Полный текст (886 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا، فَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ لَا يَقَعُ فِي الدَّهْرِ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا نَوْبَةً وَاحِدَةً كُرِّرَ سَبْعًا.
وَمُنَاسَبَةٌ رَابِعَةٌ: وَهِيَ أَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ سَبْعَةٌ، وَلَا ثَامِنَ لِلْأَيَّامِ فِي الدُّنْيَا بَلْ وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ أَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ تَشْهَدُ لِلْإِنْسَانِ بِمَا عَمِلَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ، وَتَشْهَدُ عَلَيْهِ بِمَا عَمِلَ فِيهَا مِنْ شَرٍّ، فَنَاسَبَ أَنْ يُسْأَلَ أَوَّلَ مَا يَنْزِلُ قَبْرَهُ مُدَّةَ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ الشَّاهِدَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَمُنَاسَبَةٌ خَامِسَةٌ: وَهِيَ أَنَّ السُّؤَالَ يَعْقُبُهُ الْخَلَاصُ مِنَ الْهُوِيِّ إِلَى سِجِّينٍ، وَذَلِكَ تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَالْعُرُوجُ إِلَى عِلِّيِّينَ وَذَلِكَ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، فَنَاسَبَ أَنْ يُسْأَلَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِيَكُونَ كُلُّ يَوْمٍ فِي مُقَابَلَةِ خَلَاصٍ مِنْ أَرْضٍ وَعُرُوجٍ إِلَى سَمَاءٍ.
وَمُنَاسَبَةٌ سَادِسَةٌ: وَهِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ أَنَّ مُدَّةَ الدُّنْيَا كُلِّهَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ الْمُوَصِّلُ لِلْجَنَّةِ مُدَّةَ جُمُعَةٍ مَنْ جُمَعِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ.
وَمُنَاسَبَةٌ سَابِعَةٌ: وَهِيَ أَنَّ السُّؤَالَ إِذَا أُحْسِنَ الْجَوَابُ عَنْهُ ثَبَتَ إِيمَانُهُ وَخَلَصَ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ وَهِيَ سَبْعُ طَبَقَاتٍ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، فَنَاسَبَ أَنْ يُسْأَلَ سَبْعًا لِيَكُونَ كُلُّ يَوْمٍ فِي مُقَابَلَةِ الْخَلَاصِ مِنْ طَبَقَةٍ وَبَابٍ، فَهَذِهِ سَبْعُ مُنَاسَبَاتٍ فِي السَّبْعَةِ، وَالسَّبْعُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الشَّرْعِ وَالْخَلْقِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا، وَالْأَرْضَ سَبْعًا، وَالطَّوَافَ سَبْعًا، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ، وَمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ سَبْعٌ.
وَوَرَدَ فِي أَثَرٍ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُمَيِّزُ فِي سَبْعٍ، ثُمَّ يَحْتَلِمُ فِي سَبْعٍ، ثُمَّ يَكْمُلُ طَوْرُهُ فِي سَبْعٍ، ثُمَّ يَكْمُلُ عَقْلُهُ فِي سَبْعٍ، فَظَهَرَ مُنَاسَبَةُ اعْتِبَارِ هَذَا الْعَدَدِ بِخُصُوصِهِ، وَقَدْ قُلْتُ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا:
فِي عَامِ سَبْعٍ أَتَى سَبْعُ الْمَنِيَّةِ إِذْ ... مِنْ بَعْدِ سَبْعٍ وَسَبْعٍ كَانَ قَدْ غَبَرَا
إِذْ مَرَّ مِنْ أَشْهُرِ الْقِبْطِيِّ سَبْعٌ رُبًى ... لِبَرْهَمَاتَ الَّذِي بِالطَّعْنِ قَدْ شُهِرَا
وَشَاعَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَسْأَلَةُ ... النَّقْلِ عَنِّي فِيهَا فِي الْوَرَى أَثَرَا
بِأَنَّ مَيِّتَ هَذَا الْخَلْقِ يُسْأَلُ فِي ... سَبْعٍ مِنَ الدَّهْرِ مَهْمَا غَابَ أَوْ قُبِرَا
فَثَارَ فِيهَا هَرِيرٌ مِنْ أُولِي سَفَهٍ ... فَجَاءَهُمْ أَيُّ سَبُعٍ فِي الْوَغَى كَسَرَا
أَبْدَيْتُ فِي حِكْمَةِ الْأَعْدَادِ مُبْتَكَرَا ... مِنَ التَّنَاسُبِ سَبْعًا أَنْجُمًا زُهْرَا
يَا رَبِّ مِنْ سَبْعِ نِيرَانٍ أَجِرْنِي ... بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي وَجُدْ بِالْعَفْوِ مُقْتَدِرَا
стр. 702
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: أَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: فِي الْقَبْرِ حِسَابٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حِسَابٌ، فَمَنْ حُوسِبَ فِي الْقَبْرِ نَجَا، وَمَنْ حُوسِبَ فِي الْقِيَامَةِ عُذِّبَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " الْمُصَنَّفِ ": حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن سليمان، عَنْ مجالد، عَنْ محمد بن المنتشر، عَنِ ابن حراش، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: إِنَّ فِي الْقَبْرِ حِسَابًا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا.
قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا يُحَاسَبُ الْمُؤْمِنُ فِي الْقَبْرِ لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ غَدًا فِي الْمَوْقِفِ، فَيُمَحَّصُ فِي الْبَرْزَخِ؛ لِيَخْرُجَ مِنَ الْقَبْرِ وَقَدِ اقْتُصَّ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صُورَتُهُ صُورَةَ الْمَوْقُوفِ عَلَى حذيفة، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَشَاهِدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عائشة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُحَاسَبُ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُغْفَرُ لَهُ، يَرَى الْمُسْلِمُ عَمَلَهُ فِي قَبْرِهِ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، والحاكم وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الْبَوْلَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ فِي الْقَبْرِ» .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: مِنَ الْغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَالْبَوْلِ، فَإِيَّاكُمْ وَذَلِكَ» ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، قَالَ ابن رجب: قَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمُ السِّرَّ فِي تَخْصِيصِ الْبَوْلِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، وَفِيهِ أُنْمُوذَجُ مَا يَقَعُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعِقَابِ وَالثَّوَابِ. وَالْمَعَاصِي الَّتِي يُعَاقَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَوْعَانِ: حَقٌّ لِلَّهِ، وَحَقٌّ لِعِبَادِهِ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الصَّلَاةُ، وَمِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الدِّمَاءُ.
وَأَمَّا الْبَرْزَخُ فَيُقْضَى فِيهِ فِي مُقَدِّمَاتِ هَذَيْنِ الْحَقَّيْنِ وَوَسَائِلِهِمَا، فَمُقَدِّمَةُ الصَّلَاةِ الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَمُقَدِّمَةُ الدِّمَاءِ النَّمِيمَةُ وَالْوَقِيعَةُ فِي الْأَعْرَاضِ، وَهُمَا أَيْسَرُ أَنْوَاعِ الْأَذَى، فَيُبْدَأُ فِي الْبَرْزَخِ بِالْمُحَاسَبَةِ وَالْعِقَابِ عَلَيْهِمَا، انْتَهَى.
قَالَ ابن رجب: وَرَوَى ابن عجلان عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُقَالُ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا دَخَلَ قَبْرَهُ سُئِلَ عَنْ صَلَاتِهِ أَوَّلَ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ جَازَتْ لَهُ صَلَاتُهُ نُظِرَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ بَعْدُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: إِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى كَوْنِ الْفِتْنَةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مَشْرُوعِيَّةُ التَّلْقِينِ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ. فَالْجَوَابُ: لَا، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ التَّلْقِينَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ، بَلْ حَدِيثُهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ إِلَى أَنَّ التَّلْقِينَ بِدْعَةٌ، وَآخِرُ مَنْ أَفْتَى بِذَلِكَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام، وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّهُ ابن الصلاح
стр. 703
وَتَبِعَهُ النووي نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
وَثَانِيًا: أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ تَوْقِيفِيَّةٌ، لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهَا، وَلَمْ يَرِدِ التَّلْقِينُ إِلَّا سَاعَةَ الدَّفْنِ خَاصَّةً، وَوَرَدَ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ الْإِطْعَامُ، فَاتُّبِعَ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَظْهَرُ لِاخْتِصَاصِ التَّلْقِينِ بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ حِكْمَةٍ؟ قُلْتُ: ظَهَرَ لِي حِكْمَتَانِ:
الْأُولَى: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَ الدَّفْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الشُّفَعَاءِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِتَكْلِيفِ النَّاسِ الْمَشْيَ مَعَ الْمَيِّتِ إِلَى قَبْرِهِ إِلَّا لِدَفْنِهِ خَاصَّةً، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ التَّرَدُّدَ إِلَى قَبْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُشْرَعِ التَّلْقِينُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِمُ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ طُولَ الْأُسْبُوعِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، فَاقْتُصِرَ عَلَى سَاعَةِ الدَّفْنِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ مُبْتَدَأٍ صَعْبٌ، وَأَوَّلُ نُزُولِهِ قَبْرَهُ سَاعَةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مِثْلُهَا قَطُّ، فَأَنِسَ بِالتَّلْقِينِ وَسُؤَالِ التَّثْبِيتِ، فَإِذَا اعْتَادَ بِالسُّؤَالِ أَوَّلَ يَوْمٍ وَأَلِفَهُ سَهُلَ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الْأَيَّامِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ، وَشُرِعَ الْإِطْعَامُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ ذُنُوبٌ يَحْتَاجُ إِلَى مَا يُكَفِّرُهَا مِنْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا، فَكَانَ فِي الصَّدَقَةِ عَنْهُ مَعُونَةً لَهُ عَلَى تَخْفِيفِ الذُّنُوبِ؛ لِيُخَفَّفَ عَنْهُ هَوْلُ السُّؤَالِ، وَصُعُوبَةُ خِطَابِ الْمَلَكَيْنِ، وَإِغْلَاظِهِمَا وَانْتِهَارِهِمَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: لَمْ يَرِدْ تَصْرِيحٌ بِبَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يَجِيءُ فِيهِ الْمَلَكَانِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ أَنَّهُمَا يَأْتِيَانِهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إِذَا انْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: يُفْتَنُ الْمُؤْمِنُ سَبْعًا وَالْكَافِرُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا - أَنَّهُمَا يَأْتِيَانِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَقَدْ يَكُونُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " أَرْبَعِينَ صَبَاحًا " أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يُكَنُّوا عَنِ الْيَوْمِ بِالصَّبَاحِ إِطْلَاقًا لِلْجُزْءِ وَإِرَادَةً لِلْكُلِّ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى مَجِيئِهِمَا أَوَّلَ النَّهَارِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْتِيَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فِي مِثْلِ السَّاعَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا أَوَّلَ يَوْمٍ دُفِنَ، وَالْعِلْمُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا كُنَّا لَمْ نَعْلَمْ وَقْتَ مَجِيئِهِمَا مِنَ النَّهَارِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ الَّتِي لَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ صَاحِبِ الْوَحْيِ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ أَخْبَارَ طَاوُسٍ وَغَيْرِهِ بِوُقُوعِ الْفِتْنَةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ أَوْ سَمَاعٍ أَوْ بَلَاغٍ مِمَّنْ فَوْقَهُمْ عَمَّنْ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ؟ حَاشَا وَكَلَّا، لَا يَظُنُّ ذَلِكَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: وَرَدَ فِي أَحَادِيثِ السُّؤَالِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ يُعِيدَانِ عَلَيْهِ السُّؤَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ تَصْرِيحٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ جَرَيَانُ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُتَعَدِّدَةَ
стр. 704
إِذَا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِطْلَاقٌ مِنْ وَجْهٍ وَتَقْيِيدٌ مِنْ وَجْهٍ، تُقَيِّدُ إِطْلَاقَ كُلِّ حَدِيثٍ بِتَقْيِيدِ الْآخَرِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْأُصُولِ، وَهَذَا مِنْهُ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: قَالَ قَائِلٌ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: إِنَّهُ يُقَالُ لَهُ عَقِبَ السُّؤَالِ نَمْ صَالِحًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ بَعْدَهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يَتَّسِعْ نَظَرُهُ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا اطَّلَعَ عَلَى مُصْطَلَحَاتِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْأَحَادِيثِ، حَيْثُ يَجْمَعُونَ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ كُلَّهَا وَرِوَايَاتِهِ، وَيَضُمُّونَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ كُلِّ حَدِيثٍ مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ، وَيَقُولُونَ فِيمَا خَلَا مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ: هَذَا حَدِيثٌ مُخْتَصَرٌ وَرَدَ فِي غَيْرِهِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ لَفْظُهُ عَنْ أسماء بنت أبي بكر، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: مَا أَدْرِي! سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَخْصَرُ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي السُّؤَالِ.
