Полный текст (886 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الْفَرِيضَةِ عَلَى مَنْعٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، الثَّالِثُ: أَنَّا لَوْ أَخَذْنَا بِحُكْمِ الْفَرِيضَةِ الشَّامِلِ لِمَا ذُكِرَ لَمْ نُعْطِ بِنْتَ الْعَمِّ شَيْئًا الْبَتَّةَ، وَإِنْ فُقِدَ ابْنُ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرَائِضِ أَنَّهَا لَا مِيرَاثَ لَهَا الْبَتَّةَ، وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ هُنَا فَتَعَيَّنَ تَخْصِيصُهُ بِمَا ذَكَرْنَا.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَسَمَّاهُمْ، وَقَالَ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَأَنَّ الذُّكُورَ خَاصَّةً تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى وَلَدٌ، وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ، وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، رَجَعَ نَصِيبُهُ إِلَى إِخْوَتِهِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ مُضَافًا لِمَا بِأَيْدِيهِمْ، وَتُوُفِّيَ الْوَاقِفُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْلَادٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ عَنْ ثَلَاثَةِ ذُكُورٍ فَأَخَذُوا نَصِيبَهُ، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي عَنْ وَلَدٍ ذَكَرٍ فَأَخَذَ نَصِيبَهُ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَنْ وَلَدَيْنِ صَغِيرَيْنِ، وَوَلَدَيْ وَلَدٍ فَأَخَذَ وَلَدَاهُ نَصِيبَهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدَانِ الصَّغِيرَانِ عَنْ وَلَدَيْ أَخِيهِمَا وَعَنْ عَمِّهِمَا فَهَلْ يَرْجِعُ نَصِيبُهُمَا إِلَى ابْنَيْ أَخِيهِمَا عَمَلًا بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَلِحِرْصِ الْوَاقِفِ عَلَى وُصُولِ نَصِيبِ كُلِّ أَصْلٍ إِلَى فَرْعِهِ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ وَلَدٌ، وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَلِزَوَالِ مَنْ حَجَبَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ جَدِّهِمَا أَوْ إِلَى عَمِّهِمَا؟ .
الْجَوَابُ: يَرْجِعُ إِلَى الْعَمِّ دُونَ وَلَدَيِ الْأَخِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، وَمَا ذُكِرَ مِنَ التَّعَالِيلِ الثَّلَاثَةِ فَاسِدٌ؛ أَمَّا قَوْلُهُ: عَمَلًا بِوَاوِ الْعَطْفِ فَإِنَّهَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التَّشْرِيكُ مُطْلَقًا بَلْ تُفِيدُ حَجْبَ الْعُلْيَا السُّفْلَى وَإِلَّا لَاسْتَحَقَّ وَلَدُ الْأَخِ مَعَ وُجُودِ عَمَّيْهِمَا وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَحْرِصُ الْوَاقِفُ إِلَى آخِرِهِ، فَقَدْ قَالَ السبكي فِي فَتَاوِيهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَقْفِيَّةٍ ذَكَرَ فِيهَا شِبْهَ ذَلِكَ: الْمَقَاصِدُ إِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ لَا تُعْتَبَرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلِزَوَالِ مَنْ حَجَبَهُمَا إِلَى آخِرِهِ، فَذَاكَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءً عِنْدَ مَوْتِ الْأَصْلِ الَّذِي هَذَانِ فَرْعَاهُ، وَأَمَّا زَوَالُهُ فِي الْأَثْنَاءِ بَعْدَ انْتِقَالِ الْوَقْفِ إِلَى جِهَةٍ لَيْسَ هَذَانِ فَرْعَيْهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ بَلْ هَذَا مَوْتٌ جَدِيدٌ لِجِهَةٍ غَيْرِ الْأُولَى يُنْظَرُ نَظَرًا آخَرَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ هَذَانِ الْوَلَدَانِ عَنْ نَسْلٍ لَاسْتَحَقَّ نَسْلُهُمَا مَا كَانَ بِيَدِهِمَا وَلَمْ يَعُدْ إِلَى وَلَدِ الْأَخِ شَيْءٌ، فَعُرِفَ أَنَّ زَوَالَ الْحَاجِبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ وَإِلَّا لَاسْتَحَقَّا مَعَ وُجُودِ النَّسْلِ وَكَانَا يَقُولَانِ قَدْ زَالَ الْحَاجِبُ لَنَا، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ هَذَا مُسْتَحِقٌّ مَاتَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ، وَشَرْطُ الْوَاقِفِ حِينَئِذٍ الْعَوْدُ إِلَى الْإِخْوَةِ الْمُشَارِكِينَ وَلَا إِخْوَةَ مُشَارِكُونَ فَانْتَقَلْنَا إِلَى أَعْلَى طَبَقَةٍ وَهُوَ الْعَمُّ عَمَلًا بِتَقْدِيمِ الْعُلْيَا عَلَى السُّفْلَى، وَأَكَّدَ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَاقِفِ: الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ مُضَافًا لِمَا بِأَيْدِيهِمْ، وَالْعَمُّ
стр. 177
مُشَارِكٌ بِيَدِهِ حِصَّةٌ، وَوَلَدَا الْأَخِ لَا شَيْءَ بِأَيْدِيهِمَا فَلَا مُشَارَكَةَ لَهُمَا، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُؤَكَّدُ عِلَاوَةٌ وَلَيْسَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهَا بَلِ الْمُعَوَّلُ عَلَى مَا صَدَّرْنَا بِهِ.
مَسْأَلَةٌ: أَرْضٌ مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ بِيَدِ جَمَاعَةٍ بَكْرِيَّةٍ يَسْتَغِلُّونَهَا، فَسَأَلَهُمُ السُّلْطَانُ عَنْ مُسْتَنَدِهِمْ فَأَظْهَرُوا مُحْضَرًا ثَابِتًا عَلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ أَنَّهَا وَقْفُ السُّلْطَانِ صلاح الدين بن أيوب عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مُسْتَنَدُهُمُ السَّمَاعُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَحَكَمَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بَعْضَ أَرَاضِي مِصْرَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجِهَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ وَهَلْ لِلْمُخَالِفِ الَّذِي يَرَى أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّ أَرَاضِيَهَا لَا تُمَلَّكُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِبْطَالِ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بَعْضَ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ شِرَاءٍ عَلَى مِثْلِ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَصَرَّحَ بِصِحَّتِهِ القاضي حسين، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ، وأسعد الميهني والشاشي، وَابْنُ الصَّلَاحِ، والنووي، وَقَالَ ابن الرفعة فِي الْمَطْلَبِ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَصَرَّحَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَ تَغْيِيرِهِ، وَأَمَّا السبكي فَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْوَقْفُ، لَكِنْ مَا وَجَدْنَاهُ مَوْقُوفًا لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُغَيِّرَهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ التَّغْيِيرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ حَكَى ابن الصلاح فِي مَجَامِيعِهِ صُورَةَ اسْتِفْتَاءٍ فِي أَرَاضِي وَقَفَهَا الْخَلِيفَةُ أَوِ السُّلْطَانُ نَائِبُ الْخَلِيفَةِ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ عَقِبِهِ هَلْ يَصِحُّ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْوُلَاةِ تَغْيِيرُهُ وَصَرْفُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى؟ فَأَجَابَ عُلَمَاءُ ذَلِكَ الْعَصْرِ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ اعْتِرَاضَهُ وَلَا تَغْيِيرَهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَفْتَى فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ، وَهُوَ كَانَ عَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَنِ السُّلْطَانَيْنِ الْعَادِلَيْنِ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ، وَصَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ وَكَانَ مُفْتِيهِمَا وَقَاضِيهِمَا، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُمَا مَا وَقَفَا الَّذِي وَقَفَاهُ إِلَّا بِإِفْتَائِهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ وَقْفَ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى الْمَذْكُورِينَ صَحِيحٌ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهُ وَلَا نَقْلُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، وَثُبُوتُ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ الْمُسْتَنِدَةِ إِلَى الِاسْتِفَاضَةِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ صَحِيحٌ، أَمَّا فِي الْوَقْفِ فَأَصْلًا، وَأَمَّا فِي الْمُسْتَحِقِّينَ فَضِمْنًا كَمَا قَالَهُ ابن الصلاح، وابن الفركاح، وَلَيْسَ لِلْمُخَالِفِ الَّذِي يَرَى أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ بِنَقْضٍ وَلَا إِبْطَالٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فِي الْأَصْلِ حَاكِمٌ
стр. 178
شَافِعِيٌّ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَمَعْنَاهُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ الْوَقْفِ بِمَا ذُكِرَ، وَمَا ثَبَتَ وَقْفُهُ قَدِيمًا لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُهُ مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرَائِطِ، وَالثَّانِي: حُكْمُ الشَّافِعِيِّ الْمُتَأَخِّرُ، وَأَمْرٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَكَرَ أَنَّ أَمْرَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَفِعْلَهُ يَرْفَعَانِ الْخِلَافَ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وَنَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ صَلَاحَ الدِّينِ مَا وَقَفَ الَّذِي وَقَفَهُ حَتَّى أَفْتَاهُ بِذَلِكَ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَوْلَا إِرَادَةُ الِاخْتِصَارِ لَسُقْتُ عِبَارَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا ثَبَتَ وَقْفِيَةُ عَيْنٍ وَلَمْ يُعْلَمْ مَآلُ الْوَقْفِ، وَقُلْنَا إِنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ هَلْ يَخْتَصُّ بِهِ الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ أَمْ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ؟ .
الْجَوَابُ: يَخْتَصُّ بِهِ الْفُقَرَاءُ مِنْ أَقَارِبِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ صُرِفَ إِلَيْهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ مُصْحَفًا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ حِزْبًا وَيَدْعُو لَهُ وَجَعَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنْ عَقَارٍ وَقَفَهُ لِذَلِكَ، فَأَقَامَ الْقَارِئُ مُدَّةً يَتَنَاوَلُ الْمَعْلُومَ وَلَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَةَ فَمَا طَرِيقُهُ؟ .
الْجَوَابُ: طَرِيقُهُ أَنْ يَحْسِبَ الْأَيَّامَ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا وَيَقْرَأُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ حِزْبًا، وَيَدْعُو عَقِبَ كُلِّ حِزْبٍ لِلْوَاقِفِ حَتَّى يُوَفِّيَ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَاقِفٌ وَقَفَ مَدْرَسَةً وَقَرَّرَ بِهَا شَيْخًا وَصُوفِيَّةً فَهَلْ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُقَرِّرَ فِي الْمَشْيَخَةِ اثْنَيْنِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّيْخِ الِاسْتِنَابَةُ إِذَا كَانَ بِهِ ضَعْفٌ فِي بَدَنِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ وَظِيفَةٌ أُخْرَى تُعَارِضُ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ؟ .
الْجَوَابُ: أَوْقَافُ السَّلَاطِينِ وَالْأُمَرَاءِ كُلُّهَا أَصْلُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ، فَيَجُوزُ لِمَنْ كَانَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ عَالِمٍ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَطَالِبِ عِلْمٍ كَذَلِكَ، وَصُوفِيٍّ عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَسِيبٍ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَأْكُلَ مِمَّا وَقَفُوهُ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمَا شَرَطُوهُ، وَيَجُوزُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ - الِاسْتِنَابَةُ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ وَتَنَاوُلُ الْمَعْلُومِ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ وَلَا اسْتَنَابَ، وَاشْتِرَاكُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي الْوَظِيفَةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَخْذُ الْوَاحِدِ عِدَّةَ وَظَائِفَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ، وَلَوْ قَرَّرَهُ النَّاظِرُ وَبَاشَرَ الْوَظِيفَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ بِجَعْلِ أَحَدٍ، وَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الَّذِي وَقَفَهُ فَهُوَ تَوَهُّمٌ
стр. 179
فَاسِدٌ لَا يُفِيدُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا الْأَوْقَافُ الَّتِي مَلَكَهَا وَاقِفُوهَا فَلَهَا حُكْمٌ آخَرُ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا عَجَزَ الْوَقْفُ عَنْ تَوْفِيَةِ جَمِيعِ الْمُسْتَحِقِّينَ فَهَلْ تُقَدَّمُ مِنْهُ الشَّعَائِرُ وَالشَّيْخُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: يُنْظَرُ فِي هَذَا الْوَقْفِ فَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَدَارِسِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَخَوَانِقِهَا رُوعِيَ فِي ذَلِكَ صِفَةُ الْأَحَقِّيَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ قُدِّمُ الْأَوَّلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْعُلَمَاءِ، وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْهُ قُدِّمَ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ وَالْأَفْقَرُ فَالْأَفْقَرُ، فَإِنِ اسْتَوَوْا كُلُّهُمْ فِي الْحَاجَةِ قُدِّمَ الْآكَدُ فَالْآكَدُ فَيُقَدَّمُ الْمُدَرِّسُ أَوَّلًا ثُمَّ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ الْإِمَامُ، ثُمَّ الْقَيِّمُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لَيْسَ مَأْخَذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ اتُّبِعْ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ تَقْدِيمَ أَحَدٍ لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدٌ بَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْوَقْفِ بِالسَّوِيَّةِ الشَّعَائِرُ وَغَيْرُهُمْ.
مَسْأَلَةٌ: الْمَدَارِسُ الْمَبْنِيَّةُ الْآنَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُعْلَمُ لِلْوَاقِفِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا مَسْجِدٌ لِفَقْدِ كِتَابِ الْوَقْفِ وَلَا يُقَامُ بِهَا جُمُعَةٌ هَلْ تُعْطَى حُكْمَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الْمَدَارِسُ الْمَشْهُورَةُ الْآنَ حَالُهَا مَعْلُومٌ فَمِنْهَا مَا عُلِمَ نَصُّ الْوَاقِفِ أَنَّهَا مَسْجِدٌ كَالشَّيْخُونِيَّةِ فِي الْإِيوَانَيْنِ خَاصَّةً دُونَ الصَّحْنِ، وَمِنْهَا مَا عُلِمَ نَصُّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَسْجِدٍ كَالْكَامِلِيَّةِ وَالْبِيبَرْسِيَّةِ، فَإِنَّ فَرْضَ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ ذَلِكَ وَلَوْ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهَا مَسْجِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالُوا: إِنَّ الْمَسْجِدَ الْمَوْقُوفَ عَلَى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَهُ أَوْ يُصَلِّيَ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ فَهَلِ الْمَدَارِسُ وَالرُّبَطُ كَذَلِكَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمُ الْإِذْنُ فِي الِانْتِفَاعِ مُطْلَقًا بِالنَّوْمِ وَالْجُلُوسِ وَالْأَكْلِ وَاجْتِمَاعِ الْخُصُومِ وَالْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَإِقْرَاءِ الصِّبْيَانِ أَوْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا كَانَ عَلَى وَفْقِ شَرْطِ الْوَاقِفِ؟ .
الْجَوَابُ: الْمَسْجِدُ الْمَوْقُوفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ هَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ دُخُولُهُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَالِاعْتِكَافُ بِإِذْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ؟ نَقَلَ الأسنوي فِي الْأَلْغَازِ أَنَّ كَلَامَ القفال فِي فَتَاوِيهِ يُوهِمُ الْمَنْعَ ثُمَّ قَالَ الأسنوي: مِنْ عِنْدِهِ وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ، وَأَقُولُ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنَةٍ كَزَيْدٍ، وَعَمْرٍو، وَبَكْرٍ مَثَلًا أَوْ ذُرِّيَّتِهِ أَوْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ
стр. 180
جَازَ الدُّخُولُ بِإِذْنِهِمْ، وَإِنَّ كَانَ عَلَى أَجْنَاسٍ مُعَيَّنَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالصُّوفِيَّةِ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ هَذَا الْجِنْسِ الدُّخُولُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُمُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِمَنْعِ دُخُولِ غَيْرِهِمْ لَمْ يَطْرُقْهُ خِلَافٌ الْبَتَّةَ، وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّخُولِ بِالْإِذْنِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَدْرَسَةِ، وَالرِّبَاطِ كَانَ لَهُمُ الِانْتِفَاعُ عَلَى نَحْوِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لِلْمُعَيَّنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ وَهُمْ مُقَيَّدُونَ بِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ.
مَسْأَلَةٌ: جَامِعٌ لَهُ نَاظِرٌ فَاتَّفَقَ مَوْتُ إِمَامِهِ، وَالنَّاظِرُ مُسَافِرٌ، فَقَرَّرَ السُّلْطَانُ إِمَامًا فَهَلْ لِلنَّاظِرِ إِذَا حَضَرَ عَزْلُهُ وَتَقْرِيرُ خِلَافِهِ؟ .
الْجَوَابُ: إِذَا وَلَّى السُّلْطَانُ إِمَامًا بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَالْوَظِيفَةُ شَاغِرَةٌ، وَالنَّاظِرُ مُسَافِرٌ، فَهِيَ وِلَايَةٌ صَحِيحَةٌ يُلْزَمُ النَّاظِرُ إِبْقَاءَهَا وَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ وَتَقْرِيرُ خِلَافِهِ.
[الْإِنْصَافُ فِي تَمْيِيزِ الْأَوْقَافِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: أَمِيرٌ وَقَفَ خَانِقَاهْ وَرَتَّبَ بِهَا شَيْخًا، وَصُوفِيَّةً، وَجَعَلَ لَهُمْ دَرَاهِمَ، وَزَيْتًا، وَصَابُونًا، وَخُبْزًا وَلَحْمًا، فَضَاقَ الْوَقْفُ فَهَلْ يُقَدَّمُ الشَّيْخُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ أَوْ يُصْرَفُ بَيْنَهُمْ بِالْمُحَاصَّةِ؟ وَهَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ وَيُتْرَكُ الْبَاقِي أَوْ يَأْخُذُونَ مِنْ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ بِالْمُحَاصَّةِ؟ وَهَلْ تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْوَظَائِفِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: أَقُولُ أَوَّلًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْأَوْقَافُ قِسْمَانِ، قِسْمٌ لَيْسَ مَأْخَذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا مَرْجِعُهُ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْوَقْفُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْدِيدِ وَالتَّحْرِيصِ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ ذَرَّةٍ مِنْهُ إِلَّا مَعَ اسْتِيفَاءِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّهُ مَالُ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَقِسْمٌ مَأْخَذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِأَنْ يَكُونَ وَاقِفُهُ خَلِيفَةً أَوْ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ السَّابِقَةِ كَصَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ وَأَقَارِبِهِ، أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ كَأَوْقَافِ أُمَرَاءِ الدَّوْلَةِ الْقَلَاوُونِيَّةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ وَاقِفِيهِ أَرِقَّاءُ بَيْتِ الْمَالِ وَفِي ثُبُوتِ عِتْقِهِمْ نَظَرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ تاج الدين بن السبكي فِي وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ بَعْدَ السَّبْعِمِائَةِ وَهِيَ: عَبْدٌ انْتَهَى الْمِلْكُ فِيهِ لِبَيْتِ الْمَالِ فَأَرَادَ شِرَاءَ نَفْسِهِ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ فَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدُ عَتَاقَةٍ، وَعَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَجُوزُ
стр. 181
عِتْقُهُ، وَأَفْتَى آخَرُونَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بِعِوَضٍ لَا مَجَّانًا فَلَمْ يَضِعْ مِنْهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، وَاخْتَارَ ابن السبكي هَذَا الثَّانِيَ أَوْرَدَهُ فِي التَّرْشِيحِ، فَإِذَا اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْعِتْقِ بِعِوَضٍ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنُصَّ مُتَقَدِّمُو الْأَصْحَابِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعُمَّ بِهَا الْبَلْوَى فِي زَمَنِهِمْ، وَإِنَّمَا كَثُرَ ذَلِكَ بَعْدَ السِّتِّمِائَةِ، وَقَدْ قَامَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام - لَمَّا حَدَثَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ - الْقَوْمَةَ الْكُبْرَى فِي بَيْعِ الْأُمَرَاءِ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدُ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي عِتْقُهُمْ، وَرَوَى الْحَافِظُ أبو القاسم ابن عساكر بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ دَخَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَوْلَادِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي حَقِّي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ لَهُ عمر: مَا أَحْوَجَكَ إِلَى أَنْ أَبِيعَكَ وَأَصْرِفَ ثَمَنَكَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَبَاكَ وَهُوَ خَلِيفَةٌ أَخَذَ أُمَّكَ مِنْ رَقِيقِ بَيْتِ الْمَالِ وَاسْتَوْلَدَهَا إِيَّاكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ زَانٍ، وَأَنْتَ عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي طَبَقَاتِ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَرْجَمَةِ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَمَالِيكِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ فَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ وَبَرَعَ وَصَارَ إِمَامًا قَائِمًا بِالتَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الناصر بِعِتْقِهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَائِمٌ بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ فَرَدَّ إِلَيْهِ الْعَتَاقَةَ وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَصِحُّ عِتْقِي.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَسِيرِ أَنَّ الْإِمَامَ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْمَنِّ وَالِاسْتِرْقَاقِ، قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ بِالْقَتْلِ، فَبِالْمَنِّ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ هَذَا الَّذِي اشْتُرِيَ بِثَمَنٍ مِنْهُ، وَأَيْضًا فَقَدْ نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ فِي الْأَسِيرِ بِالتَّشَهِّي بَلْ يَنْظُرُ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ فَيَفْعَلُهُ، وَثُبُوتُ الْمَصْلَحَةِ فِي عِتْقِ هَذَا الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ مَمَالِيكِ بَيْتِ الْمَالِ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَإِنْ وُجِدَتْ فِي وَاحِدٍ أَوْ عَشَرَةٍ أَوْ مِائَةٍ لَا تُوجَدُ فِي أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ، وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ فِي عِتْقِهِمْ، وَجَمِيعُ مَا يُرَادُ مِنْهُمْ يُمْكِنُهُمْ فِعْلُهُ مَعَ الرِّقِّ، إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ مَرْجِعَ مَا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، فَهَذَا الْقِسْمُ مِنَ الْأَوْقَافِ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالتَّرْخِيصِ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ مِنَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَضْعَافَ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْهُمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّ الشَّيْخَ ولي الدين العراقي لَمَّا حَكَى قَوْلَ السبكي فِي إِعْطَاءِ وَظِيفَةِ الْعَالِمِ وَالْفَقِيهِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَوْقَافِ الْخَاصَّةِ وَالَّتِي مَأْخَذُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَظُنُّ الْأَذْرَعِيَّ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ كَلَامِ البلقيني التَّصْرِيحُ بِأَنَّ طَلَبَةَ الْعِلْمِ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَافِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ عُقِدَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَيَّامِ الظَّاهِرِ
стр. 182
بُرْقُوقٍ، وَمِنْهَا أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ فَتَاوَى النووي، وَابْنِ الصَّلَاحِ وَجَدْتَهُمَا يُشَدِّدَانِ فِي الْأَوْقَافِ غَايَةَ التَّشْدِيدِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ فَتَاوَى السبكي، والبلقيني، وَسَائِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجَدْتَهُمْ يُرَخِّصُونَ وَيُسَهِّلُونَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِمُخَالَفَةٍ للنووي، بَلْ كُلٌّ تَكَلَّمَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ فِي زَمَنِهِ، فَإِنَّ غَالِبَ الْأَوْقَافِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِ النووي، وَابْنِ الصَّلَاحِ كَانَتْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ أَوْقَافُ الْأَتْرَاكِ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ السَّابِعِ وَكَثُرَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ وَهُوَ عَصْرُ السبكي وَمَنْ بَعْدَهُ، وَقُطِعَتِ الْأَرْزَاقُ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي عَلَى الْفُقَهَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى الْخَلِيفَةِ المستعصم كُلَّ عَامٍ فَرَأَى الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَافَ أَرُصِدَتْ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عِوَضًا عَمَّا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنْهُ كُلَّ عَامٍ، فَرَخَّصُوا فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ يُكَلَّفُونَهُ بَلْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعِلْمِ، خَاصَّةً فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ جَازَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ الْأَخْذُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الْقِيَامِ بِالْعِلْمِ اشْتِغَالًا وَإِشْغَالًا حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ مِنْهَا، وَإِنْ بَاشَرَ الْعَمَلَ.
وَقَدْ قَالَ الدميري فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: سَأَلْتُ شَيْخَنَا - يَعْنِي الأسنوي - مَرَّتَيْنِ عَنْ غَيْبَةِ الطَّالِبِ عَنِ الدَّرْسِ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ أَوْ يُعْطَى بِقِسْطِ مَا حَضَرَ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الطَّالِبُ فِي حَالِ انْقِطَاعِهِ يَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ اسْتَحَقَّ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَكُنْ بِصَدَدِ الِاشْتِغَالِ لَمْ يَسْتَحِقَّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْعُهُ بِالْعِلْمِ لَا مُجَرَّدُ حُضُورِهِ، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِرْصَادِ، وَقَالَ الزركشي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجَامَكِيَّةَ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالطَّلَبِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إِذَا أَخَلَّ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ أَوِ الْأَيَّامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْإِرْصَادِ وَالْإِرْزَاقِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةُ، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ وَيَجُوزُ إِرْزَاقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الزركشي صَحِيحٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْقَافِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي كَمَا كَانَ الْأَكْثَرُ فِي زَمَانِهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ مِنَ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَ الْغَيْبَةِ قُلْنَا بِهِ مَعَ الِاسْتِنَابَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَلَا نَقُولُ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْأَوْقَافِ الَّتِي مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ فَتْوَى النَّوَوِيِّ بِالْمَنْعِ، وَنَقُولُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بِجَوَازِ النُّزُولِ وَإِعْطَاءِ الْوَظِيفَةِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَلَا نَقُولُ بِذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَسْأَلَةُ تَقْدِيمِ الشَّيْخِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا يُقَدَّمُ فِيهِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِنَصٍّ مِنَ الْوَاقِفِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِاتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ، وَبَقِيَّةُ الْمُنْزَلِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ قُدِّمَ الشَّيْخُ
стр. 183
إِذَا ضَاقَ الْوَقْفُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ بِصِفَةِ الْعِلْمِ وَالشَّيْخُ أَحْوَجُ مِنْهُمْ قُدِّمَ كَمَا يُقَدَّمُ إِذَا ضَاقَ بَيْتُ الْمَالِ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ، وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ وَالْحَاجَةِ صُرِفَ بَيْنَهُمْ بِالْمُحَاصَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَسْأَلَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمُقَرَّرَةِ، فَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا يُقْتَصَرُ بَلْ يُصْرَفُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِالْمُحَاصَّةِ؛ مُرَاعَاةً لِغَرَضِ الْوَاقِفِ، وَفِي الثَّانِي يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عِنْدَ الضِّيقِ، وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّقْدِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَبِهِ تَحْصُلُ سَائِرُ الْأَصْنَافِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[كَشْفُ الضَّبَابَةِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِنَابَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَقَعَ السُّؤَالُ كَثِيرًا عَنِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْوَظَائِفِ، فَقَدْ عَمَّتِ الْبَلْوَى بِهَا وَتَمَسَّكَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ فِي عَدَمِ جَوَازِهَا بِمَا نُقِلَ عَنِ النووي، وابن عبد السلام أَنَّهُمَا أَفْتَيَا بِعَدَمِ جَوَازِهَا، وَتَمَسَّكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي جَوَازِهَا بِمَا نَقَلَهُ الدميري فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَنِ السبكي وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِجَوَازِهَا، وَقَدْ أَفْتَيْتُ بِذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَسُئِلْتُ الْآنَ عَنْ تَحْرِيرِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ فَوَضَعْتُ لَهُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةَ.
وَنَبْدَأُ بِنَقْلِ كَلَامِ السبكي وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، قَالَ السبكي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ - يَقَعُ كَثِيرًا فِي هَذَا الزَّمَانِ إِمَامُ مَسْجِدٍ يَسْتَنِيبُ فِيهِ - أَفْتَى ابن عبد السلام، وَالْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَعْلُومَ الْإِمَامَةِ لَا الْمُسْتَنِيبُ لِعَدَمِ مُبَاشَرَتِهِ وَلَا النَّائِبُ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ، قَالَ: وَاسْتَنْبَطْتُ أَنَا مِنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمَجْعُولَ إِذَا اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ وَحَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ الْعَمَلُ عَلَى قَصْدِ الْإِعَانَةِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُشَارِكًا؛ إِذِ الْمَجْعُولُ لَهُ يَسْتَحِقُّ كَمَالَ الْجُعْلِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَنَّ الْمُسْتَنِيبَ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ مُعَيَّنٌ لَهُ، لَكِنِّي أَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ مِثْلَ الْمُسْتَنِيبِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْجَعَالَةِ رَدُّ الْعَبْدِ مَثَلًا وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْإِمَامَةِ الْعِلْمُ وَالدِّينُ وَصِفَاتٌ أُخَرُ، فَإِذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي بِصِفَةٍ وَنَائِبُهُ مِثْلُهُ فَقَدْ حَصَلَ الْغَرَضُ الَّذِي قَصَدَهُ مَنْ وَلَّاهُ، فَكَانَ كَالصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْجَعَالَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِصِفَتِهِ لَمْ يَحْصُلِ الْغَرَضُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِنْ كَانَتِ التَّوْلِيَةُ شَرْطًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا اسْتَحَقَّ الْمُبَاشِرُ لِاتِّصَافِهِ بِالْإِمَامَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِي الْإِمَامَةِ يُشْبِهُ التَّوْكِيلَ فِي
стр. 184
الْمُبَاحَاتِ، وَفِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ كُلُّ وَظِيفَةٍ تَقْبَلُ الِاسْتِنَابَةَ كَالتَّدْرِيسِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ، أَمَّا فِيمَا يَعْجِزُ عَنْهُ فَلَا إِشْكَالَ فِي الِاسْتِنَابَةِ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ السبكي، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ كمال الدين الدميري فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَأَقَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ الشَّيْخُ فخر الدين بن عساكر مُدَرِّسًا بِالْعَذْرَاوِيَّةِ، وَالتَّقَوِيَّةِ، وَالْجَارُوخِيَّةِ - وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ بِدِمَشْقَ - وَالْمَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيَّةِ بِالْقُدْسِ يُقِيمُ بِهَذِهِ أَشْهُرًا وَبِهَذِهِ أَشْهُرًا فِي السَّنَةِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ وَوَرَعِهِ قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ رَجُلٍ وَلِيَ تَدْرِيسَ مَدْرَسَتَيْنِ فِي بَلْدَتَيْنِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ كَحَلَبَ وَدِمَشْقَ، فَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَاسْتُنِيبَ مِنْهُمْ قَاضِي الْقُضَاةِ بهاء الدين أبو البقاء السبكي، وَالشَّيْخُ شهاب الدين أحمد بن عبد الله البعلبكي، وشمس الدين الغزي، وَالشَّيْخُ عماد الدين الحسباني كُلُّهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ آخَرُونَ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَحَمَلَةُ الشَّرْعِ مِنْ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ الِاسْتِنَابَةَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَصْلُحُ عَلَى انْفِرَادِهِ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْوَظَائِفِ، وَهِيَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَقِسْمٌ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ الْعُذْرِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَفِيهِ فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، قَالَ النووي: وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصِحُّ وُضُوؤُهُ إِذَا وَضَّأَهُ غَيْرُهُ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ، وَكَذَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَفِي إِحْضَارِهِ لِلطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِيهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُرُوعٍ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ التَّيَمُّمَ أَنْ يَسْتَنِيبَ رَجُلًا يَطْلُبُ عَنْهُ الْمَاءَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَمْ لَا، قَالَ النووي: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ إِلَّا لِمَعْذُورٍ، قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، الْخَامِسُ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يُيَمِّمُهُ وَيَمْسَحُ أَعْضَاءَهُ بِالتُّرَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِيهِ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِلَا عُذْرٍ، قَالَ النووي: وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. السَّادِسُ: كَانَ الْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ كَالْإِمَامَةِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِهَذَا قَالَ عمر ﵁: لَوْ أُطِيقُ الْأَذَانَ مَعَ الْخِلَافَةِ لَأَذَّنْتُ فَتَفْوِيضُهُ إِلَى غَيْرِهِ اسْتِنَابَةٌ.
السَّابِعُ: الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَلِهَذَا اسْتَمَرَّ الْخُلَفَاءُ دَهْرًا هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الْجَمَاعَةَ، فَتَفْوِيضُ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ اسْتِنَابَةٌ،
стр. 185
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا طَعَنَهُ أبو لؤلؤة وَعَهِدَ إِلَى أَهْلِ الشُّورَى أَوْصَى بِأَنْ يُصَلِّيَ صهيب بِالنَّاسِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى خَلِيفَةٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عمر وَحَضَرُوا لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَرَادَ عثمان أَنْ يَتَقَدَّمَ وَذَلِكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ الْآنَ إِنَّمَا هُوَ لصهيب الَّذِي أَوْصَى لَهُ.
الثَّامِنُ: مِنْ وَظَائِفِ إِمَامِ الصَّلَوَاتِ أَنْ يَأْمُرَ الْمَأْمُومِينَ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ، فَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا اسْتَنَابَ رَجُلًا يَأْمُرُهُمْ بِتَسْوِيَتِهَا.
التَّاسِعُ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ زَالَتِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَ الشَّفَقُ؛ لِأَجْلِ الصَّلَوَاتِ وَالصَّوْمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، الْعَاشِرُ: إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ وَالْخُطْبَةِ مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَيْضًا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَتَفْوِيضُهُ لِلْغَيْرِ اسْتِنَابَةٌ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الصَّلَاةِ لِحَدَثٍ أَوْ رُعَافٍ رَجُلًا يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِالْمُقْتَدِينَ اسْتِنَابَةٌ. الثَّانِي عَشَرَ: إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ الْعِيدَ فِي الصَّحْرَاءِ بِالنَّاسِ اسْتَنَابَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ فِي الْمَسْجِدِ. الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ: تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَفِي نِيَّتِهَا. الْخَامِسَ عَشَرَ، وَالسَّادِسَ عَشَرَ: تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي صَرْفِ الْكَفَّارَاتِ وَالصَّدَقَاتِ الْمَنْدُوبَةِ.
السَّابِعَ عَشَرَ، وَالثَّامِنَ عَشَرَ: تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي ذَبْحِ الْهَدْيِ وَفِي ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ. التَّاسِعَ عَشَرَ: تَجُوزُ اسْتِنَابَةُ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ فِي قَبْضِهَا لَهُمْ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ. الْعِشْرُونَ: الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ وَظِيفَةُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَإِقَامَتُهُ الْقُضَاةَ لِفَصْلِ الْأَحْكَامِ اسْتِنَابَةٌ، وَلَمْ يَسْتَنِبِ النَّبِيُّ ﷺ قَاضِيًا وَلَا أبو بكر، وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَنَابَ عمر - أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر لَمْ يَتَّخِذَا قَاضِيًا، وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَقْضَى عمر» " قَالَ: رُدَّ عَنِّي النَّاسَ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ، وَأَخْرَجَ أبو يعلى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَا اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاضِيًا وَلَا أبو بكر وَلَا عمر، حَتَّى كَانَ فِي آخِرِ زَمَانِهِ قَالَ ليزيد ابن أخت نمر: اكْفِنِي بَعْضَ الْأُمُورِ - يَعْنِي صِغَارَهَا -» .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إِلَى الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ: وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ، وَوِلَايَةُ الْمَظَالِمِ، وَوِلَايَةُ الْجَرَائِمِ، وَإِمَارَةُ الْجِهَادِ، وَإِمَارَةُ سَائِرِ الْحُرُوبِ، وَإِمَارَةُ تَسْيِيرِ الْحُجَّاجِ، وَإِمَارَةُ إِقَامَةِ الْحَجِّ، وَوِلَايَةُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، وَوِلَايَةُ الْجِزْيَةِ، وَوِلَايَةُ الْخَرَاجِ، وَوِلَايَةُ الْإِقْطَاعِ، وَوِلَايَةُ الدِّيوَانِ، وَوِلَايَةُ النَّظَرِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، كُلُّهَا وِلَايَاتٌ شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامِ وَتَفْوِيضِهِ إِيَّاهَا لِغَيْرِهِ اسْتِنَابَةٌ وَهُمْ نُوَّابٌ لَهُ، وَقَدْ عَقَدَ لَهَا الْمَاوَرْدِيُّ أَبْوَابًا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ تُنْكَرُ الِاسْتِنَابَةُ فِي عَمَلِ وَظِيفَةٍ، وَنُوَّابُ
стр. 186
الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ طَبَّقَتِ الدُّنْيَا فِي كُلِّ بَلَدٍ فِي أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ الَّتِي كُلُّهَا وَظَائِفُهُ وَمُطَوَّقَةٌ بِهِ شَرْعًا، وَمُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّتِهِ وَمُطَوَّقَةٌ بِعُنُقِهِ يُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَلًا عَمَلًا.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: لِوَلِيِّ النِّكَاحِ أَنْ يَسْتَنِيبَ رَجُلًا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ، الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَقَرَّهُ النووي: لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَصِحَّ، وَأَمَّا الْجَعَالَةُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ عَلَى مُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَمُشَاهَدَتِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الدُّعَاءِ عِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِنَفْسِ الدُّعَاءِ انْتَهَى، فَكَذَلِكَ تَدْخُلُ النِّيَابَةُ فِي وَظِيفَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالدُّعَاءِ لِلْوَاقِفِ، السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: ذَهَبَ السبكي إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الشَّخْصُ إِنْسَانًا لِلدُّعَاءِ فَيَقُولُ: اسْتَأْجَرْتُكَ بِكَذَا لِتَدْعُوَ لِي بِكَذَا فَيَذْكُرُ مَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ فَرْعًا كُلُّهَا فِي الْعِبَادَاتِ، وَمِمَّا جَازَتْ فِيهِ الِاسْتِنَابَةُ مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ طَرَفَا الْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، وَالسَّلَمُ، وَالرَّهْنُ، وَالْهِبَةُ، وَالصُّلْحُ، وَالْإِبْرَاءُ، وَالْحَوَالَةُ، وَالْإِقَالَةُ، وَالضَّمَانُ، وَالْكَفَالَةُ، وَالشَّرِكَةُ، وَالْقِرَاضُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالْجَعَالَةُ، وَالْإِيدَاعُ، وَالْإِعَارَةُ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَالْوَقْفُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْخُلْعُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالْإِعْتَاقُ، وَالْكِتَابَةُ، وَقَبْضُ الدُّيُونِ، وَإِقْبَاضُهَا، وَالْأَمْوَالُ، وَالْجِزْيَةُ، وَتَعْيِينُ الْمُخْتَارَةِ لِلنِّكَاحِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَتَمَلُّكُ الْمُبَاحَاتِ كَالْإِحْيَاءِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَالِاحْتِطَابِ، وَالِاسْتِقَاءِ، وَالدَّعْوَى، وَالْجَوَابُ، وَاسْتِيفَاءُ الْحُدُودِ، وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَانَ لِلْمُوَكَّلِ عُذْرٌ أَمْ لَا، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِنَابَةَ فِي الْإِقْرَارِ، وَالِالْتِقَاطِ، وَالظِّهَارِ، وَالتَّدْبِيرِ، فَهَذِهِ نَحْوُ مِائَةِ مَوْضِعٍ أَبَاحَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ الِاسْتِنَابَةَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَغَالِبُهَا مِمَّا انْعَقَدَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ، أَفَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُلْحَقَ الْوَظَائِفُ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْمُسَامَحَةِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا؟
وَمِنْ أَلْطَفِ الْفُرُوعِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الِاسْتِنَابَةُ مَا ذَكَرَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِيَسْرِقَ لَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَيَكُونُ مِلْكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَمِنْ أَلْطِفِهَا أَيْضًا مَا فِي فَتَاوَى ابن الصلاح أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِيَقْعُدَ مَكَانَهُ فِي الْحَبْسِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْحَبْسِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الزَّجْرُ وَالتَّعَلُّقُ بِإِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ فَفِي سَدِّ وَظِيفَةٍ أَوْلَى.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَكُونُ عِنْدَ الْعُذْرِ فَفِيهِ فُرُوعٌ، مِنْهَا جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ
стр. 187
فِي الْحَجِّ لِلْمَغْصُوبِ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ لِمَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ وَحَصَلَ لَهُ عُذْرٌ أَيَّامَ الرَّمْيِ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النووي وَوَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الِاعْتِكَافِ عَنْهُ فِي قَوْلٍ حَكَاهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ فِي وَجْهٍ حَكَاهُ.
