Полный текст (886 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
[الفتاوى الفقهية] [ مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ جَامِعِ الشَّتَاتِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ.
وَبَعْدُ: فَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَمْعِ نُبَذٍ مِنْ مُهِمَّاتِ الْفَتَاوِي الَّتِي أَفْتَيْتُ بِهَا عَلَى كَثْرَتِهَا جِدًّا، مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُهِمِّ وَالْعَوِيصِ، وَمَا فِي تَدْوِينِهِ نَفْعٌ وَإِجْدَا، وَتَرَكْتُ غَالِبَ الْوَاضِحَاتِ، وَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَذْهَانِ الْقَادِحَاتِ، وَبَدَأْتُ بِالْفِقْهِيَّاتِ مُرَتَّبَةً عَلَى الْأَبْوَابِ، ثُمَّ بِالتَّفْسِيرِ، ثُمَّ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ بِالْأُصُولِ، ثُمَّ بِالنَّحْوِ وَالْإِعْرَابِ، ثُمَّ بِسَائِرِ الْفُنُونِ إِفَادَةً لِلطُّلَّابِ، وَسَمَّيْتُ هَذَا الْمَجْمُوعَ: (الْحَاوِي لِلْفَتَاوِي) .
стр. 2
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: الْمَاءُ الْمُطْلَقُ: إِنَّهُ الَّذِي يَقُولُ رَائِيهِ: هَذَا مَاءٌ، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ الْأَصْحَابُ هَلْ يُنَافِي قَوْلَ كَثِيرٍ مِنْ شَارِحِي الْمِنْهَاجِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ فَطَهُورٌ إِنَّهُ نَكَّرَ الْمَاءَ لِيَشْمَلَ الطَّهُورَ وَالطَّاهِرَ وَالْمُتَنَجِّسَ حَيْثُ جَعَلَ التَّنْكِيرَ وَالْعُرْيَ عَنِ الْقَيْدِ وَصْفًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوَّلِ بِالْإِطْلَاقِ دُونَ الثَّانِي إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ؟.
الْجَوَابُ: إِنَّ الْمَذْكُورَ فِي حَدِّ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ: " إِنَّهُ الَّذِي يَقُولُ رَائِيهِ: هَذَا مَاءٌ " رَاجِعٌ إِلَى الْعُرْفِ، وَالْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَإِنَّ الْمَاءَ فِي اللُّغَةِ يَصْدُقُ بِالطَّهُورِ وَبِالطَّاهِرِ وَبِالنَّجِسِ، وَلِهَذَا قَالُوا فِي قَوْلِ التَّنْبِيهِ بَابُ الْمِيَاهِ إِنَّهُ جَمَعَ الْمَاءَ، وَإِنْ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ، وَاسْمُ الْجِنْسِ لَا يُجْمَعُ إِلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ; لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْمَاءِ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَتَنَوَّعُ إِلَى طَهُورٍ، وَطَاهِرٍ، وَنَجِسٍ، وَحَرَامٍ، وَمَكْرُوهٍ. فَعُلِمَ بِذَلِكَ صِدْقُهُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لُغَةً، وَأَمَّا الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ فَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الْعُرْفِ لِاعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ، وَالْعُرْفُ لَا يُطْلِقُ الْمَاءَ عَلَى مَا عَدَا الْمُطْلَقَ إِلَّا مُقَيَّدًا، لَا مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ: مَاءٌ نَجِسٌ، أَوْ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ، أَوْ مَاءُ زَعْفَرَانٍ، وَيُؤَكِّدُ كَوْنَهُمْ نَظَرُوا فِي ضَابِطِ الْمُطْلَقِ إِلَى الْعُرْفِ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي سَلْبِهِ عَنِ الْمُتَغَيِّرِ بِالْمُخَالَطِ فِي الْكَثِيرِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ =مَاءً لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِهِ ; لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنَاهَا الْعُرْفُ، وَالْعُرْفُ لَا يُسَمِّي هَذَا مَاءًا، وَقَوْلُهُمْ فِي قَاعِدَةِ مَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا اللُّغَةِ: إِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَعُلِمَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ ضَابِطٌ جَرَى عَلَى الْمُصْطَلَحِ الْعُرْفِيِّ، وَالثَّانِيَ تَعْبِيرٌ جَرَى عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَالْمُنَكَّرُ بِوَضْعِهِ شَامِلٌ لِلْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْقَطِرَانِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْقِرَبِ إِذَا تَغَيَّرَ بِهِ طَعْمُ الْمَاءِ، أَوْ لَوْنُهُ، أَوْ رِيحُهُ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا لَهُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ حَتَّى يَسْلُبَ الطَّهُورِيَّةَ؟ وَهَلْ هُوَ مُجَاوِرٌ، أَوْ مُخَالِطٌ، وَالزِّفْتُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْجِرَارِ إِذَا غَيَّرَ الْمَاءَ هَلْ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: قَالَ النووي ﵀ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي
стр. 3
الْأُمِّ: إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ قَطِرَانٍ فَتَغَيَّرَ رِيحُهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ: إِذَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ لَمْ يَجُزِ الْوُضُوءُ بِهِ. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، بَلْ عَلَى حَالَيْنِ فَإِنَّ الْقَطِرَانَ ضَرْبَانِ: مُخْتَلِطٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُمَا قَوْلَانِ، وَهُوَ غَلَطٌ. هَذَا كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قُلْتُ: بَقِيَ صُورَتَانِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِمَا إِحْدَاهُمَا: مَا إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ إِنَّمَا =فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي تَغَيُّرِ الرِّيحِ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ التَّغَيُّرَ بِاللَّوْنِ دَلِيلُ الْمُجَاوَرَةِ، وَالثَّانِيَةُ: مَا إِذَا كَانَ مِنْ صَلَاحِ الْوِعَاءِ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَنَّ الْقِرَبَ إِذَا لَمْ تُدْهَنْ بِهِ أَسْرَعَ إِلَيْهَا الْفَسَادُ، فَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا حِينَئِذٍ مِنَ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ كَالَّذِي فِي مَقَرِّ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ.
[بَابُ الْآنِيَةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالُوا: لَوِ اشْتَرَى آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ جَازَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
الْجَوَابُ: لَا إِشْكَالَ ; لِأَنَّ مُرَادَهُمْ صِحَّةُ الشِّرَاءِ لَا إِبَاحَتُهُ، وَقَدْ يَصِحُّ الشَّيْءُ مَعَ تَحْرِيمِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى أَنَّ النووي قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى جَوَازِ الِاتِّخَاذِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ كَانَ كَبَيْعِ الْمُغَنِّيَةِ.
[بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ الْآنَ فِي شَرْحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِتَارِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: وَيَكْفِي السَّتْرُ بِالْوَهْدَةِ وَنَحْوِهَا وَبِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ عَدِّ السَّتْرِ مِنَ الْآدَابِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهَا، أَمَّا بِحَضْرَتِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَكَشْفُ عَوْرَتِهِ بِحَضْرَتِهِ حَرَامٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبَا التَّوَسُّطِ، وَالْخَادِمُ، والبلقيني فِي فَتَاوِيهِ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ شهاب الدين ابن النقيب فِي نُكَتِهِ فِي قَوْلِهِ: وَيُبْعِدُ وَيَسْتَتِرُ أَيْ: وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَلَوْ بِشَجَرَةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ جمال الدين الأسنوي فِي الْقِطْعَةِ فِي قَوْلِهِ: وَيَسْتَتِرُ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ عُيُونِ النَّاظِرِينَ، وَقَدْ قَالَ أَعْنِي الأسنوي فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلَاءِ يَسَارَهُ وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ.
تَنْبِيهٌ: جَمِيعُ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إِلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ فِي الصَّحْرَاءِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَسَنَذْكُرُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَاعْلَمْهُ، ثُمَّ قَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى قَوْلِهِ: وَيُحَرَّمَانِ بِالصَّحْرَاءِ.
стр. 4
تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهَا أَنَّ عُدُولَ الْمُصَنِّفِ هُنَا إِلَى التَّحْرِيمِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْآدَابِ يُعَرِّفُكَ عَدَمَ تَحْرِيمِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَبَقَ انْتَهَى، وَقَدْ قَالُوا فِي الْغُسْلِ: إِنَّهُ يَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَالْمَسْؤُولُ بَيَانُ مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ عَدَمُ جَوَازِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ؟ أَوْ جَوَازُ الْكَشْفِ لِذَلِكَ وَعَلَى النَّاسِ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ، وَبَيَانُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا مُخَالِفٌ لِبَعْضٍ، وَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ بَعْضَهَا يُخَالِفُ الْبَاقِيَ فَمَا الْفَرْقُ؟ وَهَلْ يُقَالُ: إِنَّ الْغُسْلَ مَحَلُّ حَاجَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعَ السَّتْرِ بِالْإِزَارِ، وَالْبَوْلُ وَالِاسْتِنْجَاءُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ فِي الْجُمْلَةِ فَيُسَامَحُ فِيهِمَا بِمَا لَا يُسَامَحُ فِي الْغُسْلِ؟ وَالْمَسْؤُولُ بَيَانُ مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مُتَفَضِّلِينَ بِعَزْوِ مَا يَكُونُ مَنْقُولًا وَبِتَوْجِيهِ غَيْرِهِ لِتَكْمُلَ الْفَائِدَةُ.
الْجَوَابُ: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، فَالَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ صَحِيحٌ، وَأَمَّا اسْتِشْكَالُهُ بِقَوْلِ الأسنوي: إِنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْبَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَعَدَّ مِنْ ذَلِكَ السَّتْرَ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ فَقَدْ تَبِعَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى الْأَصْحَابِ: الجيلي، ثُمَّ النووي كِلَاهُمَا فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ فَقَالَا: إِنَّ عَدَّ ذَلِكَ أَدَبًا فِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ حَسَنَةٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ عَنِ الْعُيُونِ فَيُمْكِنُ حَمْلُ الْعُيُونِ عَلَى عُيُونِ الْجِنِّ فَيَصِحُّ عَدٌّ ذَلِكَ أَدَبًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَقَدْ ظَهَرَ لِي تَأْوِيلٌ حَسَنٌ لِعِبَارَةِ مَنْ قَالَ: عَنْ عُيُونِ النَّاسِ. ذَكَرْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الرَّوْضَةِ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْحَاضِرِينَ، بَلْ مَنْ قَدْ يَمُرُّ مِنَ الطَّارِقِينَ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَخُوطِبَ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ وَهُوَ خَالٍ مِنَ الْمَارِّينَ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلِاسْتِتَارِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إِذَا جَلَسَ بِلَا سُتْرَةٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ فَجْأَةً مَارٌّ فَيَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى عَوْرَتِهِ، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ أَحَدٍ وَقَدْ يَفْرَغُ مِنْ حَاجَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ، أَوْ يَشْعُرَ بِمَنْ مَرَّ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ فَيَنْحَرِفَ، أَوْ يُرْخِيَ ذَيْلَهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَسَنٌ، أَوْ مُتَعَيِّنٌ، فَيُفَسِّرُ قَوْلَهُمْ: عَنْ عُيُونِ النَّاسِ. أَيِ: الطَّارِقِينَ بَغْتَةً، لَا الْحَاضِرِينَ، أَمَّا الْحَاضِرُونَ فَالسَّتْرُ عَنْهُمْ وَاجِبٌ.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ النَّظَرَ مِنَ الْحَاضِرِينَ حَاصِلٌ فِي الْحَالِ فَكَانَ السَّتْرُ وَاجِبًا، وَمِنَ الطَّارِقِينَ مُتَوَقَّعٌ أَوْ مُتَوَهَّمٌ فَكَانَ أَدَبًا إِذْ لَا تَكْلِيفَ قَبْلَ الْحُصُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ صُورَةٍ وَصُورَةٍ، فَمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ الْبَصَرُ عَوْرَتَهُ حَرُمَ الْكَشْفُ لِلْبَوْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِحَضْرَتِهِمْ
стр. 5
عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا وَهُمْ يَرَوْنَهُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِعَوْرَتِهِ وَلَا إِدْرَاكٍ لِلَوْنِ جِلْدِهِ، بَلْ إِنَّمَا يَرَوْنَ شَبَحًا كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا لِمَنْ يَسْتَنْجِي عَلَى شُطُوطِ الْأَنْهَارِ، فَهَذَا يَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ أَيْضًا فِي صُورَةٍ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْبَوْلُ وَهُوَ فِي مَكَانٍ مَحْبُوسٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَلَا سَبِيلَ إِلَى جِهَةٍ يَسْتَتِرُ بِهَا، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّكَشُّفُ لِلْبَوْلِ وَعَلَيْهِمْ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ، وَكَذَا لَوِ احْتَاجَ إِلَى الِاسْتِنْجَاءِ وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَجِدْ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ مَكَانًا خَالِيًا، فَهَذَا أَيْضًا يَجُوزُ لَهُ وَعَلَيْهِمُ الْغَضُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ شَمَّ الشَّخْصُ يَدَهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَأَدْرَكَ فِيهَا رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ فَقَدْ صَرَّحَ النووي بِنَجَاسَةِ الْيَدِ دُونَ الْمَحَلِّ وَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ الْيَدَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الْمَحَلِّ =وَمُكْتَسَبَةٌ مِنْهُ.
الْجَوَابُ: ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مَا لَوْ غُسِلَتِ النَّجَاسَةُ وَبَقِيَتْ رَائِحَتُهَا يَعْنِي مَعَ الْعُسْرِ وَالْأَرْجَحُ فِيهَا الطَّهَارَةُ فَكَذَلِكَ هُنَا الْأَرْجَحُ طَهَارَةُ الْمَحَلِّ، وَأَمَّا الْيَدُ فَلَمْ تُغْسَلْ بَعْدُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى النَّجَاسَةِ يَجِبُ غَسْلُهَا.
[بَابُ الْوُضُوءِ]
مَسْأَلَةٌ: لَوْ بَالَغَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَهُوَ صَائِمٌ هَلْ يَحْرُمُ، أَوْ يُكْرَهُ؟ .
الْجَوَابُ: الْمُبَالَغَةُ لِلصَّائِمِ مَكْرُوهَةٌ، صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ نَوَى الِاغْتِرَافَ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِكَوْنِ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ قَاطِعَةً لِرَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا لَوْ طَرَأَتْ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ؟ .
الْجَوَابُ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ جلال الدين البلقيني وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ نِيَّةَ التَّبَرُّدِ فِيهَا صَرْفٌ لِغَرَضٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا يَنْوِي الِاغْتِرَافَ لِمَنْعِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ، فَهَذَا وَلَا بُدَّ يَكُونُ ذَاكِرًا لِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ.
[بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ]
مَسْأَلَةٌ: لَوْ كَانَ سَلِيمَ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَالْأُخْرَى عَلِيلَةٌ بِحَيْثُ يَسْقُطُ غَسْلُهَا فَهَلْ يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفِّ فِي إِحْدَاهُمَا؟ وَقَدْ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالصِّحَّةِ وَقَطَعَ العمراني بِالْمَنْعِ
الْجَوَابُ: قَدْ صُحِّحَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ مَقَالَةُ العمراني.
