Полный текст (7 092 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
(أن علي بن أبي طالب ﵁ صلى ليلة الهرير هكذا) ؛ ولأن النبي ﷺ فضل الثانية على الأولى بذات الرقاع؛ لأنه انتظرهم مرتين، وانتظر الأولى مرة، فدل على أن الثانية أولى بالتفضيل.
والثاني: أن الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وهو الأصح؛ لأنه أخف؛ وذلك أن كل طائفة هاهنا تتشهد تشهدين، وفي الأولى تتشهد الثانية ثلاث تشهدات.
فإذا قلنا بهذا: جاز للإمام أن ينتظر الثانية قاعدًا في الثانية، وقائمًا في الثالثة، وفي الأفضل قولان:
أحدهما: أن الأفضل أن ينتظرهم قاعدًا في الثانية؛ لتدرك معه الثانية الركعة الثالثة من أولها.
والثاني: أن الأفضل أن ينتظرهم قائمًا في الثالثة، وهو الأصح؛ لأن النبي ﷺ انتظر الثانية قائمًا.
ولأن القيام في الصلاة أفضل من القعود، ولهذا قال ﷺ : «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» ، وأصل هذا الخبر: إنما هو في النفل عند القدرة على
стр. 947
القيام، فأما في الفرض: فإن كان قادرًا على القيام، فصلى قاعدًا.. لم تصح صلاته، وإن كان عاجزًا عن القيام، فصلى الفرض أو النفل قاعدًا.. فثوابه كثواب القائم، أو أكثر إن شاء الله.
[مسألة صلاة الخوف حضرًا]
] : وإن كانت الصلاة في الحضر، واحتاج الإمام إلى صلاة الخوف، بأن ينزل العدو على باب البلد، فيخرج الناس ليقاتلوهم.. جاز للإمام أن يصلي بهم صلاة الخوف.
وقال مالك: (لا يجوز) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] الآية.
فبين كيفيتها، ولم يفرق بين: سفر، ولا حضر.
فإن كانت الصلاة رباعية، أو كانت في السفر، وأراد الإمام إتمامها.. فإنه يفرق الناس طائفتين، ويصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين، وهل الأفضل أن ينتظر الثانية قاعدًا في التشهد الأول، أو قائمًا في الثالثة؟ فيه قولان، كما ذكرنا في المغرب، ويتشهد -هاهنا- مع الطائفة الأولى والثانية، قولًا واحدًا؛ لأنه موضع تشهدهم.
وإن فرقهم أربع فرق، فصلى بكل طائفة ركعة.. ففي صلاة الإمام قولان:
أحدهما: أنها باطلة، وهو اختيار المزني، ووجهه: أن الله تعالى أمر بالصلاة مجملًا، وكيفيتها مأخوذة من فعل النبي ﷺ ، ولم ينتظرهم النبي ﷺ في صلاة الخوف إلا انتظارين، فعلم أن هذا بيان لما أمر الله بإقامته مجملًا، فبطلت بالزيادة، كما لو صلاها خمسًا.
والثاني: لا تبطل، وهو الأصح؛ لأن الانتظار الثاني والثالث والرابع بالقراءة والذكر، وذلك لا يبطل الصلاة.
ولأن الحاجة قد تدعو إليه، بأن يكون المسلمون أربعمائة، والعدو ستمائة، فيصلي الإمام بمائة مائة، ويقف بإزاء العدو ثلاثمائة؛ فإذا قلنا بهذا: صحت صلاة الطائفة الرابعة؛ لأنهم لم يفارقوا الإمام حكمًا.
стр. 948
وأما صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة: فإنهم فارقوه بغير عذر؛ لأنهم فارقوه قبل وقت المفارقة، وذلك أن الطائفة الأولى، إنما فارقت رسول الله ﷺ في نصف صلاته، ونصف صلاتهم، وكل طائفة من هذه الثلاث فارقته قبل ذلك، فيكون في صلاتهم القولان، فيمن فارق الإمام بغير عذر.
وإن قلنا: إن صلاة الإمام باطلة.. فمتى تبطل؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس -: أنها تبطل بالانتظار الثالث؛ لأنه هو الانتظار الزائد على ما وردت فيه الرخصة.
فعلى هذا: تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة، وأما الرابعة: فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا.. لم تبطل، كمن صلى خلف محدث.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنها تبطل بالانتظار الثاني) ؛ لأن الزيادة حصلت فيه.
وفي أي موضع تبطل منه؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنها تبطل بمضي الطائفة الثانية؛ لأن هذا وقت الزيادة، وذلك: أن النبي ﷺ انتظر الطائفة الأولى بقدر ما أتمت صلاتها، ومضت إلى وجه العدو، وجاءت الثانية، وهذا قد فعل مثل هذا في الانتظار الأول، وانتظر النبي ﷺ الطائفة الثانية بقدر ما أتمت صلاتها لا غير، وهذا قد انتظر الثانية بقدر ما أتمت صلاتها، ومضت إلى وجه العدو، فبنفس مضيها وقعت الزيادة.. فتبطل صلاته حينئذ.
والوجه الثاني - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن صلاة الإمام تبطل عندما يمضي من الانتظار الثاني قدر ركعة، ووجهه: أن النبي ﷺ انتظر الطائفتين جميعًا بقدر الصلاة التي هو فيها مع الذهاب والمجيء، وذلك: أنه انتظر الأولى بقدر ما صلت ركعة، ومضت، وجاءت الثانية، وانتظر الثانية بقدر ما صلت ركعة، وهذا قد انتظر أكثر من قدر الصلاة التي هو فيها مع الذهاب والمجيء، وذلك: أنه انتظر الأولى بقدر
стр. 949
ما صلت ثلاث ركعات، ومضت، وجاءت الثانية، وانتظر الثانية بقدر ما صلت ثلاث ركعات، فيجب أن تبطل صلاته إذا مضى من الثانية قدر ركعة؛ ليكون انتظاره بقدر الصلاة التي هو فيها، وهي أربع ركعات مع المضي والمجيء.
إلا أن ما قاله أبو إسحاق، والشيخ أبو حامد لا يفيد في صلاة الطائفة الأولى والثانية؛ لأنهم يفارقونه قبل بطلان صلاته، وإنما يفيد في وقت بطلان صلاة الإمام.
وعلى قولها معًا: ينظر في الثالثة، والرابعة، فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا.. لم تبطل صلاتهم، كمن صلى خلف محدث، وإن علم البعض دون البعض.. بطلت صلاة من علم بطلان صلاة الإمام، دون صلاة من لم يعلم.
وبأي شيء يعتبر علمهم؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يعتبر أن يكونوا علما تفريق الإمام للطوائف، فإن علموا ذلك.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا أن التفريق مبطل لصلاتهم، كما إذا علموا إن الإمام جنب.
والثاني: يعتبر علمهم، بأن هذا التفريق مبطل لصلاته، وإن لم يعلموا ذلك.. لم تبطل صلاتهم، ويفارق الجنابة؛ لأن كل مسلم يعلم أن الجنب لا تصح صلاته، بخلاف مسألتنا، فيحصل في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة.
والثاني: أن صلاة الإمام والطائفة الرابعة صحيحة، وصلاة الأولى والثانية والثالثة باطلة.
والثالث: أن صلاة الإمام باطلة، وصلاة الأولى والثانية صحيحة، وأما الثالثة والرابعة: فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. بطلت صلاتهم، وإن لم يعلموا.. لم تبطل.
ويجيء فيه قول أبي العباس: تصح صلاة الطائفة الثالثة أيضًا، فيكون فيها أربعة أقوال.