فَصْلٌ: ذَكَرَ الْحَافِظُ عماد الدين بن كثير فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ محي الدين النووي أَنَّهُ بَاشَرَ تَدْرِيسَ الْإِقْبَالِيَّةِ نِيَابَةً عَنِ ابن خلكان، وَكَذَلِكَ الْفَلَكِيَّةُ وَالرُّكْنِيَّةُ، وَهَذَا مِنَ النووي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْرَعُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَجُوزُ.
فَصْلٌ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُفْتُونَ النَّاسَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِفْتَاءُ بِالْأَصَالَةِ إِنَّمَا هُوَ مَنْصِبُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ الْمَبْعُوثُ لِتَبْلِيغِ النَّاسِ وَتَعْلِيمِهِمْ، وَإِفْتَاءُ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ وَفَاتِهِ إِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ وَالْوِرَاثَةِ عَنْهُ، فَإِفْتَاؤُهُمْ فِي حَيَاتِهِ بِإِذْنِهِ اسْتِنَابَةٌ مِنْهُ لَهُمْ؛ لِيَقُومُوا عَنْهُ بِمَا هُوَ مَنْصِبٌ لَهُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ، وَقَدْ عَقَدَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ بَابًا فِي ذِكْرِ مَنْ كَانَ يُفْتِي بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ مَنْ كَانَ يُفْتِي النَّاسَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أبو بكر وعمر، وَأَخْرَجَ عَنِ القاسم بن محمد قَالَ: كَانَ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي يُفْتُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَخْرَجَ عَنْ أبي عبد الله بن نيار الأسلمي قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِمَّنْ يُفْتِي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَخْرَجَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفْتِي النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخْرَجَ عَنْ سهل بن أبي حثمة قَالَ: كَانَ الَّذِينَ يُفْتُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: عمر، وعثمان، وعلي، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ ثَمَانِيَةٌ كَانُوا يُفْتُونَ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ، وَقَدْ جَمَعْتُهُمْ فِي بَيْتَيْنِ فَقُلْتُ:
وَقَدْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ جَمَاعَةٌ ... يَقُومُونَ بِالْإِفْتَاءِ قَوْمَةَ قَانِتِ
فَأَرْبَعَةٌ أَهْلُ الْخِلَافَةِ مَعَهُمْ ... معاذ أبي وابن عوف ابن ثابت
فَصْلٌ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي زَوَائِدِ مُسْنَدِ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: " «لَمَّا نَزَلَتْ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ بَرَاءَةَ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ أبا بكر لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ لِي: أَدْرِكْ أبا بكر فَحَيْثُ مَا لَقِيتَهُ فَخُذِ الْكِتَابَ مِنْهُ فَاقْرَأْهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَلَحِقْتُهُ فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ مِنْهُ وَرَجَعَ أبو بكر فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: " لَا وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَنِي فَقَالَ لِي: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ
стр. 188
أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ» " وَأَخْرَجَ أحمد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَرَاءَةَ مَعَ أبي بكر ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي فَدَعَا عليا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ» " فَهَذِهِ اسْتِنَابَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَبْلِيغِ مَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، ثُمَّ لَمَّا أُمِرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ رَجُلًا مِنْ قَبِيلَةٍ مَخْصُوصَةٍ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِ أَوَّلًا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ مُطْلَقًا إِذَا سَكَتَ الْوَاقِفُ عَنْ شَرْطٍ، وَيُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِ ثَانِيًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا خَصَّصَ الْوَاقِفُ تَخْصِيصًا يُتَّبَعُ شَرْطُهُ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بكر وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ عليا فَانْطَلَقَا فَحَجَّا فَقَامَ علي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى: ذِمَّةُ اللَّهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي فَإِذَا أَعْيَا قَامَ أبو بكر فَنَادَى بِهَا، فَهَذِهِ نِيَابَةٌ مِنْ أبي بكر عَنْ علي فَإِنَّهُ قُصِدَ بِالْبَعْثِ علي» ".
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " بَعَثَنِي أبو بكر فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ "، فَهَذِهِ نِيَابَةٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَالْمَقْصُودُ بِالتَّبْلِيغِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ علي.
فَصْلٌ: هَذَا كُلُّهُ فِي وَقْفٍ سَكَتَ وَاقِفُهُ عَنْ ذِكْرِ الِاسْتِنَابَةِ إِبَاحَةً وَمَنْعًا، وَكَانَ الْوَاقِفُ حُرًّا مَالِكًا لِمَا وَقَفَهُ إِمَّا وَقْفٌ صَرَّحَ وَاقِفُهُ بِتَجْوِيزِ الِاسْتِنَابَةِ أَوْ بِمَنْعِهَا فَإِنَّهُ يُتَّبَعُ شَرْطُهُ لَا مَحَالَةَ، وَإِمَّا وَقْفٌ لَمْ يَمْلِكْهُ وَاقِفُهُ وَذَلِكَ كَالَّذِي وَقَفَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَوِ السُّلْطَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَرْصَادِ لَا حُكْمُ الْأَوْقَافِ الَّتِي مَلَكَهَا وَاقِفُوهَا، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ أُرْصِدَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا قَرَّرَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَلَوْ بَاشَرَ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ الزركشي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجَامَكِيَّةَ عَنِ الْإِمَامَةِ وَالطَّلَبِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إِذَا أَخَلَّ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ أَوِ الْأَيَّامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَرْصَادِ وَالْأَرْزَاقِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْمُسَامَحَةِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ وَيَجُوزُ إِرْزَاقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الدميري فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ: سَأَلْتُ شَيْخَنَا - يَعْنِي الأسنوي -
стр. 189
مَرَّتَيْنِ عَنْ غَيْبَةِ الطَّالِبِ عَنِ الدَّرْسِ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ أَوْ يُعْطَى بِقِسْطِ مَا حَضَرَ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الطَّالِبُ فِي حَالِ انْقِطَاعِهِ يَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ اسْتَحَقَّ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَكُنْ بِصَدَدِ الِاشْتِغَالِ لَمْ يَسْتَحِقَّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْعُهُ بِالْعِلْمِ لَا مُجَرَّدُ حُضُورِهِ، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَرْصَادِ انْتَهَى.
وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ مَا يُشْتَرَى مِنْ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ بِالْحِيلَةِ مِنْ غَيْرِ بَذْلِ ثَمَنٍ مُعْتَبَرٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا وَقَفَهُ السُّلْطَانُ مِنْ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَدْ أَرَادَ برقوق فِي سَنَةِ نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ إِبْطَالَ جَمِيعِ الْأَوْقَافِ وَرَدَّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، وَعَقَدَ لِذَلِكَ مَجْلِسًا حَضَرَهُ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ فَقَالَ الشَّيْخُ سراج الدين البلقيني: أَمَّا مَا وُقِفَ عَلَى خديجة وعويشة فَنَعَمْ، وَأَمَّا مَا وُقِفَ عَلَى الْمَدَارِسِ وَالْعُلَمَاءِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَافِ بِسَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ مَا اشْتُرِيَ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَبُذِلَ فِيهِ الثَّمَنُ الْمُعْتَبَرُ وَلَكِنْ كَانَ مُشْتَرِيهِ مِنَ الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ أَصْلُهُمْ عَبِيدُ بَيْتِ الْمَالِ وَأَعْتَقَهُمُ السُّلْطَانُ مَجَّانًا فَإِنَّ عِتْقَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَكُلُّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِلْكٌ لِبَيْتِ الْمَالِ فَتَجْرِي أَوْقَافُهُمْ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ.
[الْمَبَاحِثُ الزَّكِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الدِّوْرِكِيَّةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ، فَقَدْ وَرَدَ عَلَيَّ سُؤَالٌ مِنْ بِلَادِ دِوْرِكِي صُورَتُهُ: قَالَ الْوَاقِفُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ: وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ أَحَدٌ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ، مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ؟ وَفِي مَعْنَى الضَّمِيرَيْنِ الْمَجْرُورَيْنِ فِيهِ أَنَّهُمَا لِمَاذَا يَرْجِعَانِ وَبِمَاذَا يَصِحُّ مَعْنَى كِتَابِ الْوَقْفِ، وَمَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ إِنَاثِ الذُّكُورِ وَانْتِقَالِ الْوَقْفِ مِنْ نَسْلِ الْوَاقِفِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُمْ بِانْقِطَاعِ الْأَوْلَادِ الصُّلْبِيَّةِ بَعْدَ مَا تَصَرَّفُوا فِيهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمَيْنِ الْحَنَفِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، مُدَّةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً زَعْمًا مِنْهُ أَنَّ مَعْنَى كِتَابِ الْوَقْفِ هَكَذَا الْمَفْهُومَ مِنِ الْعِبَارَةِ الْوَاقِعَةِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَهِيَ - أَيِ الطَّاحُونَةُ - وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ أَيْ عَلَى
стр. 190
أَوْلَادِ الْوَاقِفِ الذُّكُورِ لِمَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَوْلَادِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْوَاقِفِ وَعَلَى أَوْلَادِهِمُ الذُّكُورِ، الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى أَوْلَادِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، نُفِيَ عَنْ إِنَاثِ الذُّكُورِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ، فَمَا بَعْدُ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ الْمَعْمُورِ بِدُورْكِي، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاقِفَ اخْتَصَّ أَوَّلًا إِلَى ذُكُورِ الْوَاقِفِ، وَخَرَجَ مِنَ الْبَيْنِ إِنَاثُ الذُّكُورِ خَائِبَاتٍ بِحُكْمِ عِبَارَةِ: دُونَ الْإِنَاثِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْوَقْفَ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنَ الْإِنَاثِ الصُّلْبِيَّةِ لِلْوَاقِفِ، وَلَوْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْإِنَاثِ الصُّلْبِيَّةِ يَسْتَحِقُّ إِلَى حِينِ الِانْقِرَاضِ وَإِلَّا لَا يَسْتَحِقُّ لَهُ أَحَدٌ غَيْرُهَا، فَمَنْ عَانَدَهُ يَأْتِي بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، هَذِهِ صُورَةُ السُّؤَالِ.
فَكَتَبْتُ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُ الْوَاقِفِ: عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، يَنْفِي أَوْلَادَ بَنَاتِ الذُّكُورِ لَا بَنَاتِ الذُّكُورِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَرَ الْوَقْفَ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، فَأَوْلَادُ بَنِيهِ يُعْطَوْنَ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا إِذَا وُجِدَ شَرْطُ الْإِنَاثِ وَهُوَ فَقْدُ الذُّكُورِ، وَأَوْلَادُ بَنَاتِ بَنِيهِ لَا يُعْطَوْنَ الْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ، فَبِنْتُ الِابْنِ تُنْسَبُ إِلَى جَدِّهَا كَابْنِ الِابْنِ، وَبِنْتُ الْبِنْتِ أَوِ ابْنُ الْبِنْتِ إِنَّمَا يُنْسَبَانِ إِلَى أَبِيهِمَا لَا إِلَى جَدِّهِمَا أَبِي أُمِّهِمَا، فَضَمِيرُ أَوْلَادِهِمْ لِلْأَوْلَادِ، وَالذُّكُورُ صِفَةٌ لِأَوْلَادِ الْمُضَافِ إِلَى الضَّمِيرِ لَا لِأَوْلَادِ الْأَوَّلِ الْمُضَافِ إِلَى أَوْلَادِهِمْ؛ إِذْ لَوْ كَانَ صِفَةً لَهُ لَزِمَ مَحْذُورٌ أَشَدُّ وَهُوَ الصَّرْفُ إِلَى الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ مِنْ نَسْلِ جَمِيعِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ الشَّامِلِ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، فَيَلْزَمُ الصَّرْفُ إِلَى ابْنِ بِنْتِ الِابْنِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُرَادِ الْمَفْهُومِ مِنْ سِيَاقِ غَرَضِ الْوَاقِفِ حَيْثُ مَنَعَ بَنَاتِ نَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ الذُّكُورِ، فَلَا يُمْكِنُ إِعْطَاءُ مَنْ أَدْلَى بِبِنْتِ ابْنٍ مَعَ وُجُودِهِمْ وَوُجُودِ بَنَاتِ نَفْسِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِعْطَاءُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ وَأَوْلَادِ بَنِيهِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَأَوْلَادِ بَنِي بَنِيهِ دُونَ أَوْلَادِ بَنَاتِ بَنِيهِ، وَعُلِمَ شَرْطُ فَقْدِ الذُّكُورِ فِي إِعْطَاءِ الْإِنَاثِ مِنْ صُلْبِهِ بِالنَّصِّ مِنْهُ وَمِنْ بَنَاتِ أَوْلَادِهِ إِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِنَّ وَإِمَّا بِعُمُومِ نَصِّهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: "أَوْلَادِهِ"، فِي الْمَوْضِعَيْنِ - وَهُمَا: فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ - قَدْ يُقَالُ لِشُمُولِهِ لَهُمْ لَفْظًا؛ لِكَوْنِ الْجُمْلَةِ جَاءَتْ عَقِبَ النَّوْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَنَا أَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ، فَهَذَا مُدْرَكٌ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ، هَذِهِ صُورَةُ الْجَوَابِ.
وَقَدْ أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَلْزَمُ خُلُوُّ نَصِّ الْوَاقِفِ عَنِ اسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَوَّلًا أَوْلَادَهُ وَأَوْلَادَ أَوْلَادِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوْلَادَهُمْ، وَأَقُولُ: هَذَا الْأَمْرُ
стр. 191
مِمَّا زَادَنَا يَقِينًا فِيمَا أَفْتَيْنَا بِهِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ بَنَاتِ أَوْلَادِهِ بِشَرْطِ فَقْدِ الذُّكُورِ، وَمِنْ أَنَّ الذُّكُورَ صِفَةٌ لِأَوْلَادِهِمْ لَا لِأَوْلَادِ الْمُضَافِ هُوَ إِلَيْهِ، وَمِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: " أَوْلَادِهِ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ شَامِلٌ بِعُمُومِ لَفْظِهِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، أَعْنِي أَوْلَادَ صُلْبِهِ وَأَوْلَادَ أَوْلَادِهِ، فَإِنْ قُلْتَ: بَيِّنْ لِي ذَلِكَ حَتَّى أَفْهَمَهُ؟ قُلْتُ: الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْوَاقِفِ أَنَّ قَوْلَهُ، وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ، لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى أَوْلَادِ صُلْبِهِ بَلْ عَامًّا فِي جَمِيعِ نَسْلِهِ الذُّكُورِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ نَسْلِهِ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَقُولُ ذَلِكَ وَكَيْفَ يَسُوغُ لَكَ هَذَا الْحَمْلُ وَهَذَا عِنْدَكَ فِي الْمِنْهَاجِ وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ فِي الْأَصَحِّ، فَهَذَا إِفْتَاءٌ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ. قُلْتُ: كَلَّا، غَيْرَ أَنَّكَ قَاصِرٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَدَارِكِ، وَالْمُدْرَكُ فِي هَذَا الْحَمْلِ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ شُرَّاحَ الْمِنْهَاجِ قَالُوا: إِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُرِدِ الْوَاقِفُ جَمِيعَهُمْ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ دَخَلَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ قَطْعًا: ذَكَرَهُ ابن خيران فِي اللَّطِيفِ، وَإِرَادَةُ الْوَاقِفِ تُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ وَقَدْ قَامَتْ هُنَا وَهِيَ مَا يُذْكَرُ بَعْدَ هَذَا.
الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِمُ الذُّكُورِ، قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَوْلَادِ جَمِيعَ نَسْلِهِ لَا أَوْلَادَ صُلْبِهِ فَقَطْ، وَنَصَّ عَلَى هَذَا الْفَرْعِ بِخُصُوصِهِ وَهُوَ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ لِيُبَيِّنَ شَرْطَهَا الْخَاصَّ بِهَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْوَاقِفِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ لَا مِنْ ذُرِّيَّةِ أَوْلَادِهِمُ الْإِنَاثِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَوْلَادِ الصُّلْبِيَّةَ فَقَطْ لَزِمَ أَنْ يُعْطَى الْأَوْلَادُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِمْ دُونَ أَوْلَادِهِمْ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَيْضًا بِأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ طَبَقَةً مَخْصُوصَةً بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنَ النَّسْلِ، وَإِنْ بَعُدَتْ، لَا يُعْطَى مِنْ طَبَقَاتِ النَّسْلِ إِلَّا مَنْ يُدْلِي إِلَى الْوَاقِفِ بِمَحْضِ الذُّكُورِ وَلَا يُعْطَى مَنْ أَدْلَى بِإِنَاثٍ، فَكَمَا أَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ لِصُلْبِهِمْ وَمَنْ سَفَلَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ، عَلَى أَوْلَادِهِ، عَامٌّ فِيمَنْ هُمْ لِصُلْبِهِ وَمَنْ سَفَلَ.
