← Джавами‘

Джавами‘ · id 21723

الحاوي للفتاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (886 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بِالْمُسْلِمِ وَاللَّائِقُ بِحَالِهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَثَلًا أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ قَامَ مالك مِنْ قَبْرِهِ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الْجَنَابِ الرَّفِيعِ لِحِدَةٍ حَصَلَتْ عِنْدَهُ فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ إِذَا عُرِفَ بِالْخَيْرِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى سَبْقِ اللِّسَانِ، وَلَا يُكْتَفَى مِنْهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ النَّدَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَلَأِ بِالْخَطَأِ، وَيُبَالِغَ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَيَحْثُوَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُكْثِرَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَالِاسْتِقَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَثْرَةِ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى وَجْهِ سَبْقِ اللِّسَانِ، وَلَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُصَمِّمُ، فَيَقُولُ مَثَلًا: لَوْ أَمَرَنِي الْإِنْسُ وَالْجِنُّ بِهَذَا مَا سَمِعْتُ لَهُمْ، وَلَوْ رُوجِعَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ لَقَالَ: مَا أَرَدْتُ ظَاهِرَ الْعِبَارَةِ، وَلَوْ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَبْرِهِ حَقِيقَةً، وَقَالَ لِي: لَبَادَرْتُ إِلَى امْتِثَالِ قَوْلِهِ، وَسَمِعْتُ مِنْ غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وَلَا تَوَقُّفٍ، وَلَكِنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ قُلْتُهَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ؛ لِعِلْمِي بِأَنَّ قِيَامَهُ الْآنَ مِنْ قَبْرِهِ وَقَوْلَهُ لِي غَيْرُ كَائِنٍ وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً، فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ، وَلَكِنَّهُ أَتَى بِعَظِيمٍ مِنَ الْقَوْلِ؛ فَيُعْزَلُ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا لَائِقًا بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَدِّ الْقَتْلِ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِقَادِ، بِحَيْثُ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَيًّا، وَقَالَ لَهُ: الْحُكْمُ بِخِلَافِ مَا حَكَمْتَ لَمْ يَسْمَعْ لَهُ وَهَذَا كُفْرٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، وَقِصَّةُ الَّذِي حَكَمَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ، وَجَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لِيَحْكُمَ لَهُ فَقَتَلَهُ عمر بِالسَّيْفِ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا سَمِعْتُ لَهُ حَتَّى يُرِيَنِي النَّصَّ، وَقَوْلُهُ ﷺ نَفْسُهُ: هُوَ النَّصُّ فَأَيُّ نَصٍّ يُرِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ؟ وَالظَّنُّ بِالْمُسْلِمِ إِنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّانِي فَمِنْ أَخْطَأِ الْخَطَأِ وَأَقْبَحِهِ، وَأَشَدُّ مِنْ قَوْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي السُّوءِ الْإِفْتَاءُ بِإِبَاحَتِهَا، فَأَمَّا أَصْلُ الْمَقَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: لَوْ سَبَّنِي نَبِيٌّ، أَوْ مَلَكٌ لَسَبَبْتُهُ، فَالْجَوَابُ فِيهَا كَمَا قَالَ ابن رشد، وابن الحاج: أَنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ؛ بِالضَّرْبِ

стр. 282

وَالْحَبْسِ، وَأَمَّا إِبَاحَتُهُ لِلنَّاسِ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَمَرْتَبَةٌ أُخْرَى فَوْقَ ذَلِكَ فِي السُّوءِ؛ لِأَنَّهُ إِغْرَاءٌ لِلْعَامَّةِ عَلَى ارْتِكَابِ الْحَرَامِ وَاسْتِحْلَالِهِ، وَغَضٌّ مِنْ مَنْصِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ ﵈، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّ يُبَاحَ هَذَا لِأَحَدٍ وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈ مَعْصُومُونَ، فَلَا يَسُبُّونَ إِلَّا مَنْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِسَبِّهِ؟ وَمَنْ سُبَّ بِالشَّرْعِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسُبَّ سَابَّهُ، فَالْمَسْأَلَةُ مُسْتَحِيلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا، فَالْجَوَابُ: رَدْعُ هَذَا الرَّجُلِ وَزَجْرُهُ وَهَجْرُهُ فِي اللَّهِ، وَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ وَالْإِقْلَاعُ. [بَابُ الْجِهَادِ] مَسْأَلَةٌ: فِي الرَّمْيِ بِالنُّشَّابِ عَلَى نِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وَالْقُوَّةُ مُفَسَّرَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالرَّمْيِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَهَلِ الصَّارِفُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: بِسُنِّيَّتِهِ فَهَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُجُوبِ إِذَا انْتَفَى بِطَرِيقٍ مَا يَبْقَى النَّدْبُ، أَوْ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْآيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِدَعْوَى نَسْخِهَا، وَأُخِذَتِ السُّنِّيَّةُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ . الْجَوَابُ: نَقُولُ: مَذْهَبُنَا أَنَّ الرَّمْيَ بِالنُّشَّابِ عَلَى نِيَّةِ التَّأَهُّبِ لِلْجِهَادِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ وَلَا مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ - هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ مِنَ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ وَجَدْنَاهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا تَتَعَدَّاهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَهُ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ لِلْإِرْشَادِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ ضَعِيفٌ؛ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي التَّرْغِيبِ فِي الرَّمْيِ وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ أَوِ الْوُجُوبِ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِرْشَادِ، كَحَدِيثِ: " «تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» ". وَحَدِيثِ: " «الرَّمْيُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْإِسْلَامِ» ". الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِلنَّدْبِ وَهُوَ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّهُ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ أَظْهَرُ مِنَ الْإِرْشَادِ فِيهَا، وَإِذَا انْتَفَى الْوُجُوبُ بِالطَّرِيقِ الْآتِي بَقِيَ النَّدْبُ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ مِنْ صِيغَةِ الطَّلَبِ، وَلَا نَافِيَ لَهُ، بَلِ الْأَحَادِيثُ الْآمِرَةُ وَالْمُرَغِّبَةُ مُثْبِتَةٌ لَهُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَمْ

стр. 283

تَنْصَبَّ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، إِنَّمَا انْصَبَّتْ عَلَى الْمُسْتَطَاعِ مِنْ قُوَّةِ الصَّادِقِ بِالرَّمْيِ وَبِغَيْرِهِ، كَمَا هُوَ مَدْلُولُ لَفْظِ " مَا " الَّتِي مَوْضُوعُهَا الْعُمُومُ لُغَةً وَشَرْعًا، وَكَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ التَّفْسِيرُ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، أَخْرَجَ ابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ مِنْ طَرِيقِ الضحاك، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: الرَّمْيُ وَالسُّيُوفُ وَالسِّلَاحُ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: الْقُوَّةُ سَهْمٌ فَمَا فَوْقَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عباد بن جويرية عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْقُوَّةُ. الْفَرَسُ إِلَى السَّهْمِ فَمَا دُونَهُ. وَأَخْرَجَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: الْقُوَّةُ السِّلَاحُ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ قُوَّةِ الْجِهَادِ، وَأَخْرَجَ عَنْ عكرمة قَالَ: الْقُوَّةُ. الْحُصُونُ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْقُوَّةُ ذُكُورُ الْخَيْلِ. وَأَخْرَجَ عَنْ رجاء بن أبي سلمة قَالَ: لَقِيَ رَجُلٌ مُجَاهِدًا، وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى الْغَزْوِ وَمَعَهُ جُوَالِقُ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَهَذَا مِنَ الْقُوَّةِ، فَهَذِهِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : " «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» " فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ حَصْرُ مَدْلُولِ الْآيَةِ فِيهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُعْظَمُ الْقُوَّةِ، وَأَعْظَمُ أَنْوَاعِهَا تَأْثِيرًا وَنَفْعًا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " أَيْ: مُعْظَمُ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا رُكْنَ لِلْحَجِّ سِوَاهُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ فَهِمَ هَذَا الْفَهْمَ مكحول مِنَ التَّابِعَيْنِ، فَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: الرَّمْيُ مِنَ الْقُوَّةِ، أَخْرَجَهُ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الرَّمْيِ أَخْذًا مِنَ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ، لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِعَيْنِهِ، بَلْ مِنْ بَابِ إِيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي خَائِفِ الْعَنَتِ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَفُّفُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ النِّكَاحَ فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِعَيْنِهِ، بَلْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ السَّعْيَ فِي الْإِعْفَافِ وَاجِبٌ إِمَّا بِالنِّكَاحِ وَإِمَّا بِالتَّسَرِّي، فَإِيجَابُ النِّكَاحِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ إِيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إِذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قِيلَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَصْحَابُ الْمُخْتَصَرَاتِ قَوْلَهُمُ: النِّكَاحُ سُنَّةٌ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، وَكَذَلِكَ هُنَا الْوَاجِبُ إِعْدَادُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْقِتَالِ، وَيُدْفَعُ بِهِ الْعَدُوُّ؛ إِمَّا الرَّمْيُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِذَا حُكِمَ عَلَى الرَّمْيِ بِعَيْنِهِ قِيلَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، فَعُرِفَ بِذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَوْنِ الْآيَةِ مَنْسُوخَةً، بَلْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا. الِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَكُونُ فِي الْآيَةِ لَيْسَ لِكُلِّ النَّاسِ، بَلْ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ

стр. 284

وَهُمُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ الْمُنْزَلُونَ فِي دِيوَانِ الْفَيْءِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمُ ارْتَزَقُوا أَمْوَالَ الْفَيْءِ عَلَى أَنْ يَقُومُوا بِدَفْعِ الْكُفَّارِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الدَّفْعُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا وَرَدَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى أبي عبيدة - عَلِّمُوا غِلْمَانَكُمُ الْعَوْمَ، وَمُقَاتَلَتَكُمُ الرَّمْيَ - وَهَذَا الْوُجُوبُ مِنْ بَابِ إِيجَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، كَإِيجَابِ نَصْبِ السُّلَّمِ عِنْدَ إِيجَابِ صُعُودِ السَّطْحِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْوُجُوبِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ أَيْضًا إِذَا نُظِرَ إِلَيْهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ، كَغَسْلِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ مَعَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ؛ لِأَجْلِ تَحَقُّقِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ، وَإِذَا نُظِرَ إِلَيْهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كَانَ سُنَّةً؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي الْوُضُوءِ غَسْلُ الْوَجْهِ لَا بَعْضِ الرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ، فَاتَّضَحَ بِهَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ السُّنَّةِ لَا مِنْ قِسْمِ الْوَاجِبِ، وَلَا الْمُبَاحِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَ فَرْضُ الْجِهَادِ؟ . الْجَوَابُ: رَوَى أحمد، وَالتِّرْمِذِيُّ، والحاكم، وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أبو بكر: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لَيَهْلَكُنَّ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَةَ، قَالَ أبو بكر: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ، قَالَ ابن الحصار مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي كَتَابِهِ " النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ ": اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَفَرِ الْهِجْرَةِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: خَرَجَ نَاسٌ مُؤْمِنُونَ مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتْبَعَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَةَ فَقَاتَلُوهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَمِنْ أَشْرَافِ كُلِّ قَبِيلَةٍ اجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا دَارَ النَّدْوَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيسُ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْهِجْرَةِ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَتَانِ، فَكَانَ هَاتَانِ الْآيَتَانِ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي الْحَرْبِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ حِينَ ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ، وَسَطَتْ بِهِمْ

стр. 285

عَشَائِرُهُمْ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَةَ، وَذَلِكَ حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِالْخُرُوجِ، وَأَذِنَ لَهُمْ بِالْقِتَالِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: إِنَّ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا يُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ فِي قِتَالِهِمْ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] قَالَ: أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ بَعْدَ مَا عُفِيَ عَنْهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا: مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُبِيحَةٌ لَا مُوجِبَةٌ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَمْنُوعًا، ثُمَّ أُبِيحَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ وَجَبَ بِآيَاتِ الْأَمْرِ، فَلَعَلَّ الْإِيجَابَ كَانَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى، أَوْ أَوَّلِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَفِيهَا كَانَ مَبْدَأُ الْغَزَوَاتِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ الْعَامَّ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ فِي بَرَاءَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ مَخْصُوصَةً، وَهَذَا الْآيَةُ فَرَضَتْ عَلَى الْعُمُومِ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ، والحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ نَاسًا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: " كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَزِلَّةً، قَالَ: " إِنِّي أَمَرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ " فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] الْآيَةَ» ، وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ فَرْضَ الْقِتَالِ كَانَ فِي سَنَةِ الْهِجْرَةِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْهِجْرَةُ، وَأُمِرُوا بِالْقِتَالِ كَرِهَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ ذَكَرَ: أَنَّ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسَةٍ فِي رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا لِغَيْرِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ بَعَثَ سِرِّيَّةَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ فِي شَوَّالٍ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَبَعْثَهُ فِي سِتِّينَ رَجُلًا، ثُمَّ بَعَثَ سِرِّيَّةَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الْخَرَّارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَبَعَثَهُ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 286

[كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ] [ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ فِي الْفَلَوَاتِ عَلَى الطُّيُورِ] مَسْأَلَةٌ: فِي الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ فِي الْفَلَوَاتِ عَلَى الطُّيُورِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا، مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِأَحَدٍ بِهِ ضَرَرٌ؟ . الْجَوَابُ: مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّيْدَ الْمَقْتُولَ بِالْبُنْدُقِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمَوْقُوذَةِ، إِلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَأَمَّا الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقِ فَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: " إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» ". فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ - وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِنَا - صَرَّحَ بِهِ مجلى فِي الذَّخَائِرِ، وَأَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام، وَجَزَمَ بِهِ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ، وَعِبَارَتُهُ: الْقَتْلُ بِالْبُنْدُقِ لَا يُحِلُّ الْمَقْتُولَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ لِقُوَّةِ رَامِيهِ لَا بِحَدِّهِ، وَلَا يَحِلُّ الرَّمْيُ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الْحَيَوَانِ لِلْهَلَاكِ انْتَهَى، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى الِاصْطِيَادِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن حجر: التَّحْقِيقُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ الرَّامِي أَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِهِ امْتَنَعَ، وَإِلَّا جَازَ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الرَّامِي لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَقْتُلُهُ غَالِبًا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُكْرَهُ رَمْيُ الْبُنْدُقِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي الْفَلَاةِ، فَجَعَلَ مَدَارَ النَّهْيِ عَلَى خَشْيَةِ إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْأَطْعِمَةِ] مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَحِلُّ أَكْلُ الْبَطَارِخِ وَهَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ طَاهِرٌ؟ . الْجَوَابُ: الْمَنْقُولُ فِي الْجَوَاهِرِ للقمولي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ سَمَكِ مِلْحٍ وَلَمْ يُنْزَعْ مَا فِي جَوْفِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَطَارِخُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَنْ نَسَبَ الْعَفْوَ إِلَى الرَّوْضَةِ فَهُوَ

стр. 287

غَالِطٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ - هَلْ يَحِلُّ أَكْلُ السَّمَكِ الصِّغَارِ إِذَا شُوِيَتْ وَلَمْ يُشَقَّ مَا فِي جَوْفِهَا وَيُخْرَجْ مَا فِيهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: وَجْهُ الْجَوَازِ عُسْرُ تَتَبُّعِهَا، وَعَلَى الْمُسَامَحَةِ جَرَى الْأَوَّلُونَ، فَإِنَّ الروياني بِهَذَا أَفْتَى، وَرَجِيعُهَا طَاهِرٌ عِنْدِي انْتَهَى. وَهَذِهِ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَهَا فِي الصِّغَارِ، وَعَلَّلَ الْجَوَازَ بِعُسْرِ التَّتَبُّعِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْكِبَارِ.

