Полный текст (886 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
خَمْرًا أَعَدَّهُ لِلشُّرْبِ فَلَهُ إِذْ ذَاكَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذَانُ وَيَكُونُ قَدْ تَخَطَّى مِلْكَهُ بِالدُّخُولِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى دَفْعِ الْمُنْكَرِ كَكَسْرِ رَأْسِهِ بِالضَّرْبِ لِلْمَنْعِ مَهْمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَمِنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَتَوَقَّى فِي إِرَاقَةِ الْخُمُورِ كَسْرَ الْأَوَانِي، وَفِي النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ تَمْزِيقَ الثَّوْبِ إِنْ وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلَّا بِالْكَسْرِ وَالتَّمْزِيقِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَسَقَطَتْ قِيمَةُ الظَّرْفِ وَيُقَوِّمُهُ بِسَبَبِ الْخَمْرِ إِذَا صَارَ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْخَمْرِ، وَلَوْ سَتَرَ الْخَمْرَ بِبَدَنِهِ لَكُنَّا نَقْصِدُ بَدَنَهُ لِلضَّرْبِ وَالْجُرْحِ لِنَتَوَصَّلَ إِلَى إِرَاقَةِ الْخَمْرِ فَإِذًا لَا تَزِيدُ حُرْمَةُ مِلْكِهِ عَلَى حُرْمَةِ نَفْسِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الحافظ عماد الدين بن كثير فِي تَارِيخِهِ فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بَلَغَ الْخَلِيفَةَ الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الرَّافِضَةِ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسْجِدِ بَرَاثَا فَيَنَالُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَيُكَاتِبُونَ الْقَرَامِطَةَ وَيَدْعُونَ إِلَى وِلَايَةِ محمد بن إسماعيل الَّذِي بَيْنَ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُ المهدي وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنَ المقتدر وَمَنْ تَبِعَهُ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ عَلَيْهِمْ وَاسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ فَأَفْتَوْا بِأَنَّهُ مَسْجِدُ ضِرَارٍ يُهْدَمُ كَمَا هُدِمَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ فَهَدَمَهُ نازوك صاحب الشرطة وَأَمَرَ الوزير الخاقاني فَجَعَلَ مَكَانَهُ مَقْبَرَةً فَدُفِنَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَوْتَى.
وَقَالَ ابن عطية فِي تَفْسِيرِهِ: رُوِيَ أَنَّ مَسْجِدَ الضِّرَارِ لَمَّا هُدِمَ وَأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً يُرْمَى فِيهِ الْأَقْذَارُ وَالْقِمَامَاتُ قَالَ: وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] كَانَ لَا يَمُرُّ بِالطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا الْمَسْجِدُ» ، وَقَالَ صَاحِبُ عُيُونِ التَّفَاسِيرِ: كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ مُبَاهَاةً وَرِيَاءً وَسُمْعَةً أَوْ لِغَرَضٍ غَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ أَوْ بِمَالٍ غَيْرِ طَيِّبٍ فَهُوَ لَاحِقٌ بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الكواشي فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، والشهاب الأياسلوغي فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ القرطبي فِي تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا إِلَى جَنْبِ مَسْجِدٍ، وَيَجِبُ هَدْمُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ بِنَائِهِ؛ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْمَسْجِدُ الْأَوَّلُ فَيَبْقَى شَاغِرًا إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَحَلَّةُ كَبِيرَةً فَلَا يَكْفِي أَهْلَهَا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ فَيُبْنَى حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ قَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى فِي الْمِصْرِ الْوَاحِدِ جَامِعَانِ وَيَجِبُ مَنْعُ الثَّانِي وَمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِيهِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَقَدْ أَحْرَقَ النَّبِيُّ ﷺ مَسْجِدَ الضِّرَارِ وَهَدَمَهُ.
стр. 142
[قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ أَوْ رِيَاءٍ أَوْ سُمْعَةٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ] قُلْنَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْعِبَادَةِ وَحَضَّ الشَّرْعُ عَلَى بِنَائِهِ يُهْدَمُ، وَيُنْزَعُ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَمَا ظَنُّكَ بِسِوَاهُ؟ بَلْ هُوَ أَحْرَى أَنْ يُزَالَ وَيُهْدَمَ، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ القرطبي.
وَقَالَ ابن فرحون فِي طَبَقَاتِ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ قَاضِي مِصْرَ: كَانَ عَدْلًا فِي قَضَائِهِ مَحْمُودَ السِّيرَةِ، قَالَ محمد بن عبد الحكم: قَالَ ابن أبي داود: لَقَدْ قَامَ حَارِسُكُمْ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ هَدَمَ مَسْجِدًا كَانَ بَنَاهُ خُرَاسَانِيٌّ بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَاحِيَةِ الْقُطْبِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ فِيهِ لِلْقِرَاءَةِ وَالْقَصَصِ وَالتَّعْبِيرِ، قَالَ ابن فرحون: وَبِمِثْلِ هَذَا أَفْتَى يحيى بن عمر فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُبْنَى نَائِيًا عَنِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ لَا يُصَلِّي فِيهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي فِيهِ مَنْ يَنْتَابُهُ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى فِي مَسْجِدِ السَّبْتِ بِالْقَيْرَوَانِ، وَبِمِثْلِهِ أَفْتَى أبو عمران فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ بِجَبَلِ فَاسَ.
وَقَالَ ابن فرحون فِي كِتَابِهِ تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ فِي أُصُولِ الْأَقْضِيَةِ وَمَنَاهِجِ الْأَحْكَامِ: التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ فَقَدْ عَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَجْرِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِهَجْرِ صبيغ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ إِبَاحَتُهُ سَلَبَ الصَّائِدِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ، وَأَمْرُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ، وَأَمْرُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لُحُومُ الْحُمُرِ، وَهَدْمُهُ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَأَمْرُهُ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ، وَبِقَطْعِ نَخْلِ الْيَهُودِ وَتَحْرِيقِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُثَبِّطُونَ النَّاسَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ طلحة فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُحْرِقَ عَلَيْهِمُ الْبَيْتَ فَفَعَلَ» ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِمَا بَلَغَهُ أَنَّهُ احْتَجَبَ عَنِ الْخُرُوجِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَرَ أَيْضًا بِتَحْرِيقِ حَانُوتِ رويشد الثقفي الَّذِي كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فُوَيْسِقٌ، وَلَسْتَ برويشد، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَاقَ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، قَالَ: وَهَذِهِ قَضَايَا صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ شمس الدين بن القيم الحنبلي فِي كِتَابِ الطُّرُقِ الْحِكَمِيَّةِ: قَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَالَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمَهَ وَحَرَقَ مَتَاعَهُ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَمَنَعَ الْقَاتِلَ مِنَ السَّلَبِ لَمَّا أَسَاءَ شَافِعُهُ عَلَى أَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَعَزَمَ عَلَى تَحْرِيقِ بُيُوتِ تَارِكِي الْجُمُعَةِ
стр. 143
وَالْجَمَاعَةِ، وَأَمَرَ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَبِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا اللَّحْمُ الْحَرَامُ، وَبِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ، وَسَلَكَ أَصْحَابُهُ وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، فَحَرَقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَانُوتَ الْخَمَّارِ بِمَا فِيهِ، وَحَرَّقَ قَرْيَةً يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَحَرَّقَ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا احْتَجَبَ فِي قَصْرِهِ عَنِ الرَّعِيَّةِ.
وَسُئِلَ أُسْتَاذُنَا الْإِمَامُ كمال الدين بن الهمام الحنفي عَنْ رَجُلٍ يَجْمَعُ فِي بَيْتِهِ جَمَاعَةً إِلَى الْفِسْقِ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ قَالَ الْفُقَهَاءُ: رَجُلٌ أَظْهَرَ الْفِسْقَ فِي دَارِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَبَدًا لِلْعُذْرِ فَإِنْ كَفَّ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ سَجَنَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَهُ أَسْوَاطًا وَإِنْ شَاءَ أَزْعَجَهُ عَنْ دَارِهِ، وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا حَيْثُ أَمَرَ بِتَخْرِيبِ دَارِ الْفَاسِقِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابن فرحون: صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَزُولُ فَسَادُهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ وَذَكَرُوا ذَلِكَ فِي اللُّوطِيِّ إِذَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُقْتَلُ تَعْزِيرًا. وَفِي مُعْجَمِ الْأُدَبَاءِ لياقوت الحموي أَنَّ نُورَ الدِّينِ الشَّهِيدَ لَمَّا فَتَحَ الْمَدْرَسَةَ الْكَبِيرَةَ بِحَلَبَ اسْتَدْعَى البرهان البلخي إمام الحنفية فِي زَمَانِهِ فَأَلْقَى فِيهَا الدَّرْسَ وَكَانَ الْأَذَانُ بِحَلَبَ عَلَى قَاعِدَةِ الشِّيعَةِ يُزَادُ فِيهِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ مُحَمَّدٌ وعلي خَيْرُ الْبَشَرِ، فَلَمَّا سَمِعَ البلخي ذَلِكَ أَمَرَ الْفُقَهَاءَ فَصَعِدُوا الْمَنَارَةَ وَقْتَ الْأَذَانِ وَقَالَ لَهُمْ: مُرُوا الْمُؤَذِّنِينَ يُؤَذِّنُوا الْأَذَانَ الْمَشْرُوعَ وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ أَلْقُوهُ مِنْ فَوْقِ الْمَنَارَةِ عَلَى رَأْسِهِ فَفَعَلُوا فَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يُؤَذِّنُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابن كثير فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِمِائَةٍ: بَرَزَتِ الْمَرَاسِيمُ السُّلْطَانِيَّةُ الْمُظَفَّرِيَّةُ بيبرس إِلَى نُوَّابِ الْبِلَادِ السَّاحِلِيَّةِ بِإِبْطَالِ الْخُمُورِ وَتَخْرِيبِ الْحَانَاتِ فَفُعِلَ ذَلِكَ وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا كَثِيرًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَالَ الذهبي فِي الْعِبَرِ فِي سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ: خُرِّبَ الْبَازَارُ الْمُعَدُّ لِلْفَاحِشَةِ بِبَغْدَادَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَمَا يَعْلَمُ مَا غُرِمَ عَلَى بِنَائِهِ إِلَّا اللَّهُ - تَعَالَى مِنْ عِظَمِهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ: خَرَّبَ آلُ مَلِكٍ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ خِزَانَةَ النُّبُوذِ وَأَرَاقَ خُمُورَهَا وَكَانَتْ دَارَ فِسْقٍ وَفُجُورٍ، وَقَالَ الحافظ ابن حجر فِي إِنْبَاءِ الْغُمْرِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ: شَدَّدَ منجك نائب الشام عَلَى أَهْلِ اللَّهْوِ وَأَمَرَ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ الصَّفْصَافِ الَّتِي بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَبِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي بِالسُّوقِ الْأَعْلَى وَأَزَالَ الْمُنْكَرَاتِ مِنْهُ، وَمِنَ الَّذِي فَوْقَ الْجِهَةِ وَهَدَمَ الْأَبْنِيَةَ وَالْحَوَانِيتَ الَّتِي هُنَاكَ.
стр. 144
قُلْتُ: وَمَا زَالَ هَذَا دَأْبَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ سَلَفًا وَخَلَفًا مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا. وَالْعُلَمَاءُ يُفْتُونَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَمَنْ طَالَعَ تَوَارِيخَ الْأُمَّةِ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلِمَهُ عِلْمَ الْيَقِينِ، وَقَدْ قُلْتُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ:
يَقُولُ رَبْعُ الْفِسْقِ مَا مُسْلِمٌ ... مِمَّا لَهُ أُرْصِدْتُ يَرْضَانِي
وَلَا تَرَى فِي النَّاسِ ذَا مَسْكَةٍ ... إِلَّا يَرَى فِي الْوَزْنِ نُقْصَانِي
وَإِنْ يَزْنِي أَحَدٌ رَاجِحًا ... فَالْجَاهِلُ اللُّوطِيُّ وَالزَّانِي
وَقُلْتُ إِنْ لَمْ يَخْلُ مِمَّا بِهِ ... فَالشَّرْعُ فِيهِ هَدْمُ ذَا الْجَانِي
وَاسْتَفْتَى الْبَانِي فَأَفْتَى بِأَنْ ... مَنْ قَالَ هَذَا آثَمٌ جَانِي
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا فَاسْمَعُوا ... مَقَالَ حَقٍّ لَيْسَ بِالْوَانِي
مَنْ ذَا الَّذِي أَوْلَى بِتَأْثِيمِهِ ... عِنْدَ مُحِبٍّ كَانَ أَوْشَانِي
أَهَادِمٌ رَبْعًا بَنَوْهُ لِكَيْ ... يُعْصَى بِهِ اللَّهُ أَمِ الْبَانِي
[بَابُ الْقِرَاضِ]
مَسْأَلَةٌ: لَوِ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْعَامِلُ فَقَالَ الْمَالِكُ: دَفَعْتُ لَكَ الْمَالَ قِرَاضًا، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ قَرْضًا، مَنِ الْمُصَدَّقُ؟ .
الْجَوَابُ: هَذَا الْفَرْعُ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَكْسُهُ وَهُوَ فِي الرَّوْضَةِ مَحْكِيٌّ فِيهِ وَجْهَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ، وَرَجَّحَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا تَصْدِيقَ الْمَالِكِ وَفِيمَا إِذَا تَلِفَ تَصْدِيقَ الْعَامِلِ، وَأَمَّا هَذَا الْفَرْعُ فَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ يَدًا وَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْقُولٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ.
[بَابُ الْمُزَارَعَةِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ اتَّفَقَ مَعَ شَخْصٍ عِنْدَهُ قَمْحٌ عَلَى أَنَّهُمَا يَزْرَعَانِ الْأَرْضَ وَأَنَّ صَاحِبَ الْقَمْحِ يَبْذُرُ عَنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ مَا يَخُصُّهُ مِنَ الْقَمْحِ، وَأَنَّ مَا يَخُصُّ صَاحِبَ الْقَمْحِ يُؤَدِّي هُوَ خَرَاجَهُ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَحْرُثُ مَا يَخُصُّهُ وَمَا يَخُصُّ شَرِيكَهُ فِي مُقَابَلَةِ أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَيْهِ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْقَمْحِ ثُمَّ طَلَعَ الزَّرْعُ فَمَا الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا.
الْجَوَابُ: يَخْتَصُّ صَاحِبُ الْقَمْحِ بِجَمِيعِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْقَمْحَ الَّذِي بَذَرَهُ كُلَّهُ مِلْكُهُ وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ قَرْضٌ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْأَرْضِ وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَيْضًا أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِعَمَلِهِ وَحَرْثِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ.
стр. 145
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَجَّرَ أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ بَاعَهَا لِآخَرَ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ وَجَعَلَ لَهُ أُجْرَةَ السَّنَتَيْنِ فَامْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ زَرْعِهَا وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: ازْرَعْ أَنْتَ أَرْضَكَ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: إِذَا بَاعَ الْأَرْضَ الْمُؤَجَّرَةَ فَالْإِجَارَةُ لَازِمَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِهَا وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الِامْتِنَاعُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الْأُجْرَةِ زَرَعَهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ تَلْزَمُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الزَّرْعِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ الصُّورَةَ الْمَسْؤُولَ عَنْهَا فِيهَا جَعْلُ الْأُجْرَةِ الْبَاقِيَةِ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ بَطَلَ الْبَيْعُ.
مَسْأَلَةٌ: فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا لِقَلْعِ سِنٍّ وَجِعَهُ فَحَضَرَ لِذَلِكَ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ سِنِّي طَيِّبَةٌ وَامْتَنَعَ مِنْ قَلْعِهَا فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا مُرَخَّمًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ خَاصَّةً، وَأَقْبَضَ الْأُجْرَةَ فَوَضَعَ فِيهِ كَتَّانًا وَاحْتَرَقَ الْبَيْتُ بِسَبَبِهِ فَهَلْ يَضْمَنُ الْبَيْتَ وَإِذَا ضَمِنَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَوْ بِنَاءُ مِثْلِهِ؟ وَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِأُجْرَةِ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ؟ .
الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ حُصُولُ الْحَرِيقِ فِي الْبَيْتِ بِفِعْلٍ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِ مِنْ نَارٍ أَوْقَدَهَا وَجَرَتْ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْبَيْتِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِ فَضَمَانُهُ عَلَى مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ الْحَرِيقُ، وَهَلْ يَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ؟ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَ لِلِانْتِفَاعِ مُطْلَقًا فَلَا، أَوْ لِلسُّكْنَى خَاصَّةً فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِوَضْعِ الْكَتَّانِ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ غَاصِبًا كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِيمَا إِذَا اكْتَرَى لِيُسْكِنَ فَأَسْكَنَ حَدَّادًا، أَوْ قَصَّارًا، وَإِذَا صَارَ غَاصِبًا صَارَ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ، وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ الْحَرِيقُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَا حَصَلَ وَيَسْتَحِقُّ بَقِيَّةَ أُجْرَةِ الْمُدَّةِ فَيَرْجِعُ بِهَا أَوْ يُحَاسِبُ بِهَا مِمَّا يَلْزَمُهُ، وَأَمَّا هَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَةُ الدَّارِ أَوْ بِنَاءُ مِثْلِهَا؟ فَالَّذِي أَفْتَى بِهِ النووي، وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِنَاءُ مِثْلِهَا وَلَكِنْ فِيمَا إِذَا هَدَمَ جِدَارًا، وَلَا يَظْهَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَرْقٌ، وَأَمَّا الأسنوي فَصَحَّحَ وُجُوبَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْجِدَارَ مُتَقَوِّمٌ وَأَوَّلَ النَّصَّ، فَالْعُمْدَةُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ النووي وَقِصَّةُ جريج فِي الصَّحِيحِ تُؤَيِّدُهُ.
مَسْأَلَةٌ: اسْتَأْجَرَ إِنْسَانٌ عَيْنًا مُدَّةً وَلَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَادَّعَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ وَكَانَ أَقَرَّ عِنْدَ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ مَلِيءٌ وَقَادِرٌ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى الْإِعْسَارِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ؟ .
стр. 146
الْجَوَابُ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ قَادِرًا وَتَلِفَ مَالُهُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا إِقْطَاعِيَّةً لِيَزْرَعَهَا مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَمَاتَ الْمُؤَجِّرُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَخَلَّفَ وَلَدًا فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَوْ تَبْقَى لِوَلَدِ الْمُؤَجِّرِ؟ .
