Полный текст (886 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَالْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَقِفَ عَلَى مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ فِيهَا، وَأَعْلَمَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا مِمَّنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا، فَرَاجَعْتُ الْأُمَّ فَوَجَدْتُ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْحِنْثِ، وَنَصُّهُ فِي أَبْوَابِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ مالك وَالشَّافِعِيُّ، قَالَ الربيع: قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: مَا لَغْوُ الْيَمِينِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ فَمَا قَالَتْ عائشة، أَخْبَرَنَا مالك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: لَغْوُ الْيَمِينِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ: لَا وَاللَّهِ وَبِلَى وَاللَّهِ. فَقُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: مَا الْحُجَّةُ فِيمَا قُلْتَ؟ قَالَ: اللَّغْوُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْكَلَامُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِيهِ، مِنْ جِمَاعِ اللَّغْوِ يَكُونُ الْخَطَأُ، فَخَالَفْتُمُوهُ وَزَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّغْوَ حَلِفُ الْإِنْسَانِ عَلَى الشَّيْءِ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُوجَدُ عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَهَذَا ضِدُّ اللَّغْوِ، هَذَا هُوَ الْإِثْبَاتُ فِي الْيَمِينِ بِعَقْدِهَا عَلَى مَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] مَا عَقَّدْتُمْ بِهِ عُقِدَ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَلَوِ احْتَمَلَ اللِّسَانُ مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ مَنَعَ مِنِ احْتِمَالِهِ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ عائشة، وَكَانَتْ أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِاللِّسَانِ مِنْكُمْ مَعَ عِلْمِهَا بِالْفِقْهِ، هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ، فَقَوْلُهُ: هَذَا ضِدُّ اللَّغْوِ، إِلَى آخِرِهِ، صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ بِالْحِنْثِ وَالْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي اللَّغْوِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَصَدَ بِهَذَا الْكَلَامِ الرَّدَّ عَلَى مَالِكٍ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ تَفْسِيرَ اللَّغْوِ فِي الْآيَةِ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى ظَنِّهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَإِذَا كَانَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ صَرِيحًا فِي الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ، فَفِي الطَّلَاقِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَالِكًا مُوَافِقٌ عَلَى الْحِنْثِ فِيهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْأُمِّ مَا نَصُّهُ: قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: فَإِنَّا نَقُولُ: إِنَّ الْيَمِينَ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، فَإِنْ حَنِثَ فِيهَا صَاحِبُهَا: إِنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنَّ لَهَا وَجْهَيْنِ: وَجْهٌ يُعْذَرُ فِيهِ صَاحِبُهُ وَيُرْجَى لَهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ فِيهَا إِثْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْقَدْ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا كَذِبٌ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ عَلَى الْأَمْرِ لَقَدْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جُهْدَهُ وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ، فَذَلِكَ اللَّغْوُ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ مِنْهُ الْمَؤُونَةَ عَنِ الْعِبَادِ وَقَالَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ عَامِدًا لِلْكَذِبِ اسْتِخْفَافًا بِالْيَمِينِ بِاللَّهِ كَاذِبًا، فَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَعْرِضُ مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَإِنَّهُ لَيُقَالُ لَهُ: تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَعْتَ مِنْ خَيْرٍ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا سفيان ثَنَا عمرو بن دينار وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عطاء قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى عائشة، وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ فِي سِتْرٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قَالَتْ: هُوَ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَلَغْوُ الْيَمِينِ كَمَا قَالَتْ عائشة ﵂، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى اللَّجَاجِ
стр. 247
وَالْغَضَبِ وَالْعَجَلَةِ، لَا يُعْقَدُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَعَقْدُ الْيَمِينِ أَنْ يُثْبِتَهَا عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ؛ أَنْ لَا يَفْعَلَ الشَّيْءَ فَيَفْعَلُهُ، أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ فَلَا يَفْعَلُهُ، أَوْ لَقَدْ كَانَ، وَمَا كَانَ، فَهَذَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ. وَقَوْلُهُ: قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ أَصْحَابِ مالك، فَهَذَانِ نَصَّانِ فِي الْأُمِّ صَرِيحَانِ فِي الْحِنْثِ، وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُ الْأُمَّ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا تَعَرُّضًا لِلْمَسْأَلَةِ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَدْ جَزَمَ فِيهَا بِالْحِنْثِ كَمَا تَرَى، ثُمَّ رَاجَعْتُ مُخْتَصَرَ المزني.
[فَتْحُ الْمَغَالِقِ مِنْ أَنْتِ تَالِقٌ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ تَالِقٌ، نَاوِيًا بِهِ الطَّلَاقَ هَلْ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ؟ فَأَجَبْتُ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ سَوَاءٌ كَانَ عَامِّيًّا أَوْ فَقِيهًا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ فَالِقٌ، أَوْ مَالِقٌ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ حَرْفَ التَّاءِ قَرِيبٌ مِنْ مَخْرَجِ الطَّاءِ، وَيُبْدَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ، فَأُبْدِلَتِ الطَّاءُ تَاءً فِي قَوْلِهِمْ: طُرَّتْ يَدُهُ، وَتُرَّتْ يَدُهُ؛ أَيْ: سَقَطَتْ، وَضَرَبَ يَدَهُ بِالسَّيْفِ، فَأَطَرَّهَا وَأَتَرَّهَا؛ أَيْ: قَطَعَهَا وَأَنْدَرَهَا، وَالتَّقَطُّرُ: التَّهَيُّؤُ لِلْقِتَالِ، وَالتَّقَتُّرُ لُغَةٌ فِيهِ، وَيُقَالُ فِي الْقِمَطْرَةِ: كِمَتْرَةٌ، بِإِبْدَالِ الْقَافِ كَافًا وَالطَّاءِ تَاءً، وَفِي الْقِسْطِ: كِسْتٌ كَذَلِكَ، وَيُقَالُ فِي ذَاطَهُ؛ أَيْ خَنَقَهُ أَشَدَّ الْخَنْقِ حَتَّى دَلَعَ لِسَانُهُ: ذَاتَهُ، بِالتَّاءِ، وَيُقَالُ: غَلِطَ وَغَلِتَ، لُغَتَانِ بِمَعْنًى، وَيُقَالُ فِي الْفُسْطَاطِ: فُسْتَاطٌ، فِي أَلْفَاظٍ أُخَرَ مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الْإِبْدَالِ، وَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً فِي نَحْوِ: مُصْطَفًى وَمُضْطَرٍّ وَمُطَّعِنٍ وَمُظْطَلِمٍ وَاطَّيَّرْنَا، إِلَى مَا لَا يُحْصَى، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّاءَ وَالطَّاءَ حَرْفَانِ مُتَعَاوِرَانِ، وَيَنْضَمُّ إِلَى هَذَا الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ مَعَ النِّيَّةِ الْعُرْفُ وَشُهْرَةُ ذَلِكَ فِي أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ كَثِيرًا؛ وَلِشُهْرَةِ اللَّفْظِ فِي الْأَلْسِنَةِ مَدْخَلٌ كَبِيرٌ فِي الطَّلَاقِ، اعْتَبَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ مُقَوِّيَةٍ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي هَذَا الْقَسَمِ، فَإِنْ كَانَ اللَّافِظُ بِذَلِكَ عَامِّيًّا حَصَلَ أَمْرٌ رَابِعٌ فِي التَّقْوِيَةِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ الصَّرَائِحِ وَلَا مِنَ الْكِنَايَاتِ، فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، قُلْنَا: أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكِنَايَاتِ، فَإِنَّ أَصْلَ اللَّفْظِ بِالطَّاءِ صَرِيحٌ، وَخَرَجَ إِلَى حَيِّزِ
стр. 248
الْكِنَايَةِ بِإِبْدَالِ حَرْفِ الطَّاءِ تَاءً، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْقُولِ عَامٌّ وَخَاصٌّ، فَالْعَامُّ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: فَرْعٌ: إِذَا اشْتُهِرَ فِي الطَّلَاقِ لَفْظٌ سِوَى الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الصَّرِيحَةِ، كَـ" حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ "، أَوْ " أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ "، أَوِ " الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ "، فَفِي الْتِحَاقِهِ بِالصَّرِيحِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: نَعَمْ؛ لِحُصُولِ التَّفَاهُمِ وَغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَعَلَيْهِ تَنْطَبِقُ فَتَاوَى القفال والقاضي حسين وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالثَّانِي: لَا، وَرَجَّحَهُ المتولي. وَالثَّالِثُ حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ القفال أَنَّهُ إِنْ نَوَى شَيْئًا آخَرَ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ، فَلَا طَلَاقَ، وَإِذَا ادَّعَاهُ صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا يَعْلَمُ أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَعْمَلُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا سَأَلْنَاهُ عَمَّا يَفْهَمُ مِنْهُ إِذَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ قَالَ: يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِي مِنْهُ الطَّلَاقُ، حُمِلَ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ، وَالَّذِي حَكَاهُ المتولي عَنِ القفال أَنَّهُ إِنْ نَوَى غَيْرَ الزَّوْجَةِ فَذَاكَ، وَإِلَّا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْعُرْفِ.
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ الْمُتَقَدِّمُونَ أَنَّهُ كِنَايَةٌ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي يَشْتَهِرُ فِيهَا اللَّفْظُ لِلطَّلَاقِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي حَقِّ أَهْلِهَا بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى.
فَانْظُرْ كَيْفَ صَدَرَ الْفَرْعُ بِضَابِطٍ وَهُوَ أَنْ يَشْتَهِرَ فِي الطَّلَاقِ لَفْظٌ، وَلَمْ يَخُصُّهُ بِلَفْظٍ دُونَ لَفْظٍ، وَلَا يَظُنُّ أَحَدٌ اخْتِصَاصَهُ بِلَفْظِ " الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ " وَنَحْوِهِ، فَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، فَالضَّابِطُ لَفْظٌ يَشْتَهِرُ فِي بَلَدٍ أَوْ فَرِيقٍ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا اللَّفْظُ اشْتُهِرَ فِي أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي حَقِّهِمْ عِنْدَ النووي وَصَرِيحٌ عِنْدَ الرافعي، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَعَوَامِّ بَلَدٍ لَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ فِي لِسَانِهِمْ، فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَلَا يَأْتِي قَوْلٌ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ، فَإِنْ نَظَرَ نَاظِرٌ إِلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُنَبِّهُوا عَلَى هَذَا اللَّفْظِ فِي كُتُبِهِمْ. قُلْنَا: الْفُقَهَاءُ لَمْ يَسْتَوْفُوا كُلَّ الْكِنَايَاتِ بَلْ عَدَّدُوا مِنْهَا جُمَلًا، ثُمَّ أَشَارُوا إِلَى مَا لَمْ يَذْكُرُوهُ بِضَابِطٍ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ البلقيني مِنْ حَدِيثِ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِامْرَأَةِ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ ﵉: قُولِي لَهُ: "يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بَابِهِ" إِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَعَلَّ الْفُقَهَاءَ إِنَّمَا سَكَتُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِلَفْظَةِ تَالِقٍ لِكَوْنِهَا لَمْ تَقَعْ فِي زَمَنِهِمْ، وَإِنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ فِي أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ تَالِقًا مِنَ التَّلَاقِ وَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ الطَّلَاقِ، فَكَلَامُهُ أَشَدُّ سُقُوطًا مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِرَدٍّ، فَإِنَّ التَّلَاقِ لَا يُبْنَى مِنْهُ وَصْفٌ عَلَى فَاعِلٍ، وَأَمَّا الْخَاصُّ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ عَنْ زِيَادَاتِ العبادي: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِ، وَتَرَكَ الْقَافَ طَلُقَتْ حَمْلًا عَلَى التَّرْخِيمِ، وَقَالَ البوشنجي: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ وَإِنْ نَوَى، فَإِنْ قَالَ: يَا طَالِ، وَنَوَى وَقَعَ؛ لِأَنَّ التَّرْخِيمَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي النِّدَاءِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ النِّدَاءِ فَلَا يَقَعُ إِلَّا نَادِرًا فِي الشِّعْرِ. انْتَهَى.
وَإِبْدَالُ الْحَرْفِ أَقْرَبُ إِلَى الْوُقُوعِ مِنْ حَذْفِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، قَالَ الإسنوي فِي
стр. 249
الْكَوْكَبِ: وَلَمْ يُبَيِّنِ الرافعي الْمُرَادَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا نِيَّةَ الطَّلَاقِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نِيَّةَ الْحَذْفِ مِنْ طَالِقٍ. قُلْتُ: فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ كَانَ كِنَايَةً أَوِ الثَّانِي كَانَ صَرِيحًا، فَإِنْ قُلْتَ: الْحَذْفُ مَعْهُودٌ لُغَةً وَفِقْهًا بِهَذَا الْفَرْعِ، وَالْإِبْدَالُ وَإِنْ عُهِدَ لُغَةً لَمْ يُعْهَدْ فِقْهًا، فَفِي أَيِّ فَرْعٍ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ بِالْإِبْدَالِ؟ قُلْتُ: فِي فُرُوعٍ، قَالَ الإسنوي فِي الْكَوْكَبِ: إِبْدَالُ الْهَاءِ مِنَ الْحَاءِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَكَذَلِكَ إِبْدَالُ الْكَافِ مِنَ الْقَافِ، فَمِنْ فُرُوعِ الْأَوَّلِ: إِذَا قَرَأَ فِي الْفَاتِحَةِ (الْهَمْدُ لِلَّهِ) بِالْهَاءِ عِوَضًا عَنِ الْحَاءِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ، كَمَا قَالَهُ القاضي حسين فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ فُرُوعِهِ: إِذَا قَرَأَ (الْمُسْتَقِيمِ) بِالْقَافِ الْمَعْقُودَةِ الْمُشَبَّهَةِ لِلْكَافِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ أَيْضًا، كَمَا ذَكَرَهُ الشيخ نصر المقدسي فِي كِتَابِهِ الْمَقْصُودِ، والروياني فِي الْحِلْيَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَجَزَمَ بِهِ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ، قَالَ الإسنوي: وَالصِّحَّةُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِأَجْلِ وُرُودِهِ فِي اللُّغَةِ، وَبَقَاءُ الْكَلِمَةِ عَلَى مَدْلُولِهَا أَظْهَرُ بِخِلَافِ الْإِتْيَانِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي (الَّذِينَ) عِوَضًا عَنِ الْمُعْجَمَةِ، فَإِنَّ إِطْلَاقَ الرافعي وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي إِبْدَالِ الضَّادِ ظَاءً، وَسَبَبُهُ عُسْرُ التَّمْيِيزِ فِي الْمَخْرَجِ. انْتَهَى.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ، فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الصَّرْفَ عَنِ الطَّلَاقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنَ الْفَقِيهِ وَيَدِينُ فِيهِ الْعَامِّيُّ، فَيُؤَاخَذُ بِهِ ظَاهِرًا وَلَا يَقَعُ بَاطِنًا، لَمْ يَكُنْ بِبَعِيدٍ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَدْيِينَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى إِنْ جَعَلْنَاهُ صَرِيحًا وَهُوَ قَوِيٌّ جِدًّا، أَمَّا عَلَى رَأْيِ الرافعي فِي اللَّفْظِ الَّذِي اشْتَهَرَ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عَلَى مَا صَحَّحَهُ النووي فَهَذَا لِمَنْ تَأَمَّلَهُ أَقْوَى مِنْ لَفْظِ " الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ "، فَإِنَّ ذَاكَ لَفْظٌ آخَرُ غَيْرُ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَيَحْتَمِلُ مَعَانِيَ، وَأَمَّا لَفْظُ " تَالِقٌ " يَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ، وَإِنَّمَا هُوَ لَفْظُ الطَّلَاقِ أُبْدِلَ مِنْهُ حَرْفٌ بِحَرْفٍ مُقَارِبٍ لَهُ فِي الْمَخْرَجِ، وَيُؤَيِّدُ جَعْلَهُ صَرِيحًا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإسنوي فِي: أَنْتِ طَالِ، عَلَى إِرَادَةِ نِيَّةِ الْمَحْذُوفِ بِالطَّلَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِـ (الْهَمْدُ لِلَّهِ) فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحَرْفَ الْمُبْدَلَ قَائِمٌ مُقَامَ الْحَرْفِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَيَسْتَمِرُّ اللَّفْظُ عَلَى صَرَاحَتِهِ كَمَا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُعْتَدًّا بِهِ فِي الْقِرَاءَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَابَ الصَّلَاةِ وَإِبْطَالِهَا بِسُقُوطِ حَرْفٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَضْيَقُ وَبَابَ الْقِرَاءَةِ أَشَدُّ ضِيقًا، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَجُوزُ بِالْمَعْنَى وَلَا بِالْمُرَادِفِ بَلْ وَلَا بِالشَّاذِّ الَّذِي قُرِئَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ قَطُّ (الْهَمْدُ لِلَّهِ) بِالْهَاءِ، فَقَوْلُهُمْ بِالصِّحَّةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِمُجَرَّدِ الْإِبْدَالِ بِالْحَرْفِ الْمُقَارِبِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْإِبْدَالَ بِمَا ذُكِرَ لَا يُخْرِجُ اللَّفْظَ
стр. 250
عَنْ مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ، فَانْشَرَحَ الصَّدْرُ بِذَلِكَ إِلَى الْقَوْلِ بِصَرَاحَةِ هَذَا اللَّفْظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَلْزَمُنَا طَرْدُ ذَلِكَ فِي الْفَقِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِبْدَالَ لَيْسَ مِنْ نَعْتِهِ وَلَا مِنْ عَادَتِهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ إِرَادَتِهِ وَكَانَ فِي حَقِّهِ كَالْكِنَايَةِ لَا يَعْمَلُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَنْوِيَ شَيْئًا بَلْ يُطْلِقَ، وَالْوُقُوعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ بَاطِنًا لَهُ وَجْهٌ مَأْخَذُهُ الصَّرَاحَةُ أَوِ الشَّبَهُ بِالصَّرَاحَةِ، وَأَمَّا ظَاهِرًا فَأَقْوَى بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ، وَفِي حَقِّ الْفَقِيهِ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ.