стр. 288

[كِتَابُ الْأَيْمَانِ] مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ حَلَفَ شَهِدَ اللَّهُ أَوْ يَشْهَدُ اللَّهُ لَوْ أَضَافَ قَوْلَهُ " وَحَقَّ " هَلْ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ أَمْ لَا؟ وَمَا إِذَا حَلَفَ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ، وَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ؟ . الْجَوَابُ: لَا نَقْلَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي شَهِدَ اللَّهُ، وَيَشْهَدُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَفِي الْأَذْكَارِ للنووي مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَرَّعُ عَنِ الْيَمِينِ، فَيَعْدِلُ إِلَى قَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ، فَيَقَعُ فِي أَشَدِّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ شَهِدَ الشَّيْءَ وَعَلِمَهُ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ ضَمَّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ: وَحَقٌّ شَهِدَ اللَّهُ، إِلَّا إِنْ أَرَادَ بِشَهِدَ الْمَصْدَرَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَحَقٌّ شَهَادَةُ اللَّهِ، أَيْ عِلْمُهُ فَيَكُونُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِالْعِلْمِ، وَإِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَإِرَادَةُ الْمَصْدَرِ سَائِغٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] أَيْ: يَوْمُ نَفَعَهُمْ، وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: مِنْ جِفَانٍ تَعْتَرِي نَادِيَنَا ... بِسَدِيفٍ حِينَ هَاجَ الصِّنَّبِرُ أَيْ حِينَ يَهِيجُ الصِّنَّبِرُ، وَإِذَا حَلَفَ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ فَهُوَ يَمِينٌ بِلَا شَكٍّ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ حَلَفَ لَا يُشَارِكُ أَخَاهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَهِيَ مِلْكُ أَبِيهِمَا، فَمَاتَ الْوَالِدُ، وَانْتَقَلَ الْإِرْثُ لَهُمَا، وَصَارَا شَرِيكَيْنِ فَهَلْ يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلِ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ شَرِكَةً تُؤَثِّرُ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: أَمَّا مُجَرَّدُ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ بِالْإِرْثِ فَلَا يَحْنَثُ بِهِ، وَأَمَّا الِاسْتِدَامَةُ فَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِهَا.

стр. 289

[كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ] مَسْأَلَةٌ: وَرَدَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ، فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو عبد الله البلالي فِي " مُخْتَصَرِ الْإِحْيَاءِ " حَيْثُ قَالَ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةِ: وَتَتَأَكَّدُ الْأُضْحِيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ بَحَثْنَا عَنْ هَذَا الْفَرْعِ فِي كُتُبِ السَّادَةِ الْمَالِكِيَّةِ، فَمَا وَجَدْنَا مَا يُثْلِجُ الصَّدْرَ، وَيُزِيلُ اللَّبْسَ، فَكَتَبْنَا لَكُمْ فِيهِ لِتُبَيِّنُوا لَنَا أَصْلَهُ مِنَ السُّنَّةِ. الْجَوَابُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: ثَنَا أسود بن عامر قَالَ: ثَنَا شريك عَنْ أبي الحسناء، عَنْ أبي الحكم، عَنْ حنش، «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ، فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ أَبَدًا» ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَضَاحِي: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا شريك عَنْ أبي الحسناء، عَنِ الحكم، عَنْ حنش، «عَنْ علي قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ بِكَبْشٍ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَفْعَلَهُ» ، وَقَالَ أبو داود فِي سُنَنِهِ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا شريك عَنْ أبي الحسناء، عَنِ الحكم، «عَنْ حنش قَالَ: رَأَيْتُ عليا يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ، فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مَعًا، ثَنَا محمد بن عبيد المحاربي الكوفي، ثَنَا شريك عَنْ أبي الحسناء، عَنِ الحكم، عَنْ حنش، «عَنْ علي أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: أَمَرَنِي بِهِ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ فَلَا أَدَعُهُ أَبَدًا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شريك انْتَهَى، وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْوَذِيِّ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ أبو الحسن العبادي، والقفال فِي فَتَاوِيهِ، وَجَزَمَ القفال بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا شَيْئًا، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الذَّابِحَ لَمْ يَتَقَرَّبْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَقَرَّبَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ حَقِّ الْغَيْرِ شَيْئًا، وَكَذَا نَقَلَهُ

стр. 290

التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنِ ابن المبارك قَالَ: فَإِنْ ضَحَّى فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا شَيْئًا، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا، قَالَ البلقيني فِي تَصْحِيحِ الْمِنْهَاجِ: حَدِيثُ علي إِنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خُصُوصِيَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . [بَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ] [وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى دَارٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَهَا] بَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ مَسْأَلَةٌ: ثَلَاثَةٌ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى دَارٍ، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَهَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً شَهِدَتْ لَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ ادَّعَى الثَّانِي: أَنَّهُ يَمْلِكُ ثُلُثَيِ الدَّارِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ، ثُمَّ ادَّعَى الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَمْلِكُ ثُلُثَ الدَّارِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ الْحَاكِمُ؟ . الْجَوَابُ: لِكُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ شَهِدَتْ لَهُ بِمَا فِي يَدِهِ، وَشَهِدَتْ لِلْأَوَّلِينَ بِزِيَادَةٍ فَلَمْ تَثْبُتِ الزِّيَادَةُ مِنْ أَجْلِ الْمُعَارَضَةِ، أَمَّا مُدَّعِي الْكُلِّ؛ فَلِأَنَّ بَيِّنَتَهُ فِي الزَّائِدِ مُعَارَضَةٌ بِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَبَيِّنَةِ مُدَّعِي الثُّلُثِ فِي الثُّلُثِ فَتَسَاقَطَا، وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَأَمَّا مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ؛ فَلِأَنَّ بَيِّنَتَهُ فِي الزَّائِدِ مُعَارَضَةٌ بِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الْكُلِّ فِيهِ، فَتَسَاقَطَا وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُ بِالثُّلُثِ الزَّائِدِ، وَأَمَّا مُدَّعِي الثُّلُثِ فَبَيِّنَتُهُ لَمْ تَشْهَدْ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَا يُعَارِضُهَا بَيِّنَةُ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، بَلْ عَارَضَهَا مُدَّعِي الْكُلِّ، وَلَكِنَّ الْيَدَ مُرَجَّحَةٌ، فَاسْتَقَرَّ لِكُلٍّ مِنْهُمُ الثُّلُثُ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَهَلْ هَذَا الِاسْتِقْرَارُ بِالْيَدِ فَقَطْ، أَوْ بِهَا وَبِالْبَيِّنَةِ مَعًا؟ فِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ، لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهُ. [حُسْنُ التَّصْرِيفِ فِي عَدَمِ التَّحْلِيفِ] وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنَّنِي اسْتُفْتِيتُ عَنْ رَجُلٍ أَقَرَّ بِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ مَالِكِهَا، وَأَنَّهُ رَأَى وَتَسَلَّمَ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَأَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ، وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُؤَجِّرِ بِذَلِكَ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ فَأَجَبْتُ بِأَنَّ لَهُ تَحْلِيفَهُ عَلَى التَّسْلِيمِ لَا عَلَى الرُّؤْيَةِ، ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ أَجَابَ: بِأَنَّ لَهُ التَّحْلِيفَ فِي الرُّؤْيَةِ أَيْضًا، فَكَتَبْتُ لَهُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِنَقْلٍ صَرِيحٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْقَبْضِ، فَكَتَبَ لِي مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ، أَمَّا الْعُمُومُ فَقَوْلُهُمْ: أَنْ كُلَّمَا لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ نَفْعَ

стр. 291

الْمُدَّعِي تَجُوزُ الدَّعْوَى بِهِ وَتُسْمَعُ، أَمَّا الْخُصُوصُ فَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ: لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَإِقْبَاضٍ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ فَاسِدًا، وَأَقْرَرْتُ لِظَنِّي الصِّحَّةَ، لَمْ يُقْبَلْ، وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ لَهُ، قَالَ: وَلَمْ يُفَرِّقِ الْأَصْحَابُ بَيْنَ عِلَّةِ فَسَادٍ وَعِلَّةٍ، قَالَ: وَإِذَا حَلَفَ بَعْدَ إِقْرَارِ الْمُدَّعِي بِالْبَيْعِ فَتَحْلِيفُهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ أَوْلَى، قَالَ: وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ تَصْحِيحُ الْأَسْنَوِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُنْكِرِ الرُّؤْيَةِ، وَمُوَافَقَتُهُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ دَعْوَى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ أَقْرَبُ إِلَى الصِّدْقِ مِنْ دَعْوَى كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ، وَمُنْكِرُ الرُّؤْيَةِ مَعَهُ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ، فَظَهَرَ أَنَّ الْقَوَاعِدَ مَا تَأْبَى ذَلِكَ قَالَ: وَنَحْنُ فِي الْجَوَابِ مَا خَرَجْنَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَبْضِ، وَلَوْ خَرَجْنَا صَحَّ التَّخْرِيجُ، لَكِنْ لَا مَعْنَى لِلتَّخْرِيجِ مَعَ النَّقْلِ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ - هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ. فَلَمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ رَأَيْتُهُ لَمْ يَحُمْ حَوْلَ الْحِمَى، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ مَا صُورَتُهُ: وَقَفْتُ عَلَى مَا سَطَرَهُ مَوْلَانَا فَوَجَدْتُ فِيهِ مُؤَاخِذَاتٍ، وَكُنَّا أَرَدْنَا الْإِغْضَاءَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ دَأْبُنَا مَعَ أَكْثَرِ النَّاسِ، ثُمَّ قَوِيَ الْعَزْمُ عَلَى ذِكْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ إِعْرَاضِنَا إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْجَاهِلِينَ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ، لَا عَنْ مِثْلِكُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُكُمْ: إِنَّ كَلِمًا لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ نَفَعَ الْمُدَّعِي تَجُوزُ الدَّعْوَى بِهِ وَتُسْمَعُ، فَجَوَابُهُ: إِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا وَإِنَّمَا هِيَ أَكْثَرِيَّةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِدْلَالُكُمْ عَلَى مَسْأَلَتِنَا بِمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمِنْهَاجِ، وَهَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ يَطُولُ التَّعَجُّبُ مِنْهُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَلْتَبِسُ عَلَى آحَادِ النَّاسِ فَضْلًا عَنْكُمْ، وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ دَعْوَاكُمْ أَنَّهُ نَقْلٌ خَاصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَ بِخَاصٍّ، بَلْ وَلَا عَامٍّ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَإِنَّ بَيْنَهُمَا لَأَشَدُّ الْمُبَايَنَةِ، وَإِنَّ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ كَمَا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالْفَرْقِ، بَلْ كَمَا بَيْنَ حَضِيضِ الثَّرَى وَمَنَاطِ الثُّرَيَّا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمِنْهَاجِ صُورَتُهَا فِيمَنْ أَقَرَّ بِعَقْدٍ إِجْمَالِيٍّ مُشْتَمِلٍ عَلَى جُزْئِيَّاتِ وَصَفَاتٍ وَشُرُوطٍ فَعَادَ وَلَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ، وَلَكِنْ أَنْكَرَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِهِ، أَوْ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِهِ، أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ قَائِلًا مُعْتَذِرًا: لَمْ أَظُنَّ أَنَّ فَوَاتَهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ فَلِهَذَا سَمَحْنَا لَهُ بِالتَّحْلِيفِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ فَصُورَتُهَا: أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ رَأَى مَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، فَأَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تِلْكَ؟ أَيُقَاسُ عَلَى رَجُلٍ أَقَرَّ بِعِقْدٍ مُجْمَلٍ، ثُمَّ لَمْ يُنْكِرُ مَا وَقَعَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِهِ، كَالرُّؤْيَةِ مَثَلًا؟ وَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا فِي إِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ، وَلَا ذَكَرَهَا مَنْ صَرَّحَ بِإِقْرَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ، ثُمَّ عَادَ يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَا وَلَا كَرَامَةَ وَلَا نِعْمَةَ عَيْنٍ، وَقَوْلُنَا: وَلَا عُذْرَ لَهُ وَلَا تَأْوِيلَ احْتَرَزْتُ بِهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقَبْضِ، فَإِنَّهُ فِيهَا أَقَرَّ بِالْقَبْضِ ثُمَّ عَادَ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ فِيهِ، لَكِنْ بِعُذْرٍ وَتَأْوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ

стр. 292

جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ عَنِ الْعَقْدِ، وَإِنَّ النَّاسَ يُقِرُّونَ بِهِ لِأَجْلِ رَسْمِ الْقَبَالَةِ؛ لِيَقْبِضُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا كَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ، فَإِنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ وَلَا الشَّرْعُ بِتَأْخِيرِهَا عَنِ الْعَقْدِ حَتَّى نَقُولَ إِنَّهُ أَقَرَّ بِهَا لِأَجْلِ رَسْمِ الْقَبَالَةِ؛ لِيَرَى بَعْدَ ذَلِكَ - هَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا - فَقَدْ عُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَسْأَلَةَ الرُّؤْيَةِ تُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَتْ تُشْبِهُهَا، وَأَنَّهَا تُبَايِنُ مَسْأَلَةَ الْبَيْعِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمِنْهَاجِ بِكُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِأَمْرٍ عَامٍّ أُنْكِرَ مِنْهُ جُزْئِيَّةٌ خَاصَّةٌ مِنْ لَوَازِمِهِ، مَعَ بَقَائِهِ عَلَى وُقُوعِ أَصْلِ الْعَقْدِ الْمُقَرِّ بِهِ، لَكِنْ بِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ الْإِقْرَارُ فِيهَا وَقَعَ بِجُزْئِيَّةٍ خَاصَّةٍ لَا غَيْرَ، ثُمَّ عَادَ وَأَنْكَرَهَا فَلَا يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، وَلَا يُسْمَحُ لَهُ بِالتَّحْلِيفِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأَقَارِيرِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَصْلُحُ لَكُمْ أَنْ تَسْتَدِلُّوا بِمَسْأَلَةِ الْمِنْهَاجِ لَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِعَقْدِ إِجَارَةٍ فَقَطْ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرُّؤْيَةِ وَلَا غَيْرِهَا، ثُمَّ عَادَ وَقَالَ: لَمْ أَرَ، فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا لَهُ التَّحْلِيفُ، وَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمِنْهَاجِ وَأَمَّا صُورَتُنَا هَذِهِ فَلَا. وَإِنَّمَا نَظِيرُ صُورَتِنَا هَذِهِ أَنْ يُقِرَّ بِبَيْعٍ وَرُؤْيَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ وَيَقُولُ: لَمْ أَرَ، فَتَقُولُونَ فِي هَذِهِ: إِنَّ لَهُ التَّحْلِيفَ. إِنْ قُلْتُمْ لَا فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ قُلْنَا لَكُمْ: لَا نَقْلَ فِي ذَلِكَ وَالْقَوَاعِدُ تَأْبَاهُ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي اسْتَنَدْتُمْ إِلَيْهَا فِي الْمِنْهَاجِ لَيْسَ صُورَتُهَا أَنَّهُ صَرَّحَ بِالْإِقْرَارِ بِالرُّؤْيَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا صُورَتُهَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِذَكَرِ شُرُوطِهِ: مِنْ رُؤْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ عَادَ وَأَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ. وَمِنَ الْعَجَبِ قَوْلُكُمْ: إِنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ عِلَّةِ فَسَادٍ وَعِلَّةٍ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَمْشِي مَعَكُمْ فِي أَمْرٍ عَامٍّ لَهُ شَرْطٌ فَوَاتُهُ مُفْسِدٌ، لَمْ يَذْكُرْهُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ عَادَ وَذَكَرَهُ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالرُّؤْيَةِ الَّذِي هُوَ مَسْأَلَتُنَا فَلَيْسَ شَيْئًا عَامًّا لَهُ شَرْطٌ فَوَاتُهُ يُفْسِدُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ خَاصٌّ أَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ عَادَ وَأَنْكَرَهُ فَلَا يُسْمَعُ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَمَسْأَلَةِ الْمِنْهَاجِ بَوْنًا عَظِيمًا، وَأَنَّ قَوْلَنَا فِي مَسْأَلَةِ إِنْكَارِ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهَا: لَيْسَ لَهُ التَّحْلِيفُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ، وَالتَّخْرِيجُ الصَّحِيحُ الرَّجِيحُ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا بِنَقْلٍ صَرِيحٍ، فَحِينَئِذٍ نَقْبَلُهُ وَنَقُولُ: إِذَا جَاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ.