стр. 950
[فرع صلى بطائفة ثلاثًا]
] : قال في " الأم " [١/١٨٩] : (وإن صلى بطائفة ثلاث ركعات، وبطائفة ركعة.. كرهت ذلك له، ولا تبطل صلاته؛ لأن الإمام لم يزد في الانتظار) .
قال الشافعي: (ويسجد الإمام للسهو؛ لأنه وضع الانتظار في غير موضعه، وكذلك الطائفة الأخرى) . قال ابن الصباغ: وهذا يدل على أنه إذا فرقهم أربع فرق، وقلنا: لا تبطل صلاتهم.. أنهم يسجدون للسهو.
[فرع العدو في جهات]
وإن كان العدو في جهتين أو ثلاث أو أربع، فإن أمكنه أن يفرقهم فرقتين: فرقة تصلي معه، وفرقة تتفرق في جميع الجهات.. فعل ذلك، وكان كما لو كان العدو في جهة واحدة.
وإن كان لا يمكن إلا أن يكونوا أربع فرق:
فإن قلنا: يجوز أن يفرقهم أربع فرق، إذا كانوا في الحضر.. فرقهم أربع فرق.
وإن قلنا: لا يجوز، أو كانت الصلاة في السفر.. فإنه يصلي بفرقتين جميع الصلاة، ثم يصلي بالفرقتين الأخريين أيضًا جميع الصلاة، ويكون متطوعًا.
ويأتي على قياس هذا: إذا احتاج أن يفرقهم ثلاث طوائف، بأن كان العدو في جهتين.. أن يصلي بطائفتين جميع الصلاة، ثم يعيدها بالطائفة الثالثة، ويكون متطوعًا مع الثالثة.
[مسألة صلاة النبي ﷺ بعسفان]
وأما صلاة النبي ﷺ بـ: عسفان: فلها ثلاثة شروط:
стр. 951
أحدها: أن يكون العدو في جهة القبلة.
الثاني: أن يكونوا في بسيط من الأرض، لا يحجبهم عن أبصارهم شيء.
الثالث: أن يكون في المسلمين كثرة، وفي العدو قلة، فإذا وجدت هذه الشروط.. جعل الإمام الناس صفين خلفه، فيحرم بالصلاة، ويحرمون خلفه، ويركع، ويركعون معه، ويرفع، ويرفعون معه، فإذا بلغ إلى السجود.. قال الشافعي: (فإذا سجد.. وقف الصف الذي يلي الإمام، يحرسون العدو، ويسجد الصف الأخير) .
وإنما اختار الشافعي هذا، لثلاثة معان:
أحدها: أن الأولى أقرب من العدو، فهم بالحراسة أمكن.
الثاني: أنهم يكونون جُنَّة لمن وراءهم، فإن رماهم المشركون بسهم تلقوه بسلاحهم.
الثالث: لكي يمنعوا أبصار المشركين من مشاهدة المسلمين، ومعرفة عددهم، فإذا رفع الإمام رأسه من السجود.. حرس الذين سجدوا معه، وسجد الذين حرسوا.
قال الشافعي: (فإن حرس الصف الثاني في مواضعهم، وسجد الصف الأول.. فحسن، وإن تقدموا إلى الموضع الأول، فحرسوا، وتأخر الأول إلى موضعه، فسجدوا.. فجائز) . فأجاز هذا؛ لكي يكون فيه مساواة بين الطائفتين، واستحسن الأول؛ لأنه ليس فيه تقدم وتأخر.
فإذا ركع الإمام في الثانية.. ركعوا جميعًا، ورفعوا معه، ويسجد معه من حرس أولًا في الأولى، ويحرس من سجد أولًا في الأولى.
قال الشافعي: (فإن سجد معه صف واحد من الركعتين.. جاز، وإن حرس بعض أهل الصف.. جاز) .. هذا قول الشافعي.
وأما المروي في الخبر: فروى أبو داود في "سننه " [١٣٢٦] بإسناده عن أبي
стр. 952
عياش الزرقي أنه قال: «كنا مع النبي ﷺ بـ: عسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم السلاح وهم في الصلاة، فقال بعضهم: إن بين أيديهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم، فنزل جبريل ﵇، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فلما حضرت العصر.. قام رسول الله ﷺ مستقبلًا القبلة، والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد، وسجد الذين يلونه، وقام الآخرون، يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين، وقاموا.. سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ ، وركعوا معه، ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه.. وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ ، والصف الذي يليه.. سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، فسلم بهم جميعًا» . وما ذكر عن الشافعي مخالف لهذا الخبر.
قال أصحابنا: واتباع ما في الرواية أولى، ولعل الشافعي لم يبلغه الخبر، أو سها عنه، ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب " إلا ما ذكر في هذا الخبر، ولكنه لم يذكر التقدم والتأخر.
واحتج بما روى جابر، وابن عباس: (أن النبي ﷺ صلى هكذا) ، ولعل الشيخ أبا إسحاق صحت له هذه الرواية، أو اختار الذي استحسنه الشافعي في ترك التقدم والتأخر.
стр. 953
[مسألة اختيار أبي حنيفة]
إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخوف التي اختارها أبو حنيفة.. فإن صلاة الإمام صحيحة؛ لأنها أخف من الصلاة التي نرويها في حق الإمام.
وأما صلاة المأمومين.. فهل تصح؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، وغيره من أصحابنا:
أحدهما: تصح؛ لأن ابن عمر روى ذلك عن النبي ﷺ ، فدل على جوازها.
فعلى هذا: يكون الخلاف بيننا وبينهم في الأفضل.
والثاني: لا تصح.
فعلى هذا: ترجح أخبارنا على خبر ابن عمر بكثرة الرواة؛ ولأن فيما ذكروه أفعالًا تنافي الصلاة، أو نقول: قوله: (انصرفوا وهم في الصلاة) توهم من بعض الرواة.
[مسألة صلاة الإمام حال الأمن بإحدى كيفيات صلاة الخوف]
وإن صلى الإمام بالناس في حال الأمن إحدى الصلوات الثلاث التي اختارها الشافعي في الخوف.. نظرت: فإن صلى بهم صلاة بطن النخل.. صحت صلاة الإمام والمأمومين؛ لأن أكثر ما فيه أن صلاة الإمام مع الأولى فرض، ومع الثانية نفل، وذلك جائز عندنا.
وإن صلى بهم صلاة ذات الرقاع.. ففي صلاة الإمام طريقان:
قال عامة أصحابنا: تصح، قولًا واحدًا؛ لأن أكثر ما فيه أنه يطول الصلاة في حال الأمن بالقراءة، والتشهد، وهذا لا يبطل الصلاة.
وقال القاضي أبو الطيب: في صلاة الإمام قولان، كما قلنا فيه إذا فرقهم أربع فرق في الخوف، وهذا هو الأقيس؛ لأنه إذا كان في صلاة الإمام: إذا فرقهم أربع فرق في الخوف - وقد تدعو الحاجة إلى ذلك - قولان، فلأن يكون في صلاته قولان إذا فرقهم في الأمن، ولا حاجة به إلى ذلك، أولى.
وأما صلاة المأمومين: فإن في صلاة الطائفة الأولى قولين؛ لأنهم فارقوه لغير
стр. 954
عذر، وأما صلاة الطائفة الثانية: فإن قلنا بقول القاضي أبي الطيب، وقلنا: تبطل صلاة الإمام.. نظرت: فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. لم تنعقد صلاتهم؛ لأنهم يعلقون صلاتهم بصلاة باطلة، مع العلم بها، وإن لم يعلموا.. انعقد إحرامهم.
وإن قلنا: إن صلاة الإمام صحيحة، إما على أحد القولين في قول القاضي، أو قولًا واحدًا، في قول غيره.. فإن إحرام الثانية صحيح.