(فَرْعٌ) أَمَّا لَوْ قَالَ: عَلِيَّ التَّلَاقُ، بِالتَّاءِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ قَطْعًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ الْعَامِّيِّ وَالْفَقِيهِ، فَإِنْ نَوَى فَطَلَاقٌ وَإِلَّا فَلَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَالِقٍ أَنَّ تَالِقًا لَا مَعْنَى لَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَالتَّلَاقُ لَهُ مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ دَالِقٌ، بِالدَّالِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا فِي تَالِقٍ، بِالتَّاءِ؛ لِأَنَّ الدَّالَ وَالطَّاءَ أَيْضًا مُتَعَاوِرَانِ فِي الْإِبْدَالِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي الْأَلْسِنَةِ كَاشْتِهَارِ تَالِقٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ الْقَوْلُ بِالْوُقُوعِ مَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ أَصْلًا مَعَ أَنَّ لِدَالِقٍ مَعْنًى غَيْرَ الطَّلَاقِ، يُقَالُ: سَيْفٌ دَالِقٌ: إِذَا كَانَ سَلِسَ الْخُرُوجِ مِنْ غِمْدِهِ، وَرَجُلٌ دَالِقٌ: كَثِيرُ الْغَارَاتِ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، بِالْقَافِ الْمَعْقُودَةِ قَرِيبَةٍ مِنَ الْكَافِ كَمَا يَلْفِظُ بِهَا الْعَرَبُ، فَلَا شَكَّ فِي الْوُقُوعِ، فَلَوْ أَبْدَلَهَا كَافًا صَرِيحَةً، فَقَالَ طَالِكٌ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَمَا لَوْ قَالَ: تَالِقٌ، بِالتَّاءِ، إِلَّا أَنَّهُ يَنْحَطُّ عَنْهُ بِعَدَمِ الشُّهْرَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَدَالِقٍ بِالدَّالِ إِلَّا أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَتَعَاوُرُ الْقَافِ وَالْكَافِ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ قُرِئَ: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] وَ: قُشِطَتْ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي قِسْطٍ: كِسْطٌ، وَفِي قِمَطْرَةٍ: كِمَتْرَةٌ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ أَبْدَلَ الْحَرْفَيْنِ، فَقَالَ: تَالِكٌ، بِالتَّاءِ وَالْكَافِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً، إِلَّا أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ بِالدَّالِ وَالْكَافِ، فَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ تَالِكٍ، مَعَ أَنَّ لَهُ مَعَانِيَ مُحْتَمَلَةً، مِنْهَا الْمُمَاطَلَةُ لِلْغَرِيمِ، وَمِنْهَا الْمُسَاحَقَةُ، يُقَالُ: تَدَالَكَتِ الْمَرْأَتَانِ: إِذَا تَسَاحَقَتَا، فَيَكُونُ كِنَايَةَ قَذْفٍ بِالْمُسَاحَقَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَا أَلْفَاظًا بَعْضَهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْوَاهَا تَالِقٌ، ثُمَّ دَالِقٌ، وَفِي رُتْبَتِهَا طَالِكٌ، ثُمَّ تَالِكٌ، ثُمَّ دَالِكٌ، وَهِيَ أَبْعَدُهَا، وَالظَّاهِرُ الْقَطْعُ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ كِنَايَةَ طَلَاقٍ أَصْلًا، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةً فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ: وَفِي الْفَتَاوَى: رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتَ تَالِقٌ أَوْ تَالِغٌ أَوْ طَالِغٌ أَوْ تَالِكٌ، عَنِ الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل أَنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ تَعَمَّدَ وَقَصَدَ أَنْ لَا يَقَعَ، وَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً، وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً، إِلَّا إِذَا أَشْهَدَ قَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ، وَقَالَ:
стр. 251
إِنَّ امْرَأَتِي تَطْلُبُ مِنِّي الطَّلَاقَ وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُطَلِّقَهَا، فَأَتَلَفَّظُ بِهَا قَطْعًا لِعِلَّتِهَا وَتَلَفَّظَ وَشَهِدُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، لَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ، وَكَانَ فِي الِابْتِدَاءِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ كَمَا هُوَ جَوَابُ شمس الأئمة الحلواني، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا قُلْنَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
[الْمُنْجَلِي فِي تَطَوُّرِ الْوَلِيِّ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، رُفِعَ إِلَيَّ سُؤَالٌ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ وَلِيَّ اللَّهِ الشيخ عبد القادر الطشطوطي بَاتَ عِنْدَهُ لَيْلَةَ كَذَا، فَحَلَفَ آخَرُ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا، فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَمْ لَا؟ فَأَرْسَلْتُ قَاصِدِي إِلَى الشيخ عبد القادر، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَلَوْ قَالَ أَرْبَعَةٌ أَنِّي بِتُّ عِنْدَهُمْ لَصَدَقُوا، فَأَفْتَيْتُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقِيمَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَوْ لَا يُقِيمَ أَحَدٌ مِنْهُمَا أَوْ يُقِيمَهَا وَاحِدٌ دُونَ الْآخَرِ، فَالْحَالَانِ الْأَوَّلَانِ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِمَا وَاضِحٌ لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْنِيثُهُمَا مَعًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا تَحْنِيثُ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ. وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثُ فَقَدْ يُنَازِعُ فِيهَا مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ وُجُودَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ، بَلْ هُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْمُتَوَهِّمُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ، فَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِسْمِ الْجَائِزِ الْمُمْكِنِ، وَإِذَا كَانَ مُمْكِنًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا حِنْثَ؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُمْكِنٍ عِنْدَهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ بِالشَّكِّ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِثْبَاتُ كَوْنِ هَذَا الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُمْكِنًا، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدِيمًا وَأَفْتَى فِيهَا الْعُلَمَاءُ بِعَدَمِ الْحِنْثِ كَمَا أَفْتَيْتُ بِهِ، وَاسْتِنَادُهُمْ فِيهِ إِلَى كَوْنِهِ مُمْكِنًا غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.
فَأَقُولُ: قَدْ نَصَّ عَلَى إِمْكَانِ ذَلِكَ أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، مِنْهُمُ الْعَلَّامَةُ علاء الدين القونوي شَارِحُ الْحَاوِي، وَالشَّيْخُ تاج الدين السبكي، وكريم الدين الآملي شَيْخُ الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، وصفي الدين بن أبي المنصور، وعبد الغفار بن نوع القوصي صَاحِبُ الْوَحِيدِ، والعفيف اليافعي، والشيخ تاج الدين بن عطاء الله، والسراج ابن الملقن، والبرهان الأبناسي، وَالشَّيْخُ عبد الله المنوفي وَتِلْمِيذُهُ الشيخ
стр. 252
خليل المالكي صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وأبو الفضل محمد بن إبراهيم التلمساني الْمَالِكِيُّ وَخَلْقٌ آخَرُونَ، وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَعَدُّدِ الصُّوَرِ بِالتَّمَثُّلِ وَالتَّشَكُّلِ كَمَا يَقَعُ ذَلِكَ لِلْجَانِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ بَابِ طَيِّ الْمَسَافَةِ وَزَوْيِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَعَدُّدٍ، فَيَرَاهُ الرَّائِيَانِ كُلٌّ فِي بَيْتِهِ وَهِيَ بُقْعَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ طَوَى الْأَرْضَ وَرَفَعَ الْحُجُبَ الْمَانِعَةَ مِنَ الِاسْتِطْرَاقِ، فَظُنَّ أَنَّهُ فِي مَكَانَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَفْعِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ حَالَ وَصْفِهِ إِيَّاهُ لِقُرَيْشٍ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ عِظَمِ جُثَّةِ الْوَلِيِّ بِحَيْثُ مَلَأَ الْكَوْنَ، فَشُوهِدَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، كَمَا قُرِّرَ بِذَلِكَ شَأْنُ مَلَكِ الْمَوْتِ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ حَيْثُ يُقْبَضُ مَنْ مَاتَ فِي الْمَشْرِقِ وَفِي الْمَغْرِبِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُسْأَلُ مَنْ قُبِرَ فِيهِمَا فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ رُؤْيَتَهُ عَلَى صُورَتِهِ الْمُعْتَادَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَحْجُبُ الزَّائِدَ عَنِ الْأَبْصَارِ أَوْ يَدْمُجُ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، كَمَا قِيلَ بِالْأَمْرَيْنِ فِي رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ، وَخِلْقَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ إِنَّ جَنَاحَيْنِ مِنْ أَجْنِحَتِهِ يَسُدَّانِ الْأُفُقَ.
وَهَا أَنَا أَذْكُرُ بَعْضَ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ علاء الدين القونوي فِي تَأْلِيفٍ لَهُ يُسَمَّى الْإِعْلَامَ، مَا نَصُّهُ: وَفِي الْمُمْكِنِ أَنْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ عِبَادِهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِخَاصِّيَّةٍ لِنَفْسِهِ الْمَلَكِيَّةِ الْقُدُسِيَّةِ، وَقُوَّةٍ لَهَا يَقْدِرُ بِهَا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي بَدَنٍ آخَرَ غَيْرَ بَدَنِهَا الْمَعْهُودِ مَعَ اسْتِمْرَارِ تَصَرُّفِهَا فِي الْأَوَّلِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْأَبْدَالِ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا أَبْدَالًا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَرْحَلُونَ إِلَى مَكَانٍ وَيُقِيمُونَ فِي مَكَانِهِمُ الْأَوَّلِ شَبَحًا آخَرَ شَبِيهًا بِشَبَحِهِمُ الْأَصْلِيِّ بَدَلًا عَنْهُ، وَإِذَا جَازَ فِي الْجِنِّ أَنْ يَتَشَكَّلُوا فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَقَدْ أَثْبَتَ الصُّوفِيَّةُ عَالَمًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ عَالَمِ الْأَجْسَادِ وَعَالَمِ الْأَرْوَاحِ سَمَّوْهُ عَالَمَ الْمِثَالِ، وَقَالُوا: هُوَ أَلْطَفُ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَادِ وَأَكْثَفُ مِنْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ تَجَسُّدَ الْأَرْوَاحِ وَظُهُورَهَا فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ عَالَمِ الْمِثَالِ، وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] ، فَتَكُونُ الرُّوحُ الْوَاحِدَةُ كَرُوحِ جِبْرِيلَ مَثَلًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُدَبِّرَةً لِشَبَحِهِ الْأَصْلِيِّ وَلِهَذَا الشَّبَحِ الْمِثَالِيِّ، وَيَنْحَلُّ بِهَذَا مَا قَدِ اشْتَهَرَ نَقْلُهُ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ سَأَلَ بَعْضَ الْأَكَابِرِ عَنْ جِسْمِ جِبْرِيلَ ﵇، فَقَالَ: أَيْنَ كَانَ يَذْهَبُ جِسْمُهُ الْأَوَّلُ الَّذِي سَدَّ الْأُفُقَ بِأَجْنِحَتِهِ لَمَّا تَرَاءَى لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ عِنْدَ إِتْيَانِهِ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ؟ وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهُمُ الْجَوَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ يَنْدَمِجُ
стр. 253
بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ إِلَى أَنْ يَصْغُرَ حَجْمُهُ، فَيَصِيرَ بِقَدْرِ صُورَةِ دِحْيَةَ، ثُمَّ يَعُودَ يَنْبَسِطُ إِلَى أَنْ يَصِيرَ كَهَيْئَتِهِ الْأُولَى، وَمَا ذَكَرَهُ الصُّوفِيَّةُ أَحْسَنُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جِسْمُهُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ لَهُ شَبَحًا آخَرَ، وَرُوحُهُ تَتَصَرَّفُ فِيهِمَا جَمِيعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى لَهُمْ وَقَلْبُ الْعَصَا ثُعْبَانًا وَأَنْ يُقَدِّرَهُمُ اللَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَوَارِقِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِالتَّصَرُّفِ فِي بِدَنَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَخْرُجُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ وَتَنْحَلُّ بِهِ إِشْكَالَاتٌ غَيْرُ يَسِيرَةٍ، كَقَوْلِهِمْ: جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَهِيَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، كَيْفَ أُرِيَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي عُرْضِ الْحَائِطِ حَتَّى تَقَدَّمَ إِلَيْهَا فِي صَلَاتِهِ لِيَقْتَطِفَ مِنْهَا عُنْقُودًا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ بِطَرِيقِ التَّمَثُّلِ، وَكَمَا يُحْكَى عَنْ قضيب البان الموصلي، وَكَانَ مِنَ الْأَبْدَالِ أَنَّهُ اتَّهَمَهُ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَهُ يُصَلِّي بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَشَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَتَمَثَّلَ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَقَالَ: فِي أَيِّ هَذِهِ الصُّوَرِ رَأَيْتَنِي مَا أُصَلِّي، وَلَهُمْ حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْقَوَاعِدِ عِنْدَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ القونوي بِحُرُوفِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تاج الدين بن السبكي فِي الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى فِي تَرْجَمَةِ أبي العباس الملثم: كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْكَرَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَمِنْ أَخَصِّ النَّاسِ بِصُحْبَتِهِ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ الصالح عبد الغفار بن نوح، صَاحِبُ كِتَابِ الْوَحِيدِ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ، وَقَدْ حَكَى فِي كِتَابِهِ كَثِيرًا مِنْ كَرَامَاتِهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاشْتَغَلْنَا بِالْحَدِيثِ وَكَانَ حَدِيثُهُ يَلَذُّ لِلْمَسَامِعِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْحَدِيثِ وَالْغُلَامُ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: إِلَى أَيْنَ يَا مُبَارَكُ؟ فَقَالَ: إِلَى الْجَامِعِ، فَقَالَ: وَحَيَاتِي صَلَّيْتُ، فَخَرَجَ الْغُلَامُ وَجَاءَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ خَرَجُوا مِنَ الْجَامِعِ، قَالَ عبد الغفار: فَخَرَجْتُ فَسَأَلْتُ النَّاسَ، فَقَالُوا: كَانَ الشيخ أبو العباس فِي الْجَامِعِ وَالنَّاسُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: أَنَا أُعْطِيتُ التَّبَدُّلَ، قَالَ ابن السبكي: وَلَعَلَّ قَوْلَهُ: صَلَّيْتُ، مِنْ صِفَاتِ الْبَدَلِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي مَكَانٍ وَشَبَحُهُمْ فِي مَكَانٍ آخَرَ، قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفَةُ الْكَشْفَ الصُّورِيَّ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الْجُدْرَانُ وَيَبْقَى الِاسْتِطْرَاقُ، فَيُصَلِّي كَيْفَ كَانَ وَلَا يَحْجُبُهُ الِاسْتِطْرَاقُ. انْتَهَى.
وَقَالَ صفي الدين بن أبي المنصور فِي رِسَالَتِهِ: جَرَتْ لِلشَّيْخِ مفرج بِبَلَدِهِ قَضِيَّةٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، قَالَ شَخْصٌ مِنْهُمْ كَانَ قَدْ حَجَّ لِآخَرَ: رَأَيْتُ مفرجا بِعَرَفَةَ، فَنَازَعَهُ الْآخَرُ بِأَنَّ الشَّيْخَ مَا فَارَقَ دَمَامِينَ وَلَا رَاحَ لِغَيْرِهَا، وَحَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالطَّلَاقِ الَّذِي
стр. 254
كَانَ قَدْ حَجَّ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مِنْ زَوْجَتِهِ أَنَّهُ رَآهُ بِعَرَفَةَ، وَحَلَفَ الْآخَرُ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ دَمَامِينَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فَاخْتَصَمَا إِلَيْهِ، وَذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَمِينَهُ، فَأَقَرَّهُمَا عَلَى حَالِهِمَا، وَأَبْقَى كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حُكْمِهِ فِيهِمَا، وَصِدْقُ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ حِنْثَ الْآخَرِ، وَكَانَ حَاضِرًا مَعَنَا رِجَالٌ مُعْتَبَرُونَ، قَالَ الشَّيْخُ لَنَا: قُولُوا أُذِنَّا مِنْهُ بِأَنْ نَتَحَدَّثَ فِي سِرِّ هَذَا الْحُكْمِ، فَتَحَدَّثَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِوَجْهٍ لَا يَكْفِي، وَكَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدِ اتَّضَحَتْ لِي، فَأَشَارَ إِلَيَّ بِالْإِيضَاحِ، فَقُلْتُ: الْوَلِيُّ إِذَا تَحَقَّقَ فِي وِلَايَتِهِ، مُكِّنَ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي صُوَرٍ عَدِيدَةٍ، وَتَظْهَرُ عَلَى رُوحَانِيَّتِهِ فِي حِينٍ وَاحِدٍ، فِي جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنَّهُ يُعْطِي التَّطَوُّرَ فِي الْأَطْوَارِ، وَالتَّلَبُّسَ فِي الصُّوَرِ عَلَى حُكْمِ إِرَادَتِهِ، فَالصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِمَنْ رَآهَا بِعَرَفَةَ حَقٌّ، وَصُورَتُهُ الَّتِي رَآهَا الْآخَرُ لَمْ تُفَارِقْ دَمَامِينَ حَقٌّ، وَصَدَقَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي يَمِينِهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى.
وَقَدْ سَاقَ ذَلِكَ اليافعي فِي كِفَايَةِ الْمُعْتَقِدِ، وَقَالَ فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا مُشْكِلٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْفَقِيهُ ذَلِكَ، وَلَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلِهِ أَبَدًا، وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ عِنْدَهُ بِعَدَمِ حِنْثِ الِاثْنَيْنِ أَبَدًا؛ إِذْ وُجُودُ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُحَالٌ فِي الْعَقْلِ.
فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ صفي الدين الْمَذْكُورُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُحَالًا؛ لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ تَعَدُّدِ الصُّوَرِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ الْمُحَالُ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الْإِشْكَالُ بَاقٍ فِي تَعَدُّدِ الصُّوَرِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ وَشُوهِدَ، وَلَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ، وَإِنْ تَحَيَّرَ فِيهِ الْعَقْلُ، مِنْ ذَلِكَ مَا اشْتُهِرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ الْكَعْبَةَ الْمُعَظَّمَةَ شُوهِدَتْ تَطُوفُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فِي أَوْقَاتٍ فِي غَيْرِ مَكَانِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا فِي مَكَانِهَا، لَمْ تُفَارِقْهُ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ قضيب البان، وَرُوِّينَا عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ أَنَّهُ قَالَ: مَا الشَّأْنُ فِي الطَّيَرَانِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ، وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ يَشْتَاقُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى زِيَارَةِ الْآخَرِ، فَيَجْتَمِعَانِ وَيَتَحَدَّثَانِ، وَيَعُودُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى مَكَانِهِ، وَالنَّاسُ يُشَاهِدُونَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ لَمْ يَبْرَحْ عَنْهُ.
وَقَالَ اليافعي أَيْضًا فِي رَوْضِ الرَّيَاحِينِ: ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَجَّ رَجُلٌ سَنَةً، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِأَخٍ لَهُ: رَأَيْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: نَحْنُ كُنَّا عِنْدَهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فِي رِبَاطِهِ بِبَابِ تُسْتَرَ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَوْقِفِ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: قُمْ بِنَا حَتَّى نَسْأَلَهُ، فَقَامَا وَدَخَلَا عَلَيْهِ، وَذَكَرَا لَهُ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا، وَسَأَلَاهُ عَنْ حُكْمِ الْيَمِينِ، فَقَالَ سهل: مَا لَكُمْ بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ اشْتَغِلُوا بِاللَّهِ، وَقَالَ لِلْحَالِفِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وَلَا تُخْبِرْ بِهَذَا أَحَدًا، انْتَهَى.
стр. 255
وَقَالَ الشيخ خليل المالكي - صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ الْمَشْهُورِ - فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي مَنَاقِبِ شَيْخِهِ - الشيخ عبد الله المنوفي - مَا نَصُّهُ: الْبَابُ السَّادِسُ فِي طَيِّ الْأَرْضِ لَهُ، مَعَ عَدَمِ تَحَرُّكِهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ، وَسَأَلَ عَنِ الشَّيْخِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: الشَّيْخُ لَمْ يَزُلْ مِنْ مَكَانِهِ، فَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَطَلَعَ الشَّيْخُ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ، وَذَكَرَ وَقَائِعَ أُخْرَى وَقَعَتْ لَهُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُمْكِنُ وُجُودُ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ بِمَكَانَيْنِ، قُلْتُ: الْوَلِيُّ إِذَا تَحَقَّقَ فِي وِلَايَتِهِ تَمَكَّنَ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي رُوحَانِيَّتِهِ، وَيُعْطَى مِنَ الْقُدْرَةِ التَّصْوِيرَ فِي صُوَرٍ عَدِيدَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّدَ هُوَ الصُّورَةُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، كَمَا حَكَى عَنْ قضيب البان، أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَدَمَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ اجْتَمَعَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ بِهِ، فَصَلَّى بِحَضْرَتِهِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَيُّ صُورَةٍ لَمْ تُصَلِّ مَعَكُمْ؟ فَقَبَّلَ يَدَ الشَّيْخِ وَتَابَ.