стр. 293

[بَابُ الشَّهَادَاتِ] مَسْأَلَةٌ: قُرَّاءٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتٍ حَسَنَةٍ مُحْتَرِزِينَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فِيهِ، عَالِمِينَ بِأَحْكَامِ الْقِرَاءَةِ فَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ؟ . الْجَوَابُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَسَنَةِ وَالتَّرْجِيعِ إِنْ لَمْ تُخْرِجْهُ عَنْ هَيْئَتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَإِنْ أَخْرَجَتْهُ فَحَرَامٌ فَاحْشٌ - هَذَا مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ - صَرَّحَ بِهِ النووي فِي الرَّوْضَةِ وَالتِّبْيَانِ، وَيَدُلُّ لِلشِّقِّ الْأَوَّلِ أَحَادِيثُ، مِنْهَا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : " قَرَأَ سُورَةَ الْفَتْحِ فِي السَّفَرِ، يَرْجِعُ فِيهَا وَيَقُولُ: آآ آ» "، وَمِنْهَا حَدِيثُ البراء أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» " رَوَاهُ أبو داود، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، والحاكم، وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: " «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا» ". وَمِنْهَا حَدِيثُ فضالة بن عبيد الأنصاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَانًا إِلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ» " رَوَاهُ الحاكم، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ - وَأَذِنَ بِمَعْنَى: اسْتَمَعَ - وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وعائشة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» " عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَفِي لَفْظٍ عَنْ سعد: " «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا وَتَغَنَّوْا بِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ بريدة «أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ قِرَاءَةَ أبي موسى، فَقَالَ: " لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيَدُلُّ لِلشِّقِّ الثَّانِي مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً؟ فَقَالَ: " مَنْ إِذَا قَرَأَ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ» "، وَمَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ حذيفة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ» ". وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عابس الغفاري قَالَ: " «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ خِصَالًا يَتَخَوَّفُهُنَّ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ إِمَارَةَ السُّفَهَاءِ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَكَثْرَةَ الشَّرْطِ، وَنَشْئًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يَتَغَنَّوْنَ غِنَاءً، يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَيْسَ بِأَفْضَلِهِمْ وَلَا أَعْلَمِهِمْ، لَا يُقَدِّمُونَهُ إِلَّا لِيُغَنِّيَ لَهُمْ» "، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ أَنَسٍ بِلَحْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْحَانِ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَنَسٌ.

стр. 294

وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ هَذِهِ الْأَلْحَانَ فِي الْقِرَاءَةِ مُحْدَثَةً، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي الشِّقَّيْنِ كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا أَوْرَدْنَاهُ كِفَايَةٌ. [بَابٌ جَامِعٌ] [مسائل متفرقة] بَابٌ جَامِعٌ مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ مُسْلِمِينَ، وَفِيهِمْ نَصْرَانِيٌّ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا قَصَدْتُ إِلَّا الْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ لَهُ: مِنْ حَقِّكَ أَنْ تَقُولَ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى فَهَلْ يُجْزِئُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ، أَوْ يَتَعَيَّنُ الثَّانِي؟ . الْجَوَابُ: لَا يُجْزِئُ فِي السَّلَامِ إِلَّا اللَّفْظُ الْأَوَّلَ، وَلَا يُسْتَحَقُّ الرَّدُّ إِلَّا بِهِ، وَيَجُوزُ السَّلَامُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِمْ نَصْرَانِيٌّ إِذَا قَصَدَ الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ، وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى فَإِنَّمَا شُرِعَ فِي صُدُورِ الْكُتُبِ إِذَا كُتِبَتْ لِلْكَافِرِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ مَنْ يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ: يَرْحَمُ اللَّهُ سَيِّدِي، أَوْ قَالَ مَنْ يَبْتَدِئُ السَّلَامَ: السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي، أَوِ الرَّادُّ: وَعَلَى سَيِّدِي السَّلَامُ هَلْ يَتَأَدَّى بِذَلِكَ السُّنَّةُ أَوِ الْفَرْضُ؟ . الْجَوَابُ: قَالَ ابن صورة فِي كِتَابِ الْمُرْشِدِ: وَلْيَكُنِ التَّشْمِيتُ بِلَفْظِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ، قَالَ ابن دقيق العيد فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ: وَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ إِذَا خَاطَبُوا مَنْ يُعَظِّمُونَهُ قَالُوا: يَرْحَمُ اللَّهُ سَيِّدَنَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِطَابٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ زَمَانِنَا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: قُلْ يَرْحَمُكُ اللَّهُ يَا سَيِّدَنَا، قَالَ: وَكَأَنَّهُ قَصَدَ الْجَمْعَ بَيْنَ لَفْظِ الْخِطَابِ، وَبَيْنَ مَا اعْتَادُوهُ مِنَ التَّعْظِيمِ. انْتَهَى. وَيُقَاسُ بِذَلِكَ مَسَائِلُ السَّلَامِ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْمَعْنَا فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِكَ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ شَخْصٌ فَمَنِ الْمُصِيبُ؟ . الْجَوَابُ: هَذَا الْكَلَامُ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمُ النووي وَقَالَ: الصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ، وَمُسْتَقَرُّ الرَّحْمَةِ هُوَ الْجَنَّةُ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ اخْتَارَ الرَّجُلُ شَيْخًا آخَرَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فَهَلِ الْعَهْدُ الْأَوَّلُ لَازِمٌ أَمِ الثَّانِي؟ . الْجَوَابُ: لَا يَلْزَمُ الْعَهْدُ الْأَوَّلُ وَلَا الثَّانِي، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ.

стр. 295

مَسْأَلَةٌ: مَا قَوْلُكُمْ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ فِي رَجُلٍ ... مُؤَذِّنٍ لِخَطِيبٍ كُلَّمَا صَعِدَا؟ يَقُولُ مُلْتَزِمًا بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى ... خَيْرِ الْبَرِيَّةِ مَنْ جَاءَ الْأَنَامَ هُدَى وَزِدْهُ يَا رَبُّ تَشْرِيفًا وَقَدْ عَلِمُوا ... ضَرُورَةً أَنَّهُ بِالْمَجْدِ مُنْفَرِدَا وَقَدْرُهُ زَائِدٌ وَهُوَ الْمُكَمَّلُ فِي ... خَلْقٍ وَأَخْلَاقُهُ مَحْمُودَةٌ أَبَدَا لَمْ يَسْأَلِ الشَّرَفَ الْعَالِي لِرُتْبَتِهِ ... إِذْ شَرُفَتْ بِعَزِيزٍ خُصَّ مُتَّحِدَا فَهَلْ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ فِي مَقَالَتِهِ ... وَقَدْ تَعَاهَدَ هَذَا كُلُّ مَنْ وَجَدَا؟ أَوْ قَوْلُهُ ذَا يُضَاهِي مَا يُجَوِّزُهُ ... مَتْنُ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي ضِمْنِهِ وَرَدَا ذِكْرُ التَّرَحُّمِ يَا مَنْ لِلْعُلُومِ يُرَى ... وَفَضْلُهُ ظَاهِرٌ وَالْخَيْرُ مِنْهُ بَدَا أَنْتَ الَّذِي نَالَهُ مِنْ فَيْضِكُمْ مَدَدٌ ... وَزَالَ عَنْهُ بِفُتْيَاكُمْ أَذًى وَرَدَى لَا زِلْتَ تُرْشِدُ مُحْتَاجًا لِمَسْأَلَةٍ ... أَعْيَتْ وَنِلْتَ مَنَالًا نَالَهُ السُّعَدَا الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا دَائِمًا أَبَدًا ... سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ بِالْحَمْدِ مُنْفَرِدَا ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْهَادِي النَّبِيِّ وَمَنْ ... هَدَى بِدَعْوَتِهِ الْأَدْنَيْنَ وَالْبُعَدَا مَنْ قَالَ لِلْمُصْطَفَى أَثْنَاءَ دَعْوَتِهِ ... وَزِدْهُ يَا رَبُّ تَشْرِيفًا فَقَدْ رَشَدَا وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي مَقَالَتِهِ ... وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى إِنْكَارِ مَنْ فَنَدَا أَلَا تَرَى النووي الْحَبْرَ قَالَ كَذَا ... فِي صَدْرِ خُطْبَةِ كُتْبٍ عُدِّدَتْ عَدَدَا وَهُوَ الْمُكَمَّلُ حَقًّا فِي فَضَائِلِهِ ... مِنْ غَيْرِ رَيْبٍ وَلَا نَقْصٍ يَهِي أَبَدًا لَكِنْ زِيَادَاتُ فَضْلِ اللَّهِ لَيْسَ لَهَا ... حَدٌّ تُحَاطُ بِهِ أَوْ تَنْتَهِي أَمَدَا وَانْظُرْ أَحَادِيثَ أَوْصَافِ الْجِنَانِ تَجِدْ ... مَضْمُونَهَا بِالَّذِي قَدْ قُلْتُ قَدْ شَهِدَا فِي كُلِّ يَوْمٍ يَرَاهُ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا ... وَالْمُؤْمِنُونَ نَوَالًا لَمْ يَكُنْ عُهِدَا وَعِنْدَ رُؤْيَةِ بَيْتِ اللَّهِ زِدْهُ عَلَى ... دُعَا النَّبِيِّ وَتَشْرِيفًا كَمَا وَرَدَا فَهَلْ يَقُولُ امْرُؤٌ فِي كَعْبَةٍ عَظُمَتْ ... بِأَنَّ ذَا تَوَهُّمٌ لَيْسَ مُعْتَمَدًا؟ وابن السيوطي قَدْ خَطَّ الْجَوَابَ عَسَى ... يَوْمُ الْمَعَادِ يَجِيءُ فِي زُمْرَةِ السُّعَدَا مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُسْتَدَلُّ لِجَوَازِ قَوْلِ النَّاسِ مَا لِي إِلَّا اللَّهُ وَأَنْتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] ؟ .

стр. 296

الْجَوَابُ: قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ الْمُتَمَسِّكُ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ، مِنْهَا أَنَّ الْأَرْجَحَ فِي مَنِ اتَّبَعَكَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِ لَا عَلَى الْجَلَالَةِ، وَالتَّمَسُّكُ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا قُدِّرَ مَعْطُوفًا عَلَى الْجَلَالَةِ، وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ صَادِرٌ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ صَاحِبُ هَذَا الْمَنْصِبِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ الْمَخْلُوقُونَ فِي قَوْلِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِالْمَخْلُوقَاتِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ [الذاريات: ١] ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١] ﴿وَالشَّمْسِ﴾ [الشمس: ١] ﴿وَاللَّيْلِ﴾ [الليل: ١] ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لِغَيْرِهِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ مَنْصِبِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» " أَنَّ التَّشْرِيكَ فِي الضَّمِيرِ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَهَى عَنْهُ فِي قِصَّةِ الْخَطِيبِ، وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ: " «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: جَعَلْتَنِي لِلَّهِ عَدْلًا بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» ". مَسْأَلَةٌ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ التَّعَجُّبِ هَلْ تُسْتَجَبُّ أَوْ تُكْرَهُ؟ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ، وَقَالَ: أَخَذْتُهُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي قَوْلِهِ: وَأُحِبُّ أَنْ يُكْثِرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ، قَالَ: فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِ حَالَةُ التَّعَجُّبِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ كَرِهَهَا عِنْدَ التَّعَجُّبِ، وَقَالَ: لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِسَابِ وَطَلَبِ الثَّوَابِ، ثُمَّ نَازَعَهُ فِي ذَلِكَ: بِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مَشْرُوعٌ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: بَابُ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، وَرَوَى فِيهِ حَدِيثَ عمر، وَحَدِيثَ صفية، وَهَلْ وَرَدَ دَلِيلٌ خَاصٌّ بِكَرَاهَتِهَا كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ؟ . الْجَوَابُ: قَدْ يُسْتَدَلُّ لِسَحْنُونٍ بِمَا أَخْرَجَهُ الحاكم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ بِحَضْرَتِهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنْ مَا هَكَذَا عُلِّمْنَا، لَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارُهُ خِلَافَ قَوْلِ سَحْنُونٍ: لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَهْيٌ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ حَالَةَ التَّعَجُّبِ، وَلَا تَرِدُ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعُطَاسِ؛ لِأَنَّ الْعُطَاسَ وَرَدَ فِيهِ ذِكْرٌ يَخُصُّهُ فَالْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ، أَوِ الزِّيَادَةُ فِيهِ عُدُولٌ عَنِ الْمَشْرُوعِ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ وَمَذْمُومٌ، فَلَمَّا كَانَ الْوَارِدُ فِي الْعُطَاسِ الْحَمْدُ فَقَطْ كَانَ ضَمُّ السَّلَامِ إِلَيْهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْأَذْكَارِ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى ذَمِّهِ، وَقَدْ نَهَى الْفُقَهَاءُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا وَرَدَ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وَقَدْ عَقَدَ النووي فِي الْأَذْكَارِ

стр. 297

بَابًا لِجَوَازِ التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَوْرَدَ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ وَآثَارٍ وَقَعَ فِيهَا ذِكْرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، فَقَوْلُ النووي: وَنَحْوُهُمَا يَدْخُلُ فِيهِ فَصْلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ التَّعَجُّبِ لَا تُكْرَهُ لِعَدَمِ النَّهْيِ، وَلَا تُسْتَحَبُّ لِعَدَمِ دَلِيلٍ عَلَى طَلَبِهَا حِينَئِذٍ، بَلْ هِيَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النووي بِلَفْظِ الْجَوَازِ فِي التَّرْجَمَةِ. [الْقَوْلُ الْمَشْرِقُ فِي تَحْرِيمِ الِاشْتِغَالِ بِالْمَنْطِقِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. مَسْأَلَةٌ: فِي شَخْصٍ يَدَّعِي فِقْهًا، يَقُولُ: إِنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ، وَإِنَّ عِلْمَ الْمَنْطِقِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنَّ لِمُتَعَلِّمِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَلَا يَصِحُّ تَوْحِيدُ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَمَنْ أَفْتَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ فَمَا يُفْتِي بِهِ بَاطِلٌ، وَقَالَ: إِنَّ الْحَشِيشَةَ كُلُّ مَنِ اسْتَعْمَلَهَا كَفَرَ، وَقَالَ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ يُحِلُّ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُ الْحَلَالَ، وَقَالَ: إِنْ أَبَا حَامِدٍ الْغَزَالِيَّ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَإِنَّمَا كَانَ زَاهِدًا فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؟ . الْجَوَابُ: فَنُّ الْمَنْطِقِ فَنٌّ خَبِيثٌ مَذْمُومٌ، يَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِهِ، مَبْنِيٌّ بَعْضُ مَا فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْهَيُولِي الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، يَجُرُّ إِلَى الْفَلْسَفَةِ وَالزَّنْدَقَةِ، وَلَيْسَ لَهُ ثَمَرَةٌ دِينِيَّةٌ أَصْلًا، بَلْ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ - نَصَّ عَلَى مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْتُهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ، وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ - فَأَوَّلُ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، وابن الصباغ - صَاحِبُ الشَّامِلِ - وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ، ونصر المقدسي، والعماد بن يونس، وحفده، وَالسِّلَفِيُّ، وابن بندار، وَابْنُ عَسَاكِرَ، وابن الأثير، وَابْنُ الصَّلَاحِ، وابن عبد السلام، وأبو شامة، والنووي، وابن دقيق العيد، والبرهان الجعبري، وأبو حيان، والشرف الدمياطي، والذهبي، والطيبي، والملوي، والأسنوي، وَالْأَذْرُعِيُّ، والولي العراقي، والشرف بن المقري، وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ شرف الدين المناوي، وَنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ - صَاحِبُ الرِّسَالَةِ - وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَأَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِّيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - صَاحِبُ قُوتِ الْقُلُوبِ