وَقَدْ وَرَدَ سِوَاهُ أَحَادِيثُ مُطَوَّلَةٌ صَحِيحَةٌ فِيهَا زِيَادَاتٌ كَثِيرَةٌ اعْتَمَدَهَا النَّاسُ، وَلَا يَسَعُهُمْ إِلَّا اعْتِمَادُهَا، فَإِنْ أَخَذَ هَذَا الرَّجُلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَطْ وَتَرَكَ مَا سِوَاهُ لَزِمَهُ رَدُّ مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ عَاقِلٌ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السُّؤَالَ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي غَيْرِهِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَقُولُ فِي الْجَوَابِ: رَبِّيَ اللَّهُ وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ فِيهِ الْمَلَكَانِ بِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وَقَدْ أَطْبَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى اعْتِبَارِهِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا الْمُعْتَزِلَةُ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى الْمَلَائِكَةُ بِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَى قَوْلِهِمُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الزِّيَادَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي أَحَادِيثِ السُّؤَالِ عَلَى كَثْرَتِهَا، فَإِنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ حَدِيثًا مَا مِنْ حَدِيثٍ مِنْهَا إِلَّا وَفِيهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ إِلَّا عَلَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ مِنْ سَبْعِينَ حَدِيثًا حَقُّهُ أَنْ يَسْكُتَ مَعَ السَّاكِتِينَ، وَلَا يُقْدِمَ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ وَإِلْغَائِهَا، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا.. عِنْدَ آخِرِ جَوَابٍ يُجِيبُ بِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ يُسْأَلُ فِيهِ، وَذَلِكَ مِنَ الْمَحْذُوفَاتِ الْمَطْوِيِّ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ كَسَائِرِ مَا حُذِفَ مِنْهُ، وَمَا أَحْسَنَ مَا وَقَعَ لِلْحَافِظِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ
стр. 705
حَيْثُ تَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيثِ فِي " الْمُوَطَّأِ " وَغَيْرِهِ، أَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يُصَلِّ فِي وَقْتِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِمَامَةُ جِبْرِيلَ لِوَقْتَيْنِ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا لِنَقْلِ الْعُدُولِ لَهَا، وَلَيْسَ تَرْكُ الْإِتْيَانِ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ لَا فِي رِوَايَةِ مَنْ أَجْمَلَ وَاخْتَصَرَ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَوَقَعَ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثٍ، ثُمَّ رَوَى مِنْ طُرُقٍ مُرْسَلَةٍ زِيَادَةً عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَرَاسِيلُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ عِنْدَ مالك حُجَّةٌ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ " الْمُوَطَّأِ "، وَحَدِيثُ هَؤُلَاءِ بِالصَّوَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا وَأَوْضَحُوا وَفَسَّرُوا مَا أَجْمَلَهُ غَيْرُهُمْ وَأَهْمَلَهُ - هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
وَقَالَ القرطبي فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي صَوْمِهِ وَقِيَامِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ اشْتَهَرَ وَكَثُرَتْ رُوَاتُهُ، فَكَثُرَ اخْتِلَافُهُ حَتَّى ظَنَّ مَنْ لَا بَصِيرَةَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِذَا تَتَبَّعَ اخْتِلَافَهُ وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، انْتَظَمَتْ صُورَتُهُ، وَتَنَاسَبَ مَسَاقُهُ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافُ تَنَاقُضٍ وَلَا تَهَاتُرٍ، بَلْ يَرْجِعُ اخْتِلَافُهُ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ مَا سَكَتَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَفَصَّلَ بَعْضَ مَا أَجْمَلَهُ غَيْرُهُ، انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حَدِيثِ السَّبْعَةِ وَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ.. إِلَى آخِرِهِ - أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُطْلَقٌ صَادِقٌ بِالْمَرَّةِ وَبِأَكْثَرَ، فَإِذَا رَوَى الثِّقَةُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ سَبْعًا وَجَبَ قَبُولُهُ وَحَمْلُ آخِرِ الْحَدِيثِ - وَهُوَ قَوْلُهُ: نَمْ صَالِحًا - عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ بِآخِرِ يَوْمٍ مِنْهَا.
وَلْنَخْتِمِ الْكِتَابَ بِلَطَائِفَ: الْأُولَى: أَنَّ سُنَّةَ الْإِطْعَامِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ، بَلَغَنِي أَنَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى الْآنَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَمْ تُتْرَكْ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآنَ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ إِلَى الصَّدْرِ الْأَوَّلِ. [وَرَأَيْتُ] فِي التَّوَارِيخِ كَثِيرًا فِي تَرَاجِمِ الْأَئِمَّةِ يَقُولُونَ: وَأَقَامَ النَّاسُ عَلَى قَبْرِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَأَخْرَجَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِي فِيمَا نُسِبَ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ ": سَمِعْتُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ أَبَا الْفَتْحِ نَصْرَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ الْمِصِّيصِيَّ يَقُولُ: تُوُفِّيَ الشَّيْخُ نَصْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ التَّاسِعِ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِدِمَشْقَ، وَأَقَمْنَا عَلَى قَبْرِهِ سَبْعَ لَيَالٍ نَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ عِشْرِينَ خَتْمَةً.