وهل تبطل بمفارقتهم له؛ لإتمام صلاتهم؟ فيه ثلاثة طرق:
[الأول] : إن قلنا بقول أبي العباس، وابن خيران: إنهم إذا قاموا لقضاء ما عليهم.. فارقوا الإمام فعلًا، وحكمًا، فلا يلحقهم سهو الإمام، ولا يتحمل الإمام سهوهم.. كان في بطلان صلاتهم هاهنا قولان؛ لأنهم فارقوه بغير عذر.
والطريق الثاني - وهو قول عامة أصحابنا -: أنهم يفارقونه، فعلًا، لا حكمًا.
فعلى هذا: تبطل صلاتهم، قولًا واحدًا؛ لأنهم قاموا لقضاء ما عليهم قبل خروج الإمام من الصلاة.
والطريق الثالث - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن صلاتهم لا تبطل، قولًا واحدًا، وعليه يدل قول الشافعي، فإنه قال: (أحببت لهم أن يعيدوا الصلاة) ، ولم يقل: يجب عليهم.
وإن صلى بهم صلاة عسفان في حال الأمن.. فصلاة الإمام وصلاة من سجد معه صحيحة، وأما صلاة من حرس: ففيها وجهان:
إن قلنا: السجدتان والجلسة بينهما ركن واحد.. لم تبطل صلاتهم؛ لأن الإمام سبقهم بركن واحد.
وإن قلنا: إنهما ركنان، وهو الأشبه بالمذهب.. بطلت صلاتهم.
[فرع صلاة الخوف في القتال المحرم]
قد ذكرنا أن القتال المحرم لا تصلى فيه صلاة الخوف، فإن خالف، وصلى فيه.. قال الشافعي: (أعاد) .
стр. 955
قال الشيخ أبو حامد: أراد: إذا صلى به صلاة شدة الخوف، فإنه يعيد، فأما إذا صلى فيه إحدى الصلوات الثلاث: فحكمه حكم الآمن إذا صلاها، على ما مضى.
[مسألة صلاة الجمعة في الخوف]
] : ذكر الشافعي في صلاة الجمعة في الخوف أربع مسائل:
الأولى: إذا كان القتال في المصر، ووافق يوم الجمعة، وأراد أن يصلي بهم صلاة ذات الرقاع.. فإن الإمام يفرق الناس فرقتين: فرقة تقف في وجه العدو، ويخطب بفرقة، ولا يجوز أن تنقص هذه الفرقة عن أربعين، ويصلي بهم ركعة، ويثبت الإمام قائمًا في الثانية، ويتمون لأنفسهم، ويجهرون بالقراءة فيما بقي عليهم؛ لأنهم منفردون، ثم يمضون إلى وجه العدو، وتأتي الفرقة الثانية، ويصلي بهم الركعة التي بقيت عليه، وينتظرهم جالسًا، ويتمون لأنفسهم، ولا يجهرون بالقراءة؛ لأنهم في حكم إمامته، ويسلم بهم.
فإن نقصت الفرقة الثانية عن أربعين.. فهل تصح؟ فيه طريقان: [الأول] : من أصحابنا من قال: تصح قولًا واحدًا؛ لأن الجمعة قد انعقدت بالأولى.
و [الثاني] : منهم من قال: فيه قولان، كالانفضاض.
فإن قيل: فالعدد شرط في جميع الجمعة، فكيف جاز أن يبقى الإمام - هاهنا - منفردًا من حين مضت الأولى؟
فاختلف أصحابنا في الجواب عن هذا:
فمنهم من قال: إنما بنى الشافعي هذه المسألة على أحد القولين في الانفضاض، وأنه إذا بقي وحده يصلي الجمعة.
стр. 956
ومنهم من قال: يجوز هاهنا، قولًا واحدًا؛ لأن الانفضاض من غير عذر، وهاهنا الانفضاض لعذر، وهو الخوف، ولأن مجيء الفرقة الثانية هاهنا يتوقت، وفي الانفضاض لا يتوقت مجيؤها.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إن الجمعة إذا أقيمت في المصر الواحد مرة.. لا يجوز إقامتها ثانيًا، فلم جوزتم - هاهنا - للطائفة الثانية أن تصلي الجمعة مع الإمام، والجمعة قد أقيمت؟
فالجواب: أنا إنما نمنع استفتاح الجمعة في المصر بعد إقامتها مرة، وفي هذه المسألة لم تستفتح الجمعة بعد إقامتها، وإنما هو استدامتها؛ لأن الإمام لم يخرج من الجمعة، فالثانية تحرم مع الإمام بالجمعة، تبعًا له.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا يدل على أن الإمام إذا سبق بعض المأمومين بركعة من الجمعة، ثم سلم الإمام ومن معه، وقام المسبوقون لقضاء ما عليهم، فقدم الإمام رجلًا ليتم بهم، أو قدموا هم رجلًًا، وجوزنا ذلك، فأدركهم رجل، وصلى معهم ركعة.. أنهم إذا سلموا.. جاز له أن يقوم، ويأتي بركعة أخرى، وتكون له جمعة؛ لأن هذا وإن استفتح الجمعة، فهو تبع للإمام والإمام مستديم لها، لا مستفتح.
المسألة الثانية: إذا خطب الإمام بالطائفة الأولى، وهم أربعون، فمضوا إلى وجه العدو، وجاءت الثانية، فأحرم بهم الجمعة.. لم تصح في حقه وحقهم؛ لأن هذا في معنى من خطب وحده، وصلى الجمعة بأربعين، وذلك لا يصح.
فإن بقي من الأولى أربعون، ومضى الباقون، وجاءت الثانية.. جاز أن يصلي بهم الجمعة، تبعًا للأربعين الذين سمعوا الخطبة.
المسألة الثالثة: إذا خطب الإمام بالأولى، وصلى بهم الجمعة، وسلم، ثم خطب بالثانية، وصلى بهم الجمعة.. صحت الجمعة في حق الإمام والأولى، دون الثانية؛ لأنه لا تصح إقامة الجمعة في المصر مرة بعد مرة.
المسألة الرابعة: إذا كان الإمام والطائفة خارج المصر.. لم يجز أن يصلوا الجمعة؛ لأن النبي ﷺ لما حج.. وافق عرفة يوم الجمعة، فلم يصل الجمعة،
стр. 957
وقد كان معه أهل مكة، ومعلوم أن عرفة دار إقامتهم، وإنما لا يستوطنونها، ولأن المسافر يجوز له أن يقصر إذا فارق بنيان البلد، ولا يجوز له إقامة الجمعة، حيث يقصر.
قال الشيخ أبو حامد: وقد كان الداركي يحكي عن أبي إسحاق: أن الجمعة لا تجوز في جامع براثا؛؛ لأنه خارج البلد، وإنما كان كذلك.. فلا فرق بين أن يكون بعيدًا، أو قريبًا، إذا كان منقطعًا عن البلد، أنه لا يجوز.
[فرع الخطبة في المسجد]
لو خطب بهم في المصر، وصلى بهم صلاة رسول الله ﷺ بـ: عسفان.. جاز ذلك؛ لأنه إذا جاز أن يصلي بهم صلاة ذات الرقاع، والإمام يبقى منفردًا في بعضها.. فلأن يجوز هاهنا أولى.
ولو لم يمكن الإمام الجمعة، فصلى بهم الظهر، ثم أمكنه الجمعة، قال الصيدلاني: لم يجب عليهم، لكن على من لم يصل معهم، ولو أعاد.. لم أكره، ويقدم غيره؛ ليخرج من الخلاف.
