.
فإن جلس الإمام في الثانية ساهيًا، أو عجز عن القيام فجلس، فإنهم ينوون مفارقته قبل الانتصاب؛ لأن هذا موضع قيامهم، وكذلك إذا عمد الإمام إلى الجلوس، نووا أيضًا مفارقته، وقاموا لما ذكرناه.
فإن أطال الإمام الجلوس مع العلم بطلت صلاته، ولا تبطل صلاة الطائفة الأولى؛ لأن صلاته تبطل بعد أن فارقوه.
وأما الطائفة الثانية: فإن جاءوا، وأحرموا خلفه، فإن كانوا عالمين ببطلان صلاته بطلت صلاتهم، وإن لم يعملوا لم تبطل صلاتهم، كما نقول فيمن صلى خلف محدث.
وإذا قام الإمام إلى الثانية، وانتظر الثانية، فهل يقرأ في حال انتظاره؟
قال الشافعي في موضع: (يقرأ، ويطيل القراءة، فإذا جاءت الثانية قرأ بعد مجيئها بقدر فاتحة الكتاب، وأقصر سورة) .
وقال في موضع: (لا يقرأ، وإنما يسبح) .
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يقرأ؛ ليساوي بين الطائفتين في القراءة.
فعلى هذا: يسبح، ويذكر الله تعالى بما شاء.
стр. 942
والثاني: يقرأ، وهو الصحيح؛ لأن أفعال الصلاة لا تخلو من ذكر الله، والقيام لم يشرع له إلا القراءة.
فعلى هذا: يقرأ بعد مجيء الثانية بقدر الفاتحة، وأقصر سورة؛ لتدرك ذلك معه الثانية.
ومنهم من قال: إن كان قد نوى أن يطيل القراءة قرأ، وإن نوى ألا يطيل القراءة لم يقرأ.
وحكى في " الإبانة " [ق \ ٩٧] طريقًا آخر: أنه يقرأ، قولًا واحدًا.
وإذا جاءت الطائفة الثانية أحرمت خلف الإمام، فيقرءون معه، ويركعون، ويسجدون، فإن خفف الإمام القراءة، فأدركته الثانية راكعًا، فقد أدركوا معه ركعة.
ومتى يفارقونه؟
قال الشافعي في موضع: (يفارقونه بعد الرفع من السجود في الثانية) .
وقال في موضع ما يدل على أنهم: (يفارقونه بعد التشهد) .
فمن أصحابنا من قال فيه قولان:
أحدهما: يفارقونه عقيب السجود؛ لأن هذه الصلاة مبنية على التخفيف، وهذا أخف.
والثاني: يفارقونه بعد التشهد، كالمسبوق.
ومن أصحابنا من قال: يفارقونه عقيب السجود قولًا واحدًا، وقول الشافعي: (بعد التشهد) أراد: إذا صلوا في الحضر، فإنه يصلي بالأولى ركعتين ويتشهد، وبالثانية ركعتين.
قال الشيخ أبو حامد: وقد أصاب هذا القائل في هذا التأويل.
فإذا قلنا: إنهم يفارقونه عقيب السجود، فهل يتشهد الإمام في حال انتظاره؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان كالقراءة.
стр. 943
ومنهم من قال: يتشهد قولًا واحدًا؛ لأنه لم يتشهد مع الأولى، فلا مفاضلة هاهنا.
فعلى هذا: يطيل التشهد بعد مجيء الثانية بقدر ما تتشهد الطائفة.
إذا ثبت هذا: فإن الطائفة الثانية تقوم إلى تمام ما عليها، ولا تنوي مفارقة الإمام؛ لأنها تفارقه فعلًا، فتنفرد بفعل الثانية، ولا تفارقه حكمًا؛ فإن سها الإمام بعد أن فارقته، أو قبل أن تأتي إليه لزمهم سهوه، وإن سهوا في حال قضاء ما عليهم فالمذهب: أنه يتحمل عنهم؛ لأنهم في حكم متابعة الإمام.
وحكي عن ابن خيران، وأبي العباس: أنهما قالا: لا يتحمل عنهم، ولا يلحقهم سهوه، كالطائفة الأولى، وكذلك الوجهان في المزحوم عن السجود في الجمعة، إذا أمرناه بالسجود فسها، وكذا من وصل صلاته بصلاة إمام أحرم بعده، وجوزنا له الوصل، وكان قد سها قبل الوصل، فهل يتحمل عنه؟ على هذين الوجهين.