стр. 706
الثَّانِيَةُ: قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ لَا يُسْأَلُونَ أَصْلًا، كَالصِّدِّيقِ وَالشَّهِيدِ، وَالْمُرَابِطِ، وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ فِي ذَلِكَ مَا أَوْرَدَهُ الجزولي مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي " شَرْحِ الرِّسَالَةِ " قَالَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَنْزِلَانِ بِالْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ، وَهُمَا فَظَّانِ غَلِيظَانِ، أَسْوَدَانِ، أَزْرَقَانِ، يَطَآنِ فِي شُعُورِهِمَا، وَيَنْتَحِتَانِ الْأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا، يَمْشِيَانِ فِي الْأَرْضِ كَمَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي الضَّبَابِ، بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِرْزَبَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ وُضِعَتْ عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الدُّنْيَا لَذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، فَيَسْأَلَانِهِ، فَقَالَ لَهُ عمر: وَأَنَا كَمَا أَنَا الْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِذَنْ وَاللَّهِ أُخَاصِمُهُمَا، فَرَآهُ ابْنُهُ عبد الله بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ لَهُ: مَا كَانَ مِنْكَ؟ فَقَالَ لَهُ: أَتَانِي الْمَلَكَانِ، فَقَالَا لِي: مَنْ رَبُّكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَقُلْتُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، وَأَنْتُمَا مَنْ رَبُّكُمَا، فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَقَالَ: إِنَّهُ عمر، فَوَلَّيَا عَنِّي» .
قَالَ الجزولي: وَمِثْلُهُ يُرْوَى عَنْ أبي المعالي أَنَّهُمَا وَقَفَا عَلَيْهِ وَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا شَأْنُكُمَا، أَنْتُمَا مَلَكَا رَبِّي؟ أَفْنَيْتُ فِي ذِكْرِهِ عُمُرِي، وَيُسِّرْتُ لِنُصْرَتِهِ، فَمَا عَسَى أَنْ تَقُولَا وَقَدِ امْتَلَأَتِ الدُّنْيَا بِأَقْوَالِي وَسُمِّيتُ فِيهَا أبا المعالي؟ فَقَالَا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ أبو المعالي، نَمْ هَنِيئًا وَلَا تُبَالِي.
قُلْتُ: أَبُو الْمَعَالِي هُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ لَهُ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ إِلَّا هَذَا الْإِكْرَامُ لَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الحافظ أبو الطاهر السلفي فِي " الطُّيُورِيَّاتِ "، عَنْ سَهْلِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: رَأَيْتُ يزيد بن هارون فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: أَتَانِي فِي قَبْرِي مَلَكَانِ فَظَّانِ غَلِيظَانِ، فَقَالَا: مَنْ رَبُّكَ، وَمَا دِينُكَ، وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَأَخَذْتُ بِلِحْيَتِي الْبَيْضَاءِ وَقُلْتُ: لِمِثْلِي يُقَالُ هَذَا وَقَدْ عَلَّمْتُ النَّاسَ جَوَابَكُمَا ثَمَانِينَ سَنَةً! فَذَهَبَا.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي " السُّنَّةِ ": أَخْبَرَنَا محمد بن المظفر بن حرب، ثَنَا إبراهيم بن محمد بن عثمان النيسابوري قَالَ: سَمِعْتُ أحمد بن محمد الحيري المزكي يَقُولُ: حَدَّثَنِي عبد الله بن الحارث الصنعاني قَالَ: سَمِعْتُ حوثرة بن محمد المنقري البصري يَقُولُ: رَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ الْوَاسِطِيَّ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: تَقَبَّلَ مِنِّي الْحَسَنَاتِ، وَتَجَاوَزَ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَوَهَبَ لِي التَّبِعَاتِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَهَلْ يَكُونُ مِنَ الْكَرِيمِ إِلَّا الْكَرَمُ؟ غَفَرَ لِي ذُنُوبِي وَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ، قُلْتُ: فَبِمَ نِلْتَ الَّذِي نِلْتَ؟ قَالَ: بِمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَقَوْلِ الْحَقِّ، وَصِدْقِي فِي الْحَدِيثِ، وَطُولِ قِيَامِي فِي الصَّلَاةِ، وَصَبْرِي عَلَى الْفَقْرِ، قُلْتُ: وَمُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ حَقٌّ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَقَدْ أَقْعَدَانِي وَسَأَلَانِي وَقَالَا لِي: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَجَعَلْتُ أَنْفُضُ لِحْيَتِي الْبَيْضَاءَ مِنَ التُّرَابِ فَقُلْتُ: مِثْلِي يُسْأَلُ؟ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ
стр. 707