[فرع صلاة الاستسقاء ونحوها]
] : فأما صلاة الاستسقاء في الخوف: قال الشافعي في " الأم " [١/٢٠١] : (لا بأس أن يدع الاستسقاء، إلا أن يكون في عدد كثير ممتنع، فلا بأس أن يستسقي، ويصلي، كما يصلي في المكتوبات، وإن كان في شدة الخوف.. لم يصل الاستسقاء، ويصلي الخسوف والعيدين؛ لأنه لا يصلح تأخيرهما) .
ومعنى ذلك: أن صلاة الاستسقاء لا يتحقق فواتها، وصلاة العيدين والخسوفين يتحقق فواتهما بخروج الوقت والتجلي.
стр. 958
[مسألة ترك حمل السلاح حال الصلاة]
قال الشافعي: (ولا أحب للمصلي ترك السلاح) ، وهذا يدل على استحباب حمله في الصلاة.
وذكر في موضع آخر: (لا أجيز ترك السلاح) ، وهذا يدل على وجوبه.
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هي على حالين: فالذي يجب حمله: هو السلاح الذي يدفع به عن نفسه، مثل: السكين والسيف، والذي استحبه هو ما يدافع به عن نفسه وعن غيره، كالرمح، والقوس؛ لأنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه، ولا يجب عليه أن يدفع عن غيره.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجب، وبه قال داود؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] .
وهذا أمر، والأمر على الوجوب.
ولأنهم إذا وضعوا السلاح عنهم.. لم يأمنوا هجوم العدو عليهم، فيحتاجون إلى أخذ السلاح، وربما كان ذلك سبب هزيمتهم.
والثاني: (أنه لا يجب) ، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو الصحيح؛ لأنه لو كان حمله واجبًا في الصلاة.. لكان شرطًا فيها.
وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .
فإنه أمر ورد بعد الحظر.
стр. 959
قال الشيخ أبو حامد: ولأنه لا خلاف أن حمل السلاح في الصلاة في غير حال الخوف مكروه ينهى عنه، ثم ورد الأمر بحمله في صلاة الخوف، والأمر بالشيء إذا ورد بعد النهي.. فإنه يقتضي الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] [المائدة: ٢] .
وإذا ثبت هذا: فالسلاح المختلف فيه: هو السلاح الطاهر، فأما النجس: فيحرم حمله.
فإن أصاب سلاحه دم، فإن ألقاه في الحال من يده.. جاز.
وإن أمسكه، للاحتياج إليه.. قال صاحب " الإبانة " [ق\ ٩٨] : فهل تجب عليه الإعادة؟ فيه قولان، بناء على المحبوس في الحش.
وإن جعله في الحال تحت ركابه.. جاز أيضًا، وإن كان متقلدًا له، فتركه.. بطلت صلاته.
قال الصيدلاني: فإن تنحى لغسله.. فوجهان.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن السلاح على قول من قال: هو على اختلاف حالين ينقسم خمسة أقسام:
[الأول] : قسم يحرم حمله: وهو السلاح النجس، مثل: السيف والسكين، إذا أصابهما دم، أو سقيا بسم نجس، أو النبل، إذا كان عليه ريش نجس.
والثاني: سلاح يكره حمله، وهو الثقيل الذي يشغله عن الصلاة، مثل: الدرع وأما البيضة: فإن كان لها أنف يمنع من وصول الجبهة إلى الأرض في السجود.. لم يجز حملها.
والثالث: يجب حمله، وهو ما يدافع به عن نفسه، مثل: السيف.
стр. 960
والرابع: يستحب حمله، وهو ما يدافع به عن نفسه، وعن غيره، مثل: القوس، والنشاب، والجعبة.
والخامس: ما يختلف باختلاف موضع المصلي، وهو الرمح، فإن كان المصلي في حاشية الناس، بحيث إذا ركع، وسجد..يمكنه أن يضعه، بحيث لا يتأذى به أحد.. استحب حمله، وإن كان في وسط الناس.. لم يستحب حمله.
وأما على قول من قال: المسألة على قولين.. فينقسم السلاح عنده على أربعة أقسام:
[الأول] : قسم يحرم حمله، وهو النجس.
و [الثاني] : قسم يكره حمله، وهو الثقيل الذي يشغله عن أفعال الصلاة.
والثالث: يختلف باختلاف موضع المصلي، وهو الرمح.
والرابع: هل يجب حمله؟ على قولين، وهو ما يدافع به عن نفسه، وعن غيره.
[فرع السيف المسقي سما]
فإن سقى سيفه سمًّا نجسًا، ثم غسل ظاهره.. طهر، وإن لم يصل إلى باطنه.
هكذا قال ابن الصباغ.
وإن أدخل في النار، فقيل: إنه قد ذاب وزال، حتى لم يبق منه شيء.. لم يطهر حتى يغسل، وإن مسح.. لم يطهر.
وقال أبو حنيفة: (يطهر) . وقد مضى ذكر ذلك.
стр. 961
[مسألة المتمكن يصلي قاعدًا]
قال في " الإبانة " [ق\ ٩٨] : يجوز للمتمكن أن يصلي قاعدًا؛ مخافة أن يراه العدو.
وفي الإعادة قولان، بناء على القولين في المحبوس في الحش.
[مسألة الصلاة في شدة الخوف]
قال الشافعي ﵁: (وإن كان الخوف أشد من ذلك، وهي المسايفة، والتحام القتال، ومطاردة العدو، حتى يخافوا إن ولوا أن يركبوا أكتافهم، فيكون سبب هزيمتهم.. فيصلون كيف ما أمكنهم، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، ركبانًا على دوابهم، ومشاة على أقدامهم، يومئون بالركوع والسجود، ولا يجوز لهم إخراج الصلاة عن وقتها) .
وكذلك الرجل، إذا خاف من سبع، أو كافر، إن اشتغل بالصلاة ركبه.. جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف.
وقال أبو حنيفة: (إذا كان الحال هكذا، ولا يتمكنون من الركوع والسجود.. جاز لهم تأخير الصلاة عن وقتها، فأما إذا زال ذلك.. صلوا) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] [البقرة: ٢٣٩] .
قال ابن عمر: (مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها) .
وروى ابن عمر: (أن النبي ﷺ صلى صلاة شدة الخوف) ، فذكر كمذهب أبي حنيفة، ثم قال: (فإذا كان الخوف أشد من ذلك.. صلوا كيف أمكنهم، مشاة وركبانًا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها) . وقد روي ذلك موقوفًا على ابن عمر.
стр. 962
[فرع جوازائتمام المقاتلين بعضهم ببعض]
فرع: [جواز ائتمام المقاتلين بعضهم ببعض] : يجوز أن يأتم بعضهم ببعض وإن كان كل واحد منهم يصلي إلى جهة قتاله؛ لأن كل واحد منهم يجوز أن يصلي إلى جهته مع العلم بها، فهو بمنزلة من حول الكعبة، يجوز أن يأتم بعضهم ببعض وإن كان كل واحد منهم يصلي إلى جهته، والجماعة - هاهنا - أفضل من الانفراد، كصلاة الأمن.
[فرع إذا خشي العدو صلوا صلاة شدة الخوف]
] : قال الشافعي: (وإذا كان العدو بإزاء المسلمين، ولم يأمنوا مكيدتهم، وانهجامهم لو اشتغلوا بالصلاة.. جاز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف. وكذلك إن لم يروا العدو، ولكن أخبرهم الثقة عندهم: أن العدو بالقرب منهم، وأنه يطلبهم، فخافوا نكايتهم إن اشتغلوا بصلاة الخوف.. جاز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف) .
[فرع بطلان الصلاة بالصياح]
فإن صاح على العدو.. بطلت صلاته؛ لأنه لا حاجة به إليه.