الرَّابِعُ: لَوْ أَخَذْنَا بِالْخُصُوصِ وَقُلْنَا: الْأَوْلَادُ خَاصٌّ بِالصُّلْبِيَّةِ دُونَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لَكَانَ الثَّانِي أَيْضًا كَذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يُعْطَى مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ إِلَّا طَبَقَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُمْ أَوْلَادُهُمْ لِصُلْبِهِمْ، وَكَانَ يُحْرَمُ جَمِيعُ الطَّبَقَاتِ بَعْدَهُمْ وَيَنْقَرِضُ أَهْلُ الْوَقْفِ بِانْقِرَاضِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْأَلْفَاظَ يُرَاعَى فِيهَا عُرْفُ أَرْبَابِهَا، وَالْوَاقِفُ لِهَذَا الْوَقْفِ وَالْحَاكِمُ بِهِ وَالْمُوَثِّقُ كُلُّهُمْ حَنَفِيَّةٌ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَوْلَادِ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُهُ لِصُلْبِهِ وَأَوْلَادُ أَبْنَائِهِ، وَفِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ رِوَايَتَانِ عَنْ محمد أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ اسْمُ
стр. 192
الْمُتَوَلِّدِ مُتَفَرِّعٌ مِنَ الْأَصْلِ، وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ مُتَفَرِّعَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الْأُمِّ وَأُمُّهُمْ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الْجِدِّ، فَكَانَتْ بِوَاسِطَةِ الْأُمِّ مُضَافَةً إِلَى الْجَدَّةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَوْلَادِي، دَخَلَ فِيهِ الْبُطُونُ كُلُّهَا؛ لِعُمُومِ اسْمِ الْأَوْلَادِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ قَالَ: هَذِهِ صَدَقَةٌ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَأَوْلَادِهِمْ، دَخَلَ فِيهِ الْبُطُونُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَثُرُوا الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ فِيهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: أَوْلَادُهُمْ، فَقَدْ ذَكَرَهُمْ مُضَافًا إِلَى أَوْلَادِهِ لَا إِلَى نَفْسِ الْوَاقِفِ، فَقَدْ ذَكَرَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَقَعُ ذَلِكَ عَلَى الْبُطُونِ كُلِّهَا. انْتَهَى.
فَعُلِمَ أَنَّ الْوَاقِفَ وَمَنْ وَثَّقَ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ نَسْلِهِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ، وَزَادَ هَذَا الْمُرَادَ إِيضَاحًا تَنْصِيصُهُ عَلَى شَرْطٍ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْفُرُوعِ النَّازِلَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ، جَمِيعُ نَسْلِهِ مِنْ صُلْبِهِ وَمَنْ سَفَلَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ، يَكُونُ مُرَادًا بِهِ جَمِيعُ الْإِنَاثِ مِنْ نَسَلِهِ، مَنْ كَانَتْ لِصُلْبِهِ وَبَنَاتُ بَنِيهِ، وَخَرَجَ بَنَاتُ بَنَاتِهِ وَبَنَاتُ بَنَاتِ بَنِيهِ، بِالشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ، وَيُرَشَّحُ أَنَّ الْوَاقِفَ وَالْمُوَثِّقَ مَشِيَا فِي لَفْظِ أَوْلَادِهِ عَلَى الشُّمُولِ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمَا أَنَّ عِبَارَةَ الْوَاقِفِ وَجِيزَةٌ جِدًّا لَيْسَ فِيهَا إِلَّا هَذَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ بَسْطٍ وَلَا إِطْنَابٍ كَمَا يَفْعَلُهُ مُوَثِّقُو بِلَادِنَا.
الْأَمْرُ السَّادِسُ: أَنَّ الَّذِي زَعَمَ إِخْرَاجَ بَنَاتِ الْبَنِينَ مِنَ الْبَنِينَ مُتَمَسِّكًا بِمَا تَمَسَّكَ بِهِ، أَخْطَأَ خَطَأً ثَانِيًا بَعْدَ خَطَئِهِ أَوَّلًا حَيْثُ رَامَ إِخْرَاجَهُمْ مِنْ لَفْظِ الْأَوْلَادِ مَعَ دُخُولِهِمْ فِيهِ فِي مَذْهَبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى قَوْلِ الْوَاقِفِ: فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ، فَإِنْ أَخَذَ لَفْظَ أَوْلَادِهِ فِي الشِّقَّيْنِ عَلَى الْعُمُومِ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ الْبَنِينَ فَهُوَ الْمُدَّعِي، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَ بَنَاتِ الْبَنِينَ، وَإِنْ أَخَذَهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِيهِمَا بِأَوْلَادِ الصُّلْبِ قُلْنَا لَهُ: يَا غَافِلُ يَلْزَمُكَ أَنْ لَا تُعْطِيَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ أَحَدًا، فَإِنَّهُ رَتَّبَ عَلَى فَقْدِ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ إِعْطَاءَ أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ، وَقَدْ جَعَلْتَ الْأَوْلَادَ فِيهِمَا خَاصًّا بِالصُّلْبِيَّةِ، فَلَزِمَ أَنْ تُعْطِيَ بَنَاتِ الصُّلْبِ عِنْدَ فَقْدِ ذُكُورِ الصُّلْبِ وَتَصْرِفَهُ إِلَى الْجَامِعِ عِنْدَ فَقْدِ إِنَاثِ الصُّلْبِ، وَيَذْهَبُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ خَائِبِينَ، فَيَبْقَى قَوْلُ الْوَاقِفَ: وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِمُ الذُّكُورِ، لَاغِيًا لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَخَذَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَهُوَ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ، أَيْ: مِنْ فُرُوعِهِ، صُلْبِيَّةٍ وَمَنْ سَفَلَ، يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ، أَيْ: فُرُوعِهِ صُلْبِيَّةٍ وَمَنْ سَفَلَ. هَذَا مَا سَنَحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 193
[الْقَوْلُ الْمُشَيَّدُ فِي وَقْفِ الْمُؤَيَّدِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ وَقْفِ الْمَلِكِ المؤيد شَيْخٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقَفَ وَقْفًا وَقَالَ فِيهِ: مَهْمَا فَضَلَ بَعْدَ الْمَصَارِفِ يُصْرَفُ لِأَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ، ثُمَّ لِأَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ لِذُرِّيَّتِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا نَسْلٌ وَلَا عَقِبٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، وَيُقَدَّمُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الْإِخْوَةُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَيُقَدَّمُ الْأَخُ الشَّقِيقُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ، وَابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ، وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَمِنْ أَوْلَادِهِمْ وَمِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَمِنْ أَنْسَالِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ - وَإِنْ سَفَلَ - قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ هَذَا الْوَقْفِ وَتَرَكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ أَوْ نَسْلًا أَوْ عَقِبًا أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ وَالْأَسْفَلُ مِنْهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى لَوْ بَقِيَ حَيًّا، حَتَّى يَصِيرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ هَذَا الْوَقْفِ، وَقَامَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَ الْمُتَوَفَّى أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ جَدَّةً وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ، وَمَاتَ الْوَاقِفُ وَخَلَّفَ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يَبْقَ لِلْوَاقِفِ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَاتَتْ وَخَلَّفَتِ ابْنَةً وَابْنَةَ ابْنٍ، فَهَلْ تُقَدَّمُ الِابْنَةُ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، أَوْ يُشَارِكُهَا ابْنُ الِابْنِ؟
فَأَفْتَيْتُ بِمَا نَصُّهُ: تَخْتَصُّ الْبِنْتُ بِنَصِيبِ أُمِّهَا وَلَا يُشَارِكُهَا ابْنُ الِابْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: إِنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ نَصِيبٍ وَلَهُ وَلَدٌ وَأَسْفَلُ مِنْهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، وَهَذِهِ صُورَةُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، فَإِنَّ بِنْتَ الْوَاقِفِ مَاتَتْ عَنْ نَصِيبٍ وَلَهَا وَلَدٌ وَأَسْفَلُ مِنْهُ، فَيَنْتَقِلُ نَصِيبُهَا لِوَلَدِهَا وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ، وَهِيَ الْبِنْتُ عَلَى الْأَبْعَدِ وَهُوَ ابْنُ الِابْنِ؛ عَمَلًا بِتَنْصِيصِ الْوَاقِفِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِخُصُوصِهَا.
وَالثَّانِي قَوْلُهُ: تَحْجُبُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، فَقَدْ أَفْتَى السبكي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِعَيْنِهَا بِأَنَّ الْعَمَّةَ تَخْتَصُّ وَلَا يُشَارِكُهَا أَوْلَادُ إِخْوَتِهَا، هَكَذَا أَجَابَ بِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ فَتَاوِيهِ، وَقَالَ: عَمَلًا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، وَقَالَ: إِنَّ الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِجُمْلَةِ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، إِلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْجُمْلَةِ الْأَوْلَى لَا يُؤَدِّي إِلَى إِلْغَاءِ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا يُعْمَلُ بِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ مَا إِذَا فُقِدَ مِنْ هُوَ أَقْرَبُ، بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ
стр. 194
فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِلْغَاءِ الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ حَمْلَهَا عَلَى حَجْبِ كُلِّ أَصْلٍ لِفَرْعِهِ فَقَطْ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ إِذْ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي لَفْظِ الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، وَهَذَا كَلَامُ السبكي فِي أَحَدِ الْمَوَاضِعِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ خَالَفَهُ وَأَفْتَى بِالْمُشَارَكَةِ وَحَمَلَ حَجْبَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا السُّفْلَى عَلَى حَجْبِ كُلِّ أَصْلٍ لِفَرْعِهِ لَا عَلَى التَّرْتِيبِ بَيْنَ الطَّبَقَتَيْنِ، قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ وَخِلَافُ الظَّاهِرِ، وَأَطَالَ السبكي الْكَلَامَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ الْمَحَلُّ بَسْطَهُ وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي، فَأَفْتَى فِي صُورَةٍ نَظِيرِ هَذِهِ بِالِاخْتِصَاصِ أَيْضًا وَعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ تَقْدِيمًا لِأَقْرَبِ الطَّبَقَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِالْمُشَارَكَةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، إِلَى آخِرِهِ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّا لَا نَخُصُّ عُمُومَ حَجْبِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا السُّفْلَى بِهَذَا الْمَفْهُومِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ، وَإِنَّمَا نَخُصُّهُ بِأَحَدِ الْمُخَصِّصَاتِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا إِذَا مَاتَ عَنْ نَصِيبٍ وَلَهُ وَلَدٌ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إِلَيْهِ، هَذَا كَلَامُ الشيخ ولي الدين.
وَاعْلَمْ أَنَّ السبكي إِنَّمَا اعْتَمَدَ فِي جَوَابِهِ عَلَى جُمْلَةِ: تَحْجُبُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِ سُؤَالِهِ غَيْرُهُ، وَنَحْنُ اعْتَمَدْنَا فِي جَوَابِنَا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَمْرٍ ثَانٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ تَنْصِيصُ الْوَاقِفِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ إِلَى الْمُتَوَفَّى عِنْدَ ذِكْرِ مَنْ مَاتَ عَنْ نَصِيبٍ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ أَسْفَلُ مِنْهُ، وَبَيَانُ كَوْنِ هَذَا أَقْوَى أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ ثَلَاثَةٌ: نَصٌّ وَظَاهِرٌ وَمُحْتَمَلٌ، فَالنَّصُّ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، وَالظَّاهِرُ مَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الْآخَرِ، وَالْمُحْتَمَلُ مَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ، وَمَرْتَبَتُهَا فِي الْقُوَّةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَأَنَّهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ يُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ عَلَى الْمُحْتَمَلِ.
وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ فِي هَذَا الْوَقْفِ، فَالنَّصُّ قَوْلُهُ: فِيمَنْ مَاتَ عَنْ نَصِيبٍ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ أَسْفَلُ مِنْهُ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، وَالظَّاهِرُ قَوْلُهُ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، فَإِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَ حَجْبُ كُلِّ أَعْلَى لِكُلِّ أَسْفَلَ، وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ حَجْبُ كُلِّ أَصْلٍ لِفَرْعِهِ فَقَطْ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَظْهَرُ؛ لِمَا ذَكَرَهُ السبكي مِنْ أَنَّ الثَّانِيَ لَا فَائِدَةَ لَهُ إِلَّا التَّأْكِيدُ، وَالتَّأْسِيسُ أَرْجَحُ مِنَ التَّأْكِيدِ، وَقَدْ تَوَافَقَ فِي هَذَا الْوَقْفِ النَّصُّ وَالظَّاهِرُ مَعًا مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ، وَالْمُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ: اسْتَحَقَّ مُطْلَقًا مَعَ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ وَمَعَ مَنْ هُوَ
стр. 195
أَعْلَى مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ: اسْتَحَقَّ مَعَ فَقْدِ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ فَقَطْ، وَالْمَعْنَيَانِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ عَلَى السَّوَاءِ، فَقُدِّمَ النَّصُّ وَالظَّاهِرُ مَعًا؛ لِقُوَّتِهِمَا وَأُخِّرَ هَذَا الْمُحْتَمَلُ لِيُعْمَلَ بِهِ فِي صُورَةٍ لَمْ يُعَارِضَاهُ فِيهَا، وَهُوَ مَا إِذَا فُقِدَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَأَقْرَبُ؛ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي سُؤَالِ السُّبْكِيِّ لَفْظٌ هُوَ نَصٌّ، وَكَانَ فِيهِ لَفْظٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، وَلَفْظٌ مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، إِلَى آخِرِهِ، وَقَدْ تَعَارَضَا، رَجَّحَ الْعَمَلَ بِالظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْإِفْتَاءِ فِيهَا بِالْمُشَارَكَةِ، فَذَاكَ لِكَوْنِ لَفْظِ السُّؤَالِ فِيهَا مُخَالِفًا لِلَفْظِ هَذَا السُّؤَالِ، وَالْأَجْوِبَةُ فِي الْأَوْقَافِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ، فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، فَمَتَى اخْتَلَفَ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ اخْتَلَفَ الْجَوَابُ بِحَسَبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَقْرِيرٌ آخَرُ يُوَضِّحُ مَا تَقَدَّمَ: قَوْلُ الْوَاقِفِ: "عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا نَسْلٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، وَيُقَدَّمُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الْإِخْوَةُ عَلَى غَيْرِهِمْ " اشْتَمَلَ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ يَنْتَقِلُ إِلَى شُعَبِ الْوَلَدِ بِهِ. الثَّانِي أَنَّهُ عِنْدَ فَقْدِ شُعَبِ الْوَلَدِ بِهِ يَنْتَقِلُ إِلَى نَوْعِ مَنْ فِي الدَّرَجَةِ، فَقَوْلُهُ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، رَاجِعٌ إِلَى شُعَبِ الْوَلَدِ بِهِ، وَقَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الْإِخْوَةُ عَلَى غَيْرِهِمْ، رَاجِعٌ إِلَى نَوْعِ أَهْلِ الدَّرَجَةِ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ، خَاصًّا بِأَهْلِ الدَّرَجَةِ وَلَيْسَ رَاجِعًا إِلَى شُعَبِ الْأَوْلَادِ، لَمْ يَقُلْ فِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ عَلَيْهِ: وَيُقَدَّمُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ، بَلْ كَانَتِ الْعِبَارَةُ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَتُقَدَّمُ الْإِخْوَةُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَلَمَّا خَصَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِأَهْلِ الدَّرَجَةِ عُرِفَ أَنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَهَا إِمَّا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَإِمَّا خَاصَّةٌ بِشُعَبِ الْأَوْلَادِ، فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الدَّرَجَةِ إِخْوَةٌ وَغَيْرُهُمْ وَكَانَ فِي غَيْرِ الْإِخْوَةِ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَاسْتَحَقَّ، لَمْ يُعْطَ شَيْئًا مَعَ الْإِخْوَةِ؛ عَمَلًا بِتَنْصِيصِ الْوَاقِفِ عَلَى تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعَ الْأَوْلَادِ أَوْلَادُ أَوْلَادٍ مَاتَ آبَاؤُهُمْ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَاسْتَحَقُّوا، لَا يُعْطَوْنَ مَعَ الْأَوْلَادِ شَيْئًا، عَمَلًا بِتَنْصِيصِ الْوَاقِفِ فِي هَذَا النَّوْعِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ إِلَى الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبِ.
وَلْنَسُقْ عِبَارَةَ السبكي فِي الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ لِتُسْتَفَادَ:
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: سُئِلَ السبكي عَنِ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ عَلَى ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَإِنْ تُوُفِّيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا فَلِإِخْوَتِهِ الْأَشِقَّاءِ، ثُمَّ لِغَيْرِ الْأَشِقَّاءِ، ثُمَّ إِلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ طَبَقَتِهِ، ثُمَّ لِأَقْرَبِ الطَّبَقَاتِ إِلَى الطَّبَقَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ
стр. 196
شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِهِ عَنْ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ عَادَتْ شَرَائِطُ الْوَقْفِ إِلَى حَالٍ لَوْ كَانَ الْمُتَوَفَّى فِيهَا حَيًّا لَاسْتَحَقَّ، أُقِيمَ أَقْرَبُ الطَّبَقَاتِ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ مَقَامَهُ، وَعَادَ لَهُ مَا كَانَ يَعُودُ لِمُتَوَفَّاهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، فَتُوُفِّيَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ تُدْعَى فَاطِمَةُ وَتَرَكَتْ بِنْتَ عَمِّهَا سِتَّ الْيُمْنِ وَأَوْلَادَ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ لِسِتِّ الْيُمْنِ، مَاتَتِ الْأَخَوَاتُ قَبْلَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْوَقْفِ إِلَيْهِنَّ وَبَقِيَ أَوْلَادُهُنَّ، فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ فَاطِمَةَ لِسِتِّ الْيُمْنِ وَحْدَهَا أَوْ يُشَارِكُهَا فِيهِ أَوْلَادُ أَخَوَاتِهَا؟ .
فَأَجَابَ الشَّيْخُ تقي الدين السبكي: يَنْتَقِلُ نَصِيبُ فَاطِمَةَ لِسِتِّ الْيُمْنِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، قَالَ: وَقَدْ تَعَارَضَ فِي هَذَا الْوَقْفِ عُمُومَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ حَجْبِ كُلِّ شَخْصٍ وَلَدَهُ خَاصَّةً وَمِنْ حَجْبِهِ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى بِكَمَالِهَا مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ يُقَامُ أَقْرَبُ الطَّبَقَاتِ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ مَقَامَهُ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنْ طَبَقَةِ الْمُتَوَفَّى أَحَدٌ أَوْ لَا، فَحَجْبُ كُلِّ شَخْصٍ لِوَلَدِهِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمَحَلُّ التَّعَارُضِ فِي إِقَامَةِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى مَقَامَهُ عِنْدَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَفِي مِثْلِ هَذَا التَّعَارُضِ يُحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ، وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ أَنَّ الْعَمَلَ هُنَا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، لَا يُوجِبُ إِلْغَاءَ قَوْلِهِ: أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ يُقَامُ وَلَدُهُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّا نَعْمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ وَنُقِيمَ الْوَلَدَ مَقَامَ وَالِدِهِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ فِيهِ إِلْغَاءَ قَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى.