стр. 6
[بَابُ الْغُسْلِ]
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اغْتَسَلَ عَنِ الْجَنَابَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءِ الَّذِي يَتَوَضَّأَهُ قَبْلَهُ الْمُوَالَاةُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا تَوَضَّأَ هَذَا الْوُضُوءَ، ثُمَّ انْتَهَى بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ قَبْلَ الْغُسْلِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَنِ هَلْ يُشْتَرَطُ إِعَادَتُهُ لِتَحْصِيلِ السُّنَّةِ أَمْ لَا؟ ، وَهَلْ سُنَّةُ الْوُضُوءِ كَذَلِكَ إِذَا انْتَهَتْ قَبْلَ تَمَامِهِ؟ .
الْجَوَابُ: لَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ وَلَا الْإِعَادَةُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَلْقَتِ الْمَرْأَةُ بَعْضَ وَلَدٍ، وَلَمْ تَرَ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِنَا أَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَنِيِّهِمَا.
الْجَوَابُ: لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِبَعْضِ الْوَلَدِ فِي كَلَامِهِمْ وَقَدْ قَالُوا فِيمَا لَوْ أَلْقَتْ عَلَقَةً، أَوْ مُضْغَةً بِلَا بَلَلٍ: إِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْضَ الْوَلَدِ كَذَلِكَ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ.
مَسْأَلَةٌ: الْبَلَلُ الْخَارِجُ عَلَى الْوَلَدِ هَلْ هُوَ طَاهِرٌ، أَوْ نَجِسٌ وَهَلْ يُنَجِّسُ مَا أَصَابَهُ؟ .
الْجَوَابُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي مَا نَصُّهُ:
فَصْلٌ: فَأَمَّا حَمْلُ الْمَيِّتَةِ فَإِنِ انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَيًّا، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَلَكِنْ قَدْ نَجُسَ ظَاهِرُ جِسْمِهِ بِالْبَلَلِ الْخَارِجِ مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ قَدِ انْفَصَلَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا كَانَ فِي الْبَلَلِ الْخَارِجِ مَعَهُ وَمَعَ الْبَيْضَةِ مِنَ الطَّائِرِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا.
أَحَدُهُمَا: نَجِسٌ كَالْبَوْلِ وَالثَّانِي: طَاهِرٌ كَالْمَنِيِّ وَهَكَذَا الْبَلَلُ الْخَارِجُ مِنَ الْفَرْجِ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: يَجِبُ غَسْلُ الْبَيْضَةِ إِنْ وَقَعَتْ حَالَةَ الِانْفِصَالِ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ لَا يَجِبُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: بَلَلُ بَاطِنِ الْفَرْجِ طَاهِرٌ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: بَلَلُ بَاطِنِ الْفَرْجِ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَفِي نَجَاسَةِ بَيْضِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَجْهَانِ كَمَنِيِّهِ فَإِذَا قُلْنَا إِنَّهُ طَاهِرٌ فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ؟
فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَفِي فَتَاوَى ابن الصلاح سُئِلَ هَلْ يَكُونُ الْمَوْلُودُ إِذَا وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ نَجِسًا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ الظَّاهِرِ مِنْ أَحْوَالِ السَّلَفِ ﵃، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْبَيْضَةُ الْخَارِجَةُ فِي حَيَاةِ الدَّجَاجَةِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ظَاهِرِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ والروياني وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِنَاءً
стр. 7
عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي الْوَلَدِ الْخَارِجِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ والروياني.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْضًا فِي بَابِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْبَيْضِ إِذَا وَقَعَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ طَاهِرَةٌ أَمْ نَجِسَةٌ وَقَطَعَ ابن الصباغ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَقَالَ: الْوَلَدُ إِذَا خَرَجَ طَاهِرًا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَا الْبَيْضُ، وَقَالَ بَعْدَهُ بِأَوْرَاقٍ مَا نَصُّهُ: الرَّابِعَةُ فِي الْفَتَاوِي الْمَنْقُولَةِ عَنْ صَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْجَوْفِ طَاهِرًا لَا يُحْتَاجُ إِلَى غَسْلِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبِيضُ كَذَلِكَ فَلَا يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ، قَالَ: وَالنَّجَاسَةُ الْبَاطِنَةُ لَا حُكْمَ لَهَا، وَلِهَذَا اللَّبَنُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ وَهُوَ طَاهِرٌ حَلَالٌ.
وَقَالَ الأسنوي فِي الْمُهِمَّاتِ: رَأَيْتُ فِي الْكَافِي للخوارزمي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ بِوُقُوعِ الْمَوْلُودِ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مُفَرَّعًا عَلَى الْخِلَافِ وَأَنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ لِكَوْنِهِ نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ انْتَهَى.
لَكِنْ جَزَمَ الرافعي فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ بِنَجَاسَةِ الْبَلَلِ الْخَارِجِ مَعَ الْوَلَدِ وَنَقَلَهُ الزركشي فِي الْخَادِمِ، وَحَكَاهُ عَنْ تَصْحِيحِ الروياني فِي الْبَحْرِ فَإِنْ قَصَدَ الرافعي وَلَدَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ ; لِأَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَنَجَاسَةُ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَإِنْ أَرَادَ الْآدَمِيَّ وَغَيْرَهُ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْبِنَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ؟ .
الْجَوَابُ: يَجُوزُ لِلْجُنُبِ إِيرَادُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْقُرْآنَ، بَلْ قَصَدَ الذِّكْرَ، أَوِ الْوَعْظَ، أَوِ الْإِخْبَارَ مِثْلَ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَمَّا قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ لَا بِقَصْدِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ إِيرَادُهُ بِلَا قَصْدِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ الْخُلُوُّ عَنْ قَصْدِ الْقُرْآنِ فِي آيَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، أَمَّا مِثْلُ سُورَةٍ كَامِلَةٍ ; فَإِنَّهَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَا يُقْصَدُ مِنْهَا كُلِّهَا شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ، وَاللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلتِّلَاوَةِ.
[بَابُ النَّجَاسَةِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ النَّجَاسَةِ
مَسْأَلَةٌ: الْأَرْضُ التُّرَابِيَّةُ إِذَا تَنَجَّسَتْ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً، ثُمَّ وَطِئَهَا شَخْصٌ وَعَلِقَ بِهِ
стр. 8
التُّرَابُ، أَوِ الْوَحْلُ الْمُتَنَجِّسُ فَهَلْ يُحْتَاجُ فِي تَطْهِيرِهِ إِلَى تَعْفِيرٍ أَمْ لَا؟ ، وَإِذَا قُلْتُمْ إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْفِيرٍ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ عُفِّرَ فِي الْأُولَى بِجَامِعِ أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجِبُ تَعْفِيرُهُ إِذْ هُوَ مِنْ شَيْءٍ لَا يُطْلَبُ تَعْفِيرُهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ لَا يُطْلَبُ تَعْفِيرُهُ.
الْجَوَابُ: يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْفِيرِ وَذَلِكَ مَنْقُولٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ حَيْثُ لَا تَحْتَاجُ هِيَ أَنْ لَا تُعَفَّرَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَتْرِيبِ التُّرَابِ وَهُنَا الْمُتَنَجِّسُ غَيْرُ التُّرَابِ وَهُوَ الْبَدَنُ، أَوِ الثَّوْبُ بِالتُّرَابِ الْمُتَنَجِّسِ، وَالتُّرَابُ الْمُتَنَجِّسُ لَا يَكْفِي فِي الْوُلُوغِ وَفِي وَجْهٍ يَكْفِي فَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى هَذَا.
قَالَ ابن السبكي فِي الطَّبَقَاتِ: كَانَ أبو بكر الضبعي يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ تُرَابَ الْوُلُوغِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا، وَهُوَ وَجْهٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ الرافعي، قَالَ أبو عاصم وَذَكَرَ أَنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَأَصَابَ ذِرَاعَهُ طِينٌ مِنْ وَحْلِ كَلْبٍ فَأَمَرَ جَارِيَتَهُ بِغَسْلِهِ وَتَعْفِيرِهِ فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَمَا فِي الطِّينِ تُرَابٌ. فَقَالَ: أَحْسَنْتِ، أَنْتِ أَفْقَهُ مِنِّي.
انْتَهَى مَا حَكَاهُ ابن السبكي، وَهَذِهِ عَيْنُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا، وَقَدْ صَرَّحَ ابن السبكي بِأَنَّ ارْتِضَاءَهُ بِعَدَمِ التَّعْفِيرِ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالتُّرَابِ النَّجِسِ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ فَيَكُونُ عَلَى مُقَابِلِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مُحْتَاجًا إِلَى التَّعْفِيرِ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا عِلَّتَهُ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُصِيبُ مِنَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ التَّعْفِيرِ، فَهُوَ أَنَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَقَعَ تَعْفِيرُهُ لَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يُطْلَبْ تَعْفِيرُهُ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ حُكْمَ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ كَحُكْمِ الْمَغْسُولِ بِهَا بَعْدَ غَسْلِهَا فَمَا كَانَ حُكْمَهُ كَانَ حُكْمَ مَا أَصَابَتْهُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَكَلَ الشَّخْصُ لَحْمَ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرِ وَارِثِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ هَلْ يُسَبِّعُ الْمَحَلَّ؟ .
الْجَوَابُ: لَا يُسَبِّعُ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَنَقَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَقَعَ، أَوْ أُلْقِيَ فِي الْخَمْرِ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ كَحَصَاةٍ، أَوْ جَرِيدَةٍ، أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يُؤْكَلُ وَأُزِيلَ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ خَلًّا هَلْ تُطَهَّرُ أَوَّلًا؟ وَإِذَا بَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ حَتَّى صَارَتْ خَلًّا هَلْ تُنَجِّسُهَا أَوَّلًا؟ وَإِذَا انْفَصَلَ شَيْءٌ مِنَ الْخَمْرِ، أَوْ فُصِلَ وَعَادَ إِلَيْهِ، أَوْ أُعِيدَ، أَوْ صُبَّ عَلَيْهَا خَمْرٌ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ خَلًّا هَلْ تُطَهَّرُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: عَنِ الصُّورَةِ الْأُولَى أَنَّهَا تُطَهَّرُ فَفِي فَتَاوَى النووي: إِذَا وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى كَعَظْمِ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهِ فَأُخْرِجَتْ مِنْهَا، ثُمَّ انْقَلَبَتِ الْخَمْرُ خَلًّا لَمْ تُطَهَّرْ بِلَا خِلَافٍ
стр. 9
ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَعِبَارَةُ الزركشي فِي الدِّيبَاجِ: الْخَمْرُ إِذَا تَخَلَّلَتْ تُطَهَّرُ إِجْمَاعًا، قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: هَذَا إِنْ لَمْ يَقَعْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فَإِنْ وَقَعَتْ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ وَتَخَلَّلَتْ لَمْ تُطَهَّرْ قَطْعًا، فَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَاقِعُ نَجَاسَةً وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ التَّخْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَاقَاهَا عَيْنٌ طَاهِرَةٌ وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ التَّخْلِيلِ ; فَإِنَّهَا تُطَهَّرُ إِذَا تَخَلَّلَتْ فَإِنَّ الْمُدْرِكَ هُنَا طَرْفٌ نَجِسٌ أَجْنَبِيٌّ، وَمِنْهُ أَخْذُ مَنْ أَخَذَ أَنَّ النَّجِسَ نَجِسٌ، وَهُوَ هُنَا مَفْقُودٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا عَسَاهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ تَنْجُسُ، ثُمَّ =تُنَجِّسُ فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَعْدَ الِانْقِلَابِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ أَنَّ طُرُوءَ النَّجِسِ الْأَجْنَبِيِّ يَمْنَعُ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مَرُّ الْحَجَرِ الطَّاهِرِ مِنْ أَوَّلِ الْمَحَلِّ إِلَى آخِرِهِ وَإِنْ تَلَوَّثَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ إِذَا لَمْ يَنْفَصِلْ، وَكَذَا مَرُّ الْمَاءِ عَلَى الثَّوْبِ النَّجِسِ الْمُرَادِ تَطْهِيرُهُ وَعَلَى مَحَلِّ الْحَدَثِ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرْنَاهُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ النَّجِسَةِ وَالطَّاهِرَةِ فِي الْمُلَاقَاةِ قَبْلَ التَّخْلِيلِ لِمَا فِي الْأُولَى مِنْ طُرُوءِ نَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ النووي: نَجَاسَةٌ أُخْرَى، وَالتَّفْرِقَةُ فِي الطَّاهِرَةِ بَيْنَ مَا إِذَا زَالَتْ قَبْلَ التَّخْلِيلِ، وَمَا إِذَا بَقِيَتْ بَعْدَهُ ; فَإِنَّهَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى =مُشَاكِلَةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُغَايِرَةٌ، فَإِنَّهَا فِي الْأُولَى مُتَلَوِّثَةٌ بِخَمْرٍ فِي خَمْرٍ فَلَا تُؤَثِّرُ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُتَلَوِّثَةٌ بِخَمْرٍ فِي خَلٍّ فَتَنْجُسُ، وَعَنِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا لَا تُطَهَّرُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهِيَ مَنْقُولُ الْكُتُبِ، وَعَنِ الثَّالِثَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تُطَهَّرُ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وَضْعِ الْخَمْرِ فِي الدَّنِّ بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَصَبُّ خَمْرٍ عَلَى خَمْرٍ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ وُضِعَ فِي الدَّنِّ أَوَّلًا كُوزٌ مِنْهُ، ثُمَّ كُوزٌ، ثُمَّ كُوزٌ وَهَكَذَا، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهِ خَمْرٌ مِنْ =خَارِجٍ، أَوْ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُعَادُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تُحْفَةُ الْأَنْجَابِ بِمَسْأَلَةِ السِّنْجَابِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَرَدَ عَلَيَّ سُؤَالٌ صُورَتُهُ: مَا قَوْلُ مَوْلَانَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَافِظِ الْعَصْرِ مُجْتَهِدِ الْوَقْتِ عَالِمِ أَهْلِ الْأَرْضِ الْمَبْعُوثِ فِي الْمِائَةِ التَّاسِعَةِ فِي شَعَرِ السِّنْجَابِ وَنَحْوِهِ مِنْ شُعُورِ الْمَيْتَةِ هَلْ يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ، أَوْ لَا؟ وَلَسْنَا نَسْأَلُكُمْ عَنْ مَشْهُورِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁، فَإِنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ قَوْلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَدَمُ الطَّهَارَةِ، بَلْ نَسْأَلُكُمْ عَمَّا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وَالنَّظَرُ مِنْ حَيْثُ الِاجْتِهَادُ، وَالْمَسْؤُولُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاجْتِهَادِ وَأَصْحَابِ الِاخْتِيَارَاتِ.