[فرع كيفية قراءة الإمام]
ويستحب للإمام أن يخفف القراءة في الركعة الأولى؛ لأنها حالة حرب ونقل سلاح، وكذلك يستحب للطائفة الأولى والثانية إذا فارقتا الإمام لتمام ما عليهما، أن يخففا القراءة؛ لما ذكرناه.
وأما الإمام: فيستحب له أن يطول القراءة في الثانية لتدركه الثانية؛ لأنه موضع حاجة.
[فرع تعريف الطائفة]
قال الشافعي: (والطائفة: ثلاثة فأكثر، وأكره أن يصلي بأقل من طائفة، وأن تحرسه أقل من طائفة) ، وهذا صحيح، ويستحب أن تكون الطائفة التي تصلي مع الإمام ثلاثة أو أكثر، وكذلك الطائفة التي تحرسه.
فإن كانوا خمسة، واحتاجوا إلى أن يصلوا صلاة الخوف، صلى الإمام بثلاثة
стр. 944
ركعتين، ومضوا إلى وجه العدو، وصلى الآخران أحدهما بالآخر ركعتين.
فإن كان أقل من يقوم بالعدو أربعة صلى واحد واحد.
واعترض ابن داود على الشافعي في هذا، وقال: الطائفة تقع على الواحد أيضًا، وقد احتج الشافعي على قبول خبر الواحد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] [التوبة: ١٢٢] .
والطائفة: اسم للواحد.
والجواب: أن مراد الشافعي أن الطائفة المذكورة في هذه الآية ثلاثة فما زاد؛ لأن الله تعالى قال فيه: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] .
ولهذا خطاب جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
[مسألة سهو الإمام]
] : قد ذكرنا أن الإمام إذا سها في الأولى، لزم الأولى سهوه.
فعلى هذا: إذا فارقوه، قال الشافعي: (أشار إليهم بما يفهمونه، أنه قد سها، فإذا بلغوا آخر صلاتهم سجدوا للسهو، ثم يسلموا) .
قال أبو إسحاق المروزي: إنما يشير إليهم، إذا كان سهوه يخفى مثله على المأمومين، فإن كان سهوه جليًّا، لا يخفى عليهم، فإنه لا يشير إليهم.
قال الشيخ أبو حامد: وأظن الشافعي أشار إلى هذا في " الإملاء ".
ومن أصحابنا من قال: يشير إليهم، سواء كان سهوه خفيًّا، أو جليًّا؛ لأنه وإن كان سهوه جليًّا، فقد يجهل المأمومون أن عليهم سجود السهو بعد مفارقتهم، فيعرفهم ذلك؛ ليعلموا ذلك، ويسجدوا.
فإن قامت الأولى إلى تمام ما عليها، فسهوا أيضًا، فهل يجزئهم سجدتان، أو يحتاجون إلى أربع؟ فيه وجهان:
فإذا قلنا: تكفيهم سجدتان، فعم يقعان؟ فيه ثلاثة أوجه، مضى ذكرها في (السهو) .
стр. 945
[فرع متابعة الإمام]
] : إذا قلنا: إن الثانية تفارق الإمام عقيب السجود في الثانية، وكان قد سها الإمام، فإنهم يسجدون مع الإمام في آخر صلاتهم.
وإن قلنا: إنهم يتشهدون معه، فإن الإمام يسجد لسهوه، ويسجدون معه، ثم يقومون لقضاء ما عليهم.
وهل يعيدون سجود السهو في آخر صلاتهم؟ فيه قولان، كالمسبوق بركعة.
وإن أدركته قاعدًا، لكنه قد سبقهم بالتشهد، وسجد للسهو قبل تشهدهم، فهل يتابعونه؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يسجدون معه؛ لأنهم متبعون له.
والثاني: لا يسجدون، حتى يقضوا ما عليهم، وهو التشهد.
فإن قلنا: يسجدون معه، فهل يعيدونه بعد تشهدهم؟ على القولين الأولين.
[مسألة كيفية صلاة المغرب]
وإن كانت الصلاة مغربًا، فلا بد من تفضيل إحدى الطائفتين على الأخرى؛ لأنه لا يمكن التسوية بينهما في قسمة الصلاة، فيجوز أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، ويجوز أن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، وفي الأفضل قولان:
أحدهما: أن الأفضل أن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين؛ لما روي:
стр. 946
(أن علي بن أبي طالب ﵁ صلى ليلة الهرير هكذا) ؛ ولأن النبي ﷺ فضل الثانية على الأولى بذات الرقاع؛ لأنه انتظرهم مرتين، وانتظر الأولى مرة، فدل على أن الثانية أولى بالتفضيل.