وَبَيَانُهُ أَنَّ حَجْبَ الشَّخْصِ غَيْرَ وَلَدِهِ خَارِجٌ مِنْهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَحَجْبُهُ وَلَدَهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لَوْ كَانَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ مَا يُدْخِلُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الْأَقْرَبِ، فَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْوَلَدِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ فِيهِ، حَتَّى يُحْتَرَزَ مِنْهُ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ تَأْكِيدٌ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ - هَذَا جَوَابُ السبكي بِحُرُوفِهِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي فَتَاوِيهِ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ لَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ لَكِنْ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ نَسُوقُهَا.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: سُئِلَ السبكي عَنْ رَجُلٍ وَقَفَ عَلَى الْمُجْبَرِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ أَحْمَدَ وَعَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ وَزَيْنَبَ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا، وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ وَإِنْ سَفَلَ كَانَ نَصِيبُهُ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ وَلَهُ أَوْلَادٌ وَإِنْ سَفَلُوا وَآلَ الْأَمْرُ إِلَيْهِمُ اسْتَحَقُّوا، تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، وَتُوُفِّيَ الْمُجْبَرُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بِنْتُهُ زَيْنَبُ، ثُمَّ وَلَدُهُ أَحْمَدُ، وَتَرَكَ أَوْلَادًا: أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا وَعَبْدَ الْمُحْسِنِ وَشَامِيَّةَ، وَتُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجْبَرِ وَتَرَكَتْ بِنْتَيْهَا
стр. 197
مُلُوكَ وَشَرَفَ، وَرُزِقَتْ عَائِشَةُ أَوْلَادًا مُحَمَّدًا وَنَفِيسَةَ وَدُنْيَا، ثُمَّ رُزِقَتْ دُنْيَا الْمَذْكُورَةُ فِي حَيَاةِ أُمِّهَا مُحَمَّدًا وَعِيسَى وَآسِنٌ وَمَرْيَمُ، ثُمَّ رُزِقَتْ مَرْيَمُ مُحَمَّدًا، ثُمَّ مَاتَتْ مَرْيَمُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَيَاةِ جَدَّتِهَا عَائِشَةَ، ثُمَّ مَاتَتْ عَائِشَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَنَفِيسَةَ وَدُنْيَا وَأَوْلَادِهَا مُحَمَّدٍ وَعِيسَى وَآسِنٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ مَرْيَمَ الْمُتَوَفَّاةِ فِي حَيَاتِهَا، فَهَلْ لِمُحَمَّدِ ابْنِ مَرْيَمَ هَذَا شَيْءٌ بِحُكْمِ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ أُمِّهِ؟
فَأَجَابَ السبكي: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ لِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، فَهُوَ مَحْجُوبٌ بِأَخْوَالِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ أُمِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَسْتَحِقَّ مَنْ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهَا حِينَ مَاتَتْ كَانَتْ مَحْجُوبَةً بِأُمِّهَا قَطْعًا، فَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ يَنْتَقِلُ لِابْنِهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اسْتِحْقَاقُهُ مِنْ جَدَّتِهِ عَلَى أَنَّ نَصِيبَهَا يَنْتَقِلُ لِأَوْلَادِهَا وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهَا، لَكِنَّهُ قَالَ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، وَإِطْلَاقُ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ: يَحَجُبُ كُلُّ أَصْلٍ فَرْعَهُ، ثُمَّ قَالَ:
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَكَرَّرَتْ وَأَنَا أَسْتَشْكِلُهَا جِدًّا، وَأُقَدِّمُ فِيهَا وَأُؤَخِّرُ، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، يَنْبَغِي النَّظَرُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَأَنْ لَا يُسْتَعْجَلَ فِيهَا بِالْجَوَابِ، وَالصِّيَغُ الَّتِي تَرِدُ فِي الْأَوْقَافِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ، فَهُنَا يَظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ وَلَهُ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ، يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى ابْنِ الِابْنِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، فَإِنَّهُ عَامٌّ إِلَّا فِيمَنْ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ وَمَاتَ، فَيَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ الثَّانِي عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَيَبْقَى الْعُمُومُ فِيمَا عَدَاهُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ: تَحْجُبُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، عَلَى حَجْبِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ، نَصِيبُهُ: حَقِيقَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ يَتَنَاوَلُهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَجَازٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ دَخَلَ فِي الْوَقْفِ مَوْقُوفًا عَلَى شَرْطٍ وَخَرَجَ مِنْهُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ بِمَوْتِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَصْلًا، وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ سَائِغٌ لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَمِنْهَا الصِّيغَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَلَكِنْ بِمَوْتِ هَذَا الِابْنِ بَعْدُ وَيَتْرُكُ ابْنًا، فَهُوَ مُسَاوٍ لِابْنِ عَمِّهِ فِي الطَّبَقَةِ، فَهَلْ يَأْخُذُ ابْنُ عَمِّهِ مَا كَانَ لِأَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا؟ لِأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ حَجْبُ عَمِّهِ لَهُ وَقَدْ زَالَ، وَلَا يَأْخُذُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ أَبِيهِ، وَأَبُوهُ لَا حَقَّ لَهُ، هَذَا مَحَلُّ احْتِمَالٍ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَفْظٌ آخَرُ عَامٌّ يُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ اسْتَحَقَّ وَإِلَّا فَلَا، مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، بِالْوَاوِ لَا بِـ (ثُمَّ) وَيَذْكُرُ الصِّيغَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُنَا أَقُولُ: إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بَعْدَ وَفَاةِ عَمِّهِ مَا كَانَ أَبُوهُ يَسْتَحِقُّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَيَخْتَصُّ ابْنُ عَمِّهِ الْآنَ مِنْ نَصِيبِ أَبِيهِ بِمَا كَانَ لَهُ حِينَ كَانَ
стр. 198
أَبُوهُ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَالَفَةُ هَذَا أَبْعَدَ مِنْ مُخَالَفَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ: ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، فَيُعْمَلُ فِي الْعَامِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَّا فِيمَا خُصَّ بِهِ قَطْعًا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، وَأَيْضًا بِهِ حَجْبُ الْعَمِّ لِابْنِ أَخِيهِ، وَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، مَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: نَصِيبُهُ الْأَصْلِيُّ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي، مَنْ مَاتَ مِنْهُمُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، فَهُنَا حَجْبُ ابْنِ الْمُتَوَفَّى لِابْنِ أَخِيهِ صَرِيحٌ أَصْرَحُ مِنَ الْأَوَّلِ بَعْدَ حُكْمِ مَنْ مَاتَ.
الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: سُئِلَ السبكي عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ وَقْفٌ، فَإِذَا تُوُفِّيَ عَادَ وَقْفًا عَلَى وَلَدَيْهِ أَحْمَدَ وَعَبْدِ الْقَادِرِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ نِصْفَيْنِ، يَجْرِي نَصِيبُ كَلٍّ مِنْهُمَا عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ عَلَى نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَخَوَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَمِنْ أَوْلَادِهِمَا وَأَنْسَالِهِمَا عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ، عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلَى نَسْلِهِ عَلَى الْفَرِيضَةِ وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَوْلَادِهِمَا وَأَنْسَالِهِمَا عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ وَيَسْتَوِي الْأَخُ الشَّقِيقُ وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ وَتَرَكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ أَوْ وَلَدُ وَلَدِهِ أَوِ الْأَسْفَلُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى لَوْ بَقِيَ حَيًّا إِلَى أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَقَامَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَ الْمُتَوَفَّى، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَتُوُفِّيَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَانْتَقَلَ الْوَقْفُ إِلَى وَلَدَيْهِ أَحْمَدَ وَعَبْدِ الْقَادِرِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْقَادِرِ وَتَرَكَ أَوْلَادَهُ الثَّلَاثَةَ وَهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَلَطِيفَةُ، وَوَلَدَيِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ وَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عُمَرُ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ لَطِيفَةُ عَنْ بِنْتٍ تُسَمَّى فَاطِمَةُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلِيٌّ وَتَرَكَ بِنْتًا تُسَمَّى زَيْنَبُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ لَطِيفَةَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ، فَإِلَى مَنْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورَةِ؟ .
فَأَجَابَ السبكي بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي ظَهَرَ الْآنَ أَنَّ نَصِيبَ عَبْدِ الْقَادِرِ جَمِيعَهُ يُقَسَّمُ هَذَا الْوَقْفُ عَلَى سِتِّينَ جُزْءًا: لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْهُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ جُزْءًا، وَلِمَلِكَةَ أَحَدَ عَشَرَ، وَلِزَيْنَبَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَلَا يَسْتَمِرُّ هَذَا الْحُكْمُ فِي أَعْقَابِهِمْ، بَلْ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِحَسَبِهِ، وَلَا
стр. 199
أَشْتَهِي أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يُقَلِّدُنِي فِي ذَلِكَ بَلْ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ علي السبكي الشافعي فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ رَابِعِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِمِائَةٍ.
قَالَ السبكي: فَذَكَرَ السَّائِلُ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ هَذَا الْجَوَابُ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ يَنْظُرُ فِيهِ أَيَّامًا، فَكَتَبْتُ بَيَانَ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْقَادِرِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ وَهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَلَطِيفَةُ بَيْنَهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ: لِعَلِيٍّ خُمُسَاهُ وَلِعُمَرَ خُمُسُهُ وَلِلَطِيفَةَ خُمُسُهُ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُشَارِكُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةُ وَلَدَا مُحَمَّدٍ الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَنَزَلَا مَنْزِلَةَ أَبِيهِمَا، فَيَكُونُ لَهُمَا السُّبُعَانِ، وَلِعَلِيٍّ السُّبُعَانِ، وَلِعُمَرَ السُّبُعَانِ وَلِلَطِيفَةَ السُّبُعُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَهُوَ مَرْجُوحٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ فِي مَأْخَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ أَنْ لَا يَحْرِمَ أَحَدًا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَقَاصِدَ إِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ لَا تُعْتَبَرُ.
الثَّانِي: إِدْخَالُهُمْ فِي الْحُكْمِ وَجَعْلُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعِهِ لَا بَيْنَ الطَّبَقَتَيْنِ جَمِيعًا، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَقَدْ كُنْتُ مَرَّةً مِلْتُ إِلَيْهِ فِي وَقْفِ الطُّنْبَا لِلَفْظٍ اقْتَضَاهُ فِيهِ لَسْتُ أَعُمُّهُ فِي كُلِّ تَرْتِيبٍ.
الثَّالِثُ: الِاسْتِنَادُ إِلَى قَوْلِ الْوَاقِفِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ قَامَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ، وَهَذَا الِاسْتِنَادُ لَا يَتِمُّ، وَقَدْ تَعَرَّضَ السبكي لِهَذَا السُّؤَالِ الْأَخِيرِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَاقَ صُورَةَ السُّؤَالِ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْقَادِرِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى أَوْلَادِهِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَلَطِيفَةَ: لِعَلِيٍّ خُمُسَاهُ وَلِعُمَرَ خُمُسَاهُ وَلِلَطِيفَةَ خُمُسُهُ، وَلَا يُشَارِكُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةُ وَلَدَا مُحَمَّدٍ، عَلَى الرَّأْيِ الْأَرْجَحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِمُشَارَكَتِهِمَا لَهُمْ، إِمَّا لِمَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ أَنَّ ذُرِّيَّتَهُ لَا تُحْرَمُ جَعَلَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعِهِ لَا بَيْنَ الطَّبَقَتَيْنِ، وَإِمَّا لِأَنَّ وَالِدَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ - هَذَا لَفْظُهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي عَمَّنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ ذُكُورِهِمُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ إِلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، ثُمَّ إِلَى نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ خَاصَّةً دُونَ وَلَدِ الْبَطْنِ، تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَوْلَادِ الظَّهْرِ الْمَذْكُورِينَ وَتَرَكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ إِلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، ثُمَّ إِلَى نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ مَنْ وَلَدِ الظَّهْرِ خَاصَّةً، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا نَسْلًا وَلَا عَقِبًا انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَكَانَ مَنْ تُوُفِّيَتْ مِنَ الْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ وَمِنْ بَقِيَّةِ أَوْلَادِ الظَّهْرِ مِنْ نَسْلِهِ، انْتَقَلَ نَصِيبُهَا إِلَى إِخْوَتِهَا وَأَخَوَاتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا غَيْرَهُنَّ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ وَلَا أَخًا وَلَا أُخْتًا، أَوْ لَمْ تَتْرُكِ الْمُتَوَفَّاةُ مِنَ الْإِنَاثِ مِنْهُمْ أَخًا وَلَا أُخْتًا مِنْ
стр. 200
أَوْلَادِ الظَّهْرِ الْمَذْكُورِينَ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِ الظَّهْرِ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْوَقْفِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِهِ وَخَلَّفَ وَلَدًا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ وَآلَ الْوَقْفُ إِلَى حَالٍ لَوْ كَانَ الْمُتَوَفَّى حَيًّا لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، قَامَ وَلَدُهُ ثُمَّ وَلَدُ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ مَقَامَهُ، وَاسْتَحَقَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ يَسْتَحِقُّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُ الظَّهْرِ صُرِفَ مَا عُيِّنَ لَهُمْ إِلَى أَوْلَادِ الْبَطْنِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمَشْرُوحَةِ فِي أَوْلَادِ الظَّهْرِ، فَآلَ اسْتِحْقَاقُ الْوَقْفِ إِلَى بِنْتِ ابْنِ ابْنِ الْوَاقِفِ، وَهِيَ آخَرُ أَوْلَادِ الظَّهْرِ، فَلَمَّا مَاتَتْ تَرَكَتِ ابْنًا وَلِلْوَاقِفِ بِنْتُ بِنْتٍ وَابْنُ بِنْتِ بِنْتٍ، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ مِنْ أَوْلَادِ الْبُطُونِ، فَمَنِ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ؟ .
فَأَجَابَ الشَّيْخُ ولي الدين بِمَا نَصُّهُ: الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ بِنْتُ بِنْتِ الْوَاقِفِ دُونَ ابْنِ بِنْتِ بِنْتِهِ وَدُونَ ابْنِ بِنْتِ ابْنِ ابْنِهِ؛ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ أَنَّ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا تَحْجُبُ السُّفْلَى، إِلَّا فِيمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَيُخَلِّفَ وَلَدًا، فَيَسْتَحِقُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ يَسْتَحِقُّهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْمُسْتَثْنَى.
قَالَ: ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَفْتَوْا بِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِذَلِكَ ابْنُ بِنْتِ ابْنِ ابْنِهِ، فَإِنَّ أُمَّهُ هِيَ الَّتِي آلَ إِلَيْهَا الِاسْتِحْقَاقُ، فَيَنْتَقِلُ لَهُ مَا كَانَ لِأُمِّهِ عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ: إِنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَيْهِ، قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ وَغَفْلَةٌ، فَإِنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُتَوَفَّى مِنْ أَوْلَادِ الظَّهْرِ، وَأَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ أَيْضًا مِنْ أَوْلَادِ الظَّهْرِ، وَقَالَ حِينَ مَصِيرِ الْوَقْفِ لِأَوْلَادِ الْبَطْنِ: إِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ عَلَى الْوُجُوهِ الْمَشْرُوحَةِ فِي أَوْلَادِ الظَّهْرِ، وَهَذَا الْوَلَدُ خَارِجٌ عَنِ الصُّورَتَيْنِ، فَإِنَّ أُمَّهُ آخَرُ أَوْلَادِ الظَّهْرِ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الظَّهْرِ انْتَقَلَ لِأَوْلَادِ الْبَطْنِ وَرَجَّحْنَا أَقْرَبَهُمْ طَبَقَةً كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ: ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَفْتَى بِاشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَدْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُسْتَحِقٌّ، وَقَدْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْوَاقِفِ أَنَّ حَجْبَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا لِلسُّفْلَى إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْعُلْيَا أَصْلَ السُّفْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ نَصِيبَ وَالِدِهِ، فَإِنْ كَانَ وَالِدُهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ إِيَالَةِ الِاسْتِحْقَاقِ إِلَيْهِ اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، فَعُلِمَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَحْجُبُهُ عَمُّهُ وَلَا خَالُهُ، وَإِنَّمَا يَحْجُبُهُ أَصْلُهُ وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أُصُولُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَاسْتَحَقُّوا كُلُّهُمْ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ، فَإِنَّا لَا نَخُصُّ عُمُومَ حَجْبِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا لِلسُّفْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ الْمُسْتَنْبَطِ الْمَفْهُومِ مِنْ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ، وَإِنَّمَا نَخُصُّهُ بِأَحَدِ الْمُخَصِّصَاتِ الْمَعْرُوفَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ إِلَّا، فِيمَنْ يَمُوتُ عَنْ وَلَدٍ مُرَافِقٍ لَهُ. انْتَهَى.
стр. 201
(فَصْلٌ) قَالَ السبكي ﵀: قَوْلُ الْوَرَّاقِينَ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ وَخَلَّفَ وَلَدًا اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى لَوْ بَقِيَ حَيًّا، حَتَّى يَصِيرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ، وَقَامَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَهُ - عِبَارَةٌ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَكِتَابَتِهِمْ، وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مَا كَانَ أَبُوهُ يَسْتَحِقُّهُ لَوْ بَقِيَ حَيًّا، إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْوُصُولُ شَرْطًا أَوْ بَعْضَ شَرْطٍ، وَضَرُورَةُ الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ جَعْلُهُ بَعْضَ شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ وَصْفًا لِلْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ بَعْدَ (لَوْ) غَايَةً، فَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الشَّرْطِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا شَيْئًا ثَانِيًا، صَيْرُورَتُهُ مُسْتَحِقًّا، وَهَذَا لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ انْتِهَاءَ الْوَقْفِ إِلَى حَالَةٍ لَوْ بَقِيَ حَيًّا فِيهَا لَاسْتَحَقَّ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ مَصِيرًا إِلَيْهِ وَهُوَ صِفَةٌ لِلْوَقْفِ وَحَالٌ مِنْ أَحْوَالِهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ عِلَّةً وَسَبَبًا وَشَرْطًا فِي اسْتِحْقَاقِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ وَيُجْعَلَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ مَعْلُولًا عَنِ الصِّفَةِ، وَاسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ (يَصِيرَ) فِي ذَلِكَ، الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ صَيْرُورَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ إِلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِحْقَاقِهِ إِيَّاهُ، فَإِذَا فَرَضْنَا وَفَاةَ شَخْصٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّ بَاقِيًا لَاسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ، وَحَكَمْنَا بِاسْتِحْقَاقِ هَذَا الْوَلَدِ اسْتِحْقَاقَ مَا لَوْ كَانَ وَالِدُهُ حَيًّا الْآنَ لَاسْتَحَقَّهُ، كَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ (يَصِيرَ) فِي حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ، لَكِنَّا قَدِ اسْتَعْمَلْنَاهُ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مَجَازًا، فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجَازِ الْمُنْفَرِدِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الثَّانِي وَحْدَهُ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ وَاطِّرَاحُ الْمَجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ يَلْزَمُ عَدَمُ أَخْذِهِ نَصِيبَ وَالِدِهِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، فَيَتَرَجَّحُ الِاقْتِصَارُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ الْمُنْفَرِدِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَيِّتِ الثَّانِي شَيْئًا إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَالْمُوجِبُ لِلنَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَقَفَ عَلَى شَخْصٍ ثُمَّ أَوْلَادِهِ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَشَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ بَنَاتِهِ انْتَقَلَ نَصِيبُهَا لِلْبَاقِينَ مِنْ أَخَوَاتِهَا، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ وَلَهُ وَلَدٌ اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى لَوْ كَانَ حَيًّا حَتَّى يَصِيرَ إِلَيْهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ، وَقَامَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَهُ، فَمَاتَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ وَوَلَدَ وَلَدٍ مَاتَ أَبُوهُ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، فَأَخَذَ الْوَلَدَانِ نَصِيبَهُمَا وَهُمَا ابْنٌ وَبِنْتٌ، وَأَخَذَ وَلَدُ الْوَلَدِ النَّصِيبَ الَّذِي لَوْ كَانَ وَالِدُهُ حَيًّا لَأَخَذَهُ، ثُمَّ مَاتَتِ الْبِنْتُ، فَهَلْ يُخْتَصُّ أَخُوهَا الْبَاقِي بِنَصِيبِهَا أَوْ يُشَارِكُهُ فِيهِ ابْنُ أَخِيهِ؟ تَعَارَضَ اللَّفْظَانِ الْمَذْكُورَانِ وَنَظَرْنَا فِيهِ النَّظَرَ الْمَذْكُورَ، وَيُرَجِّحُهُ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْإِخْوَةِ وَعَلَى الْبَاقِينَ مِنْهُمْ، كَالْخَاصِّ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، كَالْعَامِّ، فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، فَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ عِنْدَنَا اخْتِصَاصُ الْأَخِ، وَإِنْ كَانَ
стр. 202
الْآخَرُ مُحْتَمَلًا، وَهُوَ مُشَارَكَةُ ابْنِ الْأَخِ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِنَ الْمُرَجِّحَاتِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ: يَسْتَحِقُّ، مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا عُمُومَ لَهُ، وَالْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ عَمِلْنَا بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ نَصِيبَ وَالِدِهِ، فَلَا يُعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا أَصْلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، وَقَوْلُهُ: اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ، فِعْلٌ مُطْلَقٌ، وَقَوْلُهُ: مَا كَانَ وَالِدُهُ يَسْتَحِقُّهُ، عَامٌّ؛ لِأَنَّ (مَا) لِلْعُمُومِ، وَهَذَا الْعُمُومُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ نَصِيبِ وَالِدِهِ، وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ النَّصِيبِ وَإِلَى نَصِيبِ مَنْ يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ البلقيني: التَّرْتِيبُ يُسْتَفَادُ مِنْ صَرِيحٍ مَرَّةً، وَمِنْ ظَاهِرٍ أُخْرَى، وَمِنْ مُحْتَمَلٍ بِقَرِينَةٍ، فَمِنَ الصَّرِيحِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، وَمِنَ الظَّاهِرِ التَّعْبِيرُ بِـ (ثُمَّ) وَأَمَّا الْمُحْتَمَلُ بِالْقَرِينَةِ، فَكَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادِي فَهُوَ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادِي، قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَاوِ التَّرْتِيبَ.