стр. 10
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيرِ مُقَدِّمَتَيْنِ: الْأُولَى فِي أَنَّ الشَّعَرَ هَلْ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، أَوْ لَا يَنْجُسُ بِهِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى طَهَارَتِهِ؟ وَالثَّانِيَةُ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ وَعَدِمَهَا وَحُجَجِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَجَاسَةِ الشَّعَرِ بِالْمَوْتِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى نَجَاسَتِهِ مِنْهُمْ عطاء، وَالشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ: الْبُوَيْطِيُّ، والمزني، والربيع المرادي، وَحَرْمَلَةُ، وَأَصْحَابُ الْقَدِيمِ، وَصَحَّحَهُ جُمْهُورُ الْمُصَحِّحِينَ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ الشَّعَرَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: حَكَى ابن شريح، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ، عَنِ المزني، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنَجُّسِ الشَّعَرِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، والمزني، وابن المنذر، وداود، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْجُسُ شَيْءٌ مِنَ الشَّعَرِ بِالْمَوْتِ إِلَّا شَعْرَ الْخِنْزِيرِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْمَيْتَةِ: " «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَبِأَنَّ الشَّعَرَ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إِذَا جُزَّ لَا يَأْلَمُ صَاحِبُهُ، فَلَا يُحِلُّهُ الْمَوْتُ الْمُقْتَضِي لِلتَّنْجِيسِ، فَلَا يَكُونُ نَجِسًا، بَلْ يَبْقَى عَلَى طَهَارَتِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَبِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِتَنْجِيسِ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ مَا فِيهَا مِنَ الزُّهُومَةِ، وَلَا زُهُومَةَ فِي الشَّعَرِ، فَلَا =يَنْجُسُ، وَحَكَى العبدري، عَنِ الحسن، وعطاء، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ الشَّعَرَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَلَكِنْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أم سلمة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا بَأْسَ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بِشَعَرِهَا إِذَا غُسِلَ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى شَعَرِ غَيْرِهَا إِذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ كَسَائِرِ الْجَامِدَاتِ إِذَا طَرَأَتْ نَجَاسَتُهَا، وَحَكَى الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّعَرَ تَابِعٌ لِلْجِلْدِ يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهِ وَيَنْجُسُ بِنَجَاسَتِهِ، وَهَذَا أَقْوَى الْمَذَاهِبِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فَلِلْعُلَمَاءِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ شَيْءٌ مِنْهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ، وعائشة، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَرِوَايَةٌ عَنْ مالك.
وَالثَّانِي: يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ جِلْدُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ
стр. 11
مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وابن المبارك، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَرِوَايَةُ أشهب عَنْ مالك.
وَالثَّالِثُ: يَطْهُرُ بِهِ كُلُّ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلِّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَحَكَوْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالرَّابِعُ: يَطْهُرُ بِهِ الْجَمِيعُ إِلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مالك حَكَاهَا ابن القطان.
وَالْخَامِسُ: يَطْهُرُ الْجَمِيعُ حَتَّى =الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ إِلَّا أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مالك فِيمَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْهُ.
وَالسَّادِسُ: يَطْهُرُ الْجَمِيعُ حَتَّى الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. قَالَهُ داود وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أبي يوسف وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ سُحْنُونٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَالسَّابِعُ: يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بِلَا دِبَاغٍ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ - حَكَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْجِلْدِ وَغَيْرِهِ، وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ " أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ» ، وَلَا عَصَبٍ " وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَتُهُمْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي حرملة، وأحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ أحمد بن الحسين يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ ابن عكيم هَذَا لِقَوْلِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ، وَكَانَ يَقُولُ هَذَا آخِرُ الْأَمْرِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَلَا يَطْهُرُ بِشَيْءٍ كَاللَّحْمِ وَأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نَجُسَ بِهِ هُوَ الْمَوْتُ، وَهُوَ مُلَازِمٌ لَهُ لَا يَزُولُ بِالدَّبْغِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» "، وَفِي لَفْظٍ " «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» " وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: " هَلَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: " إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سودة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا.
رَوَى أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَاتَتْ شَاةٌ لسودة فَقَالَتْ:
стр. 12
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَتْ فُلَانَةُ. يَعْنِي الشَّاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَهَلَّا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا؟ " قَالَتْ: نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ» - فَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَى مالك فِي الْمُوَطَّأِ، وأبو داود، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ عَنْ عائشة: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ» .
وَرَوَى أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَصَحَّحَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ سِقَاءٍ فَقِيلَ لَهُ: أَنَّهُ مَيْتَةٌ فَقَالَ: (دِبَاغُهُ يَذْهَبُ بِخُبْثِهِ - أَوْ نَجَسِهِ، أَوْ رِجْسِهِ) » .
وَرَوَى أحمد، وأبو داود، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ جون بن قتادة، عَنْ سلمة بن المحبق: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ. قَالَ: (أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟) قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: (فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا) » .
وَرَوَى أبو داود، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ميمونة قَالَتْ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : (لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا) قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ، وَالْقَرَظُ) » .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ: (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا، أَوَ لَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا) » ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ: ( «إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» ) ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَهُ قَالَ: ( «إِنَّمَا حَرُمَ لَحْمُهَا وَدِبَاغُ إِهَابِهَا طَهُورُهُ» ) ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَهُ قَالَ: ( «إِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذِهِ أَسَانِيدُ صِحَاحٌ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائشة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «ذَكَاةُ الْمَيْتَةِ دِبَاغُهَا» ) ، وَفِي لَفْظٍ: ( «طَهُورُهَا دِبَاغُهَا» ) .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «دِبَاغُ كُلِّ إِهَابٍ طَهُورُهُ» ) .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ) .
وَرَوَى الخطيب فِي تَلْخِيصِ الْمُتَشَابِهِ مِنْ حَدِيثِ جابر مِثْلَهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْ أبي أمامة «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَمَرَّ بِأَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنَ الْعَرَبِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ (هَلْ مِنْ مَاءٍ لِوُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا مَاءٌ إِلَّا فِي إِهَابِ مَيْتَةٍ دَبَغْنَاهَا بِلَبَنٍ.
стр. 13
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ (أَنَّ دِبَاغَهُ طَهُورُهُ) فَأُتِيَ بِهِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى» ، وَرَوَى أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، ادْعُ لِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ بِوُضُوءٍ. فَقُلْتُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطْلُبُ وُضُوءًا. فَقَالُوا: أَخْبِرْهُ أَنَّ دَلْوَنَا جِلْدُ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: سَلْهُمْ: هَلْ دَبَغُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: (فَإِنَّ دِبَاغَهُ طَهُورُهُ) » .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ. فَقَالَ: (مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا؟) » .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ سنان بن سلمة «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى جَذَعَةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: (مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِمَسْكِهَا؟) » .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى شَاةٍ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَقَالُوا: مَيْتَةٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (ادْبَغُوا إِهَابَهَا، فَإِنَّ دِبَاغَهُ طَهُورُهُ) » .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا» ) .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائشة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «طَهُورُ الْأَدِيمِ دِبَاغُهُ» ) .
وَرَوَى أبو يعلى، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ «عَنْ أم سلمة: أَنَّهَا كَانَتْ لَهَا شَاةٌ فَمَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟) قُلْنَا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ دِبَاغَهَا يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ) » .
وَرَوَى أحمد، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «طَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَاءً مِنِ امْرَأَةٍ أَعْرَابِيَّةٍ فَقَالَتْ: هَذِهِ الْقِرْبَةُ مِسْكُ مَيْتَةٍ، وَلَا أُحِبُّ أُنَجِّسُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ دَبَغَتْهَا، فَهُوَ طَهُورُهَا. فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: لَقَدْ دَبَغْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ مِنْهَا» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَوْهَبَ وُضُوءًا فَقِيلَ لَهُ: لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْكِ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: (أَدَبَغْتُمُوهُ) ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: (فَهَلُمَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ طَهُورُهُ) » .
وَرَوَى الحارث بن أبي أسامة فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا نُصِيبُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَغَانِمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْأَسْقِيَةَ وَالْأَوْعِيَةَ فَنُقَسِّمُهَا، كُلُّهَا مَيْتَةٌ» .
وَبِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ طَرَأَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَجَازَ أَنْ يُطَهَّرَ كَجِلْدِ الْمُذَكَّاةِ إِذَا تَنَجَّسَ.
وَأَجَابُوا عَنِ احْتِجَاجِ الْأَوَّلِينَ بِالْآيَةِ بِأَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ فَأَجَابَ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وابن عكيم لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَكَذَا قَالَ أبو حاتم، وَقَالَ ابن دقيق العيد: رُوِيَ أَنَّ إسحاق بن راهويه نَاظَرَ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا، فَقَالَ لَهُ إسحاق: مَا الدَّلِيلُ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عبيد الله بن عبد الله عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ميمونة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا» ؟) ، فَقَالَ لَهُ إسحاق: حَدِيثُ ابن
стр. 14
عكيم «كَتَبَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ: (لَا تَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ) » ، فَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِحَدِيثِ ميمونة ; لِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: هَذَا كِتَابٌ وَذَاكَ سَمَاعٌ، فَقَالَ إسحاق: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى كسرى وقيصر وَكَانَتْ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أحمد ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ ابن عكيم، وَأَفْتَى بِهِ، وَرَجَعَ إسحاق إِلَى حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ ابن دقيق العيد: كَانَ وَالِدِي يَحْكِي عَنِ الْحَافِظِ أبي الحسن المقدسي، وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ حُجَّةَ الشَّافِعِيِّ بَاقِيَةٌ، يُرِيدُ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّرْجِيحِ بِالسَّمَاعِ وَالْكِتَابِ، لَا فِي إِبْطَالِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ.
وَقَالَ الخطابي: مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ الدِّبَاغِ وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْإِهَابِ إِذَا دُبِغَ وَوَهَّنُوا هَذَا الْحَدِيثَ ; لِأَنَّ ابن عكيم لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ كِتَابٍ أَتَاهُمْ قَالَ: وَقَدْ يُحْتَمَلُ إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا جَاءَ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَتْرُكَ بِهِ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي قَدْ جَاءَتْ فِي الدِّبَاغِ وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّسْخِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: قَدْ عَلَّلُوا حَدِيثَ ابن عكيم بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ فِي إِسْنَادِهِ حَيْثُ رَوَى بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: عَنِ ابن عكيم عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ جُهَيْنَةَ كَذَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخُ مَجْهُولُونَ لَمْ تَثْبُتْ صُحْبَتُهُمْ، وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِهَذَا الِاضْطِرَابِ، وَقَالَ الخلال: لَمَّا رَأَى أبو عبد الله تَزَلْزُلَ الرُّوَاةِ فِيهِ تَوَقَّفَ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ وَرَوَى بِشَهْرَيْنِ وَرَوَى بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَرَوَى بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَرَوَى مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ وَهَذَا الِاضْطِرَابُ فِي الْمَتْنِ وَأُجِيبَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ أَخْبَارَ الدِّبَاغِ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَكْثَرُ =رُوَاةً فَهِيَ أَقْوَى وَأَوْلَى، وَبِأَنَّهُ عَامٌّ فِي النَّهْيِ وَأَخْبَارُ الدِّبَاغِ مُخَصَّصَةٌ لِلنَّهْيِ بِمَا قَبْلَ الدِّبَاغِ مُصَرِّحَةٌ بِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَبِأَنَّ الْإِهَابَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ، وَلَا يُسَمَّى بَعْدَهُ إِهَابًا - كَذَا قَالَهُ الخليل بن أحمد، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَكَذَا قَالَهُ الجوهري وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهَذَا مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ.
فَإِنْ قَالُوا: هَذَا الْخَبَرُ مُتَأَخِّرٌ فَيُقَدَّمُ وَيَكُونُ نَاسِخًا فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا لَا نُسَلِّمُ تَأَخُّرَهُ عَنْ أَخْبَارِ الدِّبَاغِ ; لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ بِدُونِ
стр. 15
شَهْرَيْنِ وَشَهْرٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ رُوِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ وَرُوِيَ بِشَهْرَيْنِ وَرُوِيَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَثِيرٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهِ تَارِيخٌ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أبي داود فَحَصَلَ فِيهِ نَوْعُ اضْطِرَابٍ فَلَمْ يَبْقَ تَارِيخٌ يُعْتَمَدُ.
الثَّالِثُ: لَوْ سُلِّمَ تَأَخُّرُهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ ; لِأَنَّهُ عَامٌّ وَأَخْبَارُ الدِّبَاغِ خَاصَّةٌ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ أَهْلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ: عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى اللَّحْمِ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ نُصُوصٍ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنَّ الدِّبَاغَ فِي اللَّحْمِ لَا يَتَأَتَّى، وَلَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، بَلْ يَمْحَقُهُ بِخِلَافِ الْجِلْدِ، فَإِنَّهُ يُنَظِّفُهُ وَيُطَيِّبُهُ وَيَصْلُبُهُ، وَبِهَذَيْنَ الْجَوَابَيْنِ يُجَابُ عَنْ قَوْلِهِمُ: الْعِلَّةُ فِي التَّنْجِيسِ الْمَوْتُ، وَهُوَ قَائِمٌ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِمَا رَوَاهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والحاكم وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَامِرِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ «نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ» . قَالُوا: فَلَوْ كَانَتْ تُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ لَمْ يَنْهَ عَنِ افْتِرَاشِهَا مُطْلَقًا، وَبِحَدِيثِ سلمة بن المحبق السَّابِقِ " «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» " قَالُوا: وَذَكَاةُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَا تُطَهِّرُهُ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ فَلَمْ يَطْهُرْ جِلْدُهُ بِالدَّبْغِ كَالْكَلْبِ.
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِالتَّمَسُّكِ بِعُمُومٍ (أَيُّمَا إِهَابٍ) وَ (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ) وَأَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ ; فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ جِلْدٍ، قَالُوا:
وَأَمَّا الْجَوَابُ: عَنْ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الدِّبَاغِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ السِّبَاعِ حِينَئِذٍ، بَلْ كُلُّ الْجُلُودِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّهَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ قَبْلَ الدِّبَاغِ غَالِبًا، أَوْ كَثِيرًا، وَأَمَّا حَدِيثُ سلمة فَمَعْنَاهُ أَنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ مُطَهِّرٌ لَهُ وَمُبِيحٌ لِاسْتِعْمَالِهِ كَالذَّكَاةِ فِيمَا يُؤْكَلُ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْكَلْبِ فَجَوَابُهُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ نَجِسٌ فِي حَيَاتِهِ، فَلَا يَزِيدُ الدِّبَاغُ عَلَى الْحَيَاةِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الرَّابِعِ، وَالْخَامِسِ، وَالسَّادِسِ بِعُمُومِ أَحَادِيثِ الدِّبَاغِ وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْهَا بِأَنَّهَا خُصَّ مِنْهَا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَنَّهُمَا نَجِسَانِ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَزِيدُ الدِّبَاغُ عَلَيْهَا.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ السَّابِعِ بِرِوَايَةٍ وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟» ) ، وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّبَاغَ، وَأَجَابَ
стр. 16
الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُطْلَقَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الْمُقَيَّدَةِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَعُودُ إِلَى مَسْأَلَتِنَا فَنَقُولُ: مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الشَّعْرَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَهُمْ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا إِشْكَالَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَكَذَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ وَأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ فَهَلْ يَطْهُرُ الشَّعْرُ عِنْدَهُ بِالدِّبَاغِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ، أَوْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ: فَإِنْ دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ قَالَ فِي الْأُمِّ: لَا يَطْهُرُ الشَّعْرُ ; لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَرَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ يَطْهُرُ ; لِأَنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ عَلَى جِلْدٍ، فَهُوَ كَالْجِلْدِ فِي الطَّهَارَةِ كَشَعْرِ الْحَيَوَانِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ مَشْهُورَانِ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، والشاشي، والرافعي، وَقَطَعَ بِهِ الجرجاني فِي التَّحْرِيرِ قَالَ: وَصَحَّحَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، والروياني طَهَارَتَهُ قَالَ الروياني: لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فِي زَمَنِ عمر ﵁ قَسَّمُوا الْفِرَاءَ الْمَغْنُومَةَ مِنَ الْفُرْسِ، وَهِيَ ذَبَائِحُ مَجُوسَ وَاسْتَدَلَّ مَنْ صَحَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِحَدِيثِ أسامة السَّابِقِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» ، وَرَوَى أبو داود، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «عَنِ المقدام بن معد يكرب أَنَّهُ قَالَ لمعاوية: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» ، وَرَوَى أبو داود «عَنْ معاوية أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ» .