الْجَوَابُ: الْأَرْضُ الْإِقْطَاعِيَّةُ فِي إِجَارَتِهَا كَلَامٌ لِلْعُلَمَاءِ حَتَّى قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِجَارَتُهَا؛ لِأَنَّهَا بِصَدَدِ أَنْ يَنْزِعَهَا الْإِمَامُ مِنَ الْمُقْطَعِ وَيُقْطِعَهَا غَيْرَهُ، لَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارُهُ صِحَّةَ إِجَارَتِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَقُولُ أَنَّهَا كَالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ حَتَّى إِنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ تَبْقَى الْإِجَارَةُ بَلْ نَقُولُ بِانْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ بِمَوْتِهِ، كَمَا إِذَا مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَقَدْ أَجَّرَ الْوَقْفَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ الْوَقْفُ قَطْعًا، وَالْإِقْطَاعُ لَا يَتَحَقَّقُ انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَلَدِ فَقَدْ يُقْطِعُهُ السُّلْطَانُ إِيَّاهُ وَقَدْ لَا يُقْطِعُهُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ سَافَرَ لِبِلَادِ السُّلْطَانِ فِي طَلَبِ مَالِ الذَّخِيرَةِ فَأَعْطَوْهُ حَقَّ طَرِيقِهِ فَأَخَذَ صُحْبَتَهُ ثَلَاثَةَ مَمَالِيكَ فِي خِدْمَتِهِ فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةً أَشْرَفِيَّةً فَهَلْ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى أَحَدِهِمْ بِالْمَبْلَغِ الَّذِي أَعْطَاهُ فِي نَظِيرِ سَفَرِهِ مَعَهُ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ أَخَذَ مَعَهُ تَسْفِيرَهُ؟ .
الْجَوَابُ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَ الَّذِي أَخَذَهُ مَعَهُ تَسْفِيرَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَشْرُطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوَّلًا، فَإِنْ سَافَرَ مَعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أُجْرَةً فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَمَتَى أَعْطَاهُ شَيْئًا وَقَدْ شَرَطَهُ لَهُ أَوَّلًا أَوْ لَمْ يَشْرُطْهُ، وَلَكِنْ تَبَرَّعَ بِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ.
[بَابُ الْجَعَالَةِ]
مَسْأَلَةٌ: شَخْصٌ حَجَّ حَجَّةً نَافِلَةً فَقَالَ لَهُ آخَرُ: بِعْنِي ثَوَابَ حَجَّتِكَ بِكَذَا، فَقَالَ لَهُ: بِعْتُكَ فَهَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَيَنْتَقِلُ الثَّوَابُ إِلَيْهِ؟ وَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: اقْرَأْ لِي كُلَّ يَوْمٍ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاجْعَلْ ثَوَابَهُ لِي وَجَعَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَالًا مَعْلُومًا فَفَعَلَ فَهَلْ يَكُونُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَجْعُولِ لَهُ أَوْ مِثْلُ الثَّوَابِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا انْتَقَلَ الثَّوَابُ لَهُ فَهَلْ يَبْقَى لِلْقَارِئِ ثَوَابٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَا إِذَا لَمْ يَقْرَأْ لَهُ بِجَعَالَةٍ وَلَكِنْ قَرَأَ لَهُ تَبَرُّعًا مِنْ نَفْسِهِ وَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ؟ .
الْجَوَابُ: أَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَجِّ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَبَاطِلَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقِرَاءَةِ فَجَائِزَةٌ إِذَا شَرَطَ الدُّعَاءَ بَعْدَهَا، وَالْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ وَهِيَ جَعَالَةٌ عَلَى الدُّعَاءِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ، فَإِنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ وَلَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ لِلْمَدْعُوِّ وَلَهُ، إِنَّمَا يُقَالُ:
стр. 147
لَهُ مِثْلُ ثَوَابِهِ فَيَدْعُو بِذَلِكَ وَيَحْصُلُ لَهُ إِنِ اسْتَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ، وَكَذَا حُكْمُ الْقَارِئِ بِلَا جَعَالَةٍ فِي الدُّعَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ يَقْرَأُ خَتَمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ بِأُجْرَةٍ هَلْ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَكُونُ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْأُجْرَةِ مِنْ بَابِ التَّكَسُّبِ أَوِ الصَّدَقَةِ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأُجْرَةِ وَلَا الصَّدَقَةِ بَلْ مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لَا تَعُودُ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِمَا تَقَرَّرُ فِي مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ، لَا لِلْمَقْرُوءِ لَهُ، وَتَجُوزُ الْجَعَالَةُ عَلَيْهَا إِنْ شَرَطَ الدُّعَاءَ بَعْدَهَا وَإِلَّا فَلَا، وَتَكُونُ الْجَعَالَةُ عَلَى الدُّعَاءِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ. هَذَا مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَقَرَّرَهُ لَنَا أَشْيَاخُنَا، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَجُوزُ الْجَعَالَةُ إِنْ كَانَتْ عَلَى الدُّعَاءِ عِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِنَفْسِ الدُّعَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عِنْدَهُ وَمُشَاهَدَتِهِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ انْتَهَى، وَمَسْأَلَةُ الْقِرَاءَةِ نَظِيرُهُ.
مَسْأَلَةٌ
مَاذَا جَوَابُكُمْ لَا زَالَ فَضْلُكُمْ ... يَعُمُّ سَائِلَكُمْ فِي كُلِّ مَا سَأَلَا
فِي قَارِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَيْسَ لَهُ ... قَصْدٌ سِوَى أَنَّهُ فِي الْوَقْفِ قَدْ حَصَلَا
لِأَخْذِ مَعْلُومَةٍ فِي الْوَقْفِ لَازِمَةٍ ... فَصَارَ مِثْلَ أَجِيرٍ لَازَمَ الْعَمَلَا
فَهَلْ يُثَابُ عَلَى هَذِي الْقِرَاءَةِ أَوْ ... ثَوَابُهُ فِي حُضُورٍ يُشْبِهُ الْعَمَلَا؟
فَقَدْ تَنَازَعَ فِيهَا قَائِلَانِ فَمَنْ ... أَصَابَ وَجْهَ صَوَابٍ نِلْتُمْ نُزُلَا
وَلَا بَرِحْتُمْ نُجُومًا وَالزَّمَانُ بِكُمْ ... زَاهٍ وَمُبْتَهِجٌ وَالْخَيْرُ قَدْ حَصَلَا
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُبْلِغُ الْأَمَلَا ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مُنْتَحِلًا
لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ فِي هَذَا بِأَنَّ لَهُ ... أَجْرًا وَلَا بِانْتِفَاءِ الْأَجْرِ عَنْهُ خَلَا
بَلِ الْمَدَارُ عَلَى مَا كَانَ نِيَّتُهُ ... بِالْقَلْبِ وَهُوَ عَلَى النِّيَّاتِ قَدْ حُمِلَا
فَإِنْ نَوَى قُرْبَةً لِلَّهِ كَانَ لَهُ ... أَجْرٌ وَإِنْ يَنْوِ مَحْضَ الْجَعْلِ عَنْهُ فَلَا
وَابْنُ السُّيُوطِيِّ قَدْ خَطَّ الْجَوَابَ لِكَيْ ... يَرَى لَدَى الْحَشْرِ فِي فِرْدَوْسِهِ النُّزُلَا
стр. 148
[بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ] [ مسائل متفرقة]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بِيَدِهِ رَزْقَةٌ اشْتَرَاهَا ثُمَّ مَاتَ فَوَضَعَ شَخْصٌ يَدَهُ عَلَيْهَا بِتَوْقِيعٍ سُلْطَانِيٍّ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ مُنَازَعَتُهُ؟ .
الْجَوَابُ: إِنْ كَانَتِ الرَّزْقَةُ وَصَلَتْ إِلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ بِأَنْ أَقْطَعَهُ السُّلْطَانُ إِيَّاهَا، وَهِيَ أَرْضٌ مَوَاتٌ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا وَيَصِحُّ مِنْهُ بَيْعُهَا وَيَمْلِكُهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُ وَإِذَا مَاتَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهَا لَا بِأَمْرٍ سُلْطَانِيٍّ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا وَهِيَ غَيْرُ مُوَاتٍ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ الْآنَ فَإِنَّ الْمُقْطَعَ لَا يَمْلِكُهَا بَلْ يَنْتَفِعُ بِهَا بِحَسَبِ مَا يُقِرُّهَا السُّلْطَانُ فِي يَدِهِ، وَلِلسُّلْطَانِ انْتِزَاعُهَا مَتَى شَاءَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُقْطَعِ بَيْعُهَا فَإِنْ بَاعَ فَفَاسِدٌ وَإِذَا أَعْطَاهَا السُّلْطَانُ لِأَحَدٍ نَفَذَ وَلَا يُطَالَبُ.
مَسْأَلَةٌ: مَا شُرِعَ فِيهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَنْ هَدْمِ الْأَبْنِيَةِ الْمُحْدَثَةِ فِي الشَّوَارِعِ وَحَرِيمِ الْمَسَاجِدِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ هُوَ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ.
[الْبَارِعُ فِي إِقْطَاعِ الشَّارِعِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، عُرِضَ عَلَيَّ وَرَقَةٌ صُورَتُهَا: فَرْعٌ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ الشَّارِعِ عَلَى الْأَصَحِّ فَيَصِيرُ الْمُقْطَعُ بِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَفِي وَجْهٍ غَرِيبٍ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَمَلُّكُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الطَّرِيقِ، وَمُرَادُ قَائِلِهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ التَّمَلُّكَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِنَفْسِهِ. وَذَكَرَ الرافعي فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ جَوَّزُوا الْإِقْطَاعَ وَأَنَّ الْمُقْطَعَ يَبْنِي فِيهِ وَيَتَمَلَّكُ، وَهَذَا ذُهُولٌ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي الصُّلْحِ مَنْعُ الْبِنَاءِ وَهُنَا مَنْعُ التَّمَلُّكِ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: هَذَا الْفَرْعُ مَنْقُولٌ بِرُمَّتِهِ مِنَ التَّكْمِلَةِ للزركشي، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فِي ذِكْرِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ إِجْمَالًا، وَحُكْمُهَا عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْمَنْقُولِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَالرَّوْضَةِ، وَالشَّرْحِ، وَتَهْذِيبِ الْبَغَوِيِّ، وَكَافِي الخوارزمي، وَنِهَايَةِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَبَسِيطِ الْغَزَالِيِّ، وَوَسِيطِهِ، وَالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ، وَالتَّلْخِيصِ لابن القاص، وَالْبُلْغَةِ للجرجاني، وَتَعْلِيقِ القاضي الحسين،
стр. 149
وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْكِفَايَةُ لابن الرفعة، وَشَرْحُ الْمِنْهَاجِ للسبكي، وَالْمُهِمَّاتُ، وَالْخَادِمُ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَقْطَعَ أَحَدًا مَوْضِعًا مِنَ الشَّارِعِ كَانَ الْمُقْطَعُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِلِارْتِفَاقِ خَاصَّةً دُونَ التَّمَلُّكِ وَالْبِنَاءِ، وَأَنَّهُ لَوْ جَاءَ أَحَدٌ بَعْدَ صُدُورِ الْإِقْطَاعِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَجَلَسَ فِيهِ أُزْعِجُ مِنْهُ وَلَا يُقَرُّ، وَلَوْ كَانَ الْمُقْطَعُ غَائِبًا عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَمْتِعَتُهُ، فَإِنْ قُلْتَ: مُقْتَضَى قَوْلِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ أَحَدٌ وَتَعَدَّى وَجَلَسَ لَمْ يُمْنَعْ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَهُوَ الْمُتَحَجِّرُ قَالُوا أَنَّهُ يَصِيرُ أَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ تَعَدَّى غَيْرُهُ وَبَنَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سِوَى الْإِثْمِ وَيَمْلِكُ الْبَقِيَّةَ بِالْإِحْيَاءِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَعَدِّيَ هُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى الْإِثْمِ وَلَا يُزْعَجُ، قُلْتُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ مُفَصَّلًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ فَنَقُولُ فِي هَذَا الْفَرْعِ: الْمَسْؤُولُ عَنْهُ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ كَالْمُتَحَجِّرِ زِيَادَةٌ زَادَهَا الزركشي، وَلَيْسَتْ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا كَمَا سَنُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ سِيَاقِ عِبَارَاتِهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُرَدُّ أَصْلًا السُّؤَالُ الْمُتَقَدِّمُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَوَجُّهِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اسْتِوَاءُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي الْأَحَقِّيَّةِ فَقَطْ لَا فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ أَيْضًا مِنْ حُصُولِ مُتَعَدٍّ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَحَقِّيَّةِ وَهَذَا وَاضِحٌ. الثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْمُتَحَجِّرِ الْبُقْعَةُ فِيهَا تَقْبَلُ التَّمَلُّكَ، فَإِذَا وَجَدَ الْإِحْيَاءَ الَّذِي هُوَ أَقْوَى سَبَبًا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَقُدِّمَ عَلَى التَّحَجُّرِ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ نَسْخِ السَّبَبِ الضَّعِيفِ لِوُجُودِ أَقْوَى مِنْهُ، وَنَظِيرُهُ إِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَطُرُوءُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ عَلَى الْأَصْغَرِ، وَتَقْدِيمُ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشَّارِعِ فَالْبُقْعَةُ فِيهَا لَا تَقْبَلُ التَّمَلُّكَ، فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ أَقْوَى يُقَدَّمُ عَلَى هَذَا السَّبَبِ فَتَمَسَّكْنَا بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الَّذِي هُوَ إِقْطَاعُ الْإِمَامِ وَأُلْغِيَ كُلُّ مَا طَرَأَ بَعْدَهُ، الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ عَقِبَ هَذَا التَّشْبِيهِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهُ بِالْإِحْيَاءِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَيْدِ لِمَحَلِّ التَّشْبِيهِ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّهُ كَالْمُتَحَجِّرِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُخْرِجَةً لِتِلْكَ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُتَحَجِّرِ وَهُوَ تَعَدِّي شَخْصٍ عَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ فَلَا تَأْتِي هُنَا، وَيَكُونُ إِخْرَاجُهَا مِنْ مَنْطُوقِ الْكَلَامِ لَا مِنْ مَفْهُومِهِ، وَلِهَذَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: لِأَحَدٍ، الدَّالِّ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ، أَيْ لِلْمُقْطَعِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُقْطَعَ وَغَيْرَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَبِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ عُرِفَ أَنَّ الْعِبَارَةَ لَا تُعْطِي ذَلِكَ الْمُقْتَضَى الْمَذْكُورَ، وَوَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالْمُتَحَجِّرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَمْلِكِ الْبُقْعَةَ بِالتَّحَجُّرِ وَكَذَلِكَ هُوَ لَا يَمْلِكُ الْبُقْعَةَ بِالْإِقْطَاعِ،
стр. 150
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهُ بِالْإِحْيَاءِ جَارٍ مَجْرَى التَّفْسِيرِ لَا مَجْرَى التَّقْيِيدِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: وَذَكَرَ الرافعي فِي الْجِنَايَاتِ إِلَى قَوْلِهِ وَهَذَا ذُهُولٌ سَبَقَهُ إِلَيْهِ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ، ثُمَّ السبكي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: ثُمَّ الأسنوي فِي الْمُهِمَّاتِ: فَاعْتَمَدَهُ الزركشي هُنَا، وَحَاوَلَ فِي الْخَادِمِ التَّأْوِيلَ وَالْجَمْعَ بَيْنَ كَلَامِ الرافعي، وَنَحْنُ نَسُوقُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهَلْ لِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ فِيهِ مَدْخَلٌ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَعَمْ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَظَرًا، وَلِهَذَا يُزْعَجُ مَنْ أَضَرَّ جُلُوسُهُ، وَأَمَّا تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ بِحَالٍ، وَحُكِيَ وَجْهٌ فِي الرَّقْمِ للعبادي وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ لأبي طاهر أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنَ الشَّوَارِعِ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الطُّرُقِ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ - هَذِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ، فَانْظُرْ كَيْفَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا قَوْلَهُ كَالْمُتَحَجِّرِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: الْقَطَائِعُ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا: مَا يُمْلَكُ وَهُوَ مَا مَضَى مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ. وَالثَّانِي: إِقْطَاعُ إِرْفَاقٍ لَا تَمَلُّكَ فِيهِ كَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ، وَيَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ إِقْطَاعُهُ لَكِنَّهُ لَا يُمَلِّكُهُ بَلْ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ، وَيَمْنَعُ أَنْ يَبْنِيَ دَكَّةً لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ الطَّرِيقَ وَيَضُرُّ بِالضَّرِيرِ وَبِالْبَصِيرِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَقْطَعَ السُّلْطَانُ مَوْضِعًا كَانَ أَحَقَّ بِهِ سَوَاءٌ نَقَلَ مَتَاعَهُ إِلَيْهِ أَوْ لَمْ يَنْقُلْ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ النَّظَرَ وَالِاجْتِهَادَ، وَإِذَا أَقْطَعَهُ ثَبَّتَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الخوارزمي فِي الْكَافِي: الْقَطَائِعُ ضَرْبَانِ إِقْطَاعُ إِرْفَاقٍ، وَإِقْطَاعُ تَمَلُّكٍ، أَمَّا إِقْطَاعُ الْإِرْفَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَقْطَعَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ إِنْسَانٍ مَوْضِعًا مِنْ مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَالطَّرِيقِ الْوَاسِعَةِ لِيُجْلَسَ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَجُوزُ إِذَا كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَوْ أَقْطَعَهُ السُّلْطَانُ مَوْضِعًا مِنْهُ لَا يَمْلِكُهُ وَيَكُونُ أَوْلَى بِهِ نَقَلَ مَتَاعَهُ إِلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَنْقُلْ، وَلَوْ قَامَ عَنْهُ أَوْ غَابَ عَنْهُ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّهُ عَنْهُ حَتَّى لَوْ عَادَ كَانَ أَوْلَى بِهِ، وَلَوْ قَعَدَ فِيهِ بِالسَّبْقِ مِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ كَانَ أَوْلَى بِهِ مَا دَامَ هُوَ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ قَامَ وَتَرَكَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إِزْعَاجُهُ مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ فِيهِ شَيْئًا فَسَبَقَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ كَانَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ تَمَّ بِالْإِقْطَاعِ وَهُوَ بَاقٍ بَعْدَ الذَّهَابِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ هَاهُنَا بِكَوْنِهِ فِيهِ وَقَدْ زَالَ - هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، انْتَهَى كَلَامُ الخوارزمي بِحُرُوفِهِ.