وَكَمَا حُكِيَ عَنِ الشيخ أبي عباس المرسي أَنَّهُ طَلَبَهُ إِنْسَانٌ لِأَمْرٍ عِنْدَهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَنْعَمَ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ لَهُ أَرْبَعَةٌ، كُلٌّ مِنْهُمْ طَلَبَ مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَنْعَمَ لِلْجَمِيعِ، ثُمَّ صَلَّى الشَّيْخُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ يَذْهَبْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَإِذَا بِكُلٍّ مِنَ الْخَمْسَةِ جَاءَ يَشْكُرُ الشَّيْخَ عَلَى حُضُورِهِ عِنْدَهُ، وَقَدْ حَكَى جَمَاعَةٌ أَنَّ الْكَعْبَةَ رُئِيَتْ تَطُوفُ بِبَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ - هَذَا كَلَامُ الشيخ خليل وَنَاهِيكَ بِهِ إِمَامَةً وَجَلَالَةً، وَرَأَيْتُ فِي مَنَاقِبِ الشَّيْخِ تاج الدين بن عطاء الله لِبَعْضِ تَلَامِيذِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ جَمَاعَةِ الشَّيْخِ حَجَّ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الشَّيْخَ فِي الْمَطَافِ، وَخَلْفَ الْمَقَامِ، وَفِي الْمَسْعَى، وَفِي عَرَفَةَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ سَأَلْتُ عَنِ الشَّيْخِ، فَقِيلَ: هُوَ طَيِّبٌ، فَقُلْتُ: هَلْ سَافَرَ أَوْ خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ؟ فَقِيلَ: لَا، فَجِئْتُ إِلَيْهِ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ رَأَيْتَ فِي سَفْرَتِكَ هَذِهِ مِنَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، رَأَيْتُكَ، فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: الرَّجُلُ الْكَبِيرُ يَمْلَأُ الْكَوْنَ، لَوْ دَعَا الْقُطْبَ مِنْ حَجَرٍ لَأَجَابَ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْوَحِيدِ: الْخَصَائِصُ الْإِلَهِيَّةُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهَا، فَهَذَا عِزْرَائِيلُ يَقْبِضُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنَ الْخَلَائِقِ فِي جَمِيعِ الْعَوَالِمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ بِصُوَرِ أَعْمَالِهِمْ فِي مَرَائِيَ شَتَّى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَشْهَدُهُ، وَيُبْصِرُهُ فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَقَالَ الشيخ سراج الدين بن الملقن، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ فِي طَبَقَاتِ الْأَوْلِيَاءِ: الشَّيْخُ قضيب البان الموصلي ذُو الْأَحْوَالِ الْبَاهِرَةِ، وَالْكَرَامَاتِ الْمُتَكَاثِرَةِ، سَكَنَ الْمَوْصِلَ وَاسْتَوْطَنَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ فِيهَا قَرِيبًا مِنْ سَنَةِ سَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الكمال بن يونس، فَوَقَعَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ لِمَنْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَبُهِتُوا، وَقَالَ: يَا ابن يونس، أَنْتَ تَعْلَمُ
стр. 256
كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَيْنَ كُنْتُ أَنَا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ؟ فَلَمْ يَدْرِ ابن يونس مَا يَقُولُ، وَسُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ عبد القادر الكيلاني، فَقَالَ: هُوَ وَلِيٌّ مُقَرَّبٌ ذُو حَالٍ مَعَ اللَّهِ، وَقَدَمِ صِدْقٍ عِنْدَهُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا نَرَاهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: إِنَّهُ يُصَلِّي مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُ، وَإِنِّي أَرَاهُ إِذَا صَلَّى بِالْمَوْصِلِ، أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ آفَاقِ الْأَرْضِ يَسْجُدُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ.
وَقَالَ أبو الحسن القرشي: رَأَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ بِالْمَوْصِلِ قَدْ مَلَأَهُ وَنَمَا جَسَدُهُ نَمَاءً خَارِقًا لِلْعَادَةِ، فَخَرَجْتُ وَقَدْ هَالَنِي مَنْظَرُهُ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، وَقَدْ تَصَاغَرَ حَتَّى صَارَ قَدْرَ الْعُصْفُورِ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ كَحَالَتِهِ الْمُعْتَادَةِ، انْتَهَى.
وَفِي الطَّبَقَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ هَذَا النَّمَطِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ برهان الدين الأبتاسي فِي كِتَابِ تَلْخِيصِ الْكَوْكَبِ الْمُنِيرِ فِي مَنَاقِبِ الشيخ أبي العباس البصير: مِنْ كَرَامَاتِهِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ اجْتَمَعَ بِالشَّيْخِ أبي الحجاج الأقصري، فَجَلَسَا فِي الْحَرَمِ يَتَذَاكَرَانِ أَحْوَالَ الْقَوْمِ، فَقَالَ أبو الحجاج: هَلْ لَكَ فِي طَوَافِ أُسْبُوعٍ؟ فَقَالَ أبو العباس: إِنْ لِلَّهِ رِجَالًا يَطُوفُ بَيْتُهُ بِهِمْ، فَنَظَرَ أبو الحجاج، وَإِذَا بِالْكَعْبَةِ طَائِفَةٌ بِهِمَا، قَالَ الأبتاسي: وَلَا يُنْكَرُ ذَلِكَ، فَقَدْ تَضَافَرَتْ أَخْبَارُ الصَّالِحِينَ عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ شمس الدين ابن القيم فِي كِتَابِ الرُّوحِ: لِلرُّوحِ شَأْنٌ آخَرُ غَيْرُ شَأْنِ الْبَدَنِ، فَتَكُونُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِبَدَنِ الْمَيِّتِ، بِحَيْثُ إِذَا سَلَّمَ عَلَى صَاحِبِهَا رَدَّ السَّلَامِ، وَهِيَ فِي مَكَانِهَا هُنَاكَ، وَهَذَا جِبْرِيلُ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، مِنْهَا جَنَاحَانِ سَدَّا الْأُفُقَ، وَكَانَ يَدْنُو مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقُلُوبُ الْمُخْلِصِينَ تَتَّسِعُ لِلْإِيمَانِ بِأَنَّ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ كَانَ يَدْنُو هَذَا الدُّنُوَّ وَهُوَ فِي مُسْتَقَرِّهِ مِنَ السَّمَاوَاتِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْوَحِيدِ: مِنَ الْقَوْمِ مَنْ كَانَ يُخَلِّي جَسَدَهُ وَيَصِيرُ كَالْفَخَّارَةِ الَّتِي لَا رُوحَ فِيهَا، كَمَا أَخْبَرَنِي عيسى بن المظفر، عَنِ الشَّيْخِ شمس الدين الأصبهاني - وَكَانَ عَالِمًا وَمُدَرِّسًا وَحَاكِمًا بِقُوصَ - أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُخَلِّي جَسَدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى حَالِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ. انْتَهَى. قُلْتُ: الأصبهاني الْمَذْكُورُ هُوَ الْعَلَّامَةُ شمس الدين الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَانِيفِ فِي الْأَصْلَيْنِ، نَقَلَ ابن السبكي فِي طَبَقَاتِهِ عَنِ الشَّيْخِ تاج الدين الفركاح أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ مِثْلُهُ، وَقَالَ ابن السبكي أَيْضًا فِي الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى: الْكَرَامَاتُ أَنْوَاعٌ - إِلَى أَنْ قَالَ: الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ التَّطَوُّرُ بِأَطْوَارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الصُّوفِيَّةُ بِعَالَمِ الْمِثَالِ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ تَجَسُّدَ الْأَرْوَاحِ، وَظُهُورَهَا فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ عَالَمِ الْمِثَالِ، وَاسْتَأْنَسُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا﴾ [مريم: ١٧]
стр. 257
(سَوِيًّا) وَمِنْهُ قِصَّةُ قضيب البان، ثُمَّ ذَكَرَهَا، وَذَكَرَ غَيْرِهَا.
قُلْتُ: وَمِنْ شَوَاهِدِ مَا نَحْنُ فِيهِ، مَا أَخْرَجَهُ أحمد، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَمَّا أُسْرِيَ بِي فَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ قَطَعْتُ وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ» " - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «قَالُوا وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ الْمَسْجِدَ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَذَهَبْتُ أَنَعْتُ فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ " - أَوْ عِقَالٍ " فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» " فَهَذَا؛ إِمَّا مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ كَمَا فِي رُؤْيَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي عُرْضِ الْحَائِطِ، وَإِمَّا مِنْ بَابِ طَيِّ الْمَسَافَةِ، وَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ هُنَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَفْقِدُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ بَلَدِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وابن المنذر فِي تَفَاسِيرِهِمْ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] قَالَ: مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وحميد بن عبد الرحمن، وَمُجَاهِدٍ، والقاسم بن أبي بزة، وعكرمة، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وقتادة، وأبي صالح، وشمر بن عطية، والضحاك، وَأَخْرَجَ عَنِ الحسن قَالَ: انْفَرَجَ سَقْفُ الْبَيْتِ فَرَأَى يَعْقُوبَ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ قَالَ: رَأَى تِمْثَالَ يَعْقُوبَ.
فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّلَفِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْمِثَالِ، أَوْ طَيِّ الْمَسَافَةِ، وَهُوَ شَاهِدٌ عَظِيمٌ لِمَسْأَلَتِنَا؛ حَيْثُ رَأَى يُوسُفُ ﵇ وَهُوَ بِمِصْرَ أَبَاهُ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ بِأَرْضِ الشَّامِ، فَفِيهِ إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ يَعْقُوبَ ﵇ بِمَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِنَاءً عَلَى إِحْدَى الْقَاعِدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ اللِّعَّانِ]
مَسْأَلَةٌ: امْرَأَةٌ نَفَتِ ابْنَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهَا بِهِ، وَحَكَمَ بِالنَّفْيِ حَاكِمٌ، فَهَلْ يَنْتَفِي مِنْهَا، وَهَلْ لَهَا أَنْ تُقِرَّ بِهِ ثَانِيًا؟ .
الْجَوَابُ: الْوَلَدُ لَا يَلْحَقُ الْأُمَّ بِاعْتِرَافِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَتِهَا الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ أَقَامَتْهَا فَلَا يُفِيدُ النَّفْيُ بَعْدَهَا.
стр. 258
[كِتَابُ النَّفَقَاتِ] [ مسائل متفرقة]
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَذِنَ الْوَلِيُّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَمَاتَ هَلْ يَسْتَمِرُّ الْإِذْنُ إِلَى الْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى، أَوْ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى إِذَنِ وَلِيٍّ إِنْ كَانَ أَوِ الْحَاكِمِ، وَإِذَا قُرِّرَ لَهَا فِي نَظِيرِ كُسْوَتِهَا مَبْلَغٌ مُعَيَّنٌ، وَرَضِيَتْ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ تَرَاضَيَا عَلَى أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ، وَلَمْ أَجِدْهَا مَنْقُولَةً، وَالَّذِي يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوَاعِدِ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ عَنِ الْوَلِيِّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا فَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ، هَذَا مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ، وَلَكِنَّ الْأَحْسَنَ خِلَافُهُ؛ لِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى عَدَمِ النِّزَاعِ فِي ذَلِكَ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْآنِ، وَأَمَّا إِذَا قَرَّرَ لَهَا فِي نَظِيرِ كُسْوَتِهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ تَرَاضَيَا عَلَى أَقَلَّ وَهِيَ جَائِزَةُ التَّصَرُّفِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ نَاشِزَةٍ هَلْ تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْقِسْمِ وَالْكُسْوَةِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالْمَنْعِ فَهَلْ إِذَا رَجَعَتْ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ هَلْ تَعُودُ نَفَقَةُ الْيَوْمِ أَوْ بَعْضِهِ؟ وَهَلْ تَسْقُطُ كُسْوَةُ الْفَصْلِ كُلِّهِ أَمْ بَعْضِهِ؟ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمُ " الْفَصْلِ " هَلْ هُوَ الْعَامُ، أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ أَحَدُ الشُّهُورِ الْمُقَرَّرِ فِيهَا الْكُسْوَةُ؟ وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ النُّشُوزَ، وَأَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ فَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا أَمْ قَوْلُهُ؟ وَهَلْ يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا يَمِينٌ أَمْ يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ؟ وَإِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ نَاشِزَةٌ فَهَلْ لَهَا السُّكْنَى؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالْمَنْعِ فَلَازَمَتْ مَسْكَنَ النِّكَاحِ، وَأَطَاعَتْ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: لَا تَسْتَحِقُّ النَّاشِزَةُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ، وَإِذَا رَجَعَتْ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ لَمْ تَسْتَحِقَّ لِذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا عَلَى مَا رَجَّحَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي النِّكَاحِ، وَحَكَى فِي النَّفَقَاتِ وَجْهَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ، وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ كُسْوَةُ فَصْلٍ كَامِلٍ وَهُوَ نِصْفُ الْعَامِ، وَلَا تَعُودُ بِعَوْدِ الطَّاعَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِي النَّفَقَةِ، وَإِذَا ادَّعَى النُّشُوزَ وَأَنْكَرَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَإِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ نَاشِزَةٌ فَلَا سُكْنَى لَهَا، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى الطَّاعَةِ عَادَ حَقُّ السُّكْنَى.
مَسْأَلَةٌ: زَوْجَةٌ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِ الزَّوْجِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلَى مَنْزِلِ أَبِيهَا، وَأَقَامَتْ بِهِ مُدَّةً
стр. 259
وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ طَلَاقًا بَائِنًا، وَاسْتَمَرَّتْ نَحْوَ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَادَّعَتْ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ مِنْهُ عَلَى حَمْلٍ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ؟ وَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ؟ وَهَلْ يَثْبُتُ مَوْتُ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا ثَبَتَ مَوْتُهُ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ الْمُطَلَّقَةُ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إِذَا وَضَعَتْهُ مَيِّتًا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلْمُطَلِّقِ أَنْ يَسْأَلَ الْبَيِّنَةَ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؟ وَإِذَا سَأَلَهَا، وَكَانَتْ لَا تُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ قَادِحًا فِي الشَّهَادَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ وَادَّعَتْ أَنَّهُ مِنَ الْمُطَلِّقِ يُلْحَقُ بِهِ أَمْ لَا.
الْجَوَابُ: إِذَا طُلِّقَتِ النَّاشِزُ وَهِيَ حَامِلٌ فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا النَّفَقَةَ رَأْيَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ هَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ، أَوْ لَهَا بِسَبَبِ الْحَمْلِ. فَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ اسْتَحَقَّتْ، أَوْ لَهَا بِسَبَبِهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَظْهَرُ، وَهُوَ أَنَّهَا لَهَا فَلَا تَسْتَحِقُّ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَيْضًا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. فَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ لَمْ تَجِبْ لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا وَجَبَتْ، أَعْنِي: فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ صُورَةُ النُّشُوزِ، وَقَدَرُ الْوَاجِبِ أَيْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، فَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ فَالْوَاجِبُ الْكِفَايَةُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ.
وَإِنْ قُلْنَا لَهَا: فَالْوَاجِبُ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَجِبُ حَالَةَ الْعِصْمَةِ، وَيَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَالتَّوَسُّطِ، وَهَذَا أَيْضًا فِي غَيْرِ صُورَةِ النُّشُوزِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّاشِزَ لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَالْفُرُوعُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ فَرْعًا، سُقْتُهَا فِي تَأْلِيفِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَأَنْكَرَتْ فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْعَدَدِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ، لَكِنَّ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي النَّفَقَاتِ، لَوِ ادَّعَى الزَّوْجُ النُّشُوزَ وَأَنْكَرَتْ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النُّشُوزِ.
وَأَمَّا ثُبُوتُ مَوْتِ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِالْبَيِّنَةِ فَقَدْ رَجَّحُوا ثُبُوتَ الْحَمْلِ نَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ مَخَائِلَ وَقَرَائِنَ يَظْهَرُ بِهَا، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ مَوْتَهُ فِي الْبَطْنِ أَيْضًا يَثْبُتُ بِهَا؛ لِأَنَّ لِذَلِكَ مَخَائِلَ يَعْرِفُهَا النِّسَاءُ وَالْأَطِبَّاءُ، وَإِذَا ثَبَتَ مَوْتُهُ، أَوْ وُضِعَ مَيِّتًا اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ إِلَى آخِرِ يَوْمِ الْوَضْعِ، بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ أَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا لَا لِلْحَمْلِ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ صُورَةِ النُّشُوزِ، وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَقْدَحَ فِي الْبَيِّنَةِ بِالْفِسْقِ، وَيُفَسِّرَ ذَلِكَ بِالتَّقْصِيرِ فِي تَعَلُّمِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ قَادِحًا فِي عَدَالَتِهِ وَشَهَادَتِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُ تَعَلُّمُهُ إِجْمَاعًا، أَوْ فِي مُعْتَقَدِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا مَنْ لَا يَرَى لُزُومَ تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ لَمْ يَفْسُقْ بِتَرْكِ تَعَلُّمِهَا، وَكَذَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا فَإِنَّهُ يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ، وَيَأْتِي بِالْبَدَلِ فَلَا
стр. 260
يَفْسُقُ، وَإِذَا أَتَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِوَلَدٍ لَحِقَ الْمُطَلِّقَ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوِلَادَةِ وَالطَّلَاقِ أَرْبَعُ سِنِينَ فَأَقَلُّ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهَا فِرَاشٌ لِغَيْرِهِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ غَابَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَكَانٌ، فَأَثْبَتَتْ غَيْبَتَهُ عَلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ، وَعَدَمَ النَّفَقَةِ وَعَدَمَ مَالٍ لَهُ تُصْرَفُ لَهَا مِنْهُ نَفَقَتُهَا، فَخَيَّرَهَا الْحَاكِمُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْفَسْخِ، فَاخْتَارَتِ الْفَسْخَ، فَأَجَابَهَا الْحَاكِمُ وَفَسَخَ فَهَلْ يَجُوزُ هَذَا الْفَسْخُ أَمْ لَا؟ لِكَوْنِ الشُّهُودِ لَا يَعْلَمُونَ مَقَرَّ الزَّوْجِ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ بِإِعْسَارِهِ؟ .
الْجَوَابُ: قَالَ ابن العماد فِي كِتَابِهِ تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ عَلَى غَوَامِضِ الْأَحْكَامِ: فَرْعٌ: إِذَا تَحَقَّقَ الشُّهُودُ إِعْسَارَ الزَّوْجِ، ثُمَّ غَابَ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَادَّعَتِ امْرَأَتُهُ إِعْسَارَهُ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ الْآنَ مُعْسِرٌ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى احْتِمَالِ طُرُوءِ الْيَسَارِ - قَالَهُ ابن الصلاح فِي فَتَاوِيهِ، قَالَ: وَلَا يَكْفِي الشُّهُودَ أَنْ يَقُولُوا: نَشْهَدُ أَنَّهُ غَابَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ الْآنَ مُعْسِرٌ، وَنَظِيرُهُ الشَّهَادَةُ بِالْمَوْتِ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ، لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَا أَنَّهُ مَاتَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَاتَ، وَيَجُوزُ لَهُمُ الْجَزْمُ اعْتِمَادًا عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، قَالَ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا لَوْ رَأَى الشَّاهِدُ إِنْسَانًا أَقْرَضَ غَيْرَهُ مَالًا، ثُمَّ غَابَ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَفَّاهُ فِيهَا، أَوْ أَبْرَأَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُقْرِضِ بِبَقَاءِ الْحَقِّ فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى احْتِمَالِ الْوَفَاةِ، انْتَهَى كَلَامُ ابن العماد، وَحِينَئِذٍ إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ عَرَفُوا إِعْسَارَهُ قَبْلَ غَيْبَتِهِ، ثُمَّ غَابَ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَقَرَّهُ فَشَهِدُوا بِأَنَّهُ مُعْسِرٌ الْآنَ فَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ، وَفَسْخُ الْحَاكِمِ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا صَحِيحٌ.