(فَائِدَةٌ) وَمِمَّا أَكَّدَ التَّرْتِيبَ فِي هَذَا السُّؤَالِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ تَعْبِيرُهُ أَوَّلًا بِـ (ثُمَّ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لِأَوْلَادِهِمْ ثُمَّ لِذُرِّيَّتِهِمْ، وَقَوْلُهُ: طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَعَ التَّعْبِيرِ بِـ (ثُمَّ) تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا حَتَّى تَنْقَرِضَ جَمِيعُ الطَّبَقَةِ الْأُولَى، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الطَّبَقَاتِ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا زِيَادَةُ لَفْظَةِ (أَبَدًا) فِي قَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، فَإِنَّهَا تُفِيدُ أَمْرَيْنِ: التَّأْبِيدَ وَالتَّأْكِيدَ، فَالتَّأْبِيدُ يُفِيدُ الِاطِّرَادَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ، فَلَا تَحْتَمِلُ الْجُمْلَةُ مَعَهُ التَّخْصِيصَ، بِخِلَافِ مَا سَقَطَتْ مِنْهُ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ بِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَالتَّأْكِيدُ يُفِيدُ دَفْعَ تَوَهُّمِ عَدَمِ الشُّمُولِ، فَيَثْبُتُ الشُّمُولُ الْمَقْصُودُ هُنَا وَهُوَ حَجْبُ كُلِّ أَعْلَى لِكُلِّ أَسْفَلَ شُمُولًا حَقِيقِيًّا لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَإِلَّا لَذَهَبَتْ فَائِدَةُ التَّأْكِيدِ.
(فَائِدَةٌ) وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا تَنْصِيصُ الْوَاقِفِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَخِ الشَّقِيقِ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ وَابْنِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ، فَإِذَا كَانَ الْوَاقِفُ لَمْ يُعْطِ أَهْلَ الدَّرَجَةِ كُلَّهُمْ بَلْ خَصَّ مِنْهُمُ الْإِخْوَةَ وَلَمْ يُعْطِ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ بَلْ قَدَّمَ الْأَخَ الشَّقِيقَ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ مَعَ أَنَّ أَبَاهُمَا وَاحِدٌ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْقُرْبِ بِالْأُمِّ، فَكَيْفَ يُعْطَى مَنْ لَهُ أَبٌ آخَرُ مَعَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْ دَرَجَتِهِ، فَإِنْ تَمَسَّكَ مُتَمَسِّكٌ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ أُقِيمَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ، قُلْنَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَ الْأَخَ لِلْأَبِ مَعَ الْأَخِ الشَّقِيقِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ بِهَذَا الْوَصْفِ فَيُقَامُ وَلَدُهُ مَقَامَهُ، فَإِنْ قَالَ فِي الْجَوَابِ: وَقَفْتُ مَعَ نَصِّ الْوَاقِفِ عَلَى تَقْدِيمِ الشَّقِيقِ وَقَدَّمْتُهُ عَلَى عُمُومِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، قُلْنَا لَهُ: فَقِفْ هُنَا مَعَ نَصِّ الْوَاقِفِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ إِلَى الْمُتَوَفَّى وَعَلَى حَجْبِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا لِلسُّفْلَى وَقَدِّمْهُ
стр. 203
عَلَى عُمُومِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، فَإِمَّا أَنْ تُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَنْعِ، وَإِمَّا أَنْ تُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِعْطَاءِ، وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ.
تَقْرِيرٌ آخَرُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: يُقَالُ لِلْمُتَمَسِّكِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ أُقِيمَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ: الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي الْأُصُولِ " أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ نَصٌّ خَاصٌّ وَلَفْظٌ عَامٌّ، فَإِنَّهُ يُتَمَسَّكُ بِالنَّصِّ الْخَاصِّ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ وَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ اللَّفْظِ، وَيَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ بِذَلِكَ النَّصِّ الْخَاصِّ، وَيَبْقَى بَقِيَّةُ الْعُمُومِ يُعْمَلُ بِهِ فِيمَا عَدَا تِلْكَ الصُّورَةِ، وَأَمَّا أَنْ يُلْغَى النَّصُّ الْخَاصُّ بِالْكُلِّيَّةِ وَيُتَمَسَّكَ بِالْعُمُومِ عَلَى عُمُومِهِ فَهَذَا شَيْءٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، وَهَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فِيهِ ثَلَاثَةُ نُصُوصٍ خَاصَّةٍ، أَحَدُهَا تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ إِلَى الْمُتَوَفَّى فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ، وَالثَّانِي تَقْدِيمُ الْإِخْوَةِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَالثَّالِثُ تَقْدِيمُ الْأَخِ الشَّقِيقِ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ وَتَقْدِيمُ ابْنِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ نُصُوصٍ خَاصَّةٍ فِي صُورَةٍ خَاصَّةٍ يُتَمَسَّكُ بِهَا فِيهَا وَتَخُصُّ مِنْ عُمُومِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، وَلَا يُعْمَلُ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ إِلَّا فِيمَا عَدَا هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْخَاصَّةِ، فَلَا يُعْطَى ابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ وَلَا الْأَخُ لِلْأَبِ مَعَ الشَّقِيقِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُمَا مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ عَاشَ لَاسْتَحَقَّ، وَلَا يَقُولُ قَائِلٌ: أُعْطِيهِمَا مَعَ الشَّقِيقِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ أُقِيمَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مُخَرَّجَةٌ بِنَصٍّ يَخُصُّهَا، وَكَذَلِكَ لَا يُعْطَى سَائِرُ أَهْلِ الدَّرَجَةِ مَعَ الْإِخْوَةِ؛ تَمَسُّكًا بِذَلِكَ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُمْ مُخَرَّجُونَ بِنَصٍّ يَخُصُّهُمْ، وَكَذَلِكَ لَا يُعْطَى الْأَبْعَدُ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَقْرَبِ إِلَى الْمُتَوَفَّى تَمَسُّكًا بِذَلِكَ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ مُخَرَّجٌ بِنَصٍّ يَخُصُّهُ، فَهَذِهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ يُعْمَلُ بِنُصُوصِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا وَيُخَرَّجُ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ وَتَبْقَى بَقِيَّةُ ذَلِكَ الْعُمُومِ مَعْمُولًا بِهِ فِيمَا عَدَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْفَرَائِضِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ الْفَرَائِضِ
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَابْنِ ابْنٍ، فَهَلْ يَكُونُ إِرْثُ الْبِنْتِ حِينَئِذٍ بِالْفَرْضِ أَوْ بِالتَّعْصِيبِ؟
الْجَوَابُ: بِالْفَرْضِ.
مَسْأَلَةٌ:
هُدَاةَ الدِّينِ أَعْلَامَ الْخِطَابِ ... وَفُرْسَانَ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ
لَقَدْ بَعُدَتْ عَنِ الْإِفْهَامِ مِنَّا ... مُغْرِبَةٌ تُخَالُ مِنَ الْكِذَابِ
стр. 204
تَلَقَّى الْإِرْثَ أَرْبَعَةٌ وَأَفْضَوْا
إِلَى قَسْمٍ يُعَدُّ مِنَ الْعُجَابِ ... فَأَوَّلُهُمْ مَضَى بِالثُّلْثِ حَظًّا
وَثُلْثَ اللَّذْ بَقِي ثَانِي الصِّحَابِ ... وَثُلْثُ الْبَاقِي بَعْدَ الثَّانِي مَازُوا
لِثَالِثِهِمْ، فَأَعْصَى لِلصَّوَابِ ... وَحَازَ الرَّابِعُ الْبَاقِي نَصِيبًا
وَقَالُوا قَسْمُنَا وَفْقَ الْكِتَابِ ... وَأَشْكَلَ أَمْرُهُمْ جِدًّا عَلَيْنَا
وَبِتْنَا مِنْهُ فِي تِيهِ ارْتِيَابِ ... فَهَلْ مِنْ كَاشِفٍ عَنَّا بِفَضْلٍ
وَتِبْيَانٍ غَيَاهِيبَ الْحِجَابِ؟ ... وَهَلْ مِنْ عَالِمٍ يَشْفِي غَلِيلًا
بِشَرْحِ الْحَالِ فِي ضِمْنِ الْجَوَابِ؟ ... يُجَازِيهِ الْإِلَهُ عَلَيْهِ خَيْرًا
وَيَمْنَحُهُ الْجَزِيلَ مِنَ الثَّوَابِ ... بَقِيتُمْ لِلْوَرَى أَعْلَامَ رُشْدٍ
هُدَاةً فِي الذِّهَابِ وَفِي الْإِيَابِ
الْجَوَابُ:
بِحَمْدِ اللَّهِ مُفْتَتَحُ الْكِتَابِ ... وَمُبْتَدَأُ الْمَسَائِلِ وَالْجَوَابِ
وَتَسْلِيمٌ عَلَى الْهَادِي لِدِينٍ ... وَمَنْ أُوتِيَ الْبَلَاغَةَ فِي الْخِطَابِ
جَوَابُكَ خُذْهُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ... وَلَا يُشْنِي بِشَكٍّ وَارْتِيَابِ
لَئِنْ كَدَّرْتَ فَهْمَكَ فِيهِ لَمَّا ... عَيِيتَ لَقَدْ تَبَيَّنَ بِاقْتِرَابِ
فَزَوْجٌ، ثُمَّ أُمٌّ، ثُمَّ جَدٌّ ... وَأُخْتٌ لَا لِأُمٍّ فِي انْتِسَابِ
لَهَا كَالزَّوْجِ نِصْفٌ، ثُمَّ سُدْسٌ ... لِجَدٍّ ثُلْثُ أُمٍّ فِي الْكِتَابِ
فَإِنَّ الْأَصْلَ سِتٌّ، ثُمَّ عَالَتْ ... لِتِسْعٍ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحِسَابِ
وَمِنْ سَبْعٍ تَلِي عِشْرِينَ صَحَّتْ ... ، فَتِسْعُ الزَّوْجِ ثُلْثٌ لِاكْتِسَابِ
وَسِتُّ الْأُمِّ ثُلْثُ الْبَاقِي قَطْعًا ... وَرُبْعُ الْأُخْتِ ثُلْثٌ فِي اعْتِقَابِ
وَبَاقِيهَا ثَمَانِيَةٌ لِجَدٍّ ... ، فَخُذْ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى الصَّوَابِ
وَنَاظِمُهُ ابن الأسيوطي يَرْجُو ... مِنَ الرَّحْمَنِ عَفْوًا فِي الْمَآبِ
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ زَوْجَةً وَأَخًا وَمِائَةً وَخَمْسِينَ دِينَارًا، فَادَّعَتِ الزَّوْجَةُ دَيْنًا مِائَةَ دِينَارٍ وَصَدَّقَهَا الْأَخُ وَقَبَضَتْهَا، ثُمَّ اقْتَسَمَا الْبَاقِيَ، فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى بِمِائَةِ دِينَارٍ وَصَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ دُونَ الْأَخِ، فَمَاذَا يُعْطَى؟ .
الْجَوَابُ: إِنَّهُ يَأْخُذُ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ دِينَارًا وَنِصْفًا، وَالْأَخُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالزَّوْجَةُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَخَ لَوْ صَدَّقَهُ أَيْضًا لَقُسِّمَتِ الْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ، فَيَأْخُذُ كُلٌّ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، فَإِذَا صَدَّقَتِ الزَّوْجَةُ فَقَطْ أَخَذَتْ مَا كَانَتْ تَأْخُذُهُ حَالَ تَصْدِيقِ
стр. 205
الْأَخِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهَا يَسْرِي فِي الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يُؤْخَذُ مِنْ حِصَّتِهَا وَيَلْغُو فِي حِصَّةِ الْأَخِ، فَكَأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِمَّا فِي يَدِهَا سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ وَنِصْفًا، خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الدَّيْنِ، وَالِاثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ حِصَّةُ الْإِرْثِ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقَدْرَ الَّذِي أَخَذَهُ الْأَخُ بِكَمَالِهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي جَانِبِ الْأَخِ وَيُقْبَلُ فِي جَانِبِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَضُرَّ بِأَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَى مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهَا لَوْ صَدَّقَ الْأَخُ.
[الْبَدْرُ الَّذِي انْجَلَى فِي مَسْأَلَةِ الْوَلَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَقَعَ السُّؤَالُ عَنِ امْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ وَتَرَكَتِ ابْنًا، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ وَتَرَكَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ، فَهَلْ يَرِثُهُ ابْنُ عَمِّ ابْنِ الْمُعْتِقَةِ؟ وَذَكَرَ السَّائِلُ - وَهُوَ الشَّيْخُ بدر الدين المارديني فَرْضِيُّ هَذَا الْوَقْتِ - أَنَّ الْمُفْتِينَ فِي عَصْرِنَا اخْتَلَفُوا فِي هَذَا، فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِإِرْثِهِ وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِ إِرْثِهِ، وَسَأَلَنِي الشَّيْخُ بدر الدين مَنِ الْمُصِيبُ، وَهَلْ تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ؟ فَأَجَبْتُ بِأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ إِرْثِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَمُقْتَضَى نُصُوصِ الْأَصْحَابِ قَاطِبَةً، ثُمَّ وَجَدْتُ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ عَقَدْتُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةَ لِبَيَانِهَا وَسَمَّيْتُهَا: الْبَدْرُ الَّذِي انْجَلَى فِي مَسْأَلَةِ الْوَلَا، فَأَقُولُ: أَمَّا بَيَانُ كَوْنِهِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ : ( «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» ) هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَةُ الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ، حَيْثُ شَبَّهَ الْوَلَاءَ بِالنَّسَبِ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخُصُوصِهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، فَجَعَلُوا الْوَلَاءَ دُونَ النَّسَبِ فِي الْقُوَّةِ، قَالَ السبكي: شَبَّهَ ﷺ الْوَلَاءَ بِالنَّسَبِ، وَالْمُشَبَّهُ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ يَرِثُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُؤَدِّي إِلَى زِيَادَةِ الْوَلَاءِ عَلَى النَّسَبِ فِي الْقُوَى؛ لِأَنَّ ضَابِطَ الَّذِي يَرِثُ بِالْوَلَاءِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ يَوْمَ مَوْتِ الْعَتِيقِ وَرِثَهُ، وَالْمَرْأَةُ لَوْ مَاتَتْ وَابْنُ عَمِّ وَلَدِهَا مَوْجُودٌ لَمْ يَرِثْهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَتَوْرِيثُهُ بِالْوَلَاءِ مَعَ عَدَمِ تَوْرِيثِهِ بِالنَّسَبِ تَقْوِيَةٌ لِلْوَلَاءِ عَلَى النَّسَبِ وَهُوَ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْأَدِلَّةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِالْوَلَاءِ إِلَّا عَصَبَةُ الْمُعْتِقِ، وَلِهَذَا لَمْ يَرِثْ إِلَّا أَصْحَابُ الْفُرُوضِ، وَعَصَبَةُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ لَيْسُوا عَصَبَةً لِلْمُعْتِقِ، فَلَمْ يَدْخُلُوا تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ، وَأَمْرٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، قَالَ ابن الصباغ فِي الشَّامِلِ: لَوْ كَانَ الْوَلَاءُ يُورَثُ لَكَانَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ يَرِثَانِهِ، وَقَدْ
стр. 206
حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَرِثَانِ الْوَلَاءَ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: أَصْلُ الْبَابِ أَنَّ عَصَبَةَ الْمُعْتِقِ لَا يَرِثُونَ الْوَلَاءَ كَمَا يَرِثُونَ الْأَمْلَاكَ وَحُقُوقَهَا وَإِنَّمَا يَرِثُونَ بِالْوَلَاءِ بِانْتِسَابِهِمْ إِلَى الْمُعْتِقِ، فَمُقْتَضَى الْعُصُوبَةِ الْمَحْضَةِ تَقْتَضِي تَوْرِيثَهُمْ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ الْوَلَاءَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَوْ كَانَ مَوْرُوثًا لَاقْتَضَى الْقِيَاسُ أَنْ يَسْتَوِيَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِالْإِرْثِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَقَالَ الرافعي: قَوْلُهُ ﷺ : " «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» " مَعْنَاهُ: قَرَابَةٌ وَامْتِشَاجٌ كَامْتِشَاجِ النَّسَبِ، وَقَوْلُهُ: " «لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» " يَعْنِي أَنَّ نَفْسَ الْوَلَاءِ لَا يُنْقَلُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا أَنَّ الْقَرَابَةَ لَا تُنْقَلُ، وَيُرْوَى النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُورَثُ الْوَلَاءُ، لَكِنْ يُورَثُ بِهِ كَمَا أَنَّ النَّسَبَ لَا يُورَثُ وَيُورَثُ بِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَلَاءُ مَوْرُوثًا لَاشْتَرَكَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. انْتَهَى كَلَامُ الرافعي، وَإِذَا لَمْ يُورَثِ الْوَلَاءُ لَمْ يَرِثْ عَصَبَةُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ عَصَبَةَ الْمُعْتِقِ إِنَّمَا وَرِثُوا بِقَرَابَتِهِمْ مِنَ الْمُعْتِقِ لَا بِإِرْثِهِمُ الْوَلَاءَ الَّذِي كَانَ لِلْمُعْتِقِ، وَعَصَبَةُ الْعَصَبَةِ لَيْسُوا بِأَقَارِبِ الْمُعْتِقِ وَلَا وَرِثُوا الْوَلَاءَ مِنَ الْعَصَبَةِ، فَلَمْ يَرِثُوا بِهِ شَيْئًا. هَذَا مُقْتَضَى الدَّلِيلِ.