стр. 298

وأبو الحسن بن الحصار، وأبو عامر بن الربيع، وأبو الحسن بن حبيب، وأبو حبيب المالقي، وابن المنير، وابن رشد، وابن أبي جمرة، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ، والسراج القزويني، وَأَلَّفَ فِي ذَمِّهِ كِتَابًا - سَمَّاهُ: " نَصِيحَةُ الْمُسْلِمِ الْمُشْفِقِ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِحُبِّ عِلْمِ الْمَنْطِقِ " وَنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ ابن الجوزي، وسعد الدين الحارثي، والتقي ابن تيمية، وَأَلَّفَ فِي ذَمِّهِ وَنَقْضِ قَوَاعِدِهِ مُجَلَّدًا كَبِيرًا - سَمَّاهُ " نَصِيحَةُ ذَوِي الْأَيْمَانِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْطِقِ الْيُونَانِ " وَقَدِ اخْتَصَرْتُهُ فِي نَحْوِ ثُلُثِ حَجْمِهِ - وَأَلَّفْتُ فِي ذَمِّ الْمَنْطِقِ - مُجَلَّدًا سُقْتُ فِيهِ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ: إِنَّ الْمَنْطِقَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، يُقَالُ لَهُ: إِنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ لَيْسَتْ فَرْضَ عَيْنٍ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَكَيْفَ يَزِيدُ الْمَنْطِقُ عَلَيْهَا؟ ! فَقَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ: إِمَّا كَافِرٌ، أَوْ مُبْتَدِعٌ، أَوْ مَعْتُوهٌ لَا يَعْقِلُ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ أَكْذَبِ الْكَذِبِ، وَأَبْلَغِ الِافْتِرَاءِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَكْفِيرُ غَالِبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَقْطُوعِ بِإِسْلَامِهِمْ، وَلَوْ أَنَّ الْمَنْطِقَ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ لَا ضَرَرَ فِيهِ لَمْ يَنْفَعْ فِي التَّوْحِيدِ أَصْلًا، وَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِالْمَنْطِقِ لَا يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْطِقَ إِنَّمَا بَرَاهِينُهُ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ، وَالْكُلِّيَّاتُ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى جُزْئِيٍّ أَصْلًا، هَكَذَا قَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ الْعَارِفُونَ بِالْمَنْطِقِ، فَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَنْطِقَ، وَلَا يُحْسِنُهُ، فَيَلْزَمُ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنَّهُ مُشْرِكٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ التَّوْحِيدَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْهُ بَعْدُ. فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِذَلِكَ أَنَّ إِيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِيمَانُ الْمُسْتَدِلِّ قُلْنَا: لَمْ يُرِيدُوا بِالْمُسْتَدِلِّ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَنْطِقِ، بَلْ أَرَادُوا مُطْلَقَ الِاسْتِدْلَالِ، الَّذِي هُوَ فِي طَبْعِ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى فِي طَبْعِ الْعَجَائِزِ، وَالْأَعْرَابِ، وَالصِّبْيَانِ، كَالِاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ عَلَى أَنَّ لَهَا خَالِقًا، وَبِالسَّمَاءِ، وَالْأَنْهَارِ، وَالثِّمَارِ، وَغَيْرِهَا، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْطِقٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَالْعَوَامُّ وَالْأَجْلَافُ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِهَذَا الطَّرِيقِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ لِلْمُتَكَلِّمِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ هَذَا شَيْءٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا لِلْقُرْآنِ، الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ ﷻ ، فَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْجَاهِلُ أَنْ يُلْحِقَ الْمَنْطِقَ - الَّذِي هُوَ مِنْ وَضْعِ الْكُفَّارِ - بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا، وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، وَالْعَجَبُ مِنْ حُكْمِهِ عَلَى اللَّهِ بِالْبَاطِلِ، وَالْإِخْبَارُ بِمَقَادِيرِ الثَّوَابِ لَا يُتَلَقَّى إِلَّا مِنْ صَاحِبِ النُّبُوَّةِ ﵊. وَقَوْلُهُ: إِنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْمَنْطِقَ فَفَتْوَاهُ لَا تَصِحُّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ

стр. 299

وَالتَّابِعِينَ [وَأَتْبَاعَ التَّابِعِينَ] لَمْ تَصِحَّ فَتْوَاهُمْ، فَإِنَّ الْمَنْطِقَ إِنَّمَا دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَمَضَى فِي الْإِسْلَامِ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَلَا وُجُودَ لِلْمَنْطِقِ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، أَفَيَظُنُّ عَاقِلٌ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ؟ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ نَفْسُهُ عَلَى ذَمِّ الِاشْتِغَالِ بِالْمَنْطِقِ، أَفَيَقُولُ هَذَا الْجَاهِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي مِثْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁؟ وَمَنْ سَمَّيْنَاهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ دَوَّنُوا الْفِقْهَ، وَأَضْحَوْا سُبُلَ الْفَتَاوَى وَهُمْ عِصْمَةُ الدِّينِ. وَقَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ: إِنَّ الْغَزَالِيَّ لَيْسَ بِفَقِيهٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُضْرَبَ بِالسِّيَاطِ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَيُحْبَسَ حَبْسًا طَوِيلًا؛ حَتَّى لَا يَتَجَاسَرَ جَاهِلٌ أَنَّ يَتَكَلَّمَ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ بِكَلِمَةٍ تُشْعِرُ بِنَقْصٍ، وَقَوْلُهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: صَادِرٌ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ وَقِلَّةِ دِينٍ، فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ، وَأَفْسَقِ الْفَاسِقِينَ، وَلَقَدْ كَانَ الْغَزَالِيُّ فِي عَصْرِهِ حُجَّةَ الْإِسْلَامِ وَسَيِّدَ الْفُقَهَاءِ، وَلَهُ فِي الْفِقْهِ الْمُؤَلَّفَاتُ الْجَلِيلَةُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْآنَ مَدَارُهُ عَلَى كُتُبِهِ، فَإِنَّهُ نَقَّحَ الْمَذْهَبَ، وَحَرَّرَهُ، وَلَخَّصَهُ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ وَالْخُلَاصَةِ، وَكُتُبُ الشَّيْخَيْنِ إِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كُتُبِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ رَجُلٌ غَلَبَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ، وَالْحُمْقُ، وَالْفِسْقُ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُحْتَاطِ لِدِينِهِ أَنْ يَهْجُرَهُ فِي اللَّهِ، وَيَتَّخِذَهُ عَدُوًّا يُبْغِضُهُ فِيهِ إِلَى أَنْ تَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ قَاصِمَةٌ تُلْحِقُهُ بِالْغَابِرِينَ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَشِيشَةِ: مَنِ اسْتَعْمَلَهَا كَفَرَ، لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي مَعْرِضِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، كَقَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» "، فَيَكُونُ مُؤَوَّلًا عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوِ الْمُرَادُ كُفْرُ النِّعْمَةِ لَا كَفْرُ الْمِلَّةِ، فَإِنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَكْفُرَ أَحَدٌ بِذَنَبٍ، وَالْعَالِمُ إِذَا أَفْتَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ إِنَّمَا يُطْلِقُهَا مُتَأَوِّلًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُحَلِّلُ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا، فَالتَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بَلْ وَلَا يُحْدِثُ قَوْلًا مِنْ عِنْدِهِ، إِنَّمَا وَظِيفَتُهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَقْوَالِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَيَخْتَارَ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى رُجْحَانِهِ. مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ أَلْهَمَهُ اللَّهُ طِبًّا يُدَاوِي بِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْصُلُ بِهِ نَفْعٌ لَهُمْ، وَدَاوَى بِهِ جَمَاعَةً فِي بَلَدِهِ بِعُشْبٍ مِنَ الْأَعْشَابِ الَّذِي أَلْهَمَهُ اللَّهُ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِهِ الشِّفَاءُ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ حُسَّادٍ، وَأَرَادُوا مَنْعَهُ مِنْ مُدَاوَاةِ الْمُسْلِمِينَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْحَالُ أَنَّ

стр. 300

الطَّبِيبَ الْمَذْكُورَ أَحْضَرَ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ دَاوَاهُمْ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ نَفَرًا إِلَى شُهُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَاعْتَرَفُوا بِحُصُولِ الشِّفَاءِ عَلَى يَدِهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ مَحْضَرًا وَاتَّصَلَ بِحَاكِمٍ؟ وَهَلْ يَثْبُتُ بِهَذَا الْمَحْضَرِ عَدَالَةُ الطَّبِيبِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْبَلَدِ؟ وَهَلْ إِذَا قَالَ الطَّبِيبُ: أُلْهِمْتُ مِنَ اللَّهِ هَذَا الدَّوَاءَ يَسُوغُ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؟ . الْجَوَابُ: الْإِلْهَامُ لَا يُنْكَرُ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ غَالِبًا مَعَ الصُّوفِيَّةِ الْخُلَّصِ، أَرْبَابِ الْقُلُوبِ الصَّافِيَةِ النَّيِّرَةِ، وَقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّهُ قَدْ يَصِحُّ وَقَدْ لَا يَصِحُّ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي أُلْهِمَ الطِّبَّ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ فَإِنَّهُ لَا يُخْطِئُ فِي الْغَالِبِ، بِحَسَبِ تَمَكُّنِ حَالِهِ وَقُوَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِ تَوَقِّي ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَانُونِ الطِّبِّ الَّذِي تَعَارَفَ النَّاسُ الْمُدَاوَاةَ بِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ مِنَ الْمُدَاوَاةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْخَطَأِ، وَالْأَوْلَى لَهُ فِي الْحَالَيْنِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمُدَاوِي أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَانُونِ الْمُتَعَارَفِ فِي الطِّبِّ؛ لِيَنْظُرَ ذَاكَ لِنَفْسِهِ، وَيَحْتَاطَ لَهَا؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ» " وَالْمَحْضَرُ الْمَذْكُورُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ عَدَالَةٌ، وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْبَلَدِ بِهَذَا السَّبَبِ. مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ اشْتُهِرَ بِوَقْتِنَا هَذَا بِعِلْمِ التَّعْبِيرِ، وَفُتِحَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَنَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ بِمَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ الرُّؤْيَا، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا مَزْجِيَّ الْبِضَاعَةِ، فَإِذَا قَصَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ رُؤْيَا بَادَرَ إِلَى تَفْسِيرِهَا، فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ يُفَسِّرُهَا بِكَلَامِ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ بِأَدِلَّةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا وَافَقَ الْقَوَاعِدَ وَالْمَنْقُولَ فِي هَذَا الْفَنِّ، مُتَّبِعًا شُرُوطَهُ وَآدَابَهُ فِي الْأَغْلَبِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ تَعْبِيرِهِ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ خَطَأً فَاحِشًا، خَالَفَ فِيهِ مَنْقُولَ أَهْلِ الْفَنِّ، هَذَا وَقَدْ قَرَأَ فِيهِ كُتُبًا عَلَى مَشَايِخِ عَصْرِهِ، وَتَفَهَّمَ ظَوَاهِرَهَا بِحَسَبِ الْحَالِ، وَشَاعَ نَفْعُ النَّاسِ بِهِ، وَقَصَدُوهُ مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْبَعِيدَةِ؛ لِفَقْدِ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا كَبِيرًا مِنَ النَّاسِ قَامَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ كَثْرَةَ تَعْبِيرِهِ لِكُلِّ سَائِلٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَسُرْعَةَ مُبَادَرَتِهِ لِذَلِكَ فَزَجَرَهُ وَنَهَاهُ عَنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مُطْلَقًا؛ قَاصِدًا نُصْحَهُ، وَقَالَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ: هَذَا الْعِلْمُ تَخْيِيلَاتٌ مِنْ بَابِ الظَّنِّ وَالْحَدَثِ، وَهُوَ مَظِنَّةُ الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ، فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، فَانْزَجَرَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ، وَكَفَّ عَنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَتَضَرَّرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَرَمَوْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَظَنُّوا بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ قَصْدَهُ بِهِ طَلَبُ الدُّنْيَا مِنَ الْأَكَابِرِ بِسُؤَالِهِمْ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي وَرْطَةٍ مَعَ النَّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ شَكٌّ وَارْتِيَابٌ فِي هَذَا الْعِلْمِ، هَلْ لَهُ حَقِيقَةً؟ أَوْ كَمَا

стр. 301

يَقُولُهُ هَذَا الْمُعْتَرِضُ؟ وَهَلِ الْأَوْلَى لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْبِيرِ لِكُلِّ سَائِلٍ إِذِ الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ جَعَالَةً فَهَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الرُّؤْيَا وَتَعْبِيرَهَا تَخَيُّلَاتٌ لَا أَصْلَ لَهَا يَكَادُ يَخْرِقُ الْإِجْمَاعَ، فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ طَافِحَانِ بِاعْتِبَارِ الرُّؤْيَا وَتَأْوِيلِهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " «أَنَّ رُؤْيَا الْعَبْدِ كَلَامٌ يُكَلِّمُهُ رَبُّهُ فِي الْمَنَامِ» "، وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: " «أَنَّ اللَّهَ وَكَلَ بِالرُّؤْيَا مَلَكًا يُرِيهَا لِلنَّائِمِ» "، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ كَثِيرَةٌ عَنْ حَدِّ الْحَصْرِ، وَإِنَّمَا قَصُرَ عِلْمُ النَّاسِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ؛ لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلَى السُّنَّةِ، وَاشْتِغَالِهِمْ بِهَا وَهِيَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ، فَعَدَلُوا عَنْ مَعْدِنِهَا، وَرَجَعُوا إِلَى أَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْجُهَّالِ الضُّلَّالِ الَّذِينَ حَدَسُوا بِأَفْكَارِهِمْ وَخَمَّنُوا فَلَمْ يَقِفُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، كَقَوْلِهِمْ هَذَا فِي الرُّؤْيَا، وَكَقَوْلِهِمْ: فِي الطَّاعُونِ، وَالزَّلْزَلَةِ، وَالرَّعْدِ، وَالْبَرْقِ، وَالصَّوَاعِقِ، وَالْقَوْسِ، وَالْمَجَرَّةِ، وَالْمَطَرِ، وَالسَّحَابِ، وَسَائِرِ مَا فَوْقَ الْمَلَكُوتِ وَمَا تَحْتَ الْأَرَضِينَ، كُلُّ ذَلِكَ خَاضَ فِيهِ الْفَلَاسِفَةُ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ بِالظُّنُونِ الْفَاسِدَةِ، فَأَتَوْا فِيهَا بِأَشْيَاءَ أَكْذَبَهُمْ فِيهَا صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ ﷺ ، الْمُوحَى إِلَيْهِ بِعُلُومِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. وَقَوْلُ الْمُنْكِرِ: فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، كَلَامٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ عِلْمَ عَمَلٍ، بَلْ إِمَّا تَبْشِيرٌ بِخَيْرٍ، أَوْ تَحْذِيرٌ مِنْ شَرٍّ، فَأَيُّ عَمَلٍ هُنَا؟ نَعَمِ التَّثَبُّتُ مَطْلُوبٌ، وَعَدَمُ الْمُسَارَعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ، وَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَا صُورَتُهَا وَاحِدَةٌ، وَيَخْتَلِفُ تَأْوِيلُهَا بِحَسَبِ الرَّائِي وَحَالِهِ وَصِفَتِهِ، وَمَا اتَّفَقَ فِي أَيَّامِ الرُّؤْيَا، وَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْكَشْفِ الَّذِي يَحْصُلُ لِأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوْقَاتِهِمْ، وَهَذِهِ لَا يَلِيقُ بِكُلِّ مُعَبِّرٍ، تَأْوِيلُهَا إِنَّمَا يُؤَوِّلُهَا صَاحِبُ حَالٍ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِ الْقَوْمِ. وَفِي جَوَازِ أَخْذِ الْجَعَالَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا وَقْفَةٌ، وَيَقْرُبُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْفُرُوضِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي يَمْتَنِعُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ التَّوَقُّفِ كَوْنُهُ كَلَامًا يُقَالُ، فَيُشْبِهُ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ أَوْضَحُ، وَفِي الثَّوَابِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَأْخُذْ أُجْرَةً وَقْفَةٌ أَيْضًا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعُلُومِ الْمَفْرُوضَةِ وَلَا الْمَنْدُوبَةِ، بَلْ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 302