[النُّقُولُ الْمُشْرِقَةُ فِي مَسْأَلَةِ النَّفَقَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ، وَأَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهَا فِي مَنْزِلِهِ فَامْتَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَنَا لَا أَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِي، فَسَكَنَ مَعَهَا فِي مَنْزِلِهَا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ أَمْ لَا؟ وَأَقُولُ: عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إِلَى الزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا لَكِنْ يَسْتَخْدِمُهَا نَهَارًا وَيُسَلِّمُهَا لَيْلًا، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: لَا أُخْرِجُهَا مِنْ دَارِي، وَلَكِنْ أُخَلِّي لَكَ بَيْتًا لِتَدْخُلَهُ، وَتَخْلُوَ بِهَا فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ يَمْنَعَانِهِ دُخُولَ دَارِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ، كَمَا لَوْ قَالَتِ الْحُرَّةُ: أَدْخُلُ بَيْتِي وَلَا
стр. 261
أَخْرُجُ إِلَى بَيْتِكَ، وَالثَّانِي لِلسَّيِّدِ ذَلِكَ؛ لِتَدُومَ يَدُهُ عَلَى مِلْكِهِ، مَعَ تَمَكُّنِ الزَّوْجِ مِنْ حَقِّهِ، فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ - هَذِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ، أَوْ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا جَاءَ الزَّوْجُ، وَاسْتَمْتَعَ بِهَا فِي مَنْزِلِهَا، بِدَلِيلِ قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مَحَلَّ مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ فِيمَا إِذَا فَعَلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْحُرَّةِ الْمَقِيسُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْحُرَّةِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَفْعَلُ، وَمَسْأَلَةُ الْأَمَةِ فِيمَا إِذَا فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ، كَمَا لَا يَخْفَى؛ إِذِ الْفَارِقُ حِينَئِذٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِوُجُودِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي هَذَا دُونَ هَذَا، فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأَمَةِ أَيْضًا مَحَلُّهَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَفْعَلْ.
قُلْنَا: قَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ أَخْلَى السَّيِّدُ فِي دَارِهِ بَيْتًا، وَقَالَ لِلزَّوْجِ: تَخْلُو بِهَا فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ يَمْنَعَانِهِ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ - هَذَا لَفْظُهُ، وَيُقَوِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِيمَا إِذَا لَمْ يَدْخُلْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَوْلٌ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَالشَّرْحُ كَمَا تَرَى، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا دَخَلَ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَسْأَلَةِ مَا إِذَا اسْتَخْدَمَهَا السَّيِّدُ نَهَارًا، وَسَلَّمَهَا لِلزَّوْجِ لَيْلًا، وَالْمُرَجَّحُ فِي تِلْكَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ مَعَ دُخُولِهِ وَاسْتِمْتَاعِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَكَذَا هَذِهِ، بَلْ هَذِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهَا أَضْيَقُ مِنْ تِلْكَ، فَإِنَّهُ هُنَاكَ تَسَلَّمَهَا نِصْفَ تَسْلِيمٍ؛ وَهُوَ اللَّيْلُ كُلُّهُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهُنَا لَمْ يَتَسَلَّمْهَا أَصْلًا، وَيُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنَ الْأَوْلَوِيَّةِ أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ لَا أُسَلِّمُهَا إِلَيْكَ نَهَارًا بَلْ لَيْلًا فَقَطْ مَقْبُولٌ مِنْهُ وَمُجَابٌ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: " لَا أُخْرِجُهَا مِنْ دَارِي، وَلَكِنْ أُخَلِّي لَكَ بَيْتًا فِيهَا " غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ وَلَا مُجَابٍ إِلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجَ نَفَقَةٌ فِي حَالَةٍ مُجَابٌ إِلَيْهَا السَّيِّدُ شَرْعًا، فَكَيْفَ يَتَخَيَّلُ أَنَّ تَلْزَمَهُ النَّفَقَةُ فِي حَالَةٍ لَا يُجَابُ السَّيِّدُ إِلَيْهَا شَرْعًا - هَذَا مَا أَفْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: لَوْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَا أُمَكِّنُ إِلَّا فِي بَيْتِي، أَوْ فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ بَلَدِ كَذَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ، وَعَبَّرَ الرافعي فِي الشَّرْحِ بِأَوْضَحَ مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، فَقَالَ: وَلَوْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَا أُمَكِّنُ إِلَّا فِي بَيْتِي، أَوْ فِي بَيْتِ كَذَا، أَوْ بَلَدِ كَذَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ التَّامَّ لَمْ يُوجَدْ، وَهَذَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ، وَشَرَطَ أَنْ لَا يَنْقُلَهُ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا هَذِهِ عِبَارَةُ الرافعي فَانْظُرْ كَيْفَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ التَّمْكِينَ التَّامَّ لَمْ يُوجَدْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَ تَمْكِينٌ نَاقِصٌ، وَالتَّمْكِينُ النَّاقِصُ لَا تَجِبُ مَعَهُ نَفَقَةٌ وَإِنِ اسْتَمْتَعَ الزَّوْجُ، كَمَا عَلَّلُوا بِهِ مَسْأَلَةَ الْأَمَةِ إِذَا اسْتَخْدَمَهَا السَّيِّدُ نَهَارًا وَأَسْلَمَهَا لِلزَّوْجِ لَيْلًا فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ مَعَ رِضَاهُ بِهِ، وَإِجْبَارِهِ عَلَيْهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْكِينٍ تَامٍّ، وَانْظُرْ أَيْضًا كَيْفَ شَبَّهَهُ الرافعي بِمَسْأَلَةِ تَسْلِيمِ
стр. 262
الْبَائِعِ الْمَبِيعَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُلَهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ تَسْلِيمًا تَامًّا وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ رَاجَعْنَا كِتَابَ التَّتِمَّةِ للمتولي، فَوَجَدْنَا عِبَارَتَهُ أَوْضَحَ مِنْ عِبَارَةِ الرافعي، وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْكُتُبَ الْأُصُولَ تُبْسَطُ فِيهَا الْعِبَارَةُ بَسْطًا لَا يَبْقَى مَعَهُ إِشْكَالٌ عَلَى قَاصِرِي الْفَهْمِ، وَالْكُتُبُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْهَا تَكُفُّ فِيهَا الْعِبَارَةُ اتِّكَالًا عَلَى فَهْمِ الْفَطِنِ، أَوْ تَوْقِيفِ الْمُوقِفِ، وَلَمَّا كَانَتِ الرَّوْضَةُ مَأْخُوذَةً مِنَ الشَّرْحِ كَانَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ أَوْضَحَ مِنْ عِبَارَتِهَا، وَلَمَّا كَانَ الشَّرْحُ مَأْخُوذًا مِنْ مِثْلِ التَّتِمَّةِ وَنَحْوِهَا كَانَتْ عِبَارَتُهُمْ أَوْضَحَ، وَعِبَارَةُ التَّتِمَّةِ نَصُّهَا: التَّسْلِيمُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنَا فِي طَاعَتِكَ فَخُذْنِي إِلَى أَيِّ مَكَانٍ شِئْتَ، فَإِذَا أَظْهَرَتِ الطَّاعَةَ مِنْ نَفْسِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ جُعِلَتْ مُمَكِّنَةً، سَوَاءٌ تَسَلَّمَهَا الزَّوْجُ أَوْ لَمْ يَتَسَلَّمْهَا، فَأَمَّا إِذَا قَالَتْ: أُسَلِّمُ نَفْسِي إِلَيْكَ فِي مَنْزِلِي أَوْ فِي مَوْضِعِ كَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَكُنْ هَذَا تَسْلِيمًا تَامًّا، كَالْبَائِعِ إِذَا قَالَ لِلْمُشْتَرِي: أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ إِلَيْكَ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَنْقُلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، أَوْ عَلَى شَرْطِ أَنْ تَتْرُكَهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا لِلْمَبِيعِ، حَتَّى يَجِبَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ عَلَى قَوْلِنَا: تَجِبُ الْبِدَايَةُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ - هَذَا نَصُّ التَّتِمَّةِ بِحُرُوفِهِ، وَمِنْهُ أَخَذَ الرافعي.
وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ: لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِلزَّوْجِ: أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَنْزِلِي مَتَى شِئْتَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَلَكِنِّي لَا أُمَكِّنُ الْجَارِيَةَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِي، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ فِيهَا حَقًّا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُكَلَّفَ إِزَالَةَ يَدِهِ، وَالزَّوْجُ قَدْ يُمَكَّنُ مِنْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَحْتَشِمُ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَا يُكْمِلُ التَّسْلِيمَ - هَذِهِ عِبَارَتُهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ عَلَّلَ الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ، الَّذِي هُوَ الْمُصَحَّحُ فِي الرَّوْضَةِ بِعَدَمِ كَمَالِ التَّسْلِيمِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّسْلِيمَ فِي مَسْأَلَةِ لَوْ أَخْلَى فِي دَارِهِ بَيْتًا كَامِلًا، إِذْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ تَسْلِيمِهَا لَيْلًا لَا نَهَارًا؛ فَإِنَّهُ نَاقِصٌ فِيهَا، فَهَا أَنْتَ قَدْ رَأَيْتَ تَصْرِيحَ المتولي بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ المتولي أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْحُرَّةِ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَا إِذَا قَالَتْ: أُسَلِّمُ نَفْسِي لَيْلًا، وَبَيْنَ مَا إِذَا قَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي إِلَّا فِي بَيْتِي، فَقَالَ مَا نَصُّهُ: الثَّالِثَ عَشَرَ: السَّيِّدُ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ، فَإِنْ سَلَّمَهَا إِلَى الزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا، وَأَمَّا إِنْ سَلَّمَهَا لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ تَسْلِيمٌ نَاقِصٌ فَلَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، كَالْحُرَّةِ إِذَا قَالَتْ: أُسَلِّمُ نَفْسِي لَيْلًا، أَوْ قَالَتْ: أُسَلِّمُ نَفْسِي فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ، وَالثَّانِي: تَجِبُ النَّفَقَةُ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنَّ يُسَافِرَ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْأَمَةِ، فَانْظُرْ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَى هَذَا التَّصْرِيحِ الْمُطَابِقِ لِمَا فَهِمْنَاهُ، وَكَيْفَ قَطَعَ بِعَدَمِ وُجُوبِ
стр. 263
النَّفَقَةِ فِي الْحُرَّةِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: التَّسْلِيمُ لَيْلًا، وَالتَّسْلِيمُ فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَمَةِ، حَيْثُ [جَرَى] الْخِلَافُ فِيهَا بِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الْمُسَافَرَةَ بِالْحُرَّةِ، فَكَانَ امْتِنَاعُهَا مِنَ النُّقْلَةِ نُشُوزًا كَامْتِنَاعِهَا مِنَ الْمُسَافَرَةِ مَعَهُ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُسَافَرَةَ بِالْأَمَةِ، فَجَرَى وَجْهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَقْلَهَا فَلَمْ يَكُنْ نُشُوزًا، وَلَا مُسْقِطًا لِلنَّفَقَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ النووي أَيْضًا فِي الرَّوْضَةِ بِالتَّفْرِقَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَالَ: لَوْ سَامَحَ السَّيِّدُ فَسَلَّمَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فَعَلَى الزَّوْجِ تَسْلِيمُ الْمَهْرِ، وَتَمَامُ النَّفَقَةِ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَّا لَيْلًا فَهَلْ تَجِبُ جَمِيعُ النَّفَقَةِ، أَوْ نِصْفُهَا أَمْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ فِيمَا إِذَا سَلَّمَتِ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا لَيْلًا، وَاشْتَغَلَتْ عَنِ الزَّوْجِ نَهَارًا. قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْجَزْمُ فِي الْحُرَّةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي هَذَا الْحَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَانْظُرْ كَيْفَ صَحَّحَ طَرِيقَةَ الْجَزْمِ فِي الْحُرَّةِ مَعَ إِجْرَاءِ الْخِلَافِ فِي الْأَمَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَيْفَ يَدْخُلُ وَيَسْتَمْتِعُ فِي غَيْرِ مُقَابِلٍ؟ فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَهْرِ، وَقَدْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْمَهْرُ فَقَالَ الشَّيْخُ أبو حامد: لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ كَالنَّفَقَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي أبو الطيب: يَجِبُ، قَالَ ابن الصباغ: لِأَنَّ التَّسْلِيمَ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ الْوَطْءِ قَدْ حَصَلَ وَلَيْسَ كَالنَّفَقَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْوُجُوبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَيَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ؟ قُلْنَا: الِاسْتِمْتَاعُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَهْرِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَكَيْفَ يَتَخَيَّلُ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِمُطْلَقِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ: وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ إِلَّا بِالتَّمْكِينِ التَّامِّ؟ قَالَ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ: احْتَرَزَ الشَّيْخُ بِلَفْظِ التَّامِّ عَمَّا إِذَا قَالَتْ: أَنَا أُسَلِّمُ نَفْسِي إِلَيْكَ لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ، وَفِي نَهَارٍ دُونَ اللَّيْلِ، أَوْ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ فِي الْمَنْزِلِ الْفُلَانِيِّ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ بِذَلِكَ؛ إِذْ لَمْ يَحْصُلِ التَّمْكِينُ الْمُقَابِلُ بِالنَّفَقَةِ، وَقَالَ: وَصُورَةُ التَّمْكِينِ التَّامِّ أَنْ تَقُولَ: سَلَّمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، فَإِنِ اخْتَرْتَ أَنْ تَصِيرَ إِلَيَّ وَتَأْخُذَنِي وَتَسْتَمْتِعَ بِي فَذَاكَ إِلَيْكَ، وَإِنِ اخْتَرْتَ جِئْتُ إِلَيْكَ فِي أَيِّ مَكَانٍ شِئْتَ أَوْ مَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ فِي الْمُهَذَّبِ: إِذَا سُلِّمَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا وَمُكِّنَّ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَنَقَلَهَا إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا، فَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، أَوْ مَكَّنَتْ مِنَ اسْتِمْتَاعٍ دُونَ اسْتِمْتَاعٍ، أَوْ فِي مَنْزِلٍ دُونَ مَنْزِلٍ، أَوْ فِي بَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ لَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّمْكِينُ التَّامُّ فَلَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ، كَمَا لَا يَجِبُ ثَمَنُ الْمَبِيعِ إِذَا امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، أَوْ سَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ.
стр. 264
وَعِبَارَةُ ابن الصباغ فِي الشَّامِلِ: فَإِذَا مَكَّنَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ نَفْسِهَا بِأَنْ تَقُولَ: سَلَّمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ فِي أَيِّ مَكَانٍ شِئْتَ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، فَأَمَّا إِذَا قَالَتْ: أُسَلِّمُ نَفْسِي إِلَيْكَ فِي مَنْزِلِي، أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ هَذَا تَسْلِيمًا تَامًّا، وَلَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: أُسَلَّمُ إِلَيْكَ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ تَتْرُكَهَا فِي مَوْضِعِهَا، أَوْ فِي مَكَانٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمَ الْعِوَضِ إِلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ السَّيِّدَ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ وَسَلَّمَهَا لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ لَمْ تُسْتَحَقَّ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ التَّسْلِيمُ التَّامُّ.
وَعِبَارَةُ المحاملي فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالتَّمْكِينِ التَّامِّ الْمُسْتَنِدِ إِلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ: مَكَّنْتُكَ مِنْ نَفْسِي، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَتْرُكَنِي فِي مَنْزِلِي فَافْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَنْقُلَنِي إِلَى حَيْثُ شِئْتَ فَافْعَلْ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَمْكِينًا تَامًّا، بِأَنْ قَالَتْ: أُمَكِّنُكَ مِنْ نَفْسِي فِي مَنْزِلِي، وَلَا أَنْتَقِلُ مَعَكَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ بِحَالٍ، كَالسَّيِّدِ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، بَلْ قَالَ: أُسَلِّمُهَا بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ بِذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ أَبِي عَصْرُونَ فِي الْمُرْشِدِ: إِذَا سُلِّمَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا وَمُكِّنَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَنَقَلَهَا إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، أَوْ مَكَّنَتْ مِنِ اسْتِمْتَاعٍ دُونَ اسْتِمْتَاعٍ، أَوْ فِي مَنْزِلٍ دُونَ مَنْزِلٍ، أَوْ فِي بَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ لَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ.
وَعِبَارَةُ سليم الرازي فِي الْكِفَايَةِ: وَإِذَا لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا إِلَى الزَّوْجِ لَمْ تَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ نَفَقَةً، وَسَوَاءٌ امْتَنَعَتْ مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ، أَوْ قَالَتْ: أَنْتَقِلُ مَعَكَ إِلَى مَحَلَّةٍ دُونَ مَحَلَّةٍ، وَهَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَ بِهَا وَسَكَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَمْ يَطْلُبِ الزَّوْجُ أَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا، وَلَمْ تَطْلُبْ هِيَ أَنْ يَتَسَلَّمَهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ، وَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إِلَيْهِ، بِأَنْ تَقُولَ: بَذَلْتُ نَفْسِي لَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَرَدَّدَ إِلَيَّ فَافْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَنْقُلَنِي إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَدْتَ فَافْعَلْ، وَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ.
وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الْبَيَانِ: إِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهَا مَعَ زَوْجِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهَا مَعَهُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، فَإِنِ اخْتَارَ السَّيِّدُ إِرْسَالَهَا لِزَوْجِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ جَمِيعُ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ التَّامُّ، وَإِنْ سَلَّمَهَا السَّيِّدُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ نَفَقَتِهَا،
стр. 265
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهَا تَسْلِيمًا تَامًّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ سَلَّمَتِ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، أَوْ فِي بَيْتٍ دُونَ بَيْتٍ.
وَعِبَارَةُ الشَّاشِيِّ فِي الْعُمْدَةِ: إِذَا سُلِّمَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِمْتَاعِ وَمُكِّنَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَنَقَلَهَا حَيْثُ يُرِيدُ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَكَذَا عِبَارَتُهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّرْغِيبِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ فِي الْحَاوِي مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا التَّمْكِينُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرَيْنِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِمَا، أَحَدُهُمَا: تَمْكِينُهُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَالثَّانِي: تَمْكِينُهُ مِنَ النُّقْلَةِ مَعَهُ حَيْثُ شَاءَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فِيهِ، وَإِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْبِلَادِ إِذَا كَانَتِ السُّبُلُ مَأْمُونَةً، فَلَوْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنَ النُّقْلَةِ مَعَهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ لَمْ يَكْمُلْ إِلَّا أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا فِي زَمَانِ الِامْتِنَاعِ مِنَ النُّقْلَةِ، فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ، وَيَصِيرُ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا عَفْوًا عَنِ النُّقْلَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَا مَنْ أَفْتَى بِخِلَافِ مَا أَفْتَيْنَا بِهِ، بَلْ أَنَا لَمَّا رَأَيْتُهَا تَوَقَّفَتْ كُلَّ التَّوَقُّفِ، ثُمَّ بَانَ لِي أَنَّهَا لَا تُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْتُ الْمَاوَرْدِيَّ اخْتَارَ فِي النَّفَقَةِ طَرِيقَةً ضَعِيفَةً خِلَافَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي صَحَّحَهَا الشَّيْخَانِ، وَاعْتَرَفَ هُوَ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَلِظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو اسْتِمْتَاعٌ بِزَوْجَةٍ عَنْ نَفَقَةٍ وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ، وَاخْتَارَ فِي الْأَمَةِ إِذَا سُلِّمَتْ لَيْلًا لَا نَهَارًا أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا الْقِسْطُ مِنَ النَّفَقَةِ، وَقَالَ فِي الْحُرَّةِ الْمُمْتَنِعَةِ مِنَ النُّقْلَةِ: إِذَا اسْتَمْتَعَ بِهَا يَجِبُ لَهَا نَفَقَةُ زَمَنِ الِاسْتِمْتَاعِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْأَمَةِ: بِالتَّقْسِيطِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الْأُمَّةِ ضَعِيفَةٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا أَصْلًا.
وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيِّ: قَالَ: الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُمَكِّنَهَا مِنْهَا لَيْلًا فِي زَمَانِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهَا نَهَارًا فِي زَمَانِ الِاسْتِخْدَامِ، فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ فِي فَسْخِ نِكَاحِهَا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِرِقِّهَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرٌّ فِي نِكَاحِ الْأُمَّةِ، وَفِي نَفَقَتِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا - أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِقُصُورِ اسْتِمْتَاعِهِ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا بِقِسْطِهِ مِنْ زَمَانِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الزَّوْجِ عَشَاؤُهَا، وَعَلَى السَّيِّدِ غَدَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْعَشَاءَ يُرَادُ لِزَمَانِ اللَّيْلِ، وَالْغَدَاءَ يُرَادُ لِزَمَانِ النَّهَارِ، وَعَلَيْهِ مِنَ الْكُسْوَةِ مَا تَتَدَثَّرُ بِهِ لَيْلًا، وَعَلَى السَّيِّدِ مِنْهُ مَا تَلْبَسُهُ نَهَارًا، وَإِنَّمَا تَقَسَّطَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ وُجُودِ الِاسْتِمْتَاعِ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ اسْتِمْتَاعٌ بِزَوْجَةٍ مِنِ اسْتِحْقَاقِ نَفَقَةٍ - هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ، فَانْظُرْ كَيْفَ رَجَّحَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ خِلَافَ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ، وَكَيْفَ قَالَ فِي الْأَوَّلِ: أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَفِيمَا رَجَّحَهُ الْأَظْهَرُ
стр. 266
عِنْدِي إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لَهُ خَارِجٌ عَمَّا رَجَّحَهُ الْجُمْهُورُ، وَانْظُرْ كَيْفَ بَنَى أَصْلَهُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ لَا يَخْلُو مِنْ نَفَقَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُمُ الشَّيْخَانِ، فَعَرَفَ أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ فِي الْحُرَّةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ هُوَ لَا عَلَى طَرِيقَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ بِوَرَقَتَيْنِ: فَإِنْ بَوَّأَهَا مَعَهُ السَّيِّدُ مَنْزِلًا لَيْلًا وَنَهَارًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَكَانَ السَّيِّدُ مُتَعَدِّيًا بِمَنْعِهَا مِنْهُ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، وَإِنْ بَوَّأَهَا مَعَهُ لَيْلًا، وَاسْتَخْدَمَهَا نَهَارًا لَمْ يَتَعَدَّ، وَفِي نَفَقَتِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ المروزي - وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُهَا، وَالثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي - أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ بِقِسْطِهَا مِنْ زَمَانِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، وَهُوَ مَا قَابَلَ الْعَشَاءَ دُونَ الْغَدَاءِ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ: إِنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ كَمَا تَقَدَّمَتْ عِبَارَتُهُ، ثُمَّ تَأَمَّلْ عِبَارَةَ الْمَاوَرْدِيِّ السَّابِقَةَ فِي الْحُرَّةِ، تَجِدْهُ لَمْ يُوجِبْ لَهَا النَّفَقَةَ فِي كُلِّ الْأَيَّامِ، إِنَّمَا أَوْجَبَ لَهَا نَفَقَةً زَمَنَ الِاسْتِمْتَاعِ خَاصَّةً، لِقَوْلِهِ: وَيَصِيرُ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا عَفْوًا عَنِ النُّقْلَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا إِذَا اسْتَمْتَعَ فِي يَوْمٍ نَفَقَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ كُلِّهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا اسْتَمْتَعَ بِهَا فِي مَنْزِلِهَا أَيَّامًا وَتَرَكَ ذَلِكَ أَيَّامًا، أَوْ غَابَ عَنْهَا فِي الْبَلَدِ، أَوْ فِي سَفَرٍ لَمْ تَسْتَحِقَّ نَفَقَةَ أَيَّامِ الْغَيْبَةِ وَلَا أَيَّامَ تَرْكِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَنْزِلِهِ لَاسْتَحَقَّتْ نَفَقَةَ هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا، وَهَذَا أَغْلَظُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَاوَرْدِيِّ وَهِيَ كَالصَّرِيحَةِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا اسْتَمْتَعَ بِهَا فِي يَوْمٍ لَمْ تَجِبْ نَفَقَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ كُلِّهِ بَلْ بِالْقِسْطِ، فَإِنِ اسْتَمْتَعَ فِي النَّهَارِ لَزِمَهُ غَدَاؤُهَا دُونَ الْعَشَاءِ، أَوْ فِي اللَّيْلِ لَزِمَهُ عَشَاؤُهَا دُونَ الْغَدَاءِ، كَمَا هُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الْأَمَةِ، وَهَذَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: وَيَصِيرُ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا عَفْوًا عَنِ النُّقْلَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَيْ: فِي زَمَنِ الِاسْتِمْتَاعِ خَاصَّةً، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا نَفَقَتُهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ، وَالنَّفَقَةَ عِنْدَهُ تَقْسِيطٌ، فَيَجِبُ مَا قَابَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ فَقَطْ إِمَّا الْغَدَاءُ أَوِ الْعَشَاءُ، وَتَبْقَى سَائِرُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا وَهِيَ مُمْتَنِعَةٌ غَيْرُ عَفْوٍ فَلَا يَجِبُ لَهَا شَيْءٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ تَحْتَمِلُهُ عِبَارَتُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَصْلُ الْعِبَارَةِ مَعْنًى ثَالِثًا: وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ الَّتِي قَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ إِلَّا فِي بَيْتِي، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَنْ سَلَّمَتْ فِي مَنْزِلِهِ، وَبَذَلَتْ لَهُ الطَّاعَةَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى مَنْزِلٍ آخَرَ، أَوْ يُسَافِرَ بِهَا إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَامْتَنَعَتْ، فَإِنَّهُ مَا دَامَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فِي مَنْزِلِهِ الْأَوَّلِ يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ اسْتِصْحَابًا لِلطَّاعَةِ السَّابِقَةِ، وَالتَّسْلِيمِ السَّابِقِ مَعَ تَقْوِيَتِهِ بِالِاسْتِمْتَاعِ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ إِلَّا فِي بَيْتِي فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ قَهْرِهِ وَطَاعَتِهِ أَصْلًا، فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا نَفَقَةً، بَلْ هُوَ فِي
стр. 267
هَذِهِ الصُّورَةِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِهَا خِلَافَ مَوْضُوعِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ لِلسَّاكِنِ بِزَوْجَتِهِ فِي بَيْتِ نَفْسِهِ مِنَ الرَّاحَةِ وَالْعِزِّ وَالسُّلْطَةِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ مَا لَيْسَ لِلسَّاكِنِ فِي بَيْتِ زَوْجَتِهِ أَوْ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ أَمِيرًا فِي بَيْتِ غَيْرِهِ وَالزَّوْجُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَاسَطَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ، وَرَفْعِ الْحِشْمَةِ مَعَهَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى لَهُ وَهِيَ فِي مَنْزِلِ أَهْلِهَا، خُصُوصًا إِذَا كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً تَجْمَعُ الْجَمِيعَ، وَهِيَ فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِهَا وَإِنِ اسْتَقَلَّتْ بِمَرَافِقِهَا، هَذَا أَمْرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ.
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي بَعْضِ الْأَجْزَاءِ الْحَدِيثِيَّةِ أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: إِنَّمَا أَحْزَنُ عَلَى السَّاكِنِ فِي بَيْتِ زَوْجَتِهِ، وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ سَنَدُهُ، وَسَأَتْبَعُهُ وَأَلْحَقُهُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ عَنْ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ شرف الدين المناوي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيمَا إِذَا امْتَنَعَتِ الزَّوْجَةُ مِنَ النُّقْلَةِ، وَسَكَنَ الزَّوْجُ فِي بَيْتِهَا: يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهَا النُّقْلَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ لِيَتَحَقَّقَ امْتِنَاعُهَا، فَإِذَا امْتَنَعَتْ سَقَطَتْ نَفَقَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ نُشُوزَ لَحْظَةٍ فِي الْيَوْمِ يُسْقِطُ نَفَقَةَ كُلِّ الْيَوْمِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَيْخُنَا تَحْقِيقًا مِنْ عِنْدِهِ، قَصَدَ بِهِ أَنْ يَتَحَقَّقَ امْتِنَاعُهَا مِنَ النُّقْلَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ رَجَعَتْ عَنِ الِامْتِنَاعِ، وَيَكُونَ سَكَنُ الزَّوْجِ فِي مَنْزِلِهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، وَهِيَ بِحَيْثُ لَوْ طَلَبْتَ مِنْهَا لَأَجَابَتْ، فَإِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ بِلَا شَكٍّ، وَالَّذِي أَقُولُهُ: أَنَّ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاسْتِظْهَارِ، لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لِأَجْلِ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ إِلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ مِنْهَا الطَّاعَةَ صَرِيحًا.
تَذْنِيبٌ: ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْأَمَةَ الْمَوْقُوفَةَ يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ نَاظِرٌ خَاصٌّ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نَاظِرٌ خَاصٌّ فَهُوَ الَّذِي يُزَوِّجُ، قَالَ ابن العماد فِي " تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ عَلَى غَوَامِضِ الْأَحْكَامِ ": وَقَدِ اغْتَرَّ صَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ بِمَقَالَةِ الْمَاوَرْدِيِّ، فَجَعَلَهَا تَقْيِيدًا لِإِطْلَاقِهِمْ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ بَنَى جَوَابَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ التَّزْوِيجِ تَابِعَةٌ لِوِلَايَةِ الْمَالِ - وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ - وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ، والرافعي نَقَلَ هُنَا عَنِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ انْتَهَى، وَهَذَا نَظِيرُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ بَنَى جَوَابَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو اسْتِمْتَاعٌ بِزَوْجَةٍ مِنِ اسْتِحْقَاقِ نَفَقَةٍ حَتَّى إِنَّهُ أَوْجَبَ لِلْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ لَيْلًا لَا نَهَارًا شَطْرَ النَّفَقَةِ - وَهُوَ خِلَافُ الْمُصَحَّحِ فِي الْمَذْهَبِ - وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، فَلَا يَغْتَرَّنَّ أَحَدٌ بِذَلِكَ، وَيَجْعَلْهُ تَقْيِيدًا لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ فَتَأْنَسْ بِذَلِكَ.
تَأْكِيدٌ: وَقَدِ اخْتَارَ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا وُجُوبَ النَّفَقَةِ فِي مَسَائِلَ، عَلَى خِلَافِ مَا رَجَّحَهُ
стр. 268
الْأَكْثَرُونَ، وَالشَّيْخَانِ، قَالَ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ: لَوْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ فِي حَاجَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِالْإِذْنِ وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدَ الْمَاوَرْدِيِّ، وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمَكِّنَةٍ، وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ ابن الرفعة أَيْضًا: لَوْ صَامَتْ تَطَوُّعًا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَفِي وَجْهٍ لَا تَسْقُطُ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ لَمْ يَدْعُهَا إِلَى الْخُرُوجِ بِالِاسْتِمْتَاعِ فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا، وَإِنْ دَعَاهَا فَأَبَتْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَلَا؛ لِقُرْبِ الزَّمَانِ.
قَالَ ابن الرفعة: وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ دَعَاهَا إِلَى الْخُرُوجِ بِغَيْرِ الِاسْتِمْتَاعِ فَلَمْ تَفْعَلْ كَانَتْ عَلَى حَقِّهَا، وَهَذَا وَجْهٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ فِي الْعِدَّةِ، قَالَ الرافعي: وَقَدِ اسْتَحْسَنَ الروياني هَذَا التَّفْصِيلَ، وَالْأَكْثَرُونَ سَكَتُوا عَنْهُ انْتَهَى.
فَانْظُرْ: إِلَى هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ كَيْفَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِمَا بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ؛ مَشْيًا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا تَخْلُو زَوْجَةٌ عَنْ نَفَقَةٍ، وَانْظُرْ إِلَى الرافعي كَيْفَ لَمْ يَعْتَبِرْ تَفْصِيلَهُ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي، وَلَا قَيَّدَ بِهِ إِطْلَاقَ الْأَصْحَابِ، بَلْ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْأَكْثَرِينَ سَكَتُوا عَنْهُ.
وَهَكَذَا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ فِيهَا عَدَمَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِمَا إِذَا اسْتَمْتَعَ، وَلَمْ أَرَ هَذَا الْقَيْدَ إِلَّا فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَحْدَهُ؛ جَرْيًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ فَتَفَطَّنْ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْفِطْنَةِ، وَإِلَّا فَخَلِّ الْهَوَى لِرِجَالِهِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لَيْسَ بِمُعْتَمِدٍ أَنَّ الرافعي لَمْ يُعَوِّلْ عَلَى ذِكْرِهِ، بَلْ أَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ كَمَا أَطْلَقَهَا سَائِرُ الْأَصْحَابِ، وَكَذَا ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ أَصْلًا، مَعَ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ مَا أَغْفَلَهُ الرافعي مِنَ الْقُيُودِ وَالتَّخْصِيصَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ رَآهُ مُفَرَّعًا عَلَى طَرِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ، فَأَعْرَضَ عَنِ التَّشَاغُلِ بِهِ.
وَإِذْ قَدِ انْتَهَى الْقَوْلُ فِيمَا أَوْرَدْنَاهُ، فَلْنُلَخِّصِ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَنَقُولُ: إِذَا سَكَنَ الزَّوْجُ فِي بَيْتِ زَوْجَتِهِ أَوْ عِنْدَ أَهْلِهَا فَلَهُ أَحْوَالٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ هُوَ الطَّالِبَ لِذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ أَوْ أَهْلُهَا كَارِهُونَ لِذَلِكَ، مُرِيدُونَ مِنْهُ أَنْ يَنْقُلَ زَوْجَتَهُ إِلَى مَكَانٍ يَسْتَأْجِرُهُ، فَهَذَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَأُجْرَةُ الْمَنْزِلِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَفِي الْمُحِيطِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهَا إِذَا مَنَعَتْهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي مَنْزِلِهَا، وَقَدْ سَأَلَتْهُ أَنْ يُحَوِّلَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ لَا تَكُونُ نَاشِزَةً، وَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَهُوَ وَاضِحٌ.
стр. 269
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تُعْرِضَ الْمَرْأَةُ، أَوْ أَهْلُهَا ذَلِكَ عَلَيْهِ عَرْضًا مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنَ النُّقْلَةِ مَعَهُ فَيَرْضَى بِذَلِكَ فَهَذَا أَيْضًا لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهَا بِحَيْثُ لَوْ طَلَبَ مِنْهَا النُّقْلَةَ إِلَى مَنْزِلِهِ لَأَجَابَتْ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ بِعَيْنِهَا مُصَرَّحٌ بِهَا فِي الْكِفَايَةِ لسليم الرازي، وَمَأْخُوذَةٌ مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، وَهَلْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أُجْرَةُ الْمَنْزِلِ؟ يُنْظَرُ، فَإِنْ صَرَّحَ بِعَقْدِ إِجَارَةٍ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ، أَوْ صَرَّحَ بِإِبَاحَةِ السُّكْنَى لَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ، وَإِنْ سَكَتَ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ عِنْدِي، ثُمَّ رَأَيْتُ ابن العماد جَزَمَ فِي تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ، بِأَنَّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ لِمُدَّةِ مَقَامِهِ مَعَهَا، قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الْمَنْعِ أَعَمُّ مِنَ الْإِذْنِ، فَإِنْ أَذِنَتْ فَلَا أُجْرَةَ لِمُدَّةِ سَكْتٍ انْتَهَى.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَطْلُبَ الزَّوْجُ تَحْوِيلَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ، وَتَمْتَنِعُ هِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَقُولُ: لَا أُسَلِّمُ إِلَّا فِي مَنْزِلِي فَيَأْتِي إِلَى مَنْزِلِهَا، وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ مَحَلُّ الْكَلَامِ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحِ، وَالتَّتِمَّةِ، وَسَائِرِ كُتُبِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ لَهَا النَّفَقَةَ مُطْلَقًا، بَلْ نَفَقَةَ زَمَنِ الِاسْتِمْتَاعِ خَاصَّةً دُونَ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا، أَوْ غَابَ عَنْهَا عَلَى خِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ فِي مَنْزِلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْزِيهُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ تَسْفِيهِ الْأَغْبِيَاءِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَمَّا بَعْدُ أَحْمَدُ اللَّهَ غَافِرَ الزَّلَّاتِ، وَمُقِيلَ الْعَثَرَاتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ النُّجُومِ النَّيِّرَاتِ، فَهَذَا جُزْءٌ سَمَّيْتُهُ: " تَنْزِيهَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ تَسْفِيهِ الْأَغْبِيَاءِ " وَالسَّبَبُ فِي تَأْلِيفِهِ أَنَّهُ وَقَعَ أَنَّ رَجُلًا خَاصَمَ رَجُلًا فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا سَبٌّ كَثِيرٌ، فَقَذَفَ أَحَدُهُمَا عِرْضَ الْآخَرِ، فَنَسَبَهُ الْآخَرُ إِلَى رَعْيِ الْمِعْزَى، فَقَالَ لَهُ ذَاكَ: تَنْسُبُنِي إِلَى رَعْيِ الْمِعْزَى؟ فَقَالَ لَهُ وَالِدُ الْقَائِلِ: الْأَنْبِيَاءُ رَعَوُا الْمِعْزَى، أَوْ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الْمِعْزَى، وَذَلِكَ بِسُوقِ الْغَزْلِ، بِجِوَارِ الْجَامِعِ الطُّولُونِيِّ، بِحَضْرَةِ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعَوَامِّ، فَتَرَافَعُوا إِلَى الْحُكَّامِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ الْمَالِكِيَّ، فَقَالَ: لَوْ رُفِعَ إِلَيَّ ضَرَبْتُهُ بِالسِّيَاطِ، فَسُئِلْتُ مَاذَا يَلْزَمُ الَّذِي ذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَدِلًّا بِهِمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ؟ فَأَجَبْتُ: بِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَدِلَّ يُعَزَّرُ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ؛ لِأَنَّ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ أَجَلُّ مِنْ أَنْ
стр. 270
يُضْرَبَ مَثَلًا لِآحَادِ النَّاسِ وَلَمْ أَكُنْ عَرَفْتُ مَنْ هُوَ الْقَائِلُ ذَلِكَ، فَبَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ الشَّيْخُ شمس الدين الحمصاني إِمَامُ الْجَامِعِ الطُّولُونِيِّ، وَشَيْخُ الْقُرَّاءِ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ فِي اعْتِقَادِهِ، فَقُلْتُ: مِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ تُقَالُ عَثْرَتُهُ، وَتُغْفَرُ زَلَّتُهُ، وَلَا يُعَزَّرُ لِهَفْوَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُ.