وأما العمل في صلاة الخوف: فلا فرق بين صلاة الخوف، وبين صلاة الأمن فيه، وإن عمل فيها عملًا قليلًا.. لم تبطل صلاته، وإن كان كثيرًا - في غير صلاة شدة الخوف - بطلت صلاته.
قال الشيخ أبو حامد: والمرجع في ذلك إلى العرف والعادة.
وقال القاضي أبو الطيب: الضربة الواحدة لا تبطل الصلاة.
وفي الاثنتين إذا توالتا وجهان , وإن ضرب ثلاث ضربات، أو طعن ثلاث طعنات متواليات، أو ردد الطعنة في المطعون.. قال الشافعي: (مضى فيها، ويعيد) .
فمن أصحابنا من قال: بطلت صلاته بذلك، ولهذا تجب عليه الإعادة.
وقال أبو العباس: إن لم يكن مضطرًّا إليه.. بطلت صلاته به؛ لأنه لا حاجة به
стр. 963
إليه، وإن كان مضطرًّا إليه.. لم تبطل صلاته؛ لأن به إليه حاجة، فلم تبطل به صلاته، كالمشي.
قال ابن الصباغ: وهذا لا يصح؛ لأن الصلاة لا يمضى فيها مع البطلان، وإنما يجري مجرى الصلاة بغير طهارة عند الضرورة؛ لشغل الوقت.
وإذا مشى في صلاة شدة الخوف مشيًا كثيرًا لحاجة.. لم تبطل صلاته؛ لأن المشي قد يصح مع النفل، بخلاف غيره من العمل.
[فرع لا تضر الحركة القليلة]
] : قال الشافعي: (ولا بأس أن يصلي الرجل في الخوف ممسكًا بعنان فرسه؛ لأنه عمل يسير قليل، فإن نازعه فجذبه إليه جذبتين، أو ثلاثًا، أو نحو ذلك، وهو غير منحرف عن القتال.. فلا بأس، فإن كثرت مجاذبته.. فقد قطع صلاته، وعليه استئنافها) .
قال ابن الصباغ: وهذا بخلاف ما ذكرناه من الضربات والطعنات، وهذا يدل على أنه تعتبر كثرة العلم، دون العدد.
[فرع الحمل على العدو]
قال الشافعي في " الأم " [١/١٩٩] : (ولو كانوا في صلاة الخوف، فحملوا على العدو، متوجهين إلى القبلة.. بطلت صلاتهم وإن حملوا عليهم قدر خطوة) .
وهذا في غير شدة الخوف، وإنما أبطلها بالخطوة الواحدة؛ لأنهم قصدوا عملًا كثيرًا، لغير ضرورة، وعملوا شيئًا منه.
قال الشافعي: (ولو نووا أن العدو، إذا أظلهم معًا قاتلوه.. لم تبطل صلاتهم؛ لأنهم في الحال لم يغيروا نية الصلاة) .
стр. 964
[فرع الأمن حال الصلاة راكبًا]
إذا كان يصلي راكبًا، فأمن.. وجب عليه أن ينزل، ويتمها على الأرض، كالمريض إذا قدر على القيام في أثناء الصلاة، فإن نزل، وهو مستقبل القبلة، وخف نزوله.. بنى على صلاته.
وإن احتاج في النزول إلى عمل كثير.. فحكى في " الإبانة " [ق\ ٩٩] وجهين:
أحدهما: يستأنف الصلاة.
والثاني: يبني على إحرامه.
وإن افتتحها آمنًا على الأرض، فخاف، فركب في أثنائها.. قال الشافعي: (استأنف الصلاة؛ لأن الركوب عمل كثير) .
وقال في موضع آخر: (يبني على صلاته) .
واختلف أصحابنا فيه على طريقين:
فقال أبو العباس، وأبو إسحاق: ليست على قولين، بل هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: (تبطل صلاته) إذا كان ركوبه لغير ضرورة، مثل: أن يركب لطلب مشرك، وما أشبهه؛ لأنه لا حاجة به إليه. والموضع الذي قال: (لا تبطل) إذا كان ركوبه لضرورة، كالدفع عن نفسه، أو للهرب الواجب؛ لأن به إليه حاجة.
ومنهم من قال: بل هي على قولين:
أحدهما: يبطلها؛ لأنه عمل كثير.
والثاني: لا يبطلها؛ لأن العمل الكثير للحاجة، لا يبطل الصلاة في شدة الخوف، كالمشي.
[مسألة ظن وجود العدو]
إذا رأوا إبلًا، أو سوادًا، أو غبارًا، فظنوا ذلك عدوًّا، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنهم ليسوا عدوًّا.. فهل تجب عليهم الإعادة؟ فيه قولان:
стр. 965
أحدهما: تجب عليهم الإعادة، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنهم تركوا ركنًا من أركان الصلاة على وجه الخطأ، فلزمتهم الإعادة، كما لو تركوا الطهارة، أو الركوع على وجه النسيان.
والثاني: لا إعادة عليهم، وهو الصحيح؛ لأن صلاة الخوف تتعلق بوجود الخوف وإن لم يتحقق المخوف، ألا ترى أن العدو، إذا كانوا بإزائهم، وخافوا إن اشتغلوا بالصلاة، ركبوا أكتافهم، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم علموا بعد ذلك أن العدو لم يعزم على شيء من ذلك، فإنه لا إعادة عليهم؟ فكذلك هذا مثله.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان إذا أخبرهم ثقة أن العدو قاصد إليهم، فأما إذا ظنوهم: فعليهم الإعادة، قولًا واحدًا.
ومنهم من قال: القولان في الحالين.
وإن رأوا العدو، فخافوهم، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أن بينهم وبينهم خندقًا أو نهرًا، أو طائفة من المسلمين لا يمكنهم الوصول إليهم.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: تلزمهم الإعادة، قولًا واحدًا؛ لأنهم مفرطون في ترك تأمل المانع.
ومنهم من قال: فيه قولان، كالأولى.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأشبه.
[فرع خوف الغرق]
] : إذا كانوا في واد فغشيهم سيل، وخافوا منه الغرق، فإن وجدوا نجوة - وهو الموضع المرتفع من الأرض - وأمكنهم صعودها.. لم يجز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف؛ لأنه لا خوف مع ذلك، وإن لم يكن هناك شيء يتحصنون به من السيل، أو كان هناك، ولم يمكنهم أن يحصنوا به أموالهم، واحتاجوا أن يمشوا في طول
стр. 966
الوادي.. جاز لهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف.
وكذلك إذا خاف الرجل من سبع، أو حية، ولم يمكنه منعه من نفسه، ولا التحصن عنه بشيء.. جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف؛ لأن الخوف موجود، ولا تلزمهم الإعادة.
وقال المزني: قياس قوله: أن تجب عليهم الإعادة؛ لأن العذر إذا لم يكن معتادًا أو نادرًا متصلًا.. لم تسقط عنه الإعادة، وهذا ليس بشيء؛ لأن كل جنس من الأعذار، إذا كان معتادًا.. فإن أنواع ذلك الجنس ملحقة به وإن كان ذلك النوع نادرًا لا يدوم، كالمرض، وذلك: أن المرض لما كان جنسه معتادًا.. كانت أنواعه ملحقة به وإن كان منها ما يندر، مثل: السل، والبواسير.. كذلك هذا مثله.
وبالله التوفيق
* * *
стр. 967
[باب ما يكره لبسه]
يحرم على الرجل لبس الحرير، والديباج من غير ضرورة، ولا يحرم على النساء؛ لما روى علي، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، وفي يمينه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب، فقال: هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها» .