فَانْظُرْ كَيْفَ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُقْطَعَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَوْ قَامَ أَوْ غَابَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَتَاعٌ، وَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ الْجُلُوسَ فِيهِ فِي غَيْبَتِهِ أُزْعِجُ بِخِلَافِ مَنْ قَعَدَ بِالسَّبْقِ مِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ إِذَا قَامَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِبَقَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ الذَّهَابِ بِالْإِقْطَاعِ وَهَذَا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي
стр. 151
الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ، وَفِي حُكْمِ نَظَرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ مَقْصُورٌ عَلَى كَفِّهِمْ عَنِ التَّعَدِّي وَمَنْعِهِمْ مِنِ الْإِضْرَارِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ عِنْدَ التَّشَاجُرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ جَالِسًا، وَلَا أَنْ يُقَدِّمَ مُؤَخَّرًا، وَيَكُونُ السَّابِقُ إِلَى الْمَكَانِ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الْمَسْبُوقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ نَظَرُ مُجْتَهِدٍ فِيمَا يَرَاهُ صَلَاحًا مِنْ إِجْلَاسِ مَنْ يُجْلِسُهُ وَمَنْعِ مَنْ يَمْنَعُهُ وَتَقْدِيمِ مَنْ يُقَدِّمُهُ كَمَا يَجْتَهِدُ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَإِقْطَاعِ الْمَوَاتِ، وَلَا يَجْعَلُ السَّابِقَ أَحَقَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عَلَى الْجُلُوسِ أَجْرًا، وَإِذَا تَارَكَهُمْ عَلَى التَّرَاضِي كَانَ السَّابِقُ إِلَى الْمَكَانِ أَحَقَّ مِنَ الْمَسْبُوقِ انْتَهَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ فَانْظُرْ كَيْفَ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ السَّابِقَ لَا يُجْعَلُ أَحَقَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَقْدِيمًا لِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ، وَقَالَ السبكي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: وَهَلْ لِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ مَدْخَلٌ فِي الشَّوَارِعِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، وَرَجَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا وَاجْتِهَادًا فِي أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْمَوْضِعِ هَلْ هُوَ مُضِرٌّ أَوْ لَا؟ وَلِهَذَا يُزْعِجُ مَنْ رَأَى جُلُوسَهُ مُضِرًّا، وَإِنَّمَا يُزْعِجُهُ الْإِمَامُ، وَإِذَا كَانَ لِاجْتِهَادِهِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَكَذَلِكَ لِإِقْطَاعِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الجوري، والقفال، وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْإِقْطَاعِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُنْتَفَعٌ بِهَا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَأَشْبَهَتِ الْمَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلتَّمْلِيكِ فِيهَا فَلَا مَعْنَى لِلْإِقْطَاعِ بِخِلَافِ الْمَوَاتِ، قَالَ الرافعي: وَلِلنِّزَاعِ فِيهِ مَجَالٌ فِي قَوْلِهِ لَا مَدْخَلَ لِلتَّمْلِيكِ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي الرَّقْمِ للعبادي، وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الجويني لابن طاهر رِوَايَةَ وَجْهٍ: أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنَ الشَّوَارِعِ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الطُّرُقِ، وَزَادَ الرافعي فَقَالَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ: فِيمَا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي شَارِعٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَنَّ الَّذِي أَوْرَدَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، والروياني، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ لَا ضَمَانَ، وَجَوَّزُوا أَنْ يُخَصِّصَ الْإِمَامُ قِطْعَةً مِنَ الشَّارِعِ بِبَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ إِقْطَاعَ الْإِمَامِ هَلْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الشَّوَارِعِ؟ وَبَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: نَعَمْ وَجَوَّزُوا لِلْمُقْطَعِ أَنَّ يَبْنِيَ فِيهِ وَيَتَمَلَّكَهُ، هَذَا كَلَامُهُ فِي الْجِنَايَاتِ، قَالَ السبكي: وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَوْلُهُ: بَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا نَعَمْ يُرِيدُ بِهِ تَجْوِيزَ الْإِقْطَاعِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: وَجَوَّزُوا لِلْمُقْطَعِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ بِنَاءِ دَكَّةٍ فِي الشَّارِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ أَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ، وَقَوْلُهُ وَيَتَمَلَّكُهُ لَا يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ إِلَّا عَلَى مَا حَكَاهُ هُنَا عَنِ الرَّقْمِ، وَشَرْحِ مُخْتَصَرِ الجويني وَهُوَ وَجْهٌ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ
стр. 152
فَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرافعي لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الْجِنَايَاتِ طَالَ عَهْدُهُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الصُّلْحِ وَفِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَلَمْ يُحَرِّرْهُ، قَالَ ابن الرفعة: وَكَيْفَ قُدِّرَ فَهُوَ بَعِيدٌ إِلَّا إِذَا جَهِلَ السَّبَبَ الَّذِي صَارَ بِهِ الشَّارِعُ شَارِعًا وَإِذَا جَهِلَ السَّبَبَ، وَمِنْهُ مَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ التَّمَلُّكُ جَزْمًا، وَمِنْهُ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْدِمُ عَلَى تَمْلِيكِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّارِعَ وَإِنِ اتَّسَعَ فِي وَقْتٍ قَدْ يَكُونُ فِي وَقْتٍ آخَرَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ أَوْ أَضْيَقَ وَهُوَ مَوْضُوعٌ شَارِعًا لِعُمُومِ الْأَوْقَاتِ، قَالَ السبكي: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابن الرفعة صَحِيحٌ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا جَوَّزْنَا الْإِقْطَاعَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَصِيرَ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالِارْتِفَاقِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ: وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ الْإِقْطَاعَ قِسْمَانِ: إِقْطَاعُ إِرْفَاقٍ: وَهُوَ هَذَا، وَإِقْطَاعُ تَمْلِيكٍ: وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاتِ لِيَتَمَلَّكَ بِالْإِحْيَاءِ، فَالشَّارِعُ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَوَاتِ فِيمَا عَدَا الْمُرُورَ وَنَحْوَهُ لَا يَدْخُلُهُ الْإِحْيَاءُ وَلَا الْحِمَى وَلَا إِقْطَاعُ التَّمْلِيكِ، ثُمَّ قَالَ السبكي: فَرْعٌ عَنِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ: إِذَا قُلْنَا بِدُخُولِ الْإِقْطَاعِ فَلَا يَجْعَلُ السَّابِقَ أَحَقَّ، قَالَ: فَإِنْ أَرَادَ السَّابِقَ بَعْدَ الْإِقْطَاعِ فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّ بِالْإِقْطَاعِ صَارَ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ، وَأَمَّا إِذَا سَبَقَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْإِقْطَاعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الْإِقْطَاعُ لِغَيْرِهِ مَا دَامَ حَقُّهُ بَاقِيًا، وَلَا يَأْتِي فِيهِ خِلَافٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّبْقَ مُوجِبٌ لِلْأَحَقِّيَّةِ قَطْعًا بِالْحَدِيثِ، وَالْإِقْطَاعَ مُوجِبٌ لِلْأَحَقِّيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ تَعَارَضَا قَدَّمَ الْأَقْدَمَ تَارِيخًا، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمَا حَصَلَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ السَّبْقِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا لَمْ نُقَدِّمْهُ بَعْدَ الْإِقْطَاعِ لِأَنَّا نَجْعَلُ الْإِقْطَاعَ سَبْقًا، انْتَهَى كَلَامُ السبكي.
فَانْظُرْ كَيْفَ نَقَلَ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ السَّابِقَ مَعَ الْإِقْطَاعِ لَا حَقَّ لَهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى السَّابِقِ بَعْدَ صُدُورِ الْإِقْطَاعِ، وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ بِالْإِقْطَاعِ صَارَ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ وَبِأَنَّا نَجْعَلُ الْإِقْطَاعَ سَبْقًا، وَهُوَ عَيْنُ مَا نَقَلْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: فِي بَقِيَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِكَلَامِ الرافعي قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ بَعْدَ سِيَاقِ كَلَامَيْهِ: وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ - يَعْنِي فِي الْجِنَايَاتِ - سَهْوٌ فَإِنَّهُ أَحَالَ عَلَى الْمَذْكُورِ هُنَا فَأَطْلَقَ الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ إِمْعَانٍ، وَقَالَ فِي الْخَادِمِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ كَلَامَ الرافعي، وَكَلَامَ ابن الرفعة فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْإِمَامَ هَلْ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً؟ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إِذَا أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ ذَلِكَ فَهَلْ لِلْمُقْطَعِ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إِذَا بَنَى فِيهِ، وَالْأَصَحُّ نَعَمْ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجِنَايَاتِ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا
стр. 153
الْإِقْطَاعَ بِمَثَابَةِ إِقْطَاعِ الْمَوَاتِ إِذَا بَنَى فِيهِ تَمَلَّكَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْلِكَهُ ابْتِدَاءً، قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: يَمْنَعُ مِنْ هَذَا حَوَالَةُ الرافعي فِي الْجِنَايَاتِ عَلَى الْمَذْكُورِ هُنَا وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا التَّمَلُّكَ بِضَمِّ اللَّامِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ التَّمْلِيكَ قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ هُنَا جَوَازَ الْإِقْطَاعِ، وَمِنْ لَازِمِهِ جَوَازُ التَّمَلُّكِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا اللَّازِمِ فِي الْجِنَايَاتِ، وَأَيْضًا فَلَمْ يَقُلْ فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بَلْ يَتَمَلَّكُهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِالْإِحْيَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، قَالَ: عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَفِيمَا نَقَلَهُ هُنَاكَ عَنِ الْأَكْثَرِينَ نَظَرٌ، أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ جَوَّزُوا فِيهِ الْبِنَاءَ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ إِلَّا عَلَى تَجْوِيزِ بِنَاءِ دَكَّةٍ فِي الشَّارِعِ إِذَا لَمْ يَضُرَّ وَهُوَ وَجْهٌ، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ فِي بَابِ الصُّلْحِ الْمَنْعُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ جَوَّزُوا تَمَلُّكَهُ فَلَا يَتَأَتَّى إِلَّا عَلَى مَا حَكَاهُ هُنَا عَنِ الرَّقْمِ وَهُوَ وَجْهٌ غَرِيبٌ اهـ.
قُلْتُ: حَطَّ مَحَطَّ كَلَامِ الْخَادِمِ عَلَى إِبْقَاءِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الرافعي، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْجِنَايَاتِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ حَاوَلَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَوَجَدَهَا لَا تَتَمَشَّى عَلَى الرَّاجِحِ فَرَجَعَ إِلَى مُوَافَقَةِ الْمُعْتَرِضِينَ، وَأَقُولُ: لَا بَأْسَ بِتَأْوِيلِ كَلَامِ الرافعي عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ نِسْبَةَ الذُّهُولِ وَالسَّهْوِ إِلَيْهِ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْجِنَايَاتِ وَإِنْ حَفَرَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ أَوِ الْقَوْلَانِ، وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ إِقْطَاعَ الْإِمَامِ هَلْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الشَّوَارِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: نَعَمْ وَجَوَّزُوا لِلْمُقْطَعِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ وَيَتَمَلَّكَهُ انْتَهَى.
فَمَحْمَلُ الْإِيرَادِ هُنَا إِجْرَاءُ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَجَوَّزُوا مَعْطُوفٌ عَلَى قَالُوا فَيَكُونُ مَنْسُوبًا لِلْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَتَمَلَّكُهُ الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى الشَّارِعِ، كَمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ، وَيَنْدَفِعُ الْأَوَّلُ بِأَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَجَوَّزُوا مُسْتَأْنَفًا لَا مَعْطُوفًا عَلَى خَبَرِ أَنْ فَيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الصُّلْحِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ لَا غَرِيبٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُصَحَّحَ، وَالْقَصْدُ بِسِيَاقِ ذَلِكَ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى بِنَاءِ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ حَفْرِ الْبِئْرِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ فِي إِقْطَاعِ الْإِمَامِ لِلشَّارِعِ، وَعَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ فِي الشَّارِعِ، وَيُوَضِّحُ مَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِئْنَافِ وَعَدَمِ الْعَطْفِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبِنَاءِ لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَإِنَّمَا هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الصُّلْحِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بالرافعي أَنَّهُ يَعْزُو إِلَى بَابٍ مَسْأَلَتَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِحْدَاهُمَا، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الَّذِي عَزَاهُ إِلَى إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ إِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةُ إِقْطَاعِ الْإِمَامِ فَقَطْ وَهِيَ الَّتِي حَكَى فِيهَا هُنَاكَ عَنِ الْأَكْثَرِينَ الْجَوَازَ، وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ كَلَامًا آخَرَ عَلَى طَرِيقِ التَّذْيِيلِ
стр. 154
مُرَشِّحًا لِمَا ذَكَرَهُ فَقَالَ: وَجَوَّزُوا - أَيْ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ - لِلْمُقْطَعِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْشِيحًا لِجَوَازِ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الشَّارِعِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ الَّذِي هُوَ الْأَظْهَرُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ الْجَوَازَ لِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْقَصْدَ بِسِيَاقِ ذَلِكَ بِنَاءُ الْخِلَافِ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّرْشِيحِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بِنَاءِ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي أُخْرَى أَنْ يَسْتَوِيَا فِي التَّرْجِيحِ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَيَتَمَلَّكُهُ بِأَنَّ الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِتَمَلُّكِ الشَّارِعِ الْمَحْكِيَّ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْزَى إِلَى الْأَكْثَرِينَ فَإِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِأَيْسَرِ شَيْءٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَتَمَلَّكُهُ عَائِدٌ إِلَى الشَّارِعِ وَنَحْنُ نَقُولُ لَيْسَ عَائِدًا إِلَى الشَّارِعِ بَلْ إِلَى الْبِنَاءِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: يَبْنِي فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْشِيحًا لِجَوَازِ حَفْرِ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَتْ فِرْقَةٌ بِجَوَازِ أَنْ يَبْنِيَ فِي الشَّارِعِ مَا يَكُونُ مِلْكًا لِبَانِيهِ، فَجَوَازُ حَفْرِ الْبِئْرِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ وَتُجْعَلُ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى.
هَذَا مَا تَيَسَّرَ تَأْوِيلُ كَلَامِ الرافعي عَلَيْهِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ تَكَلُّفٍ، فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ الإمام الرافعي إِلَى السَّهْوِ وَالذُّهُولِ، وَمِنَ النُّقُولِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَوْدًا وَانْعِطَافًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ ابن القاص فِي تَلْخِيصِهِ: الْقَطَائِعُ فِرْقَتَانِ: أَحَدُهُمَا: مَضَى، وَالثَّانِي: إِقْطَاعُ إِرْفَاقٍ لَا يُمْلَكُ مِثْلَ الْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْوَالِيَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُقْطِعَ الْمَقَاعِدَ فَلَهُ ذَلِكَ كَمَا لَهُ أَنْ يُقْطِعَ الْمَوَاتَ مِنْ مُحْيِيهِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ: الْإِمَامُ هَلْ لَهُ أَنْ يُقْطِعَ مَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ؟ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَوَاتِ، وَذَكَرَ فِي الْوَسِيطِ نَحْوَهُ، وَقَالَ الجرجاني فِي الْبُلْغَةِ: وَأَمَّا الشَّوَارِعُ وَالرِّحَابُ الْوَاسِعَةُ فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْتَفِقَ بِالْقُعُودِ فِيهَا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالْمُجْتَازِينَ وَمَتَى تَرَكَهَا كَانَ غَيْرُهُ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ قَامَ عَنْهَا لِيَعُودَ إِلَيْهَا فِي غَدٍ كَانَ أَوْلَى بِهَا، فَإِنْ أَقْطَعَ الْإِمَامُ مَكَانًا مِنْهَا كَانَ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالِارْتِفَاقِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ القاضي حسين فِي تَعْلِيقِهِ: الْإِقْطَاعُ قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: إِقْطَاعُ تَمْلِيكٍ وَهُوَ الْمَوَاتُ الَّذِي يَتَمَلَّكُهُ الْمُقْطَعُ بِإِحْدَاثِ أَمْرٍ فِيهِ، وَالثَّانِي إِقْطَاعُ إِرْفَاقٍ وَهُوَ مِثْلُ الرِّبَاطَاتِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَهَا مَنْ شَاءَ لِيَجْلِسَ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا، إِذَا كَانَ لَا يَتَضَرَّرُ الْمَارَّةُ بِهِ إِذْ لِاجْتِهَادِهِ مَدْخَلٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْنَعُ عَنْهُ مَنْ يَجْلِسُ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ النَّاسُ، بِخِلَافِ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِيهَا إِذْ لَا يَسُوغُ لَهُ مَنْعُ أَحَدٍ عَنْهَا بِحَالٍ.
ثُمَّ الْحُكْمُ
стр. 155
فِيهِ أَنَّ الْمُقْطَعَ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ يَتَرَدَّدُ وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ فَلِلْغَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَإِنِ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحَقُّهُ قَائِمٌ فِيهِ لَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ مَكَانَهُ، وَإِذَا مَرِضَ أَوْ غَابَ إِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ قَصِيرَةً لَمْ يَكُنْ لِلْغَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ مَكَانَهُ، وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ فَلِلْغَيْرِ الْجُلُوسُ مَكَانَهُ وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُقْطَعُ بِحَالٍ إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ وَلَا عَيْنُ مَالٍ بِخِلَافِ الْمَوَاتِ وَالْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.
فَهَذِهِ عِبَارَاتُ مَشَاهِيرِ أَئِمَّةِ الْأَصْحَابِ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِتَشْبِيهِهِ بِالْمُتَحَجِّرِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْمُتَعَدِّي عَلَى الْمُتَحَجِّرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ مُؤَلِّفُهُ ﵁: أَلَّفْتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ.