[رَفْعُ الْبَاسِ وَكَشْفُ الِالْتِبَاسِ فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالِاقْتِبَاسِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ وَالْمُخَاطِبَاتِ وَالْمُجَاوَبَاتِ وَالْإِنْشَاءَاتِ، وَالْخُطَبِ، وَالرَّسَائِلِ، وَالْمَقَامَاتِ مُرَادًا بِهَا غَيْرَ الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَتْ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، يُسَمَّى عِنْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ ضَرْبَ مَثَلٍ وَتَمَثُّلًا وَاسْتِشْهَادًا إِذَا كَانَ فِي النَّثْرِ، وَقَدْ يُسَمَّى اقْتِبَاسًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَوْرِدِ، فَإِذَا كَانَ فِي الشِّعْرِ سُمِّيَ اقْتِبَاسًا لَا غَيْرَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي فِي النَّثْرِ، سَوَاءٌ كَانَ تَمَثُّلًا أَوِ اقْتِبَاسًا فَجَائِزٌ فِي مَذْهَبِنَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا - نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا - وَاسْتَعْمَلُوهُ فِي خُطَبِهِمْ وَإِنْشَائِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمْ. أَمَّا النُّصُوصُ فَقَالُوا فِي بَابِ الْغُسْلِ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يُورِدَ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ، بَلْ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ فَقَطْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّفْهِيمَ مَعًا لَمْ تَبْطُلْ، وَلَمْ يَحْكُوا فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا. قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْغُسْلِ مَا نَصُّهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وَلَمْ يَقْصِدِ الْقُرْآنَ جَازَ، وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ، وَقَالَ الرافعي فِي الشَّرْحِ: وَأَمَّا إِذَا قَرَأَ شَيْئًا مِنْهُ لَا عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ، وَفِي الرَّوْضَةِ مِثْلُهُ، وَقَالَ الأسنوي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيَحِلُّ إِذَا كَانَ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ، هَذَا الْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِأَذْكَارِ الْقُرْآنِ، بَلْ يَأْتِي أَيْضًا فِي مَوَاعِظِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَخْبَارِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرافعي، فَإِنَّهُ عَبَّرَ بُقُولِهِ: أَمَّا إِذَا قَرَأَ شَيْئًا مِنْهُ لَا عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِ، فَيَجُوزُ هَذِهِ عِبَارَتُهُ، وَذَكَرَ مِثْلَهَا فِي الرَّوْضَةِ، وَصَرَّحَ القاضي أبو الطيب فِي تَعْلِيقِهِ بِالْأَوَامِرِ انْتَهَى. وَقَالَ الرافعي فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: إِذَا أَتَى الْمُصَلِّي بِشَيْءٍ مِنْ نَظْمِ الْقُرْآنِ قَاصِدًا بِهِ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ قَصَدَ مَعَ الْقِرَاءَةِ شَيْئًا آخَرَ كَتَنْبِيهِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْفَتْحِ عَلَى مَنِ ارْتَجَّ عَلَيْهِ، وَتَفْهِيمِ الْأَمْرِ مِنَ الْأُمُورِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِجَمَاعَةٍ يَسْتَأْذِنُونَ فِي الدُّخُولِ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ، أَوْ يَقُولَ: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنْتَهِيًا فِي قِرَاءَتِهِ إِلَى تِلْكَ الْآيَةِ، أَوْ يُنْشِئُ قِرَاءَتَهَا حِينَئِذٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَصَدَ شَيْئًا آخَرَ سِوَى الْقِرَاءَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ تَنْبِيهَ الْإِمَامِ، وَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا الْإِفْهَامَ، وَالْإِعْلَامَ فَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ، كَمَا لَوْ أَفْهَمَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى انْتَهَى.

стр. 303

وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَذَكَرَ النووي مِثْلَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْمِنْهَاجِ، وَإِنَّمَا بَدَأْتُ بِنَقْلِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ الْآنَ فِي الْفُتْيَا عَلَى كَلَامِهِمَا، وَإِلَّا فَالْمَسْأَلَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَصْحَابِ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: وَلَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي آيَةً، أَوْ بَعْضًا مِنْ آيَةٍ، فَأَفْهَمَ بِهَا كَلَامًا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: خُذْهَا بِقُوَّةٍ، أَوْ يَقُولَ: وَقَدْ حَضَرَ جَمْعٌ فَاسْتَأْذَنُوا ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ فَإِنْ لَمْ تَخْطُرْ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ جَرَّدَ قَصْدَهُ إِلَى الْخِطَابِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ، وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُ إِفْهَامُ أَحَدٍ بِحَيْثُ لَوْ دَخَلُوا لَمْ يُرِدْ دُخُولَهُمْ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ. وَإِنْ قَصَدَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَقَصَدَ إِفْهَامَهُمْ فَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَئِمَّةُ: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَذَا، وَقَالَ فِي بَابِ الْغُسْلِ: لَوْ قَالَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَصَدَ بِهِ غَيْرَ الْقُرْآنِ لَمْ يَعْصِ، وَإِنْ أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ قِرَاءَةً وَلَا غَيْرَهَا فَقَدْ كَانَ شَيْخِي يَقُولُ: لَا يَعْصِي وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ انْتَهَى. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: لَوْ قَالَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَا بِقَصْدِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ تُوَافِقُ نَظْمَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: وَلَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُوَافِقٍ نَظْمُهُ نَظْمَ الْقُرْآنِ، مِثْلَ أَنْ دَقَّ رَجُلٌ الْبَابَ، قَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ، أَوْ أَرَادَ دَفْعَ كِتَابٍ، فَقَالَ: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ نُظِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَصَدَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَإِعْلَامَهُ لَا تَبْطُلُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَبْطُلُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ: إِذَا أَتَى الْجُنُبُ بِالْقُرْآنِ عَلَى قَصْدِ غَيْرِهِ لَا يَعْصِي فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ لَا الْقِرَاءَةَ وَلَا غَيْرَهَا قَالَ الشيخ أبو محمد: لَا يَعْصِي؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ مُعْتَبَرٌ فِي هَذَا الْجِنْسِ، وَقَالَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: إِذَا اسْتَأْذَنَ جَمْعٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ، أَوْ قَالَ: خُذْهَا بِقُوَّةٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ خِطَابِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ دُونَ الْقِرَاءَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ دُونَ التَّفْهِيمِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَدَهُمَا جَمِيعًا، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَبْطُلُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ. وَقَالَ المتولي فِي التَّتِمَّةِ الْخَامِسَةِ: إِذَا نَابَهُ أَمْرٌ فِي الصَّلَاةِ، فَتَلَا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ يَحْصُلُ بِهَا تَنْبِيهُ الْغَيْرِ عَلَى بَعْضِ الْأُمُورِ، مِثْلَ إِنْ دَقَّ الْبَابُ فَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ، أَوْ رَأَى إِنْسَانًا اسْمُهُ مُوسَى، يَمْشِي بِالنَّعْلِ عَلَى بِسَاطِهِ، فَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنْبِيهَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ هَذَا خِطَابٌ وَافَقَ نَظْمَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ، وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ عليا ﵁ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَعَرَّضَ بِهِ، وَقَالَ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ،

стр. 304

وَقَصَدَ الْإِنْكَارَ حَيْثُ رَضِيَ التَّحْكِيمَ، فَتَلَا علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ علي ﵁ وَنُقُولُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ لَا تُحْصَى، وَفِيمَا أَوْرَدْنَاهُ كِفَايَةٌ. وَقَالَ النووي فِي التِّبْيَانِ: فَصْلٌ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ، ذَكَرَ ابن أبي داود فِي هَذَا اخْتِلَافًا، فَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْقُرْآنَ لِشَيْءٍ يَعْرِضُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِمَكَّةَ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ - وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ١ - ٢] ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣] . وَعَنْ حكيم - بضم الحاء - بن سعد أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمَحْكَمَةِ أَتَى عليا ﵁ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَأَجَابَهُ عَلِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا اسْتَأْذَنَ إِنْسَانٌ عَلَى الْمُصَلِّي، فَقَالَ الْمُصَلِّي: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ فَإِنْ أَرَادَ التِّلَاوَةَ، أَوِ التِّلَاوَةَ وَالْإِعْلَامَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِعْلَامَ، أَوْ لَمْ تَحْضُرْهُ نِيَّةٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، انْتَهَى كَلَامُ النووي فِي التِّبْيَانِ. فَانْظُرْ كَيْفَ أُخِذَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْمُصَلِّي، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ " بَابَ مَا يَجُوزُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ يُرِيدُ بِهِ جَوَابًا أَوْ تَنْبِيهًا ". [ذِكْرُ مَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ] أَخْرَجَ ابن سعد، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا سَلَّمَ الحسن بن علي الْأَمْرَ إِلَى معاوية فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى، وَإِنَّ أَعْجَزَ الْعَجْزِ الْفُجُورُ، أَلَا وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي اخْتَلَفْتُ فِيهِ أَنَا ومعاوية لَا امْرُؤٌ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنِّي، وَهُوَ حَقٌّ لِي تَرَكْتُهُ إِرَادَةَ إِصْلَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ، وَنَزَلَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا عَنْ حفصة أم المؤمنين ﵂ أَنَّهَا بَلَغَهَا قَتْلُ عثمان، فَقَالَتْ: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] ، وَفِي

стр. 305

الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائشة ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ: وَإِنِّي لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ، وَمِنْ هُنَا سَمَّى الْعُلَمَاءُ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ ضَرْبَ مَثَلٍ وَتَمَثُّلًا، وَكَذَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لأبي بكر وعمر حِينَ اسْتَشَارَهُمَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ: " «مَثَلُكَ يَا أبا بكر مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَمَثَلُكَ يَا عمر، مَثَلُ نُوحٍ حَيْثُ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] » - وَفِي رِوَايَةٍ - «إِنَّ مَثَلَكَ يَا أبا بكر مَثَلُ عِيسَى قَالَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عمر، مَثَلُ مُوسَى قَالَ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] » ، فَمِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ أَطْلَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى ذَلِكَ ضَرْبَ مَثَلٍ. [وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مِنِ اسْتِعْمَالِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَكَفَى بِهِ حُجَّةً] وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مِنِ اسْتِعْمَالِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَكَفَى بِهِ حُجَّةً أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أبي حاتم المزني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» "، وَقَدْ سَبَقَنِي إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّمَثُّلِ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ الْحَافِظُ أبو بكر بن مردويه، حَيْثُ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَغْيِيرُ بَعْضِ النَّظْمِ بِإِبْدَالِ كَلِمَةٍ بِأُخْرَى، وَبِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْإِنْشَاءِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ التِّلَاوَةُ، وَلَا الْقِرَاءَةُ، وَلَا إِيرَادُ النَّظْمِ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ. وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا لِجَوَازِ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مالك، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهَا لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمِسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» .

стр. 306

قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ الِاقْتِبَاسِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْقُرْآنِ فِيمَا يَحْسُنُ وَيَجْمُلُ، وَذَكَرَ ابن رشيق مِثْلَهُ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ - وَهُمَا مَالِكِيَّانِ - وَقَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ بِالْقُرْآنِ فِي الْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ، وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، كَمَا وَرَدَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ: " «أَنَّهُ ﷺ جَعَلَ يَطْعَنُ فِي الْأَصْنَامِ، وَيَقُولُ: " جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ» "، قَالُوا: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمَزْحِ وَلَغْوِ الْحَدِيثِ فَيُكْرَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح» - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - إِلَى أَنْ قَالَ: «وَأَمَّا عبد الله بن سعد بن أبي سرح فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عثمان، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: " أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عائشة قَالَتْ: كَتَبَ أَبِي فِي وَصِيَّتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنْيَا، حِينَ يُؤْمِنُ الْكَافِرُ، وَيَتَّقِي الْفَاجِرُ، وَيَصْدُقُ الْكَاذِبُ، إِنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنْ يَعْدِلْ فَذَاكَ ظَنِّي بِهِ وَرَجَائِي فِيهِ، وَإِنْ يَجُرْ وَيُبَدِّلْ فَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، فَتَلَا: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ بكرة قَالَ: لَمَّا انْتَهَى الربيع بن خيثم إِلَى مَسْجِدِ قَوْمِهِ قَالُوا لَهُ: يَا ربيع، لَوْ قَعَدْتَ لِتُحَدِّثَنَا الْيَوْمَ فَقَعَدَ، فَجَاءَ حَجَرٌ فَشَجَّهُ، فَقَالَ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ هذيل بن شرحبيل قَالَ: سُئِلَ أبو موسى عَنِ ابْنَةٍ، وَابْنَةِ ابْنٍ، وَأُخْتٍ قَالَ: لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَخْبَرَ بِقَوْلِ أبي موسى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي

стр. 307

طَبَقَاتِهِ عَنْ فروة بن نوفل الأشجعي قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقُلْتُ: غَلِطَ أبو عبد الرحمن إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ تَعَمَّدَ الْأَمْرَ تَعَمُّدًا، فَسَكَتَ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ، وَمَا الْقَانِتُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: الْأُمَّةُ. الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ معاذ، كَانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ مسروق قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: نَسِيَ أبو عبد الرحمن إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِي قَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَنِي ذَكَرْتُ إِبْرَاهِيمَ؟ الْأُمَّةُ: الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالْقَانِتُ: الَّذِي يُطِيعُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَأَخْرَجَ ابن الضريس فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَتَى مَكَّةَ، فَمَرَّ بِأَعْرَابِيٍّ وَهُوَ يُصَلِّي، وَهُوَ يَقُولُ: نَحُجُّ بَيْتَ رَبِّنَا فِي كَلَامٍ لَهُ، فَقَالَ عبد الله: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابن أبي ليلى الكندي قَالَ: أَشْرَفَ عثمان عَلَى النَّاسِ مِنْ دَارِهِ، وَقَدْ أَحَاطُوا بِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، يَا قَوْمِ لَا تَقْتُلُونِي إِنَّكُمْ إِنْ تَقْتُلُونِي كُنْتُمْ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ عروة قَالَ: كَانَ أبو حذيفة بن اليمان شَيْخًا كَبِيرًا، فَخَرَجَ يَوْمَ أُحُدٍ يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ، فَابْتَدَرَهُ الْمُسْلِمُونَ فَتَوَاشَقُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، وحذيفة يَقُولُ: أَبِي أَبِي فَلَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ شُغُلِ الْحَرْبِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حذيفة: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بِدِيَتِهِ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ عَنِ المطلب بن حنطب أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] أَمْسِكْ عَلَيْكَ امْرَأَتَكَ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ ثَبْتٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِقَوْمٍ قَعَدُوا عَلَى شَرَابٍ، مَعَهُمْ رَجُلٌ صَائِمٌ فَضَرَبَهُ، وَقَالَ: لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أم راشد قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ أم هانئ، فَسَمِعْتُ رَجُلَيْنِ يَقُولَانِ: بَايَعَتْهُ أَيْدِينَا، وَلَمْ تُبَايِعْهُ قُلُوبُنَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ

стр. 308

لعلي، فَقَالَ علي: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلَا يَطْعَنَنَّ بِرُمْحٍ، وَلَا يَضْرِبْ بِسَيْفٍ، وَلَا يَرْمِ بِحَجَرٍ، وَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. وَأَخْرَجَ L-١ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ عَنْ جويرية بنت أسماء قَالَ: قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَكَّةَ، فَوَضَعَ الدِّرَّةَ بَيْنَ أُذُنَيْ أبي سفيان، وَضَرَبَ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ هند فَقَالَتْ: أَتَضْرِبُهُ فَوَاللَّهِ لَرُبَّ يَوْمٍ لَوْ ضَرَبْتَهُ لَاقْشَعَرَّ بِكَ بَطْنُ مَكَّةَ، فَقَالَ عمر: أَجَلْ وَاللَّهِ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا. وَأَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ محمد بن عبد الملك قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَعْرَابِيًّا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَأَتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: نَحُجُّ بَيْتَ رَبِّنَا وَنَقْضِي الدَّيْنَ، وَهُنَّ يَهْوِينَ بِنَا بِخَطَرَاتٍ يَهْوِينَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أبي طلحة «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَبَّحَ خَيْبَرَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» . وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ عمرو بن ميمون قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ عَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ صَفْرَاءُ قَدْ وَضَعَهَا عَلَى جُرْحِهِ وَهُوَ يَقُولُ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ عمرو بن ميمون أَنَّ عمر لَمَّا طُعِنَ دَخَلَ عَلَيْهِ كعب فَقَالَ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قَدْ أَنْبَأْتُكَ أَنَّكَ شَهِيدٌ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ لِي بِالشَّهَادَةِ وَأَنَا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؟ . وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ عبد الله بن رافع قَالَ: طُعِنَ ابْنَا مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَقَالَ معاذ: كَيْفَ تَجِدَانِكُمَا؟ قَالَا: يَا أَبَانَا، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قَالَ: وَأَنَا سَتَجِدَانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. وَأَخْرَجَ ابن سعد، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أبي جعفر قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ للحسن: قُمْ فَاخْطُبِ النَّاسَ يَا حسن، قَالَ: إِنِّي أَهَابُكَ أَنْ أَخْطُبَ وَأَنَا أَرَاكَ. فَتَغَيَّبَ عَنْهُ حَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَلَا يَرَاهُ، فَقَامَ الحسن فَخَطَبَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالَ علي: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ عمر بن الحكم أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَكَلَّمَا، فَقَالَ أبو موسى لعمرو: إِنَّمَا مَثَلُكَ كَالْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، فَقَالَ لَهُ عمرو: إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنِ ابْنِ

стр. 309

أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: كَيْفَ أَنْتَ يَا لَيْثِيُّ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ عَلَى ظُهُورِ عَدُوِّنَا عَلَيْنَا، فَقَالَ جابر: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَأَخْرَجَ أحمد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ حذيفة؟ قَالَ: وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا. وَأَخْرَجَ أحمد «عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أبا ذر أُخْرِجَ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَاسْتَرْجَعَ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ كَمَا قِيلَ لِأَصْحَابِ النَّاقَةِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَذَّبُوا أبا ذر فَإِنِّي لَا أُكَذِّبُهُ، وَإِنِ اتَّهَمُوهُ فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أبا ذر قَطَعَ يَمِينِي مَا أَبْغَضْتُهُ بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أبي ذر» ". وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قِيلَ لَهُ فِي مَرَضِهِ: مَنْ تُوصِي بِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ وَلِيِّيَ فِيهِمُ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَأَخْرَجَ ابن سعد، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ هبيرة بن خزيمة قَالَ: قَالَ الربيع بن خيثم حِينَ قُتِلَ الحسين: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ ابن الزبير لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: كَلِّمْ هَؤُلَاءِ - لِأَهْلِ الشَّامِ - رَجَاءَ أَنْ يَرُدَّهُمْ ذَاكَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ الحجاج، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عبيد: وَيْحَكُمْ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينِ قَالُوا: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغُوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أبي يعلى قَالَ: كَانَ الربيع بن خيثم إِذَا مَرَّ بِالْمَجْلِسِ يَقُولُ: قُولُوا خَيْرًا، افْعَلُوا خَيْرًا، وَدَاوِمُوا عَلَى صَالِحَةٍ، وَلَا تُقْسُوا قُلُوبَكُمْ، وَلَا يَتَطَاوَلْ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينِ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مسروق أَنَّهُ قَدِمَ فَأَتَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَاسٌ مِنَ التُّجَّارِ، فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، مَا كَانَ أَعَفَّكَ عَنْ أَمْوَالِنَا، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٦١] وَكَانَ يَقْرَأُهَا كَذَلِكَ. وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عبد الله بن غالب كَانَ يَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ الحسن، فَقَالَ: يَا عبد الله، لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَى أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: مَا أَرَى

стр. 310

عُيُونَهُمُ انْفَقَأَتْ، وَلَا أَرَى ظُهُورَهُمُ انْدَقَّتْ، وَاللَّهُ يَأْمُرُنَا يَا حسن أَنْ نَذْكُرَهُ كَثِيرًا، وَتَأْمُرُنَا أَنْ نَذْكُرَهُ قَلِيلًا، كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، فَقَالَ الحسن: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَسْجُدُ أَمْ لَا؟ . وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ عون العبدي أَنَّ الحجاج لَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ الحجاج: شُدُّوا بِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَقَالَ سعيد: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، فَقَالَ الحجاج: كُبُّوهُ لِوَجْهِهِ، فَقَالَ سعيد: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ. وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ سالم بن أبي حفصة قَالَ: لَمَّا أَتَى سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ الحجاج قَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ، قَالَ: دَعَوْنِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: وَجِّهُوهُ إِلَى قِبْلَةِ النَّصَارَى، قَالَ: أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عبد الكريم قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا دَخَلَ بَيْتًا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَأَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ مَكَّةَ فَانْطَلَقَ بِي إِلَى مروان ابن المهلب - وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ - فَرَحَّبَ بِي فَقُلْتُ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي عَدِيٍّ، قَالَ: وَمَنْ أَخُو بَنِي عَدِيٍّ؟ قُلْتُ: العلاء بن زياد اسْتَعْمَلَ صَدِيقًا لَهُ مَرَّةً عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَبِيتَ إِلَّا وَظَهْرُكَ خَفِيفٌ، وَبَطْنُكَ خَمِيصٌ، وَكَفُّكَ تَقِيَّةٌ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ سَبِيلٌ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، قَالَ مروان: صَدَقَ وَاللَّهِ وَنَصَحَ. [ذِكْرُ مَا وَقَعَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ مِنْ ذَلِكَ] أَخْرَجَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنْ سعيد بن بشير بن ذكوان قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهَا غَيْرُ مُتَعَلِّمٍ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ الْمُغَالَطَةَ، يَقُولُ: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ. [ذِكْرُ مَا وَقَعَ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ مِنْ ذَلِكَ] رَأَيْتُ فِي تَارِيخِ مَنْ دَخَلَ مِصْرَ لِلْحَافِظِ زَكِيِّ الدِّينِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيِّ فِي تَرْجَمَةِ التاج الأرموي تِلْمِيذِ الْإِمَامِ فخر الدين الرازي، وَمُصَنِّفِ الْحَاصِلِ مُخْتَصَرِ الْمَحْصُولِ فِي

стр. 311

الْأُصُولِ مَا نَصُّهُ: أَمْلَى عَلَيَّ الْإِمَامُ تَاجُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأُرْمَوِيُّ بِالْقَاهِرَةِ نُسْخَةَ كِتَابٍ شَاهَدَهُ بِمَدِينَةِ سَاوَةَ فِي الْخِزَانَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي جَامِعِهَا بِخَطِّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ كَتَبَهُ إِلَى صَاحِبِ مَكَّةَ؛ شَفَاعَةً فِي الْحَاجِّ، وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْإِمَامِ: إِنِّي مُهْدٍ إِلَيْكَ يَا سَيِّدَ الْبَطْحَاءِ، كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وَأَنَا أَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ فِي ضُعَفَاءِ الْحَاجِّ مِنْ رَكْبِ الرِّيحِ وَمُضْغَةِ الشِّيحِ. كَتَبَهُ محمد بن إدريس بن شافع، وَكَانَ التَّارِيخُ مَذْكُورًا فَأُنْسِيتُهُ انْتَهَى. [ذِكْرُ مَا وَقَعَ لِحُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ مِنَ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ] قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " بِالِانْتِصَارِ لِمَا فِي الْإِحْيَاءِ مِنَ الْأَسْرَارِ " مَا نَصُّهُ: سَأَلْتَ - يَسَّرَكَ اللَّهُ لِمَرَاتِبِ الْعِلْمِ تَصْعَدُ مَرَاقِيَهَا، وَقَرَّبَ لَكَ مَقَامَاتِ الْوِلَايَةِ تَحِلُّ مَعَاليَهَا - عَنْ بَعْضِ مَا وَقَعَ فِي الْإِمْلَاءِ الْمُلَقَّبِ بِالْإِحْيَاءِ، مِمَّا أَشْكَلَ عَلَى مَنْ حُجِبَ فَهْمُهُ، وَقَصُرَ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَفُزْ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُظُوظِ الْمَلَكِيَّةِ قَدَحُهُ وَسَهْمُهُ، وَأَظْهَرْتَ التَّحَزُّنَ لِمَا غَاشَّ بِهِ شُرَكَاءُ الطَّغَامِ وَأَمْثَالُ الْأَنْعَامِ، وَأَتْبَاعُ الْأَعْوَامِ، وَسُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، وَعَارُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى طَعَنُوا عَلَيْهِ، وَنَهَوْا عَنْ قِرَاءَاتِهِ، وَمُطَالَعَتِهِ، وَأَفْتَوْا بِمُجَرَّدِ الْهَوَى عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ بِاطِّرَاحِهِ وَمُنَابَذَتِهِ، وَنَسَبُوا مُمْلِيهِ إِلَى ضَلَالٍ وَإِضْلَالٍ، وَنَبَذُوا قُرَّاءَهُ وَمُنْتَحِلِيهِ بِزَيْغٍ فِي الشَّرِيعَةِ وَاخْتِلَالٍ، فَإِلَى اللَّهِ انْصِرَافُهُمْ وَمَآلُهُمْ، وَعَلَيْهِ فِي الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ إِيقَافُهُمْ وَحِسَابُهُمْ، فَسَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ، بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣] وَلَا عَجَبَ فَقَدْ ثَوَى أَدِلَّاءُ الطَّرِيقِ، وَذَهَبَ أَرْبَابُ التَّحْقِيقِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الْغَالِبِ إِلَّا أَهْلُ الزُّورِ وَالْفُسُوقِ، إِلَى أَنْ قَالَ: حُجِبُوا عَنِ الْحَقِيقَةِ بِأَرْبَعَةٍ: الْجَهْلِ، وَالْإِصْرَارِ، وَمَحَبَّةِ الدُّنْيَا، وَالْإِظْهَارِ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، فَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْخَلَائِقَ فِي صَعِيدٍ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، (فَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَلَا تُطِعْ كُلَّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) ، ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً - وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١١٨ - ١٠٩]

стр. 312

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]- هَذَا نَصُّ الْغَزَالِيِّ بِحُرُوفِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي دِمَشْقَ أَنَّ الشَّيْخَ تقي الدين بن الصلاح أَفْتَى بِالْمَنْعِ مِنْ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام أَفْتَى بِالْمَنْعِ مِنْهَا، فَعَارَضَهُ ابن الصلاح، وَرَجَعَ عَمَّا أَفْتَى بِهِ أَوَّلًا، وَأَلَّفَ كُرَّاسَةً فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] ، فَأَلَّفَ الشيخ عز الدين كُرَّاسَةً فِي الرَّدِّ عَلَى ابن الصلاح، وَقَالَ فِيهَا: وَأَمَّا ضَرْبُهُ لِيَ الْمَثَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] فَأَنَا إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ أبو شامة فِي كِتَابِهِ الْبَاعِثِ عَلَى إِنْكَارِ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ، وَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ ضَرَبُوا لِابْنِ الصَّلَاحِ الْمَثَلَ بِقَوْلِ عائشة فِي حَقِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا وَرَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى صَلَاةَ النَّافِلَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَنَّهُ دَخَلَ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ يَوْمَ الْعِيدِ، فَرَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ فَلَمْ يَنْهَهُمْ، فَقَالَ لَهُ مَنْ مَعَهُ: أَلَا تَنْهَاهُمْ؟ فَقَالَ: لَا أَكُونُ مِمَّنْ نَهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى. وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ أُمِرَ بِصَلَاةٍ فِي وَقْتِ كَرَاهَةٍ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَكُونُ مِمَّنْ إِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ. فَصْلٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ هَذَا الْأَمْرُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْإِنْشَاءِ - قَالَ ابن الأثير فِي كِتَابِهِ الْمَثَلِ السَّائِرِ - يَفْتَقِرُ صَاحِبُ هَذَا الْفَنِّ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْآلَاتِ: الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ، الثَّانِي: مَعْرِفَةُ اللُّغَةِ، الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ أَمْثَالِ الْعَرَبِ وَأَيَّامِهِمْ، وَمَعْرِفَةُ الْوَقَائِعِ الَّتِي جَاءَتْ فِي حَوَادِثَ خَاصَّةٍ بِأَقْوَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْثَالِ، الرَّابِعُ: الِاطِّلَاعُ عَلَى تَأْلِيفَاتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ أَرْبَابِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ الْمَنْظُومِ مِنْهُ وَالْمَنْثُورِ، وَالتَّحَفُّظُ لِلْكَثِيرِ مِنْهُ، الْخَامِسُ: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، السَّادِسُ: حِفْظُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالتَّدَرُّبُ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَإِدْرَاجُهُ فِي مَطَاوِي كَلَامِهِ، السَّابِعُ: حِفْظُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالسُّلُوكُ بِهَا مَسْلَكَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي الِاسْتِعْمَالِ انْتَهَى. وَقَدْ أَطْبَقَ أَرْبَابُ الْفَنِّ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَاسْتِعْمَالِهِ فِي مَطَاوِي الْخُطَبِ وَالرَّسَائِلِ وَالْمَقَامَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهِمْ أَئِمَّةٌ فُقَهَاءُ كِبَارٌ وَمُحَدِّثُونَ وَزُهَّادٌ وَوَرِعُونَ،