الْوَاسِطِيُّ، وَكُنْتُ فِي دَارِ الدُّنْيَا سِتِّينَ سَنَةً أُعَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: صَدَقَ، هُوَ يزيد بن هارون، نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ، فَلَا رَوْعَةَ عَلَيْكَ بَعْدَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ فِي انْتِخَابِهِ لِحَدِيثِ الفراء: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَدٍ الْأَرْتَاحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ، أَنَا أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر البخاري الحافظ، ثَنَا القاضي أبو الحسن محمد بن إسحاق الملحمي، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، ثَنَا محمد بن كثير بن بنت يزيد بن هارون قَالَ: رَأَيْتُ جَدِّي يزيد بن هارون فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا جَدِّي، كَيْفَ رَأَيْتَ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ جَاءَانِي فَأَجْلَسَانِي فِي قَبْرِي، وَقَالَا لِي: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْتُ لَهُمَا: أَلِي يُقَالُ هَذَا وَقَدْ كُنْتُ أُعَلِّمُ النَّاسَ الدِّينَ مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَةً؟
الثَّالِثَةُ: عَجِبْتُ مِمَّنِ اسْتَغْرَبَ سُؤَالَ الْمَيِّتِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، ذَكَرَ الشَّيْخُ تاج الدين السبكي فِي " الطَّبَقَاتِ الْوُسْطَى " فِي تَرْجَمَةِ الشيخ أبي الفتوح أخي الغزالي أَنَّهُ حَكَى يَوْمًا عَلَى رَأْسِ مِنْبَرِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَخِي حُجَّةَ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ مِنْ حِينِ يُوضَعُ عَلَى النَّعْشِ يُوقَفُ فِي أَرْبَعِينَ مَوْقِفًا يُسَائِلُهُ رَبُّهُ ، قَالَ السبكي: فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى دِينِهِ وَيَخْتِمَ لَنَا بِخَيْرٍ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
الرَّابِعَةُ: أَخْرَجَ ابن سعد فِي " الطَّبَقَاتِ " مِنْ طَرِيقِ ليث، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: مَا تَعَلَّمْتَ فَتَعَلَّمْهُ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ ذَهَبَتْ مِنْهُمُ الْأَمَانَةُ، قَالَ: وَكَانَ يَعُدُّ الْحَدِيثَ حَرْفًا حَرْفًا.
وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي " الْحِلْيَةِ " مِنْ طَرِيقِ ليث قَالَ: قَالَ لِي طَاوُسٌ: مَا تَعَلَّمْتَ فَتَعَلَّمْهُ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ الْأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ قَدْ ذَهَبَا مِنَ النَّاسِ، وَقَالَ أبو محمد عبيد الله بن علي بن عبد الرحمن بن منصور بن زياد الكاتب فِي أَمَالِيهِ: ثَنَا الحسن بن علي بن راشد قَالَ: سَمِعْتُ أبا الربيع العتكي يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: إِنِّي أَخَذْتُ مَنْ كُلِّ طَيْرٍ رِيشَةً، وَمَنْ كُلِّ ثَوْبٍ خِرْقَةً، قَالَ: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: إِنِّي لَأَحْرِمُ جُلَسَائِيَ الْحَدِيثَ الْغَرِيبَ لِمَوْضِعِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ثَقِيلٍ.
стр. 708
[أَحْوَالُ الْبَعْثِ]
مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَمُرُّ إِبْلِيسُ وَكُفَّارُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى الصِّرَاطِ؟
الْجَوَابُ: صَرَّحَ ابن برجان فِي الْإِرْشَادِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَفِي أَحَادِيثَ أُخَرَ مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يَمُرُّونَ، فَحَمَلْتُ ذَلِكَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؛ لِكَوْنِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُ القرطبي صَرَّحَ بِأَنَّ فِي الْآخِرَةِ صِرَاطَيْنِ: صِرَاطٌ لِعُمُومِ الْخَلْقِ إِلَّا مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَمَنْ يَلْتَقِطُهُمْ عُنُقُ النَّارِ، وَصِرَاطٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ مِنْ يَلْتَقِطُهُمْ عُنُقُ النَّارِ - وَهُمْ طَوَائِفُ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ - لَا يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ بَعْثُ النَّارِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْخَلْقِ إِلَيْهَا قَبْلَ نَصْبِ الصِّرَاطِ، دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ أَصْلًا، وَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَّا الْمُنَافِقُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْفِرَقَ الثَّلَاثَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُونَ مِنْهُ فِي النَّارِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُنْصَبُ لَهُ الْمِيزَانُ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمْ طَائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنْهُمْ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ فَيُحْضَرُوا وَزْنَهُمْ، فَإِنَّ الْمِيزَانَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الصِّرَاطِ. هَذَا مُلَخَّصُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، وَبَسْطُهُ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِ " الْبُدُورِ السَّافِرَةِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً» " هَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ " أَوْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ.