قَالَ الْأَصْحَابُ: يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ مُتَنَاوِلٌ لِمَا بَعْدَ الدِّبَاغِ وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَائِدًا إِلَى نَفْسِ الْجِلْدِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ بِالدِّبَاغِ بِالدَّلَائِلِ السَّابِقَةِ، فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى الشَّعْرِ، هَذَا مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَقُولُ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي بِالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ مَا رَجَّحَهُ الإسفراييني والروياني مِنْ طَهَارَةِ الشَّعْرِ بِالدِّبَاغِ.
وَقَدْ رَجَّحَهُ أَيْضًا العبادي، وَقَالَ: عَلَيْهِ تَدُلُّ الْآثَارُ، وَصَحَّحَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ فِي الْمُرْشِدِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ: وَالشَّيْخُ تقي الدين السبكي قَالَ وَلَدُهُ فِي التَّوْشِيحِ: صَحَّحَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ طَهَارَةَ الشَّعْرِ بِالدِّبَاغِ قَالَ الْوَالِدُ فِي مَجَامِيعِهِ: وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَأَفْتَى بِهِ لِلْحَدِيثِ، وَقَالَ:
стр. 17
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الشَّعْرَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، قُلْتُ: وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا اخْتَرْتُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قَالَ: «رَأَيْتُ عَلَى ابن أبي وعلة السبائي فَرْوًا فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: أَنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَ بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» .
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَخِيهِ عبد الجبار بن مسلم عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَيْتَةِ لَحْمَهَا، فَأَمَّا الْجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ» ، وَرِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ إِلَّا عبد الجبار، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ.
وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: «إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ الْمَيْتَةِ لَحْمُهَا» . دُونَ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ عبد الجبار، بَلْ تُوبِعَ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ شبابة عَنْ أبي بكر الهذلي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عبيد الله بن عبد الله عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ الْمَيْتَةِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهَا، وَهُوَ اللَّحْمُ، فَأَمَّا الْجِلْدُ، وَالشَّعْرُ، وَالصُّوفُ، فَهُوَ حَلَالٌ» .
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ زافر بن سليمان عَنْ أبي بكر الهذلي بِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زافر بن سليمان عَنْ أبي بكر الهذلي أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُمْ عَنْ عبيد الله بن عبد الله «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ حَلَالٌ إِلَّا مَا أُكِلَ مِنْهَا» ، فَأَمَّا الْجِلْدُ وَالْفَرْوُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ فَكُلُّ هَذَا حَلَالٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُذَكَّى، وَلَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يوسف بن السعد عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: «سَمِعْتُ أم سلمة تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ» .
وَلَهُ شَاهِدٌ ثَانٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عبد الله بن قيس البصري أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ الْمَيْتَةِ لَحْمُهَا وَدَمُهَا.
وَشَاهِدٌ ثَالِثٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أبي وائل عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِرَاءِ: ذَكَاتُهُ دِبَاغُهُ، وَشَاهِدٌ رَابِعٌ أَخْرَجَهُ أحمد، وَالْبَيْهَقِيُّ «مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
стр. 18
لَيْلَى فَأَتَاهُ ذُو ضَفْرَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا أبا عيسى حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ فِي الْفِرَاءِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُصَلِّي فِي الْفِرَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ الدِّبَاغُ. قَالَ ثابت: فَلَمَّا وَلَّى قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ؟» .
وَشَاهِدٌ خَامِسٌ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي الصَّلَاةِ فِي الْفِرَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ الدِّبَاغُ» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلَ داود السراج الحسن عَنْ جُلُودِ النَّمِرِ وَالسَّمُّورِ تُدْبَغُ بِالْمِلْحِ قَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا.
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ صَرِيحَةٌ فِي الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ صَرِيحٍ، حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ» - هَذَا الْحَدِيثُ بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَرِيحٌ فِي إِبَاحَةِ الْفِرَاءِ كَمَا هُوَ نَصٌّ اسْتَدَلُّوا بِهِ فِي إِبَاحَةِ الْجُبْنِ، وَلِهَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ (بَابَ لُبْسِ الْفِرَاءِ) ، وَإِنَّمَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ هَذَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ نَجَاسَتِهِمَا لِمَا فِي الْجُبْنِ مِنَ الْإِنْفَحَةِ، وَلِكَوْنِ الْفِرَاءِ مِنْ مَيْتَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْفِرَاءَ الْمُذَكَّاةَ لَمْ يُحْسِنِ السُّؤَالَ عَنْهَا لِلْعِلْمِ بِطَهَارَتِهَا قَطْعًا، وَقَدْ أَجَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا مَعًا بِأَنَّهُمَا مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ.
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدٌ مَوْقُوفٌ عَلَى سلمان، وَأَخْرَجَ عَنِ الحسن مُرْسَلًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنِ المغيرة يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ المغيرة وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ راشد الحماني قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَلَيْهِ فَرْوٌ أَحْمَرُ، فَقَالَ: كَانَتْ لُحُفُنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَلْبَسُهَا وَنُصَلِّي فِيهَا، رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ إِلَّا أحمد بن القاسم، فَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْفَرْوُ الَّذِي رَآهُ عَلَى أَنَسٍ مِنْ مُذَكًّى لَمْ يَكُنْ مَحَلَّ إِنْكَارٍ حَتَّى احْتَاجَ أَنَسٌ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى طَهَارَتِهَا بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَهَا وَيُصَلُّونَ فِيهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِأَصْلِ حَدِيثِ سلمان شَاهِدٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وابن المنذر، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِمَا، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذهبي فِي مُخْتَصَرِهِ، وابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ عَافِيَةٌ فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ» ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ: إِنَّهُ يُفِيدُهَا فِي الشَّعْرِ قَصْدًا، وَإِنَّمَا يُفِيدُهَا تَبَعًا لِلْجِلْدِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ،
стр. 19
فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا، ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ، وَشَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ جابر.
أَخْرَجَ ابن مردويه عَنْ جابر قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: يَا كعب، مَا أَحَلَّ رَبُّكَ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ عَفْوٌ فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ» ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ أبي ثعلبة وَيُؤَيِّدُ أَنَّ سُؤَالَهُمْ فِي حَدِيثِ سلمان عَنِ الْجُبْنِ ; لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الْإِنْفَحَةِ، وَعَنِ الْفِرَاءِ ; لِأَجْلِ كَوْنِهِ مِنْ مَيْتَةٍ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ. قَالَ: ذَكَرْنَا الْجُبْنَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقُلْنَا: إِنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِحُ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ عمر: سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وَكُلُوا.
وَرَوَى سعيد أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ صَنْعَةِ الْمَجُوسِ، فَقَالَ: (اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَكُلُوا) » .
وَرَوَى سعيد أَيْضًا «عَنْ إسحاق بن عبد الله بن الحارث قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلِيِّ بن عباس، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ يُصْنَعُ لَنَا بِالْعِرَاقِ مِنْ هَذَا الْجُبْنِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ مِنْ أَنَافِحِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مِنْ أَنَافِحِ الْمَيْتَةِ، فَلَا تَأْكُلْهُ، وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَكُلْهُ، قَالَ لَهُ أَبِي: وَإِنَّهُ يُصْنَعُ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْفِرَاءِ وَبَلَغَنِي أَنَّهَا تُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دِبَاغُ كُلِّ أَدِيمٍ ذَكَاتُهُ) » .
وَرَوَاهُ الدُّولَابِيُّ فِي الْكُنَى «عَنْ إسحاق بن عبد الله بن الحارث قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْفِرَاءُ تُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ) » ، فَهَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُ الْفِرَاءَ مُطْلَقًا جِلْدًا، أَوْ شَعْرًا.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِطَهَارَةِ الشَّعْرِ بِالدِّبَاغِ إِطْلَاقُ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي دِبَاغِ إِهَابِ الشَّاةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الشَّعْرُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ لَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَقَالَ: انْزِعُوا شَعْرَهَا وَادْبَغُوا الْجِلْدَ وَانْتَفِعُوا بِهِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ بَيَانٍ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَلَمَّا أَطْلَقَ وَلَمْ يُفَصِّلْ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى شَعْرِ الْمَأْكُولِ إِذَا ذُكِّيَ وَأُخِذَ فِي حَيَاتِهِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْآيَةَ خُوطِبَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلِهَذَا قِيلَ فِي أَوَاخِرِ تَعْدَادِ النِّعَمِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَذْبَحُونَ لِلْأَصْنَامِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ يَتَوَقَّفُ
стр. 20
فِي أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ فَكَانَتْ ذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةً، وَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَةُ امْتِنَانًا عَلَيْهِمْ بِالِانْتِفَاعِ بِشُعُورِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ طُهْرُهَا، وَقَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إِنَّ (مِنْ) فِي الْآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، وَالْمُرَادُ الْبَعْضُ الطَّاهِرُ يُنَازَعُ فِيهِ بِأَنَّ (مِنْ) هَذِهِ لَيْسَتْ هِيَ التَّبْعِيضِيَّةَ، بَلْ هِيَ التَّجْرِيدِيَّةُ كَمَا يَفْهَمُهُ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِعِلْمِ الْبَيَانِ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْجُمْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي الْآيَةِ فَهِيَ كَالْمِثَالِ الَّذِي يُمَثِّلُ بِهِ أَرْبَابُ الْبَيَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ لِي: مِنْ فُلَانٍ صِدِيقٍ حَمِيمٍ، أَيْ أَنَّ فُلَانًا نَفْسَهُ صَدِيقٌ حَمِيمٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَهُ صَدِيقٌ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ يُسَمَّى بِالتَّجْرِيدِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ.
اسْتِدْلَالٌ آخَرُ: قَالَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ: يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِطَهَارَةِ الشَّعْرِ بِالدِّبَاغِ بِنَفْسِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ( «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» ) ; لِأَنَّ اسْمَ الْإِهَابِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْجِلْدِ بِشَعْرِهِ، فَيُقَالُ: هَذَا إِهَابُ الْمَيْتَةِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا إِهَابُهَا وَشَعْرُهَا، وَإِذَا انْطَلَقَ الِاسْمُ عَلَيْهِ حَصَلَتِ الطَّهَارَةُ قَالَ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ «حَدِيثُ أبي الخير قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى ابن وعلة فَرْوًا فَكَلَّمْتُهُ فِيهِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضِ الْمَغْرِبِ، وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَنُؤْتَى بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: (دِبَاغُهُ طَهُورُهُ) » .
وَحَدِيثُ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فِي الْمَسْجِدِ فَأَتَى شَيْخٌ ذُو ضَفْرَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا أبا عيسى، حَدِّثْنِي حَدِيثَ أَبِيكَ فِي الْفِرَاءِ، فَقَالَ: «حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُصَلِّي فِي الْفِرَاءِ؟ قَالَ: فَأَيْنَ الدَّبْغُ؟ فَلَمَّا وَلَّى، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ.»
قَالَ هَذَا الْمُجْتَهِدُ الْمَذْكُورُ: يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ نَجَاسَةِ الشُّعُورِ أَصْلًا وَرَأْسًا بِأَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَى مُقَدِّمَةٍ فِي الدَّلِيلِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ نَجُسَ الشَّعْرُ بِالْمَوْتِ، لَكَانَ طَاهِرًا بَعْدَ الدِّبَاغِ، لَكِنْ كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ الدِّبَاغِ، فَلَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الدِّبَاغَ إِنَّمَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِي مَا لَهُ أَثَرٌ، وَلَا أَثَرَ لِلدِّبَاغِ فِي الشَّعْرِ، فَلَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ، وَبَيَانُ أَنَّهُ طَاهِرٌ بَعْدَ الدِّبَاغِ أَنَّ اسْمَ الْإِهَابِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِالشَّعْرِ الْمُتَّصِلِ بِهِ، فَيُقَالُ: هَذَا إِهَابُ الشَّاةِ مَثَلًا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا إِهَابُهَا وَشَعْرُهَا.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِطْلَاقِ اسْمِ الْإِهَابِ عَلَى الْجِلْدِ بِشَعْرِهِ، وَإِذَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَطْهُرَ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ) وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ يَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ، وَقَوْلُهُ فِي تَقْرِيرِهَا: إِنَّ الدِّبَاغَ إِنَّمَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِيمَا لَهُ أَثَرٌ يُقَالُ عَلَيْهِ: إِنَّمَا يُفِيدُهَا فِيمَا لَهُ فِيهِ أَثَرٌ قَصْدًا أَوْ تَبَعًا الْأَوَّلُ مُسْلِمٌ صَاحِبُ الْخَادِمِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: - كَأَنَّهُ يَعْنِي البلقيني وَهُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ جِهَةٍ لَا سِيَّمَا
стр. 21
وَانْطِلَاقُ لِفْظِ الْإِهَابِ عَلَى الْجَمِيعِ. انْتَهَى.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الْقِيَاسِيَّةِ عَلَى طَهَارَةِ الشَّعْرِ بِالدِّبَاغِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ الْقِيَاسُ عَلَى دَنِّ الْخَمْرِ إِذَا صَارَتْ خَلًّا، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ تَبَعًا لَهَا، فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ بِأَنَّ ذَاكَ مِنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، قُلْنَا: وَهَذَا مِنْ مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ فِي قَوَاعِدِهِمْ عَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ مَسْأَلَةُ مَا لَوْ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَإِنَّ الْمَاءَ وَالْإِنَاءَ يُنَجَّسَانِ مَعًا فَلَوْ كُوثِرَ الْمَاءُ حَتَّى بَلَغَ قُلَّتَيْنِ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَطْهُرُ وَكَذَا الْإِنَاءُ تَبَعًا لَهُ فِي أَحَدِ الْأَوْجُهِ، فَهَذَا حُكْمٌ بِالطَّهَارَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِطِهَارَةِ الشَّعْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ لِلْجِلْدِ.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ مَسْأَلَةُ الدَّمِ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ وَعِظَامِهِ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا لِلَّحْمِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ كَمَا ارْتَضَاهُ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَقَالَ: قَدْ ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّرُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَنُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَدَلِيلُهُ الْمَشَقَّةُ فِي الِاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَصَرَّحَ أحمد وَأَصْحَابُهُ بِأَنَّ مَا يَبْقَى مِنَ الدَّمِ فِي اللَّحْمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَوْ عَلَتْ حُمْرَةُ الدَّمِ فِي الْقِدْرِ لَعَسُرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَحَكَوْهُ عَنْ عائشة، وعكرمة، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وأبي يوسف، وأحمد، وإسحاق، وَغَيْرِهِمْ.