[الْجَهْرُ بِمَنْعِ الْبُرُوزِ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنَّ رَجُلًا لَهُ بَيْتٌ بِالرَّوْضَةِ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ أَصْلُهُ قَدِيمٌ عَلَى سَمْتِ جُدْرَانِ بُيُوتِ الْجِيرَانِ الْأَصْلِيَّةِ ثُمَّ أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بُرُوزًا ذَرَعَهُ إِلَى صَوْبِ الْبَحْرِ نَحْوَ عِشْرِينَ ذِرَاعًا بِالذِّرَاعِ الشَّرْعِيِّ، بِحَيْثُ خَرَجَ عَنْ سَمْتِ بُيُوتِ الْجِيرَانِ الْقَدِيمَةِ، ثُمَّ أَرَادَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ بُرُوزًا ثَانِيًا قُدَّامَ ذَلِكَ الْبُرُوزِ الْأَوَّلِ مُتَّصِلًا بِهِ فَحَفَرَ لَهُ أَسَاسًا ذَرَعَهُ إِلَى صَوْبِ الْبَحْرِ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا بِالذِّرَاعِ الشَّرْعِيِّ بِحَيْثُ يَصِيرُ مَجْمُوعُ الْبُرُوزَيْنِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَاقِعَةً فِي حَرِيمِ النَّهْرِ وَأَرْضِهِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ احْتِرَاقِ النِّيلِ مَشْرَعٌ لَهُ وَطَرِيقٌ لِلْوَارِدِينَ وَالْمَارِّينَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا يَحِلُّ لَكَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فَشَنَّعَ عَلَيَّ فِي الْبَلَدِ أَنِّي أَفْتَيْتُ بِهَدْمِ بُيُوتِ الرَّوْضَةِ، وَهَذَا كَذِبٌ مَحْضٌ وَإِشَاعَةٌ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ الْقَدِيمَةَ الْبَاقِيَةَ عَلَى أُصُولِهَا لَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لَهَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْبُرُوزِ الْحَادِثِ وَمَا يُرَادُ إِحْدَاثُهُ الْآنَ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: جَوَازُ الْبُرُوزِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ شَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي شَارِعٍ، وَلَا فِي حَرِيمِ نَهْرٍ، وَلَا نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَيَاةِ شُيُوخِنَا أَنَّ أَيْبَكَ الخاصكي بَنَى بَيْتًا بِمِصْرَ تُجَاهَ جَامِعِ الرَّيِّسِ وَبَرَزَ فِيهِ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ فَاسْتَفْتَى الشَّيْخَ الْإِمَامَ الْعَلَّامَةَ الْمُحَقِّقَ جلال الدين المحلي الشافعي فَأَفْتَى بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ شُطُوطَ الْأَنْهَارِ لَا تُمْلَكُ وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهَا وَلَا الْبِنَاءُ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ
стр. 156
مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ ﵁ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ بَلْ وَلَا فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، بَلِ الْأَئِمَّةُ وَأَتْبَاعُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ. وَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ نُقُولِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ.
[ذِكْرُ نُقُولِ مَذْهَبِنَا]
قَالَ الرافعي فِي الشَّرْحِ، والنووي فِي الرَّوْضَةِ: حَرِيمُ الْمَعْمُورِ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ. وَالْحَرِيمُ هُوَ الْمَوَاضِعُ الْقَرِيبَةُ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ، كَالطَّرِيقِ وَمَسِيلِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَا عَلَى حَرِيمِ الدَّارِ وَحَرِيمِ الْقَرْيَةِ ثُمَّ قَالَا: وَالْبِئْرُ الْمَحْفُورَةُ فِي الْمَوَاتِ حَرِيمُهَا الْمَوْضِعُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّازِحُ وَمَوْضِعُ الدُّولَابِ وَمُتَرَدَّدُ الْبَهِيمَةِ وَمَصَبُّ الْمَاءِ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُجْتَمَعُ فِيهِ لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ مِنْ حَوْضٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْرَحُ فِيهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ، وَفِي وَجْهٍ حَرِيمُ الْبِئْرِ قَدْرُ عُمْقِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَبِهَذَا يُقَاسُ حَرِيمُ النَّهْرِ - هَذَا كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ قَالَا بَعْدَ ذَلِكَ: عِمَارَةُ حَافَاتِ هَذِهِ الْأَنْهَارِ مِنْ وَظَائِفِ بَيْتِ الْمَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا قَنْطَرَةٌ لِعُبُورِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ تقي الدين السبكي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ، وَعَنْ أبي يوسف ومحمد: لَهُ حَرِيمٌ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا قَالَ: وَرَأَيْتُ فِي دِيَارِ مِصْرَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَسْتَنْكِرُ الْعَمَايِرَ الَّتِي عَلَى حَافَاتِ النِّيلِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهَا قَالَ: وَهَذَا قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، قَالَ: وَإِذَا رَأَيْنَا عِمَارَةً عَلَى حَافَةِ نَهْرٍ لَا نُغَيِّرُهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ فِيمَا عُرِفَ حَالُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا عَظُمَتِ الْبَلْوَى بِهِ اعْتِقَادُ بَعْضِ الْعَوَامِّ أَنَّ أَرْضَ النَّهْرِ مِلْكُ بَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهَا وَلَا تَمْلِيكُهَا بَلْ هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَالْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ إِنَّمَا امْتَنَعَ التَّمَلُّكُ وَالْإِقْطَاعُ فِيهَا لِشَبَهِهَا بِالْمَاءِ وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إِقْطَاعِ مَشَارِعِ الْمَاءِ لِاحْتِيَاجِ جَمِيعِ النَّاسِ إِلَيْهَا فَكَيْفَ يُبَاعُ، قَالَ: وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَأَدَّى إِلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَشْتَرِي أَنْهَارَ
стр. 157
الْبَلَدِ كُلِّهَا وَيَمْنَعُ بَقِيَّةَ الْخَلْقِ عَنْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهَرَ هَذَا الْحُكْمُ لِيَحْذَرَ مَنْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهَا مُبْقَاةٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَالْمَوَاتِ وَأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَتُفَارِقُ الْمَوَاتَ فِي أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُقْطَعُ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ تَصَرُّفٌ فِيهَا، بَلْ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهَا سَوَاءٌ، فَإِنْ وَجَدْنَا نَهْرًا صَغِيرًا بِيَدِ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ مِلْكُهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِمَا شَاؤُوا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا وَلَكِنْ فِيهِ مُشَارِبُ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ فَحُقُوقُهُمْ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الْمَشَارِبِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ السبكي، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالنَّقْلِ عَنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ النَّهْرَ لَهُ حَرِيمٌ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ وَلَا إِحْيَاؤُهُ وَلَا الْبِنَاءُ فِيهِ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا إِقْطَاعُهُ، وَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ: الْأَنْهَارُ وَمَجَارِيهَا الْعَامَّةُ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً بَلْ هِيَ إِمَّا مُبَاحَةٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهَا وَإِمَّا وَقْفٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْهَارَ الْكِبَارَ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ مُبَاحَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْإِحْيَاءِ لَا بِالْبَيْعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ حَافَاتُهَا الَّتِي عُمُومُ النَّاسِ إِلَى الِارْتِفَاقِ بِهَا لِأَجْلِهَا، وَالْأَنْهَارُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي حَفَرَهَا قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ مُعَرَّفُونَ مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ الْمُشْتَرَكَةِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالنَّقْلِ عَنِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ حَافَاتِ النِّيلِ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا وَلَا إِحْيَاؤُهَا.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: فَرْعٌ: شَخْصٌ أَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ عَلَى حَرِيمِهِ عَلَى مَاءٍ جَارٍ شَجَرَةً، جَازَ وَإِنْ كَانَ النَّهْرُ مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِمْ كَمَا يَتَّخِذُ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَشْرَعًا، وَفِي فَتَاوَى القفال: رَجُلٌ لَهُ دَارٌ فِي مَوْضِعٍ وَيَجْرِي نَهْرٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرَةً عَلَى جَانِبِ النَّهْرِ بِحِذَاءِ دَارِهِ لَمْ يَجُزْ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا كَمَا لَوْ بَنَى دَكَّةً فِي الشَّارِعِ فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
فَإِذَا مَنَعَ القفال مِنْ غَرْسِ شَجَرَةٍ فَمَا ظَنُّكَ بِالْبِنَاءِ؟ وَقَالَ الزركشي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: حَافَاتُ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْإِحْيَاءِ وَلَا بِالِابْتِيَاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا غَيْرِهِ، قَالَ: وَقَدْ عَمَّتِ الْبَلْوَى بِالْأَبْنِيَةِ عَلَى حَافَاتِ النِّيلِ كَمَا عَمَّتْ بِالْقَرَافَةِ مَعَ أَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ، وَذَكَرَ الدميري فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَاجَعْتُ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فَوَجَدْتُهُ نَصَّ فِي مُخْتَصَرِ المزني وَفِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ النَّهْرَ وَالْمَاءَ الظَّاهِرَ لَا يَمْلِكْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْطِعَهُ بِحَالٍ، وَالنَّاسُ فِيهِ شَرْعٌ وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ شُرَكَاءُ فِي ذَلِكَ
стр. 158
- هَذَا نَصُّهُ فِي الْكِتَابَيْنِ، زَادَ فِي الْأُمِّ: وَلَوْ أَحْدَثَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا بِنَاءً قِيلَ لَهُ حَوِّلْ بِنَاءَكَ وَلَا قِيمَةَ لَهُ فِيمَا أَحْدَثَ بِتَحْوِيلِهِ.
وَقَالَ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ: الْحَرَائِمُ هِيَ الْمَوَاضِعُ الْقَرِيبَةُ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ بِهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهَا بِنَوْعِ عُدْوَانٍ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُحْيَا، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الرافعي والنووي، ثُمَّ قَالَ: وَحَمَلَ الْأَصْحَابُ قَوْلَهُ ﷺ : " «حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» " عَلَى آبَارِ الْحِجَازِ فَإِنَّهَا تَكُونُ عَمِيقَةً تَحْتَاجُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَمُرُّ فِيهَا الثَّوْرُ إِلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَحَرِيمُ النَّهْرِ مَلْقَى النَّهْرِ لِلطِّينِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ التِّقْنِ - وَهُوَ رُسَابَةُ الْمَاءِ - وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: مِنْ حَرِيمِ النَّهْرِ مَلْقَى الطِّينِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
وَقَالَ الخوارزمي فِي الْكَافِي: حَرِيمُ النَّهْرِ مَا يُلْقَى فِيهِ الطِّينُ عِنْدَ الْحَفْرِ، وَقَالَ السبكي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ جَوَانِبِهَا كُلِّهَا» " وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدْئِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، وَحَرِيمُ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، وَحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَسَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ: حَرِيمُ الْعُيُونِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَرِيمُ الْبِئْرِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ الْعَيْنِ مِائَتَا ذِرَاعٍ، ثُمَّ قَالَ السبكي: وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَرَ التَّحْدِيدَ وَحَمَلَ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَبِهَذَا يُقَاسُ حَرِيمُ النَّهْرِ قَالَ: وَمِنْ حَرِيمِ النَّهْرِ مَلْقَى طِينِهِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَى إِلْقَائِهِ عِنْدَ حَفْرِهِ، قَالَ: وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَمَلْقَى تِقْنِهِ وَهُوَ مَا يُنَحَّى مَعَ الْمَاءِ وَسُمِّيَ الرُّسَابَةَ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» "، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَرِيمُ الْبِئْرِ مَدُّ رِشَائِهَا» "، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَرِيمُ النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِّ يَدِهَا» " قَالَ القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ: إِذَا أَحْيَا أَرْضًا لِيَغْرِسَ فِيهَا، وَغَرَسَ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ بِجِوَارِهِ بِحَيْثُ تَلْتَفُّ أَغْصَانُ الْغِرَاسِ وَبِحَيْثُ تَلْتَقِي عُرُوقُهَا، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: حَرِيمُ الْأَرْضِ الْمُحْيَاةِ لِلزِّرَاعَةِ طُرُقُهَا وَمُفِيضُ مَائِهَا وَبَيْدَرُ زَرْعِهَا وَمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ مَرَافِقِهَا. انْتَهَى مَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ للسبكي فِي ضَبْطِ الْحَرِيمِ.
وَقَالَ الغزي فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ:
مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ سَكْرًا فِي النَّهْرِ الْعَامِّ الْكَبِيرِ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ؛
стр. 159
لِأَنَّ النَّهْرَ الْعَامَّ كَالطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ الْعَامِّ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ صَخْرَةً فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ مُنِعَ مِنْهُ.
وَفِي فَتَاوَى ابن الصلاح: مَسْأَلَةٌ - إِذَا أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبْنِيَ عِمَارَةَ سَكْرٍ فِي النَّهْرِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهِ طَاحُونَةً وَنَاعُورَةً وَلَا يَضَرُّ بِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَلَا بِمَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْيَاءً لَهُ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوَاتِ الَّذِي يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ حَتَّى يَمْلِكَ قَرَارَ النَّهْرِ الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ الْعِمَارَاتِ وَيَمْلِكَ حَرِيمَهُ أَمْ لَا؟ أَجَابَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ ضَرَرٍ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُنْحَدَرَ فِي مَكَانِهِ بِسَبَّاحَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَطَرِيقُ الْمَاءِ الْعَامُّ كَطَرِيقِ السُّلُوكِ الْعَامِّ، وَلَوْ أَرَادَ مُرِيدٌ أَنْ يَضَعَ صَخْرَةً فِي طَرِيقِ شَارِعٍ وَاسِعٍ مُنِعَ مِنْهُ وَهَذَا شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ، وَلَوْ قُدِّرَ خُلُوُّ ذَلِكَ عَنِ الضَّرَرِ لَمْ يَجُزْ مِلْكُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَمَا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ الطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الِاخْتِصَاصَاتِ الْجَائِزَةِ.
[ذِكْرُ نُقُولِ الْمَالِكِيَّةِ]
قَالَ ابن الحاج فِي الْمَدْخَلِ: شَاطِئُ النَّهْرِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ فِيهِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إِلَّا الْقَنَاطِرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﵊: " «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ، الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» " رَوَاهُ أبو داود فِي سُنَنِهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهَا مَرَافِقُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ يَرْتَفِقُ بِهَا يَجِدُ هُنَاكَ نَجَاسَةً فَيَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَنَهَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يُلْعَنُونَ بِسَبَبِهِ، هَذَا وَهُوَ مِمَّا يَذْهَبُ بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ وَغَيْرِهِمَا فَكَيْفَ بِالْبِنَاءِ عَلَى النَّهْرِ الْمُتَّخَذِ لِلدَّوَامِ غَالِبًا، وَقَدْ قَالَ ابن هبيرة فِي كِتَابِ اتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ لَا يَجُوزُ تَضْيِيقُهَا، وَالْبِنَاءُ عَلَى النَّهْرِ أَكْثَرُ ضَرَرًا وَأَشَدُّ مِنْ تَضْيِيقِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ يُمْكِنُ الْمُرُورُ فِيهَا مَعَ تَضْيِيقِهَا بِخِلَافِ النَّهْرِ، فَمَنْ بَنَى عَلَيْهِ كَانَ غَاصِبًا لَهُ لِأَنَّهُ مَوْرَدَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا جَاءَ أَحَدٌ يَرِدُ الْمَاءَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَدُورَ مِنْ نَاحِيَةٍ بَعِيدَةٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَانَ مَنْ أَحْوَجَهُ إِلَى ذَلِكَ غَاصِبًا، وَقَدْ قَالَ ﵇: " «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَنْ أَرْسَلَ سَجَّادَةً إِلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ إِتْيَانِهِ فَوُضِعَتْ هُنَاكَ لِيُحَصِّلَ بِهَا الْمَكَانَ أَوْ كَانَ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى
стр. 160
مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَصْبٌ، هَذَا وَهُوَ مِمَّا لَا يَدُومُ فَكَيْفَ بِالْبِنَاءِ عَلَى النَّهْرِ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: أَنَّ حَرِيمَ الْعُيُونِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَحَرِيمَ الْأَنْهُرِ أَلْفُ ذِرَاعٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ فَقِيلَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَقِيلَ خَمْسُونَ، وَقِيلَ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَقِيلَ خَمْسُمِائَةٍ نَقَلَهُ الشَّيْخُ أبو الحسن اللخمي فِي تَبْصِرَتِهِ، وابن يونس فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَحُدَّ مالك فِي ذَلِكَ حَدًّا إِلَّا مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ، فَعَلَى هَذَا وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مَنْ أَلْفِ ذِرَاعٍ إِذَا أَضَرَّ بِهِمْ يُمْنَعُ، ثُمَّ أَفْضَى الْأَمْرُ مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ إِلَى أَنِ امْتَنَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْهُ لِلشُّرْبِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا مَوَاضِعَ قَلِيلَةً، ثُمَّ جَرَتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ وَأَصْلِهِ وَهُوَ فَسَادُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَلَّى أَحَدٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَهَذَا مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، ثُمَّ إِنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْبَحْرِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْضَلَ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الْعِمَارَةِ غَالِبًا أَوْ يَنْهَدِمَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنَ الدُّورِ فَيَقَعُ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ فَتَجِيءُ الْمَرَاكِبُ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ خَبَرٌ فَتَمُرُّ عَلَى ذَلِكَ فَتَكْسِرُهَا غَالِبًا، سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْحِجَارَةُ مَبْنِيَّةً بَارِزَةً مَعَ الزَّرَابِيِّ الْخَارِجَةِ عَنِ الْبُيُوتِ فِي دَاخِلِ الْبَحْرِ، ثُمَّ مَعَ هَذِهِ الْأَذِيَّةِ يَمْنَعُونَ أَصْحَابَ الْمَرَاكِبِ مِنْ أَنْ يَلْتَصِقُوا إِلَيْهَا وَالْمَوْضِعُ مُبَاحٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِصَاصٌ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرَاكِبَ قَدْ تَأْتِي فِي وَقْتِ هَوْلِ الْبَحْرِ مَعَ ثِقْلِهَا بِالْوَسْقِ فَيُرِيدُ صَاحِبُهَا أَنْ يُرْسِيَ فِي الْمَوْضِعِ الْقَرِيبِ مِنْهُ لِيَسْلَمَ مِنْ آفَاتِ الْبَحْرِ فَلَا يَجِدَ لِذَلِكَ سَبِيلًا مِنْ كَثْرَةِ الدُّورِ الَّتِي هُنَاكَ فَيَمْضِي لِسَبِيلِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الدُّورَ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَرَقِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي ذِمَّةِ الْبَانِي هُنَاكَ، قَالَ: وَقَدْ نَقَلَ ابن رشد أَنَّ حُكْمَ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: بَعِيدٌ مِنَ الْعُمْرَانِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي إِحْيَائِهِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي إِحْيَائِهِ ضَرَرٌ، فَأَمَّا الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي عُمْرَانِهِ إِلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا حَكَى ابن حبيب، وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إِحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي فِي إِحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي يَكُونُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْهَا ضَرَرًا بِالطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَا يُبِيحُ ذَلِكَ الْإِمَامُ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ابن الحاج بِحُرُوفِهِ، وَمَسْأَلَةُ السَّجَّادَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا يَأْتِي نَقْلُهَا آخِرَ الْكِتَابِ، وَقَدْ رَاجَعْتُ التَّنْبِيهَاتِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَالتَّبْصِرَةَ للخمي، وَاللُّبَابَ فِي شَرْحِ ابن الجلاب، وَالْجَوَاهِرَ لِابْنِ شَاسٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فَوَجَدْتُهَا مُتَّفِقَةً عَلَى مَا نَقَلَ ابن الحاج.