стр. 313

وَقَدْ أَلَّفَ الحريري - صَاحِبُ الْمَقَامَاتِ - كِتَابًا سَمَّاهُ " تَوْشِيحَ الْبَيَانِ بِالْمُلْتَقَطِ مِنَ الْقُرْآنِ " قَالَ فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ أَشَرْتَ أَيُّهَا الْحَبْرُ الْبَرُّ إِلَى أَنْ أَلْتَقِطَ لَكَ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي أَخْرَسَ الْفُصَحَاءَ، وَأَفْحَمَ الْبُلَغَاءَ مَا يُوَشِّحُ بِهِ الْمُتَمَثِّلُ لَفْظَهُ، وَالْوَاعِظُ وَعْظَهُ، وَالْكَاتِبُ كُتُبَهُ، وَالْخَاطِبُ خُطَبَهُ، فَامْتَثَلْتُ أَمْرَكَ بِالِانْقِيَادِ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِقُصُورِ شَأْوِ الِارْتِيَادِ عَنِ اسْتِغْرَاقِ هَذَا الْمُرَادِ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى جَوَامِعِ الْمَوَادِّ إِذْ كَانَتْ أَسْرَارُ الْقُرْآنِ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهَا، وَعَجَائِبُهُ لَا يَزَالُ يُنْمَى نُورُهَا، وَنُورُهَا - إِلَى أَنْ قَالَ: وَهَا أَنَا قَدْ جَمَعْتُ لَكَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ وَالدُّرِّ الْمُلْتَقَطِ مَا رَجَوْتُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ رِضَا الْبَارِي وَارْتِضَاءِ الْقَارِي. [ذِكْرُ مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي خُطْبَةِ كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ مِنْ تَضْمِينِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ] قَالَ: فَمِنْهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ مَنْ أَحَبَّ حُبَّ الْخَيْرِ، وَسَارَ عَلَى مِنْهَاجِهِ أَحْسَنَ سَيْرٍ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَسَيِّدُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَدَّادِ تَقَدَّمَ هَذِهِ الْفِرْقَةَ تَقَدُّمَ النَّصِّ عَلَى الْقِيَاسِ، وَسَبَقَ وَهِيَ تُنَادِيهِ مَا فِي وُقُوفِكَ سَاعَةً مِنْ بَاسٍ، وَتَصَدَّرَ وَلَوْ عُورِضَ لَقَالَ لِسَانُ الْحَالِ الْحَقُّ: مُرُوا أبا بكر فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَنْفَقَ مِنْ خَزَائِنِ عِلْمِهِ، وَلَمْ يَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا هَكَذَا هَكَذَا، وَإِلَّا فَلَا لَا - إِلَى أَنْ قَالَ: وَجَاءَ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى وَفْقِ مَطْلُوبِهِ، كَامِلًا فِي أُسْلُوبِهِ، شَامِلًا لِلْفَضْلِ بِعِيدِهِ وَقَرِيبِهِ، شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَوَفَاءً لِمَا لِلْعِلْمِ فِي ذِمَّةِ بَنِي الدُّهُورِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَحَرَّرْتُهُ فِي الدُّجَى بِشَهَادَةِ النُّجُومِ، وَلَاقَيْتُ عُسْرَهُ بِهِمَّةٍ نَبَذَتْ سُهَيْلًا بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومُ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَرَاحَ الْفَقِيهُ الْمُسْتَفِيدُ يُبْدِي وَيُعِيدُ، وَلَا مَزِيدَ عَلَى تَحْقِيقِهِ، وَيُنْفِقُ سُوقَهُ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَسْكَعُ فِي ظَلَامِ الشُّبُهَاتِ غَيْرَ صُبْحِ فَضْلِهِ، اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، وَكَمُلَ كِتَابًا طَبَخَ قُلُوبَ الْحَاسِدِينَ لَمَّا اسْتَوَى، وَسَحَابًا لَا تُغَيَّرُ مَعَهُ الْأَغْرَاضُ الْأُمَوِيَّةُ قَائِلَةً: لَا نَبْرَحُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى - إِلَى أَنْ قَالَ: وَلَا آمَنُ طَائِفَةً تَطُوفُ عَلَى مَحَاسِنِهِ فَتَأْخُذَهَا وَتَدَّعِيَهَا وَتَدْخُلَ وَتَخْرُجَ، وَلَيْتَ لَهَا أُذُنًا وَاعِيَةً فَتَعِيَهَا، وَتَسْرَحَ فِي رَوْضِهِ فَتَجْنِيَ عَلَى مُصَنَّفِهِ، وَتَجْنِيَ كُلَّ زَهْرٍ وَتَسْرِقَ ثَمَرَهُ، وَتَقُولَ: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ - إِلَى أَنْ قَالَ: لَعِبَ بِهَا شَيْطَانُ الْحَسَدِ، وَشَدَّ وَثَاقَهَا الَّذِي لَا يُوثِقُ بِهِ حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.

стр. 314

[ذِكْرُ مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مِنْ ذَلِكَ فِي خُطْبَةِ كِتَابِ عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْمِفْتَاحِ] قَالَ: تَشْتَمِلُ عَلَى جِنَاسِ الْقَلْبِ، فَتَسْكُنُ بِمَدِّ النَّصْرِ لَهَبًا يَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، إِذَا الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، وَاشْتَدَّ كَرْبُ ذَلِكَ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَرَدُوا مَنَاهِلَ هَذَا الْعِلْمِ، فَصَدَرُوا عَنْهَا بِمِلْءِ سِجِلِّهِمْ، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ أَجَلَبُوا عَلَيْهِ بِخَيْلِهِمْ وَرَجِلِهِمْ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَوْلَى لَهُ فَأَوْلَى أَنْ يُعْطَى الْقَوْسَ بَارِيهَا، كَأَنَّمَا ضُرِبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِلْمِ بِسُورٍ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَقِيلَ: ارْجِعْ وَرَاءَكَ فَالْتَمِسْ نُورًا، إِنَّمَا أَنْتَ تَضْرِبُ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ، وَلَوْ أُوتِيَ رُشْدَهُ لَأَنِفَ أَنْ يَسْخَرَ مِنْهُ السَّاخِرُ، وَاغْتَرَفَ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ الزَّاخِرِ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ الَّذِي يَلْتَقِطُ مِنْهُ جَوَاهِرَ الْمَفَاخِرِ، وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ بِشِرَاعِ الْعِلْمِ مَوَاخِرَ. [ذِكْرُ مَا اسْتَعْمَلَهُ الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ الْوَرْدِيِّ فِي مَقَامَتِهِ الْحُرْقَةِ لِلْخِرْقَةِ] مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أُسْقِطَ فِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ تِسْعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الشُّهُودِ، فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مَنْ يَذُمُّ هَذَا لِلْبِرَازِ الْجَرْيَ عَلَى تَخْرِيقِ الْخِرْقَةِ - إِلَى أَنْ قَالَ: سَطْوَةً وَعُتُوًّا وَاسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ، وَعُلُوًّا وَخَوْفًا عَلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، بَلْ مَكْرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَالُوا: كَبُرَتْ كَلِمَةٌ وَاسْتَحَلُّوا نَسَبَهُ وَشَتْمَهُ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي أَدْيَانِهِمْ - إِلَى أَنْ قَالَ: لَقَدْ بَالَغَ فِي الْخَتْلِ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ - إِلَى أَنْ قَالَ: مَا أَوْلَى أَحْكَامِهِ بِالِانْتِقَاضِ، وَمَا أَحَقَّهُ بِقَوْلِ السَّحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] ، وَلَوْلَا الْعَافِيَةُ لَتَوَهَّمْتُ أَنَّ (مَا) هَاهُنَا نَافِيةٌ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَكَمْ صَاحِبَ مَكْتُوبٍ يَبْكِي عَلَى حَالِهِ؟ كَأَنَّمَا أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَذَهَبَ حُبُّ الذَّهَبِ دُهْنَ ذِهْنِهِ وَأَفْنَى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦]- إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَا قُوَّةَ لَنَا مِنْ خَمْرَتِهِ وَلَا حَوْلَ، لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ - إِلَى أَنْ قَالَ: سَكِرَ بِخَمْرِ الْوِلَايَةِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَةً - إِلَى أَنْ قَالَ شِعْرًا: جَرَحْتَ الْأَبْرِيَاءَ وَأَنْتَ قَاضٍ ... عَلَى الْأَعْرَاضِ بِالْأَغْرَاضِ ضَارِي أَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ ... وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ

стр. 315

- إِلَى أَنْ قَالَ: لَقَدْ غَاظَنِي عَامِّيٌّ يَعْلُو بِنَفْسِهِ، وَالْعَامَّةُ عَمًى، أَفَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ - إِلَى أَنْ قَالَ: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَاحْسِمُوا مَادَّةَ هَذَا الْكَذَّابِ الْمُبِيرِ، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] . وَقَالَ ابن الوردي أَيْضًا فِي مَقَامَةِ الطَّاعُونِ: وَقَهَرَ خَلَفًا بِالْقَاهِرَةِ، وَتَنَبَّهَتْ عَيْنُهُ لِمِصْرَ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ. وَقَالَ أَيْضًا فِي مَنْطِقِ الطَّيْرِ فِي الْبَازِ: وَحَنَّتِ الْجَوَارِحُ إِلَيَّ، وَبَعَثَ إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ مِنْ عَيْنِي - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْحَمَامَةِ: حَمَلَتِ الْأَمَانَةَ الَّتِي أَبَتِ الْجِبَالُ عَنْ حَمْلِهَا، وَامْتَثَلَتْ مَرْسُومَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . فَمَهْمَا حَدَثَ عَلَى الْبُعْدِ مِنْ أَخْصَامِكَ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْبَنَفْسَجِ: فَأَنَا فِي الْحَالَيْنِ مُسْتَطَابٌ، وَلَا رَطْبٌ وَلَا يَابِسٌ إِلَّا فِي كِتَابٍ - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْبُومِ: أَلَمْ تَرَ مَا بِالْحَيَوَانِ يَفْعَلُونَ؟ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ، أَتَدْرِي مَنْ يَرْزُقُ الْبُومَ؟ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فَلَا تَغْتَرَّ بِمَا إِدْرَاكُهُ فَوْتٌ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْمَنْثُورِ: وَفِي اخْتِلَافِ صِبْغَتِي، وَاتِّحَادِ طِينَتِي دَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ جِبِلَّتِي، الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ مُضْغَةٍ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الرَّيْحَانِ: اعْتَدَلَ لَوْنِي، وَلَطُفَ كَوْنِي، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِذْ كَانَ النَّمَّامُ مِنْ جِنْسِي، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِلتَّوْبَةِ مُنْتَهِيًا، وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْخُفَّاشِ: وَبِاللَّيْلِ أَكْشِفُ الْغِطَا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هُوَ أَشَدُّ وَطْأً - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الدِّيكِ: أَنَا قَدْ أَذَّنْتُ فَأَقَمْتُ الصَّلَاةَ، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ، أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا تَعْصُوهُ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ كَمْ مَنَحْتُ أَهْلَ الدَّارِ إِخَائِي وَوَلَائِي، وَهُمْ يَذْبَحُونَ أَبْنَائِي وَيَسْتَحْيُونَ نِسَائِي - إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَزَّقُوا قَبَاءَهُ الْمُلَوَّنَ، فَاصْبِرْ وَاحْتَسِبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْخُزَامَى: وَاهِينَ بِالدَّوْسِ وَاللَّمْسِ، وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْبَطِّ: فَمَا هُوَ بِمَاشٍ عَلَى الْمَاءِ إِلَيْهِ، وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ - إِلَى أَنْ قَالَ فِي النَّمْلِ: أَتَدْرِي مَنْ أَعْطَى النَّمْلَ هَذِي الْقُوَى؟ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى - إِلَى أَنْ قَالَ: فَانْتَفَخَ الشَّقِيقُ فِي عُرُوقِهِ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَسِرْتُ سِرَّ سَيْرٍ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ، لَا تَكُنْ كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ بَطَنَ كُفْرُهُمْ،

стр. 316

وَظَهَرَ إِسْلَامُهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْفَرَاشُ فَلَا تَتَّبِعُ الْهَوَى، وَلَا تَكْذِبُ فِي الدَّعْوَى - إِلَى أَنْ قَالَ: فَتَلْقَى نَفْسُكَ فِيهَا غُرُورًا، وَتَحْسَبُ النَّارَ نُورًا، فَتَدْعُو ثُبُورًا وَتَصْلَى سَعِيرًا - إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ كُنْتُمْ مِنَ النَّسَكَةِ فَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، بَلَى مَنْ أَرَادَ الْفَخَارَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ - إِلَى أَنْ قَالَ: نَحْنُ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى يَقِينٍ قُلْ: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَفِي كِتَابٍ مُنَزَّلٍ رَأَيْتُمُوهَا أَمْ عَنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ تَلَقَّيْتُمُوهَا؟ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا - إِلَى أَنْ قَالَ: تَحْسُدُنِي عَلَى سَوَادِ الثِّيَابِ، وَقَالَ: يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ؟ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَوْ صَحَّتْ حَتَّى تَنْشَقَّ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَهَوِّنِ الْأَشْيَاءَ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ ابن الوردي أَيْضًا فِي مُفْتَتَحِ كِتَابِ خَرِيدَةِ الْعَجَائِبِ، وَفَرِيدَةِ الْغَرَائِبِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الذَّنْبِ، قَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ، عَالِمِ الْغَيْبِ رَاحِمِ الشَّيْبِ مُنْزِلِ الْكِتَابِ - إِلَى أَنْ قَالَ: سَاطِحِ الْغَبْرَاءِ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ، فَيُمْسِكُهُ بِحِكْمَتِهِ عَنِ الِاضْطِرَابِ، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالْمَآبِ. وَقَالَ ابن الوردي أَيْضًا فِي مُفَاخَرَةِ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ: فَقَالَ الْقَلَمُ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا - إِلَى أَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الْخَافِضِ الرَّافِعِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ - إِلَى أَنْ قَالَ: الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِهِ، وَلَا سِيَّمَا حِينَ يُسَلُّ فَتَرَى وَدْقَ الدَّمِ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ، مَا هُوَ كَالْقَلَمِ الْمُشَبَّهِ بِقَوْمٍ عُرُّوا عَنْ لَبُوسِهِمْ، ثُمَّ نَكَسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَكَأَنَّ السَّيْفَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، أَوْ كَوْكَبٍ رَاشِقٍ - إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ الْقَلَمُ: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ، يُفَاخِرُ وَهُوَ قَائِمٌ عَنِ الشِّمَالِ الْجَالِسَ عَنِ الْيَمِينِ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَنْتَ لِلرَّهْبِ وَأَنَا لِلرُّغْبِ. وَإِذَا كَانَ بَصَرُكَ حَدِيدًا فَبَصَرِي مَا ذَهَبَ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَطَالَمَا أَمَرَّتْ بَعْضَ فِرَاخِي وَهِيَ السِّكِّينُ، فَأَصْبَحَتْ مِنَ النَّفَّاثَاتِ فِي عُقَدِكَ يَا مِسْكِينُ - إِلَى أَنْ قَالَ: تَفْصِلُ مَا لَا يُفْصَلُ، وَتَقْطَعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، لَا جَرَمَ سَمْرُ السَّيْفِ وَصَقْلُ قَفَاهُ، وَسُقِيَ مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاهُ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَنَا مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَالْقَلَمُ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَتَلَا ذُو الْقَلَمِ لِقَلَمِهِ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَتَلَا صَاحِبُ السَّيْفِ لِسَيْفِهِ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، فَتَلَا ذُو الْقَلَمِ لِقَلَمِهِ: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، قَالَ الْقَلَمُ: أَمَا وَكِتَابِي الْمَسْطُورِ وَبَيْتِي الْمَعْمُورِ - إِلَى أَنْ قَالَ: مَعَ أَنِّي مَا أَلَوْتُكَ نُصْحًا أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي خُطْبَةِ كِتَابِ الشِّفَا: وَكَذَّبَ بِهِ وَصَدَفَ عَنْ آيَاتِهِ مَنْ كَتَبَ