قُلْتُ: مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّمِ النَّجَاسَةُ، وَهِيَ فِيهِ أَظْهَرُ مِنْهَا فِي الشَّعْرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَئِمَّةِ عَلَى عَدَمِ تَنْجِيسِ الشَّعْرِ بِالْمَوْتِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ أَوْلَى وَأَقْوَى مِنَ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ الدَّمِ تَبَعًا لِلَّحْمِ.
اسْتِدْلَالٌ آخَرُ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ قِيَامَ الْعَكْسِ: قَالُوا: إِذَا جُزَّ الشَّعْرُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ الْمَأْكُولِ، فَهُوَ طَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] امْتَنَّ بِهِ فَكَانَ طَاهِرًا وَالْمَأْخُوذُ بِهِ مِنَ الْمَذْبُوحِ لَا يَفِي بِالْحَاجَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَ شَامِلًا لِمَا جُزَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَوْ قُطِعَ فِي الْحَيَاةِ عُضْوٌ عَلَيْهِ شَعْرٌ حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْعُضْوِ الْمَحْكُومِ بِنَجَاسَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ مَيِّتٌ» .
فَكَمَا حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْجُزْءِ الْمُتَّصِلِ بِهِ الْمَحْكُومُ بِنَجَاسَتِهِ كَذَلِكَ قِيَاسُهُ عَكْسُهُ إِذَا حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ الْمُتَّصِلِ بِهِ تَبَعًا، وَشَاهِدُ أَصْلِ قِيَاسِ الْعَكْسِ قَوْلُهُ ﷺ : «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَلَهُ فِيهَا
стр. 22
أَجْرٌ؟ قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: " فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَطَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا صَرِيحَةٌ فِي الْمَقْصُودِ، وَالْأَحَادِيثَ الَّتِي احْتُجَّ بِهَا لِلنَّجَاسَةِ، وَهِيَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً، وَإِنَّمَا اسْتُدِلَّ بِهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ وَاللُّزُومِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَمَا كَانَ صَرِيحًا، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا كَانَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ.
وَقَدْ سَلَكَ ابن دقيق العيد فِي التَّرْجِيحِ مَسْلَكًا آخَرَ، فَقَالَ: نَهْيُهُ ﵇ عَنِ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ مَخْصُوصٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَوْلُهُ ﵇: ( «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ) غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَيُرَجَّحُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى مُعَارِضِهِ، هَذَا كَلَامُ ابن دقيق العيد.
وَمَسْلَكٌ آخَرُ فِي الْجَوَابِ، وَهُوَ أَنَّا نَمْنَعُ عَنْ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ لِأَجْلِ شَعْرِهَا، بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ أَشَارَ إِلَيْهِ الخطابي، وَهُوَ أَنَّهَا إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا مَرَاكِبُ أَهْلِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ، وَقَدْ صَحَّتِ الْأَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِفِعْلِ الْأَعَاجِمِ أَيِ الْفُرْسِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ، وَلَوْ كَانَ لِأَجْلِ نَجَاسَةِ الشَّعْرِ لَكَانَ يَزُولُ بِنَتْفِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ شَامِلٌ لِلْحَالَتَيْنِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَجْلِ نَجَاسَةِ الشَّعْرِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ السِّبَاعِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّ الْغَنَمَ وَسَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ كَانَتْ تُسَاوِي السِّبَاعَ فِي ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ السِّبَاعِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ.
وَأَمْرٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ أبا داود رَوَى فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ معاوية قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَالنِّمَارَ» " فَقِرَانُ الْخَزِّ بِالنِّمَارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ لَا لِلنَّجَاسَةِ، وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ أحمد، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِيثَرَةِ، وَالْقَسِّيَّةِ، وَحَلْقَةِ الذَّهَبِ، وَالْمُفْدَمِ» قَالَ يزيد: الْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ، وَالْقَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ مِنْ إِبْرَيْسَمٍ، وَالْمُفْدَمُ الْمُشَبَّعُ بِالْعُصْفُرِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ، وَالْقَسِّيَّةَ، وَثِيَابَ الْمُعَصْفَرِ، وَالْمُفْدَمَ، وَالنُّمُورَ» . فَقِرَانُ جِلْدِ السِّبَاعِ وَالنُّمُورِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ لَا لِلنَّجَاسَةِ.
وَرَوَى أبو داود أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ
стр. 23
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ» ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْخُيَلَاءِ لَا لِلنَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ الْجِلْدَ النَّجِسَ لَا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ، وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى ذَمِّ اقْتِنَائِهِ مُطْلَقًا فَعُرِفَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ الْخُيَلَاءُ كَأَوَانِي النَّقْدَيْنِ حُرِّمَتْ لِلْخُيَلَاءِ فَحَرُمَ اقْتِنَاؤُهَا، وَأَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّهْيُ لِنَجَاسَةِ الشَّعْرِ لَمْ يَكُنْ يَمْتَنِعُ إِلَّا الْجُلُوسُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فِيهِ الشَّعْرُ خَاصَّةً، وَلَوْ قَلَبَهُ وَجَلَسَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا شَعْرَ فِيهِ لَمْ يَمْتَنِعْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَجْهَ مِنَ الْجِلْدِ قَدْ طَهُرَ بِالدِّبَاغِ قَطْعًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ مَعًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ معاوية: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تَجْلِسُوا عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ» ) .
وَعِنْدَ الحارث بن أبي أسامة فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : نَهَى أَنْ تُفْتَرَشَ مُسُوكُ السِّبَاعِ» .
فَهَذِهِ إِطْلَاقَاتٌ شَامِلَةٌ لِلْجِلْدِ بِوَجْهَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَعْنَى السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ لَا لِلنَّجَاسَةِ، وَأَيْضًا فَلَمْ يَذْكُرِ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجُلُوسُ عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ النَّجِسِ إِنَّمَا ذَكَرُوا تَحْرِيمَ لُبْسِهِ وَلَحَاقُ الِافْتِرَاشِ بِهِ قَدْ لَا يُسَلَّمُ، وَالْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ النَّجَاسَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عبد الملك بن ميسرة، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَتَاهُمْ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُمْ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ فِي أَرْضٍ تَأْكُلُونَ طَعَامًا يُقَالُ لَهُ: الْجُبْنُ، فَانْظُرُوا مَا حَلَالُهُ مِنْ حَرَامِهِ، وَتَلْبَسُونَ الْفِرَاءَ، فَانْظُرُوا ذَكِيَّهُ مِنْ مَيِّتِهِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عمر فِي الْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ أَيْضًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أبي وائل عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِرَاءِ: ذَكَاتُهُ دِبَاغُهُ، الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا مِنْ عمر لَيْسَ قَوْلًا بِأَنَّ الشَّعْرَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَيَطْهُرُ بِهِ الْجِلْدُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُطَهِّرُ الْجِلْدَ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ فَكَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُ الْجِلْدَ وَالشَّعْرَ مَعًا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ لَا الْجِلْدَ، وَلَا الشَّعْرَ. فَكُلُّ رِوَايَةٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى قَوْلٍ مِنْ قَوْلَيْهِ.
فَهَذَا مَا أَدَّانَا إِلَيْهِ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَجَبْنَا بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا الْتَمَسَ السَّائِلُ، وَقَدْ سَمَّيْنَا هَذَا الْكِتَابَ (تُحْفَةَ الْأَنْجَابِ بِمَسْأَلَةِ السِّنْجَابِ) وَكَانَ إِمْلَاؤُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 24
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
مَسْأَلَةٌ: تُرَابُ الْمَسْجِدِ إِذَا تَيَمَّمَ بِهِ شَخْصٌ وَقُلْتُمْ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ هَلْ يَسْتَبِيحُ بِهِ مَا نَوَاهُ؟ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ كَاسْتِعْمَالِ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ كَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ وَالتَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسْبَلِ لِلشُّرْبِ صَحِيحٌ مَعَ تَحْرِيمِهِ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأَخِيرَةُ فَقَدْ فَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِفُرُوقٍ مِنْهَا أَنَّ نَجَاسَةَ مَحَلِّ النَّجْوِ نَاقِضَةٌ لِلطَّهَارَةِ مُوجِبَةٌ لِلتَّيَمُّمِ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا - كَذَا فَرَّقَ الداركي وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَأَقَرَّهُ النووي فِي شَرْحِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ نَجَاسَةَ غَيْرِ الِاسْتِنْجَاءِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِالْمَاءِ، فَلَوْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُزِيلَهَا، لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ ; لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ بِالْحَجَرِ فَيُمْكِنُهُ تَقْدِيمُ الْحَجَرِ حَتَّى يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ فَلَزِمَهُ - كَذَلِكَ فَرَّقَ المتولي فِي التَّتِمَّةِ، قَالَ صَاحِبُ الْوَافِي: وَهَذَا فَرْقٌ دَقِيقٌ نَفِيسٌ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ تَيَمَّمَ فِي مَوْضِعٍ الْغَالِبُ فِيهِ عَدَمُ الْمَاءِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَوْضِعٍ الْغَالِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، أَوْ عَكْسُهُ فَهَلِ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ مَوْضِعُ التَّيَمُّمِ، أَوْ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ، أَوْ هُمَا، وَهَلْ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ لِلْأَصْحَابِ؟ .
الْجَوَابُ: هَذَا السُّؤَالُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ ; لِأَنَّ الِانْتِقَالَ يُوجِبُ تَجْدِيدَ طَلَبِ الْمَاءِ وَيُبْطِلُ التَّيَمُّمَ إِذَا تَوَهَّمَهُ، فَإِنْ فُرِضَ تَعَيَّنَ الْعَدَمُ بِحَيْثُ لَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ، وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الطَّلَبِ فَالْعِبْرَةُ فِيمَا يَظْهَرُ بِمَوْضِعِ الصَّلَاةِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي مَفْهُومِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ، مَا الْمُرَادُ بِالطُّهْرِ هَلْ هُوَ عَنِ الْجَنَابَةِ، أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: الْمُرَادُ جِنْسُ الطُّهْرِ الَّذِي تَيَمَّمَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ فَالْمُرَادُ طُهْرُ الْجَنَابَةِ، أَوْ فِي الْوُضُوءِ فَالْمُرَادُ طُهْرُ الْحَدَثِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَادِمِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ هَلِ اسْتِدَامَتُهَا إِلَى الْوَجْهِ وَاجِبٌ ذِكْرًا؟ حَتَّى أَنَّهَا لَوْ عَزَبَتْ بَعْدَ النَّقْلِ، وَقَبْلَ الْوَجْهِ وَاسْتَحْضَرَهَا عِنْدَهُ لَا تَكْفِي، أَمِ الْوَاجِبُ اسْتِحْضَارُهَا عِنْدَ النَّقْلِ وَعِنْدَ الْوَجْهِ فَقَطْ حَتَّى لَوْ عَزَبَتْ بَيْنَهُمَا كَفَى،
стр. 25
وَإِذَا تَيَمَّمَ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ فَهَلْ لَهُ صَلَاةُ النَّفْلِ؟
الْجَوَابُ: الْمُتَّجَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ وَصَرَّحَ بِهِ أبو خلف الطبري الِاكْتِفَاءُ بِهَا عِنْدَ النَّقْلِ وَالْمَسْحِ، وَلَوْ عَزَبَتْ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَفْهُومَ لِتَعْبِيرِ الْمِنْهَاجِ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لَمَسَ الْمُصْحَفَ فَلَيْسَ لَهُ صَلَاةُ النَّفْلِ، صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا تَيَمَّمَ الْخَطِيبُ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، هَلْ يَقُولُ: نَوَيْتُ اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الْخُطْبَةِ أَمْ مَاذَا يَنْوِي؟ وَمَا كَيْفِيَّةُ نِيَّةِ الْمُتَيَمِّمِ، الْعَاجِزِ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا إِذَا تَيَمَّمَ، وَغَاسِلُ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهِ النِّيَّةَ، أَوْ قُلْتُمْ بِاسْتِحْبَابِهَا كَيْفَ يَقُولُ فِي الْغُسْلِ؟ وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَيَمَّمَ الْمَيِّتَ كَيْفَ يَنْوِي؟
الْجَوَابُ: يَنْوِي الْخَطِيبُ اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الْخُطْبَةِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ يَنْوِي الْمُتَيَمِّمُ اسْتِبَاحَةَ مَا لَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ وَيَنْوِي الْعَاجِزُ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ التَّيَمُّمَ عَنْ سُنَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ قُلْتُهُ تَفَقُّهًا، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا، وَأَمَا غَاسِلُ الْمَيِّتِ فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ نصر المقدسي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ: صِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ عِنْدَ إِفَاضَةِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ أَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ، وَقَالَ الْقَاضِي أبو الطيب فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ: يَنْوِي الْغُسْلَ الْوَاجِبَ، أَوِ الْفَرْضَ، أَوْ غُسْلَ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا إِذَا يَمَّمَ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا يَمَّمَ الْمَيِّتَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَمَا لَا يَحْتَاجُ غُسْلُهُ إِلَى نِيَّةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ كَمَا قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ النِّيَّةَ لَا تَجِبْ فِي الْوُضُوءِ، وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ أَوْجَبُوا النِّيَّةَ فِي التَّيَمُّمِ عَنْهُمَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: طَهَارَتَانِ أَنَّى يَفْتَرِقَانِ؟ وَهَذَا النَّصُّ إِذَا تُمُسِّكَ بِإِطْلَاقِهِ عَضَّدَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ تَيَمُّمُ الْمَيِّتِ إِلَى نِيَّةٍ، فَإِنْ قُلْنَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، أَوْ يُسْتَحَبُّ نَوَى التَّيَمُّمَ الْوَاجِبَ، أَوِ الْبَدَلَ مِنَ الْغُسْلِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُمْ فِي الْجَبِيرَةِ إِنْ وُضِعَتْ عَلَى طُهْرٍ لَمْ يَقْضِ، هَلِ الْمُرَادُ طُهْرُ مَحَلِّهَا فَقَطْ، أَوْ تَمَامُ الْوُضُوءِ؟ .
الْجَوَابُ: قَالَ الزركشي فِي الْخَادِمِ مَا نَصُّهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْمُرَادِ بِالطُّهْرِ هَلْ هُوَ طُهْرٌ كَامِلٌ؟ وَهُوَ مَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ كَالْخُفِّ، أَوِ الْمُرَادُ طَهَارَةُ الْمَحَلِّ فَقَطْ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَصَرَّحَ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ بِالْأَوَّلِ وَالْأَشْبَهُ الثَّانِي، وَقَالَ ابن الأستاذ: يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى وُضُوءٍ كَامِلٍ، كَمَا فِي لُبْسِ الْخُفِّ انْتَهَى.