стр. 161
[ذِكْرُ نُقُولِ الْحَنَفِيَّةِ]
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَيُتْرَكُ مَرْعًى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ؛ لِتَحَقُّقِ حَاجَاتِهِمْ إِلَيْهَا فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ وَالنَّهْرِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ الْإِمَامُ مَا لَا غِنَى لِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ كَالْمِلْحِ وَالْآبَارِ الَّتِي يَسْتَقِي النَّاسُ مِنْهَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي بَرِّيَّةٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا، فَإِنْ كَانَتْ لِلْعَطَنِ فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّاضِحِ فَحَرِيمُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا لَهُمَا إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَحَرِيمُهَا خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ بِالتَّوْقِيفِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالذِّرَاعُ هِيَ الْمُكَسَّرَةُ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا مُنِعَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْقَنَاةُ لَهَا حَرِيمٌ بِقَدْرِ مَا يَصْلُحُ، وَعَنْ محمد أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَرِيمِ، وَقِيلَ: هَذَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ، لَا حَرِيمَ لَهَا مَا لَمْ يَظْهَرِ الْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ نَهْرٌ فِي التَّحْقِيقِ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّهْرِ الظَّاهِرِ، قَالُوا: وَعِنْدَ ظُهُورِ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ فَوَّارَةٍ فَيُقَدَّرُ بِخَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَالشَّجَرَةُ تُغْرَسُ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَهَا حَرِيمٌ أَيْضًا حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرًا فِي حَرِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى حَرِيمٍ لَهُ يَجِدُ ثَمَرَهُ وَيَضَعُهُ فِيهِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةِ أَذْرُعٍ وَبِهِ وَرَدَ الْحَدِيثُ، وَمَا تَرَكَهُ الْفُرَاتُ أَوْ دِجْلَةُ وَعَدَلَ عَنْهُ الْمَاءُ، وَيَجُوزُ عَوْدُهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ لِحَاجَةِ الْعَامَّةِ إِلَى كَوْنِهِ نَهْرًا وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ لِأَنَّ قَهْرَ الْمَاءِ يَدْفَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَقَالَا: لَهُ مُسَنَّاةُ النَّهْرِ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ، ثُمَّ عَنْ أبي يوسف أَنَّ حَرِيمَهُ مِقْدَارُ نِصْفِ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَعَنْ محمد مِقْدَارُ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَهَذَا أَرْفَقُ بِالنَّاسِ.
ثُمَّ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ الْمِيَاهَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَاءُ الْبِحَارِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ فِيهَا حَقُّ الشَّفْهِ وَسَقْيِ الْأَرَاضِي، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْرِيَ مِنْهَا نَهْرًا إِلَى أَرْضِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَالِانْتِفَاعُ بِمَاءِ الْبَحْرِ كَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْهَوَاءِ فَلَا يُمْنَعُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ، وَالثَّانِي: مَاءُ الْأَوْدِيَةِ الْعِظَامِ كَجَيْحُونَ، وَسَيْحُونَ، وَدِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ، لِلنَّاسِ فِيهِ حَقُّ الشَّفْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَحَقُّ سَقْيِ الْأَرَاضِي، فَإِنْ أَحْيَا وَاحِدٌ أَرْضًا مَيْتَةً وَكَرَى مِنْهَا نَهْرًا لِيَسْقِيَهَا إِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ وَلَا يَكُونُ النَّهْرُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ فِي
стр. 162
الْأَصْلِ إِذْ قَهْرُ الْمَاءِ يَدْفَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ، وَعَلَى هَذَا نَصْبُ الرَّحَى عَلَيْهِ لِأَنَّ شَقَّ النَّهْرِ لِلرَّحَى كَشَقِّهِ لِلسَّقْيِ.
ثُمَّ قَالَ: الْأَنْهَارُ ثَلَاثَةٌ، نَهْرٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَدْخُلْ مَاؤُهُ فِي الْمَقَاسِمِ بَعْدُ كَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا كَرْيُهُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْكَرْيِ لَهُمْ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ مِنَ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ دُونَ الْعُشْرِ وَالصَّدَقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ فَالْإِمَامُ يُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى كَرْيِهِ إِحْيَاءً لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ القدوري: وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَيُتْرَكُ مَرْعًى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ، وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي بَرِّيَّةٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا، فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّعَطُّنِ فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّاضِحِ فَسِتُّونَ ذِرَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَحَرِيمُهَا ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا مُنِعَ مِنْهُ، وَمَا تَرَكَ الْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ وَعَدَلَ عَنْهُ الْمَاءُ وَيَجُوزُ عَوْدُهُ إِلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ مَنْ أَحْيَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ مَلَكَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ أبو يوسف ومحمد: لَهُ مُسَنَّاةُ النَّهْرِ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ انْتَهَى، وَقَدْ عُرِفَ بِهَذَا النَّصِّ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ السبكي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ لَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ لَا فِي الْأَنْهَارِ الْكِبَارِ الْمُبَاحَةِ كَالنِّيلِ، وَالْفُرَاتِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النَّافِعِ - وَهُوَ الْإِمَامُ أبو المفاخر السويدي الزوزني - وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ يُتْرَكُ مَرْعًى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ، وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ حَرِيمُهَا، فَإِنْ كَانَتْ بِئْرًا لِلْعَطَنِ فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ بِئْرًا لِنَاضِحٍ فَسِتُّونَ ذِرَاعًا، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَحَرِيمُهَا خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا مُنِعَ مِنْهُ، وَمَا تَرَكَهُ الْفُرَاتُ أَوْ دِجْلَةُ وَعَدَلَ عَنْهُ وَيَجُوزُ عَوْدُهُ إِلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ لِحَاجَةِ النَّهْرِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِلْعَامِرِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ أبو يوسف، ومحمد: لَهُ مُسَنَّاةُ النَّهْرِ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ.
وَفِي فَتَاوِي قاضي خان: لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَفَازَةِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَهُ مَا حَوْلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا حَرِيمًا لِلْبِئْرِ، وَلَوْ حَفَرَ نَهْرًا فِي مَفَازَةٍ بِإِذْنِ
стр. 163
الْإِمَامِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَسْتَحِقُّ لِلنَّهْرِ حَرِيمًا، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: يَسْتَحِقُّ مِقْدَارَ عَرْضِ النَّهْرِ حَتَّى إِذَا كَانَ مِقْدَارُ عَرْضِ النَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْحَرِيمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ فِي قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ، وَعَنِ الكرخي مِقْدَارُ عَرْضِ النَّهْرِ، هَذَا فِي النَّهْرِ الَّذِي حَفَرَهُ إِنْسَانٌ وَمَلَكَهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَوِ احْتَفَرَ رَجُلٌ قَنَاةً بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ فِي مَفَازَةٍ، وَسَاقَ الْمَاءَ حَتَّى أَتَى بِهِ أَرْضًا فَأَحْيَاهَا فَإِنَّهُ يَجْعَلُ لِقَنَاتِهِ وَلِمَخْرَجِ مَائِهِ حَرِيمًا بِقَدْرِ مَا يَصْلُحُ، وَهَذَا قَوْلُ أبي يوسف، ومحمد، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْحَرِيمَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ الْمَاءُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَنِ احْتَفَرَ نَهْرًا لَا يَسْتَحِقُّ لَهُ الْحَرِيمَ وَالْقَنَاةَ إِلَّا أَنْ يَقَعَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ النَّهْرِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِذَا أَحْيَا رَجُلٌ مَوَاتًا لَيْسَ لَهَا شُرْبٌ، وَحَفَرَ لَهَا مِنْ نَهْرٍ لِلْعَامَّةِ حَافَتُهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ وَسَاقَ إِلَيْهَا مَا يَكْفِيهَا مِنَ الْمَاءِ يُنْظَرُ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي النَّهْرِ الْعَظِيمِ كُوَّةً أَوْ كُوَّتَيْنِ إِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ، وَفِي النَّهْرِ الْخَاصِّ الْمَمْلُوكِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أَضَرَّ بِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَمْ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ حَافَةَ النَّهْرِ مِلْكُهُ فَلَا يَمْلِكُ حَفْرَهَا وَسِعَتَهَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْأَنْهَارُ ثَلَاثَةٌ، الْأَوَّلُ النَّهْرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَقَاسِمِ كَالْفُرَاتِ، وَدِجْلَةَ، وَجَيْحُونَ، وَسَيْحُونَ، وَالنِّيلِ، إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْكَرْيِ فَإِصْلَاحُ شَطِّهِ يَكُونُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ يُجْبَرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كَرْيِهِ، وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكْرِيَ مِنْهَا نَهْرًا لِأَرْضِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ بِأَنْ يَنْكَسِرَ شَطُّ النَّهْرِ وَيُخَافَ مِنْهُ الْغَرَقُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: نَهْرٌ يَجْرِي فِي سِكَّةٍ تُحْفَرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ وَيَجْتَمِعُ تُرَابٌ كَثِيرٌ فِي السِّكَّةِ قَالُوا: إِنْ كَانَ التُّرَابُ عَلَى حَرِيمِ النَّهْرِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السِّكَّةِ تَكْلِيفُ أَرْبَابِ النَّهْرِ نَقْلَ التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ جَاوَزَ حَرِيمَ النَّهْرِ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ نَهْرٌ لِقَوْمٍ يَجْرِي فِي أَرْضِ رَجُلٍ حَفَرُوا التُّرَابَ وَأَلْقَوُا التُّرَابَ فِي أَرْضِهِ إِنْ كَانَ التُّرَابُ فِي حَرِيمِ النَّهْرِ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ أَصْحَابَ النَّهْرِ بِرَفْعِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ إِلْقَاءَ التُّرَابِ فِي حَرِيمِ النَّهْرِ، فَإِنْ أَلْقَوُا التُّرَابَ فِي غَيْرِ حَرِيمِ النَّهْرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِرَفْعِ التُّرَابِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: رَجُلٌ بَنَى فِي الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ بِنَاءً لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَعَطِبَ أَوْ دَابَّةٌ فَتَلِفَتْ كَانَ ضَامِنًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ حَقُّ الْمَنْعِ وَالْمُطَالَبَةِ بِالرَّفْعِ، وَكَذَا لَوْ نَصَبَ عَلَى نَهْرِ الْعَامَّةِ
стр. 164
طَاحُونَةً لَا تَضُرُّ بِالنَّهْرِ فَكَالطَّرِيقِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَقُّ الْمَنْعِ وَالرَّفْعِ، فَإِنْ ضَرَّ فِي الْحَالَيْنِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِثْمُ أَيْضًا، وَلَوْ جَعَلَ عَلَى نَهْرِ الْعَامَّةِ قَنْطَرَةً بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ ثُمَّ انْكَسَرَ أَوْ وَهَى فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ ضَمِنَ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ حِسْبَةً وَمَمَرًّا لِلنَّاسِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِي فَتَاوِي البزازي: الْمِيَاهُ ثَلَاثَةٌ فِي عَامَّةِ الْعُمُومِ كَالْأَنْهَارِ الْعِظَامِ مِثْلِ دِجْلَةَ، وَجَيْحُونَ، وَسَيْحُونَ، لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ فَيَمْلِكُ كُلُّ أَحَدٍ سَقْيَ دَوَابِّهِ وَأَرْضِهِ وَنَصْبَ الطَّاحُونَةِ وَالدَّالِيَةِ وَالسَّانِيَةِ وَاتِّخَاذَ الْمَشْرَعَةِ وَالنَّهْرِ إِلَى أَرْضِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ فَإِنْ أَضَرَّ مُنِعَ، فَإِنْ فَعَلَ فَلِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ مَنْعُهُ الْمُسْلِمُ، وَالذِّمِّيُّ، وَالْمُكَاتَبُ فِيهِ سَوَاءٌ، ثُمَّ قَالَ: النَّهْرُ الْأَعْظَمُ كَرْيُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِصْلَاحُ مُسَنَّاتِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لِلْعَامَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ وَاحْتَاجَ الْمُسَنَّاةُ وَالنَّهْرُ إِلَى الْعِمَارَةِ يُجْبَرُ الْعَامَّةُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَيُتْرَكُ مَرْعًى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا فَصَارَ كَالنَّهْرِ وَالطَّرِيقِ وَعَلَى هَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مَا لَا غِنَى لِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ كَالْمِلْحِ، وَالْآبَارِ الَّتِي يَسْتَسْقِي النَّاسُ مِنْهَا، وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا لِقَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ حَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» "؛ لِأَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِبِئْرِهِ إِلَّا بِمَا حَوْلَهَا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقِفَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ لِيَسْتَسْقِيَ الْمَاءَ، وَإِلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ مَا يُرِكِّبُ عَلَيْهِ الْبَكَرَةَ، وَإِلَى أَنْ يَبْنِيَ الْحَوْضَ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ، وَإِلَى مَوْضِعٍ تَقِفُ فِيهِ مَوَاشِيهِ عِنْدَ الشُّرْبِ، وَإِلَى مَوْضِعٍ تَنَامُ فِيهِ مَوَاشِيهِ بَعْدَ الشُّرْبِ فَاسْتَحَقَّ الْحَرِيمَ لِذَلِكَ، وَقَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِأَرْبَعِينَ، ثُمَّ قِيلَ: أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنَ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ فِي كُلِّ جَانِبٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَجْمَعُ الْجَوَانِبَ الْأَرْبَعَةَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الْبِئْرِ وَهُوَ لَا يَنْدَفِعُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَإِنْ كَانَتِ النَّاضِحُ - وَهِيَ الَّتِي تَنْزِحُ الْمَاءَ مِنْهَا - بِالْبَقَرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَعِنْدَهُمَا حَرِيمُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا لِقَوْلِهِ ﵇: " «حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا» "؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ صَاحِبِ بِئْرِ النَّاضِحِ أَكْثَرُ، وَحَرِيمُ الْعَيْنُ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ لِمَا رُوِّينَا، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ، وَالتَّوْقِيفُ وَرَدَ بِخَمْسِمِائَةٍ فَاتَّبَعْنَاهُ إِذْ لَا
стр. 165
يَدْخُلُ الرَّأْيُ فِي الْمَقَادِيرِ، ثُمَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالذِّرَاعُ هُوَ الْمُكَسَّرَةُ وَهُوَ سِتُّ قَبَضَاتٍ وَكَانَ ذِرَاعُ الْمَلِكِ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَكُسِرَ مِنْهُ قَبْضَتُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا تَرَكَ الْفُرَاتُ أَوْ دِجْلَةُ وَعَدَلَ عَنْهُ الْمَاءُ وَيَجُوزُ عَوْدُهُ إِلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ لِحَاجَةِ النَّهْرِ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْأَنْهَارُ ثَلَاثَةٌ: نَهْرٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَدْخُلْ مَاؤُهُ فِي الْمَقَاسِمِ بَعْدُ، كَالْفُرَاتِ، وَدِجْلَةَ، وَالنِّيلِ فَكَرْيُهُ عَلَى السُّلْطَانِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْتُ الْمَالِ مُعَدٌّ لِلصَّرْفِ إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَى كَرْيِهِ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا وَفِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ عَامٌّ.
وَفِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوِي: الْمِيَاهُ ثَلَاثَةٌ فِي نِهَايَةِ الْعُمُومِ، كَالْأَنْهَارِ الْعِظَامِ كَدِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ، وَجَيْحُونَ، وَسَيْحُونَ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا وَيَسْقِيَ دَابَّتَهُ وَأَرْضَهُ وَيَشْرَبَ مِنْهُ وَيَتَوَضَّأَ بِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ نَصْبُ الطَّاحُونَةِ وَالسَّانِيَةِ وَالدَّالِيَةِ وَاتِّخَاذُ الْمَشْرَعَةِ وَاتِّخَاذُ النَّهْرِ إِلَى أَرْضِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ، فَإِنْ أَضَرَّ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ وَفَعَلَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ مُكَاتَبٍ مَنْعُهُ.
وَفِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ أَرْبَعُونَ، كَالْعَطَنِ وَقَالَا: سِتُّونَ، وَتُقَدَّرُ لِلْعَيْنِ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَيُمْنَعُ غَيْرُهُ مِنَ الْحَفْرِ فِيهِ وَيُلْحَقُ مَا امْتَنَعَ عَوْدُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ إِلَيْهِ بِالْمَوَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ، وَإِنْ جَازَ عَوْدُهُ لَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ، قَالَ ابن فرشته فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَائِمٌ لِجَوَازِ الْعَوْدِ وَكَوْنِهِ نَهْرًا، ثُمَّ قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: وَالنَّهْرُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا حَرِيمَ لَهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَقَالَا: لَهُ حَرِيمٌ بِقَدْرِ إِلْقَاءِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ، قَالَ ابن فرشته: وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لِلنَّهْرِ حَرِيمٌ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ لِضَرُورَةِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَقَالَ شمس الدين محمد بن يوسف القونوي فِي دُرَرِ الْبِحَارِ: وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّضْحِ أَرْبَعُونَ كَالْعَطَنِ، وَقَالَا: سِتُّونَ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَيُمْنَعُ غَيْرُهُ مِنْهُ، وَلَحِقَ بِالْمَوَاتِ مَا امْتَنَعَ عَوْدُ نَحْوِ دِجْلَةَ إِلَيْهِ، غَيْرَ الْحَرِيمِ، وَيُقَدَّرُ حَرِيمُ النَّهْرِ بِنِصْفِ النَّهْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ لَا كُلِّهِ فِي وَجْهٍ.