وَأَمَّا بَيَانُ كَوْنِ ذَلِكَ مُقْتَضَى نُصُوصِ الصِّحَابِ، فَمِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: إِطْبَاقُ الْأَصْحَابِ عَلَى قَوْلِهِمْ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمُعْتِقُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِعَصَبَاتِهِ مِنَ النَّسَبِ الَّذِينَ يُعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ أَحَدٌ، فَالْمَالُ لِمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ، ثُمَّ لِعَصَبَاتِهِ، ثُمَّ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِ الْمُعْتِقِ، وَهَكَذَا، فَجَعْلُهُمُ الْمَالَ بَعْدَ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ لِمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ عَصَبَةَ الْعَصَبَةِ لَا يَرِثُونَ شَيْئًا، وَإِلَّا لَقَالُوا: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ أَحَدٌ فَلِعَصَبَةِ عَصَبَتِهِ، فَكَانُوا يَذْكُرُونَ عَصَبَةَ الْعَصَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوا مُعْتِقَ الْمُعْتِقِ، وَلَا يَتَخَيَّلُ مُتَخَيَّلٌ دُخُولَ عَصَبَةِ الْعَصَبَةِ فِي لَفْظِ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ بِحَالٍ، لَا مَعْنًى وَلَا لَفْظًا، وَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ ذَلِكَ وَعَصَبَةُ الْعَصَبَةِ لَيْسُوا بِعَصَبَةٍ لِلْمُعْتِقِ، بَلْ هُمْ مِنْهُ أَجَانِبُ مَحْضٌ، وَإِذَا كَانَ الْفُقَهَاءُ لَمْ يَرَوُا الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ الْمُعْتِقِ حَتَّى تَعَرَّضُوا لِمُعْتِقِ مُعْتِقِ الْمُعْتِقِ وَمَنْ فَوْقَهُ، مُصَرِّحِينَ بِتَأْخِيرِهِمْ عَنْ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ إِرْثُ عَصَبَةِ الْعَصَبَةِ قَبْلَ مُعْتِقِ الْمُعْتِقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضِهِمْ لَهُ وَلَا تَصْرِيحِهِمْ بِهِ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا عِبَارَةُ الرافعي حَيْثُ قَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُعْتِقُ حَيًّا وَرِثَ بِوَلَائِهِ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ وَلَا يَرِثُ أَصْحَابُ الْفُرُوضِ وَلَا الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِغَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمُعْتِقِ عَصَبَةٌ مِنَ النَّسَبِ، فَالْمِيرَاثُ لِمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِعَصَبَاتِ مُعْتِقِ الْمُعْتِقِ، وَهَكَذَا، فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمُعْتِقِ عَصَبَةٌ مِنَ النَّسَبِ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ،
стр. 207
فَابْنُ عَمِّ الْوَلَدِ لَيْسَ عَصَبَةً لِلْمُعْتِقَةِ وَلَا نَسِيبًا لَهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُ الرافعي: لِلْأَصْحَابِ عِبَارَةٌ ضَابِطَةٌ لِمَنْ يَرِثُ بِوَلَاءِ الْمُعْتِقِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُعْتِقُ حَيًّا، وَهِيَ أَنَّهُ يَرِثُ الْعَتِيقَ بِوَلَاءِ الْمُعْتِقِ ذَكَرٌ يَكُونُ عَصَبَةً لِلْمُعْتِقِ لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ يَوْمَ مَوْتِ الْعَتِيقِ بِصِفَتِهِ، وَهَذَا الضَّابِطُ يَخْرُجُ عَنْهُ عَصَبَةُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ مَاتَتْ وَابْنُ عَمِّ وَلَدِهَا مَوْجُودٌ لَمْ يَرِثْهَا إِجْمَاعًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَالَ الرافعي: وَلَا مِيرَاثَ لِغَيْرِ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ إِلَّا لِمُعْتِقِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَصَبَةَ الْعَصَبَةِ غَيْرُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ، فَدَخَلُوا فِي هَذَا النَّفْيِ، وَعِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ فِي التَّهْذِيبِ: وَلَا مِيرَاثَ لِمُعْتِقِ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ إِلَّا لِمُعْتِقِ أَبِيهِ أَوْ لِمُعْتِقِ جَدِّهِ وَإِنْ عَلَا، وَكَذَلِكَ مُعْتِقُ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ لَا يَرِثُ إِلَّا مُعْتِقُ أَبِي الْمُعْتِقِ أَوْ مُعْتِقُ جَدِّهِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَلَى أَوْلَادِ بَنِيهِ وَإِنْ سَفَلُوا، هَذِهِ عِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ فِي التَّهْذِيبِ، فَانْظُرْ كَيْفَ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْمِيرَاثِ عَنْ مُعْتِقِ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ، وَمَعْنَى الْعَصَبَةِ مِنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِ عَصَبَةِ الْعَصَبَةِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ بِهَذَا التَّصْرِيحِ فَكَذَلِكَ بَاقِي عَصَبَةِ الْعَصَبَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ كَوْنُهُ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمُعْتِقِ، فَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُعْتِقِ وَالنَّسَبِ، وَإِنَّمَا وَرِثَ مُعْتِقُ الْأَبِ وَالْجَدِّ بِالِانْجِرَارِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى الْأَحْفَادِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا هَذَا التَّصْرِيحُ مِنَ الْبَغَوِيِّ لَكَانَ كَافِيًا، هَذَا بَعْضُ مَا اقْتَضَتْهُ نُصُوصُ الْأَصْحَابِ.
وَأَمَّا التَّصْرِيحُ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَةً وَمَاتَ الْمُعْتِقُ عَنِ ابْنٍ وَالِابْنُ عَنْ أَخٍ لِأُمِّهِ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتِقُ، فَالْمِيرَاثُ لِعَصَبَةِ الْمُعْتِقِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنَ الْمُعْتِقِ قَالَ: وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ أَخٌ لِأُمِّهِ لَمْ يَرِثْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ لَهُ، هَذِهِ عِبَارَةُ الْمُحِيطِ، فَانْظُرْ كَيْفَ عَلَّلَ الْأَوَّلَ بِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمُعْتِقِ، وَلَمْ يُعَلِّلْهُ بِكَوْنِهِ صَاحِبَ فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ كَمَا عَلَّلَ بِذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، فَدَلَّ بِفَرْقِهِ بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ إِذَا كَانُوا أَجَانِبَ مِنَ الْمُعْتِقِ عَصَبَةً كَانُوا أَوْ أَصْحَابَ فَرْضٍ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ عِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السرخسي مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ الْمَبْسُوطِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ الْأَمَةَ، ثُمَّ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنًا، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ وَتَرَكَ أَخًا مِنْ أُمِّهِ، ثُمَّ مَاتَتِ الْأَمَةُ، فَمِيرَاثُهَا لِعَصَبَةِ الْمُعْتِقِ وَلَيْسَ لِلْأَخِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَأَخُو ابْنِ الْمُعْتِقِ لِأُمِّهِ أَجْنَبِيٌّ مِنَ الْمُعْتِقِ، وَكَذَا أَخُو الْمُعْتِقِ لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ لَهُ إِنَّمَا هُوَ صَاحِبُ فَرِيضَةٍ، وَلَا يُخْلِفُ الْمُعْتَقَ فِي مِيرَاثِ مُعْتِقٍ إِلَّا مَنْ كَانَ عَصَبَةً لَهُ، هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذِهِ كُلُّهَا عُلَالَاتٌ وَاحْتِمَالَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِنَقْلٍ صَرِيحٍ وَإِلَّا لَمْ نَقْبَلْ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتَ. قُلْتُ: اسْمَعْ يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ، أَنَا عَادَتِي فِي التَّقْرِيرِ أَنْ أَبْدَأَ أَوَّلًا بِالْإِخْفَاءِ، ثُمَّ أَنْتَقِلَ إِلَى الْإِجْلَاءِ وَآتِيَ بِالْمُحْتَمَلَاتِ، ثُمَّ أُثَنِّيَ بِالدَّامِغَاتِ فَأَكْسِرَ بِهَا رُؤُوسًا وَأُحْيِيَ بِهَا نُفُوسًا، فَأَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي
стр. 208
دِينِ اللَّهِ بِمَا تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى نُقُولِ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ الْآنَ لَا يَعْتَمِدُونَ فَتْوَى الْمُجْتَهِدِ بِاجْتِهَادِهِ وَاسْتِنْبَاطِهِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مَقْبُولًا شَرْعًا لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَدِلَّةٍ وَحُجَجٍ، وَلَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ مَنْقُولًا فِي الْمَذْهَبِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمَنْ لَيْسَ مُجْتَهِدًا أَنْ يُفْتِيَ بِغَيْرِ نَقْلٍ وَلَا اسْتِنَادٍ إِلَى حُجَّةٍ؟ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ لِلْمَاوَرْدِيِّ وَعِبَارَتُهُ: فَلَوْ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ عَبْدًا وَمَاتَتْ وَخَلَّفَتِ ابْنًا وَأَخًا، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ، كَانَ وَلَاؤُهُ لِلِابْنِ دُونَ الْأَخِ، وَلَوْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ وَخَلَّفَ عَمًّا وَخَالًا، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ كَانَ وَلَاؤُهُ لِخَالِهِ دُونَ عَمِّهِ؛ لِأَنَّ الْخَالَ أَخُو الْمُعْتِقَةِ وَالْعَمَّ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا، هَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ مَوْرُوثًا يُجْعَلُ الْوَلَاءُ لِعَمِّ الِابْنِ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمُعْتِقَةِ دُونَ الْخَالِ وَإِنْ كَانَ أَخَاهَا؛ لِانْتِقَالِ مَالِهِ إِلَى عَمِّهِ دُونَ خَالِهِ، وَقَدْ بَسَطَ السبكي الْمَسْأَلَةَ بَسْطًا شَافِيًا فِي كِتَابِهِ الْغَيْثِ الْمُغْدِقِ، فَقَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، وَهِيَ إِذَا مَاتَتِ الْمُعْتَقَةُ وَخَلَّفَتِ ابْنًا وَأَخَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا وَتَرَكَ عَصَبَتَهُ كَأَعْمَامِهِ وَبَنِي عَمِّهِ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ وَتَرَكَ أَخَا مَوْلَاتِهِ وَعَصَبَةَ ابْنِهَا، فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّ مِيرَاثَهُ لِأَخِي مَوْلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ، فَإِنِ انْقَرَضَ عَصَبَتُهَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ عَصَبَةِ ابْنِهَا، وَبِهِ قَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وعطاء وطاووس وَالزُّهْرِيُّ وقتادة وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ علي أَنَّهُ لِعَصَبَةِ الِابْنِ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عمر وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ شريح، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يُورَثُ كَمَا يُورَثُ الْمَالُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أحمد نَحْوُ هَذَا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاقٍ لِلْمُعْتِقِ يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَصَبَاتِهِ لَمْ يَرِثْ شَيْئًا، وَعَصَبَاتُ الِابْنِ غَيْرُ عَصَبَاتِ أُمِّهِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ غَلَطٌ، قَالَ حميد: النَّاسُ يُغَلِّطُونَ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. انْتَهَى مَا أَوْرَدَهُ السبكي هُنَا.
فَانْظُرْ كَيْفَ صَرَّحَ بِأَنَّ عَدَمَ الْإِرْثِ هُوَ قَوْلُ مالك وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ وَأَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ أحمد، ثُمَّ قَالَ السبكي بَعْدَ ذَلِكَ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِيهِ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عمر وعلي وزيد وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَبِهِ قَالَ عطاء وَسَالِمُ بن عبد الله والحسن وابن سيرين وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخْعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وقتادة وَأَبُو الزِّنَادِ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وإسحاق وَأَبُو ثَوْرٍ وداود، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أحمد.
стр. 209
وَحَكَى الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ عَنْ طَاوُوسٍ أَيْضًا، وَشَذَّ شريح فَقَالَ: الْوَلَاءُ كَالْمَالِ يُورَثُ عَنِ الْمُعْتِقِ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَحَكَى القاضي حسين وَغَيْرُهُ ذَلِكَ عَنْ طَاوُوسٍ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ ابن المنذر عَنِ الزبير - يعني ابن العوام - وَرَوَاهُ حنبل ومحمد بن الحكم عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَلَّطَهُمَا أبو بكر وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ السبكي، فَانْظُرْ كَيْفَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ مَذْهَبِ مالك وَأَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَحْكِ عَنْهُمَا خِلَافًا، وَجَعَلَهُ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ أحمد، فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَفْتَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْإِرْثِ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: الثَّلَاثَةِ بِاتِّفَاقٍ، وأحمد عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمَاوَرْدِيِّ: فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ مَوْرُوثًا، يُرِيدُ بِهِ قَوْلَ مَنْ شَذَّ كشريح وَنَحْوِهِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ رَاجَعْتُ سُنَنَ الْبَيْهَقِيِّ، فَوَجَدْتُهُ رَجَّحَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ، وَعَقَدَ بَابًا احْتَجَّ لَهُ فِيهِ بِحَدِيثٍ وَآثَارٍ، ثُمَّ عَقَدَ بَابًا ثَانِيًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْوَلَاءَ يُورَثُ، وَرَوَى فِيهِ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَضَعَّفَهُ، ثُمَّ تَأَوَّلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ، وَرَوَى فِيهِ الرِّوَايَةَ الْمَعْزُوَّةَ إِلَى عَلِيٍّ وَخَطَّأَهَا مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ، ثُمَّ رَوَى عَنْهُ مُوَافِقَةَ الْجُمْهُورِ، ثُمَّ رَوَى عَنِ الزبير الرِّوَايَةَ الْمَعْزُوَّةَ إِلَيْهِ وَتَأَوَّلَهَا، ثُمَّ رَوَى عَنِ ابن الزبير أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ، قَالَ عطاء: فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَى ابن الزبير، وَقَالَ محمد بن زيد بن المهاجر: لَمَّا قَضَى بِهِ ابن الزبير سَمِعْتُ القاسم بن محمد يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ بِمَالٍ مَوْضُوعٍ يَرِثُهُ مَنْ وَرِثَهُ، إِنَّمَا الْمَوْلَى عَصَبَةٌ.
وَهَا أَنَا أَسُوقُ مَا أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَابَيْنِ، ثُمَّ أَرْتَقِي إِلَى جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مُسْنَدًا مُخَرَّجًا لِيُسْتَفَادَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: بَابُ الْوَلَاءِ لِلْكُبْرِ مِنْ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ بِالْمُعْتِقِ إِذَا كَانَ قَدْ مَاتَ الْمُعْتِقُ، ثُمَّ أَخْرَجَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ العاص بن هشام هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً، اثْنَانِ لِأُمٍّ وَرَجُلٌ لِعَلَّةٍ، فَهَلَكَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ لِأُمٍّ وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ، فَوَرِثَهُ أَخُوهُ الَّذِي لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ مَالَهُ وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ، ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَوَلَاءَ الْمَوَالِي وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ، فَقَالَ ابْنُهُ: قَدْ أَحْرَزْتُ مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَ مِنَ الْمَالِ وَوَلَاءِ الْمَوَالِي، وَقَالَ أَخُوهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا أَحْرَزْتَ الْمَالَ، فَأَمَّا الْمَوَالِي فَلَا، أَرَأَيْتَ لَوْ هَلَكَ أَخِي الْيَوْمَ أَلَسْتُ أَرِثُهُ أَنَا، فَاخْتَصَمَا إِلَى عثمان فَقَضَى لِأَخِيهِ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي، وَأَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عمر وعثمان ﵄ قَالَا: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، وَأَخْرَجَ عَنِ النَّخْعِيِّ أَنَّ عليا وعبد الله وزيدا قَالُوا:
стр. 210
الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، وَأَخْرَجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عليا ﵁ قَالَ: إِذَا أَعْتَقَتِ الْمَرْأَةُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، فَهَلَكَتْ وَتَرَكَتْ وَلَدًا ذَكَرًا، فَوَلَاءُ ذَلِكَ الْمَوْلَى لِوَلَدِهَا مَا كَانُوا ذُكُورًا، فَإِذَا انْقَطَعَتِ الذُّكُورُ رَجَعَ الْوَلَاءُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا، وَقَالَ شريح: يَمْضِي الْوَلَاءُ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا يَمْضِي الْمِيرَاثُ وَلَكِنْ لَا يُوَرَّثُ الْوَلَاءُ أُنْثَى إِلَّا شَيْئًا أَعْتَقَتْهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مالك فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عبد الله بن أبي بكر أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَاخْتَصَمَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ وَنَفَرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، فَمَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَتَرَكَتْ مَالًا وَمَوَالِيَ، فَوَرِثَهَا ابْنُهَا وَزَوْجُهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا، فَقَالَ وَرَثَةُ ابْنِهَا: لَنَا وَلَاءُ الْمَوَالِي قَدْ كَانَ ابْنُهَا أَحْرَزَهُ، وَقَالَ الْجُهَنِيُّونَ: لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا هُمْ مَوَالِي صَاحِبَتِنَا، فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهَا فَلَنَا وَلَاؤُهُمْ وَنَحْنُ نَرِثُهُمْ، فَقَضَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لِلْجُهَنِييِّنَ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ يُؤَكِّدُ مَا مَضَى مِنَ الْآثَارِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يونس عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَوْلَى أَخٌ فِي الدِّينِ وَنِعْمَةٌ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ أَقْرَبُهُمْ مِنَ الْمُعْتِقِ» "، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: بَابُ مَنْ قَالَ: مَنْ أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ أَحْرَزَ الْوَلَاءَ، وَأَخْرَجَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رأب بن حذيفة تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ، فَوَرِثُوا رِبَاعَهَا وَوَلَاءَ مَوَالِيهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتُوا، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا وَتَرَكَ مَالًا، فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عمر: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ أَوِ الْوَالِدُ، فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ» " قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عبد الملك اخْتَصَمُوا إِلَى هشام بن إسماعيل أَوْ إِلَى إسماعيل بن هشام، فَرَفَعَهُمْ إِلَى عبد الملك، فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي مَا كُنْتُ أَرَاهُ، فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَنَحْنُ فِيهِ إِلَى السَّاعَةِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُمَا قَالَا: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، وَمُرْسَلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عمر أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فِيهِ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ يزيد بن هارون: أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وشريك عَنْ عمران بن مسلم بن رباح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عليا يَقُولُ: الْوَلَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ النَّسَبِ، فَمَنْ أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ فَقَدْ أَحْرَزَ الْوَلَاءَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَذَا وَجَدْتُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَكَانَ يَزِيدُ حَمَلَ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ عَلَى رِوَايَةِ شريك، وشريك وَهِمَ فِيهِ وَإِنَّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ سليمان
стр. 211
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ علي ﵁: الْوَلَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الرِّقِّ مَنْ أَحْرَزَ الْوَلَاءَ أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مسعر عَنْ عمران، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَنْ كَانَ لَهُ الْوَلَاءُ كَانَ لَهُ الْمِيرَاثُ بِالْوَلَاءِ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: الْوَلَاءُ لِلَّذِي يَحُوزُ الْمِيرَاثَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الَّذِي يَحُوزُ الْمِيرَاثَ وَهُوَ الْعَصَبَةُ الَّذِي يَأْخُذُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ بِالْوَلَاءِ دُونَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ محمد بن زيد بن المهاجر أَنَّهُ حَضَرَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وطلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ إِلَى ابن الزبير فِي مِيرَاثِ أبي عمرو مولى عائشة، وَكَانَ عبد الله وَرِثَ عائشة دُونَ القاسم؛ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَخَاهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا، وَكَانَ محمد أَخَاهَا لِأَبِيهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ عبد الله، فَوَرِثَهُ ابْنُهُ طلحة، ثُمَّ تُوفِّيَ أبو عمرو، فَقَضَى بِهِ عبد الله بن الزبير لطلحة، قَالَ: فَسَمِعْتُ القاسم بن محمد يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ بِمَالٍ مَوْضُوعٍ يَرِثُهُ مَنْ وَرِثَهُ، إِنَّمَا الْمَوْلَى عَصَبَةٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنْ عطاء تَوْرِيثَ ابن الزبير ابن عبد الله بن عبد الرحمن دُونَ القاسم، قَالَ عطاء: فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَى ابن الزبير، هَذَا مَا أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَقَدْ عَقَدَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ بَابًا لِذَلِكَ، فَأَخْرَجَ فِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَالَ شريح: مَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وعبد الله وزيد: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، وَأَخْرَجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عمر وعليا وَابْنَ مَسْعُودٍ وزيدا كَانُوا يَجْعَلُونَ الْوَلَاءَ لِلْكُبْرِ، وَأَنَّ شريحا كَانَ يَقُولُ: الْوَلَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ يَجْرِي مَجْرَى الْمِيرَاثِ. وَرَوَى محمد بن الحسن صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَصْلِ عَنْ يعقوب عَنِ الحسن بن عمارة عَنِ الحكم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وأبي مسعود الأنصاري وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، وَرَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حماد عَنْ إبراهيم مِثْلَهُ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ وَقَوْلُ أبي يوسف ومحمد، ثُمَّ رَوَى عَنْ يعقوب عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إبراهيم عَنْ شريح أَنَّهُ قَالَ: الْوَلَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ، قَالَ: وَلَيْسَ يَأْخُذُ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا أبو يوسف ومحمد.