стр. 26
[بَابُ الْحَيْضِ]
مَسْأَلَةٌ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُعِيدِ مَا بَدَا ... بَعْدَ فَنَاءٍ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ سُدَى
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْكَمِلْ ... عَلَى النَّبِيِّ الْهَاشِمِيِّ الْمُفَضَّلْ
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَعِتْرَتِهْ ... وَكُلِّ مَنْ مَاتَ عَلَى مَحَبَّتِهْ
جَوَابُكُمْ يَا سَادَةً أَفَادُوا ... طَالِبَهُمْ وَبِالْعُلُومِ سَادُوا
فِي حَائِضٍ بِبَيْتِهَا مُقِيمَهْ ... ذِي جِدَّةٍ صَحِيحَةٍ سَلِيمَهْ
بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا الْمُحَرِّمِ ... هَلْ يُسْتَبَاحُ الْوَطْءُ بِالتَّيَمُّمِ
مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ... بِظَنِّهَا الْغَالِبِ لِلْإِيذَاءِ
وَبَيْتُهَا فِي خُطَّةِ الْحَمَّامِ ... مُطِيقَةُ السَّعْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ
ذِي سَعَةٍ لِأُجْرَةٍ وَغَيْرِهَا
،
وَلَمْ تَكُنْ مَحْجُوبَةً فِي خِدْرِهَا ... فَهَلْ يُبِيحُ وَطْأَهَا التَّيَمُّمُ
مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَمْ بِغُسْلٍ تُلْزَمُ ... أَمْ حُكْمُهَا فِي ذَاكَ حُكْمُ الْجُنُبِ
وَالنُّفَسَاءُ حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَبِ ... وَإِنْ أَبَحْتُمْ وَطْأَهَا بِالتُّرْبِ
مَا قَوْلُكُمْ فِي مُحْرِمٍ يُلَبِّي ... فَهَلْ لَهُ اللُّبْسُ قُبَيْلَ الْعُذْرِ
بِغَالِبِ الظَّنِّ بِغَيْرِ وِزْرِ ... أَمْ بَعْدَ مَا يَحْصُلُ عُذْرٌ ظَاهِرُ
يَجُوزُ لُبْسٌ وَغِطَاءٌ سَاتِرُ ... وَلَوْ طَرَأَ عُذْرٌ وَزَالَ عَنْهُ
هَلْ يَجِبُ النَّزْعُ بِبُرْءٍ مِنْهُ ... وَلَوْ تَمَادَى لَابِسًا وَالْعُذْرُ
قَدْ زَالَ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْوِزْرُ ... وَإِنْ بِغَيْرِ الْعُذْرِ لُبْسٌ حَصَلَا
هَلِ الْفِدَا يُجْزِيهِ مِمَّا حَمَلَا ... أَمْ هُوَ عَاصٍ آثِمٌ وَالْجَانِي
فِدَاهُ لَمْ يُنْجِهِ مِنَ الْعِصْيَانِ ... وَهَلْ بِهَذَا الْفِعْلِ بَرَّ حَجُّهُ
أَمْ غَيْرُ مَبْرُورٍ كَمَا قَدْ وَجَّهُوا ... وَحَائِضٌ وَالنُّفَسَا هَلْ تَقْضِيَا
صَوْمَهُمَا دُونَ صَلَاةٍ أُلْغِيَا ... أَمْ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُمَا عِنْدَ قَضَا
صَلَاةِ فَرْضٍ عَنْ أَدَاهَا أَعْرَضَا ... وَضِّحْ لَنَا الْجَوَابَ شَيْخَ السُّنَّهْ
أَثَابَكَ اللَّهُ الْكَرِيمُ الْجَنَّهْ ... أَجِزْ جَوَابًا يَا جَلَالَ الدِّينِ
لِعَبْدِكَ السَّائِلِ بِالتَّبْيِينِ ... يَا مَنْ لَهُ نَظْمٌ عَلَى الْفَتَاوِي
يُشَوِّقُ كُلَّ عَالِمٍ وَرَاوِي ... لَا زَالَ نَادِيكَ الرَّحِيبُ مُحْتَفِلْ
بِالْوَفْدِ عَنْ طُلَّابِ خَيْرٍ مُشْتَمِلْ
стр. 27
يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَيَا حَبْرَ النُّهَى ... وَمَنْ لَهُ مَرْتَبَةٌ تَعْلُو السُّهَا
انْتَهَى
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى امْتِنَانِ ... يُعْجَزُ عَنْ إِحْصَاهُ بِاللِّسَانِ
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبَدَا ... عَلَى النَّبِيِّ الْهَاشِمِيِّ أَحْمَدَا
وَآلِهِ الْأُلَى حَوَوْا كُلَّ الشَّرَفْ ... وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفْ
إِنْ حَائِضٌ قَدْ أَقْلَعَتْ عَنْهَا الدَّمَا ... وَوُجِدَتْ فَاقِدَةً لِلْعُذْرِ مَا
أَوْ كَانَ فِي بَلْدَتِهَا حَمَّامُ ... فَمَا إِلَى وِصَالِهَا مَرَامُ
وَإِنَّمَا يَجُوزُ بِالتُّرَابِ ... لِفَقْدِ هَذَيْنِ بِلَا ارْتِيَابِ
وَمُحَرَّمٌ قَبْلَ طُرُوءِ الْعُذْرِ ... أَجِزْ لَهُ اللُّبْسَ بِغَيْرِ وِزْرِ
بِغَالِبِ الظَّنِّ وَلَا تَوَقُّفْ ... عَلَى حُصُولِهِ فَهَذَا الْأَرْأَفْ
نَظِيرُهُ مَنْ ظَنَّ مِنْ غُسْلٍ بِمَا ... حُصُولَ سُقْمٍ جَوَّزُوا التَّيَمُّمَا
وَمَنْ تَزُلْ أَعْذَارُهُ فَلْيُقْلِعْ ... مُبَادِرًا وَلْيَقْضِ أَنْ لَمْ يَنْزِعْ
وَلَيْسَ يُنْجِيهِ الْفِدَا مِنْ وِزْرِهِ ... كَمَنْ نَحُدُّهُ بِشُرْبِ خَمْرِهِ
لَوْ كَانَ يُنْجِيهِ الْفِدَا مِنْ وِزْرِ ... لَسَرَى الْعُذْرُ بِغَيْرِ الْعُذْرِ
وَلَا يَكُونُ حَجُّهُ مَبْرُورًا ... مَا لَمْ يَتُبْ يَكُنْ لَهُ طَهُورَا
وَحَائِضٌ وَنُفَسَا فَلْيَقْضِيَا ... الصَّوْمَ لَا الصَّلَاةَ فِيمَا رُوِيَا
وَلَيْسَ بَيْنَ تَيْنِ مِنْ خِلَافِ ... فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بِلَا خِلَافِ
هَذَا جَوَابُ نَجْلِ الْأَسْيُوطِيِّ ... مُعْتَصِمًا بِرَبِّهِ الْقَوِيِّ
стр. 28
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] [ مسائل متفرقة]
مَسْأَلَةٌ: تَكْبِيرَةُ آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَجَبَتْ مَعَ الظُّهْرِ ; لِأَنَّهَا تُجْمَعُ مَعَهَا، وَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.
الْجَوَابُ: هَذَا مِنْ بَابِ النَّوْعِ الْمُسَمَّى فِي الْأُصُولِ بِقِيَاسِ الْعَكْسِ.
مَسْأَلَةٌ: الْمَجْنُونُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ - إِذَا أَفَاقَ - مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ أَمْ يُسْتَحَبُّ أَمْ يُكْرَهُ؟
الْجَوَابُ: الْقَضَاءُ لِلْمَجْنُونِ مُسْتَحَبٌّ ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ.
[الْحَظُّ الْوَافِرُ مِنَ الْمَغْنَمِ فِي اسْتِدْرَاكِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ]
مَسْأَلَةٌ: الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ وَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ الْكُفْرِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَعَلَ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَأَمَّا الْإِجْمَالُ فَقَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالْحَجُّ، وَغَيْرُهَا مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُطَالَبُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ كُفْرِهِمْ، وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْمَاضِي، فَاقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ اللُّزُومِ فَيَبْقَى الْجَوَازُ، وَعِبَارَةُ الْمُهَذَّبِ: فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُخَاطَبْ بِقَضَائِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَلِأَنَّ فِي إِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ تَنْفِيرًا ; فَعُفِيَ عَنْهُ فَاقْتُصِرَ عَلَى نَفْيِ الْإِيجَابِ فَيَبْقَى الْجَوَازُ، أَوِ الِاسْتِحْبَابُ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ قَرَنُوا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْحَائِضِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَنَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا بَلَغَ، وَقَدْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ يُسَنُّ لَهُ قَضَاؤُهَا، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمَجْنُونَ
стр. 29
وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ فِي زَمَنِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ - كَذَا نَقَلَهُ الأسنوي عَنِ الْبَحْرِ للروياني، وَنُقِلَ عَنْهُ، وَعَنْ شَرْحِ الْوَسِيطِ للعجلي أَنَّ الْحَائِضَ يُكْرَهُ لَهَا الْقَضَاءُ.
فَهَذِهِ فُرُوعٌ مَنْقُولَةٌ، وَالْكَافِرُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ، إِنْ لَمْ يَصِلِ الْأَمْرُ إِلَى دَرَجَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ بَلْ وَلَا بِالْكَرَاهَةِ، وَيُفَارِقُ الْحَائِضَ، فَإِنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ لِلْحَائِضِ عَزِيمَةٌ وَبِسَبَبٍ لَيْسَتْ مُتَعَدِّيَةً بِهِ وَالْقَضَاءَ لَهَا بِدْعَةٌ، وَلِهَذَا قَالَتْ عائشة لِمَنْ سَأَلَتْهَا عَنْ ذَلِكَ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ .
وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ لِلْكَافِرِ بِسَبَبٍ هُوَ مُتَعَدٍّ بِهِ وَإِسْقَاطُ الْقَضَاءِ عَنْهُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ مَعَ قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ حَالَ الْكُفْرِ، وَعُقُوبَتُهُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. فَاتَّضَحَ بِهَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِضِ حَيْثُ يُكْرَهُ لَهَا الْقَضَاءُ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ، بَلْ يَجُوزُ، أَوْ يُنْدَبُ، وَيُقَاسُ بِصَلَاةِ الْكَافِرِ جَمِيعُ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ مِنْ زَكَاةٍ وَصَوْمٍ، هَذَا مَا أَخَذْتُهُ مِنْ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ فَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ يُسْتَنْبَطُ مِنْهَا جَوَازُ ذَلِكَ، بَلْ نَدْبُهُ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَغَيْرُهُمْ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: " أَوْفِ بِنَذْرِكَ» . قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَنْ قَالَ: إِنَّ نَذْرَ الْكَافِرِ لَا يَصِحُّ - وَهُمْ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا - حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَيْ يُسْتَحَبُّ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ الْآنَ مِثْلَ الَّذِي نَذَرْتَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. انْتَهَى.
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَدَارَكَ الْقُرَبَ الَّتِي لَوْ فَعَلَهَا فِي حَالِ كُفْرِهِ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَزِمَتْهُ، وَهَذِهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَقَالَ الخطابي فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفَرَائِضِ مَأْمُورُونَ بِالطَّاعَةِ.
وَقَالَ القمولي مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا فِي الْجَوَاهِرِ: إِذَا نَذَرَ الْكَافِرُ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ الْوَفَاءُ إِذَا أَسْلَمَ فَلَوْ نَذَرَ الْيَهُودِيُّ، أَوِ النَّصْرَانِيُّ صَلَاةً، أَوْ صَوْمًا، ثُمَّ أَسْلَمَ اسْتُحِبَّ لَهُ الْوَفَاءُ، وَيَفْعَلُ صَلَاةَ شَرْعِنَا، وَصَوْمَ شَرْعِنَا، لَا صَلَاةَ شَرْعِهِ وَصَوْمَهُ. هَذَا كَلَامُ القمولي.
وَقَالَ ابن دقيق العيد فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى صِحَّةَ النَّذْرِ مِنَ الْكَافِرِ، وَهُوَ قَوْلٌ، أَوْ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ النَّذْرَ قُرْبَةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ، وَمَنْ يَقُولُ بِهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُؤَوِّلَ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَأْتِيَ بِاعْتِكَافِ يَوْمٍ يُشْبِهُ مَا نَذَرَ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْذُورٌ لِشَبَهِهِ بِالنَّذْرِ وَقِيَامِهِ مَقَامَهُ فِي
стр. 30
فِعْلِ مَا نَوَاهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، أَوْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ «عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْيَاءُ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنَ الْخَيْرِ. قُلْتُ: فَوَاللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا مَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِلَّا فَعَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ» .
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْإِشَارَةِ اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا صَدَرَ مِنْهُ مَا صَدَرَ مِنَ الْقُرُبَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا تَامَّةً لِفَقْدِ وَصْفِ الْإِسْلَامِ فَأَعَادَ فِعْلَهَا فِي الْإِسْلَامِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ مِنْ وَصْفِ التَّمَامِ، وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ هشام عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْتَقَ حكيم مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمَ أَعْتَقَ مِائَةً وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ.
هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِوَفَائِهِ بِمَا وَعَدَ بِهِ. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ «أَنَّ أبا سفيان لَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَتْرُكُ مَوْقِفًا قَاتَلْتُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا قَاتَلْتُ مِثْلَهُ الْكُفَّارَ، وَلَا دِرْهَمًا أَنْفَقْتُهُ فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْفَقْتُ مِثْلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ بِمَنْطُوقِهِ فِي اسْتِدْرَاكِ تَكْفِيرِ مَا مَضَى فِي الْكُفْرِ مِنْ فِعْلِ الْمَنَاهِي، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَيُؤْخَذُ مِنْ فَحْوَاهُ اسْتِحْبَابُ اسْتِدْرَاكِ مَا مَضَى فِي الْكُفْرِ مِنْ تَرْكِ الْأَوَامِرِ.
وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَصَحَّحَهُ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ جِئْتُ: مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ، مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَدَعُ نَفَقَةً أَنْفَقْتُهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ مِثْلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . هَذَا أَيْضًا مِنِ اسْتِدْرَاكِ تَكْفِيرِ مَا مَضَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ فِي حَالِ الْكُفْرِ.
[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]
مَسْأَلَةٌ: فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ النواس بن سمعان قَالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لُبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ تَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ نَقَلَهُ القرطبي فِي التَّذْكِرَةِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى
стр. 31
يُمْسِيَ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقِصَارِ؟ قَالَ: (تَقْدُرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ، كَمَا تَقْدُرُونَهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الطِّوَالِ، ثُمَّ صَلُّوا) » .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ أسماء بنت يزيد بن السكن قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ» .
فَهَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةٌ فِي الصِّحَّةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ بَيْنَهَا تَنَافٍ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لَيَالِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلُّهَا عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَلَيَالِينَا هَذِهِ؟ أَمْ تَتْبَعُ كُلُّ لَيْلَةٍ يَوْمَهَا فِي الطُّولِ وَغَيْرِهِ؟ وَمَا كَيْفِيَّةُ التَّقْدِيرِ فِي الْقِصَرِ؟ هَلْ هُوَ مَثَلًا إِذَا كَانَ الْيَوْمُ ثَلَاثَةَ دَرَجٍ فَتَكُونُ حِصَّةُ الصُّبْحِ دَرَجَةً وَالظُّهْرُ كَذَلِكَ وَالْعَصْرُ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يَجْرِي عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْقِصَرِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا فِي النَّهَارِ الْمُتَّصِفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ؟ وَإِذَا لَمْ يَسَعِ الْوَقْتُ الْمُقَسَّطُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقْضِيهَا؟ وَمَا كَيْفِيَّةُ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْقَصِيرِ؟ وَمَا طَرِيقُ حِسَابِ مُدَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ؟ وَمَا كَيْفِيَّةُ الصَّوْمِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَيَّامِ؟ وَهَلِ الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مُخْتَصَّةٌ بِالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْأُولَى، أَوِ السَّبْعَةُ وَالثَّلَاثُونَ مُتَسَاوِيَةُ الطُّولِ؟ وَعَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ الْآخَرَيْنِ هَلْ يَخْتَصُّ الْقِصَرُ بِالْيَوْمِ الْأَخِيرِ أَمْ يَكُونُ الْقِصَرُ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلِ التَّقْدِيرُ مُخْتَصٌّ بِصَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَطْ، وَالصُّبْحُ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَمْ يُشَارِكُهُمَا، أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ وَهَلْ مَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَالسَّاعَةُ كَالضَّرْبِ بِالنَّارِ» ) دَاخِلٌ فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ أَمْ هُوَ حَدِيثٌ بِرَأْسِهِ فِي غَيْرِ زَمَنِ الدَّجَّالِ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَسَاوِيَةً فِي الصِّحَّةِ، بَلِ الْأَوَّلُ مِنْهَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالثَّانِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة، وَقَدْ نَبَّهَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَخْبِيطٌ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ التَّخْبِيطُ، فَقَدْ تَضَافَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا لَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي
стр. 32
أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا» " الْحَدِيثَ، قَالَ الْحَافِظَ ابن حجر فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَالْجَزْمُ بِأَنَّهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُقَدَّمٌ عَلَى التَّرْدِيدِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: " «فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» ".
وَجَزَمَ الْحَافِظُ ابن كثير فِي تَارِيخِهِ أَيْضًا بِذَلِكَ، وَقَالَ: مُعَدَّلُ إِقَامَتِهِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ وَنِصْفٌ، وَأَمَّا اللَّيَالِي، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّقْدِيرِ إِذَا كَانَ الْيَوْمُ مَثَلًا ثَلَاثَ دَرَجٍ، فَلَا تَتَسَاوَى فِيهِ حِصَّةُ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، بَلْ يَتَفَاوَتُ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهَا الْآنَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الصُّبْحِ الْآنَ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ أَكْثَرُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، وَمِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ أَكْثَرُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ إِلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَيُقَدَّرُ إِذْ ذَاكَ عَلَى حَسَبِ هَذَا التَّفَاوُتِ وَيُجْعَلُ وَقْتُ الظُّهْرِ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ، وَهُوَ بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ مِنْ دَرَجَةٍ وَنِصْفٍ إِذَا كَانَ الثَّلَاثُ دَرَجٍ مُقَدَّرَةً مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَبَعْدَ مُضِيِّ دَرَجَةٍ وَنِصْفٍ.
وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَيُقَدَّرَانِ فِي الْأَيَّامِ الطِّوَالِ، الَّذِي كَسَنَةٍ وَالَّذِي كَشَهْرٍ وَالَّذِي كَجُمُعَةٍ، فَيُصَلِّي فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَسَنَةٍ أَلْفَ صَلَاةٍ وَثَمَانِمِائَةِ صَلَاةٍ وَثَلَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صُبْحًا وَثَلَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ ظُهْرًا وَثَلَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ عَصْرًا وَثَلَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَغْرِبًا وَثَلَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ عِشَاءً مِقْدَارُ كَلِّ صَلَاةٍ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ بِالدَّرَجِ وَالدَّقَائِقِ عَلَى حِسَابِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ وَقْتَ اللَّيْلِ صَارَ نَهَارًا.
وَأَمَّا فِي الْأَيَّامِ الْقِصَارِ، فَإِنَّ كُلَّ اللَّيْلِ عَلَى طُولِهِ الْمُعْتَادِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ تَبِعَ النَّهَارَ فِي الْقِصَرِ نُظِرَ إِنْ وَسِعَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ الْخَمْسَ الصَّلَوَاتِ وَجَبَتْ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْ فَمُقْتَضَى حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهَا تَجِبُ، وَقَدْ سُئِلَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا عَنْ بِلَادٍ يَطْلُعُ فِيهَا الْفَجْرُ عَقِبَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ فَأَجَابَ البرهان الفزاري بِوُجُوبِ الْعِشَاءِ عَلَيْهِمْ وَيَقْضُونَهَا، وَأَفْتَى مُعَاصِرُوهُ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمْ، وَهُوَ الْوَقْتُ، فَعَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الفزاري لَا إِشْكَالَ وَعَلَى مَا أَفْتَى بِهِ غَيْرُهُ قَدْ يُقَالُ: هَذَا نَصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِمَّا غَلِطَ فِيهِ الرَّاوِي كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا مِنْ نَصِّ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ حِينَئِذٍ لَا بُدَّ أَنْ تَتَّسِعَ بِقَدْرِ مَا تُؤَدَّى فِيهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَلَا تَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ عِنْدِي أَرْجَحُ، بَلْ مُتَعَيِّنٌ. وَأَمَّا إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْيَوْمِ الْقَصِيرِ فَوَاضِحٌ مِمَّا تَقَدَّمَ تُقَامُ بَعْدَ
стр. 33
مُضِيِّ نِصْفِ حِصَّةِ النَّهَارِ. وَأَمَّا حِسَابُ مُدَّةِ الْخُفِّ فَفِي الْأَيَّامِ الطِّوَالِ تُقَدَّرُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا كَمَا حُسِبَتْ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ وَيُنْزَعُ عِنْدَ مُضِيِّ جَانِبٍ مِنَ الْيَوْمِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَفِي الْأَيَّامِ الْقِصَارِ يَوْمٌ كَامِلٌ بِلَيْلَتِهِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ بِلَيَالِيهَا وَإِنْ قَصُرَتْ جِدًّا وَيُنْزَعُ بَعْدَ مُضِيِّهَا.
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَفِي الْيَوْمِ الَّذِي كَسَنَةٍ يُعْتَبَرُ قَدْرُ مَجِيءِ رَمَضَانَ بِالْحِسَابِ وَيَصُومُ مِنَ النَّهَارِ جُزْءًا بِقَدْرِ نَهَارٍ بِالْحِسَابِ أَيْضًا وَيُفْطِرُ، ثُمَّ يَصُومُ وَهَكَذَا، وَفِي الْيَوْمِ الَّذِي كَشَهْرٍ يَصُومُ الْيَوْمَ كُلَّهُ عَنِ الشَّهْرِ وَيُفْطِرُ فِيهِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَجِيءُ اللَّيْلُ بِالْحِسَابِ، وَفِي الْأَيَّامِ الْقِصَارِ يَصُومُ النَّهَارَ فَقَطْ وَيَحْسِبُ عَنْ يَوْمٍ كَامِلٍ وَأَنْ يُفْطِرَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَيُمْسِكَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهَكَذَا، وَلَا يَضُرُّ قِصَرُهُ.
وَيُقَاسُ بِذَلِكَ سَائِرُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَيَّامِ مِنَ الِاعْتِكَافِ وَالْعَدَدِ وَالْآجَالِ وَنَحْوِهَا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الطُّولَ مُخْتَصٌّ بِالْأَيَّامِ الْأُوَلِ الثَّلَاثَةِ وَالْبَاقِي مُتَسَاوِيَةٌ كَأَيَّامِنَا، وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ عَكْسُ ذَلِكَ، وَهُوَ قِصَرُ أَيَّامِهِ وَجُمَعِهِ وَشُهُورِهِ وَعَامِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ الْآنَ، وَلِهَذَا تَرَجَّحَ أَنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي وَتَخْبِيطٌ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْأَمْرَيْنِ مَوْجُودَانِ، فَفِي أَيَّامِ مَا هُوَ زَائِدٌ فِي الطُّولِ كَسَنَةٍ وَشَهْرٍ وَجُمُعَةٍ، وَمَا هُوَ مُسَاوٍ لِأَيَّامِنَا الْآنَ، وَمَا هُوَ قَصِيرٌ عَنْهَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ آخِرُ أَيَّامِهِ إِلَى أَنْ يَكُونَ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ، وَهَذَا الْجَمْعُ عِنْدِي أَفْيَدُ مِنْ تَخْطِئَةِ الرِّوَايَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَعَلَى هَذَا، فَلَا يَخْتَصُّ الْقِصَرُ بِالْيَوْمِ الْأَخِيرِ، بَلْ يَكُونُ فِيمَا قَبْلَهُ أَيْضًا، وَلَا يَخْتَصُّ التَّقْدِيرُ بِالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، بَلْ يُشَارِكُهُمَا الصُّبْحُ فِي الْأَيَّامِ الطِّوَالِ، وَفِي الْقِصَارِ تُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِلَا تَقْدِيرٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ» " إِلَى آخِرِهِ، فَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ حَدِيثِ الدَّجَّالِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ نَقْصٌ حِسِّيٌّ، وَأَنَّ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ تَنْقُصُ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقِيلَ: هُوَ مَعْنَوِيٌّ وَأَنَّ الْمُرَادَ سُرْعَةُ مَرِّ الْأَيَّامِ وَنَزْعُ الْبَرَكَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى مِنَ الزَّمَانِ وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ النووي تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ وَفِيهِ أَقْوَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَذَانِ]
مَسْأَلَةٌ: مِنْ أمير المؤمنين خليفة الوقت الإمام المتوكل على الله وَرَدَ أَنَّ السَّامِعَ لِلْمُؤَذِّنِ فِي حَالِ قِيَامِهِ لَا يَجْلِسُ، وَفِي حَالِ جُلُوسِهِ يَسْتَمِرُّ عَلَى جُلُوسِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ لَا يَتَوَجَّهُ مِنْ مَكَانِهِ لِمُخَالَفَةِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَدْبَرَ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ هَلْ يُكْرَهُ لِسَامِعِ الْمُؤَذِّنِ فِي حَالِ الِاضْطِجَاعِ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى الِاضْطِجَاعِ مَعَ حِكَايَتِهِ لِلَفْظِ الْمُؤَذِّنِ، أَوِ الْجُلُوسُ لَهُ أَوْلَى؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]
стр. 34
وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَغْلَظَ عَلَى مَنْ سَأَلَ عَنْ حَدِيثٍ فِي حَالِ قِيَامِهِ فَكَيْفَ الْحَالُ فِي ذَلِكَ.
الْجَوَابُ: الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ وَارِدَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى الذِّكْرِ فِي كُلِّ حَالٍ وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عائشة قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» . وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَالْحَدِيثُ بَاقٍ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّ السَّامِعَ لِلْمُؤَذِّنِ فِي حَالِ قِيَامِهِ لَا يَجْلِسُ، وَفِي حَالِ جُلُوسِهِ يَسْتَمِرُّ عَلَى جُلُوسِهِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا وَرَدَ قَطُّ فِي حَدِيثٍ لَا صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
فَيَجُوزُ لِلسَّامِعِ إِذَا كَانَ قَائِمًا أَنْ يَجْلِسَ، وَإِذَا كَانَ جَالِسًا أَنْ يَضْطَجِعَ، وَإِذَا كَانَ مُضْطَجِعًا أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الِاضْطِجَاعِ وَيُجِيبَ الْمُؤَذِّنَ حَالَ الِاضْطِجَاعِ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ، وَالْكَرَاهَةُ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِنْ نَهْيٍ خَاصٍّ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى وُجُودِهِ، بَلِ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ.
وَأَمَّا إِغْلَاظُ الْإِمَامِ مَالِكٍ عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فِي حَالِ قِيَامِهِ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ وَخُصُوصًا الْحَدِيثَ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ فِي التَّوْقِيرِ وَالتَّبْجِيلِ أَعْظَمُ مِمَّا يُطْلَبُ فِي الذِّكْرِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ عَنِ ابن المبارك أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ، وَهُوَ يَمْشِي، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ تَوْقِيرِ الْعِلْمِ. فَكَرِهَ ابن المبارك أَنْ يُسْأَلَ عَنْ حَدِيثٍ، وَهُوَ مَاشٍ فِي الطَّرِيقِ، وَعَدَّهُ مُنَافِيًا لِتَوْقِيرِ الْعِلْمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الذِّكْرَ لِلْمَاشِي فِي الطَّرِيقِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، بَلْ، وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْمَاشِي كَمَا ذَكَرَهُ النووي وَغَيْرُهُ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: كَانَ مالك إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ تَوَضَّأَ وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِ فِرَاشِهِ، وَسَرَّحَ لِحْيَتَهُ، وَتَمَكَّنَ فِي جُلُوسِهِ بِوَقَارٍ وَهَيْبَةٍ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ وَهُوَ قَائِمٌ، وَأَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَجَلَسَ فَحَدَّثَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَتَعَنَّ، فَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُحَدِّثَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ.
وَأَخْرَجَ عَنْ ضرار بن مرة قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحَدِّثُوا عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ. فَهَذِهِ آدَابٌ اخْتَصَّ بِهَا نَشْرُ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وَلَا يُطْلَبُ عِنْدَ الذِّكْرِ الِاعْتِنَاءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ وَالْجُلُوسِ عَلَى صَدْرِ فِرَاشٍ
стр. 35
وَنَحْوِهِ، وَلَا يُكْرَهُ الذِّكْرُ لِلْمُحَدِّثِ، بَلْ، وَلَا لِلْجُنُبِ، وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ نَشْرَ الْعِلْمِ يُطْلَبُ عِنْدَهُ آدَابٌ تَعْظِيمًا لَهُ يَخْتَصُّ بِهَا عَنِ الذِّكْرِ وَنَحْوِهِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَمُرَّ عَلَى حَدِيثٍ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ نَشْرٍ بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، أَوْ قَائِمٌ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُقْرِئَ أَحَدًا الْقُرْآنَ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُقْرِئَهُ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، أَوْ قَائِمٌ، أَوْ مَاشٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ تَوْقِيرِ الْعِلْمِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ، وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ مَاشٍ، أَوْ مُضْطَجِعٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُجَرَّدُ قِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ لَا تَعْلِيمٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآدَابَ الْمَطْلُوبَةَ عِنْدَ تَعْلِيمِ النَّاسِ الْعِلْمَ وَنَشْرِهِ لَهُمْ لَا يَتَعَيَّنُ طَلَبُهَا عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، فَلِلْقَارِئِ وَحْدَهُ حُكْمُ غَيْرِ الْمُقْرِئِ لِغَيْرِهِ، وَلِلنَّاظِرِ فِي الْحَدِيثِ وَحْدَهُ حُكْمُ غَيْرِ الرَّاوِي لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَالذَّاكِرُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ لَا حُكْمُ الْمُعَلِّمِ فَلِهَذَا لَمْ يُكْرَهْ لَهُ الذِّكْرُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَكُرِهَ السُّؤَالُ عَنِ الْحَدِيثِ فِي حَالِ الْقِيَامِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ لَا يَتَوَجَّهُ مِنْ مَكَانِهِ لِمُخَالَفَةِ الشَّيْطَانِ، فَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ لَكِنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَسْجِدِ، رَوَى مُسْلِمٌ، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبي الشعثاء قَالَ: «كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ.»
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَدْرَكَ الْآذَانَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ» " وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَحَارِيبِ الَّتِي يَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ مَعَهَا فِي الْقِبْلَةِ أَنْ تَكُونَ فِي بَلْدَةٍ، أَوْ قَرْيَةٍ نَشَأَ بِهَا قُرُونٌ وَسَلِمَتْ مِنَ الطَّعْنِ، هَلْ قَوْلُهُمْ: قُرُونٌ مَجَازًا أَرَادُوا بِهِ أَنْ تَمْضِيَ عَلَيْهَا سُنُونَ تَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، أَوْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَمْضِيَ قُرُونٌ؟ وَالْقَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا هَذَا الْحُكْمُ؟ وَقَوْلُهُمْ: وَسَلِمَتْ مِنَ الطَّعْنِ مَا حَقِيقَةُ الطَّعْنِ الَّذِي يُخْرِجُهَا عَنْ هَذَا الِاعْتِبَارِ؟ وَمَا ضَابِطُهُ هَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ؟ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ أَكْثَرَ، وَمَنْ صَلَّى إِلَى مِحْرَابٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ قُرُونٌ، أَوْ طُعِنَ فِيهِ هَلْ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ مَا صَلَّاهُ إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ .
وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهَا؟ هَلْ مَضَى عَلَيْهَا قُرُونٌ وَسَلِمَتْ مِنَ الطَّعْنِ؟ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْبَحْثِ، وَإِذَا صَلَّى إِلَيْهَا قَبْلَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، أَوْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ وَتَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ
стр. 36
حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي وَضْعِ الْمِحْرَابِ أَنْ يُحْتَاطَ لَهُ وَيُوضَعَ بِحَقٍّ وَإِنْ كَانَ ظَنًّا حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ؟
وَإِذَا نَشَأَ جَمَاعَةٌ بِبَلْدَةٍ عُمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ نَحْوُ خَمْسِينَ سَنَةً وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى مِحْرَابِ زَاوِيَةٍ كَانَ عَلَى عَهْدِ آبَائِهِمْ بِبَلَدِهِمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَمَضَى عَلَيْهِ قُرُونٌ أَمْ لَا؟ وَلَا يَعْرِفُونَ هَلْ طَعَنَ فِيهِ أَحَدٌ أَمْ لَا؟ ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْهِمْ شَخْصٌ يَعْرِفُ الْمِيقَاتَ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا فَاسِدٌ، وَأَحْدَثَ لَهُمْ مِحْرَابًا غَيْرَهُ مُنْحَرِفًا عَنْهُ هَلْ يَلْزَمُهُمُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ وَتَرْكُ الْمِحْرَابِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَزِمَهُمْ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ مَا صَلَّوْهُ إِلَى الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقُرُونِ ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ بِلَا شَكٍّ، وَلَا مِائَةَ سَنَةٍ، وَلَا نِصْفَهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ صَلَّوْا إِلَى هَذَا الْمِحْرَابِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ طَعَنَ فِيهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي الْجِهَةِ، وَيُجْتَهَدُ فِيهِ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِقَوْلِهِ فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ يَكْثُرُ الْمَارُّونَ بِهَا حَيْثُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى الْخَطَأِ فَلَمْ يَشْتَرِطْ قُرُونًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ كَثْرَةَ الْمَارِّينَ وَذَلِكَ مَرْجِعُهُ إِلَى الْعُرْفِ، وَقَدْ يُكْتَفَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِسَنَةٍ، وَقَدْ يُحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ بِحَسَبِ كَثْرَةِ مُرُورِ النَّاسِ بِهَا، وَقِلَّتِهِ، فَالْمَرْجِعُ إِلَى كَثْرَةِ النَّاسِ لَا إِلَى طُولِ الزَّمَانِ، وَيَكْفِي الطَّعْنُ مِنْ وَاحِدٍ إِذَا ذَكَرَ لَهُ مُسْتَنَدًا، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمِيقَاتِ، فَذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْيَقِينِ الَّذِي لَا يُجْتَهَدُ مَعَهُ.
وَمَنْ صَلَّى إِلَى مِحْرَابٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ فَقْدَ شَرْطِهِ الْمَذْكُورِ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ ; لِأَنَّ وَاجِبَهُ حِينَئِذٍ الِاجْتِهَادُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمِنْ وَاجِبِهِ الِاجْتِهَادُ إِذَا صَلَّى بِدُونِهِ أَعَادَ، وَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ الْبَحْثُ عَنْ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا صَلَّى قِبَلَهُ بِدُونِ الِاجْتِهَادِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَمِحْرَابُ الزَّاوِيَةِ الْمَذْكُورُ إِنْ كَانَتْ بَلْدَتُهُ كَبِيرَةً، أَوْ صَغِيرَةً كَثِيرَةَ الْمُرُورِ بِهَا، وَلَمْ يُسْمَعْ فِيهِ طَعْنٌ فَالصَّلَاةُ إِلَيْهِ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَلَمْ يَكْثُرِ الْمُرُورُ بِهَا، لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ، وَيَتَّبِعُ قَوْلَ الْمِيقَاتِيِّ فِي تَحْرِيفِهِ إِنْ كَانَ بَارِعًا فِي فَنِّهِ مَوْثُوقًا بِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَلَا يَلْزَمُ إِعَادَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الصَّلَوَاتِ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
مَسْأَلَةٌ: وَقَعَ فِي عِبَارَةِ عِدَّةٍ مِنَ الْكُتُبِ (بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) وَمُرَادُهُ أَنْ يُبَيِّنَ فِي الْبَابِ الْهَيْئَةَ الْحَاصِلَةَ لِلصَّلَاةِ بِأَرْكَانِهَا وَعَوَارِضِهَا، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِضَافَةُ إِضَافَةً بَيَانِيَّةً، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ فَأَيُّ إِضَافَةٍ هِيَ؟ .
стр. 37
الْجَوَابُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً ; لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ هِيَ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى مُرَادِفِهِ كَسَعِيدِ كُرْزٍ وَبَابِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفٍ، وَلَا هِيَ مِنْ قِسْمِ الْمَحْضَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، بَلْ هِيَ إِمَّا غَيْرُ مَحْضَةٍ عَلَى رَأْيِ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ، أَوْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمَحْضَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى رَأْيِ ابن مالك، وَصِفَةُ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مُرَادِفِهِ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَالْكَيْفِيَّةَ غَيْرُ الْمُكَيَّفِ، وَهِيَ عَلَى تَقْدِيرِ اللَّامِ، وَهِيَ مَحْضَةٌ تَتَبَيَّنُ مُفَارَقَتُهَا لِلْبَيَانِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ الْمُصَلِّي: (الصِّرَاطَ الَّذِينَ) بِزِيَادَةِ " أَلْ " هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الظَّاهِرُ التَّفْرِقَةُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ هَلْ هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، أَوْ فَتْحِهَا؟ .
الْجَوَابُ: هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ، وَأَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ مُؤَلَّفًا سَمَّيْتُهُ أَوَّلًا: الْإِعْرَاضَ وَالتَّوَلِّيَ عَمَّنْ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، ثُمَّ عَدَلْتُ عَنْ هَذَا الِاسْمِ وَسَمَّيْتُهُ: الثُّبُوتَ فِي ضَبْطِ الْقُنُوتِ، وَهُوَ مُودَعٌ فِي الْجُزْءِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ تَذْكِرَتِي، وَقُلْتُ فِي آخِرِهِ نَظْمًا:
يَا قَارِئًا كُتُبَ التَّصْرِيفِ كُنْ يَقِظَا ... وَحَرِّرِ الْفَرْقَ فِي الْأَفْعَالِ تَحْرِيرَا
عُزِ الْمُضَاعَفَ يَأْتِي فِي مُضَارِعِهِ ... تَثْلِيثُ عَيْنٍ بِفَرْقٍ جَاءَ مَشْهُورَا
فَمَا كَقَدَّ وَضِدَّ الذُّلِّ مَعَ عَظُمَ ... كَذَا كَرُمْتَ عَلَيْنَا جَاءَ مَكْسُورَا
وَمَا كَعَزَّ عَلَيْنَا الْحَالُ أَيْ صَعُبَتْ ... فَافْتَحْ مُضَارِعَهُ إِنْ كُنْتَ نِحْرِيرَا
وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الْأَفْعَالُ لَازِمَةٌ ... وَاضْمُمْ مُضَارِعَ فِعْلٍ لَيْسَ مَقْصُورَا
عَزَّزْتَ زَيْدًا بِمَعْنَى قَدْ غَلَبْتَ كَذَا ... أَعَنْتَهُ فَكِلَا ذَا جَاءَ مَأْثُورَا
وَقُلْ إِذَا كُنْتَ فِي ذِكْرِ الْقُنُوتِ، وَلَا ... يَعِزُّ يَا رَبِّ مَنْ عَادَيْتَ مَكْسُورَا
وَاشْكُرْ لِأَهْلِ عُلُومِ الشَّرْعِ إِذْ شَرَحُوا ... لَكَ الصَّوَابَ وَأَبْدَوْا فِيهِ تَذْكِيرَا
وَأَصْلَحُوا لَكَ لَفْظًا أَنْتَ مُفْتَقِرٌ ... إِلَيْهِ فِي كُلِّ صُبْحٍ لَيْسَ مَنْكُورَا
لَا تَحْسَبَنَّ مَنْطِقًا يُحْكَى وَفَلْسَفَةً ... سَاوَى لَدَى عُلَمَاءِ الشَّرْعِ تَطْهِيرَا
стр. 38
[ذِكْرُ التَّشْنِيعِ فِي مَسْأَلَةِ التَّسْمِيعِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ فِي حَالِ ارْتِفَاعِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا يَقُولُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَبِهَذَا قَالَ عطاء، وأبو بردة، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وإسحاق، وداود، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقُولُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقَطْ وَالْمَأْمُومُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَقَطْ، وَحَكَاهُ ابن المنذر عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ، وأحمد قَالَ وَبِهِ أَقُولُ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد: يَجْمَعُ الْإِمَامُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُومُ عَلَى: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» " وَبِحَدِيثِ عائشة قَالَتْ: " «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا: فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» " رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ. وَلِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ مَسَالِكُ:
(الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ) أَنْ لَا حُجَّةَ لِلْخُصُومِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إِذْ لَيْسَ فِيهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ، بَلْ فِيهِمَا أَنَّ قَوْلَ الْمَأْمُومِ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. يَكُونُ عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالْوَاقِعُ فِي التَّصْوِيرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ التَّسْمِيعَ فِي حَالِ انْتِقَالِهِ، وَالْمَأْمُومَ يَقُولُ التَّحْمِيدَ فِي حَالِ اعْتِدَالِهِ، فَقَوْلُهُ يَقَعُ عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : ( «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ» ) ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَلَا الضَّالِّينَ) ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ لَكِنَّهُمَا مُسْتَفَادَانِ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى صَرِيحَةٍ، مِنْهَا هُنَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ
стр. 39
إِذَا قَالَ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) قَالَ: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) » ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ حذيفة «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) .»
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُسْلِمٌ مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَلَمْ يَصْلُحِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَصْلُحِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ، لَمْ يَصْلُحِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ أَيْضًا، كَمَا لَا يَخْفَى.
(الْمَسْلَكُ الثَّانِي) : إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ، وَلَا [عَلَى] أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَثَبَتَ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ أَيْضًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِوَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْأَذْكَارِ فِي الصَّلَاةِ كَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
(الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ) : ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ مالك بن الحويرث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ) ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ الْأَئِمَّةَ بِأَنْ يُصَلُّوا، كَمَا صَلَّى، وَقَدْ ثَبَتَ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ «لَمَّا صَلَّى قَالَ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) » فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يَقُولُ ذَلِكَ فَتَتَحَقَّقُ الْمِثْلِيَّةُ.
(الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ) : نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَهُ الطَّحَاوِيُّ حُجَّةً لَكَوْنِ الْإِمَامِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَصْلُحُ جَعْلُهُ حُجَّةً لِكَوْنِ الْمَأْمُومِ أَيْضًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِوَاءُ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا مَا صَرَّحَ الشَّرْعُ بِاسْتِثْنَائِهِ.
(الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ) : الِاسْتِئْنَاسُ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ بريدة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «يَا بريدة، إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» ) ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ مَنْ وَرَاءَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ عَنِ ابن عون قَالَ: قَالَ محمد: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ مَنْ خَلْفَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
стр. 40
(الْمَسْلَكُ السَّادِسُ) : إِنَّ الصَّلَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ لَا يَفْتُرَ عَنِ الذِّكْرِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالذِّكْرَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالِاعْتِدَالِ بَقِيَ أَحَدُ الْحَالَيْنِ خَالِيًا عَنِ الذِّكْرِ.
(الْمَسْلَكُ السَّابِعُ) : قَالَ الْأَصْحَابُ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ ، «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» . أَيْ قُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مَعَ مَا قَدْ عَلِمْتُمُوهُ مِنْ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ جَهْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الْجَهْرُ، وَلَا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ غَالِبًا ; لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ سِرًّا، وَكَانُوا يَعْلَمُونَ قَوْلَهُ ﷺ : «صَلُّوا، كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، مَعَ قَاعِدَةِ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ مُطْلَقًا: فَكَانُوا مُوَافِقِينَ فِي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْأَمْرِ بِهِ، وَلَا يَعْرِفُونَ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَأُمِرُوا بِهِ.
(الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ) : الْقِيَاسُ عَلَى حَدِيثِ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ، فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِي مَذْهَبِ الْخَصْمِ أَنَّ السَّامِعَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَيْعَلَةِ وَالْحَوْقَلَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، أَيْ مَضْمُومًا إِلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا الْمُؤَذِّنُ فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْحَدِيثِ: فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، أَيْ مَضْمُومًا إِلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا الْإِمَامُ.
(الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ) : إِنَّ الْحَدِيثَ بَعْضُهُ مَنْسُوخٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ فِي بَقِيَّةِ أَبْعَاضِهِ نَسْخٌ، أَوْ تَخْصِيصٌ، أَوْ تَأْوِيلٌ، وَإِذَا طَرَقَهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابن عون، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ مَنْ خَلْفَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الأسنوي فِي أَوَّلِ بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرَائِضِ عَنِ النَّوَافِلِ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي بَعْضِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَعَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُسْتَحَبُّ إِعَادَتُهَا بِسَبَبٍ مَا كَالشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ، فَقَوْلُهُ: كَالشَّكِّ مُخَالِفٌ لِلْمُتَقَدِّمِ لَهُ مِنْ أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فِي الطَّهَارَةِ مُبْطِلٌ، كَالشَّكِّ فِي النِّيَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّكِّ فِي طَهَارَةِ الثَّوْبِ، أَوِ الْبَدَنِ، أَوِ الْمَكَانِ، أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ .
الْجَوَابُ: يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ
следующие страницы →