стр. 166
[ذِكْرُ نُقُولِ الْحَنَابِلَةِ]
قَالَ فِي الْمُغْنِي - وَهُوَ أَجَلُّ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ - وَعَلَى مِنْوَالِهِ نَسَجَ الشَّيْخُ محيي الدين النووي كِتَابَهُ شَرْحَ الْمُهَذَّبِ مَا نَصُّهُ: وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ مِنْ طُرُقِهِ وَمَسِيلِ مَائِهِ وَمَطْرَحِ قُمَامَتِهِ وَمَلْقَى تُرَابِهِ وَآلَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِ الْقَرْيَةِ كَفِنَائِهَا وَمَرْعَى مَاشِيَتِهَا وَمُحْتَطَبِهَا وَطُرُقِهَا وَمَسِيلِ مِيَاهِهَا لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ وَالنَّهْرِ وَالْعَيْنِ وَكُلِّ مَمْلُوكٍ لَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» " فَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُسْلِمٍ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوُصِّلَ إِلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ مَؤُونَةٍ يَنْتَابُهَا النَّاسُ وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا كَالْمِلْحِ وَالْمَاءِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْكُحْلِ وَمَقَالِعِ الطِّينِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلَا احْتِجَارُهُ دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ فَلَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ وَلَا إِقْطَاعُهُ، كَمَشَارِعِ الْمَاءِ وَطُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَمَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنَ الْجَزَائِرِ لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ، قَالَ أحمد فِي رِوَايَةِ العباس بن موسى: إِذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةٍ إِلَى قَنَاةِ رَجُلٍ لَمْ يَبْنِ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا رَجَعَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ؛ وَلِأَنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبَتُ الْكَلَأِ وَالْحَطَبِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ انْتَهَى، وَذَكَرَ نَحْوَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَمَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنَ الرِّفَاقِ وَالْجَزَائِرِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ وَلَا يَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إبراهيم فِي دِجْلَةَ يَصِيرُ فِي وَسَطِهَا جَزِيرَةٌ فِيهَا طُرُقٌ فَأَجَازَهَا قَوْمٌ فَقَالَ: كَيْفَ يُجَوِّزُونَهَا وَهِيَ شَيْءٌ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ؟ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يوسف بن موسى: إِذَا نَضَبَ الْمَاءُ مِنْ جَزِيرَةٍ إِلَى فِنَاءِ رَجُلٍ هَلْ يَبْنِي فِيهِ؟ قَالَ: لَا، فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَعُودُ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَعْدُ فَهُوَ طَرِيقٌ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَائِدَةٌ لَطِيفَةٌ
قَالَ ابن الحاج فِي الْمَدْخَلِ: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا مَوْضِعُ قِيَامِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا بَسَطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ احْتَاجَ
стр. 167
لِأَجْلِ سَعَةِ ثَوْبِهِ أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا كَبِيرًا لِيَعُمَّ ثَوْبَهُ عَلَى سَجَّادَتِهِ فَيَكُونُ فِي سَجَّادَتِهِ اتِّسَاعٌ خَارِجٌ فَيُمْسِكُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَوْضِعَ رَجُلَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا، إِنْ سَلِمَ مِنَ الْكِبْرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْضَمُّ إِلَى سَجَّادَتِهِ أَحَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ ذَلِكَ وَوَلَّى النَّاسُ عَنْهُ وَتَبَاعَدُوا مِنْهُ هَيْبَةً لِكُمِّهِ وَثَوْبِهِ وَتَرَكَهُمْ هُوَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُرْبِ إِلَيْهِ فَيُمْسِكُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ غَاصِبًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمَنْصُوصِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: " «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» " وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَمْسَكَهُ بِسَبَبِ قُمَاشِهِ وَسَجَّادَتِهِ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ حَاجَةٌ فِي الْغَالِبِ إِلَّا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ غَاصِبٌ لَهُ فَيَقَعُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ بِسَبَبِ قُمَاشِهِ وَسَجَّادَتِهِ وَزِيِّهِ، فَإِنْ بَعَثَ بِسَجَّادَتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ فَفُرِشَتْ لَهُ هُنَاكَ وَقَعَدَ هُوَ إِلَى أَنْ يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَأْتِي كَانَ غَاصِبًا لِذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عُمِلَتِ السَّجَّادَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْجِزَهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ فِيهِ إِلَّا مَوْضِعَ صَلَاتِهِ انْتَهَى.
[ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ وَطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ]
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، «عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ فَدَخَلَ عَلَى عائشة فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ: يَا أبا سلمة اجْتَنِبِ الْأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» " وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَلْعُونٌ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ مَلْعُونٌ مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ عَلَامَ الْأَرْضِ» "، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: هَذَا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَمَنْ تَوَلَّى لِغَيْرِ مَوَالِيهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ الْعَاقَّ لِوَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مُنْتَقِصَ مَنَارِ الْأَرْضِ» "، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي
стр. 168
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ» "، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ حُدُودَ الْأَرْضِ مَلْعُونٌ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ» "، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أبي رافع قَالَ: وَجَدْنَا صَحِيفَةً فِي قِرَابِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ مَكْتُوبٌ فِيهَا: " «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَرِّقُوا بَيْنَ مَضَاجِعِ الْغِلْمَانِ وَالْجَوَارِي بَلْ وَالْأُخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى الصَّلَاةِ إِذَا بَلَغُوا تِسْعًا، مَلْعُونٌ مَنِ ادْعَى إِلَى غَيْرِ قَوْمِهِ أَوْ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، مَلْعُونٌ مَنِ اقْتَطَعَ شَيْئًا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ» " يَعْنِي بِذَلِكَ طُرُقَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَخْرَجَ أحمد، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ يعلى بن مرة قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ سَبْعَ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ النَّاسِ» " وَفِي لَفْظٍ لأحمد: " «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: " «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا كُلِّفَ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءَ ثُمَّ يَحْمِلُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ» "، وَأَخْرَجَ أحمد، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» ".
وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنِ الحكم بن الحارث السلمي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شِبْرًا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» "، وَأَخْرَجَ أحمد وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أبي مسعود قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الظُّلْمِ أَظْلَمُ؟ فَقَالَ: " ذِرَاعٌ مِنَ الْأَرْضِ يَنْتَقِصُهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَيْسَ حَصَاةٌ مِنَ الْأَرْضِ يَأْخُذُهَا إِلَّا طُوِّقَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى قَعْرِ الْأَرْضِ وَلَا يَعْلَمُ قَعْرَهَا إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهَا» "، وَأَخْرَجَ ابن سعد، وأحمد، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أَعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللَّهِ ذِرَاعٌ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا اقْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ".
خَاتِمَةٌ: أَرْسَلْتُ بِقَضِيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي أَرَادَ الْبُرُوزَ إِلَى قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّافِعِيِّ، وَأَرْسَلْتُ لَهُ نُقُولَ الْمَذْهَبِ وَهَذَا الْمُؤَلَّفِ وَعَرَّفْتُهُ أَنَّ الَّذِي كَانُوا يَحْكُمُونَ بِهِ مِنِ الْإِذْنِ فِي الْبُرُوزِ بِالرَّوْضَةِ وَنَحْوِهَا بَاطِلٌ لَيْسَ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَلَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَأَذْعَنَ لِلْحَقِّ وَمَنَعَ نُوَّابَهُ مِنَ الْحُكْمِ بِذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى الْخَصْمِ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْبُرُوزِ فَأَرْسَلْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنَّ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْكُمَ حُكْمًا عَامًّا بِالْمَنْعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ خَصْمٍ
стр. 169
وَلَا تَوَجُّهِ دَعْوَى، فَاسْتَغْرَبَ ذَلِكَ فَأَرْسَلْتُ أَقُولُ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي مِثْلِ هَذَا وَنَحْوِهِ، وَقَدْ حَكَمَ الشَّيْخُ تقي الدين السبكي نَظِيرَ هَذَا الْحُكْمِ وَأَبْلَغَ مِنْهُ وَأَلَّفَ فِيهِ مُؤَلَّفًا فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِمُؤَلَّفِ السبكي فِي ذَلِكَ فَحَكَمَ بِمَنْعِ الْبُرُوزِ فِي الرَّوْضَةِ مَنْعًا مُطْلَقًا إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ وَنَفَّذَ هَذَا الْحُكْمَ قَاضِي الْقُضَاةِ الْحَنْبَلِيُّ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ الْمَالِكِيُّ، وَأَرْسَلْتُ بِذَلِكَ وَبِهَذَا الْمُؤَلَّفِ إِلَى الْمَقَامِ الشَّرِيفِ مَوْلَانَا السُّلْطَانِ فَأَحَاطَ بِذَلِكَ عِلْمًا وَتَوَعَّدَ أَهْلَ الْبُرُوزَاتِ مَنْعًا وَهَدْمًا، وَقَدْ خَتَمْتُ هَذَا الْمُؤَلَّفَ بِقَصِيدَةٍ نَظَمْتُ فِيهَا الْمَسْأَلَةَ لِأَنَّ النَّظْمَ أَيْسَرُ لِلْحِفْظِ وَأَسَيْرُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَسَمَّيْتُهَا: (النَّهْرُ لِمَنْ بَرَزَ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ) وَهِيَ هَذِهِ:
بَدَأْتُ بِبَسْمِ اللَّهِ فِي النَّظْمِ لِلشِّعْرِ ... وَأُثَنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ
وَصَلَّى إِلَهُ الْعَرْشِ مَا ذُكِرَ اسْمُهُ ... عَلَى الْمُصْطَفَى الْمَبْعُوثِ لِلسُّودِ وَالْحُمْرِ
وَهَاتِيكَ أَبْيَاتًا يُضَاهِي قَرِيضُهَا ... إِذَا مَا رَأَى الرَّاؤُونَ بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّي
فَمُسْنَدُهُ لِابْنِ الْفُرَاتِ عُذُوبَةً ... وَبَهْجَتُهُ الزَّهْرَاءُ تُعْزَى إِلَى الزُّهْرِي
وَأَلْفَاظُهُ تَحْكِي عَنِ الْمَاءِ رِقَّةً ... وَفِيهِ مَعَانٍ كُلُّهَا عَنْ أَبِي بَحْرِ
شَذَاهُ إِلَى الْآفَاقِ طَارَ فَعَرْفُهُ ... وَتَحْلِيقُهُ فِي الْجَوِّ كَالْوَرْدِ وَالنَّسْرِ
وَذَلِكَ فِي حُكْمٍ مِنَ الشَّرْعِ بَيِّنٌ ... يَفُوقُ السَّنَى الْبَدْرِيَّ فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ
بِهِ قَالَ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ كُلُّهُمْ ... وَكُلُّ إِمَامٍ قُدْوَةٍ عَالِمٍ حَبْرِ
لَقَدْ عَمَّتِ الْبَلْوَى بِأَمْرٍ مُحَرَّمٍ ... وَظَنَّ مُبَاحًا ذَاكَ كُلُّ امْرِئٍ غُمْرِ
فَفِي رَوْضَةِ الْمِقْيَاسِ جَارٍ بُرُوزُ مَنْ ... أَرَادَ بِأَنْ يَسْطُوَ عَلَى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
أَتَى فِي حَرِيمِ النَّهْرِ بَعْضُ بُرُوزِهِ ... وَسَائِرُهُ قَدْ حَلَّ فِي بُقْعَةِ النَّهْرِ
وَمَا قَالَ هَذَا قَطُّ فِي الدَّهْرِ عَالِمٌ ... وَلَمْ يَسْتَبِحْهُ فِي الْقَدِيمِ أُولُو الْخِبْرِ
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَا فِي الْبَلِيَّةِ مَنْ عَزَا ... إِبَاحَتَهُ لِلشَّافِعِيَّةِ بِالْقَسْرِ
وَمَا قَالَ هَذَا الشَّافِعِيُّ وَصَحْبُهُ ... وَلَا أَحَدَ مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدَهُ يَدْرِي
يَمِينًا وَفَجْرٍ وَاللَّيَالِي بِعَشْرِهَا ... وَشَفْعٍ وَوَتْرٍ ثُمَّ لَيْلٍ إِذَا يَسْرِي
بَلِ النَّصُّ فِي كُتُبِ الْإِمَامِ وَصَحْبِهِ ... بِأَنَّ حَرِيمَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ إِذْ يَجْرِي
كِلَا ذَيْنِ لَا مِلْكَ عَلَيْهِ يَحُوزُهُ ... وَإِنَّ بِنَاءَ النَّاسِ فِيهِ أَخُو حَظْرِ
وَلَا جَازَ إِقْطَاعٌ لَدَيْهِ وَلَا انْزَوَى ... إِلَى مِلْكِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا لِمَنْ يَشْرِي
وَمَنْ فِيهِ يَبْنِي فَلْيُهَدَّ بِنَاؤُهُ ... وَنَنْسِفُهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا عَلَى قَدْرِ
стр. 170
وَفِي حَسْرَةٍ يَمْشِي عَلَى فَقْدِ جِسْرِهِ
وَفِي خُسْرِهِ أَضْحَى إِلَى حَشْرِهِ يَجْرِي ... وَأَمَّا قَدِيمًا قَدْ رَأَيْنَا مُؤَصَّلًا
عَلَى نَمَطِ الْجِيرَانِ فِي السَّمْتِ لِلْجُدْرِ ... فَذَلِكَ نُبْقِيهِ وَنُوَلِّي احْتِرَامَهُ
لِوَضْعٍ بِحَقٍّ سَابِقٍ غَيْرِ ذِي خَتْرِ ... وَمَنْ رَامَ نَقْلًا يَسْتَفِيدُ بِعَزْوِهِ
لِيَحْكِيَ نُصُوصَ الْعِلْمِ إِنْ حَلَّ فِي صَدْرِ ... فَفِي الْأُمِّ نَصُّ الشَّافِعِيِّ إِمَامِنَا
وَمُخْتَصَرِ عَالِي الذُّرَى سَامِي الْقَدْرِ ... وَتَعْلِيقَةِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِ
وَكَافِي الْخَوَارِزْمِيِّ ذِي الْفَضْلِ وَالذِّكْرِ ... وَتَهْذِيبِ مُحْيِي السُّنَّةِ الْبَغَوِيِّ مَعَ
نُقُولِ كَثِيرٍ قَدْ تَجِلُّ عَنِ الْحَصْرِ ... وَفِي الشَّرْحِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَرَوْضَةِ النَّ
وَاوِيِّ حَيَّا قَبْرَهُ وَابِلُ الْقَطْرِ ... كَذَا فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ بَيَانُهُ
وَنَاهِيكَ بِالْحَبْرِ النَّقِيِّ عَنِ الْأَصْرِ ... وَسَارَ عَلَيْهِ فِي الْكِفَايَةِ نَجْمُنَا
أَجَلْ فَفِيهِ جَاءَ إِذْ ذَاكَ مِنْ مِصْرِ ... وَأَوْضَحَهُ فِي الِابْتِهَاجِ وَغَيْرِهِ الْإِمَامُ
التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ بِالْبَسْطِ وَالنَّشْرِ ... وَفِيهِ عَنِ الْقَفَّالِ لَوْ رَامَ نَخْلَةً
لِيَغْرِسَ بِالشَّاطِئِ مَنَعْنَاهُ بِالْقَهْرِ ... وَبَيَّنَ ذَاكَ الزَّرْكَشِيُّ بِشَرْحِهِ
وَمِنْ بَعْدُ فِي الشَّرْحِ الدَّمِيرِيُّ ذُو الْفَخْرِ ... وَبَيَّنَهُ الْغَزِّيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَا
فَخُذْهَا نُقُولًا مِنْ بِحَارٍ أُولِي دُرِّ ... وَخُذْ عَنْ نُقُولِ الْمَالِكِيَّةِ مُسْنَدًا
لِكُلِّ إِمَامٍ مِنْهُمْ عَالِمٍ حَبْرِ ... وَفِي مَدْخَلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَعْظَمَ بَسْطَهُ
وَبَيَّنَ مَا فِيهِ مِنِ الْإِثْمِ وَالضُّرِّ ... وَحَدُّ حَرِيمِ النَّهْرِ أَلْفُ ذِرَاعُهُ
وَذَلِكَ أَعْلَى الْحَدِّ فِي حَرَمِ النَّهْرِ ... وَأَمَّا النُّقُولُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنْ أَبِي
حَنِيفَةَ فِي هَذَا فَأَوْفَى مِنَ الْبَحْرِ ... وَحَدُّوا حَرِيمَ الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
بِخَمْسِ مِيءٍ مِنْ أَذْرُعٍ هِيَ ذُو كَسْرِ ... وَأَمَّا نُقُولٌ لِابْنِ حَنْبَلٍ جَمَّةٌ
وَنَاهِيكَ بِالْمُغْنِي فَكُنْ فِيهِ ذَا ذِكْرِ ... وَمَذْهَبُهُ فِي الْجُزُرِ أَضْيَقُ مَذْهَبٍ
لِنَصٍّ لَهُ أَنْ لَيْسَ يَبْنَى عَلَى جُزْرِ ... وَمَذْهَبُنَا فِي ذَاكَ أَفْسَحُ مَذْهَبٍ
لِأَنَّهُمْ قَاسُوا الْحَرِيمَ عَلَى الْبِئْرِ ... وَأَدْنَى حَرِيمِ الْبِئْرِ قَدْ قِيلَ خَمْسَةٌ
وَعِشْرُونَ ذَرْعًا مِنْ ذِرَاعِ أُولِي الشِّبْرِ ... وَكُلُّ مَكَانٍ عَمَّهُ فِي زِيَادَةٍ
مِنَ الْمَاءِ مَعْدُودٌ مِنَ الْأَرْضِ لِلنَّهْرِ ... وَضَابِطُهُ مَا بَيْنَ سَطْحَيْنِ حُفْرَةٌ
إِذِ النَّهْرُ مَرْدُودٌ إِلَى مَادَّةِ الْحَفْرِ ... فَحُفْرَةُ مَجْرَى الْمَاءِ نَهْرٌ وَمَبْدَأُ
الْحَرِيمِ مِنَ التَّسْطِيحِ قَدْرًا عَلَى قَدْرِ ... وَمَنْ رَامَ فِي هَذَا الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ
أَضَرَّ عَلَى الْمَارِّينَ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ
стр. 171
يُقِيمُ بِهِ فِي أَكْثَرِ الْعَامِ مَاؤُهُ ... فَلَا يَجِدُ الْمَارُّونَ طُرُقًا إِلَى الْمَرِّ
وَمِنْ هَاهُنَا مَعَ هَاهُنَا كُلُّ سَالِكٍ ... يَمُرُّ وَهَذَا الْبَرْزُ كَالطَّوْدِ فِي الْبَحْرِ
وَلَيْسَ بِهَا مَنْ يَقْطَعُ الطُّرُقَ غَيْرُهُ ... فَلِلَّهِ مِمَّنْ يَقْطَعُ الطُّرُقَ فِي الظُّهْرِ
وَقَدْ صَحَّ فِي الْآثَارِ تَطْوِيقُ سَبْعَةِ ... أَرَاضٍ لِمَنْ يَجْنِي مِنَ الْأَرْضِ كَالشِّبْرِ
وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا لَعْنُهُ وَانْخِسَافُهُ ... إِلَى الْأَرَضِينَ السَّبْعِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ
فَمَنْ رَامَ مَعَ هَذَا الْوَعِيدِ بُرُوزَهُ ... فَفِي الْعَصْرِ أَنَّ الْمُعْتَدِينَ لَفِي خُسْرِ
وَأَلَّفْتُ فِي مَنْعِ الْبُرُوزِ بِشَاطِئٍ ... عَلَى النَّهْرِ تَأْلِيفًا أُسَمِّيهِ بِالْجَهْرِ
تَضَمَّنَ مِنْ هَذِي النُّقُولِ عُيُونَهَا ... وَأَوْضَحْتُ فِيهِ مَا تَفَرَّقَ فِي السِّفْرِ
وَقَدْ صَبَّ حُكْمُ الشَّرْعِ بِالْمَنْعِ هَاكُمُ ... عَلَى كُلِّ مَا رَامَ الْبُرُوزَ عَلَى النَّهْرِ
لُزُومًا لِمَنْعٍ فِي الْعُمُومِ لِكُلِّ مَنْ ... أَرَادَ بُرُوزًا فِي الْحَرِيمِ مَدَى الدَّهْرِ
وَهَذَا صَحِيحٌ نَافِذٌ يَسْتَمِرُّ لَا ... يُشَانُ بِإِفْسَادٍ وَنَقْضٍ وَلَا كَسْرِ
وَقَدْ حَكَمَ السُّبْكِيُّ فِيهِ نَظِيرَهُ ... وَأَلَّفَ تَأْلِيفًا لَهُ عَالِيَ الْقَدْرِ
وَمَنْ لَمْ يُطِعْ حُكْمَ الشَّرِيعَةَ رَدَّهُ ... إِلَيْهَا بِرَغْمِ رَاغِمٍ سَطْوَةُ الْقَهْرِ
مِنَ الْمَلِكِ الْحَامِي زِمَامَ شَرِيعَةٍ ... فَأَيَّدَهُ الرَّحْمَنُ بِالْعِزِّ وَالنَّصْرِ