وَكَتَبْتُ ثَانِيًا بِذَلِكَ، فَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا اسْتَنْكَرَ مِنِّي هَذَا الْكَلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَثْرَةٌ وَلَا مَلَامٌ، وَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاحِ الْمُطْلَقِ لَا ذَنْبَ فِيهِ وَلَا آثَامَ، وَاسْتَفْتَى عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ وَاقِعَةُ الْحَالِ فَخَرَّجُوهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عياض فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ؛ لِأَجْلِ ذِكْرِ لَفْظِ الِاسْتِدْلَالِ فِي الْجَوَابِ وَالسُّؤَالِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَشَرَّبَ قُلُوبُ الْعَوَامِّ هَذَا الْكَلَامَ، فَيُكْثِرُوا مِنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمُجَادَلَاتِ وَالْخِصَامِ، وَيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ عِبَارَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ؛ فَيُؤَدِّيهِمْ إِلَى أَنْ يَمْرُقُوا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَوَضَعْتُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةَ؛ نُصْحًا لِلدِّينِ وَإِرْشَادًا لِلْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَامُ.
وَلِنَبْدَأْ بِالْفَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عياض فِي الشِّفَا فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ جَمَعَ فِيهِ فَأَوْعَى، وَحَرَّرَ فَاسْتَوْفَى، قَالَ: فَصْلٌ الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا، وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا وَلَا سَبًّا، وَلَكِنَّهُ يَنْزِعُ بِذِكْرِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ، أَوْ يَسْتَشْهِدُ بِبَعْضِ أَحْوَالِهِ ﵊ الْجَائِزَةِ عَلَيْهِ فِي الدِّينِ، عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالْحُجَّةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِ، أَوْ عِنْدَ هَضِيمَةٍ نَالَتْهُ، أَوْ غَضَاضَةٍ لَحِقَتْهُ، لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ التَّأَسِّي وَطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، بَلْ عَلَى قَصْدِ التَّرْفِيعِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَعَدَمِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِ ﵊، أَوْ قَصْدِ الْهَزْلِ وَالتَّنْذِيرِ بِقَوْلِهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنْ قِيلَ فِي السُّوءِ فَقَدْ قِيلَ فِي النَّبِيِّ، وَإِنْ كُذِّبْتُ فَقَدْ كُذِّبَ الْأَنْبِيَاءُ، أَوْ إِنْ أَذْنَبْتُ فَقَدْ أَذْنَبُوا، وَأَنَا أَسْلَمُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ، أَوْ قَدْ صَبَرْتُ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ، أَوْ كَصَبْرِ أَيُّوبَ، أَوْ قَدْ صَبَرَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَى عِدَاهُ، وَحَلُمَ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا صَبَرْتُ، وَكَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي:
أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللَّهُ ... غَرِيبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُودَ
وَنَحْوِهِ مِنْ أَشْعَارِ الْمُتَعَجْرِفِينَ فِي الْقَوْلِ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي الْكَلَامِ، كَقَوْلِ الْمَعَرِّيِّ:
كَنْتُ مُوسَى وَافَتْهُ بِنْتُ شُعَيْبٍ ... غَيْرَ أَنْ لَيْسَ فِيكُمَا مِنْ فَقِيرِ.
عَلَى أَنَّ آخِرَ الْبَيْتِ شَدِيدٌ، وَدَاخِلٌ فِي بَابِ الْإِزْرَاءِ وَالتَّحْقِيرِ بِالنَّبِيِّ ﵊، وَتَفْضِيلِ حَالِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَوْلَا انْقِطَاعُ الْوَحْيِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... قُلْنَا مُحَمَّدُ مِنْ أَبِيهِ بَدِيلُ
стр. 271
هُوَ مِثْلُهُ فِي الْفَضْلِ إِلَّا أَنَّهُ
لَمْ يَأْتِهْ بِرِسَالَةٍ جِبْرِيلُ.
فَصَدْرُ الْبَيْتِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْفَصْلِ شَدِيدٌ؛ لِتَشْبِيهِهِ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضْلِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَالْعَجْزُ مُحْتَمَلٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ نَقَصَتِ الْمَمْدُوحَ، وَالْآخَرُ: اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْهَا، وَهَذِهِ أَشَدُّ، وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
وَإِذَا مَا رُفِعَتْ رَايَاتُهُ ... صَفَّقَتْ بَيْنَ جَنَاحَيْ جِبْرَئِيلَ.
وَقَوْلُ الْآخَرِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ:
فَرَّ مِنَ الْخُلْدِ وَاسْتَجَارَ بِنَا ... فَصَبَّرَ اللَّهُ قَلْبَ رِضْوَانِ.
وَكَقَوْلِ حسان المصيصي - مِنْ شُعَرَاءِ الْأَنْدَلُسِ - فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَعْرُوفِ بِالْمُعْتَمِدِ، وَوَزِيرِهِ أبي بكر بن زيدون:
كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَبُو بَكْرِ الرِّضَا ... وَحَسَّانَ حَسَّانُ وَأَنْتَ مُحَمَّدُ.
إِلَى أَمْثَالِ هَذَا، وَإِنَّمَا كَثَّرْنَا بِشَاهِدِهَا مَعَ اسْتِثْقَالِنَا حِكَايَتَهَا؛ لِتَعْرِيفِ أَمْثِلَتِهَا وَلِتَسَاهُلِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي وُلُوجِ هَذَا الْبَابِ الضَّنْكِ، وَاسْتِخْفَافِهِمْ فَادِحَ هَذَا الْعِبْءِ، وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ مَا فِيهِ مِنَ الْوِزْرِ، وَكَلَامِهِمْ فِيهِ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ - وَيَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ - لَا سِيَّمَا الشُّعَرَاءُ، وَأَشَدُّهُمْ فِيهِ تَصْرِيحًا وَلِلِسَانِهِ تَسْرِيحًا ابن هانئ الأندلسي، وابن سليمان المعري، بَلْ قَدْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمَا عَنْ هَذَا إِلَى حَدِّ الِاسْتِخْفَافِ وَالنَّقْصِ وَصَرِيحِ الْكُفْرِ وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ.
وَغَرَضُنَا الْآنَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْفَصْلِ الَّذِي سُقْنَا أَمْثِلَتَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ سَبًّا، وَلَا أَضَافَتْ إِلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ نَقْصًا وَلَسْتُ أَعْنِي عَجُزَيْ بَيْتَيِ المعري، وَلَا قَصْدَ قَائِلِهَا إِزْرَاءً وَغَضًّا، فَمَا وَقَّرَ النُّبُوَّةَ، وَلَا عَظَّمَ الرِّسَالَةَ، وَلَا عَزَّزَ حُرْمَةَ الِاصْطِفَاءِ، وَلَا عَزَّزَ حُظْوَةَ الْكَرَامَةِ، حَتَّى شَبَّهَ مَنْ شَبَّهَ فِي كَرَامَةٍ نَالَهَا أَوْ مَعَرَّةٍ قَصَدَ الِانْتِفَاءَ مِنْهَا، أَوْ ضَرْبَ مَثَلٍ لِتَطْيِيبِ مَجْلِسِهِ، أَوْ إِغْلَاءً فِي وَصْفٍ لِتَحْسِينِ كَلَامِهِ بِمَنْ عَظَّمَ اللَّهُ خَطَرَهُ وَشَرَّفَ قَدْرَهُ، وَأَلْزَمَ تَوْقِيرَهُ وَبِرَّهُ، وَنَهَى عَنْ جَهْرِ الْقَوْلِ لَهُ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ، فَحَقُّ هَذَا إِنْ دُرِئَ عَنْهُ الْقَتْلُ الْأَدَبُ وَالسِّجْنُ، وَقُوَّةُ تَعْزِيرِهِ بِحَسَبِ شُنْعَةِ مَقَالِهِ، وَمُقْتَضَى قُبْحِ مَا نَطَقَ بِهِ وَمَأْلُوفِ عَادَتِهِ لِمِثْلِهِ أَوْ نُدُورِهِ، أَوْ قَرِينَةِ كَلَامِهِ، أَوْ نَدَمِهِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُتَقَدِّمُونَ يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا مِمَّنْ جَاءَ بِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّشِيدُ عَلَى أَبِي نُوَاسٍ قَوْلَهُ:
стр. 272
فَإِنْ يَكُ بَاقِي سِحْرِ فِرْعَوْنَ فِيكُمُ ... فَإِنَّ عَصَا مُوسَى بِكَفِّ خَصِيبِ.
وَقَالَ لَهُ: يَا ابن اللخناء، أَنْتَ الْمُسْتَهْزِئُ بِعَصَا مُوسَى، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ عَسْكَرِهِ مِنْ لَيْلَتِهِ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَالْحُكْمُ فِي أَمْثَالِ هَذَا مَا بَسَطْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْفُتْيَا. عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ جَاءَتْ فُتْيَا إِمَامِ مَذْهَبِنَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵀، وَأَصْحَابِهِ، فَفِي النَّوَادِرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ فِي رَجُلٍ عَيَّرَ رَجُلًا بِالْفَقْرِ، فَقَالَ: تُعَيِّرُنِي بِالْفَقْرِ، وَقَدْ رَعَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَنَمَ، فَقَالَ مالك: قَدْ عَرَّضَ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ، قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الذُّنُوبِ إِذَا عُوتِبُوا أَنْ يَقُولُوا: قَدْ أَخْطَأَتِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَنَا.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِرَجُلٍ: انْظُرْ لَنَا كَاتِبًا يَكُونُ أَبُوهُ عَرَبِيًّا، فَقَالَ كَاتِبٌ لَهُ: قَدْ كَانَ أَبُو النَّبِيِّ كَافِرًا، فَقَالَ: جَعَلْتَ هَذَا مَثَلًا، فَعَزَلَهُ، وَقَالَ: لَا تَكْتُبُ لِي أَبَدًا.
وَقَدْ كَرِهَ سَحْنُونٌ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ التَّعَجُّبِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الثَّوَابِ وَالِاحْتِسَابِ؛ تَوْقِيرًا لَهُ، وَتَعْظِيمًا كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، وَقَالَ القابسي عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِيحٍ: كَأَنَّهُ وَجْهُ نَكِيرٍ، وَلِرَجُلٍ عَبُوسٍ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَالِكٍ الْغَضْبَانِ، وَفِي الْأَدَبِ بِالسَّوْطِ وَالسَّجْنِ نَكَالٌ لِلسُّفَهَاءِ، وَإِنْ قَصَدَ ذَمَّ الْمَلِكِ قُتِلَ، وَقَالَ أَيْضًا فِي شَابٍّ مَعْرُوفٍ بِالْخَيْرِ قَالَ لِرَجُلٍ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: اسْكُتْ؛ فَإِنَّكَ أُمِّيٌّ، فَقَالَ الشَّابُّ: أَلَيْسَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أُمِّيًّا؟ فَشَنُعَ عَلَيْهِ مَقَالُهُ وَكَفَّرَهُ النَّاسُ، وَأَشْفَقَ الشَّابُّ مِمَّا قَالَ وَأَظْهَرَ النَّدَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أبو الحسن: أَمَّا إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ فَخَطَأٌ، لَكِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي اسْتِشْهَادِهِ بِصِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَوْنُ النَّبِيِّ أُمِّيًّا آيَةٌ لَهُ، وَكَوْنُ هَذَا أُمِّيًّا نَقِيصَةٌ [فِيهِ] وَجَهَالَةٌ، وَمِنْ جَهَالَتِهِ احْتِجَاجُهُ بِصِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنَّهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ وَتَابَ وَاعْتَرَفَ وَلَجَأَ إِلَى اللَّهِ فَيُتْرَكُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الْقَتْلِ، وَمَا طَرِيقَةُ الْأَدَبِ فَطَوْعُ فَاعِلِهِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ يُوجِبُ الْكَفَّ عَنْهُ.
وَنَزَلَتْ أَيْضًا مَسْأَلَةٌ اسْتَفْتَى فِيهَا بَعْضُ قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ شَيْخَنَا الْقَاضِي أبا محمد بن منصور ﵀ فِي رَجُلٍ تَنَقَّصَهُ آخَرُ بِشَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا تُرِيدُ نَقْصِي بِقَوْلِكَ وَأَنَا بَشَرٌ وَجَمِيعُ الْبَشَرِ يُلْحِقُهُمُ النَّقْصُ، حَتَّى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَفْتَاهُ بِإِطَالَةِ سِجْنِهِ، وَإِيجَاعِ أَدَبِهِ إِذْ لَمْ يَقْصِدِ السَّبَّ، وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَنْدَلُسِ أَفْتَى بِقَتْلِهِ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الْقَاضِي عياض فِي الشِّفَا - وَيُفْطَنُ لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالْحُجَّةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، كَيْفَ سَوَّى فِي الْحُكْمِ بَيْنَ ضَارِبِ الْمَثَلِ وَالْمُحْتَجِّ؟ وَالْمُحْتَجُّ: هُوَ الْمُسْتَدِلُّ، وَمُرَادُهُ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْخُصُومَاتِ وَالتَّبَرِّي مِنَ الْمَعَرَّاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَنْزِعُ بِذِكْرِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ، أَوْ يَسْتَشْهِدُ بِبَعْضِ أَحْوَالِهِ، فَإِنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِمَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْفَصْلِ: لَكِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي اسْتِشْهَادِهِ بِصِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَوْلُهُ: وَمِنْ جَهَالَتِهِ احْتِجَاجُهُ
стр. 273
بِصِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي تَخْطِئَةِ الْمُسْتَدِلِّ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ وَوُجُوبِ تَأْدِيبِهِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ أُنْكِرَ عَلَى ذِكْرِ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْإِفْتَاءِ وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ، فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ تَارَةً يَكُونُ فِي مَقَامِ التَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ وَالتَّصْنِيفِ وَتَقْرِيرِ الْعِلْمِ بِحَضْرَةِ أَهْلِهِ، وَهَذَا لَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَتَارَةً يَكُونُ فِي الْخِصَامِ وَالتَّبَرِّي مِنْ مَعَرَّةٍ أَوْ نَقْصٍ يُنْسَبُ إِلَيْهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، وَهَذَا مَحَلُّ الْإِنْكَارِ وَالتَّأْدِيبِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الْعَوَامِّ وَفِي الْأَسْوَاقِ، وَفِي التَّعَارُضِ بِالسَّبِّ وَالْقَذْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَلِكُلِّ مَحَلٍّ حُكْمٌ يُنَاسِبُهُ.
وَكَذَلِكَ الْأَثَرُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي عَنْ كَاتِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّهُ مَا قَصَدَ بِمَا ذَكَرَهُ إِلَّا الِاحْتِجَاجَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهُ كُفْرُ أَبِيهِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عمر، وَصَرَفَهُ عَنْ عَمَلِهِ، أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَمُ الدِّينِ بْنُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ سراج الدين البلقيني الشافعي ﵀ إِجَازَةً عَنْ أَبِيهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ الشَّيْخَ تقي الدين السبكي أَخْبَرَهُ عَنِ الْحَافِظِ شرف الدين الدمياطي، أَنَا الْحَافِظُ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ، أَنَا أَبُو المكارم اللبان، أَنَا أبو علي الحداد، أَنَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثَنَا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثَنَا أحمد بن الحسن الحذاء، ثَنَا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثَنَا أحمد بن عبد الله بن يونس قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ شُيُوخِنَا يَذْكُرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَى بِكَاتِبٍ يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانَ مُسْلِمًا، وَكَانَ أَبُوهُ كَافِرًا، فَقَالَ عمر لِلَّذِي جَاءَ بِهِ: لَوْ كُنْتَ جِئْتَ بِهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ الْكَاتِبُ: مَا ضَرَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفْرُ أَبِيهِ، فَقَالَ عمر: وَقَدْ جَعَلْتُهُ مَثَلًا لَا تَخُطُّ بَيْنَ يَدَيَّ بِقَلَمٍ أَبَدًا - هَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي الْحِلْيَةِ، فَالْكَاتِبُ قَصَدَ بِهَذَا الْكَلَامِ الِاحْتِجَاجَ، وَالِاسْتِدْلَالَ عَلَى نَفْيِ النَّقْصِ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ عمر فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ: إِنَّهُ جَعَلَهُ مَثَلًا، فَعَلِمَ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَارِبِ الْمَثَلِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ يُرَادُ لِلِاسْتِشْهَادِ، كَمَا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ كَذَلِكَ، فَبِهَذَا الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى ضَارِبِ الْمَثَلِ وَعَكْسُهُ، وَمَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَسْتَنْكِرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ ضَرْبَ الْمَثَلِ عَلَى الْحُجَّةِ؛ وَلِهَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا الْقَاضِي عياض، حَيْثُ قَالَ: عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالْحُجَّةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَمِمَّا أَطْلَقَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ: ضَرْبَ الْمَثَلِ عَلَى الْحُجَّةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ أبي سلمة أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا حَدَّثْتُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَلَا تَضْرِبْ لَهُ الْأَمْثَالَ، وَكَانَ عَارَضَهُ بِقِيَاسٍ مِنَ الرَّأْيِ، كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ
стр. 274
الهروي فِي ذَمِّ الْكَلَامِ، أَيْ فَلَا تُقَابِلْهُ بِحُجَّةٍ مِنْ رَأْيِكَ، فَأَطْلَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى الْحُجَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ ضَرْبَ الْمَثَلِ، وَاللُّغَةُ أَيْضًا تَشْهَدُ لِذَلِكَ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: ضَرَبَ مَثَلًا وَصَفَ وَبَيَّنَ، وَقَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ اعْتِبَارُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ، وَتَمْثِيلُهُ بِهِ، وَإِنَّمَا حَكَمْتُ فِي الْإِفْتَاءِ عَلَى لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ، وَعَلَّلْتُهُ بِضَرْبِ الْمَثَلِ؛ لِأَعْرِفَ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ الَّذِي حَكَمْتُ عَلَيْهِ هُوَ الْمُحْتَجُّ بِضَرْبِ ذَلِكَ مَثَلًا لِلْغَيْرِ، لَا الْمُسْتَدِلُّ فِي الدَّرْسِ وَالتَّصْنِيفِ، وَمُذَاكَرَةُ الْعِلْمِ بَيْنَ أَهْلِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ ضَرْبَ مَثَلٍ.
وَقَصَدْتُ أَيْضًا الِاقْتِدَاءَ بِالْخَلِيفَةِ الصَّالِحِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي لَفْظِهِ، وَقَدْ وَجَدْتُ لِلْقِصَّةِ طَرِيقًا آخَرَ قَالَ الهروي فِي ذَمِّ الْكَلَامِ: أَنَا أبو يعقوب، أَنَا أبو بكر بن أبي الفضل، أَنَا أحمد بن محمد بن يونس، ثَنَا عثمان بن سعيد، ثَنَا يونس العسقلاني، ثَنَا ضمرة ثَنَا علي بن أبي جميلة قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لسليمان بن سعد: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا عَامِلِنَا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا زِنْدِيقٌ قَالَ: هُوَ مَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ كَانَ أَبُو النَّبِيِّ ﷺ كَافِرًا فَمَا ضَرَّهُ، فَغَضِبَ عمر غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: مَا وَجَدْتُ لَهُ مَثَلًا غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: فَعَزَلَهُ عَنِ الدَّوَاوِينِ.