والثاني: أن الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وهو الأصح؛ لأنه أخف؛ وذلك أن كل طائفة هاهنا تتشهد تشهدين، وفي الأولى تتشهد الثانية ثلاث تشهدات.
فإذا قلنا بهذا: جاز للإمام أن ينتظر الثانية قاعدًا في الثانية، وقائمًا في الثالثة، وفي الأفضل قولان:
أحدهما: أن الأفضل أن ينتظرهم قاعدًا في الثانية؛ لتدرك معه الثانية الركعة الثالثة من أولها.
والثاني: أن الأفضل أن ينتظرهم قائمًا في الثالثة، وهو الأصح؛ لأن النبي ﷺ انتظر الثانية قائمًا.
ولأن القيام في الصلاة أفضل من القعود، ولهذا قال ﷺ : «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» ، وأصل هذا الخبر: إنما هو في النفل عند القدرة على
стр. 947
القيام، فأما في الفرض: فإن كان قادرًا على القيام، فصلى قاعدًا.. لم تصح صلاته، وإن كان عاجزًا عن القيام، فصلى الفرض أو النفل قاعدًا.. فثوابه كثواب القائم، أو أكثر إن شاء الله.
[مسألة صلاة الخوف حضرًا]
] : وإن كانت الصلاة في الحضر، واحتاج الإمام إلى صلاة الخوف، بأن ينزل العدو على باب البلد، فيخرج الناس ليقاتلوهم.. جاز للإمام أن يصلي بهم صلاة الخوف.
وقال مالك: (لا يجوز) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] الآية.
فبين كيفيتها، ولم يفرق بين: سفر، ولا حضر.
فإن كانت الصلاة رباعية، أو كانت في السفر، وأراد الإمام إتمامها.. فإنه يفرق الناس طائفتين، ويصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين، وهل الأفضل أن ينتظر الثانية قاعدًا في التشهد الأول، أو قائمًا في الثالثة؟ فيه قولان، كما ذكرنا في المغرب، ويتشهد -هاهنا- مع الطائفة الأولى والثانية، قولًا واحدًا؛ لأنه موضع تشهدهم.
وإن فرقهم أربع فرق، فصلى بكل طائفة ركعة.. ففي صلاة الإمام قولان:
أحدهما: أنها باطلة، وهو اختيار المزني، ووجهه: أن الله تعالى أمر بالصلاة مجملًا، وكيفيتها مأخوذة من فعل النبي ﷺ ، ولم ينتظرهم النبي ﷺ في صلاة الخوف إلا انتظارين، فعلم أن هذا بيان لما أمر الله بإقامته مجملًا، فبطلت بالزيادة، كما لو صلاها خمسًا.
والثاني: لا تبطل، وهو الأصح؛ لأن الانتظار الثاني والثالث والرابع بالقراءة والذكر، وذلك لا يبطل الصلاة.
ولأن الحاجة قد تدعو إليه، بأن يكون المسلمون أربعمائة، والعدو ستمائة، فيصلي الإمام بمائة مائة، ويقف بإزاء العدو ثلاثمائة؛ فإذا قلنا بهذا: صحت صلاة الطائفة الرابعة؛ لأنهم لم يفارقوا الإمام حكمًا.
стр. 948
وأما صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة: فإنهم فارقوه بغير عذر؛ لأنهم فارقوه قبل وقت المفارقة، وذلك أن الطائفة الأولى، إنما فارقت رسول الله ﷺ في نصف صلاته، ونصف صلاتهم، وكل طائفة من هذه الثلاث فارقته قبل ذلك، فيكون في صلاتهم القولان، فيمن فارق الإمام بغير عذر.
وإن قلنا: إن صلاة الإمام باطلة.. فمتى تبطل؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس -: أنها تبطل بالانتظار الثالث؛ لأنه هو الانتظار الزائد على ما وردت فيه الرخصة.
فعلى هذا: تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة، وأما الرابعة: فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا.. لم تبطل، كمن صلى خلف محدث.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنها تبطل بالانتظار الثاني) ؛ لأن الزيادة حصلت فيه.
وفي أي موضع تبطل منه؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنها تبطل بمضي الطائفة الثانية؛ لأن هذا وقت الزيادة، وذلك: أن النبي ﷺ انتظر الطائفة الأولى بقدر ما أتمت صلاتها، ومضت إلى وجه العدو، وجاءت الثانية، وهذا قد فعل مثل هذا في الانتظار الأول، وانتظر النبي ﷺ الطائفة الثانية بقدر ما أتمت صلاتها لا غير، وهذا قد انتظر الثانية بقدر ما أتمت صلاتها، ومضت إلى وجه العدو، فبنفس مضيها وقعت الزيادة.. فتبطل صلاته حينئذ.