وَنَخْتِمُ هَذَا النَّظْمَ بِالْحَمْدِ دَائِمًا ... لِرَبِّ الْعُلَا الْمُخْتَصِّ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ
وَنُثْنِي عَلَى الْهَادِي بِخَيْرِ صَلَاتِهِ ... وَتَسْلِيمِهِ فَهُوَ الْمُشَفَّعُ فِي الْحَشْرِ
وَآلٍ لَهُ خُصُّوا بِكُلِّ مَزِيَّةٍ ... وَأَصْحَابِهِ الزَّاكِينَ وَالْأَنْجُمِ الزَّهْرِ
وَنُتْبِعُ هَذَا بِالرِّضَا عَنْ أَئِمَّةٍ ... هُمْ قُدْوَةٌ لِلْخَلْقِ فِي كُلِّ مَا عَصْرِ
إِمَامِي أَعْنِي الشَّافِعِيَّ وَمَالِكٍ ... وَأَحْمَدَ وَالنُّعْمَانِ كُلٌّ ذَوُو قَدْرِ
وَسَمَّيْتُ هَذَا النَّظْمَ بِالنَّهْرِ زَاجِرًا ... لِمَنْ رَامَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ
فَمَوْضُوعُهُ بَحْرٌ وَبَحْرُ عُلُومِهِ ... وَعِدَّتُهُ سَبْعُونَ بَيْتًا عَلَى بَحْرِ
وَنَخْتِمُ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ جَارِي؟ قَالَ: " إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ " إِلَى أَنْ قَالَ: " وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ» "، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ " قَالَ: " أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْجَارِ؟ إِذَا اسْتَعَانَكَ
стр. 172
أَعَنْتَهُ " - إِلَى أَنْ قَالَ - وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ تَحْجُبُ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ» "، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا شَاهِدٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ يَعْتَضِدُ بِهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي أَرْضِ آهُرَ بِبَلَدِ أَكْدَزَ وَهِيَ أَرْضُ إِسْلَامٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْمُسْلِمُونَ، وَلِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْهُمْ أَرْضٌ هُمْ نَازِلُونَ بِهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الْحَرْثِ وَالزِّرَاعَةِ فِي الْغَالِبِ، وَإِنَّمَا غَالَبُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهَا مُبَاحَاتُ النَّبَاتِ مِنَ الْأَشْجَارِ كَثَمَرِ الدَّوَامِ وَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَنْبُتُ بِغَيْرِ تَكَلُّفِ آدَمِيٍّ وَمَا شَابَهَهُ مِنْ حُبُوبِ الْأَعْشَابِ النَّابِتَةِ بِغَيْرِ حَرْثٍ وَلَا تَعَبٍ مِمَّا هُوَ تَبَعٌ لِلْأَرْضِ، وَيَحْصُلُ لِمَنِ اعْتَنَى بِجَمْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ وَالْأَرْضُ الْمَذْكُورَةُ تَمَلَّكَهَا أَهْلُهَا الْمَذْكُورُونَ بِهَا، بِإِذْنِ أَمِينِ الْبِلَادِ الْمُوَّلَى بِإِذْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقْطَعَهَا أَمِيرُ الْبِلَادِ الْمَذْكُورُ لِأَهْلِهَا النَّازِلِينَ الْمَذْكُورِينَ بِهَا لِمَصَالِحَ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِي إِقْطَاعِهِمْ إِيَّاهَا، فَهَلْ لِمَنْ هُوَ بِهَا أَنْ يَبِيعَ كَلَأَهَا وَشَيْئًا مِنْ شَجَرِهَا؟ وَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا غَيْرَهُمْ مِنَ الرَّعْيِ فِيهَا أَوِ الِانْتِفَاعِ مِنْهَا بِشَيْءٍ؟ وَأَصْلُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ هَلْ هِيَ أَرْضُ عَنْوَةٍ أَوْ أَرْضُ صُلْحٍ؟ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ بِيَدِ مُقَدَّمِ الْبِلَادِ يُقْطِعُهَا لِمَنْ يَشَاءُ وَنَشَأُوا عَلَى ذَلِكَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَغَالِبُ مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِذَلِكَ، فَإِنْ قُلْتُمْ: لَهُمْ بَيْعُ كَلَأِهَا وَمَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْهُ فَمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي مَنْعِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ؟ وَمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيمَا يُرْوَى أَرْبَعَةٌ لَا تُمْنَعُ، وَذَكَرَ فِيهَا الْمَاءَ وَالْكَلَأَ، أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ سَدَّدَكُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِلصَّوَابِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْكُمْ؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَلَأَ إِذَا جُزَّ مِنْ نَبَاتِهِ وَقُطِعَ وَحِيزَ بِالْأَخْذِ وَالتَّنَازُلِ فَإِنَّ حَائِزَهُ يَمْلِكُهُ وَلَهُ بَيْعُهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ، وَأَمَّا الْكَلَأُ الَّذِي هُوَ فِي مَنَابِتِهِ لَمْ يُقْطَعْ وَلَمْ يَجُزْ فَإِنْ كَانَ نَابِتًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ فَالنَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ كَالْمَاءِ الْمُبَاحِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ مَنْعِهِ، وَإِنْ كَانَ نَابِتًا فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَهُوَ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لَا يَجِبْ بَذْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ، بَقِيَ قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْكَلَأُ النَّابِتُ فِي أَرْضٍ أَقْطَعَهَا السُّلْطَانُ إِنْسَانًا، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ مَوَاتًا لَمْ يَجُزِ الْإِقْطَاعُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحِمَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» "، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إِقْطَاعُ الْمَوَاتِ الْخَالِي عَنِ الْكَلَأِ وَالْعُشْبِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ غَيْرَ مَوَاتٍ وَهِيَ مِنْ أَرَاضِي
стр. 173
بَيْتِ الْمَالِ الَّتِي يُقْطِعُهَا السُّلْطَانُ الْآنَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَإِنَّ إِقْطَاعَهَا صَحِيحٌ، وَيَخْتَصُّ الْمُقْطَعُ بِالْكَلَأِ الَّذِي فِيهَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَبِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ سَوَّغَ السُّلْطَانُ اسْتِغْلَالَهُ لِهَذَا الْمُقْطَعِ بِعَيْنِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَرْضَ أَكْدَزَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فِي الْإِقْطَاعِ وَالِاسْتِغْلَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَقْفِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ الْوَقْفِ
مَسْأَلَةٌ: وَقْفٌ تَعَطَّلَ رِيعُهُ وَفِيهِ إِمَامٌ وَغَيْرُهُ، فَهَلْ يَلْزَمُ النَّاظِرَ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْوَقْفِ وَيُعْطِيَهُمْ؟ .
الْجَوَابُ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: الْمَسْجِدُ الْمُعَلَّقُ عَلَى بِنَاءِ الْغَيْرِ، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ إِذَا زَالَتْ عَيْنُهُ هَلْ يَزُولُ حُكْمُهُ بِزَوَالِهَا؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ يَزُولُ حُكْمُهُ إِذْ لَا تَعَلُّقَ لِوَقْفِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْأَصْحَابُ: إِذَا انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ لَمْ يَصِرْ مِلْكًا إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ مِنْ جُمْلَةِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِمْ ذَلِكَ، بِأَنَّ الصَّلَاةَ تُمْكِنُ فِي عَرْصَتِهِ عَلَى أَنَّ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَئِمَّتِنَا أَفْتَى بِأَنَّ الْوَقْفَ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ إِذَا كَانَ رِيعُهُ لَا يَفِي بِالْأُجْرَةِ أَوْ وَفَى بِهَا وَلَمْ يَزِدْ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسْجِدَ لَا رِيعَ لَهُ تَوَفَّى مِنْهُ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ اسْتَأْجَرَهَا مُدَّةً وَأَدَّى أُجْرَتَهَا فَبَعْدَ انْتِهَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يَلْزَمُ الْوَاقِفَ الْأُجْرَةُ فَلَا يَبْقَى إِلَّا تَفْرِيغُ الْأَرْضِ مِنْهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْوَقْفِ شُكَّ فِي زَوَالِ حُكْمِهِ بِزَوَالِ عَيْنِهِ وَيَبْنِي مَالِكُ الْأَرْضِ مَكَانَهُ مَا شَاءَ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ، تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى أَبَدًا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا وَلَا أَسْفَلَ مِنْهُ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ أَوِ الْبَطْنِ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا كَانَ وَقْفًا عَلَى مُحَمَّدٍ، وَحَلِيمَةَ، وَخَدِيجَةَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِمَنْ بَقِيَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ [وَعَقِبِهِمْ] تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي أَوْلَادِ الْوَاقِفِ فَانْقَرَضُوا وَآلَ الْأَمْرُ
стр. 174
إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ فَمَاتَ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ، ثُمَّ مَاتَتْ حَلِيمَةُ عَنْ بِنْتٍ وَخَدِيجَةُ عَنِ ابْنِ بِنْتٍ، فَهَلْ يَشْتَرِكَانِ فِي الْوَقْفِ لِقَوْلِهِ إِنَّهُمْ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي أَوْلَادِ الْوَاقِفِ؟ وَقَدْ قَالَ هُنَاكَ: إِنَّ مَنْ لَمْ يُخَلِّفْ مِنْهُمْ وَلَدًا، وَلَا أَسْفَلَ مِنْهُ يَنْتَقِلُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا خَلَّفَ وَلَدًا مَا يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ، أَمْ تَسْتَحِقُّ الْبِنْتُ دُونَ ابْنِ الْبِنْتِ؟ .
الْجَوَابُ: تَسْتَحِقُّ الْبِنْتُ فَقَطْ دُونَ ابْنِ الْبِنْتِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَقْفَ لَا يَنْتَقِلُ لِأَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ إِلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ كُلِّهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِمَنْ بَقِيَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ لِأَوْلَادِهِمْ، فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْأَوْلَادِ حَقًّا إِلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ جَمِيعِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ اعْتُبِرَ الْأَعْلَى فَلَا، فَالْأَعْلَى حَقٌّ لِابْنِ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْعُلْيَا.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى جِهَاتٍ وَشَرَطَ أَنْ مَا فَضَلَ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَهُ أَخٌ وَلِلْأَخِ أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فَهَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَصْرِفَ لَهُمْ مِنْهُ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ بَلْ هُمْ أَوْلَى مِنَ الْأَجَانِبِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ نَسْلِهِمْ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِ أُخْتِهِ، وَمَاتَ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْلَادُهُ وَهُمْ أَطْفَالٌ بَعْدَ شَهْرٍ، وَلَهُ عَاصِبٌ فَطَلَبَ أَوْلَادُ أُخْتِهِ الْوَقْفَ وَنَازَعَهُمُ الْعَاصِبُ، وَقَالَ: إِنَّ الْوَقْفَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ؟ .
الْجَوَابُ: الْمَنْقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ إِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ صَحَّ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِجَازَةٍ، وَإِنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى وَارِثٍ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَحَّ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَوُقِفَ الزَّائِدُ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَإِذَا مَاتَ الْأَوْلَادُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلِوَارِثِهِمْ رَدُّ الْوَقْفِ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ خَاصَّةً، وَأَمَّا قَدْرُ الثُّلْثِ هُوَ لِأَوْلَادِ الْأُخْتِ لَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ وَقْفًا وَشَرَطَ فِيهِ النَّظَرَ لِمَنْ يَصْلُحُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ فَثَبَتَ صَلَاحُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَحُكِمَ لَهُ بِالنَّظَرِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَثْبَتَ حَاكِمٌ آخَرَ صَلَاحَ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ وَحَكَمَ لَهَا بِالنَّظَرِ فَهَلْ يَشْتَرِكَانِ أَوْ تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ؟ .
стр. 175
الْجَوَابُ: إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِمَنْ يَصْلُحُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَتِ الصَّلَاحِيَةُ لِلرَّجُلِ وَحُكِمَ لَهُ بِالنَّظَرِ، فَلَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ، وَلَا يُظَنُّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ بَلْ هُوَ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا ثَبَتَ لِوَاحِدٍ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّهُ، بَلْ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ كَالْأَصْلَحِ وَالْأَرْشَدِ وَثَبَتَ الْأَصْلَحِيَّةُ وَالْأَرْشَدِيَّةُ لِوَاحِدٍ وَحُكِمَ لَهُ بِهِ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ صَارَ أَصْلَحَ وَأَرْشَدَ لَمْ يَنْتَقِلْ لَهُ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَنْ فِيهِ هَذَا الْوَصْفُ فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي الْأَثْنَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ نَظَرٌ لِأَحَدٍ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ إِذَا قُلْنَا لَا تَنْعَقِدُ إِمَامَةُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ فَذَاكَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي الدَّوَامِ، وَمَقْصُودُ الْوَاقِفِ تَفْوِيضُ النَّظَرِ إِلَى وَاحِدٍ يَصْلُحُ لَا إِلَى كُلِّ مَنْ يَصْلُحُ وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى جَعْلِ النَّظَرِ لِجَمِيعِ الذُّرِّيَّةِ إِذَا كَانُوا صَالِحِينَ، وَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنِ اخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ مَا يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الْوَقْفِ، فَالْأَوْلَى حَمْلُ " مَنْ " فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ عَلَى النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ لَا عَلَى الْمَوْصُولَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَإِنَّهَا نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ فَلَا تَعُمُّ، بَلْ لَوْ فُرِضَ فِيهَا عُمُومٌ كَانَ مِنْ عُمُومِ الْبَدَلِ لَا مِنْ عُمُومِ الشُّمُولِ.
مَسْأَلَةٌ: وَاقِفٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى وَلَدِهِ ثُمَّ إِلَى وَلَدِ وَلَدِهِ بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى أَقْرَبِ الطَّبَقَاتِ إِلَيْهِ عَلَى مَا شَرَحَ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ مَاتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَنْ أَوْلَادِ عَمٍّ ثَلَاثَةٍ: مُحَمَّدٍ، وَخَاتُونَ أَخَوَانِ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ عَمٍّ، فَهَلْ تَنْتَقِلُ حِصَّتُهَا إِلَى الثَّلَاثَةِ أَوْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَطْ كَمَا فِي حُكْمِ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي عَوَّلَ عَلَيْهَا الْوَاقِفُ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْعَمِّ لَا تُشَارِكُهُ إِخْوَتُهُ وَلَا ابْنُ عَمِّهِ؟ .
الْجَوَابُ: الظَّاهِرُ انْتِقَالُ حِصَّتِهَا إِلَى الثَّلَاثَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: أَقْرَبُ الطَّبَقَاتِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى تَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْأَسْهُمِ فَقَطْ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ بِذِكْرِ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْفَرِيضَةَ مَعْنَاهَا الْوَضْعِيُّ الْمُقَدَّرَةُ لَا مَدْلُولَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ مِنْ صِفَاتِ الْأَنْصِبَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] فَلَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ
стр. 176
الْفَرِيضَةِ عَلَى مَنْعٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، الثَّالِثُ: أَنَّا لَوْ أَخَذْنَا بِحُكْمِ الْفَرِيضَةِ الشَّامِلِ لِمَا ذُكِرَ لَمْ نُعْطِ بِنْتَ الْعَمِّ شَيْئًا الْبَتَّةَ، وَإِنْ فُقِدَ ابْنُ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرَائِضِ أَنَّهَا لَا مِيرَاثَ لَهَا الْبَتَّةَ، وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ هُنَا فَتَعَيَّنَ تَخْصِيصُهُ بِمَا ذَكَرْنَا.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَسَمَّاهُمْ، وَقَالَ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَأَنَّ الذُّكُورَ خَاصَّةً تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْهُمْ أَبَدًا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى وَلَدٌ، وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ، وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، رَجَعَ نَصِيبُهُ إِلَى إِخْوَتِهِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ مُضَافًا لِمَا بِأَيْدِيهِمْ، وَتُوُفِّيَ الْوَاقِفُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْلَادٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ عَنْ ثَلَاثَةِ ذُكُورٍ فَأَخَذُوا نَصِيبَهُ، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي عَنْ وَلَدٍ ذَكَرٍ فَأَخَذَ نَصِيبَهُ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَنْ وَلَدَيْنِ صَغِيرَيْنِ، وَوَلَدَيْ وَلَدٍ فَأَخَذَ وَلَدَاهُ نَصِيبَهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدَانِ الصَّغِيرَانِ عَنْ وَلَدَيْ أَخِيهِمَا وَعَنْ عَمِّهِمَا فَهَلْ يَرْجِعُ نَصِيبُهُمَا إِلَى ابْنَيْ أَخِيهِمَا عَمَلًا بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَلِحِرْصِ الْوَاقِفِ عَلَى وُصُولِ نَصِيبِ كُلِّ أَصْلٍ إِلَى فَرْعِهِ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ وَلَدٌ، وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ وَلَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَلِزَوَالِ مَنْ حَجَبَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ جَدِّهِمَا أَوْ إِلَى عَمِّهِمَا؟ .