وَمِمَّا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ إِطْلَاقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ، مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابن الصلاح فِي جُزْئِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، حَيْثُ ذَكَرَ إِنْكَارَ الشَّيْخِ عز الدين بن عبد السلام لَهَا، وَقَالَ: إِنَّهُ ضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩] .
وَأَمَّا الْفَصْلُ السَّابِعُ مِنَ الشِّفَا الَّذِي قَالَ الْمُعْتَرِضُ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ، فَنَذْكُرُهُ؛ لِيَعْلَمَ مَنْ عَلِمَ وَاقِعَةَ الْحَالِ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لَهَا، قَالَ الْقَاضِي عياض: الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يَذْكُرَ مَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ يَخْتَلِفُ فِي جَوَازِهِ عَلَيْهِ، وَمَا يَطْرَأُ مِنَ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ لَهُ، وَيُمْكِنُ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ أَوْ يَذْكُرَ مَا امْتُحِنَ بِهِ وَصَبَرَ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَلَى شِدَّتِهِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْدَائِهِ، وَأَذَاهُمْ لَهُ، وَمَعْرِفَةِ ابْتِدَاءِ حَالِهِ وَسِيرَتِهِ، وَمَا لَقِيَهُ مِنْ بُؤْسِ زَمَنِهِ، وَمَرَّ عَلَيْهِ مِنْ مُعَانَاةِ عِيشَتِهِ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الرِّوَايَةِ وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةِ مَا صَحَّتْ عَنْهُ الْعِصْمَةُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا فَنٌّ خَارِجٌ عَنْ [هَذِهِ] الْفُنُونِ السِّتَّةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ غَمْضٌ، وَلَا نَقْصٌ، وَلَا إِزْرَاءٌ، وَلَا اسْتِخْفَافٌ لَا فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلَا فِي مَقْصِدِ اللَّافِظِ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفُهَمَاءِ طَلَبَةِ الدِّينِ مِمَّنْ يَفْهَمُ مَقَاصِدَهُ وَيُحَقِّقُ فَوَائِدَهُ، وَيُجَنِّبُ ذَلِكَ مَنْ عَسَاهُ لَا يَفْهَمُهُ أَوْ يُخْشَى بِهِ فِتْنَتُهُ، فَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ تَعْلِيمَ النِّسَاءِ سُورَةَ يُوسُفَ؛ لِمَا انْطَوَتْ
стр. 275
عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِصَصِ؛ لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِنَّ، وَنَقْصِ عُقُولِهِنَّ، وَإِدْرَاكِهِنَّ.
هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ فَانْظُرْ كَيْفَ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، ثُمَّ لَمْ يُطْلِقْ ذَلِكَ، بَلْ قَيَّدَهُ بِأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفُهَمَاءِ الطَّلَبَةِ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ لَمْ تَكُنْ فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا طَالِبُ عِلْمٍ الْبَتَّةَ، بَلْ كَانَتْ فِي السِّبَابِ وَالْخِصَامِ فِي سُوقِ الْغَزْلِ، بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنَ التُّجَّارِ وَالدَّلَّالِينَ وَالسُّوقَةِ وَكُلُّهُمْ عَوَامٌّ، وَأَكْثَرُهُمْ سُفَهَاءُ الْأَلْسِنَةِ يُطْلِقُونَ أَلْسِنَتَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ بِمَا يُوجِبُ سَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَلَا يَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِمَنْ أَنْكَرَ مَا أَفْتَيْتُ بِهِ: إِنْ لَمْ تَعْرِفْ عَيْنَ الْوَاقِعَةِ فَأَنْتَ مَعْذُورٌ، وَقَوْلُكَ: لَا تَعْزِيرَ وَلَا عَثْرَةَ إِنْ أَرَدْتَ فِيمَا وَقَعَ فِي مَجْلِسِ الدَّرْسِ وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ بَيْنَ أَهْلِهِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَيْسَ هُوَ صُورَةَ الْوَاقِعَةِ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَا وَقَعَ فِي السُّوقِ بِالصِّفَةِ الْمَشْرُوحَةِ فَمَعَاذَ اللَّهِ، وَحَاشَى الْمُفْتِينَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ.
وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَلَسْتُ أَقْصِدُ بِذَلِكَ غَضًّا مِنَ الْقَائِلِ، وَلَا حَطًّا عَلَيْهِ، فَإِنِّي أَعْتَقِدُ دِينَهُ، وَخَيْرَهُ، وَصَلَاحَهُ، وَإِنَّمَا هِيَ بَادِرَةٌ بَدَرَتْ وَزَلَّةٌ فَرَطَتْ، وَعَثْرَةٌ وَقَعَتْ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْهَا وَيَتُبْ إِلَيْهِ وَيَنْدَمْ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ وَلَا يَعُدْ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صَلَاحِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ عز الدين بن عبد السلام قَالَ فِي قَوَاعِدِهِ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ الصَّغِيرَةَ تُنْقِصُ الْوِلَايَةَ فَقَدْ جَهِلَ، وَقَالَ: إِنَّ الْوَلِيَّ إِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ تَعْزِيرُهُ عَلَيْهَا.
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى أَنَّ ذَوِي الْهَيْئَاتِ لَا يُعَزَّرُونَ لِلْحَدِيثِ، وَفَسَّرَهُمْ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ، فَيَزِلُّ أَحَدُهُمُ الزَّلَّةَ فَيَتْرُكُ، وَفَسَّرَهُمْ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ، وَفَسَّرَهُمْ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُمُ الذَّنَبُ تَابُوا وَنَدِمُوا، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي إِقَالَةِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ كَثِيرَةٌ، أَخْرَجَ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وأبو داود، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ» "، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: " «تَجَاوَزُوا عَنْ زَلَّةِ ذِي الْهَيْئَةِ» "، وَأَخْرَجَهُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِلَفْظِ: " «تَجَافُوا عَنْ عُقُوبَةِ ذِي الْمُرُوءَةِ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ".
وَأَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «تَجَافُوا عَنْ ذَنْبِ السَّخِيِّ فَإِنَّ اللَّهَ آخِذٌ بِيَدِهِ كُلَّمَا عَثَرَ» "، وَأَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ
стр. 276
مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وأبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تقي الدين السبكي فِي كِتَابِهِ - طَرِيقِ الْمَعْدِلَةِ فِي قَتْلِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ: قَوْلُ الْأَصْحَابِ إِنَّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَا وَارِثَ لَهُ فَلِلسُّلْطَانِ الْخِيَرَةُ: بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ، أَوْ يَعْفُوَ عَنِ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا، كَأَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ عَلَى الْغَالِبِ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِلْإِمَامِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ مَا يَقْتَضِي الْعَفْوَ عَنْهُ مَجَّانًا إِذَا كَانَ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ، وَفِيهِ صَلَاحٌ وَخَيْرٌ وَنَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ فَرَطَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْبَادِرَةُ فَقُتِلَ بِهَا وَظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَحَسُنَتْ طَرِيقَتُهُ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفُوُّ عَنْهُ بِعِيدٌ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ.
فَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُفَوَّضًا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَالْإِمَامُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَنْ لَا يَخْتَارَ إِلَّا مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى سَفْكِ دَمِ مُسْلِمٍ بِمُجَرَّدِ مَا يُقَالُ لَهُ: إِنَّ هَذَا جَائِزٌ فَجَوَازُهُ مَنُوطٌ بِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِإِقَامَةِ الدِّينِ لَا لِحَظِّ نَفْسِهِ وَلَا لِغَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا، وَحَيْثُ شَكَّ فِي ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ الْكَفُّ عَنِ الدَّمِ، وَتَبْقِيَةُ ذَلِكَ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مَعْصُومَةٌ إِلَّا بِحَقِّهَا، فَمَتَى قَتَلَهَا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ أَخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَنْ قَتَلَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، انْتَهَى كَلَامُ السبكي.
فَإِذَا جَوَّزَ السبكي الْعَفْوَ عَمَّنْ فِيهِ صَلَاحٌ وَخَيْرٌ وَنَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقَتْلِ قِصَاصًا مَجَّانًا، بِلَا دِيَةٍ، فَمِنْ تَعْزِيرِ زَلَّةٍ فَرَطَتْ مِنْهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَهَذَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ.
عَوْدٌ لِبَدْءٍ: قَالَ ابن السبكي فِي كِتَابِهِ التَّرْشِيحِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي بَعْضِ نُصُوصِهِ: وَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً لَهَا شَرَفٌ، فَكُلِّمَ فِيهَا فَقَالَ: " لَوْ سَرَقَتْ فُلَانَةُ - لِامْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ - لَقَطَعْتُ يَدَهَا " قَالَ ابن السبكي: فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ " فُلَانَةُ "، وَلَمْ يَبُحْ بِاسْمِ فاطمة؛ تَأَدُّبًا مَعَهَا ﵂ أَنْ يَذْكُرَهَا فِي هَذَا الْمَعْرِضِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهَا ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ حَسَنٌ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ عِنْدَهُ فِي الشَّرْعِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
فَهَذَا مِنْ صُنْعِ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ مِنْ تَقْرِيرِ السبكي أَصْلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَقْلٌ مِنْ حَيْثُ مَذْهَبِنَا، فَقَوْلُهُ: تَأَدُّبًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ضِدَّهُ خِلَافُ الْأَدَبِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ حَسَنٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ قَبِيحٌ، هَذَا مَعَ كَوْنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ إِنَّمَا سَاقَ الْحَدِيثَ مَسَاقَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَسَاقَ تَقْرِيرِ الْعَلَمِ فِي التَّصْنِيفِ الَّذِي لَا يَقِفُ عَلَيْهِ إِلَّا أَهْلُهُ، بَلْ لَوْ صَرَّحَ بِالِاسْمِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَحَلِّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، وَأَمْرٌ آخَرُ: أَنَّ النَّقْصَ الْمَذْكُورَ وَاقِعٌ فِي حَيِّزِ " لَوْ "، مَنْفِيٌّ عَنْهَا لَا مُثْبِتٌ لَهَا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى وُقُوعِهِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا قَرَّرَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا؟
стр. 277
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْكَلَامَ؛ لِأَنَّ قَائِلًا قَالَ: هَذَا الَّذِي أَفْتَيْتَ بِهِ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَيْسَ بِمَنْصُوصٍ فِي مَذْهَبِكَ.
وَكَذَا يَقَعُ لِأَهْلِ الْعَصْرِ كَثِيرًا، يَدَّعُونَ عَلَيْنَا فِي فَتَاوَى كَثِيرَةٍ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْمَذْهَبِ، بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتٍ، كَمَا وَقَعَ لَنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي حِينَ أَفْتَيْنَا بِهَدْمِ الدَّارِ الَّتِي بُنِيَتْ بِرَسْمِ الْفَسَادِ، فَادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْأَصْحَابِ لَمْ يَنُصُّوا عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ أَشَارُوا إِلَيْهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي التَّأْلِيفِ الَّذِي أَلَّفْنَاهُ فِيهَا، ثُمَّ نَقُولُ فِي هَذِهِ وَغَيْرِهَا: قَوْلُهُمْ مَا أَفْتَيْتُ بِهِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِعَدَمِ وُجُودِ الْمَسْأَلَةِ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا مُعَارَضٌ بِأَنَّا نَقُولُ لَهُمْ: مَا أَفْتَيْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيْضًا خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا، فَكَمَا اسْتَنَدْتُمْ إِلَى الْعَدَمِ فِي نِسْبَةِ الْخِلَافِ إِلَيَّ اسْتَنَدْتُ إِلَى الْعَدَمِ فِي نِسْبَتِهِ إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ الْإِثْبَاتَ وَالنَّفْيَ كِلَاهُمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، أَوْ نَقْلٍ، فَإِنْ قَالُوا: أَخَذْنَاهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ قُلْتُ: وَأَنَا أَيْضًا أَخَذْتُ مِنَ الْقَوَاعِدِ.
وَعَلَى بَيَانِ ذَلِكَ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِنْصَافَ، فَمَنْ قَالَ: التَّعْزِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يَنُصُّوا عَلَيْهَا، أَقُولُ لَهُ: فَهَلْ نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَعْزِيرَ فِيهَا حَتَّى تُقْدِمَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَتَنْسُبَهُ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: الْقَوْلُ بِهَدْمِ الدَّارِ الْمَوْصُوفَةِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي شَرَحْتُهَا فِي تَأْلِيفِهَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا، أَقُولُ لَهُ: فَهَلْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُهْدَمُ حَتَّى اسْتَنَدْتَ إِلَيْهِ؟ وَإِذَا حَصَلَ الِاسْتِوَاءُ فِي الْجَانِبَيْنِ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ النَّصِّ وُجِدَتِ النُّقُولُ فِي الْمَذَاهِبِ بِأَحَدِهِمَا، وَالْأَدِلَّةُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ، وَعَدَمُ التَّجَاوُزِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا مَا يُخَالِفُهُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي فَتَاوَى ابن الصلاح أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا نَصَّ فِيهَا لِلْأَصْحَابِ، فَأَفْتَى فِيهَا بِالْمَنْصُوصِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَقَرَّرَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَسْأَلَةً لَا نَقْلَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَأَجَابَ فِيهَا بِمَذْهَبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي قَوَاعِدِنَا مَا يَنْفِيهِ، وَسُئِلَ البلقيني عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا نَقْلَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَأَجَابَ فِيهَا بِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عياض فِي الْمَدَارِكِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مَسْأَلَةً لَا نَقْلَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَأَفْتَى فِيهَا بِالْمَنْقُولِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَكَرَ الزركشي فِي " الْخَادِمِ " مَسْأَلَةَ مَسْحِ الْخُفِّ لِلْمُحْرِمِ، وَقَالَ: لَا نَقْلَ فِيهَا، وَأَجَابَ بِالْمَنْقُولِ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُهَا فِي كِتَابِي " الْيَنْبُوعِ فِيمَا زَادَ عَلَى الرَّوْضَةِ مِنَ الْفُرُوعِ "، وَمَسْأَلَةُ الْهَدْمِ نَصَّ عَلَيْهَا أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ، وَأَشَارَ إِلَيْهَا الْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ، وَثَبَتَتْ فِيهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَالْآثَارُ الْكَثِيرَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ
стр. 278
مَسْعُودٍ، وابن الزبير، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمْ سَلَفًا وَخَلَفًا، قَوْلًا وَفِعْلًا، وَلَا نَصَّ فِي مَذْهَبِنَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلَهُمْ: إِنَّهُ لَا تَعْزِيرَ بِإِتْلَافِ الْمَالِ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَخْصُوصَةٌ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لَا يَكْسِرُ آنِيَةَ الْخَمْرِ وَالْأَوَانِيَ الْمُثَمَّنَةَ إِذَا كَانَ فِيهَا صُورَةٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَعَلِمَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إِتْلَافُهُ طَرِيقًا لِإِزَالَةِ الْفَسَادِ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ بِإِيضَاحِهِ يَسْتَدْعِي طُولًا، وَقَدْ بَسَطْتُهُ فِي التَّأْلِيفِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: قَدْ نَصَّ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى التَّعْزِيرِ فِيهَا، وَلَمْ يَنُصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى خِلَافِهِ، وَلَا فِي قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا مَا يَنْفِيهِ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ، وَالْعَمَلُ بِهِ، وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ يَصْلُحُ أَصْلًا فِي الْمُسَالَةِ، وَتَقْرِيرُ السبكي لَهُ وَإِيضَاحُهُ زَادَهُ بَيَانًا وَحُسْنًا، وَسَأَتَتَبَّعُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فِي كُتُبِهِمْ فِي الْفِقْهِ وَشُرُوحِهِمْ لِلْحَدِيثِ مَا أَرَاهُ مُقَوِّيًا لِذَلِكَ فَأَذْكُرُهُ.
فَصْلٌ
قَالَ الرافعي فِي الشَّرْحِ وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ: فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِنَاءٌ تَامٌّ بِتَفْصِيلِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْكُفْرِ، وَأَكْثَرُهَا مِمَّا يَقْتَضِي إِطْلَاقَ أَصْحَابِنَا الْمُوَافَقَةَ عَلَيْهِ، فَنَذْكُرُ مَا يَحْضُرُنَا فِي كُتُبِهِمْ، ثُمَّ سَرَدَهَا الرافعي وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَتَعَقَّبَا جُمْلَةً مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ الرافعي، وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ سَرْدِهَا: وَهَذِهِ الصُّوَرُ تَتَبَّعُوا فِيهَا الْأَلْفَاظَ الْوَاقِعَةَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَأَجَابُوا فِيهَا اتِّفَاقًا وَاخْتِلَافًا بِمَا ذُكِرَ، وَمَذْهَبُنَا يَقْتَضِي مُوَافَقَتَهُمْ فِي بَعْضِهَا، وَفِي بَعْضِهَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُ اللَّفْظِ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ، فَهَذَا مِنَ الشَّيْخَيْنِ صَرِيحٌ فِيمَا قَرَّرْنَاهُ مِنَ الْفَتْوَى، بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَذَاهِبِ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ عِنْدَنَا، وَلَا فِي قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا مَا يَنْفِيهِ.
ثُمَّ قَالَ النووي فِي الرَّوْضَةِ: مِنْ زَوَائِدِهِ عَقِبَ ذَلِكَ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عياض فِي آخِرِ كِتَابِ الشِّفَا جُمْلَةً مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُكَفِّرَةِ غَيْرَ مَا سَبَقَ نَقْلُهَا عَنِ الْأَئِمَّةِ، أَكْثَرُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلُخِّصَ مَا فِي الشِّفَا مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا مِنَ النووي عَيْنُ مَا جَنَحْنَا إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ بِعَيْنِهَا.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا للرافعي فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ: رُؤْيَتِي إِلَيْكَ كَرُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ. زَادَ النووي قُلْتُ: الصَّوَابُ إِنَّهُ لَا يُكَفَّرُ، وَهَذِهِ إِحْدَى الصُّوَرِ الَّتِي سَاقَهَا الْقَاضِي عياض فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ، فَإِذَا كَانَ فِيهَا قَوْلٌ بِالتَّكْفِيرِ فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّعْزِيرِ إِذَا لَمْ يُكَفَّرْ.
فَصْلٌ
قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: ثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا مغيرة عَنْ إبراهيم قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَمَا يَعْرِضُ مِنْ أَحَادِيثِ الدُّنْيَا، قِيلَ لهشيم نَحْوَ قَوْلِهِ:
стр. 279
﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٠] قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ صَرَّحَ العماد الينهي مِنْ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحُكْمِ، فَقَالَ: بِمَنْعِ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ مِنَ الْقُرْآنِ، نَقَلَهُ ابن الصلاح فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ - والينهي هَذَا مِنْ تَلَامِذَةِ الْبَغَوِيِّ - وَهَذَا شَاهِدٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ، فَكَمَا أَنَّ الْأَدَبَ أَنْ لَا يَضْرِبَ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ مَثَلًا لِوَاقِعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ الْأَدَبُ أَنْ لَا تُضْرَبَ أَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ مَثَلًا لِحَالِ غَيْرِهِمْ.