والوجه الثاني - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن صلاة الإمام تبطل عندما يمضي من الانتظار الثاني قدر ركعة، ووجهه: أن النبي ﷺ انتظر الطائفتين جميعًا بقدر الصلاة التي هو فيها مع الذهاب والمجيء، وذلك: أنه انتظر الأولى بقدر ما صلت ركعة، ومضت، وجاءت الثانية، وانتظر الثانية بقدر ما صلت ركعة، وهذا قد انتظر أكثر من قدر الصلاة التي هو فيها مع الذهاب والمجيء، وذلك: أنه انتظر الأولى بقدر
стр. 949
ما صلت ثلاث ركعات، ومضت، وجاءت الثانية، وانتظر الثانية بقدر ما صلت ثلاث ركعات، فيجب أن تبطل صلاته إذا مضى من الثانية قدر ركعة؛ ليكون انتظاره بقدر الصلاة التي هو فيها، وهي أربع ركعات مع المضي والمجيء.
إلا أن ما قاله أبو إسحاق، والشيخ أبو حامد لا يفيد في صلاة الطائفة الأولى والثانية؛ لأنهم يفارقونه قبل بطلان صلاته، وإنما يفيد في وقت بطلان صلاة الإمام.
وعلى قولها معًا: ينظر في الثالثة، والرابعة، فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا.. لم تبطل صلاتهم، كمن صلى خلف محدث، وإن علم البعض دون البعض.. بطلت صلاة من علم بطلان صلاة الإمام، دون صلاة من لم يعلم.
وبأي شيء يعتبر علمهم؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يعتبر أن يكونوا علما تفريق الإمام للطوائف، فإن علموا ذلك.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا أن التفريق مبطل لصلاتهم، كما إذا علموا إن الإمام جنب.
والثاني: يعتبر علمهم، بأن هذا التفريق مبطل لصلاته، وإن لم يعلموا ذلك.. لم تبطل صلاتهم، ويفارق الجنابة؛ لأن كل مسلم يعلم أن الجنب لا تصح صلاته، بخلاف مسألتنا، فيحصل في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة.
والثاني: أن صلاة الإمام والطائفة الرابعة صحيحة، وصلاة الأولى والثانية والثالثة باطلة.
والثالث: أن صلاة الإمام باطلة، وصلاة الأولى والثانية صحيحة، وأما الثالثة والرابعة: فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا.. لم تبطل.
ويجيء فيه قول أبي العباس: تصح صلاة الطائفة الثالثة أيضًا، فيكون فيها أربعة أقوال.
стр. 950
[فرع صلى بطائفة ثلاثًا]
] : قال في " الأم " [١/١٨٩] : (وإن صلى بطائفة ثلاث ركعات، وبطائفة ركعة.. كرهت ذلك له، ولا تبطل صلاته؛ لأن الإمام لم يزد في الانتظار) .
قال الشافعي: (ويسجد الإمام للسهو؛ لأنه وضع الانتظار في غير موضعه، وكذلك الطائفة الأخرى) . قال ابن الصباغ: وهذا يدل على أنه إذا فرقهم أربع فرق، وقلنا: لا تبطل صلاتهم.. أنهم يسجدون للسهو.
[فرع العدو في جهات]
وإن كان العدو في جهتين أو ثلاث أو أربع، فإن أمكنه أن يفرقهم فرقتين: فرقة تصلي معه، وفرقة تتفرق في جميع الجهات.. فعل ذلك، وكان كما لو كان العدو في جهة واحدة.
وإن كان لا يمكن إلا أن يكونوا أربع فرق:
فإن قلنا: يجوز أن يفرقهم أربع فرق، إذا كانوا في الحضر.. فرقهم أربع فرق.
وإن قلنا: لا يجوز، أو كانت الصلاة في السفر.. فإنه يصلي بفرقتين جميع الصلاة، ثم يصلي بالفرقتين الأخريين أيضًا جميع الصلاة، ويكون متطوعًا.
ويأتي على قياس هذا: إذا احتاج أن يفرقهم ثلاث طوائف، بأن كان العدو في جهتين.. أن يصلي بطائفتين جميع الصلاة، ثم يعيدها بالطائفة الثالثة، ويكون متطوعًا مع الثالثة.
[مسألة صلاة النبي ﷺ بعسفان]
وأما صلاة النبي ﷺ بـ: عسفان: فلها ثلاثة شروط:
следующие страницы →