وروى ابن عمر: «أن عمر ﵁ رأى حلة سيراء تباع على باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريناها لك لتلبسها للجمعة، وللوفد إذا قدم، فقال ﷺ : "هذا لباس من لا خلاق له في الآخرة»
ويحرم الجلوس والنوم عليه، والتغطي به.
وقال أبو حنيفة: (لا يحرم عليه غير اللبس) .
دليلنا: حديث علي ﵁، ولم يفرق فيه بين اللبس، وغيره من الاستعمالات.
ولأن السرف في ذلك أعظم من اللبس.
وهلي يحرم ذلك على الصبيان؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو المشهور -: أنه لا يحرم عليهم؛ لأنهم غير مكلفين.
والثاني: يحرم عليهم، كما يحرم على البالغين.
стр. 968
والثالث: إن كان له دون سبع سنين.. لم يحرم، وإن كان له سبع فما زاد.. حرم.
قال القاضي أبو الفتوح: يحرم على الخنثى لبس الحرير؛ لاحتمال كونه رجلًا.
هذا الكلام إذا كان جميع الثوب، أو أكثره من الحرير، فأما إذا كان الأقل من الثوب من الحرير، كالعلم والسدى والجيب والكفة.. فلا يحرم؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: «إنما نهى رسول الله ﷺ عن لبس الثوب المصمت من الحرير، فأما العلم والسدى: فلا بأس به» .
وروي عن علي: أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الحرير، إلا في موضع أصبع، أو أصبعين أو ثلاث، أو أربع» . ولا يعرف لهما مخالف.
وروي عن مولى لأسماء: أنه قال: «اشترى ابن عمر ثوبًا شاميًّا، فرأى فيه خيطًا أحمر، فرده، فأخبرت بذلك أسماء، فقالت: يا جارية، ناوليني جبة رسول الله ﷺ ، فأخرجت جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج» .
стр. 969
فإن كان نصف الثوب إبريسم، ونصفه من القطن أو الكتان.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحرم لأنه ليس الغالب فيه حلال.
والثاني: لا يحرم؛ لأنه ليس الأغلب منه المحرم.
إذا ثبت هذا: فإن التحريم إنما يكون في غير حال الحرب، فأما إذا فاجأته الحرب، ولم يجد ما يحصنه عن السلاح إلا الديباج.. فالمستحب له أن يتوقى لبسه.
فإن لبسه.. جاز. قلت: لأنه يتوقى به، ويستعين به في الحرب.
وإن احتاج إلى لبس الحرير للحكة.. جاز؛ لما روي: «أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما» .
وحكى الشيخ أبو إسحاق في " التنبيه " وجهًا آخر: أنه لا يجوز، والأول هو المشهور.
فإن كانت له جبة قطن محشوة بالإبريسم، أو لبس الحرير باطنًا.. لم يحرم؛ لأن السرف فيه غير ظاهر.
ويحرم على الرجل لبس الثوب المزعفر؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن لبس القسي والمزعفر» .
وأما الثياب النجسة: فلا يحرم لبسها إلا في الصلاة.
стр. 970
[مسألة حرمة الذهب على الرجال]
] : ويحرم على الرجل استعمال قليل الذهب وكثيره؛ لما روى علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن لبس القسي، وعن لبس المزعفر، وعن التختم بالذهب» .
والخاتم في حد القلة، ويفارق الحرير، حيث قلنا: لم يحرم القليل منه في الثوب؛ لأن السرف في قليل الذهب ظاهر، والسرف في قليل الحرير غير ظاهر.
وأما القسي: قال أبو عبيد: فإن أصحاب الحديث يقولون (القسي) : بكسر القاف، وأهل مصر يقولون: (القسي) : بفتح القاف، منسوبة إلى بلد يقال لها: (القس) ، وهي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير.
ويجوز للرجل أن يتخذ خاتمًا من فضة؛ لأن النبي ﷺ : «كان له خاتم من فضة فصها منها، وكان يجعل فصها إلى راحته» .
ويكره أن يتخذ خاتمًا من حديد، أو رصاص، أو نحاس؛ لما روي: «أن النبي ﷺ رأى على رجل خاتمًا من حديد، فقال: "ما لي أرى عليك حلية أهل النار"، ثم جاءه الرجل وعليه خاتم من صفر، فقال: "ما لي أجد منك ريح
стр. 971
الأصنام"، ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب، فقال: "ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة"، فقلت: من أي شيء أتخذه؟ فقال: "من ورق، ولا تتمه مثقالًا» .
وقد ورد الخبر بالتختم باليمين واليسار، وهو في اليسار أظهر.
[فرع مزج الذهب بغيره]
فإن كان الذهب مختلطًا بغيره.. نظرت: فإن كان الذهب ظاهرًا.. حرم استعماله؛ لأن السرف فيه ظاهر، وإن كان غير ظاهر.. لم يحرم؛ لأن السرف فيه غير ظاهر.
قال الشيخ أبو حامد: وإذا صدئ الذهب، أو ذهب بالوسخ.. جاز لبسه؛ لأن السرف فيه غير ظاهر.
وقال القاضي أبو الطيب: يقال: إن الذهب لا يصدأ، فإن احتاج إلى لبس درع منسوج بذهب، أو بيضة مطلية بذهب، وفاجأته الحرب، فإن وجد ما يقوم مقامهما.. لم يجز لبسهما، وإن لم يجد ما يقوم مقامهما.. جاز لبسهما؛ لأنه موضع ضرورة.
[فرع لبس اللؤلؤ]
قال الشافعي: (ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للأدب؛ فإنه من زي النساء، لا للتحريم؛ لأنه لم يرد الشرع بتحريم لبسه) .
стр. 972
قال صاحب: " الإبانة ": ويكره المشي في نعل واحدة، وخف واحد.
[مسألة استعمال الجلود المحرمة]
قال الشافعي: (ولا بأس أن يلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير من جلد قرد، وأسد، وفيل، ونحو ذلك؛ لأنه جنة للفرس، ولا تعبد على الفرس) .
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز إلا بعد الدباغ؛ لأنه جلد نجس.
قال: ومراد الشافعي: بعد الدباغ. وهذا ليس بشيء؛ لأن الشافعي علل: (لأنه جنة للفرس، ولا تعبد على الفرس) .
وأما جلد الكلب والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما: فلا يجوز استعماله بحال؛ لأن الخنزير لا يجوز الانتفاع به في حياته بحال، والكلب لا ينتفع به إلا عند الحاجة إليه، وهو الحرث والماشية والصيد، وليس كذلك سائر الحيوانات، فإنه يجوز الانتفاع بها في حال الحياة بكل حال، فلذلك جاز بعد الموت.
وبالله التوفيق
стр. 973
[باب صلاة الجمعة]
يقال: الجمعة: بضم الميم وسكونها، ويوم الجمعة: يوم فاضل، والدليل على فضله، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] [البروج: ٣] .
قال الشافعي: (روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» . فأقسم الله به، وهذا يدل على فضله) .
وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق الله تعالى آدم، وفيه أهبط، وفيه تاب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة، من حين يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الثقلين الجن والإنس، وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي، ويسأل الله تعالى فيها شيئًا، إلا أعطاه» .
стр. 974
وقد اختلف الناس في هذه الساعة:
فقيل: إن أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، وتذاكروا فيها، فتفرقوا، ولم يختلفوا: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
وقيل: بعد العصر إلى غروب الشمس.
وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل: من زوال الشمس إلى أن يدخل الإمام في الصلاة.
وقيل: من خروج الإمام إلى أن تقضى الصلاة.
وقال كعب: لو قسم الإنسان جمعة في جمع ... أتى على تلك الساعة. يريد: أنه يدعو في كل جمعة في ساعة، حتى يأتي على جميع اليوم.