فَصْلٌ
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَالْحَافِظُ قَاضِي الْقُضَاةِ شهاب الدين بن حجر بِمَا نَصُّهُ: مَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْمَوَالِدِ الَّتِي يَصْنَعُهَا النَّاسُ مَحَبَّةً فِي النَّبِيِّ ﷺ ؟ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الْوُعَّاظِ يَذْكُرُونَ فِي مَجَالِسِهِمُ الْحَفْلَةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مُجْرَيَاتٍ هِيَ مُخِلَّةٌ بِكَمَالِ التَّعْظِيمِ، حَتَّى يَظْهَرَ مِنَ السَّامِعِينَ لَهَا حُزْنٌ وَرِقَّةٌ، فَيَبْقَى فِي حَيِّزِ مَنْ يُرْحَمُ لَا فِي حَيِّزِ مَنْ يُعَظَّمُ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَرَاضِعَ حَضَرْنَ وَلَمْ يَأْخُذْنَهُ؛ لِعَدَمِ مَالِهِ إِلَّا حليمة رَغِبَتْ فِي رَضَاعِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْعَى غَنَمًا وَيُنْشِدُونَ:
بِأَغْنَامِهِ سَارَ الْحَبِيبُ إِلَى الْمَرْعَى ... فَيَا حَبَّذَا رَاعٍ فُؤَادِي لَهُ يَرْعَى.
وَفِيهِ: فَمَا أَحْسَنَ الْأَغْنَامَ وَهُوَ يَسُوقُهَا. وَكَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْمُخِلِّ بِالتَّعْظِيمِ فَمَا قَوْلُكُمْ فِي ذَلِكَ؟ .
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: يَنْبَغِي لِمَنْ يَكُونُ فَطِنًا أَنْ يَحْذِفَ مِنَ الْخَبَرِ مَا يُوهِمُ فِي الْمُخْبَرِ عَنْهُ نَقْصًا، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ - هَذَا جَوَابُهُ بِحُرُوفِهِ.
فَصْلٌ
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الصَّمْتِ عَنْ مطرف قَالَ: لِيَعْظُمْ جَلَالُ اللَّهِ فِي صُدُورِكُمْ، فَلَا تَذْكُرُوهُ عِنْدَ مِثْلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ لِلْكَلْبِ: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، وَلِلْحِمَارِ وَلِلشَّاةِ.
فَصْلٌ
قَالَ السهيلي فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ حَدِيثَ إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ مَا نَصُّهُ: وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ نَحْنُ هَذَا فِي أَبَوَيْهِ ﷺ ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ» "، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الْآيَةَ.
فَصْلٌ
رَعْيُ الْغَنَمِ لَمْ يَكُنْ صِفَةَ نَقْصٍ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ حَدَثَ الْعُرْفُ بِخِلَافِهِ، وَلَا يُسْتَنْكَرُ ذَلِكَ فَرُبَّ حِرْفَةٍ، هِيَ نَقْصٌ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَفِي بَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ، وَفِي الْمُرُوءَةِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَسْطُورَةٌ
стр. 280
حَتَّى فِي الْمِنْهَاجِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَصْمَ لَمْ يُخْرِجْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مَخْرَجَ الشَّتْمِ وَالتَّنْقِيصِ، حَيْثُ قَالَ: وَأَنْتَ يَا رَاعِيَ الْمِعْزَى، صَارَ لَكَ كَلَامٌ، وَمِثْلُ هَذَا الْمَوْطِنِ لَا يُحْتَجُّ فِيهِ بِأَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ أَبَدًا، خُصُوصًا بَيْنَ الْعَوَامِّ، هَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى.
وَقَدْ تَذَكَّرْتُ هُنَا نُكْتَةً لَطِيفَةً: قَالَ الشَّيْخُ تاج الدين بن السبكي فِي التَّرْشِيحِ: كُنْتُ يَوْمًا فِي دِهْلِيزِ دَارِنَا فِي جَمَاعَةٍ، فَمَرَّ بِنَا كَلْبٌ يَقْطُرُ مَاءً يَكَادُ يَمَسُّ ثِيَابَنَا فَنَهَرْتُهُ، وَقُلْتُ: يَا كَلْبُ يَا ابْنَ الْكَلْبِ، وَإِذَا بِالشَّيْخِ الْإِمَامِ - يَعْنِي وَالِدَهُ الشَّيْخَ تقي الدين السبكي - يَسْمَعُنَا مِنْ دَاخِلٍ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: لِمَ شَتَمْتَهُ؟ فَقُلْتُ: مَا قُلْتُ إِلَّا حَقًّا أَلَيْسَ هُوَ بِكَلْبٍ ابْنِ كَلْبٍ؟ فَقَالَ: هُوَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّكَ أَخْرَجْتَ الْكَلَامَ فِي مَخْرَجِ الشَّتْمِ وَالْإِهَانَةِ وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: هَذِهِ فَائِدَةٌ لَا يُنَادَى مَخْلُوقٌ بِصِفَتِهِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْإِهَانَةِ - هَذَا لَفَظُهُ فِي التَّرْشِيحِ.
فَصْلٌ
الْمُمَارَاةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَالتَّدْلِيسُ، وَقَصْدُ الِانْتِقَامِ بِالضَّغَائِنِ الْبَاطِنَةِ لَا يَضُرُّ إِلَّا فَاعِلَهُ، وَلَا يُصِيبُ الْمُشَنَّعَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِهِ شَيْءٌ وَالْحَقُّ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَ السبكي: أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يُخَاصِمُهُ كُلُّ صَالِحٍ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ صَالِحٍ فِي الصَّلَاةِ حَقًّا حَيْثُ فِيهَا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَكَذَلِكَ الْمُدَلِّسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُخَاصِمُهُ كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعُدَّتُهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَقَدْ قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونُوا خُصَمَاءَ لِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خَصْمِي، يَقُولُ لِي: لِمَ لَمْ تَذُبَّ الْكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي؟ وَكَذَلِكَ أَقُولُ: لَأَنْ يَكُونَ كُلُّ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خُصَمَائِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُخَاصِمَنِي نَبِيٌّ وَاحِدٌ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ.
[وَاللَّهُ أَعْلَمُ] .
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ قُضَاةُ بَلَدِهِ، فَقَالَ لَهُ سُلْطَانُ الْبَلَدَ: ارْجِعْ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَأَبَى وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِقَوْلِ أَحَدٍ، وَلَوْ قَامَ الْجَنَابُ الْعَالِي ﵊ مِنْ قَبْرِهِ مَا سَمِعْتُ لَهُ، حَتَّى يُرِيَنِي النَّصَّ، فَهَلْ يُكَفَّرُ بِهَذَا؟ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مُدَّةٍ: لَوْ سَبَّنِي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ لَسَبَبْتُهُ، وَصَارَ يُفْتِي الْعَامَّةَ وَالسُّوقَةَ بِجَوَازِ هَذَا.
الْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا يَرْجِعُ لِأَحَدٍ وَلَوْ قَامَ ﷺ مِنْ قَبْرِهِ مَا سَمِعَ لَهُ حَتَّى يُرِيَهُ النَّصَّ، فَهَذَا لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ يَكُونَ هَذَا صَدَرَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ سَبْقِ اللِّسَانِ وَعَدَمِ الْقَصْدِ، وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ
стр. 281
بِالْمُسْلِمِ وَاللَّائِقُ بِحَالِهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَثَلًا أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ قَامَ مالك مِنْ قَبْرِهِ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الْجَنَابِ الرَّفِيعِ لِحِدَةٍ حَصَلَتْ عِنْدَهُ فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ إِذَا عُرِفَ بِالْخَيْرِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى سَبْقِ اللِّسَانِ، وَلَا يُكْتَفَى مِنْهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ النَّدَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَلَأِ بِالْخَطَأِ، وَيُبَالِغَ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَيَحْثُوَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُكْثِرَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَالِاسْتِقَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَثْرَةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى وَجْهِ سَبْقِ اللِّسَانِ، وَلَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُصَمِّمُ، فَيَقُولُ مَثَلًا: لَوْ أَمَرَنِي الْإِنْسُ وَالْجِنُّ بِهَذَا مَا سَمِعْتُ لَهُمْ، وَلَوْ رُوجِعَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ لَقَالَ: مَا أَرَدْتُ ظَاهِرَ الْعِبَارَةِ، وَلَوْ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَبْرِهِ حَقِيقَةً، وَقَالَ لِي: لَبَادَرْتُ إِلَى امْتِثَالِ قَوْلِهِ، وَسَمِعْتُ مِنْ غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وَلَا تَوَقُّفٍ، وَلَكِنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ قُلْتُهَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ؛ لِعِلْمِي بِأَنَّ قِيَامَهُ الْآنَ مِنْ قَبْرِهِ وَقَوْلَهُ لِي غَيْرُ كَائِنٍ وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً، فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ، وَلَكِنَّهُ أَتَى بِعَظِيمٍ مِنَ الْقَوْلِ؛ فَيُعْزَلُ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا لَائِقًا بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَدِّ الْقَتْلِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِقَادِ، بِحَيْثُ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَيًّا، وَقَالَ لَهُ: الْحُكْمُ بِخِلَافِ مَا حَكَمْتَ لَمْ يَسْمَعْ لَهُ وَهَذَا كُفْرٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، وَقِصَّةُ الَّذِي حَكَمَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ، وَجَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لِيَحْكُمَ لَهُ فَقَتَلَهُ عمر بِالسَّيْفِ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا سَمِعْتُ لَهُ حَتَّى يُرِيَنِي النَّصَّ، وَقَوْلُهُ ﷺ نَفْسُهُ: هُوَ النَّصُّ فَأَيُّ نَصٍّ يُرِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ؟ وَالظَّنُّ بِالْمُسْلِمِ إِنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّانِي فَمِنْ أَخْطَأِ الْخَطَأِ وَأَقْبَحِهِ، وَأَشَدُّ مِنْ قَوْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي السُّوءِ الْإِفْتَاءُ بِإِبَاحَتِهَا، فَأَمَّا أَصْلُ الْمَقَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: لَوْ سَبَّنِي نَبِيٌّ، أَوْ مَلَكٌ لَسَبَبْتُهُ، فَالْجَوَابُ فِيهَا كَمَا قَالَ ابن رشد، وابن الحاج: أَنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ؛ بِالضَّرْبِ
стр. 282
وَالْحَبْسِ، وَأَمَّا إِبَاحَتُهُ لِلنَّاسِ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَمَرْتَبَةٌ أُخْرَى فَوْقَ ذَلِكَ فِي السُّوءِ؛ لِأَنَّهُ إِغْرَاءٌ لِلْعَامَّةِ عَلَى ارْتِكَابِ الْحَرَامِ وَاسْتِحْلَالِهِ، وَغَضٌّ مِنْ مَنْصِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ ﵈، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّ يُبَاحَ هَذَا لِأَحَدٍ وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈ مَعْصُومُونَ، فَلَا يَسُبُّونَ إِلَّا مَنْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِسَبِّهِ؟ وَمَنْ سُبَّ بِالشَّرْعِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسُبَّ سَابَّهُ، فَالْمَسْأَلَةُ مُسْتَحِيلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا، فَالْجَوَابُ: رَدْعُ هَذَا الرَّجُلِ وَزَجْرُهُ وَهَجْرُهُ فِي اللَّهِ، وَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ وَالْإِقْلَاعُ.
[بَابُ الْجِهَادِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي الرَّمْيِ بِالنُّشَّابِ عَلَى نِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وَالْقُوَّةُ مُفَسَّرَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالرَّمْيِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَهَلِ الصَّارِفُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: بِسُنِّيَّتِهِ فَهَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُجُوبِ إِذَا انْتَفَى بِطَرِيقٍ مَا يَبْقَى النَّدْبُ، أَوْ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْآيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِدَعْوَى نَسْخِهَا، وَأُخِذَتِ السُّنِّيَّةُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ .
الْجَوَابُ: نَقُولُ: مَذْهَبُنَا أَنَّ الرَّمْيَ بِالنُّشَّابِ عَلَى نِيَّةِ التَّأَهُّبِ لِلْجِهَادِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ وَلَا مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ - هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ مِنَ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ وَجَدْنَاهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا تَتَعَدَّاهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَهُ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ لِلْإِرْشَادِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي التَّرْغِيبِ فِي الرَّمْيِ وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ أَوِ الْوُجُوبِ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِرْشَادِ، كَحَدِيثِ: " «تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» ". وَحَدِيثِ: " «الرَّمْيُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْإِسْلَامِ» ".
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِلنَّدْبِ وَهُوَ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّهُ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ أَظْهَرُ مِنَ الْإِرْشَادِ فِيهَا، وَإِذَا انْتَفَى الْوُجُوبُ بِالطَّرِيقِ الْآتِي بَقِيَ النَّدْبُ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ مِنْ صِيغَةِ الطَّلَبِ، وَلَا نَافِيَ لَهُ، بَلِ الْأَحَادِيثُ الْآمِرَةُ وَالْمُرَغِّبَةُ مُثْبِتَةٌ لَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَمْ
стр. 283
تَنْصَبَّ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، إِنَّمَا انْصَبَّتْ عَلَى الْمُسْتَطَاعِ مِنْ قُوَّةِ الصَّادِقِ بِالرَّمْيِ وَبِغَيْرِهِ، كَمَا هُوَ مَدْلُولُ لَفْظِ " مَا " الَّتِي مَوْضُوعُهَا الْعُمُومُ لُغَةً وَشَرْعًا، وَكَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ التَّفْسِيرُ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، أَخْرَجَ ابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ مِنْ طَرِيقِ الضحاك، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: الرَّمْيُ وَالسُّيُوفُ وَالسِّلَاحُ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: الْقُوَّةُ سَهْمٌ فَمَا فَوْقَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عباد بن جويرية عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْقُوَّةُ. الْفَرَسُ إِلَى السَّهْمِ فَمَا دُونَهُ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: الْقُوَّةُ السِّلَاحُ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ قُوَّةِ الْجِهَادِ، وَأَخْرَجَ عَنْ عكرمة قَالَ: الْقُوَّةُ. الْحُصُونُ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْقُوَّةُ ذُكُورُ الْخَيْلِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ رجاء بن أبي سلمة قَالَ: لَقِيَ رَجُلٌ مُجَاهِدًا، وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى الْغَزْوِ وَمَعَهُ جُوَالِقُ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَهَذَا مِنَ الْقُوَّةِ، فَهَذِهِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : " «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» " فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ حَصْرُ مَدْلُولِ الْآيَةِ فِيهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُعْظَمُ الْقُوَّةِ، وَأَعْظَمُ أَنْوَاعِهَا تَأْثِيرًا وَنَفْعًا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " أَيْ: مُعْظَمُ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا رُكْنَ لِلْحَجِّ سِوَاهُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ فَهِمَ هَذَا الْفَهْمَ مكحول مِنَ التَّابِعَيْنِ، فَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: الرَّمْيُ مِنَ الْقُوَّةِ، أَخْرَجَهُ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الرَّمْيِ أَخْذًا مِنَ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ، لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِعَيْنِهِ، بَلْ مِنْ بَابِ إِيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي خَائِفِ الْعَنَتِ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَفُّفُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ النِّكَاحَ فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِعَيْنِهِ، بَلْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ السَّعْيَ فِي الْإِعْفَافِ وَاجِبٌ إِمَّا بِالنِّكَاحِ وَإِمَّا بِالتَّسَرِّي، فَإِيجَابُ النِّكَاحِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ إِيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إِذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قِيلَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَصْحَابُ الْمُخْتَصَرَاتِ قَوْلَهُمُ: النِّكَاحُ سُنَّةٌ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، وَكَذَلِكَ هُنَا الْوَاجِبُ إِعْدَادُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْقِتَالِ، وَيُدْفَعُ بِهِ الْعَدُوُّ؛ إِمَّا الرَّمْيُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِذَا حُكِمَ عَلَى الرَّمْيِ بِعَيْنِهِ قِيلَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، فَعُرِفَ بِذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَوْنِ الْآيَةِ مَنْسُوخَةً، بَلْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا.
الِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَكُونُ فِي الْآيَةِ لَيْسَ لِكُلِّ النَّاسِ، بَلْ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ
стр. 284
وَهُمُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ الْمُنْزَلُونَ فِي دِيوَانِ الْفَيْءِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمُ ارْتَزَقُوا أَمْوَالَ الْفَيْءِ عَلَى أَنْ يَقُومُوا بِدَفْعِ الْكُفَّارِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الدَّفْعُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا وَرَدَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى أبي عبيدة - عَلِّمُوا غِلْمَانَكُمُ الْعَوْمَ، وَمُقَاتَلَتَكُمُ الرَّمْيَ - وَهَذَا الْوُجُوبُ مِنْ بَابِ إِيجَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، كَإِيجَابِ نَصْبِ السُّلَّمِ عِنْدَ إِيجَابِ صُعُودِ السَّطْحِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْوُجُوبِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ أَيْضًا إِذَا نُظِرَ إِلَيْهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ، كَغَسْلِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ مَعَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ؛ لِأَجْلِ تَحَقُّقِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ، وَإِذَا نُظِرَ إِلَيْهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كَانَ سُنَّةً؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي الْوُضُوءِ غَسْلُ الْوَجْهِ لَا بَعْضِ الرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ، فَاتَّضَحَ بِهَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ السُّنَّةِ لَا مِنْ قِسْمِ الْوَاجِبِ، وَلَا الْمُبَاحِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَ فَرْضُ الْجِهَادِ؟ .
الْجَوَابُ: رَوَى أحمد، وَالتِّرْمِذِيُّ، والحاكم، وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أبو بكر: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لَيَهْلَكُنَّ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَةَ، قَالَ أبو بكر: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ، قَالَ ابن الحصار مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي كَتَابِهِ " النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ ": اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَفَرِ الْهِجْرَةِ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: خَرَجَ نَاسٌ مُؤْمِنُونَ مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتْبَعَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَةَ فَقَاتَلُوهُمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَمِنْ أَشْرَافِ كُلِّ قَبِيلَةٍ اجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا دَارَ النَّدْوَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيسُ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْهِجْرَةِ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَتَانِ، فَكَانَ هَاتَانِ الْآيَتَانِ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي الْحَرْبِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ حِينَ ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ، وَسَطَتْ بِهِمْ
стр. 285
عَشَائِرُهُمْ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَةَ، وَذَلِكَ حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِالْخُرُوجِ، وَأَذِنَ لَهُمْ بِالْقِتَالِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: إِنَّ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا يُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ فِي قِتَالِهِمْ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] قَالَ: أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ بَعْدَ مَا عُفِيَ عَنْهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا: مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُبِيحَةٌ لَا مُوجِبَةٌ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَمْنُوعًا، ثُمَّ أُبِيحَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ وَجَبَ بِآيَاتِ الْأَمْرِ، فَلَعَلَّ الْإِيجَابَ كَانَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى، أَوْ أَوَّلِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَفِيهَا كَانَ مَبْدَأُ الْغَزَوَاتِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ الْعَامَّ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ فِي بَرَاءَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ مَخْصُوصَةً، وَهَذَا الْآيَةُ فَرَضَتْ عَلَى الْعُمُومِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ، والحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ نَاسًا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: " كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَزِلَّةً، قَالَ: " إِنِّي أَمَرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ " فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] الْآيَةَ» ، وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ فَرْضَ الْقِتَالِ كَانَ فِي سَنَةِ الْهِجْرَةِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْهِجْرَةُ، وَأُمِرُوا بِالْقِتَالِ كَرِهَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ ذَكَرَ: أَنَّ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسَةٍ فِي رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا لِغَيْرِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ بَعَثَ سِرِّيَّةَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ فِي شَوَّالٍ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَبَعْثَهُ فِي سِتِّينَ رَجُلًا، ثُمَّ بَعَثَ سِرِّيَّةَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الْخَرَّارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَبَعَثَهُ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →