Полный текст (886 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي وَضْعِ الْمِحْرَابِ أَنْ يُحْتَاطَ لَهُ وَيُوضَعَ بِحَقٍّ وَإِنْ كَانَ ظَنًّا حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ؟
وَإِذَا نَشَأَ جَمَاعَةٌ بِبَلْدَةٍ عُمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ نَحْوُ خَمْسِينَ سَنَةً وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى مِحْرَابِ زَاوِيَةٍ كَانَ عَلَى عَهْدِ آبَائِهِمْ بِبَلَدِهِمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَمَضَى عَلَيْهِ قُرُونٌ أَمْ لَا؟ وَلَا يَعْرِفُونَ هَلْ طَعَنَ فِيهِ أَحَدٌ أَمْ لَا؟ ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْهِمْ شَخْصٌ يَعْرِفُ الْمِيقَاتَ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا فَاسِدٌ، وَأَحْدَثَ لَهُمْ مِحْرَابًا غَيْرَهُ مُنْحَرِفًا عَنْهُ هَلْ يَلْزَمُهُمُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ وَتَرْكُ الْمِحْرَابِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَزِمَهُمْ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ مَا صَلَّوْهُ إِلَى الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقُرُونِ ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ بِلَا شَكٍّ، وَلَا مِائَةَ سَنَةٍ، وَلَا نِصْفَهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ صَلَّوْا إِلَى هَذَا الْمِحْرَابِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ طَعَنَ فِيهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي الْجِهَةِ، وَيُجْتَهَدُ فِيهِ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِقَوْلِهِ فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ يَكْثُرُ الْمَارُّونَ بِهَا حَيْثُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى الْخَطَأِ فَلَمْ يَشْتَرِطْ قُرُونًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ كَثْرَةَ الْمَارِّينَ وَذَلِكَ مَرْجِعُهُ إِلَى الْعُرْفِ، وَقَدْ يُكْتَفَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِسَنَةٍ، وَقَدْ يُحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ بِحَسَبِ كَثْرَةِ مُرُورِ النَّاسِ بِهَا، وَقِلَّتِهِ، فَالْمَرْجِعُ إِلَى كَثْرَةِ النَّاسِ لَا إِلَى طُولِ الزَّمَانِ، وَيَكْفِي الطَّعْنُ مِنْ وَاحِدٍ إِذَا ذَكَرَ لَهُ مُسْتَنَدًا، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمِيقَاتِ، فَذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْيَقِينِ الَّذِي لَا يُجْتَهَدُ مَعَهُ.
وَمَنْ صَلَّى إِلَى مِحْرَابٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ فَقْدَ شَرْطِهِ الْمَذْكُورِ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ ; لِأَنَّ وَاجِبَهُ حِينَئِذٍ الِاجْتِهَادُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمِنْ وَاجِبِهِ الِاجْتِهَادُ إِذَا صَلَّى بِدُونِهِ أَعَادَ، وَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ الْبَحْثُ عَنْ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا صَلَّى قِبَلَهُ بِدُونِ الِاجْتِهَادِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَمِحْرَابُ الزَّاوِيَةِ الْمَذْكُورُ إِنْ كَانَتْ بَلْدَتُهُ كَبِيرَةً، أَوْ صَغِيرَةً كَثِيرَةَ الْمُرُورِ بِهَا، وَلَمْ يُسْمَعْ فِيهِ طَعْنٌ فَالصَّلَاةُ إِلَيْهِ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَلَمْ يَكْثُرِ الْمُرُورُ بِهَا، لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ، وَيَتَّبِعُ قَوْلَ الْمِيقَاتِيِّ فِي تَحْرِيفِهِ إِنْ كَانَ بَارِعًا فِي فَنِّهِ مَوْثُوقًا بِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَلَا يَلْزَمُ إِعَادَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الصَّلَوَاتِ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
مَسْأَلَةٌ: وَقَعَ فِي عِبَارَةِ عِدَّةٍ مِنَ الْكُتُبِ (بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) وَمُرَادُهُ أَنْ يُبَيِّنَ فِي الْبَابِ الْهَيْئَةَ الْحَاصِلَةَ لِلصَّلَاةِ بِأَرْكَانِهَا وَعَوَارِضِهَا، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِضَافَةُ إِضَافَةً بَيَانِيَّةً، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ فَأَيُّ إِضَافَةٍ هِيَ؟ .
стр. 37
الْجَوَابُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً ; لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ هِيَ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى مُرَادِفِهِ كَسَعِيدِ كُرْزٍ وَبَابِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفٍ، وَلَا هِيَ مِنْ قِسْمِ الْمَحْضَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، بَلْ هِيَ إِمَّا غَيْرُ مَحْضَةٍ عَلَى رَأْيِ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ، أَوْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمَحْضَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى رَأْيِ ابن مالك، وَصِفَةُ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مُرَادِفِهِ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَالْكَيْفِيَّةَ غَيْرُ الْمُكَيَّفِ، وَهِيَ عَلَى تَقْدِيرِ اللَّامِ، وَهِيَ مَحْضَةٌ تَتَبَيَّنُ مُفَارَقَتُهَا لِلْبَيَانِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ الْمُصَلِّي: (الصِّرَاطَ الَّذِينَ) بِزِيَادَةِ " أَلْ " هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الظَّاهِرُ التَّفْرِقَةُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ هَلْ هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، أَوْ فَتْحِهَا؟ .
الْجَوَابُ: هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ، وَأَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ مُؤَلَّفًا سَمَّيْتُهُ أَوَّلًا: الْإِعْرَاضَ وَالتَّوَلِّيَ عَمَّنْ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، ثُمَّ عَدَلْتُ عَنْ هَذَا الِاسْمِ وَسَمَّيْتُهُ: الثُّبُوتَ فِي ضَبْطِ الْقُنُوتِ، وَهُوَ مُودَعٌ فِي الْجُزْءِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ تَذْكِرَتِي، وَقُلْتُ فِي آخِرِهِ نَظْمًا:
يَا قَارِئًا كُتُبَ التَّصْرِيفِ كُنْ يَقِظَا ... وَحَرِّرِ الْفَرْقَ فِي الْأَفْعَالِ تَحْرِيرَا
عُزِ الْمُضَاعَفَ يَأْتِي فِي مُضَارِعِهِ ... تَثْلِيثُ عَيْنٍ بِفَرْقٍ جَاءَ مَشْهُورَا
فَمَا كَقَدَّ وَضِدَّ الذُّلِّ مَعَ عَظُمَ ... كَذَا كَرُمْتَ عَلَيْنَا جَاءَ مَكْسُورَا
وَمَا كَعَزَّ عَلَيْنَا الْحَالُ أَيْ صَعُبَتْ ... فَافْتَحْ مُضَارِعَهُ إِنْ كُنْتَ نِحْرِيرَا
وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الْأَفْعَالُ لَازِمَةٌ ... وَاضْمُمْ مُضَارِعَ فِعْلٍ لَيْسَ مَقْصُورَا
عَزَّزْتَ زَيْدًا بِمَعْنَى قَدْ غَلَبْتَ كَذَا ... أَعَنْتَهُ فَكِلَا ذَا جَاءَ مَأْثُورَا
وَقُلْ إِذَا كُنْتَ فِي ذِكْرِ الْقُنُوتِ، وَلَا ... يَعِزُّ يَا رَبِّ مَنْ عَادَيْتَ مَكْسُورَا
وَاشْكُرْ لِأَهْلِ عُلُومِ الشَّرْعِ إِذْ شَرَحُوا ... لَكَ الصَّوَابَ وَأَبْدَوْا فِيهِ تَذْكِيرَا
وَأَصْلَحُوا لَكَ لَفْظًا أَنْتَ مُفْتَقِرٌ ... إِلَيْهِ فِي كُلِّ صُبْحٍ لَيْسَ مَنْكُورَا
لَا تَحْسَبَنَّ مَنْطِقًا يُحْكَى وَفَلْسَفَةً ... سَاوَى لَدَى عُلَمَاءِ الشَّرْعِ تَطْهِيرَا
стр. 38
[ذِكْرُ التَّشْنِيعِ فِي مَسْأَلَةِ التَّسْمِيعِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ فِي حَالِ ارْتِفَاعِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا يَقُولُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَبِهَذَا قَالَ عطاء، وأبو بردة، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وإسحاق، وداود، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقُولُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقَطْ وَالْمَأْمُومُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَقَطْ، وَحَكَاهُ ابن المنذر عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ، وأحمد قَالَ وَبِهِ أَقُولُ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد: يَجْمَعُ الْإِمَامُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُومُ عَلَى: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» " وَبِحَدِيثِ عائشة قَالَتْ: " «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا: فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» " رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ. وَلِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ مَسَالِكُ:
(الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ) أَنْ لَا حُجَّةَ لِلْخُصُومِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إِذْ لَيْسَ فِيهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ، بَلْ فِيهِمَا أَنَّ قَوْلَ الْمَأْمُومِ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. يَكُونُ عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالْوَاقِعُ فِي التَّصْوِيرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ التَّسْمِيعَ فِي حَالِ انْتِقَالِهِ، وَالْمَأْمُومَ يَقُولُ التَّحْمِيدَ فِي حَالِ اعْتِدَالِهِ، فَقَوْلُهُ يَقَعُ عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : ( «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ» ) ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَلَا الضَّالِّينَ) ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ لَكِنَّهُمَا مُسْتَفَادَانِ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى صَرِيحَةٍ، مِنْهَا هُنَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ
стр. 39
إِذَا قَالَ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) قَالَ: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) » ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ حذيفة «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) .»
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُسْلِمٌ مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَلَمْ يَصْلُحِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَصْلُحِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ، لَمْ يَصْلُحِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِمَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ أَيْضًا، كَمَا لَا يَخْفَى.
(الْمَسْلَكُ الثَّانِي) : إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ، وَلَا [عَلَى] أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَثَبَتَ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ أَيْضًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِوَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْأَذْكَارِ فِي الصَّلَاةِ كَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
(الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ) : ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ مالك بن الحويرث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ) ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ الْأَئِمَّةَ بِأَنْ يُصَلُّوا، كَمَا صَلَّى، وَقَدْ ثَبَتَ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ «لَمَّا صَلَّى قَالَ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) » فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يَقُولُ ذَلِكَ فَتَتَحَقَّقُ الْمِثْلِيَّةُ.
(الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ) : نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَهُ الطَّحَاوِيُّ حُجَّةً لَكَوْنِ الْإِمَامِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَصْلُحُ جَعْلُهُ حُجَّةً لِكَوْنِ الْمَأْمُومِ أَيْضًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِوَاءُ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا مَا صَرَّحَ الشَّرْعُ بِاسْتِثْنَائِهِ.
(الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ) : الِاسْتِئْنَاسُ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ بريدة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «يَا بريدة، إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» ) ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ مَنْ وَرَاءَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ عَنِ ابن عون قَالَ: قَالَ محمد: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ مَنْ خَلْفَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
стр. 40
(الْمَسْلَكُ السَّادِسُ) : إِنَّ الصَّلَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ لَا يَفْتُرَ عَنِ الذِّكْرِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالذِّكْرَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالِاعْتِدَالِ بَقِيَ أَحَدُ الْحَالَيْنِ خَالِيًا عَنِ الذِّكْرِ.
(الْمَسْلَكُ السَّابِعُ) : قَالَ الْأَصْحَابُ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ ، «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» . أَيْ قُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مَعَ مَا قَدْ عَلِمْتُمُوهُ مِنْ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ جَهْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الْجَهْرُ، وَلَا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ غَالِبًا ; لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ سِرًّا، وَكَانُوا يَعْلَمُونَ قَوْلَهُ ﷺ : «صَلُّوا، كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، مَعَ قَاعِدَةِ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ مُطْلَقًا: فَكَانُوا مُوَافِقِينَ فِي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْأَمْرِ بِهِ، وَلَا يَعْرِفُونَ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَأُمِرُوا بِهِ.
(الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ) : الْقِيَاسُ عَلَى حَدِيثِ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ، فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِي مَذْهَبِ الْخَصْمِ أَنَّ السَّامِعَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَيْعَلَةِ وَالْحَوْقَلَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، أَيْ مَضْمُومًا إِلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا الْمُؤَذِّنُ فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْحَدِيثِ: فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، أَيْ مَضْمُومًا إِلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا الْإِمَامُ.
(الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ) : إِنَّ الْحَدِيثَ بَعْضُهُ مَنْسُوخٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ فِي بَقِيَّةِ أَبْعَاضِهِ نَسْخٌ، أَوْ تَخْصِيصٌ، أَوْ تَأْوِيلٌ، وَإِذَا طَرَقَهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابن عون، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ مَنْ خَلْفَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الأسنوي فِي أَوَّلِ بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرَائِضِ عَنِ النَّوَافِلِ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي بَعْضِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَعَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُسْتَحَبُّ إِعَادَتُهَا بِسَبَبٍ مَا كَالشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ، فَقَوْلُهُ: كَالشَّكِّ مُخَالِفٌ لِلْمُتَقَدِّمِ لَهُ مِنْ أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فِي الطَّهَارَةِ مُبْطِلٌ، كَالشَّكِّ فِي النِّيَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّكِّ فِي طَهَارَةِ الثَّوْبِ، أَوِ الْبَدَنِ، أَوِ الْمَكَانِ، أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ .
الْجَوَابُ: يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ
стр. 41
الْإِبْطَالِ، كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالثَّانِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الصُّورَةِ، فَالْإِبْطَالُ فِيمَا إِذَا شَكَّ، هَلْ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَمْ لَا؟ وَالصِّحَّةُ وَاسْتِحْبَابُ الْإِعَادَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا، وَشَكَّ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ وَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ كَالشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ، أَيْ هَلِ انْتَقَضَتْ أَمْ لَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ الْمِنْهَاجِ، وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا إِلَى آخِرِهِ قَالَ الشَّارِحُ: التَّكْبِيرُ وَالسَّلَامُ دَاخِلَانِ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مَعَ أَنَّ نَقْلَ السَّلَامِ مُبْطِلٌ، وَفِي التَّكْبِيرِ نَظَرٌ فَقَوْلُهُ: نَقْلُ السَّلَامِ مُبْطِلٌ. هَلْ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ أَمْ لَا؟ وَمَا وَجْهُ النَّظَرِ فِي التَّكْبِيرِ؟ .
الْجَوَابُ: هُوَ خَاصٌّ بِحَالِ الْعَمْدِ، وَمُرَادُهُ بِالنَّظَرِ التَّوَقُّفُ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِالْبُطْلَانِ ; لِأَنَّهُ كَقَطْعِ الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ، وَتَجْدِيدِ إِحْرَامٍ جَدِيدٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا ; لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ذِكْرٍ، وَلَا تَضُرُّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبْطِلًا إِذَا قَصَدَ بِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَتَجْدِيدَ إِحْرَامٍ جَدِيدٍ، كَمَسْأَلَةِ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْإِشْفَاعِ، وَيَدْخُلُ بِالْأَوْتَارِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الذِّكْرَ الْمَحْضَ، لَمْ تَبْطُلْ قَطْعًا، وَلَوْ قَصَدَ قَطْعَ الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ، وَتَجْدِيدَ إِحْرَامٍ جَدِيدٍ، بَطَلَتْ قَطْعًا، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَصْدِ التَّجْدِيدِ، وَانْتَقَلَ دُونَ الْقَطْعِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ، وَهِيَ رُتْبَةٌ وُسْطَى فَيُحْتَمَلُ الْبُطْلَانُ وَعَدَمُهُ، وَهُوَ مَحَلُّ تُوَقُّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ]
مَسْأَلَةٌ: سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ الَّتِي اخْتُلِفَ فِي مَحَلِّهَا كَسَجْدَةِ " حم "، هَلْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُلِّ مَحَلٍّ سَجْدَةٌ عَمَلًا بِالْقَوْلَيْنِ؟ .
الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ الْمَنْعُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ آتِيًا بِسَجْدَةٍ لَمْ تُشْرَعْ، وَالتَّقَرُّبُ بِسَجْدَةٍ لَمْ تُشْرَعْ لَا يَجُوزُ، بَلْ يَسْجُدُ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ الْمَحَلِّ الثَّانِي، وَتُجْزِئُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، أَمَّا الْقَائِلُ بِأَنَّهُ مَحَلُّهَا فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الْقَائِلُ بِأَنَّ مَحَلَّهَا الْآيَةُ قَبْلَهَا، فَقِرَاءَةُ الْآيَةِ لَا يُطِيلُ الْفَصْلَ، وَالسُّجُودُ عَلَى قُرْبِ الْفَصْلِ مُجْزِئٌ.
مَسْأَلَةٌ: فِيمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي آيَةِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا يُسَنُّ السُّجُودُ إِذَا قَرَأَ، أَوْ سَمِعَ الْآيَةَ كَامِلَةً، فَإِنْ قَرَأَ، أَوْ سَمِعَ بَعْضَهَا لَمْ يُسَنَّ لَهُ، وَقَدْ جَزَمَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ عَدُّوا الْآيَ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] آيَةٌ، وَكَذَا
стр. 42
قَوْلُهُ فِي "حم" ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٨]- إِلَى ﴿يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] آيَةٌ فَهَلْ إِذَا قَرَأَ كُلًّا مِنْ هَاتَيْنِ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ أَوْ لَا؟ حَتَّى يَضُمَّ إِلَيْهِمَا مَا قَبْلَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل: ٢٥] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] وَقَوْلُهُ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ﴾ [فصلت: ٣٧] إِلَى قَوْلِهِ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] .
الْجَوَابُ: نَعَمْ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ضَمِّ مَا قَبْلُ.
[بَابُ صَلَاةِ النَّفْلِ]
[قَوْلُهُ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ هَلْ هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ بِالْمُعْجَمَةِ]
بَابُ صَلَاةِ النَّفْلِ
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ هَلْ هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَوْ بِالْمُعْجَمَةِ؟ .
الْجَوَابُ: هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَأَلَّفْتُ فِيهِ مُؤَلَّفًا سَمَّيْتُهُ إِتْحَافَ الْوَفْدِ بِنَبَأِ سُورَةِ الْحَفْدِ، وَهُوَ مُودَعٌ فِي الْجُزْءِ الثَّامِنِ وَالثَّلَاثِينَ مِنَ التَّذْكِرَةِ.
[جُزْءٌ فِي صَلَاةِ الضُّحَى]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ: فَقَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا، فَتَمَسَّكَ الْمُنْكِرُ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ عائشة قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» .
وَبِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عبد الله بن شقيق قَالَ: «قُلْتُ لعائشة: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» ، فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ مِنْهَا، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَ فَصَمَّمَ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا لَمْ يَخْفَ عَلَى أَهْلِهِ، فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُلَازِمًا لَهَا فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ، بَلْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَقْتٌ فِي أَوْقَاتٍ، فَإِنَّهُ ﷺ فِي وَقْتٍ يَكُونُ مُسَافِرًا، وَفِي وَقْتٍ يَكُونُ حَاضِرًا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْحَضَرِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ فَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ، فَإِذَا اعْتُبِرَ ذَلِكَ لَمْ يُصَادِفْ وَقْتَ الضُّحَى عِنْدَ عائشة إِلَّا فِي نَادِرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَمَا رَأَتْهُ صَلَّاهَا فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ النَّادِرَةِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُهُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَبْلُغَهَا بِأَخْبَارِ غَيْرِهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا، أَوْ بِأَخْبَارِهِ هُوَ ﷺ ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ عَنْهَا أَيْضًا إِثْبَاتٌ أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهَا فِي ذَلِكَ وَمَعَ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِهَا، وَقَدْ أَوْرَدْتُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ فِي هَذَا الْجُزْءِ.
стр. 43
[ذِكْرُ اسْتِنْبَاطِهَا مِنَ الْقُرْآنِ]
أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَبْتُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُهَا هَهُنَا ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ صَلَاةَ الضُّحَى لَفِي الْقُرْآنِ، وَمَا يَغُوصُ عَلَيْهَا الْأَغْوَاصُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] وَأَخْرَجَ الأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ عَنْ عون العقيلي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] قَالَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الضُّحَى.
[ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا]
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ أم هانئ ; فَإِنَّهَا قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» .
وَأَخْرَجَ أبو داود، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أم هانئ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، عَنْ أم هانئ بنت أبي طالب قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، فَنَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: صَلَاةُ الضُّحَى» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عائشة، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ، «عَنْ عائشة: أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى، وَتَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَّا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.»
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، والأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ، فَمَا تَرَكْتُهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ» .
وَأَخْرَجَ أحمد، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي سَفَرٍ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ
стр. 44
الْيَمَانِ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى حَرَّةِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَتَبِعْتُ أَثَرَهُ فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ طَوَّلَ فِيهِنَّ، ثُمَّ انْصَرَفَ» .
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الضُّحَى بِبَقِيعِ الزُّبَيْرِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَقَالَ: إِنَّهَا صَلَاةُ رَغَبٍ وَرَهَبٍ» ".
وَأَخْرَجَ أحمد عَنْ عتبان بن مالك " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى، فَقَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلَّوْا» ".
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ يَوْمَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أبي جهل، وَبِالْفَتْحِ» .
وَأَخْرَجَ أحمد، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عائذ بن عمرو، قَالَ: «كَانَ فِي الْمَاءِ قِلَّةٌ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَضَحْنَا بِهِ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الضُّحَى» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الضُّحَى بِمَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهَا وَالرُّكُوعَ» .
وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَتْرُكُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي سَفَرٍ، وَلَا غَيْرِهِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الضُّحَى إِلَّا مَرَّةً» .
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ علي ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّهَارِ، فَقَالَ «كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَطْلَعِهَا قِيدَ رُمْحٍ، أَوْ رُمْحَيْنِ كَقَدْرِ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ مَغْرِبِهَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْتَقَلَ حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الضُّحَى صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَكَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» .
وَأَخْرَجَ أحمد، وأبو يعلى بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى» ".
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: «أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ، وَالطَّعَامُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: أَصْلِحُوهَا فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَسَجَدُوا الضُّحَى أَتَى بِالْقَصْعَةِ» - الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ ابن منده، وابن شاهين كِلَاهُمَا فِي الصَّحَابَةِ عَنْ قدامة، وحنظلة الثَّقَفِيَّيْنِ ﵄ قَالَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَذَهَبَ كُلُّ أَحَدٍ وَانْقَلَبَ النَّاسُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَرَكَعَ
стр. 45
رَكْعَتَيْنِ، أَوْ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى عِنْدَ الرُّكْنِ رَكْعَتَيْنِ» " فِيهِ نافع أبو هرمز مَتْرُوكٌ.
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ زاذان أبي عمر عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ، حَتَّى بَلَغَ مِائَةً» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَى، وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» .
[الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْأَمْرِ بِهَا وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا]
وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا أَنَسٍ، L-١ وبريدة، وجابر، وحذيفة، والحسن بن علي، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وعبد الله بن جراد، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وابن عمرو، وعتبة بن عبد السلمي، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وعلي، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ومعاذ بن أنس الجهني، ونعيم بن همار، والنواس بن سمعان، وأبي أمامة، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وأبي ذر، وأبي مرة الطائفي، وأبي موسى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وعائشة:
(حَدِيثُ أَنَسٍ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ» ) .
وَأَخْرَجَ الأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «رَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى تَعْدِلَانِ عِنْدَ اللَّهِ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَتَيْنِ» .
وَأَخْرَجَ الأصبهاني عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، صَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى ; فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحَى، فَقَرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشْرًا، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ عَشْرًا، اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ» .
وَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، أَوْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى ; فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَبْرَارِ، وَسَلِّمْ إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ يَكْثُرُ خَيْرُ بَيْتِكَ» .
وَأَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ:
стр. 46
الضُّحَى، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَّا أَصْحَابُ صَلَاةِ الضُّحَى، تَحِنُّ الضُّحَى إِلَى صَاحِبِهَا، كَمَا تَحِنُّ النَّاقَةُ إِلَى فَصِيلِهَا» .
(حَدِيثُ بريدة) أَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَنْ بريدة، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي الْإِنْسَانِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ مَفْصِلٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ صَدَقَةً قَالُوا: مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ» .
(حَدِيثُ جابر) أَخْرَجَ الأصبهاني عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا جابر، سَبَّحْتَ تَسْبِيحَةَ الضُّحَى، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَادْخُلْ فَصَلِّ» .
(حَدِيثُ حذيفة) أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحَافَظَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّهُ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَلَيْسَ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِتَارِكٍ شَيْئًا مِنْ ذِمَّتِهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ» .
(حَدِيثُ الحسن) أَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنِ الحسن بن علي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَلْفَحَهُ، أَوْ تَطْعَمَهُ» .
(حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءٍ وَهُمْ يُصَلُّونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ - وَلَفْظُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ» .
(حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وسمويه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» .
стр. 47
(حَدِيثُ عبد الله بن جراد) أَخْرَجَ الديلمي عَنْ عبد الله بن جراد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُنَافِقُ لَا يُصَلِّي الضُّحَى، وَلَا يَقْرَأُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] » .
(حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنِ ابْنِ آدَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ شعبة مولى ابن عباس قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ لِي: سَقَطَ الْفَيْءُ؟ فَإِذَا قُلْتُ: نَعَمْ. قَامَ فَسَبَّحَ.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عطاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَاةُ الضُّحَى بَعْدَ أَنْ تَنْقَطِعَ الظِّلَالُ.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ: سُئِلَ عكرمة عَنْ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الضُّحَى. قَالَ: كَانَ يُصَلِّيهَا الْيَوْمَ، وَيَدَعُهَا الْعَشْرَ.
(حَدِيثُ ابن عمرو) أَخْرَجَ أحمد، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِقُرْبٍ مَغْزَاهُمْ، وَكَثْرَةِ غَنِيمَتِهِمْ، وَسُرْعَةِ رَجْعَتِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَقْرَبَ مِنْهُمْ مَغْزًى وَأَكْثَرَ غَنِيمَةً وَأَوْشَكَ رَجْعَةً؛ مَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لِسُبْحَةِ الضُّحَى، فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ مَغْزًى، وَأَكْثَرُ غَنِيمَةً، وَأَوْشَكُ رَجْعَةً» .
(حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، اضْمَنْ لِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» .
وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الضُّحَى، وَصَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْوِتْرَ فِي حَضَرٍ، وَلَا سَفَرٍ، كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» .
حَدِيثُ (عتبة بن عبد السلمي) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَحُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، عَنْ عتبة بن عبد السلمي، وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ فِيهِ حَتَّى يُسَبِّحَ تَسْبِيحَةَ الضُّحَى - يَعْنِي صَلَاةَ الضُّحَى - كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ، أَوْ مُعْتَمِرٍ تَامٍّ لَهُ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ» .
(حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عقبة قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَا الضُّحَى بِسُورَتَيْهِمَا، بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالضُّحَى» .
وَأَخْرَجَ أحمد، وأبو
стр. 48
يعلى بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، لَا تُعْجِزْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» .
وَأَخْرَجَ أبو يعلى عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ إِذَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسُ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَكَانَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» .
(حَدِيثُ علي) أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، عَنْ أبي رملة الأزدي، عَنْ علي " أَنَّهُ رَآهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: هَلَّا تَرَكُوهَا حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، أَوْ رُمْحَيْنِ صَلَّوْهَا ; فَتِلْكَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ.
(حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) أَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً، فَعُجِّلَتِ الْكَرَّةُ وَعَظُمَتِ الْغَنِيمَةُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا سَرِيَّةً قَطُّ أَعْجَلَ كَرَّةً، وَلَا أَعْظَمَ غَنِيمَةً، مِنْ سَرِيَّتِكَ الَّتِي بَعَثْتَ، قَالَ: أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَعْجَلَ كَرَّةً مِنْهُمْ، وَأَعْظَمَ غَنِيمَةً، قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْوَامٌ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَهَؤُلَاءِ أَعْجَلُ كَرَّةً، وَأَعْظَمُ غَنِيمَةً مِنْهُمْ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: أَضْحُوا عِبَادَ اللَّهِ بِصَلَاةِ الضُّحَى.
(حَدِيثُ معاذ بن أنس) أَخْرَجَ أبو داود، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ معاذ بن أنس الجهني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ يُسَبِّحُ رَكْعَتَيِ الضُّحَى، لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» .
(حَدِيثُ نعيم بن همار) أَخْرَجَ أبو داود، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ نعيم بن همار قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تُعْجِزْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي أَوَّلِ نَهَارِكَ، أَكْفِكَ آخِرَهُ» .
(حَدِيثُ النواس بن سمعان) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَنِ النواس بن سمعان عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، «يَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تُعْجِزْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ» .
(حَدِيثُ أبي أمامة) أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أبي أمامة قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَشَى إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ - وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ - فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ مَشَى إِلَى سُبْحَةِ
стр. 49
الضُّحَى لَا يُنْهِضُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، صَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا، كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ» .
وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ بِلَفْظِ " «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَسَبَّحَ بِهِ سُبْحَةَ الضُّحَى، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ الْمُحْرِمِ» ، وَالْبَاقِي نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أبي أمامة «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] هَلْ تَدْرُونَ مَا وَفَّى؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أبي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ» .
وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، انْقَلَبَ بِأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» .
وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَطْلَعِهَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَصَلَّى رَجُلٌ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكُفِّرَ عَنْهُ خَطِيئَتُهُ وَإِثْمُهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
(حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «أَوْصَانِي حَبِيبِي ﷺ بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ مَا عِشْتُ، بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وأبي ذر «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ» .
وَأَخْرَجَ أحمد، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تَعْجِزَنَّ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ» ".
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا يُحَافِظُ عَلَى سُبْحَةِ الضُّحَى إِلَّا أَوَّابٌ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنَ الْعَابِدِينَ، وَمَنْ صَلَّى سِتًّا كُفِيَ الْيَوْمَ، وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيَةً كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» .
(حَدِيثُ أبي ذر) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبو داود عَنْ أبي ذر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنِ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ، تَسْلِيمُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُهُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَبُضْعَةُ أَهْلِهِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، وَالْبَيْهَقِيُّ والأصبهاني، وَحُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ
стр. 50
فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَنْ أبي ذر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ صَلَّيْتَ الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ تُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا أَرْبَعًا كُتِبْتَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا سِتًّا كُتِبْتَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا ثَمَانِيًا كُتِبْتَ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا عَشْرًا لَمْ يُكْتَبْ لَكَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ذَنْبٌ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبي ذر قَالَ: «أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُصَلِّيَ الضُّحَى فِي السَّفَرِ» .
(حَدِيثُ أبي موسى) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحَى وَقَبْلَ الْأُولَى أَرْبَعًا، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» .
(حَدِيثُ أبي مرة الطائفي) أَخْرَجَ أحمد بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ عَنْ أبي مرة الطائفي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، صَلِّ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ» .
(حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى سُبْحَةِ الضُّحَى غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُحَافِظُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إِلَّا أَوَّابٌ قَالَ: وَهِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدِيمُونَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى، هَذَا بَابُكُمْ فَادْخُلُوهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ» .
وَأَخْرَجَ أبو يعلى بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا، فَأَعْظَمُوا الْغَنِيمَةَ، وَأَسْرَعُوا الْكَرَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا بَعْثًا قَطُّ أَسْرَعَ كَرَّةً، وَلَا أَعْظَمَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَسْرَعَ كَرَّةً مِنْهُمْ وَأَعْظَمَ غَنِيمَةً، رَجُلٌ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ الْغَدَاةَ، ثُمَّ عَقَّبَ بِصَلَاةِ الضَّحْوَةِ، فَقَدْ أَسْرَعَ الْكَرَّةَ وَأَعْظَمَ الْغَنِيمَةَ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ مِنْ طَرِيقِ عبد الله بن مزيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكَ بِسَجْدَتَيِ الضُّحَى، هُمَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ نَاقَتَيْنِ دَهْمَاوَيْنِ مِنْ نِتَاجِ بَنِي بُحْتُرٍ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَنْ أُصَلِّيَ الضُّحَى ; فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ» .
стр. 51
(حَدِيثُ عائشة) أَخْرَجَ أبو يعلى، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عائشة، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فَقَعَدَ فِي مَقْعَدِهِ فَلَمْ يَلْغُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَيَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُصَلِّيَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ عائشة قَالَتْ: مَنْ صَلَّى أَوَّلَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ.
(مُرْسَلُ محمد بن كعب) أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ فِي سُبْحَةِ الضُّحَى بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ.
(مُرْسَلُ كعب) أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ كعب قَالَ: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الضُّحَى فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ يُتِمُّ رُكُوعَهُمَا وَسُجُودَهُمَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ حَسَنَةً، وَأَخْرَجَ محمد بن نصر فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ....
. قَالَ: كَانَ يُقَالُ: صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَصَلَاةُ الْمُنِيبِينَ، وَصَلَاةُ التَّوَّابِينَ، فَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَصَلَاةُ الْمُنِيبِينَ الضُّحَى، وَصَلَاةُ التَّوَّابِينَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ.
[تَنْبِيهٌ] : قَدْ عَلِمْتَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ بِانْحِصَارِ صَلَاةِ الضُّحَى فِي عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَلَا مُسْتَنَدَ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ أَكْثَرَهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الحافظ أبو الفضل بن حجر وَغَيْرُهُ، قَالَ إسحاق بن راهويه فِي كِتَابِ عَدَدِ رَكَعَاتِ السُّنَّةِ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى يَوْمًا رَكْعَتَيْنِ، وَيَوْمًا أَرْبَعًا، وَيَوْمًا سِتًّا، وَيَوْمًا ثَمَانِيًا تَوْسِعَةً عَلَى أُمَّتِهِ.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الحسن قَالَ: كَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مِنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً، يَجِيءُ بِالضُّحَى فَيُصَلِّي صَلَاةً طَوِيلَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ.
وَأَخْرَجَ أحمد فِي الزُّهْدِ عَنِ الحسن " أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كَانَ مِنْ أَشَدِّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تَوَخِّيًا لِلْعِبَادَةِ، وَكَانَ يُصَلِّي عَامَّةَ الضُّحَى، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ القاسم بن محمد قَالَ: كَانَتْ عائشة ﵂ تُغْلِقُ بَابَهَا، ثُمَّ تُطِيلُ صَلَاةَ الضُّحَى، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الرباب أَنَّ أبا ذر صَلَّى الضُّحَى فَأَطَالَ وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ طعمة بن ثابت قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الحسن، فَقَالَ: يَا أبا سعيد، هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ الضُّحَى؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ
стр. 52
يُصَلِّي أَرْبَعًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُدُّ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَأَخْرَجَ عَنْ إبراهيم أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الأسود كَمْ أُصَلِّي الضُّحَى قَالَ: كَمَا شِئْتَ؟ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ عَدَمُ انْحِصَارِهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ عون بن أبي شداد أَنَّ عبد الله بن غالب كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى مِائَةَ رَكْعَةٍ، قَالَ الحافظ أبو الفضل العراقي فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَمْ أَرَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ حَصَرَهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَذَا لَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الروياني فَتَبِعَهُ الرافعي، وَمَنِ اخْتَصَرَ كَلَامَهُ.
وَقَالَ الباجي مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ: لَيْسَ صَلَاةُ الضُّحَى مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَحْصُورَةِ بِالْعَدَدِ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا، وَلَكِنَّهَا مِنَ الرَّغَائِبِ الَّتِي يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ مِنْهَا مَا أَمْكَنَهُ.
(فَائِدَةٌ) أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أم سلمة أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ عائشة تُصَلِّي أَرْبَعًا، فَقَالَتْ: إِنَّ عائشة امْرَأَةٌ شَابَّةٌ - هَذَا الْأَثَرُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ صَلَّاهَا قَاعِدًا ضَاعَفَ الرَّكَعَاتِ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، فَمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى ثَمَانٍ وَصَلَّاهَا قَاعِدًا أَتَى بِسِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَتَى بِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ.
(فَائِدَةٌ) أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سعيد بن مرجانة قَالَ: جَلَسْتُ وَرَاءَ سعد بن مالك، وَهُوَ يُسَبِّحُ الضُّحَى فَرَكَعَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ أَعُدُّهُنَّ لَا يَقْعُدُ فِيهِنَّ حَتَّى قَعَدَ فِي آخِرِهِنَّ فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
(فَائِدَةٌ) فِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ، وَمُسْنَدِ مطين وَتَهْذِيبِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ: ذو الزوائد، وَلَفْظُ الطَّبَرَانِيِّ: يُكَنَّى بأبي الزوائد، وَهَذَا الْأَثَرُ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وأبو الزوائد هَذَا لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَهُوَ جُهَنِيٌّ، وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ذو الأصابع قَالَ ابن حجر فِي الْإِصَابَةِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ غَيْرُهُ، قُلْتُ: فَإِنْ صَحَّ مَا قَالَهُ الطَّبَرَانِيُّ فَقَدْ ذَكَرَ ابن دريد فِي الْوِشَاحِ أَنَّ اسْمَهُ معاوية، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ نَزَلَ فِلَسْطِينَ، وَلِذِي الزَّوَائِدِ حَدِيثٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَخْرَجَهُ أبو داود، وَقَدْ تَأَوَّلُوا هَذَا الْأَثَرَ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً، كَمَا تُصَلَّى التَّرَاوِيحُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ والنووي كِلَاهُمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مُرَادُهُ أَنَّ إِظْهَارَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةٌ
стр. 53
وَالِاجْتِمَاعُ لَهَا هُوَ الْبِدْعَةُ، لَا أَنَّ أَصْلَ صَلَاةِ الضُّحَى بِدْعَةٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ قُتِلَ عثمان، وَمَا أَحَدٌ يُسَبِّحُهَا، وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهَا.
[بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
مَسْأَلَةٌ: فِي جَمَاعَةٍ انْتَظَرُوا سَكْتَةَ الْإِمَامِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ; لِيَقْرَؤُوا فِيهَا الْفَاتِحَةَ، فَرَكَعَ الْإِمَامُ عَقِبَ فَاتِحَتِهِ هَلْ يَرْكَعُونَ مَعَهُ، وَيَتْرُكُونَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا؟ وَقَوْلُ المحب الطبري يُحْتَمَلُ أَنْ تُرَتَّبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ السَّاهِي عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى رَكَعَ إِمَامُهُ، هَلْ هُوَ مُتَّجَهٌ أَمْ لَا؟ وَمَا حُكْمُ السَّاهِي الْمَذْكُورِ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ قَوْلُ المحب الطبري مُتَّجَهٌ، وَمَسْأَلَةُ السَّاهِي عَنِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى رَكَعَ إِمَامُهُ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَتَخَلَّفُ لِقِرَاءَتِهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَالثَّانِي: يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ لِلْمُوَافَقَةِ، ثُمَّ يَتَدَارَكُ رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِهِ، كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ ذَلِكَ بَعْدَ رُكُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُتَخَلِّفٌ لِعُذْرٍ فَلَهُ التَّخَلُّفُ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمِنْهَاجِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ لِتَقْصِيرِهِ بِالنِّسْيَانِ، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي فِي الْمُنْتَظِرِ سَكْتَةَ الْإِمَامِ لِيَقْرَأَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالتَّخَلُّفِ، وَبِكَوْنِهِ مَعْذُورًا مِنَ السَّاهِي ; لِأَنَّ السَّاهِيَ مَنْسُوبٌ إِلَى نَوْعِ تَقْصِيرٍ، وَهَذَا غَيْرُ مُقَصِّرٍ، بَلْ مُحَافِظٌ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ الْمَنْدُوبِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ حَتَّى يَفْرَغَ الْإِمَامُ مِنْ قِرَاءَتِهَا، فَهُوَ آتٍ بِمَا أُمِرَ بِهِ، غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَى تَقْصِيرٍ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ مَسْبُوقًا فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ، وَشَكَّ هَلْ أَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ؟ وَلَكِنِ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ، أَمْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنًا يَسَعُ ذَلِكَ فَمَا يُؤْمَرُ بِهِ هَلْ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ، أَوْ يَتَأَخَّرُ لِلْقِرَاءَةِ؟ .
الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ كَالْمَسْبُوقِ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَتَأَخَّرُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إِدْرَاكِ زَمَنٍ يَسَعُ الْفَاتِحَةَ، وَالْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَهَذَانَ أَصْلَانِ مُتَعَاضِدَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ، وَأَفْتَى الشيخ جلال الدين البكري فِي هَذِهِ [الْقَاعِدَةِ] الْوَاقِعَةِ بِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ، وَيَقْرَأُ كَمَنِ اشْتَغَلَ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ قَالَ: لِأَنَّ شَكَّهُ فِي ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِالِاحْتِمَالِ الْمُجَرَّدِ، وَطَرْحٌ لِلْأَصْلِ، وَأَفْتَى الشيخ زكريا بِأَنَّهُ يَحْتَاطُ فَيَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ
стр. 54
وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ أَيْضًا ; لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ رَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَا نَقُولُ بِلُزُومِهَا، وَأَمْرًا بِالرُّكُوعِ قَبْلَ إِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ، وَهُوَ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يُتِمَّهَا إِنْ قُلْنَا، وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِوُجُوبِ إِتْمَامِهَا.
مَسْأَلَةٌ: مَأْمُومٌ اشْتَغَلَ عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بِالسُّجُودِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ السُّجُودِ وَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ تَشَهَّدَ وَقَامَ، فَمَا الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمَأْمُومُ هَلْ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يَقُومُ، أَوْ يَتْرُكُ التَّشَهُّدَ وَيَقُومُ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّهُ يَقُومُ وَيَتْرُكُ التَّشَهُّدَ فَهَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ حَتَّى لَوْ خَالَفَهُ وَتَشَهَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِنْ كَانَ عَالِمًا عَامِدًا أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّهُ يَتَشَهَّدُ فَهَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَيْضًا ; لِأَنَّ إِمَامَهُ كَانَ فَعَلَهُ أَمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؟.
فَإِنْ قُلْتُمْ: أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ فَخَالَفَهُ، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ فَمَا تَرَتَّبَ عَلَى هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِذَا قُلْتُمْ إِنَّهُ يَتَشَهَّدُ وُجُوبًا، أَوِ اسْتِحْبَابًا، فَفَعَلَ التَّشَهُّدَ وَقَامَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ رَكَعَ فَهَلْ يَرْكَعُ مَعَهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ وَيَقْرَأَ وَيَكُونَ مُتَخَلِّفًا بِعُذْرٍ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِسُقُوطِ الْقِرَاءَةِ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى سُقُوطِهَا عَنِ الْمَسْبُوقِ وَيَتَصَوَّرُ سُقُوطَهَا عَنْ غَيْرِ الْمَسْبُوقِ وَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ تَخَلَّفَ بِسَبَبِهِ عَنِ الْإِمَامِ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَزَالَ عُذْرُهُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ، كَمَا لَوْ كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ، أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، أَوِ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ بِسَبَبِ زَحْمَةٍ، أَوْ شَكٍّ بَعْدَ رُكُوعِ إِمَامِهِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّ الْمَسْؤُولَ عَنْهُ ظَاهِرُهُ مُبَايِنٌ لِهَذَا الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ إِنْ قُلْتُمْ بِسُقُوطِهَا إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَخَلُّفٌ بِأَرْكَانٍ؟ وَمَا مَعْنَى التَّخَلُّفِ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ، فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ وَالْمَسْؤُولُ إِيضَاحُ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: قَدْ تَرَدَّدَ نَظَرِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَرَّاتٍ، وَالَّذِي تَحَرَّرَ لِي بِطَرِيقِ النَّظَرِ تَخْرِيجًا أَنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: - الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا لِبُطْءِ الْقِرَاءَةِ فَتَأَخَّرَ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ وَفَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْكَانِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَأَخَذَ فِي الرُّكُوعِ وَمَا بَعْدَهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ السُّجُودِ قَامَ الْإِمَامُ مِنَ التَّشَهُّدِ، وَهَذَا حُكْمُهُ وَاضِحٌ فِي التَّخَلُّفِ لِلتَّشَهُّدِ، وَسُقُوطُ الْقِرَاءَةِ عَنْهُ إِذَا قَامَ وَقَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ ظَاهِرٌ.
- الثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَطَالَ السُّجُودَ غَفْلَةً وَسَهْوًا، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِهِ التَّشَهُّدَ ; لِأَنَّهُ لَزِمَهُ بِالْمُتَابَعَةِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ عِنْدِي أَنَّهُ يَجْلِسُ جُلُوسًا قَصِيرًا، وَلَا يَسْتَوْعِبُ التَّشَهُّدَ ; لِأَنَّهُ لَا يُلْزِمُهُ بِحَقِّ الْمُتَابَعَةِ إِلَّا الْجُلُوسُ دُونَ أَلْفَاظِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ سَاكِتًا كَفَاهُ، فَإِنْ قَامَ، وَقَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ فَفِي سُقُوطِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُ نَظَرٌ لِعَدَمِ صِدْقِ الضَّابِطِ عَلَيْهِ.
- الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ أَطَالَ السُّجُودَ عَمْدًا، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْحَالِ الثَّانِي بِتَقْصِيرِ الْجُلُوسِ،
стр. 55
وَأَمَّا سُقُوطُ الْقِرَاءَةِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ جَزْمًا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ أَصْلًا، بَلْ عِنْدِي أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِأَنَّ هَذَا التَّخَلُّفَ مُبْطِلٌ لِفُحْشِهِ لَمْ يَبْعُدْ لَكِنْ لَا مُسَاعِدَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَنْقُولِ، حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّ التَّخَلُّفَ بِرُكْنٍ، وَلَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يُبْطِلُ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ رُكْنٍ وَرُكْنٍ، وَالْجَرْيُ عَلَى إِطْلَاقِهِمْ أَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ: مَأْمُومٌ شَكَّ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَهَلْ يَسْجُدُهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ لَا يَسْجُدُهَا إِلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، فَإِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ يَسْجُدُهَا قَبْلُ أَوْ بَعْدُ وَخَالَفَ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ .
الْجَوَابُ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَسْجُدُهَا عِنْدَ التَّذْكِيرِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَلَا يَتَأَخَّرُ إِلَى بَعْدِ سَلَامِهِ، وَأَكْثَرُ مَا يَقُولُ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ أَنَّهُ كَمَنْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ شَكَّ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقِيَاسُ ; لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الرُّكُوعِ انْتَقَلَ مِنْ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ إِلَى رُكْنٍ فِعْلِيٍّ، وَمُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِيهِ وَاجِبَةٌ، وَهُنَا لَمْ يَنْتَقِلْ أَصْلًا، بَلِ الْجُلُوسُ الَّذِي هُوَ فِيهِ هُوَ جُلُوسٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اسْتَمَرَّ فِيهِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ أَخَذَ فِي أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ، فَهُوَ إِتْيَانٌ بِرُكْنٍ قَوْلِيٍّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، لَا أَنَّهُ انْتِقَالٌ، وَأَيْضًا فَمَسْأَلَةُ الرُّكُوعِ لَمْ يَتَخَلَّفْ فِيهَا عَنْ شَيْءٍ فَعَلَهُ الْإِمَامُ، فَإِنَّهُ أَتَى بِالْقِيَامِ الَّذِي أَتَى بِهِ الْإِمَامُ وَأَكْثَرُ مَا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ وَالْأَذْكَارَ الْقَوْلِيَّةَ لَا فُحْشَ فِي مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ فِيهَا، وَهُنَا قَدْ فَعَلَ الْإِمَامُ سُجُودًا لَمْ يَفْعَلْهُ هُوَ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ بِحَقِّ الْمُتَابَعَةِ وَالْمَشْيِ عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاتِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ، وَأَيْضًا فَمَسْأَلَةُ الرُّكُوعِ لَوْ عَادَ فِيهَا كَانَ فِيهَا فِعْلُ قِيَامٍ ثَانٍ وَرُكُوعٍ ثَانٍ، وَفِي هَذَا مُخَالَفَةٌ فَاحِشَةٌ لِلْإِمَامِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، وَأَيْضًا فَرُكْنُ الْقِرَاءَةِ أَضْعَفُ مِنْ رُكْنِ السُّجُودِ ; لِأَنَّ السُّجُودَ مُجْمَعٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِحَالٍ، وَالْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَنْ لَا يُوجِبُهَا وَتَسْقُطُ عِنْدَنَا فِي صُوَرٍ كَالْمَسْبُوقِ وَنَحْوِهِ، وَأَيْضًا فَقَدِ اغْتَفَرُوا فِي الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ مَا لَمْ يَغْتَفِرُوا فِي الْفِعْلِيِّ مِنْ جَوَازِ التَّقَدُّمِ بِهِ وَالتَّأَخُّرِ بِهِ وَعَدَمِ الْإِبْطَالِ بِتَكَرُّرِهِ وَنَقْلِهِ - فَهَذِهِ خَمْسَةُ فُرُوقٍ بَيْنَ مَسْأَلَةِ تَذَكُّرِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ فَلَوْ تَأَخَّرَ كَانَ مِنْ بَابِ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ.
стр. 56
[بَسْطُ الْكَفِّ فِي إِتْمَامِ الصَّفِّ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَقْطَعُ مَنْ وَصَلَهُ، وَلَا يَنْصُرُ مَنْ خَذَلَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّائِفَةِ الْمُكَمَّلَةِ، وَبَعْدُ
فَقَدْ سُئِلْتُ عَنْ عَدَمِ إِتْمَامِ الصُّفُوفِ، وَالشُّرُوعِ فِي صَفٍّ قَبْلَ إِتْمَامِ صَفٍّ، فَأَجَبْتُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ وَرَدَتْ إِلَيَّ فَتْوَى فِي ذَلِكَ فَكَتَبْتُ عَلَيْهَا مَا نَصُّهُ: لَا تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِتَقْرِيرِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مَكْرُوهٌ، الثَّانِي أَنَّ الْمَكْرُوهَ فِي الْجَمَاعَةِ يُسْقِطُ فَضِيلَتُهَا، فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّخَطِّي يُكْرَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالتَّخَطِّي فَإِنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ بِتَرْكِهَا إِذْ يُكْرَهُ إِنْشَاءُ صَفٍّ قَبْلَ إِتْمَامِ مَا قَبْلَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ : ( «أَتِمُّوا الصُّفُوفَ مَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَفِي الْمُؤَخَّرِ» ) رَوَاهُ أبو داود.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْلَى مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْإِحْرَامِ لِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ، وَأَمَّا كَوْنُ كُلِّ مَكْرُوهٍ فِي الْجَمَاعَةِ يُسْقِطُ الْفَضِيلَةَ، فَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ مُتَدَاوَلٌ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ، يَكَادُ يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، هَذَا آخِرُ مَا كَتَبْتُ، وَقَدْ أَرَدْتُ فِي هَذِهِ الْأَوْرَاقِ تَحْرِيرَ مَا قُلْتُ، بَعْدَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْفَضِيلَةَ الَّتِي نَعْنِيهَا هِيَ التَّضْعِيفُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ بِبِضْعٍ وَعِشْرِينَ لَا أَصْلَ بَرَكَةِ الْجَمَاعَةِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ الْكَلَامُ أَوَّلًا فِي تَحْرِيرِ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مَكْرُوهٌ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْجَمَاعَةِ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ سَدِّ الْفُرَجِ فِي الصُّفُوفِ، وَإِتْمَامِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ إِلَى آخِرِهَا، وَلَا يُشْرَعُ فِي صَفٍّ حَتَّى يَتِمَّ مَا قَبْلُهُ - هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
وَلَا يُقَابِلُ الْمُسْتَحَبُّ إِلَّا الْمَكْرُوهَ، فَإِنْ قِيلَ يُقَابِلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى قُلْتُ: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَمَنْ تَابَعَهُ، الثَّانِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ قَالُوا: هُوَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ دَلِيلٌ خَاصٌّ، وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنَ الْعُمُومَاتِ، وَالْمَكْرُوهُ: مَا وَرَدَ فِيهِ دَلِيلٌ خَاصٌّ، وَهَذَا قَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَدِلَّةٌ خَاصَّةٌ فَضْلًا عَنْ دَلِيلٍ وَاحِدٍ، فَمِنْ ذَلِكَ
стр. 57
الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْفَتْوَى، وَقَدْ رَوَاهُ أبو داود مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أبو داود، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكم بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» ) وَمَعْنَى قَطَعَهُ اللَّهُ أَيْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ، وَالْأَجْرِ الْجَزِيلِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابُ إِثْمِ مَنْ لَا يُتِمُّ الصُّفُوفَ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ: ( «مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ» ) ، فَقَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَ الْوُجُوبَ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: " سَوُّوا "، وَمِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ) ، وَمِنْ وُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ، فَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ أَنَّ إِنْكَارَ أَنَسٍ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ وَمَعَ الْقَوْلِ بِهِ صَلَاةُ مَنْ خَالَفَ صَحِيحَةٌ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ.
وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَجَزَمَ بِالْبُطْلَانِ، وَنَازَعَ مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِمَا صَحَّ عَنْ عمر، أَنَّهُ ضَرَبَ قَدَمَ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ لِإِقَامَةِ الصَّفِّ، وَبِمَا صَحَّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: كَانَ بلال يُسَوِّي مَنَاكِبَنَا، وَيَضْرِبُ أَقْدَامَنَا فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: مَا كَانَ عمر وبلال يَضْرِبَانِ أَحَدًا عَلَى تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ قَالَ ابن حجر: وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ التَّعْزِيرَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ لَمَّا كَانَتْ مِنَ السُّنَنِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا الَّتِي يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا الْمَدْحَ عَلَيْهَا، دَلَّ عَلَى أَنَّ تَارِكَهَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ لَهُ الْفَضِيلَةُ، وَفِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ ( «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» ) .
قَالَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ: تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ تُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ: اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ، وَسَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِي الصَّفِّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فَقِيلَ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِتَشْوِيهِ الْوَجْهِ تَحْوِيلُ خَلْقِهِ عَنْ وَضْعِهِ بِجَعْلِهِ مَوْضِعَ الْقَفَا، قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: وَعَلَى هَذَا، فَهُوَ وَاجِبٌ وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ حَرَامٌ قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ الْوَعِيدِ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ قَالَ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أبي أمامة: ( «لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ، أَوْ لَتُطْمَسَنَّ الْوُجُوهُ» ) رَوَاهُ أحمد بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ هَذَا نَظِيرَ مُسَابَقَةِ الْإِمَامِ فِي الْوَعِيدِ، فَهُوَ نَظِيرُهُ فِي سُقُوطِ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ قَالَ النووي: مَعْنَاهُ تُوقَعُ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ وَاخْتِلَافُ الْقُلُوبِ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا حَدِيثُ ( «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا» ) قَالَ الشُّرَّاحُ: الْمُرَادُ بِأَقِيمُوا اعْتَدِلُوا، وَبِتَرَاصُّوا تَلَاصَقُوا بِغَيْرِ خَلَلٍ، وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ ( «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» ) اسْتَدَلَّ
стр. 58
بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى سُنَّةِ التَّسْوِيَةِ، وَابْنُ حَزْمٍ عَلَى وُجُوبِهَا ; لِأَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ، وَكُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَرَوَى أبو يعلى، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جابر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ إِقَامَةُ الصَّفِّ» ) ، وَرَوَى أحمد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: رَأَيْتُنَا، وَمَا تُقَامُ الصَّلَاةُ حَتَّى تَتَكَامَلَ الصُّفُوفُ» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا: سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَخَلَّلُهَا.
وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِيَّاكُمْ وَالْفُرَجَ» ) يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَأَخْرَجَ أبو يعلى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «تَرَاصُّوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي رَأَيْتُ الشَّيَاطِينَ تَتَخَلَّلُكُمْ» ) .
وَرَوَى أحمد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ وَسُدُّوا الْخَلَلَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَكُمْ» ) .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَظَرَ إِلَى فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ فَلْيَسُدَّهَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَمَنْ مَرَّ فَلْيَتَخَطَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ» ) .
وَالْأَحَادِيثُ فِي تَرْكِ الْفُرَجِ وَتَقْطِيعِ الصُّفُوفِ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَفِيمَا أَوْرَدْنَاهُ كِفَايَةٌ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي التَّرْغِيبِ، وَلَا تَرْهِيبَ فِيهَا حَدِيثُ: ( «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ غُفِرَ لَهُ» ) رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أبي جحيفة.
وَحَدِيثُ: ( «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي صَفٍّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ عائشة بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عطاء مُرْسَلًا.
وَحَدِيثُ ( «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» ) رَوَاهُ الحاكم وَغَيْرُهُ.
وَحَدِيثُ ( «أَلَا تَصُفُّونَ، كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
وَأَخْرَجَ عبد الرزاق فِي مُصَنَّفِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَأَنْ تَقَعَ ثِنْتَايَ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَرَى فُرْجَةً فِي الصَّفِّ أَمَامِي، فَلَا أَصِلُهَا، وَأَخْرَجَ عبد الرزاق عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي حَتَّى يُتِمَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ فِي الصَّفِّ الثَّالِثِ حَتَّى يُتِمَّ الصَّفَّ الثَّانِيَ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لعطاء: أَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَرَاءَ الصَّفِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالرَّجُلَانِ، وَالثَّلَاثَةُ، إِلَّا فِي الصَّفِّ. قُلْتُ لعطاء: أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ الصَّفَّ مَزْحُومًا، لَا أَرَى فِيهِ فُرْجَةً. قَالَ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَأَحَبُّ إِلَيَّ وَاللَّهِ أَنْ أَدْخَلَ فِيهِ، وَأَخْرَجَ عَنِ النَّخَعِيِّ قَالَ: يُقَالُ: إِذَا دَحَسَ الصَّفُّ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَدْخَلٌ فَلْيَسْتَخْرِجْ رَجُلًا مِنْ ذَلِكَ
стр. 59
الصَّفِّ فَلْيَقُمْ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تِلْكَ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، لَيْسَتْ بِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لعطاء: أَيُكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ يَخْرُقُ الصُّفُوفَ؟ قَالَ: إِنْ خَرَقَ الصُّفُوفَ إِلَى فُرْجَةٍ، فَقَدْ أَحْسَنَ وَحَقٌّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَدْحَسُوا الصُّفُوفَ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرَجٌ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَالصَّلَاةُ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا ذَلِكَ، وَأَخْرَجَ عَنْ يحيى بن جعدة قَالَ: أَحَقُّ الصُّفُوفِ بِالْإِتْمَامِ أَوَّلُهَا، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، والحاكم عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ «قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ ثَلَاثًا، وَعَلَى الَّذِي يَلِيهِ وَاحِدَةً» ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أبي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ، وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْحَذْفِ) » .
وَأَخْرَجَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانَ يُقَالُ: سَوُّوا الصُّفُوفَ، وَتَرَاصُّوا لَا تَتَخَلَّلُكُمُ الشَّيَاطِينُ، كَأَنَّهَا بَنَاتُ الْحَذْفِ.
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا خَطَا رَجُلٌ خُطْوَةً أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خُطْوَةٍ إِلَى ثُلْمَةِ صَفٍّ لِيَسُدَّهَا.
وَأَخْرَجَ عبد الرزاق، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عبد الرحمن بن سابط قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا تَغَبَّرَتِ الْأَقْدَامُ، فِي مَشْيٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ رَقْعِ صَفٍّ» ) يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاعْدِلُوا صُفُوفَكُمْ، وَسُدُّوا الْفُرَجَ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» .
وَمِمَّا يُنَاسِبُ ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ بَابُ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَنْ بلال فِي الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: إِنَّمَا قَيَّدَهَا بِغَيْرِ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الصُّفُوفَ، وَتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ فِي الْجَمَاعَةِ مَطْلُوبٌ، وَقَالَ الرافعي فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ: احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ
стр. 60
بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي جَمَاعَةٍ، وَقَالَ المحب الطبري: كَرِهَ قَوْمٌ الصَّفَّ بَيْنَ السَّوَارِي، لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ ذَلِكَ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ عَدَمِ الضِّيقِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ انْقِطَاعُ الصَّفِّ.
فَهَذَا الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَكَلَامِ شَارِحِيهَا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ صَرِيحٌ فِي كَرَاهَةِ هَذَا الْفِعْلِ، وَفِي بَعْضِهَا مَا يُصَرِّحُ بِسُقُوطِ الْفَضِيلَةِ، وَلْنَذْكُرِ الْآنَ مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي لَا فَضِيلَةَ مَعَهَا، فَأَوَّلُ مَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُقَارَنَةِ، قَالَ الرافعي ﵀ فِي الشَّرْحِ: قَالَ: صَاحِبُ التَّهْذِيبِ، وَغَيْرُهُ: ذَكَرُوا أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِتْيَانُ بِالْأَفْعَالِ مَعَ الْإِمَامِ، وَتَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ.
وَكَذَا قَالَ النووي فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ، قَالَ الزركشي فِي الْخَادِمِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: فِي كَوْنِ الْمُقَارَنَةِ مَكْرُوهَةً، الثَّانِي: تَفْوِيتُهَا فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ الْبَغَوِيُّ وَتَابَعَهُ الروياني، وَكَلَامُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَأَمَّا الثَّانِي فَعِبَارَةُ التَّهْذِيبِ: إِذَا أَتَى بِالْأَفْعَالِ مَعَ الْإِمَامِ يُكْرَهُ، وَتَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَلَكِنْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ.
وَقَالَ ابن الأستاذ: فِي هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْأَوْلَوِيَّةِ مَعَ أَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ التَّاجُ الفزاري: فِي كَلَامِ الْبَغَوِيِّ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ حَكَمَ بِفَوَاتِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ وَتَبِعَهُ أَيْضًا السبكي، وَصَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ والبارزي فِي تَوْضِيحِهِ الْكَبِيرِ، قَالَ الزركشي: وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الصِّحَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الثَّوَابَ بِدَلِيلِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ، وَالدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَإِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ، وَالْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ لَا يُنَاقِضُ حُصُولَهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، فَالِاقْتِدَاءُ صَحِيحٌ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ لَا ثَوَابَ فِيهَا قَالَ: وَمِمَّا يَشْهَدُ لِانْفِكَاكِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ، الْمَسْبُوقُ يُدْرِكُ الْإِمَامَ بَعْدَ الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنَّهُ فِي جَمَاعَةٍ قَطْعًا ; لِأَنَّ اقْتِدَاءَهُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَّا لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي حُصُولِ الْفَضِيلَةِ لَهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ صَلَاةٍ لَا تُسْتَحَبُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ كَصَلَاةِ الْعُرَاةِ جَمَاعَةً، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا ثَوَابَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ.
قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ النووي نَفَى فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ أَيْ ثَوَابَهَا، وَلَمْ يَقُلْ: بَطَلَتِ الْجَمَاعَةُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ بَاقِيَةٌ وَأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِي ; لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ السَّهْوَ وَغَيْرَهُ قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ، كَيْفَ غَفَلُوا عَنْ هَذَا وَتَتَابَعُوا عَلَى هَذَا الْفَسَادِ وَأَنَّ فَوَاتَ الْفَضِيلَةِ يَسْتَلْزِمُ الْخُرُوجَ عَنِ الْمُتَابَعَةِ؟
стр. 61
وَهَذَا عَجَبٌ مِنَ الْقَوْلِ مَعَ وُضُوحِ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ بَقَاءِ الْجَمَاعَةِ وَصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مَعَ انْتِفَاءِ الثَّوَابِ فِي مَا لَا يُحْصَى، قَالَ: وَأَمَّا جَزْمُ الْبَارِزِيِّ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فَأَعْجَبُ ; لِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ مَكْرُوهَةٌ، وَالْمَكْرُوهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ مَعَ ذَلِكَ حُصُولُ الثَّوَابِ؟ .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْخِلَافِ فِيمَنْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ الْجَمَاعَةِ: إِنَّا وَإِنْ حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ، قَالَ الزركشي: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمُقَارَنَةِ جَرَى مِثْلُهُ فِي سَبْقِ الْإِمَامِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، بَلْ يَجْرِي أَيْضًا فِي الْمُسَاوَاةِ مَعَهُ فِي الْمَوْقِفِ ; فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ حَيْثُ فَعَلَ مَكْرُوهًا فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَأْمُومِ، فَاتَتْهُ فَضِيلَتُهَا إِذِ الْمَكْرُوهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَكَذَا لَوِ اقْتَدَى بِإِمَامٍ مُحْدِثٍ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِحَدَثِهِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ، وَإِنْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، انْتَهَى كَلَامُ الْخَادِمِ بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ تَحْصُلُ مِنْ هَذَا صُوَرٌ مَنْقُولَةٌ تَسْقُطُ فِيهَا الْفَضِيلَةُ مَعَ الصِّحَّةِ، بَعْضُهَا لِلْكَرَاهَةِ وَبَعْضُهَا لِلتَّحْرِيمِ، وَبَعْضُهَا لِعَدَمِ الطَّلَبِ.
فَمِنَ الْأَوَّلِ الْمُسَابَقَةُ، وَالْمُقَارَنَةُ، وَالْمُفَارَقَةُ وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْمَوْقِفِ، وَمِنَ الثَّانِي صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، وَمِنَ الثَّالِثِ صَلَاةُ الْعُرَاةِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِمَسْأَلَةِ الْمُسَاوَاةِ أَيْضًا الْحَافِظُ ابن حجر، فَقَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْأَصْلُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ، إِلَّا إِنْ ضَاقَ الْمَكَانُ، أَوْ كَانُوا عُرَاةً، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تُجْزِئُ، وَلَكِنْ تَفُوتُ الْفَضِيلَةُ.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا ابن العماد فِي الْقَوْلِ التَّمَامِ، وَعَلَّلَهُ بِارْتِكَابِ الْمَكْرُوهِ، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مُعَبِّرًا بِقَوْلِهِ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْكَرَاهَةِ سُقُوطُ الْفَضِيلَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُقَارَنَةِ، ثُمَّ قَالَ الزركشي عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُفَارَقَةِ: حَيْثُ جَوَّزْنَا لَهُ الْمُفَارَقَةَ، فَهَلْ يَبْقَى لِلْمَأْمُومِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَدْرَكَهَا؟ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الصيرفي الْبَقَاءُ، وَكَلَامُ الْمُهَذَّبِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ عَنِ الْبَغَوِيِّ مِنْ تَفْوِيتِ الْفَضِيلَةِ بِالْمُقَارَنَةِ ; فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الصِّحَّةِ، فَلَأَنْ تَفُوتَ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْبُطْلَانِ أَوْلَى ثُمَّ قَالَ: وَالْمُتَّجَهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ ابن العماد فِي الْقَوْلِ التَّمَامِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الصِّحَّةِ فَفِي الِاخْتِلَافِ فِي الْبُطْلَانِ أَوْلَى فَوَاتِهَا أَيْضًا فِي الْمُنْفَرِدِ وَخَلْفَ الصَّفِّ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أحمد بُطْلَانُهَا، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَنَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطيب عَنِ ابن المنذر، وَالْحُمَيْدِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ السبكي وَغَيْرُهُ: وَدَلِيلُهُمْ قَوِيٌّ، وَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَقَالُوا: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ وابصة
стр. 62
لَقُلْتُ بِهِ وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ والحاكم وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، ثُمَّ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي تَقْرِيرِهِ الْجَوَابَ عَنْ حَدِيثِ أبي بكرة، وَقَدْ وَرَدَ أَثَرٌ فِي سُقُوطِ الْفَضِيلَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِعَيْنِهَا أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُسْتَدِلًّا بِهِ - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعِيَّةِ - فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبراهيم فِيمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَقَالَ: صَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَيْسَ لَهُ تَضْعِيفٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ لَهُ الْمُضَاعَفَةُ إِلَى بِضْعٍ وَعِشْرِينَ الَّذِي هُوَ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَدَاءِ خَلْفَ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ: الْأَوْلَى الِانْفِرَادُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَإِذَا كَانَ الْأَوْلَى الِانْفِرَادَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، فَهَذِهِ صُورَةٌ أُخْرَى، وَقَالَ الْحَافِظُ ابن حجر وَالشَّيْخُ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي مَسْأَلَةِ الِاقْتِدَاءِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ: صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْكَرَاهَةِ سُقُوطُ الْفَضِيلَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُقَارَنَةِ، فَهَذِهِ صُورَةٌ ثَامِنَةٌ، وَرَأَيْتُ الشَّيْخَ جلال الدين يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَتِ الْكَرَاهَةُ سَقَطَتِ الْفَضِيلَةُ، كَمَا لَا يَخْفَى ذَلِكَ مِنْ عِبَارَتِهِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ لِلْكَرَاهَةِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، قَوْلُهُمْ بِجَوَازِ التَّخَطِّي فِي مِثْلِهَا، مَعَ أَنَّ أَصْلَ التَّخَطِّي مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَحَرَامٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وَاخْتَارَهُ النووي لِلْأَحَادِيثِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا مَا أُبِيحَ لَهُ مَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً مَعَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ " (فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ) ، وَمِمَّا يُؤْنِسُكَ بِهَذَا أَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ أَنَّ مَا كَانَ مَمْنُوعًا إِذَا جَازَ وَجَبَ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ نَفِيسَةٌ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى إِيجَابِ الْخِتَانِ، فَإِنَّ قَطْعَ جُزْءٍ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، فَلَمَّا جَازَ كَانَ وَاجِبًا، وَتَقْرِيرُهُ هُنَا أَنَّ التَّخَطِّيَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إِمَّا تَحْرِيمًا أَوْ كَرَاهَةً، فَلَمَّا جَازَ بَلْ طُلِبَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي حُصُولِ الْفَضِيلَةِ وَالتَّضْعِيفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي ذَاتِهِ، إِذْ لَا يَأْثَمُ تَارِكُهُ وَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ بَرَكَةِ الْجَمَاعَةِ وَفَضِيلَتِهَا، فَفِي الْخَادِمِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الْأَخِيرَةِ ذَكَرُوا أَنَّ كَلَامَ الرافعي فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ بَرَكَةَ الْجَمَاعَةِ أَمْرٌ غَيْرُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ الْبَرَكَةَ هِيَ الَّتِي تَحْصُلُ لِهَذَا دُونَ الْفَضِيلَةِ، قَالَ: وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَنَاقُضٍ أَوْ إِشْكَالٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذِكْرِ حِكْمَةِ هَذَا الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ فِي الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ الْفَرْقَ بَيْنَ بَرَكَةِ الْجَمَاعَةِ وَفَضِيلَتِهَا، قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: ذَكَرَ المحب الطبري أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ
стр. 63
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ إِلَى آخِرِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ عَلَيْهِ لِلتَّضْعِيفِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا رُتِّبَ عَلَى مَوْضُوعَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا يُوجَدُ بِوُجُودِ بَعْضِهَا إِلَّا إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إِلْغَاءِ مَا لَيْسَ مُعْتَبَرًا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى فَالْأَخْذُ بِهَا مُتَوَجِّهٌ وَالرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ لَا تُنَافِيهَا بَلْ تُحْمَلُ عَلَيْهَا، قَالَ: وَقَدْ نَقَّحْتُ الْأَسْبَابَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلدَّرَجَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَإِذَا هِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فِي السِّرِّيَّةِ، وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، أَوَّلُهَا إِلَى الْخَامِسِ: إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسْجِدِ بِالسَّكِينَةِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ دَاعِيًا، وَصَلَاةُ التَّحِيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ، كُلُّ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، سَادِسُهَا: انْتِظَارُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الطَّاعَةِ، سَابِعُهَا: صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ، ثَامِنُهَا: شَهَادَتُهُمْ لَهُ، تَاسِعُهَا: إِجَابَةُ الْإِقَامَةِ، عَاشِرُهَا: السَّلَامَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ حِينَ يَفِرُّ عِنْدَ الْإِقَامَةِ، حَادِيَ عَشَرَهَا: الْوُقُوفُ مُنْتَظِرًا إِحْرَامَ الْإِمَامِ وَالدُّخُولُ مَعَهُ فِي أَيِّ هَيْئَةٍ وَجَدَهُ عَلَيْهَا، ثَانِيَ عَشَرَهَا: إِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ثَالِثَ عَشَرَهَا: تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَسَدُّ فُرَجِهَا، رَابِعَ عَشَرَهَا: جَوَابُ الْإِمَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، خَامِسَ عَشَرَهَا: الْأَمْنُ مِنَ السَّهْوِ غَالِبًا وَتَنْبِيهُ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا بِالتَّسْبِيحِ وَالْفَتْحِ عَلَيْهِ، سَادِسَ عَشَرَهَا: حُصُولُ الْخُشُوعِ وَالسَّلَامَةُ مِمَّا يُلْهِي غَالِبًا، سَابِعَ عَشَرَهَا: تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ غَالِبًا، ثَامِنَ عَشَرَهَا: إِحْفَافُ الْمَلَائِكَةِ، تَاسِعَ عَشَرَهَا: التَّدْرِيبُ عَلَى تَجْوِيدِ الْقِرَاءَةِ، وَتَعَلُّمُ الْأَرْكَانِ وَالْأَبْعَاضِ، الْعِشْرُونَ: إِظْهَارُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: إِرْغَامُ الشَّيْطَانِ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَشَاطِ الْمُتَكَاسِلِ، الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: السَّلَامَةُ مِنْ صِفَةِ النِّفَاقِ وَمِنْ إِسَاءَةِ غَيْرِهِ بِهِ الظَّنَّ بِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ رَأْسًا، الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ، الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الِانْتِفَاعُ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَعَوْدُ بَرَكَةِ الْكَامِلِ مِنْهُمْ عَلَى النَّاقِصِ، الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قِيَامُ نِظَامِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ وَحُصُولُ تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ. وَتَزِيدُ الْجَهْرِيَّةُ بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَالِاسْتِمَاعِ لَهَا وَالتَّيَامُنِ عِنْدَ تَأْمِينِهِ، قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِصَاصُ التَّضْعِيفِ بِالتَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِلَّا تَسْقُطُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَهِيَ: الْمَشْيُ وَالدُّخُولُ وَالتَّحِيَّةُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَى خَصْلَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ غَيْرُ مَنْفَعَةِ عَوْدِ بَرَكَةِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ، وَكَذَا فَائِدَةُ قِيَامِ الْأُلْفَةِ غَيْرُ فَائِدَةِ حُصُولِ التَّعَاهُدِ، وَكَذَا فَائِدَةُ أَمْنِ
стр. 64
الْمَأْمُومِينَ مِنَ السَّهْوِ غَالِبًا غَيْرُ تَنْبِيهِ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ هَذِهِ فَيَحْصُلَ الْمَطْلُوبُ، قَالَ: وَلَا يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ بَعْضِ الْخِصَالِ تَخْتَصُّ بِبَعْضِ مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً دُونَ بَعْضٍ، كَالتَّكْبِيرِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ وَانْتِظَارِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِقَاصِدِهِ بِمُجَرَّدِ الْجَمَاعَةِ وَانْتِظَارِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِقَاصِدِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ، إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَالْإِخْلَالُ بِسَدِّ الْفُرْجَةِ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ التَّضْعِيفُ الْمَذْكُورُ قَطْعًا لِأَنَّهُ خَصْلَةٌ مِنَ الْخِصَالِ الْمُقَابَلَةِ بِدَرَجَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ يَسْقُطُ بِسَبَبِهِ خِصَالٌ أُخَرُ كَالسَّلَامَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ ; لِتَصْرِيحِ الْحَدِيثِ بِتَخَلُّلِ الشَّيْطَانِ بَيْنَهُمْ، وَإِحْفَافِ الْمَلَائِكَةِ لِعَدَمِ مُجَامَعَتِهِمْ لِلشَّيَاطِينِ، وَصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي وُرُودَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ، وَقِيَامِ نِظَامِ الْأُلْفَةِ لِإِخْبَارِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يُورِثُ مُخَالَفَةَ الْقُلُوبِ، وَعَوْدِ بَرَكَةِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ لِذَلِكَ أَيْضًا، وَعَدَمِ الْأَمْنِ مِنَ السَّهْوِ غَالِبًا، وَعَدَمِ إِرْغَامِ الشَّيْطَانِ، وَعَدَمِ الْخُشُوعِ لِوَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ الْمُتَخَلِّلَةِ، فَهَذِهِ عَشْرُ خِصَالٍ تَفُوتُ بِعَدَمِ سَدِّ الْفُرْجَةِ فَيَفُوتُ بِسَبَبِهَا عَشْرُ دَرَجَاتٍ.
فَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ عَدَمُ التَّبْكِيرِ وَالِانْتِظَارِ وَالْوُقُوفِ مُنْتَظِرًا إِحْرَامَ الْإِمَامِ وَإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إِذِ الْمُقَصِّرُ فِي سَدِّ الْفُرْجَةِ مَعَ سُهُولَتِهَا أَقْرَبُ إِلَى التَّقْصِيرِ فِي الْمَذْكُورَاتِ، وَأَبْعَدُ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَمِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ عَادَةً بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا سَقَطَ خَمْسَةٌ أُخْرَى، وَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ بُعْدُهُ عَنِ الْإِمَامِ وَتَرَاخِي الصَّفِّ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ عَنْ سَدِّ الْفُرْجَةِ تَسْقُطُ خَصْلَتَانِ وَهِيَ تَنْبِيهُ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا وَالِاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ فَيَصِيرُ الْحَاصِلُ لَهُ فِي الْجَهْرِيَّةِ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَفِي السِّرِّيَّةِ تِسْعٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أوس المعافري أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَرَأَيْتَ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى فِي بَيْتِهِ؟ قَالَ: حَسَنٌ جَمِيلٌ، قَالَ: فَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ عَشِيرَتِهِ، قَالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً، قَالَ: فَإِنْ مَشَى إِلَى مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ فَصَلَّى فِيهِ، قَالَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ.
وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْجَمَاعَةَ الْكَامِلَةَ يَحْصُلُ فِيهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَالْجَمَاعَةَ الَّتِي فِيهَا خَلَلٌ يَحْصُلُ فِيهَا هَذَا الْعَدَدُ، لَكِنَّ دَرَجَاتِ الْأَوَّلِ أَعْظَمُ وَأَكْمَلُ كَمَا قِيلَ فِي بَدَنَةِ الْمُبَكِّرِ إِلَى الْجُمُعَةِ، حَيْثُ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْآتِي أَوَّلَ السَّاعَةِ وَآخِرَهَا، وَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِتَفْسِيرِ مَعَانِي كَلَامِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَأَيْضًا فَالْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ الدَّرَجَةِ
стр. 65
أَوِ الْجُزْءِ حُصُولُ مِقْدَارِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لِلْمُجَمِّعِ كَمَا رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابن دقيق العيد ; لِأَنَّهُ وَرَدَ مُبَيَّنًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ: ( «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» ) ، قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تُضَعَّفُ؛ لِأَنَّ الضِّعْفَ كَمَا قَالَ الأزهري الْمِثْلُ إِلَى مَا زَادَ، فَالتَّفَاوُتُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَعُ بِزِيَادَةِ عَدَدِ الْمِثْلِ وَنُقْصَانِهِ لَا بِارْتِفَاعِهِ وَانْحِطَاطِهِ بِخِلَافِ الْبَدَنَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا مِمَّا تَقْبَلُ الْعِظَمَ وَالْخِسَّةَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ أَوْرَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَيْضًا تَتَفَاوَتُ بِالْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ، فَقُلْتُ: الْمُرَادُ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا بِعَيْنِهَا فِي الْجَمَاعَةِ تُحَصِّلُ لَهُ مِثْلَ مَا لَوْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نِهَايَةِ الْكَمَالِ أَمْ لَا، فَنُقْصَانُ سَدِّ الْفُرَجِ وَنَحْوِهِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى نُقْصَانِ أَصْلِ الصَّلَاةِ قَطْعًا، وَأَوْرَدَ أَنَّ كَلَامَ ابن عمرو مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ اجْتِهَادًا فَلَا يُقَلَّدُ فِيهِ، وَلَوْ قَالَهُ مَرْفُوعًا لَتَمَّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَقُلْتُ: هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ إِذْ هُوَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ الَّتِي لَا تُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، وَأَوْرَدَ أَنَّ الْآتِيَ وَلَا فُرْجَةَ فِي الصَّفِّ يُؤْمَرُ بِجَذْبِ رَجُلٍ وَيُؤْمَرُ ذَاكَ بِمُسَاعَدَتِهِ فَيَصِيرُ فِي الصَّفِّ فُرْجَةٌ، فَقُلْتُ: هَذَا لِلضَّرُورَةِ وَلِدَفْعِ مَا هُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَإِحْرَازًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى بُطْلَانَهَا [قَالَ الشمس الداودي: قَالَ مُؤَلِّفُهُ شَيْخُنَا: وَكَانَتْ هَذِهِ الْفَتْوَى وَالتَّأْلِيفُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ: لَوْ سَافَرَ رَجُلَانِ شَافِعِيٌّ وَحَنَفِيٌّ فِي مُدَّةِ قَصْرٍ، ثُمَّ نَوَى الْحَنَفِيُّ الْإِقَامَةَ، يَعْنِي إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. . . فِي مَوْضِعٍ فِي طَرِيقِهِ فَإِنَّهُ لَا. . . سَفْرَةَ فِي مَذْهَبِهِ وَيَنْقَطِعُ. . . مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَشَرَعَ فِي صَلَاةٍ مَقْصُورَةٍ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي.
الْجَوَابُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابن قاسم فِي حَاشِيَةِ التُّحْفَةِ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْتَقِدُ عَدَمَ انْعِقَادِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ، وَالْمُقِيمُ إِذَا نَوَى الْقَصْرَ لَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ فَلَمْ يَنْتَفِ الْأَشْكَالُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْحَنَفِيَّ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ لِاعْتِقَادِهِ الْجَوَازَ، وَنِيَّةُ الْقَصْرِ جَهْلًا لَا تَضُرُّ، وَهَذَا
стр. 66
الْجَوَابُ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ الْمُقِيمَ لَا يَضُرُّهُ نِيَّةُ الْقَصْرِ مَعَ الْجَهْلِ فَلْيُرَاجَعْ، انْتَهَى مَا أَوْرَدَهُ ابن قاسم.
وَأَقُولُ قَدْ أَجَابَ الشَّيْخُ ابن حجر فِي التُّحْفَةِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ جِنْسُ الْقَصْرِ جَائِزًا اغْتُفِرَ نِيَّةُ الْإِمَامِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ. . . لِمُرُورِهِ فِي. . . إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ فَإِحْرَامُهُ بِالصَّلَاةِ صَحِيحٌ فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً.
[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ صَلَّى الْجُمُعَةَ إِمَامًا فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِالْفَاتِحَةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف: ٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] أَرْبَعَ آيَاتٍ فَهَلْ يَكُونُ هَذَا تَطْوِيلًا تُكْرَهُ بِهِ الصَّلَاةُ؟ وَهَلْ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ لِأَجْلِ قِرَاءَتِهِ بِغَيْرِ سُورَتَيِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ؟ وَهَلْ تَكُونُ هَذِهِ الصَّلَاةُ مَكْرُوهَةً؟ .
الْجَوَابُ: لَيْسَ هَذَا هُوَ التَّطْوِيلَ الْمَكْرُوهَ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُنْتَهَى الْكَمَالِ لِلْمُنْفَرِدِ فَمَا فَوْقَهُ كَسِتِّينَ آيَةً فَصَاعِدًا، وَقَدْ وَرَدَ: لَا يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِدُونِ عِشْرِينَ آيَةً وَلَا فِي الْعِشَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ، وَالْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى مِنَ الْعِشَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ الْكَرَاهَةُ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ فَصَلَّاهَا هَلْ تَصِحُّ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ تَصِحُّ لِأَنَّ لَهَا سَبَبًا قِيَاسًا عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَعَلَى صِحَّةِ التَّحِيَّةِ لِلدَّاخِلِ حَالَةَ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ شَيْخُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ علم الدين البلقيني أَخْذًا مِنْ قَوْلِ وَالِدِهِ فِي التَّدْرِيبِ: وَمِنَ الصَّلَاةِ الْمُحَرَّمَةِ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ لِلدَّاخِلِ حَالَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالتَّنَفُّلُ لِغَيْرِ الدَّاخِلِ، فَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: وَالتَّنَفُّلُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ أَنَّ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ الْمَفْرُوضَةِ لَا يَحْرُمُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ سراج الدين العبادي، وَخَالَفَهُمَا شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ شرف الدين المناوي فَأَفْتَى بِالْمَنْعِ وَالْبُطْلَانِ، وَتَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَذْرَعِيَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا أَفْتَى بِهِ
стр. 67
شَيْخُنَا البلقيني مِنَ الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ وَنَقَلَهُ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي والجرجاني فِي الشَّافِي.
مَسْأَلَةٌ:
يَا مَنْ لِأَهْوَاءِ الْجَهَالَةِ مُذْهِبُ ... وَلِحُلَّةِ الْفُقَهَا طِرَازٌ مُذْهَبُ
يَا مَنْ لَهُ فَهْمٌ تَفَرَّدَ فِي الْوَرَى ... يَا مَنْ إِلَيْهِ جَاءَ يَسْعَى الْمَذْهَبُ
يَا مَنْ بِتَحْرِيرِ الْمَقَالَةِ قَدْ حَوَى ... فَضْلًا بِبَهْجَتِهِ نَلَذُّ وَنَطْرَبُ
يَا عُمْدَةً فِي مَذْهَبِ الْحَبْرِ الرَّضِيِّ ... الشَّافِعِيِّ هُوَ الْإِمَامُ الْمُطْنِبُ
مَا قَوْلُكُمْ فِي أَرْبَعِينَ لِجُمُعَةٍ ... حَضَرُوا كَذَاكَ بِخُطْبَةٍ إِذْ تُخْطَبُ
وَالْبَعْضُ مِنْهُمْ يَجْهَلُونَ كِلَيْهِمَا ... وَالْبَعْضُ مِنْهُمْ عَالِمٌ وَمُهَذَّبُ
مَاذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي كِلْتَيْهِمَا ... أَنْتَ الْمُرَادُ لَهَا وَأَنْتَ الْمَطْلَبُ
وَصَلَاةُ عِيدٍ إِنْ قَضَاهَا مَنْ وَفَى ... تَكْبِيرَهُ لِقَضَائِهَا هَلْ يُنْدَبُ
ثُمَّ الطَّوَافُ وُجُوبُ نِيَّتِهِ عَلَى ... مَنْ رَامَهَا حَقًّا فَهَلْ تَتَرَتَّبُ
نَرْجُو الْجَوَابَ عَنِ الثَّلَاثِ مُعَلِّلًا ... وَيَكُونُ ذَلِكَ وَاضِحًا يُسْتَعْذَبُ
أَبْقَاكَ رَبُّكَ ذَاهِنًا يَا مَنْ لَنَا ... وَبَلُ النَّدَى مِنْهُ رَوَى إِذْ نُجْدِبُ
وَجَنَى الْجِنَانِ إِلَيْكَ يُدْنِيهِ وَعَنْ ... رُؤْيَاهُ فِي دَارِ الْبَقَا لَا يُحْجَبُ
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ يَقْرُبُ ... لِجَنَابِهِ يَحْظَى بِهِ وَيُقَرَّبُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الَّذِي كَلُّ الْوَرَى ... وَالرُّسْلِ فِي حَشْرٍ إِلَيْهِ تُرَغِّبُ
إِنْ أَرْبَعُونَ نَوَوْا إِقَامَةَ جُمْعَةٍ ... كُلٌّ إِلَى جَهْلِ الْقِرَاءَةِ يُنْسَبُ
صَحَّتْ وَلَوْ فِي بَعْضِهِمْ أُمِّيَّةٌ ... مَا لَمْ يَؤُمَّهُمُ الْجَهُولُ الْمُتْعَبُ
أَوْ كُلُّهُمْ جَهِلُوا الْخَطَابَةَ أَلْغِهَا ... مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ فَرِيدٌ يَخْطُبُ
وَالْفَرْقُ أَنَّ إِمَامَةَ الْأُمِّيِّ بِمَنْ ... سَاوَى تَصِحُّ وَفَوْقَهُ لَا تُحْسَبُ
وَصَلَاتُهَا دُونَ الْخَطَابَةِ لَا تَصِحُّ ... وَبَعْدَهَا صَحَّتْ وَلَوْ لَمْ يُعْرِبُوا
وَصَلَاةُ عِيدٍ قَدْ قَضَى لَمَّا مَضَتْ ... أَيَّامُهَا تَكْبِيرُهَا لَا يُنْدَبُ
وَطَوَافُ فَرْضٍ لَا احْتِيَاجَ لِنِيَّةٍ ... أَمَّا التَّطَوُّعُ وَالْوَدَاعُ فَأَوْجَبُوا
стр. 68
إِذْ نِيَّةُ الْإِحْرَامِ شَامِلَةٌ لَهُ ... فَلَهُ غِنًى عَنْهَا كَمَا قَدْ رَتَّبُوا
وَالنَّذْرُ حُكْمُ النَّفْلِ قَطْعًا وَاغْتَنَى ... عَنْهَا الْقُدُومُ فَلَيْسَ فِيهِ تَطَلُّبُ
هَذَا جَوَابُ ابن السيوطي سَائِلًا ... مِنْ رَبِّهِ الْغُفْرَانَ عَمَّا يُذْنِبُ
مَسْأَلَةٌ: فِي الرَّوْضَةِ الْمُقَابِلَةِ لِمِصْرَ الْعَتِيقَةِ هَلْ هِيَ بَلَدٌ مُسْتَقِلٌّ فَلَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِهَا إِلَّا بِأَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِهَا الْقَاطِنِينَ بِهَا أَمْ هِيَ فِي حُكْمِ مِصْرٍ.
الْجَوَابُ: هِيَ بَلَدٌ مُسْتَقِلٌّ فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْجُمُعَةُ إِلَّا بِأَرْبَعِينَ قَاطِنِينَ بِهَا، وَقَدْ كَانَتْ فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ مَشْهُورَةً بِذَلِكَ وَلَهَا وَالٍ وَقَاضٍ مُخْتَصٌّ بِهَا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ الْخَطِيبُ حَنَفِيًّا لَا يَرَى صِحَّةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا فِي السُّورِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ وَيَؤُمَّ فِي الْقَرْيَةِ، وَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ؟ .
الْجَوَابُ: الْعِبْرَةُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْجُمُعَةِ خَلْفَ حَنَفِيٍّ وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ لَا سُورَ لَهَا إِذَا حَضَرَ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ.
[اللُّمْعَةُ فِي تَحْرِيرِ الرَّكْعَةِ لِإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ الْمُحَقِّقُ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السبكي بِقَوْلِهِ: إِنَّ شَرْطَ إِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِرُكُوعِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَسْتَمِرَّ الْإِمَامُ إِلَى السَّلَامِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ مُفَارَقَةُ الْإِمَامِ إِذَا أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ إِثْرَ السُّجُودِ الثَّانِي، وَأَفْتَى بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، فَعَلَامَ يَعْتَمِدُ الْمُقَلِّدُ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَعَنَّا.
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهَا، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ كَثِيرِينَ اشْتِرَاطُ الِاسْتِمْرَارِ إِلَى السَّلَامِ، وَمِنْ كَلَامِ آخَرِينَ خِلَافُهُ، وَهَا أَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا فَأَقُولُ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ الثَّلَاثَةِ الرافعي والنووي وابن الرفعة اشْتِرَاطُ الِاسْتِمْرَارِ إِلَى السَّلَامِ حَيْثُ عَبَّرُوا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، الرافعي فِي شَرْحَيْهِ، والنووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْمِنْهَاجِ، وابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ، بِقَوْلِهِمْ صَلَّى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَةً أَضَافَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ
стр. 69
الْإِمَامُ قَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِذِكْرِ بُعْدِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ لَا لِلتَّقْيِيدِ لَكِنْ يَدْفَعُهُ عَدَمُ ذِكْرِ الشِّقِّ الْآخَرِ وَهُوَ مَا لَوْ فَارَقَ قَبْلَ السَّلَامِ مَا حُكْمُهُ؟ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُهُ الْإِدْرَاكَ لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ لِيُعَرِّفُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ، وَكَذَا قَالَ ابن الرفعة فِي مَسْأَلَةِ الْمَزْحُومِ إِذَا رَاعَى تَرْتِيبَ نَفْسِهِ عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ إِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مَعَهُ، وَتُدْرَكُ الْجُمُعَةُ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى.
وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ: الْمُرَادُ بَإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَنْ يُحْرِمَ الْمَأْمُومُ وَيَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَيَجْتَمِعَانِ فِي جُزْءٍ مِنْهُ وَيُتَابِعُ الْإِمَامَ إِلَى أَنْ يُتِمَّ، وَقَالَ الرافعي: الْمُرَادُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ أَنْ يُدْرِكَهُ فِيهِ وَيُتَابِعَهُ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَرْكَانِ.
فَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ كُلُّهَا ظَاهِرَةٌ فِي اعْتِبَارِ الِاسْتِمْرَارِ إِلَى السَّلَامِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُفَارَقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الإسنوي وَجَوَّزَهَا قَبْلَ السَّلَامِ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمَشَايِخِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا مَسْأَلَةَ الْمُفَارَقَةِ مُرِيدِينَ بِهَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِقَرِينَةٍ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَاهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الرَّافِعِيُّ والنووي فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِخْلَافِ، وابن الرفعة فِي مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ خَاصٌّ بَإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ وَاشْتَرَطَ الِاسْتِمْرَارَ إِلَى السَّلَامِ الشَّيْخُ تقي الدين السبكي، والكمال الدميري فِي شَرْحَيْهِمَا عَلَى الْمِنْهَاجِ، وَعِبَارَةُ السبكي والدميري هَذَا إِذَا كَمَّلَهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَةً - هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِهِ: وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إِلَى أَنْ سَلَّمَ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ وَالتَّصْوِيرَ لِأَجْلِ صُورَةِ الْكِتَابِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَإِلَّا لَبَيَّنَ حُكْمَ الْقِسْمِ الْآخَرِ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَوَّلِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ وَعَادَةُ الشُّرَّاحِ قَبْلَهُ، وَإِلَّا لَكَانَ زِيَادَةَ إِبْهَامٍ اسْتِمْرَارًا عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ مِنَ الْإِيهَامِ، وَإِنْ نَظَرْتَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ وَجَدْتَهُ يُؤَيِّدُ الِاشْتِرَاطَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجُمُعَةِ أَنْ لَا يُصَلَّى شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ، خَرَّجَ صُورَةَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً بِالْحَدِيثِ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ حُصُولِ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، وَالتَّشَهُّدُ وَالسَّلَامُ دَاخِلَانِ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النُّصُوصَ وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالصُّبْحَ وَالْعِيدَ وَنَحْوَهَا رَكْعَتَانِ، وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ آخِرَ الرَّكَعَاتِ الْفَرَاغُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَنَّ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَيْهَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا إِخْرَاجُ ذَلِكَ عَنْ مُسَمَّى الصَّلَاةِ، وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي التَّشَهُّدِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي السَّلَامِ، وَإِمَّا دَعْوَى أَنَّ الصَّلَاةَ رَكْعَتَانِ وَشَيْءٌ أَوْ أَرْبَعٌ وَشَيْءٌ أَوْ ثَلَاثٌ وَشَيْءٌ وَهُوَ أَمْرٌ يَنْبُو عَنْهُ السَّمْعُ وَيَأْبَاهُ حَمَلَةُ الشَّرْعِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ
стр. 70
وَاتِّفَاقَ الْمَذْهَبِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْوَتْرَ رَكْعَةٌ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ، فَدَعْوَى أَنَّهُمَا خَارِجَانِ عَنْ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، إِذِ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْمَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ مُنْصَبًّا عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلَا يَخْرُجُ بَعْضُهَا عَنْ إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَنُصُّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُقَالُ فِي إِخْرَاجِهِمَا عَنْ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ الْقِيَاسُ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَعْقُبُهَا الشُّرُوعُ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى فَوَجَبَ كَوْنُهَا آخِرَ الرَّكْعَةِ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ يَعْقُبُهُ رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ فَصَحَّ جَعْلُهُ فَاصِلًا بَيْنَ مَا سَبَقَ وَمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا الرَّكْعَةُ الْأَخِيرَةُ فَلَا يَعْقُبُهَا شُرُوعٌ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَشَهُّدُهَا جُزْءًا مِنْهَا دَاخِلًا فِي مُسَمَّاهُ، وَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ فَاصِلًا إِذْ لَا شَيْءَ يَفْصِلُهُ مِنْهَا.
الرَّابِعُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بِدْعَ أَنْ يَزِيدَ بَعْضُ الرَّكَعَاتِ عَلَى بَعْضٍ بِأَرْكَانٍ وَسُنَنٍ، فَكَمَا أَنَّ الْأُولَى زَادَتْ مِنَ الْأَرْكَانِ بِالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ، وَمِنَ السُّنَنِ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ وَبِالتَّعَوُّذِ عَلَى رَأْيٍ مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ، فَكَذَلِكَ زَادَتِ الثَّانِيَةُ بِالتَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ وَبِالْقُنُوتِ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ.
الْخَامِسُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ هَلْ هِيَ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ أَوْ فَاصِلَةٌ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ؟ عَلَى أَوْجُهٍ حَكَاهَا ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِيهَا، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا مِنَ الْأُولَى فَالصَّلَاةُ قَضَاءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنَ الْوَقْتِ، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ أَوْ فَاصِلَةٌ فَأَدَاءٌ، فَانْظُرْ كَيْفَ لَمْ يَجْزِمُوا بِأَنَّ آخِرَ الْأُولَى السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ نَظِيرُ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، بَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَلَا يَحْسُنُ فِيهِ خِلَافُ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ؛ لِأَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ تَعْقُبُهَا رَكْعَةٌ فَيَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ فَاصِلًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا، وَلَا رَكْعَةَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مِنْ غَيْرِ الرَّكْعَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، إِذْ لَا شَيْءَ بَعْدَهُ تُجْعَلُ مِنْهُ أَوْ فَاصِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
السَّادِسُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : ( «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» ) أَيْ أَدَاءً لَا يَكْتَفِي فِيهِ بِالْفَرَاغِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْفَرَاغِ مِنَ الْجِلْسَةِ بَعْدَهَا إِنْ جَلَسَهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ مَرْجُوحٌ، فَكَذَا حَدِيثُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ لَا يَكْتَفِي فِيهِ بِالْفَرَاغِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْفَرَاغِ مِنَ الْجُلُوسِ بَعْدَهَا لِمَا قَطَعْنَا بِهِ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الرَّكْعَةِ.
السَّابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ : ( «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى» ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أُخْرَى، صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ
стр. 71
رَكْعَةً أُخْرَى، وَالرَّكْعَةُ الَّتِي تُصَلَّى مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ وَقَدْ سَمَّاهَا رَكْعَةً فَوَجَبَ دُخُولُهُمَا فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، فَإِنْ قِيلَ: يُقَدَّرُ فِي الْحَدِيثِ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَيَضُمَّ إِلَيْهَا التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ، قُلْنَا: هَذَا تَقْرِيرُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ.
الثَّامِنُ: لَفْظُ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنَّ الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ يُصَلُّونَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً دَلِيلٌ أَنَّ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ دَاخِلَانِ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، فَإِنَّهَا تَتَشَهَّدُ مَعَهُ وَتُسَلِّمُ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً فَإِنَّ الْأُولَى تَتَشَهَّدُ مَعَهُ وَالثَّانِيَةَ كَذَلِكَ وَتُسَلِّمُ مَعَهُ.
وَالتَّاسِعُ: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ: فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّشَهُّدَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ حَيْثُ جَعَلُوا الرَّكْعَةَ ظَرْفًا لِلتَّشَهُّدِ فَيَكُونُ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ زَائِدًا عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ الظَّرْفُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَهَا لَا فِيهَا، فَقَوْلُهُمْ: تَشَهَّدَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَقَوْلِهِمْ تَجِبُ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ قَطْعًا.
الْعَاشِرُ: قَوْلُهُ ﷺ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ إِنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَةً ثُمَّ فَصَّلَهَا، خَمْسَ عَشْرَةَ فِي الْقِيَامِ، وَعَشْرٌ فِي الرُّكُوعِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَشْرٌ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَشْرٌ فِي التَّشَهُّدِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَالتَّشَهُّدَ بَعْضٌ مِنَ الرَّكْعَةِ وَدَاخِلَانِ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ كَانَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسٌ وَسِتُّونَ وَالْبَاقِي مَزِيدٌ عَلَى الرَّكْعَةِ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: ( «يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْقِرَاءَةُ فَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اجْلِسْ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَقُلْهَا عَشْرًا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ» ) - أَخْرَجَهُ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، والحاكم، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، فَإِنْ قِيلَ: الْأَرْجَحُ أَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ فَاصِلَةٌ لَا مِنَ الْأُولَى وَلَا مِنَ الثَّانِيَةِ. قُلْتُ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْجَلْسَةَ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ لَيْسَتْ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ بَلْ جِلْسَةٌ مَزِيدَةٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَالرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ - ذَكَرَ ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن حجر فِي أَمَالِيهِ، وَلِهَذَا طَوَّلْتُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا هُنَا مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ مِنَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، وَلَا تَتِمُّ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ إِلَّا بِمَا يُقَالُ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ التَّوَقُّفَ مَعَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ؟ قُلْتُ: مَسْأَلَةٌ رَأَيْتُهَا
стр. 72
فِي تَهْذِيبِ الْبَغَوِيِّ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ فِي مَسَائِلِ الِاسْتِخْلَافِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُقْتَدِيَ فِي الثَّانِيَةِ يُتِمُّ ظُهْرًا لَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، قَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ فِي الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَرَكَعَ وَسَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ فَلَمَّا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَتَقَدَّمَ الْمَسْبُوقُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً - هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ، فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اتَّجَهَ مَا قِيلَ فِي الْمُفَارَقَةِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبَغَوِيُّ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا صَرَّحَ بِمُوَافَقَتِهِ فِيهَا وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَالَهَا تَخْرِيجًا مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْهَا نَقْلَ الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَا الرافعي فِي شَرْحَيْهِ، وَلَا النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى تَتَبُّعِهِ، وَلَا ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ مَا زَادَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ، وَلَا السبكي، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الرَّوْضَةِ كَصَاحِبِ الْمُهِمَّاتِ وَالْخَادِمِ، وَهِيَ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَهِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْ لِيَ التَّوَقُّفَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الرَّكْعَةَ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الْوَاحِدَةِ مِنْ أَعْدَادِ الصَّلَاةِ مِنَ الْقِيَامِ إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى التَّحَلُّلِ، وَإِخْرَاجُ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامُ عَنْ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالْأَحْوَطُ عَدَمُ تَجْوِيزِ الْمُفَارَقَةِ قَبْلَ السَّلَامِ لِيَتَحَقَّقَ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي إِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ضَوْءُ الشَّمْعَةِ فِي عَدَدِ الْجُمُعَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدَدٍ، وَإِنْ نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تَصِحُّ بِوَاحِدٍ، وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ القاشاني فَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إِنَّ القاشاني لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِمَامُ كَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، والحسن بن صالح، وداود.
الثَّانِي: ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: حُكِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مَذْهَبُ أبي يوسف ومحمد حَكَاهُ الرافعي وَغَيْرُهُ عَنِ الْقَدِيمِ.
الثَّالِثُ: أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، والليث، وَحَكَاهُ ابن المنذر عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَاخْتَارَهُ وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ محمد، وَحَكَاهُ صَاحِبُ
стр. 73
التَّلْخِيصِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَكَذَا حَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَاخْتَارَهُ المزني، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ، وَهُوَ اخْتِيَارِي.
الرَّابِعُ: سَبْعَةٌ حُكِيَ عَنْ عكرمة.
الْخَامِسُ: تِسْعَةٌ حُكِيَ عَنْ ربيعة.
السَّادِسُ: اثْنَا عَشَرَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ربيعة حَكَاهُ عَنْهُ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ومحمد بن الحسن.
السَّابِعُ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، حُكِيَ عَنْ إسحاق بن راهويه.
الثَّامِنُ: عِشْرُونَ، رِوَايَةُ ابن حبيب عَنْ مالك.
التَّاسِعُ: ثَلَاثُونَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ مالك.
الْعَاشِرُ: أَرْبَعُونَ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، وَبِهِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّافِعِيُّ، وأحمد، وإسحاق، حَكَاهُ عَنْهُمْ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَرْبَعُونَ غَيْرُ الْإِمَامِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: خَمْسُونَ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وأحمد، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا.
الثَّالِثَ عَشَرَ: ثَمَانُونَ، حَكَاهُ المازري.
الرَّابِعَ عَشَرَ: جَمْعٌ كَثِيرٌ بِغَيْرِ قَيْدٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مالك، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ تُشْتَرَطُ جَمَاعَةٌ تَسْكُنُ بِهِمْ قَرْيَةٌ، وَيَقَعُ بَيْنَهُمُ الْبَيْعُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَنَحْوِهِمْ. قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَلَعَلَّ هَذَا الْمَذْهَبَ أَرْجَحُ الْمَذَاهِبِ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، وَأَقُولُ: هُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ تَعْيِينُ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَأَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ، أَمَّا اشْتِرَاطُ ثَمَانِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ عِشْرِينَ أَوْ تِسْعَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ فَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ الْبَتَّةَ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ رَأَى الْعَدَدَ وَاجِبًا بِالْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ، وَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ فِي اشْتِرَاطِ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَرَأَى أَنَّ أَقَلَّ الْعَدَدِ اثْنَانِ فَقَالَ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا فِي الْوَاقِعِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ لَا يَنْقُضُهُ إِلَّا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِكَذَا أَوْ بِذِكْرِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا سَبِيلَ إِلَى وُجُودِهِ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ رَأَى الْعَدَدَ وَاجِبًا فِي حُضُورِ الْخُطْبَةِ كَالصَّلَاةِ، فَشَرَطَ الْعَدَدَ فِي الْمَأْمُومِينَ الْمُسْتَمِعِينَ لِلْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَدُّ الْإِمَامِ مِنْهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَخْطُبُ وَيَعِظُ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِأَرْبَعَةٍ فَمُسْتَنَدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر النيسابوري، ثَنَا محمد بن يحيى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَنَا معاوية بن يحيى، ثَنَا معاوية بن سعيد التجيبي، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يَصِحُّ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَلَهُ طَرِيقٌ ثَانٍ قَالَ
стр. 74
الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا أبو عبد الله محمد بن علي بن إسماعيل الأيلي، ثَنَا عبيد الله بن محمد بن خنيس الكلاعي، ثَنَا موسى بن محمد بن عطاء، ثَنَا الوليد بن محمد - هو الموقري - ثَنَا الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَتْنِي أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ فِيهَا إِمَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الموقري مَتْرُوكٌ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ مَتْرُوكٌ، طَرِيقٌ ثَالِثٌ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا أبو عبد الله الأيلي، ثَنَا يحيى بن عثمان، ثَنَا عمرو بن الربيع بن طارق، ثَنَا مسلمة بن علي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الحكم بن عبد الله بن سعد، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا ثَلَاثَةً رَابِعُهُمْ إِمَامُهُمْ» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الزُّهْرِيُّ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنَ الدوسية، والحكم مَتْرُوكٌ، طَرِيقٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ: أَخْبَرَنَا ابن مسلم، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، ثَنَا بقية، ثَنَا معاوية بن يحيى، ثَنَا معاوية بن سعيد التجيبي، عَنِ الحكم بن عبد الله، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ فِيهَا إِمَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً» ) حَتَّى ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةً - أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَقَالَ: الحكم بن عبد الله مَتْرُوكٌ، ومعاوية بن يحيى ضَعِيفٌ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، قُلْتُ: قَدْ حَصَلَ مِنَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الطُّرُقِ نَوْعُ قُوَّةٍ لِلْحَدِيثِ، فَإِنَّ الطُّرُقَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا خُصُوصًا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّنَدِ مُتَّهَمٌ، وَيَزِيدُهَا قُوَّةً مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن محمد بن عقبة الشيباني، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْعَنْبَسِ، ثَنَا إسحاق بن منصور، ثَنَا هريم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ قيس بن مسلم، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ: عَبْدٍ مَمْلُوكٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَرِيضٍ، أَوِ امْرَأَةٍ» ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْجَمَاعَةَ فَشَمَلَ كُلَّ مَا يُسَمَّى جَمَاعَةً، وَذَلِكَ صَادِقٌ بِثَلَاثَةٍ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَمُسْتَنَدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ جابر: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا» ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ فِي الِابْتِدَاءِ يُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ، فَلَمَّا لَمْ تَبْطِلُ الْجُمُعَةُ بِانْفِضَاضِ الزَّائِدِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ كَافٍ، قُلْتُ: هُوَ دَالٌّ عَلَى صِحَّتِهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ بِلَا شُبْهَةٍ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ اثْنَيْ عَشْرَةَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِدُونِ هَذَا الْعَدَدِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ أَكْثَرُ مَا فِيهَا أَنَّهُمُ انْفَضُّوا وَبَقِيَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَتَمَّتْ بِهِمُ الْجُمُعَةُ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ لَمْ تَتِمَّ بِهِمْ، فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ أَخَذْتَ مِنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ اشْتِرَاطَ أَرْبَعَةٍ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ قَوْلَهُ
стр. 75
وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً بَيَانٌ لِأَقَلِّ عَدَدٍ تُجْزِئُ بِهِ الْجُمُعَةُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ (أَنْ) وَ (لَوْ) الْوَصْلِيَّتَيْنِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُمَا يُذْكَرُ بَعْدَهُمَا مُنْتَهَى الْأَحْوَالِ وَأَنْدَرُهَا، تَقُولُ: أَحْسِنْ إِلَى زَيْدٍ وَإِنْ أَسَاءَ، وَأَعْطِ السَّائِلَ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ، فَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ مُنْتَهَى غَايَةِ الْمُحْسَنِ إِلَيْهِ وَالْمُعْطَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فَلَيْسَ بَعْدَ مَرْتَبَةِ النَّفْسِ وَالْوَالِدِيَّةِ وَالْأَقْرَبِيَّةِ مَرْتَبَةٌ تُذْكَرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : ( «وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً» ) بَيَانٌ لِمُنْتَهَى مَرَاتِبِ الْعَدَدِ الْمُجْزِئِ، وَلَوْ كَانَ أَقَلُّ مِنْهُ مُجْزِئًا لَذَكَرَهُ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِالْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، حَتَّى ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةً، فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ تَنَزَّلَ إِلَى مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ حَتَّى انْتَهَتْ غَايَتُهُ إِلَى ذِكْرِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ ثَلَاثَةٌ لَا أَرْبَعَةٌ.
قُلْتُ: الْمُرَادُ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ الْإِمَامِ ; لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ( «وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا ثَلَاثَةً رَابِعُهُمْ إِمَامُهُمْ» ) فَإِنْ قُلْتَ: مُسَلَّمٌ دَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ثُبُوتَ الْأَحَادِيثِ الْمُحْتَجِّ بِهَا فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِمَا بَلَغَ مَرْتَبَةَ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ، قُلْتُ: كَذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِالْأَرْبَعِينَ حَدِيثُهُ ضَعِيفٌ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِاشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِينَ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ «عَنْ جابر قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إِمَامًا، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ جُمُعَةٌ وَفِطْرٌ وَأَضْحَى» ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ، قَالَ: لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، قَالَ النووي: وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَحَادِيثَ بِمَعْنَاهُ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، قَالَ: وَأَقْرَبُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَصْحَابُ «عَنْ عبد الرحمن بن كعب بن مالك عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي الْمَدِينَةِ سعد بن زرارة قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضَمَاتِ، قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ رَجُلًا) » حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أبو داود، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنْ يُقَالَ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ، وَالْأَصْلُ الظُّهْرُ، فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِعَدَدٍ ثَبَتَ فِيهِ التَّوْقِيفُ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُهَا بِأَرْبَعِينَ فَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَرِيحٍ، وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ) وَلَمْ تَثْبُتْ صَلَاتُهُ لَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ انْتَهَى، وَأَقُولُ: لَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ كعب عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِينَ، لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمُعَةَ فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ
следующие страницы →