(فَائِدَةٌ) قَوْلُهُمُ: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ: أَكْبَرُ الْجَمَاعَةِ، وَمَعْنَاهُ هُنَا الْأَقْعَدُ بِالنَّسَبِ، كَذَا فِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ وَنِهَايَةِ ابن الأثير وَذَكَرَهُ الزركشي فِي شَرْحِ الْجَعْبَرِيَّةِ وَزَادَ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَكْبَرَ فِي السِّنِّ، وَقَالَ الحيري فِي التَّلْخِيصِ: مَعْنَى قَوْلِهِمُ: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ؛ أَيْ هُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَاتِ الْمَوْلَى يَوْمَ يَمُوتُ الْعَبْدُ.
стр. 212
مُدْرَكٌ آخَرُ: قَالَ السبكي: الْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ مُصَرِّحُونَ - الشيخ أبو حامد وَغَيْرُهُ - بِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَلَكِنْ هَلْ نَقُولُ: إِنَّهُ بِنَفْسِ الْعِتْقِ ثَبَتَ لِلْمُعْتِقِ وَجَمِيعِ عَصَبَاتِهِ؟ أَوْ ثَبَتَ لِلْمُعْتِقِ فَقَطْ وَبَعْدَهُ يَثْبُتُ لِعَصَبَاتِهِ لَا عَلَى جِهَةِ الْإِرْثِ، بَلْ عَلَى جِهَةِ أَنَّ ثُبُوتَهُ لَهُمْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ، يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَاءِ بِالنَّسَبِ أَنَّهُ بِنَفْسِ الْعِتْقِ ثَبَتَ لِلْجَمِيعِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ، قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُ عَتِيقًا لِلسَّيِّدِ يُثْبِتُ نَسَبَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَصَبَتِهِ حِسًّا، فَإِنَّا نَقُولُ: عَتِيقُ ابْنِ عَمِّ فُلَانٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا ثُبُوتُ هَذِهِ النِّسْبَةِ شَرْعًا، فَالْحَدِيثُ يَقْتَضِيهَا وَتَوْقِيفُهَا عَلَى مَوْتِ الْمُعْتِقِ بَعِيدٌ وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ مَا لَوْ أَعْتَقَ كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا وَلِلْمُعْتِقِ ابْنٌ مُسْلِمٌ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ، فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِابْنِ الْمُعْتِقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْأَرْجَحِ، لَا لِبَيْتِ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ لِلْعَصَبَةِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ، وَمُقَابِلُهُ رَأْيٌ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ، وَالْمُعْتِقُ قَامَ بِهِ مَانِعُ الْكُفْرِ فَانْتَقَلَ إِرْثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَيُوَافِقُ الْأَوَّلُ قَوْلَ الرافعي فِي الْوَصَايَا فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ مَرِيضٌ عَبْدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ السَّيِّدُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ السَّيِّدُ مِنْ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ، بَلْ إِنْ كَانَ لَهُ وَارْثٌ أَقْرَبُ مِنْ سَيِّدِهِ، فَهِيَ لَهُ وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ عَصَبَاتِ السَّيِّدِ. انْتَهَى.
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ نَشَأَ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ، أَعْنِي كَوْنَهُ لَا يَنْتَقِضُ، وَكَوْنَهُ يَثْبُتُ لِلْعَصَبَةِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ أَنَّ عَصَبَةَ الْعَصَبَةِ لَا يَرْثُونَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إِثْبَاتِهِ لِمَنْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنَ الْمُعْتِقِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَقْلِهِ، فَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مِنْهُ شَيْئًا.
عُودٌ إِلَى بَدْءٍ فِي نُقُولٍ أُخْرَى مُصَرِّحَةٍ مِنْ كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، قَالَ الحيري مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ التَّلْخِيصِ فِي الْفَرَائِضِ: إِذَا مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ عَبْدِهِ لَمْ يَنْتَقِلِ الْوَلَاءُ إِلَى عَصَبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَقَالَ شريح وأحمد: هُوَ مَوْرُوثٌ كَمَا يُورَثُ الْمَالُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: امْرَأَةٌ أَعْتَقَتْ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ فَتَرَكَتِ ابْنًا وَأَخًا، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ، فَمَالُهُ لِابْنِ مَوْلَاتِهِ، فَإِنْ تَرَكَ ابْنُهَا أَبَاهُ أَوْ عَمَّهُ أَوِ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَخُو الْمَرْأَةِ أَحَقُّ مِنْ عَصَبَةِ ابْنِهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ عمر وعلي وشريح وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ والحسن وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: عَصَبَةُ ابْنِهَا أَوْلَى، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ عبد الله، وَكَذَلِكَ إِنْ مَاتَ أَخُو الْمَرْأَةِ وَخَلَّفَ ابْنًا، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ عَصَبَةِ الِابْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ عَصَبَةُ الِابْنِ أَوْلَى. انْتَهَى. وَهَذَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ الْمَاوَرْدِيِّ، وَتِلْكَ أَصْرَحُ، حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا، وَفِي الْأَصْلِ لمحمد بن الحسن صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا نَصُّهُ: وَإِذَا أَعْتَقَتِ الْمَرْأَةُ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ وَتَرَكَتِ ابْنَهَا وَأَخَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا وَتَرَكَ
стр. 213
أَخَاهُ لِأَبِيهِ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ، فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِأَخِي الْمَرْأَةِ وَلَا يَكُونُ لِأَخِي ابْنِهَا مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِابْنِهَا ابْنَةٌ لَمْ تَرِثْ مِنْ مِيرَاثِ الْمَوْلَى شَيْئًا، هَذَا نَصَّهُ بِحُرُوفِهِ وَهُوَ أَصْرَحُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ الْمُحِيطِ وَالْمَبْسُوطِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي عَقْدِ مَوَالِي الْمَرْأَةِ وَمِيرَاثِهِمْ وَجَرِّ الْوَلَاءِ وَنَقْلِهِ: وَعَقْلُ مَوَالِي الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْمِهَا وَمِيرَاثُهُمْ لَهَا، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ لِوَلَدِهَا الذُّكُورِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ، فَذَلِكَ لِذُكُورِ وَلَدِ وَلَدِهَا دُونَ الْإِنَاثِ، وَيَنْتَمِي مَوْلَاهَا إِلَى قَوْمِهَا كَمَا كَانَتْ هِيَ تَنْتَمِي، وَإِذَا انْقَرَضَ وَلَدُهَا وَوَلَدُ وَلَدِهَا رَجَعَ مِيرَاثُ مَوَالِيهَا لِعَصَبَتِهَا الَّذِينَ هُمْ أَقْعَدُ بِهَا يَوْمَ يَمُوتُ الْمَوْلَى دُونَ عَصَبَةِ الْوَلَدِ. وَقَالَهُ عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَفِي كِتَابِ الرَّابِضِ فِي خُلَاصَةِ الْفَرَائِضِ، تَأْلِيفُ أبي محمد عبد الله بن أبي بكر بن يحيى بن عبد السلام المالكي، مَا نَصُّهُ: كُلُّ امْرَأَةٍ تَرَكَتْ مَوَالِيَ، فَمِيرَاثُهُمْ كَمِيرَاثِ مَوْلَى الرَّجُلِ إِلَّا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ يَرِثُهُمْ بَنُوهَا وَبَنُو بَنِيهَا وَإِنْ سَفَلُوا، فَإِذَا انْقَرَضُوا رَجَعَ الْمِيرَاثُ بِالْوَلَاءِ إِلَى عَصَبَةِ الْأُمِّ دُونَ عَصَبَةِ الْوَلَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَنُوهَا مِنْ عَصَبَتِهَا، فَتَكُونُ عَصَبَتُهُمْ مِنْ عَصَبَتِهَا، قَالَهُ ابن القاسم، وَفِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيِّ مَا نَصُّهُ: لَوْ أَنَّ الْمُعْتِقَةَ مَاتَ ابْنُهَا بَعْدَهَا وَقَبْلَ مَوْلَاهَا وَتَرَكَ عَصَبَةً كَأَعْمَامِهِ وَبَنِي أَعْمَامِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ أَخَا مَوْلَاتِهِ وَعَصَبَةَ أَبِيهَا يَصِيرُ إِرْثُهُ لِأَخِي مَوْلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ لَوَرِثَهَا أَخُوهَا وَعَصَبَتُهَا، فَإِنِ انْقَرَضَ عَصَبَتُهَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ عَصَبَةِ ابْنِهَا، يُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ علي، وَبِهِ قَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وعطاء وطاوس وَالزُّهْرِيُّ وقتادة وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَرُوِيَ عَنْ علي رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لِعَصَبَةِ الِابْنِ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عمر وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ شريح، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يُورَثُ كَمَا يُورَثُ الْمَالُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أحمد نَحْوُ هَذَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ ريان بن حذيفة تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ، فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ، فَوَرِثُوا عَنْهَا وَلَاءَ مَوَالِيهَا وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتُوا، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمَاتَ مَوْلَاهَا وَتَرَكَ مَالًا، فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا إِلَى عمر، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ» " وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ، قَالَ: فَنَحْنُ فِيهِ إِلَى السَّاعَةِ. رَوَاهُ أبو داود وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا، قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ، وَهُوَ بَاقٍ لِلْمُعْتِقِ يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَصَبَاتِهِ لَمْ يَرِثْ شَيْئًا، وَعَصَبَاتُ الِابْنِ غَيْرُ عَصَبَاتِ أُمِّهِ، فَلَا يَرِثُ الْأَجَانِبُ مِنْهَا بِوَلَائِهَا دُونَ عَصَبَاتِهَا، وَحَدِيثُ
стр. 214
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ غَلَطٌ، قَالَ حميد: النَّاسُ يُغَلِّطُونَ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَرِثُ الْمَوْلَى الْعَتِيقُ مِنْ مَوَالِي مُعْتِقِهِ إِلَّا عَصَبَاتُهُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ. انْتَهَى كَلَامُ الْمُغْنِي.
[بَابُ الْوَصَايَا]
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَا سَيُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَمَتِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَلَهُ وَارِثٌ يَسْتَغْرِقُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ وَعَلِمَ الْوَارِثُ بِالْوَصِيَّةِ، ثُمَّ إِنِ الْوَارِثَ الْمَذْكُورَ وَطِئَ الْأَمَةَ الْمَذْكُورَةَ فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا، فَهَلْ يَكُونُ الْوَلَدُ رَقِيقًا أَوْ يَنْعَقِدُ حُرًّا؟ وَإِذَا انْعَقَدَ حُرًّا هَلْ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَرَهَا مَنْقُولَةً، لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي صُورَةِ نَظِيرِهَا أَنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ حُرًّا وَأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ لِلْمُوصَى لَهُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ مَاتَ وَأَوْصَى جَمَاعَةً، وَجَعَلَ زَوْجَتَهُ أَحَدَ الْأَوْصِيَاءِ وَأَوْصَى لَهُمْ بِمَبْلَغٍ، فَادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تَأْخُذَ نَظِيرَ مَا أَوْصَى بِهِ لِلْأَوْصِيَاءِ؛ لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ.
الْجَوَابُ: أَمَّا أَصْلُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِإِبْطَالِهَا، بَلْ هِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِخُصُوصِهَا فَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهَا اسْتِحْقَاقُ الزَّوْجَةِ نَظِيرَ مَا يَأْخُذُهُ أَحَدُ الْأَوْصِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَبَرُّعًا مَحْضًا بَلْ شِبْهُ الْأُجْرَةِ أَوِ الْجُعَالَةِ لِلدُّخُولِ فِي الْوَصَايَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَخْطَارِ وَالنَّظَرِ وَالْقِيَامِ بِحَالِ الْأَوْلَادِ وَالْأُمُورِ الْمُوصَى بِهَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَقَدْ رُفِعَ السُّؤَالُ إِلَى الشَّيْخِ فخر الدين المقدسي وَوَافَقَنِي عَلَى مَا أَفْتَيْتُ بِهِ، وَإِلَى الشَّيْخِ سراج الدين العبادي فَخَالَفَ وَأَجَابَ بِوَقْفِ نَصِيبِ الزَّوْجَةِ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مُوَافَقَتُهُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَهُ مَسَاطِيرُ عَلَى غُرَمَاءَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ، فَأَوْصَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا عَلَيْهِ أَوِ ادَّعَى وَفَاءَهُ يُحَلَّفُ وَيُتْرَكُ، فَهَلْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ فِي الْوَرَثَةِ أَطْفَالًا؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ، يُعْمَلُ بِهِ خُصُوصًا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِمَا فِي الْمَسَاطِيرِ، فَإِنَّهَا لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ حَيًّا، فَإِذَا أَجَابَ الْمَدْيُونُ أَنَّهُ لَاشَيْءَ عَلَيْهِ مِمَّا فِي الْمَسْطُورِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَحَلِفَ وَبَرِئَ، وَأَقَلُّ أُمُورِ ذَلِكَ إِذَا شَهِدَتْ بِمَا فِي الْمَسْطُورِ بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ أَنْ يُجْعَلَ وَصِيَّتُهُ تُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَشْهَدْ بِهِ بَيِّنَةٌ فَيُسْقَطُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَسْنَدَ وَصِيَّةً لِأَقْوَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى اجْتِمَاعِهِمْ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَسْنَدْتُ
стр. 215
وَصِيَّتِي لِفُلَانٍ وَلِفُلَانٍ وَلِفُلَانٍ، فَرَدَّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْوَصِيَّةَ، فَهَلْ يَتَصَرَّفُ الْبَاقُونَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ وَاحِدٍ عَنِ الَّذِي رَدَّ؟
الْجَوَابُ: إِذَا صَرَّحَ بِاجْتِمَاعِ الْأَوْصِيَاءِ عَلَى التَّصَرُّفِ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَجُزْ لِلْبَاقِينَ الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، بَلْ يَنْصِبُ الْحَاكِمُ بَدَلًا عَمَّنْ رَدَّ يَتَصَرَّفُ مَعَهُمْ، لَكِنْ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي السُّؤَالِ عِنْدِي فِي دَلَالَتِهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ نَظَرٌ، بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْلِ إِعَادَةِ الْجَارِّ فِي كُلِّ اسْمٍ، فَلَوْ حَذَفَ الْجَارَّ مِمَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَقَالَ: لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ، كَانَتْ صُورَةُ الْإِطْلَاقِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ: وَلَوْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ، فَلِأَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، هَلِ الْجَوَانِبُ مُنْحَصِرَةٌ فِي أَرْبَعَةِ جَوَانِبَ حَتَّى لَا تَكُونَ الدُّورُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ دَارًا، أَوْ تَكُونُ الْجَوَانِبُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ بِأَنْ تَكُونَ دَارُ الْمُوصِي مُسَدَّسَةً أَوْ مُثَمَّنَةً أَوْ مُدَوَّرَةً وَهِيَ مَحْفُوفَةٌ بِدُورٍ تُلَاصِقُهَا ثَمَانِيَةٌ أَوْ عَشَرَةٌ، وَكُلُّ دَارٍ تُلَاصِقُهَا دَارٌ بَعْدَ دَارٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، فَالدُّورُ الْمُلَاصِقَةُ لِدَارِ الْمُوصِي، هَلْ كُلُّهَا جِيرَانٌ سَوَاءٌ كَانَتْ أَرْبَعِينَ دَارًا أَوْ أَكَثَرَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَتْ كُلُّهَا جِيرَانًا، فَهَلْ مَا يُلَاصِقُ كُلَّ دَارٍ إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا جِيرَانٌ لِلْمُوصِي حَتَّى يَكُونَ جِيرَانُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ تُلَاصِقُهُ عَشْرُ دُورٍ وَيُلَاصِقُ كُلَّ دَارٍ أَرْبَعُونَ دَارًا، أَرْبَعَمِائَةِ دَارٍ؟ وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَبِحِسَابِهِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَهَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ أَخْذًا مِنَ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، فَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ عَلَى غَيْرِ التَّرْبِيعِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا وَتَزِيدُ الْعَدَّةُ عَلَى مِائَةٍ وَسِتِّينَ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَكَوْنُ الْجِيرَانِ فِي الْوَصِيَّةِ مَحْمُولِينَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ هُوَ الرَّاجِحُ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا عَشْرَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الزركشي فِي التَّكْمِلَةِ.
следующие страницы →