قال الشافعي: (والجمعة: هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وكانت العرب تسميه: العروبة، وفيه قال الشاعر:
نفسي الفداء لأقوام همو خلطوا ... يوم العروبة أزوادا بأزواد
فإن قيل: لم قال الشافعي: (هو بين الخميس والسبت) وليس بخفي هذا على أحد؟
قلنا: إنما أراد الشافعي: أن يبين هذا للعرب الذين كانوا يسمونها العروبة، وكانوا يعرفون الخميس والسبت، ولا يعرفون الجمعة، فبينها لهم بما يعرفونه.
[مسألة وجوب الجمعة]
والأصل في وجوب الجمعة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
стр. 975
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] [الجمعة: ٩] .
وفيها ثلاثة أدلة:
أحدها: أنه أمر بالسعي إليها، والأمر يقتضي الوجوب.
والثاني: أنه نهى عن البيع لأجلها، ولا يُنهى عن منافع إلا لواجب.
والثالث: أنه وبخ على تركها بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] [الجمعة: ١١] .
ولا يوبخ إلا على ترك واجب.
وأما السنة: فروى جابر: أن النبي ﷺ قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة.. طبع الله على قلبه» .
وروى جابر أيضًا: أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ... فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا على امرأة، أو مسافر، أو عبد، أو مريض» .
وروى جابر أيضًا: أن النبي ﷺ قال - وهو على المنبر -: «يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصلوا ما بينكم وبينه بكثرة
стр. 976
ذكركم له، وكثرة الصدقة، تؤجروا، وترزقوا، واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في عامكم هذا، في شهركم هذا، في ساعتكم هذه، فريضة مكتوبة، فمن تركها جاحدًا بها، واستخفافًا بحقها ... فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا صيام له، ألا ولا حج له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا بر له» .
وأما الإجماع: فإن المسلمين أجمعوا على وجوبها.
[مسألة فرضية الجمعة على كل مسلم]
] . الجمعة: فرض من فروض الأعيان، وغلط بعض أصحابنا على الشافعي: أنه قال: هي من فروض الكفاية؛ لأنه قال: (ومن وجبت عليه الجمعة ... وجبت عليه صلاة العيدين) . وهذا ليس بشيء، وإنما أراد الشافعي: أن المخاطب بالجمعة وجوبًا، مخاطب بالعيدين استحبابًا.
إذا ثبت هذا: فإن الجمعة لا تجب إلا على من وجدت فيه سبع شرائط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورة، والحرية، والصحة، والاستيطان.
ثلاثة من هذه الشروط شرط في الجمعة وفي غيرها من العبادات البدنية، مثل:
стр. 977
الصلوات، والصيام، والحج، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل.
وأربعة منهن شرط في الجمعة وحدها، وهي: الذكورية، والحرية، والصحة، والاستيطان.
وشرطان من هذه السبعة شرط في الوجوب والإجزاء، وهما: الإسلام، والعقل.
وخمسة شروط في الوجوب دون الإجزاء: فلا تجب الجمعة على كافر في قول من قال من أصحابنا: إن الكفار غير مخاطبين في الشرعيات.
ولا تجب على صبي، ولا مجنون؛ لما ذكرناه في سائر الصلوات، وقد مضى ذكر ذلك في الصلاة.
ولا تجب الجمعة على المرأة؛ لما ذكرناه من حديث جابر، وروى أبو عمرو الشيباني، قال: رأيت ابن مسعود يُخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، يقول: (اخرجن إلى بيوتكن خير لكن) .
قال في " الأم " [١/١٦٨] : (وأحب للعجائز إذا أذن لهن أزواجهن حضورها، لأنها لا تُشتهى) .
ولا تجب الجمعة على الخنثى؛ لأنه يحتمل أن يكون ذكرًا، فتجب، ويحتمل أن يكون امرأة، فلا تجب، وإذا احتمل الأمرين ... لا تجب عليه الجمعة بالشك.
[فرع وجوب الجمعة على المسافر]
] . ولا تجب الجمعة على المسافر، وبه قال عامة الفقهاء، وقال الزهري، والنخعي: إذا سمع النداء ... وجبت عليه.
دليلنا: حديث جابر، ولأنه مشغول بالسفر.
стр. 978
ويستحب له إذا كان في بلد وقت الجمعة أن يحضرها، فإن حضرها ... فهل يتعين عليه فعلها؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ".
والمذهب: أنها لا تتعين عليه، فإن نوى المسافر الإقامة في بلد أربعة أيام ... وجبت عليه الجمعة؛ لأنه مقيم غير مستوطن، وهل تنعقد به؟ فيه وجهان، ويأتي بيانهما.
[فرع لا تجب الجمعة على ذي رق]
] : ولا تجب الجمعة على العبد والمكاتب، وقال داود: (تجب عليهما) ، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، وقال الحسن، وقتادة: تجب على المكاتب، وعلى العبد الذي يؤدي الضريبة، دون من لم يؤد.
دليلنا: حديث جابر، ولأن العبد مشغول بخدمة سيده، وحكم المكاتب حكمه، بدليل قوله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبيه درهم» .
فإن كان نصفه حرًا، ونصفه عبدًا، فإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، أو كان بينهما مهاياة، ولكن كان يوم الجمعة في حق السيد ... لم يجب عليه؛ لما ذكرناه فيمن جميعه عبد، ويستحب له أن يحضر إذا أذن له سيده؛ لتحصيل الفضيلة، ولكن لا تجب عليه؛ لأن الحقوق الشرعية تتعلق بخطاب الشرع، لا بإذن سيده.
стр. 979
وإن كان يوم الجمعة في حق العبد ... ففيه قولان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٩٥] :
أحدهما: تجب عليه الجمعة؛ لأنه في حكم الحر في هذا اليوم، بدليل أن جميع كسبه له.
والثاني: لا تجب عليه؛ لأن فيه بعض الرق.
وقال أصحابنا العراقيون: لا تجب عليه من غير تفصيل.
[فرع لا تجب على المريض]
] : ولا تجب الجمعة على المريض؛ لحديث جابر، ولأنه يشق عليه القصد إلى الجمعة، فلم تجب عليه.
ولا تجب الجمعة على الأعمى، إذا لم يكن له قائد؛ لأنه يشق عليه ذلك، وحكى الشاشي: أن القاضي حسينا قال: تجب عليه إذا كان يحسن المشي بالعصا، ولعله أراد: إذا اعتاد المشي إلى موضع الجمعة وحده، وإن كان للأعمى قائد ... وجبت عليه الجمعة؛ لأنه مع القائد كالبصير.
[فرع أعذار الجمعة]
] : والأعذار التي ذكرناها: أنها أعذار في ترك الجماعة، هي أعذار في ترك الجمعة، فلا تجب الجمعة على خائف على نفسه أو ماله، ولا على من في طريقه مطر، ولا على من له مريض يخاف ضياعه؛ لما ذكرناه في الجماعة، ولا تجب على من له قريب
стр. 980
أو ذو ود يخاف موته؛ لما روي: (أنه استصرخ على سعيد بن زيد وابن عمر يسعى إلى الجمعة فتركها) لأنه ابن عمه.
ومعنى قوله: (استصرخ) ، أي: استغيث عليه.
فإن حضر المريض الجامع، أو الأعمى الذي لا قائد له، أو من في طريقه مطر ... وجبت عليهم الجمعة؛ لأن المشقة قد زالت بالحضور.
فإن أحرم المسافر أو المريض بالجمعة، فأراد الانصراف عنها ... لم يكن لهما ذلك: لأنها قد تعينت عليهما بالدخول.