الْجَوَابُ: يَرْجِعُ إِلَى الْعَمِّ دُونَ وَلَدَيِ الْأَخِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا السُّفْلَى، وَمَا ذُكِرَ مِنَ التَّعَالِيلِ الثَّلَاثَةِ فَاسِدٌ؛ أَمَّا قَوْلُهُ: عَمَلًا بِوَاوِ الْعَطْفِ فَإِنَّهَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التَّشْرِيكُ مُطْلَقًا بَلْ تُفِيدُ حَجْبَ الْعُلْيَا السُّفْلَى وَإِلَّا لَاسْتَحَقَّ وَلَدُ الْأَخِ مَعَ وُجُودِ عَمَّيْهِمَا وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَحْرِصُ الْوَاقِفُ إِلَى آخِرِهِ، فَقَدْ قَالَ السبكي فِي فَتَاوِيهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَقْفِيَّةٍ ذَكَرَ فِيهَا شِبْهَ ذَلِكَ: الْمَقَاصِدُ إِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ لَا تُعْتَبَرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلِزَوَالِ مَنْ حَجَبَهُمَا إِلَى آخِرِهِ، فَذَاكَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءً عِنْدَ مَوْتِ الْأَصْلِ الَّذِي هَذَانِ فَرْعَاهُ، وَأَمَّا زَوَالُهُ فِي الْأَثْنَاءِ بَعْدَ انْتِقَالِ الْوَقْفِ إِلَى جِهَةٍ لَيْسَ هَذَانِ فَرْعَيْهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ بَلْ هَذَا مَوْتٌ جَدِيدٌ لِجِهَةٍ غَيْرِ الْأُولَى يُنْظَرُ نَظَرًا آخَرَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ هَذَانِ الْوَلَدَانِ عَنْ نَسْلٍ لَاسْتَحَقَّ نَسْلُهُمَا مَا كَانَ بِيَدِهِمَا وَلَمْ يَعُدْ إِلَى وَلَدِ الْأَخِ شَيْءٌ، فَعُرِفَ أَنَّ زَوَالَ الْحَاجِبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ وَإِلَّا لَاسْتَحَقَّا مَعَ وُجُودِ النَّسْلِ وَكَانَا يَقُولَانِ قَدْ زَالَ الْحَاجِبُ لَنَا، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ هَذَا مُسْتَحِقٌّ مَاتَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ، وَشَرْطُ الْوَاقِفِ حِينَئِذٍ الْعَوْدُ إِلَى الْإِخْوَةِ الْمُشَارِكِينَ وَلَا إِخْوَةَ مُشَارِكُونَ فَانْتَقَلْنَا إِلَى أَعْلَى طَبَقَةٍ وَهُوَ الْعَمُّ عَمَلًا بِتَقْدِيمِ الْعُلْيَا عَلَى السُّفْلَى، وَأَكَّدَ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَاقِفِ: الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ مُضَافًا لِمَا بِأَيْدِيهِمْ، وَالْعَمُّ
стр. 177
مُشَارِكٌ بِيَدِهِ حِصَّةٌ، وَوَلَدَا الْأَخِ لَا شَيْءَ بِأَيْدِيهِمَا فَلَا مُشَارَكَةَ لَهُمَا، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُؤَكَّدُ عِلَاوَةٌ وَلَيْسَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهَا بَلِ الْمُعَوَّلُ عَلَى مَا صَدَّرْنَا بِهِ.
مَسْأَلَةٌ: أَرْضٌ مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ بِيَدِ جَمَاعَةٍ بَكْرِيَّةٍ يَسْتَغِلُّونَهَا، فَسَأَلَهُمُ السُّلْطَانُ عَنْ مُسْتَنَدِهِمْ فَأَظْهَرُوا مُحْضَرًا ثَابِتًا عَلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ أَنَّهَا وَقْفُ السُّلْطَانِ صلاح الدين بن أيوب عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مُسْتَنَدُهُمُ السَّمَاعُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَحَكَمَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بَعْضَ أَرَاضِي مِصْرَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجِهَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ وَهَلْ لِلْمُخَالِفِ الَّذِي يَرَى أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّ أَرَاضِيَهَا لَا تُمَلَّكُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِبْطَالِ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بَعْضَ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ شِرَاءٍ عَلَى مِثْلِ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَصَرَّحَ بِصِحَّتِهِ القاضي حسين، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ، وأسعد الميهني والشاشي، وَابْنُ الصَّلَاحِ، والنووي، وَقَالَ ابن الرفعة فِي الْمَطْلَبِ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَصَرَّحَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَ تَغْيِيرِهِ، وَأَمَّا السبكي فَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْوَقْفُ، لَكِنْ مَا وَجَدْنَاهُ مَوْقُوفًا لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُغَيِّرَهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ التَّغْيِيرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ حَكَى ابن الصلاح فِي مَجَامِيعِهِ صُورَةَ اسْتِفْتَاءٍ فِي أَرَاضِي وَقَفَهَا الْخَلِيفَةُ أَوِ السُّلْطَانُ نَائِبُ الْخَلِيفَةِ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ عَقِبِهِ هَلْ يَصِحُّ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْوُلَاةِ تَغْيِيرُهُ وَصَرْفُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى؟ فَأَجَابَ عُلَمَاءُ ذَلِكَ الْعَصْرِ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ اعْتِرَاضَهُ وَلَا تَغْيِيرَهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَفْتَى فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ، وَهُوَ كَانَ عَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَنِ السُّلْطَانَيْنِ الْعَادِلَيْنِ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ، وَصَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ وَكَانَ مُفْتِيهِمَا وَقَاضِيهِمَا، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُمَا مَا وَقَفَا الَّذِي وَقَفَاهُ إِلَّا بِإِفْتَائِهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ وَقْفَ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى الْمَذْكُورِينَ صَحِيحٌ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهُ وَلَا نَقْلُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، وَثُبُوتُ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ الْمُسْتَنِدَةِ إِلَى الِاسْتِفَاضَةِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ صَحِيحٌ، أَمَّا فِي الْوَقْفِ فَأَصْلًا، وَأَمَّا فِي الْمُسْتَحِقِّينَ فَضِمْنًا كَمَا قَالَهُ ابن الصلاح، وابن الفركاح، وَلَيْسَ لِلْمُخَالِفِ الَّذِي يَرَى أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ بِنَقْضٍ وَلَا إِبْطَالٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فِي الْأَصْلِ حَاكِمٌ
стр. 178
شَافِعِيٌّ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَمَعْنَاهُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ الْوَقْفِ بِمَا ذُكِرَ، وَمَا ثَبَتَ وَقْفُهُ قَدِيمًا لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُهُ مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرَائِطِ، وَالثَّانِي: حُكْمُ الشَّافِعِيِّ الْمُتَأَخِّرُ، وَأَمْرٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَكَرَ أَنَّ أَمْرَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَفِعْلَهُ يَرْفَعَانِ الْخِلَافَ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وَنَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ صَلَاحَ الدِّينِ مَا وَقَفَ الَّذِي وَقَفَهُ حَتَّى أَفْتَاهُ بِذَلِكَ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَوْلَا إِرَادَةُ الِاخْتِصَارِ لَسُقْتُ عِبَارَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا ثَبَتَ وَقْفِيَةُ عَيْنٍ وَلَمْ يُعْلَمْ مَآلُ الْوَقْفِ، وَقُلْنَا إِنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ هَلْ يَخْتَصُّ بِهِ الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ أَمْ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ؟ .
الْجَوَابُ: يَخْتَصُّ بِهِ الْفُقَرَاءُ مِنْ أَقَارِبِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ صُرِفَ إِلَيْهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَقَفَ مُصْحَفًا عَلَى مَنْ يَقْرَأُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ حِزْبًا وَيَدْعُو لَهُ وَجَعَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنْ عَقَارٍ وَقَفَهُ لِذَلِكَ، فَأَقَامَ الْقَارِئُ مُدَّةً يَتَنَاوَلُ الْمَعْلُومَ وَلَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَةَ فَمَا طَرِيقُهُ؟ .
الْجَوَابُ: طَرِيقُهُ أَنْ يَحْسِبَ الْأَيَّامَ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا وَيَقْرَأُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ حِزْبًا، وَيَدْعُو عَقِبَ كُلِّ حِزْبٍ لِلْوَاقِفِ حَتَّى يُوَفِّيَ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَاقِفٌ وَقَفَ مَدْرَسَةً وَقَرَّرَ بِهَا شَيْخًا وَصُوفِيَّةً فَهَلْ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُقَرِّرَ فِي الْمَشْيَخَةِ اثْنَيْنِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّيْخِ الِاسْتِنَابَةُ إِذَا كَانَ بِهِ ضَعْفٌ فِي بَدَنِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ وَظِيفَةٌ أُخْرَى تُعَارِضُ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ؟ .
الْجَوَابُ: أَوْقَافُ السَّلَاطِينِ وَالْأُمَرَاءِ كُلُّهَا أَصْلُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ، فَيَجُوزُ لِمَنْ كَانَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ عَالِمٍ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَطَالِبِ عِلْمٍ كَذَلِكَ، وَصُوفِيٍّ عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَسِيبٍ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَأْكُلَ مِمَّا وَقَفُوهُ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمَا شَرَطُوهُ، وَيَجُوزُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ - الِاسْتِنَابَةُ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ وَتَنَاوُلُ الْمَعْلُومِ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ وَلَا اسْتَنَابَ، وَاشْتِرَاكُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي الْوَظِيفَةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَخْذُ الْوَاحِدِ عِدَّةَ وَظَائِفَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ، وَلَوْ قَرَّرَهُ النَّاظِرُ وَبَاشَرَ الْوَظِيفَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ بِجَعْلِ أَحَدٍ، وَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الَّذِي وَقَفَهُ فَهُوَ تَوَهُّمٌ
стр. 179
فَاسِدٌ لَا يُفِيدُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا الْأَوْقَافُ الَّتِي مَلَكَهَا وَاقِفُوهَا فَلَهَا حُكْمٌ آخَرُ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا عَجَزَ الْوَقْفُ عَنْ تَوْفِيَةِ جَمِيعِ الْمُسْتَحِقِّينَ فَهَلْ تُقَدَّمُ مِنْهُ الشَّعَائِرُ وَالشَّيْخُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: يُنْظَرُ فِي هَذَا الْوَقْفِ فَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَدَارِسِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَخَوَانِقِهَا رُوعِيَ فِي ذَلِكَ صِفَةُ الْأَحَقِّيَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ قُدِّمُ الْأَوَّلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْعُلَمَاءِ، وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْهُ قُدِّمَ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ وَالْأَفْقَرُ فَالْأَفْقَرُ، فَإِنِ اسْتَوَوْا كُلُّهُمْ فِي الْحَاجَةِ قُدِّمَ الْآكَدُ فَالْآكَدُ فَيُقَدَّمُ الْمُدَرِّسُ أَوَّلًا ثُمَّ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ الْإِمَامُ، ثُمَّ الْقَيِّمُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لَيْسَ مَأْخَذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ اتُّبِعْ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ تَقْدِيمَ أَحَدٍ لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدٌ بَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْوَقْفِ بِالسَّوِيَّةِ الشَّعَائِرُ وَغَيْرُهُمْ.
مَسْأَلَةٌ: الْمَدَارِسُ الْمَبْنِيَّةُ الْآنَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُعْلَمُ لِلْوَاقِفِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا مَسْجِدٌ لِفَقْدِ كِتَابِ الْوَقْفِ وَلَا يُقَامُ بِهَا جُمُعَةٌ هَلْ تُعْطَى حُكْمَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الْمَدَارِسُ الْمَشْهُورَةُ الْآنَ حَالُهَا مَعْلُومٌ فَمِنْهَا مَا عُلِمَ نَصُّ الْوَاقِفِ أَنَّهَا مَسْجِدٌ كَالشَّيْخُونِيَّةِ فِي الْإِيوَانَيْنِ خَاصَّةً دُونَ الصَّحْنِ، وَمِنْهَا مَا عُلِمَ نَصُّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَسْجِدٍ كَالْكَامِلِيَّةِ وَالْبِيبَرْسِيَّةِ، فَإِنَّ فَرْضَ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ ذَلِكَ وَلَوْ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهَا مَسْجِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالُوا: إِنَّ الْمَسْجِدَ الْمَوْقُوفَ عَلَى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَهُ أَوْ يُصَلِّيَ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ فَهَلِ الْمَدَارِسُ وَالرُّبَطُ كَذَلِكَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمُ الْإِذْنُ فِي الِانْتِفَاعِ مُطْلَقًا بِالنَّوْمِ وَالْجُلُوسِ وَالْأَكْلِ وَاجْتِمَاعِ الْخُصُومِ وَالْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَإِقْرَاءِ الصِّبْيَانِ أَوْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا كَانَ عَلَى وَفْقِ شَرْطِ الْوَاقِفِ؟ .
الْجَوَابُ: الْمَسْجِدُ الْمَوْقُوفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ هَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ دُخُولُهُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَالِاعْتِكَافُ بِإِذْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ؟ نَقَلَ الأسنوي فِي الْأَلْغَازِ أَنَّ كَلَامَ القفال فِي فَتَاوِيهِ يُوهِمُ الْمَنْعَ ثُمَّ قَالَ الأسنوي: مِنْ عِنْدِهِ وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ، وَأَقُولُ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنَةٍ كَزَيْدٍ، وَعَمْرٍو، وَبَكْرٍ مَثَلًا أَوْ ذُرِّيَّتِهِ أَوْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ
стр. 180
جَازَ الدُّخُولُ بِإِذْنِهِمْ، وَإِنَّ كَانَ عَلَى أَجْنَاسٍ مُعَيَّنَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالصُّوفِيَّةِ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ هَذَا الْجِنْسِ الدُّخُولُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُمُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِمَنْعِ دُخُولِ غَيْرِهِمْ لَمْ يَطْرُقْهُ خِلَافٌ الْبَتَّةَ، وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّخُولِ بِالْإِذْنِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَدْرَسَةِ، وَالرِّبَاطِ كَانَ لَهُمُ الِانْتِفَاعُ عَلَى نَحْوِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لِلْمُعَيَّنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ وَهُمْ مُقَيَّدُونَ بِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ.
مَسْأَلَةٌ: جَامِعٌ لَهُ نَاظِرٌ فَاتَّفَقَ مَوْتُ إِمَامِهِ، وَالنَّاظِرُ مُسَافِرٌ، فَقَرَّرَ السُّلْطَانُ إِمَامًا فَهَلْ لِلنَّاظِرِ إِذَا حَضَرَ عَزْلُهُ وَتَقْرِيرُ خِلَافِهِ؟ .
الْجَوَابُ: إِذَا وَلَّى السُّلْطَانُ إِمَامًا بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَالْوَظِيفَةُ شَاغِرَةٌ، وَالنَّاظِرُ مُسَافِرٌ، فَهِيَ وِلَايَةٌ صَحِيحَةٌ يُلْزَمُ النَّاظِرُ إِبْقَاءَهَا وَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ وَتَقْرِيرُ خِلَافِهِ.
[الْإِنْصَافُ فِي تَمْيِيزِ الْأَوْقَافِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: أَمِيرٌ وَقَفَ خَانِقَاهْ وَرَتَّبَ بِهَا شَيْخًا، وَصُوفِيَّةً، وَجَعَلَ لَهُمْ دَرَاهِمَ، وَزَيْتًا، وَصَابُونًا، وَخُبْزًا وَلَحْمًا، فَضَاقَ الْوَقْفُ فَهَلْ يُقَدَّمُ الشَّيْخُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ أَوْ يُصْرَفُ بَيْنَهُمْ بِالْمُحَاصَّةِ؟ وَهَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ وَيُتْرَكُ الْبَاقِي أَوْ يَأْخُذُونَ مِنْ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ بِالْمُحَاصَّةِ؟ وَهَلْ تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْوَظَائِفِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: أَقُولُ أَوَّلًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْأَوْقَافُ قِسْمَانِ، قِسْمٌ لَيْسَ مَأْخَذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا مَرْجِعُهُ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْوَقْفُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْدِيدِ وَالتَّحْرِيصِ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ ذَرَّةٍ مِنْهُ إِلَّا مَعَ اسْتِيفَاءِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّهُ مَالُ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَقِسْمٌ مَأْخَذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِأَنْ يَكُونَ وَاقِفُهُ خَلِيفَةً أَوْ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ السَّابِقَةِ كَصَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ وَأَقَارِبِهِ، أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ كَأَوْقَافِ أُمَرَاءِ الدَّوْلَةِ الْقَلَاوُونِيَّةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ وَاقِفِيهِ أَرِقَّاءُ بَيْتِ الْمَالِ وَفِي ثُبُوتِ عِتْقِهِمْ نَظَرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ تاج الدين بن السبكي فِي وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ بَعْدَ السَّبْعِمِائَةِ وَهِيَ: عَبْدٌ انْتَهَى الْمِلْكُ فِيهِ لِبَيْتِ الْمَالِ فَأَرَادَ شِرَاءَ نَفْسِهِ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ فَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدُ عَتَاقَةٍ، وَعَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَجُوزُ
следующие страницы →