стр. 317

اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقَاءَ حَتْمًا، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى، وَقَالَ أَيْضًا: حَمَّلْتَنِي مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا إِمْرًا، وَأَرْهَقْتَنِي فِيمَا نَدَبْتَنِي إِلَيْهِ عُسْرًا. وَقَالَ الخطيب ابن نباتة الْقَدِيمُ فِي خُطْبَةٍ لَهُ: فَيَا أَيُّهَا الْغَفَلَةُ الْمُطْرِقُونَ، أَمَا أَنْتُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُصَدِّقُونَ، مَا لَكُمْ لَا تُشْفِقُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ. وَقَالَ عبد المؤمن الأصفهاني - صَاحِبُ أَطْبَاقِ الذَّهَبِ فِي الْوَعْظِ -: فَمَنْ عَايَنَ تَلَوُّنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا يَغْتَرُّ بِدَهْرِهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الثَّرَى مَضْجَعُهُ لَا يَمْرَحُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَا قَوْمُ لَا تَرْكُضُوا خَيْلَ الْخُيَلَاءِ فِي مَيْدَانِ الْعَرْضِ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ. وَقَالَ العماد الكاتب فِي كِتَابِ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، وَاسْتِخْلَاصِهَا مِنْ يَدِ الْفِرِنْجِ عَلَى يَدِ السُّلْطَانِ صلاح الدين بن أيوب: وَالْفَرْقُ بَيْنَ فُتُوحِ الشَّامِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَبَيْنَ فُتُوحِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَرْقٌ يَتَبَيَّنُ تَبَيُّنَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَالشَّامُ الْآنَ قَدْ فُتِحَ حَيْثُ الْإِسْلَامُ قَدْ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنْهُ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، وَهُرِيقَ شَبَابُهُ وَقَدْ عَادَ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، وَطَالَ الْأَمَدُ عَلَى الْقُلُوبِ فَقَسَتْ، وَرَانَتِ الْفِتَنُ عَلَى الْبَصَائِرِ فَطُمِسَتْ، وَعَرَضُ هَذَا الْأَدْنَى، قَدْ أَعْمَى وَأَصَمَّ حُبُّهُ، وَمَتَاعُ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْقَلِيلُ قَدْ شَغَلَ عَنِ الْحَظِّ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ كَسْبُهُ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَأَمَدَّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَكُلُّ مُعَادٍ مُعَادِي إِلَّا هَذَا الْمُعَادِيَ، وَكُلُّ مِدَادٍ يُكْتَبُ بِهِ أَسْوَدُ إِلَّا هَذَا الْمِدَادَ، أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَسَارُوا مُدَجَّجِينَ، وَسَرَوْا مُدْلِجِينَ، وَصَبَّحُوا صُفُورَتَهُ، وَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. وَقَالَ الْإِمَامُ ضِيَاءُ الدِّينِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي رِسَالَةٍ: وَعِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ إِذَا حَلُّوا بِأَرْضٍ أَمِنَتْ وَسَكَنَتْ، وَأَخَذَتْ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ. وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: وَقَلَّمَا وَلِيَ امْرُؤٌ قَوْمًا فَشَكَرُوا أَثَرَ مَقَامِهِ، وَتَأَلَّمُوا لِفَقْدِ أَيَّامِهِ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَقَالَ فِي تَقْلِيدِ حُسْنِهِ: فَابْدَأُوا أَوَّلًا بِالنَّظَرِ فِي الْعَقَائِدِ وَاهْدِ فِيهَا إِلَى سَبِيلِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الَّذِي هُوَ سَبِيلٌ وَاحِدٌ، وَتِلْكَ الْفِرْقَةُ هِيَ السَّلَفُ الصَّالِحُ الَّذِينَ لَزِمُوا مَوْطِنَ الْحَقِّ فَأَقَامُوا، وَقَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، وَمَنْ عَدَاهُمْ فَشُعَبٌ كَانُوا دِيَانًا، وَعَبَدُوا مِنَ الْأَهْوَاءِ أَوْثَانًا، وَاتَّبَعُوا مَا لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَخُذْهُمْ بِآلَةِ التَّعْزِيرِ، الَّتِي هِيَ نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى - إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا التَّسْعِيرُ فَإِنَّهُ وَإِنْ آثَرَهُ الْقَاطِنُونَ، وَحَكَمَ بِهِ الْقَاسِطُونَ قِيلَ: إِنَّ

стр. 318

ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْفَقِيرِ فِي تَيْسِيرِ الْعَسِيرِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ نِدًّا لِلَّهِ فِي خَفْضِ مَا رَفَعَ، وَبَذْلِ مَا مَنَعَ، فَقِفْ أَنْتَ حَيْثُ أَوْقَفَكَ حُكْمُ الْحَقِّ، وَدَعْ مَا يَعِنُّ لَكَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْخَلْقِ، وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ تَبِعَ الرَّأْيَ وَالنَّظَرَ، وَتَرَكَ الْآيَةَ وَالْخَبَرَ، فَحِكْمَةُ اللَّهِ مَطْوِيَّةٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَلَيْسَتْ مِمَّا يَسْتَنْبِطُهُ ذُو الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ ذُو الْعَقْلِ بِعَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ تَشْفَعُ إِلَى الْخَلِيفَةِ: وَحَبَاهُ مِنْ عُمْرِ الزَّمَانِ بِعَقْدِ أَلْفٍ وَمِنْ خُلُقِهِ بِعَقِيدَةِ الْأُلْفِ، وَجَعَلَ عَقِبَهُ كَلِمَةً بَاقِيَةً إِذَا أَصْبَحَتِ الْأَعْقَابُ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَهُوَ يَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ فِي رَجَائِهِ هَذَا مِنَ الْخَائِبِينَ، وَأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، وَلَيْسَ هُنَا إِلَّا عَفْوُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى سَفِيرٍ، وَفِيهِ يَصِحُّ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ. وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى عَنِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي إِلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ: وَلَمَّا بَلَغَ الْخَادِمُ مَحْضَرَهُ قَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا، وَعَدَّ يَوْمَهُ بِالدَّهْرِ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَيَّامِ يَوْمًا. وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: فَعَبِقَتِ الْأَسْمَاعُ بِهَذَا الْخَبَرِ الْأَرِيجِ، وَاهْتَزَّتْ لَهُ الْآمَالُ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ. وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: فَأَصْبَحَتْ يَدِي حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، وَأَصْبَحَ خَاطِرِي أَبَا جَهْلٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَبَا لَهَبٍ، وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: وَمَحَاهُمُ الْخَطْبُ وَلَمْ يَكُنِ الْخَطْبُ بِمُرِيبٍ، وَكَانَ مَوْعِدُهُمُ الصُّبْحَ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: فَظَنَّ فِي سَوْرَةِ قُوَّةِ الِاحْتِمَاءِ وَقَالَ: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، وَقَالَ فِي أُخْرَى: وَعِنْدَ ذَلِكَ عَمَدَ الْعَبْدُ إِلَى مَا أُمِيتَ بِهِ مِنْ عَدْلٍ فَجَعَلَهُ حِبَاءً مَنْشُورًا، وَقَدِمَ إِلَى مَا عَمِلَ بِهَا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلَهُ هَبَاءً مَنْثُورًا - إِلَى أَنْ قَالَ: تَبِعْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَابَدَ أَسْبَابًا مِنْهَا آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَيَرْجُو الْعَبْدُ أَنَّ تَكُونَ وِلَايَتُهُ هَذِهِ وِلَايَةَ بِرٍّ وَإِلْطَافٍ، وَأَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ النَّاسَ أَعْوَامًا سِمَانًا يَأْكُلْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِجَافِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أَصَابَ اللَّهُ بِهِ قَوْمًا إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَامَهُ هُوَ الْعَامَ الَّذِي فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ، وَلَقَدْ وَجَدَ مِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مَا يُقَالُ مَعَهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى، فَمَا يُرِيهِ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا مَقَامًا، وَكَذَلِكَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلْ إِلَيْهِمْ حَسْبَمَا عَنَّ لَهُمْ مِنْ مَصَالِحِهِمْ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ تَذْكِيرًا - إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَهَّدَ لَهُمْ قَوَاعِدَ الْأَحْكَامِ

стр. 319

وَأَوْضَاعَهَا مِنْ نُصُوصِ الْآيَاتِ وَأَلْمَاعِهَا ; لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، فَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ فَهُوَ فِي الدَّارَيْنِ حَمِيدٌ وَسَعِيدٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْفَعْ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، وَأَطْفَأَ نِبْرَاسَهُ يَعِشْ ذَمِيمًا وَيَصْلَى سَعِيرًا. وَقَالَ ابن المنير فِي الِانْتِصَافِ فِي مَسْأَلَةٍ رَدَّ فِيهَا عَلَى الزَّمَخْشَرِيِّ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ نَظَرَ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ إِلَى جَهَالَةِ الْقَدَرِيَّةِ وَضَلَالِهَا لَانْبَعَثَ إِلَى حَدَائِقِ السُّنَّةِ وَظِلَالِهَا، وَلَتَزَحْزَحَ عَنْ مَزَالِقِ الْبِدْعَةِ وَمَزَالِّهَا، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ ; لِيَعْلَمَ أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقَّ بِالْأَمْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْعِلْمِ. وَقَالَ ابن دقيق العيد فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ الْإِلْمَامِ: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا لِي مِنْ وَصْلِ مَاضِيهِ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَلَا مُوجِبًا لِأَنْ أَقْطَعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. وَقَالَ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ -مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ- فِي شَرْحِ كِتَابِهِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَكَانَتْ حَالَةً عَجَزَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ نَعْتِهَا، وَنَطَقَتْ بِهَا أَلْسُنٌ طَالَتْ مُدَّةُ صَمْتِهَا، وَمَا يُنْعِمُ اللَّهُ بِنِعْمَةٍ إِلَّا وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا. وَقَالَ الشيخ جمال الدين الأسنوي فِي خُطَبِهِ الْمُهِمَّاتِ: وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُنْصِفُ هَذَا التَّصْنِيفَ، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ حَكَمَ أَنَّهُ لِنَظْمِ الْكِتَابَيْنِ كَالْقَوَافِي، وَأَنَّ هَذَا الثَّالِثَ هُوَ ثَالِثُ الْأَثَافِيِّ، وَرُبَّمَا تَأَمَّلَهُ بَعْضُ أَبْنَاءِ الْوَقْتِ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ الْخِزْيُ وَالْمَقْتُ، وَاتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَشَيْطَانَهُ مَوْلَاهُ، وَأَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَ الْحَسَدِ وَسِرْبَالَ الشَّقَاوَةِ، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَنَظَرَ إِلَيْهِ بِطَرْفٍ خَفِيٍّ، وَصُمَّ عَنْ إِدْرَاكِ مَا فِيهِ وَعَمِيَ، كَمَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ الْمَوْضُوعِ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمُسَمَّى بِالْجَوَاهِرِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا أَنْ أَشْفَعَ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ، وَلَا قَاطِعًا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. فَصْلٌ: وَمِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اسْتِعْمَالًا لِذَلِكَ الصُّوفِيَّةُ، وَقَدْ يُسَمَّى ضَرْبَ مَثَلٍ، وَقَدْ يُسَمَّى إِشَارَةً، بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَوْرِدِ، وَكُتُبُهُمْ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ وَمُحَاوَرَاتُهُمْ وَمُخَاطَبَاتُهُمْ حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَقَامَ بُرْهَةً لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُخَاطِبُ أَحَدًا إِلَّا مِنَ الْقُرْآنِ، وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي مُحَاوَرَاتِهِ: الجنيد، والسري، ومعروف الكرخي، والشبلي. حَضَرَ شَيْخٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ سَمَاعًا فَحَصَلَ لِبَعْضِ الْمُرِيدِينَ وَجْدٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، فَسَكَنَ عَنِ الْقِيَامِ. وَدَخَلَ آخَرُ عَلَى جَمَاعَةٍ وَهُمْ سُكُوتٌ، فَقَالَ: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ. وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فَاسْتَحْقَرَهُ

стр. 320

فِي عَيْنِهِ فَقَالَ سِرًّا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] فَاطَّلَعَ الْوَلِيٌّ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، اقْرَأْ مَا بَعْدَهَا. وَفِي لَطَائِفِ الْمِنَنِ لِلشَّيْخِ تاج الدين بن عطاء الله: قَالَ الجنيد: التَّصْدِيقُ بِعِلْمِنَا هَذَا وِلَايَةٌ، وَإِذَا فَاتَتْكَ الْمِنَّةُ فِي نَفْسِكَ فَلَا يَفُتْكَ أَنْ تُصَدِّقَ بِهَا فِي غَيْرِكَ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أبو الحسن الشاذلي فِي حِزْبِهِ الْمَشْهُورِ: نَسْأَلُكَ الْعِصْمَةَ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْخَطَرَاتِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالظُّنُونِ وَالْأَوْهَامِ السَّاتِرَةِ لِلْقُلُوبِ عَنْ مُطَالَعَةِ الْغُيُوبِ، فَقَدِ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا لِيَقُولَ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. وَقَالَ الشَّيْخُ تاج الدين بن عطاء الله فِي الْحِكَمِ: مَا أَرَادَتْ هِمَمُ سَالِكٍ أَنْ تَقِفَ عِنْدَمَا كَشَفَتْ لَهَا وَنَادَتْهَا هَوَاتِفُ الْحَقِيقَةِ الَّذِي تَطَلَّبَ أَمَامَكَ وَلَا تَبَرَّجَتْ ظَوَاهِرُ الْمَكْنُونَاتِ إِلَّا نَادَتْكَ بِهِ حَقَائِقُهَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ، وَقَالَ: لَا تَرْحَلْ مِنْ كَوْنٍ إِلَى كَوْنٍ فَتَكُونَ كَحِمَارِ الرَّحَا يَسِيرُ وَالَّذِي ارْتَحَلَ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي ارْتَحَلَ مِنْهُ، وَلَكِنِ ارْحَلْ مِنَ الْأَكْوَانِ إِلَى الْمُكَوِّنِ، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى، وَقَالَ: لَا تُفْرِحْكَ الطَّاعَةُ ; لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنْكَ، وَافْرَحْ بِهَا ; لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنَ اللَّهِ إِلَيْكَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، وَقَالَ: قَوْمٌ أَقَامَهُمُ الْحَقُّ لِخِدْمَتِهِ وَقَوْمٌ اخْتَصَّهُمْ بِمَحَبَّتِهِ كُلًّا نَمُدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، وَقَالَ: رُبَّمَا أَفَادَكَ فِي لَيْلِ الْقَبْضِ مَا لَمْ تَسْتَفِدْهُ فِي إِشْرَاقِ نَهَارِ الْبَسْطِ، لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا. وَقَالَ: الْحَقَائِقُ لَا تَرِدُ فِي حَالِ التَّجَلِّي مُجْمَلَةً وَبَعْدَ الْوَعْيِ يَكُونُ الْبَيَانُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ، مَتَى وَرَدَتِ الْوَارِدَاتُ الْإِلَهِيَّةُ إِلَيْكَ هَدَتِ الْعَوَائِدَ عَلَيْكَ، إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَقَالَ: الْوَارِدُ يَأْتِي مِنْ حَضْرَةِ قَهَّارٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُصَادِمُهُ شَيْءٌ إِلَّا دَمَغَهُ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ، وَقَالَ: بَلْ دَخَلُوا إِلَى ذَلِكَ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ وَمِنَ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ; لِيَكُونَ نَظَرِي إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ إِذَا أَدْخَلْتَنِي، وَاسْتِسْلَامِي وَانْقِيَادِي إِلَيْكَ إِذَا أَخْرَجْتَنِي، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا تَنْصُرُنِي وَتَنْصُرُ بِي. وَقَالَ السِّلَفِيُّ فِي بَعْضِ أَحْزَابِهِ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ جَعْفَرَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ السَّرَّاجِ النَّحْوِيَّ بِبَغْدَادَ يَقُولُ: رَأَيْتُ عَلَى أبي الحسن القزويني الزَّاهِدِ ثَوْبًا رَفِيعًا لَيِّنًا فَخَطَرَ بِبَالِي كَيْفَ مِثْلُهُ فِي زُهْدِهِ يَلْبَسُ مِثْلَ هَذَا، فَقَالَ فِي الْحَالِ بَعْدَ أَنْ نَظَرَ إِلَيَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَ: وَحَضَرْنَا عِنْدَهُ يَوْمًا لِقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ فَتَمَادَى بِنَا الْوَقْتُ إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا
следующие страницы →