وإن أحرمت المرأة أو العبد بالجمعة، فأراد الانصراف منها إلى الظهر ... فهل يجوز لهما ذلك؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري:
أحدهما: يجوز لهما ذلك؛ لأنهما ليسا من أهل فرضها.
والثاني: لا يجوز لهما ذلك؛ لأنها قد تعينت عليهما بالدخول.
[مسألة وجوب الجمعة على أهل المدن]
تجب الجمعة على أهل المصر، إذا وجدت فيهم الشرائط التي ذكرناها، سواء سمعوا النداء، أو لم يسمعوا، ولأن النبي ﷺ خاطب أهل المدينة بوجوبها، ولم
стр. 981
يفرق بين أن سمعوا النداء، أو لم يسمعوا؛ ولأن المصر الواحد كالدار الواحدة، بدليل: أن من سافر منه لا يقصر حتى يفارق جميعه.
وأما من كان من خارج المصر: فهم على ثلاثة أضرب:
[الأول] : قوم تجب عليهم الجمعة بأنفسهم.
و [الثاني] : قوم لا تجب عليهم بأنفسهم، ولكن تجب عليهم بغيرهم.
و [الثالث] : قوم لا تجب عليهم لا بأنفسهم ولا بغيرهم.
فأما الذين تجب عليهم بأنفسهم: فهم أهل القرية إذا كانوا أربعين رجلًا على الشروط التي ذكرناها، فتلزمهم إقامتها في موضعهم، سواء سمعوا نداء المصر، أو لم يسمعوا، فإن أقاموها في موضعهم لهذا ... فقد أحسنوا، وإن أتوا المصر، وصلوا الجمعة فيه
أجزأتهم، وقد أساءوا؛ لأن إقامة الجمعة في موضعين أفضل من إقامتها في موضع واحد، هذا هو المنصوص.
وقال الصيدلاني: لا يكونون مسيئين بذلك؛ لأن من الفقهاء من يقول: لا تنعقد الجمعة في القرية، وإنما تنعقد في البلد، فإذا دخلوا البلد، وصلوا فيه ... فقد خرجوا من الخلاف.
وأما الذين لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم، وتجب عليهم بغيرهم: فهم الذين ينقصون عن أربعين، ويسكنون في موضع يسمعون النداء فيه من البلد الذي تقام فيه الجمعة.
وأما الذين لا تجب عليهم الجمعة لا بأنفسهم ولا بغيرهم: فهم الذين ينقصون عن الأربعين، ويسكنون في موضع لا يسمعون فيه النداء من البلد الذي تجب فيه الجمعة.
هذا مذهبنا، وبه قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن المسيب، وأحمد، وأبو ثور.
وذهبت طائفة إلى: أن الجمعة تجب على من يمكنه إتيان الجمعة، ويأوي بالليل إلى منزله. ذهب إليه ابن عمر، وأنس، وأبو هريرة.
стр. 982
وقال عطاء: تجب الجمعة على من كان من المصر على عشرة أميال.
وقال الزهري: تجب على من كان من المصر على ستة أميال.
وقال ربيعة: على أربعة أميال.
وقال مالك والليث: (على ثلاثة أميال) .
وقال أبو حنيفة: (لا تجب الجمعة على من كان خارج المصر، ولو كان بينه وبين المصر خطوة) .
وقال محمد: قلت لأبي حنيفة: تجب الجمعة على أهل ريادة بأهل الكوفة؟ فقال: (لا) . وبين ريادة وبين الكوفة نهر.
وعند أبي حنيفة: (أن الجمعة لا تجب على أهل القرى، وإن كان العدد فيهم موجودًا، وإنما تجب على أهل المصر) .
وحد المصر عنده: أن يكون هناك سلطان قاهر يستوفي الحقوق، ويقيم الحدود، أو خليفة من قبله، ويكون فيها سوق قائم، وجامع، ومنبر، ونهر جار.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] [الجمعة:٩] .
فأوجب السعي إلى الجمعة على المؤمنين، ولم يفرق بين أهل المصر، وأهل القرى، وأهل السواد، وظاهر أمره يقتضي وجوب السعي على من كان خارج المصر، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، إلا أن النبي ﷺ قيده بمن سمع النداء، فروى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ قال: «الجمعة على من سمع النداء» ،
стр. 983
وأراد به من كان خارج المصر؛ لأن أهل المصر تجب عليهم الجمعة، سواء سمعوا النداء، أو لم يسمعوا، بالإجماع.
وروي عن ابن عباس: أنه قال: (أول جمعة بعد جمعة المدينة جمعت في قرية بالبحرين، يقال لها: جواثا) .
[فرع صفة نداء الجمعة]
إذا ثبت: أن الجمعة تجب على من كان خارج المصر، إذا سمعوا النداء من المصر:
قال الشافعي: (فصفة النداء الذي تجب به الجمعة على من سمعه: أن يكون المؤذن صيتًا، وتكون الرياح ساكنة، والأصوات هادئة، وكان من ليس بأصم مستمعًا - يعني: مصغيًا - غير لاه، ولا ساه) ، ومن أي موضع يُعتبر سماعه من المصر؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٩٥] :
стр. 984
أحدهما - وهو الأصح -: أن الاعتبار أن يقف المؤذن في طرف البلدة إلى جانب القرية الخارجة عن البلد.
والثاني: يعتبر من وسط البلد. ولا يعتبر أن يعلو المؤذن على سور أو منارة؛ ليعلوا أعلى البناء؛ لأن الارتفاع ليس له حد، قال القاضي أبو الطيب: وسمعت شيوخنا يقولون: إلا بطبرستان؛ فإنها مبنية بين غياض وأشجار تمنع من بلوغ الصوت، فيعتبر أن يصعد على شيء يعلو على الغياض والأشجار.
فإن كان هناك قرية على جبل يسمعون النداء من البلد الذي تقام فيه الجمعة لعلوهم، ولو كانوا في مستوٍ من الأرض ... لم يسمعوا، أو كانت هناك قرية في وهدة من الأرض، لا يسمعون النداء فيها من البلد لانخفاض قريتهم، ولو كانوا في مستوٍ من الأرض.. لسمعوا.. ففيه وجهان:
[الأول] : قال القاضي أبو الطيب: لا تجب على من سمع؛ لعلو قريته، وتجب على من لم يسمع؛ لانخفاض قريته.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: تجب الجمعة على من سمع لعلوه، ولا تجب
стр. 985
على من لم يسمع لانخفاض قريته؛ لأنا نلحق النادر بالغالب العام.
قال ابن الصباغ: والذي قاله القاضي أبو الطيب أشبه بكلام الشافعي؛ لأنه اعتبر أن يكون المؤذن صيتًا، والأصوات هادئة، والرياح ساكنة، فلم يعتبر حصول السماع مع عارض، وهو شدة الرياح، كذا ينبغي ألا يعتبر العلو والانخفاض، وإنما يعتبر الاستواء.
[مسألة اتفاق العيد والجمعة]
وإن اتفق العيد يوم الجمعة ... وجبت الجمعة على أهل المصر، ولا تسقط عنهم بفعل العيد، وبه قال أكثر الفقهاء.
وقال عطاء: يصلي العيد، ويترك الجمعة، ولا صلاة في هذا اليوم إلى العصر.
وقال أحمد: (يسقط عنه حضور الجمعة) .
وحكي عن عبد الله بن الزبير: أنه صلى العيد، وترك الجمعة، فعابه بعض بني أمية، فقال ابن الزبير: (هكذا كان يصنع عمر بن الخطاب ﵁) ، فبلغ ابن عباس فعل ابن الزبير، وكان غائبًا في اليمن، فقال: (أصاب السنة) .
وروي: أن عليًا ﵁ خطب في العيد، فقال: (أيها الناس، قد اجتمع
следующие страницы →