الْجَوَابُ: هُوَ مَخْصُوصٌ وَلَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، فَقَدْ نَصَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُحْشَرُ عَارِيًا وَبَعْضَهُمْ يُحْشَرُ فِي أَكْفَانِهِ، وَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «يُبْعَثُ الْمَيِّتُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» . رَوَاهُ أبو داود، وَابْنُ حِبَّانَ، والحاكم، وَقَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَهُ، وَهَذَانِ الْمَوْقُوفَانِ لَهُمَا حُكْمُ الرَّفْعِ. وَنَصَّ القرطبي عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْحَشْرِ عُرَاةً مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَّ حَدِيثَ أبي داود وَنَحْوَهُ فِي الشُّهَدَاءِ.
وَأَخْرَجَ الدينوري فِي الْمُجَالَسَةِ عَنِ الحسن قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عُرَاةً مَا خَلَا أَهْلَ الزُّهْدِ. وَإِذَا خُصَّ مِنَ الْحَدِيثِ الشُّهَدَاءُ أَوْ أَهْلُ الزُّهْدِ، فَالْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
стр. 709
مَسْأَلَةٌ: أَحَادِيثُ الْحَشْرِ عُرَاةً عَارَضَهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ، صُرِّحَ فِيهَا بِأَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ فَرَجَّحَ أَحَادِيثَ الْحَشْرِ فِي الْأَكْفَانِ عَلَى أَحَادِيثِ الْحَشْرِ عُرَاةً، وَهَذَا رَأْيُ الْقَلِيلِ، وَالْأَكْثَرُونَ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْجَمْعِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْحَشْرِ فِي الْأَكْفَانِ خَاصَّةٌ بِالشُّهَدَاءِ، وَأَحَادِيثَ الْحَشْرِ عُرَاةً فِي غَيْرِهِمْ - هَكَذَا نَقَلَهُ القرطبي - وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُحْشَرُ عَارِيًا، وَبَعْضَهُمْ يُحْشَرُ فِي أَكْفَانِهِ، وَلَمْ يَعَيِّنْ شُهَدَاءَ وَلَا غَيْرَهُمْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أحمد، وَالنَّسَائِيُّ، والحاكم وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبي ذر قَالَ: «حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ: فَوْجٍ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَفَوْجٍ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ، وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ» ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ، وَمِنْ حَدِيثِ معاوية بن حيدة، أَخْرَجَهُ أحمد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي الْمُجَالَسَةِ للدينوري عَنِ الحسن قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عُرَاةً مَا خَلَا أَهْلَ الزُّهْدِ، وَهَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ الْمُرْسَلِ.
مَسْأَلَةٌ:
سَأَلْتُكُمُو رِجَالَ الْعِلْمِ عَمَّا ... بَدَا لِيَ حَيْثُ لَا عِلْمَ بِذَاكَا
هَلِ الْإِيمَانُ يُوزَنُ يَوْمَ حَشْرٍ ... بِمِيزَانٍ وَإِلَّا لَيْسَ ذَاكَا
فَإِنْ قُلْتُمْ بِوَزْنٍ هَلْ تَقُولُوا ... مَعَ الْحَسَنَاتِ أَوْ ضِدٍّ لِذَاكَا
وَإِنْ قُلْتُمْ مَعَ الْحَسَنَاتِ يَبْقَى ... بِأَنْ لَا وَزْنَ مَعَ شَيْءٍ يُحَاكَى
وَيَرْجُحُ بَعْدَ ذَاكَ بِسَيِّئَاتٍ ... فَلَا لِلنَّارِ دَاخِلَةٌ هُنَاكَا
مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالتَّوْحِيدِ نَفْسٌ ... فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ بِنَا هُنَاكَا
أَوَزْنٌ مُطْلَقًا أَوْ لَا تَقُولُوا ... بِهَذَا أَنْتُمُ أَهْلٌ لِذَاكَا
أَجِيبُوا الْعَبْدَ فَهْوَ لَكُمْ مُحِبٌّ ... وَفَضْلُكُمْ بِمِصْرَ لَا يُحَاكَى
فَلَا زِلْتُمْ لِمُعْضِلَةٍ تَحُلُّوا ... وَفِي الْجَنَّاتِ مَأْوَاكُمْ هُنَاكَا
الْجَوَابُ:
لِرَبِّ الْعَرْشِ حَمْدًا لَا يُحَاكَى ... وَأَشْكُرُهُ وَمَا أَوْلَى بِذَاكَا
وَلِلْمُخْتَارِ تَسْلِيمٌ ثَنَاهُ ... كَعَرْفِ الزَّهْرِ يَنْبُتُ فِي رُبَاكَا
لَقَدْ نَصَّ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِي فِي ... نَوَادِرِهِ الَّتِي حَسُنَتْ حِبَاكَا
стр. 710
وَعَنْهُ حَكَاهُ نَقْلًا قرطبي ... بِتَذْكِرَةٍ تُنَمِّقُهَا حِيَاكَا
بِأَنَّ الْوَزْنَ مُخْتَصٌّ بِحَشْرٍ ... بِأَعْمَالٍ فَتَنْسَلِكُ انْسِلَاكَا
وَمَا الْإِيمَانُ مَوْزُونًا فَإِنَّ الْمَ ... وَازِنَ حَالُهُ ضِدٌّ هُنَاكَا
أَيَجْمَعُ وَاحِدٌ كَفْرًا وَضِدًّا ... لِيَتَّزِنَا مُحَالٌ فَرْضُ ذَاكَا
وَفِي خَبَرِ الْبِطَاقَةِ جَاءَ وَزْنٌ ... لِتَوْحِيدٍ وَأَخْبَارٍ كَذَاكَا
فَأَوِّلْهَا بِنَدْبٍ فِي ادِّكَارٍ ... فَحَقًّا أَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ ذَاكَا
وَمَنْ يَقْصِدْ لِبَسْطٍ فِي اتِّزَانٍ ... فَفِي تَأْلِيفِ بَعْثٍ لِي دَرَاكَا
وَنَاظِمُهُ ابن الأسيوطي أَبْدَى ... جَوَابًا لَمْ يُغَادِرْهُ مِسَاكَا
بِنَظْمٍ نَاسِجٍ مِنْوَالَ حُسْنٍ ... عَلَى نَسَقٍ يُحَاكُ وَلَا يُحَاكَى
مَسْأَلَةٌ:
مَا قَوْلُ حَبْرٍ بَحْرُ أَفْكَارِهِ ... أَبْدَى عَجِيبًا عَمَّ فِي عَصْرِهِ
وَفَاضَ مِنْهُ أَنْهُرًا بِالْهُدَى ... فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ مِنْ دَرِّهِ
تَأْلِيفُهُ صَاغَ لَنَا عَسْجَدًا ... عَاطِرُهُ قَدْ ضَاعَ فِي نَشْرِهِ
حَكَى لِنَظْمِ الدُّرِّ فِي جِيدِهِ ... وَحَازَ حُسْنَ السَّبْكِ فِي نَثْرِهِ
فِي الطِّفْلِ إِنْ مَاتَ صَغِيرًا فَهَلْ يُحْشُرُ فِي الْأُخْرَى عَلَى عُمْرِهِ
وَفِي جِنَانِ الْخُلْدِ يَبْقَى كَذَا ... أَوْ بَعْدَ حَشْرٍ زِيدَ فِي قَدْرِهِ
وَهَلْ لَهُ فِي الْحُورِ مِنْ زَوْجَةٍ ... يَنْكِحُهَا مَا الْقَوْلُ فِي أَمْرِهِ
وَأَمْرِ وِلْدَانٍ حَكَاهُمْ لَنَا ... رَبُّ الْعُلَا الرَّحْمَنُ فِي ذِكْرِهِ
أَمِنْ بَنِي آدَمَ أَمْ خَلْقُهُمْ ... كَالْحُورِ يَا مَنْ فَاقَ فِي دَهْرِهِ
لَكُمْ عُلُومٌ أَعْجَزَتْ مَنْ مَضَى ... وَمَنْ بَقِيَ قَدْ صَارَ فِي فِكْرِهِ
وَسَلَّمُوا أَنَّ الَّذِي نِلْتُمُو ... مِنْحَةُ رَبِّ الْعَرْشِ مِنْ سِرِّهِ
يُثِيبُكُمْ جَنَّاتِهِ مِثْلَمَا ... بَذَلْتُمُ الْإِجْهَادَ فِي نَصْرِهِ
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ اللَّهِ عَلَى يُسْرِهِ ... وَأَشْكُرُ الْهَادِيَ عَلَى نَشْرِهِ
الطِّفْلُ يَأْتِي مِثْلَمَا قَدْ مَضَى ... فِي خَلْقِهِ وَالْقَدْرِ فِي حَشْرِهِ
стр. 711
وَعِنْدَمَا يَدْخُلُ جَنَّاتِهِ ... يَزْدَادُ كَالْبَالِغِ فِي قَدْرِهِ
وَكَمْ لَهُ فِي الْخُلْدِ مِنْ زَوْجَةٍ ... مِنْ بِشْرٍ وَالْحُورِ فِي قَصْرِهِ
وَالْحُورُ وَالْوِلْدَانُ جِنْسٌ سُوَى ... لَيْسُوا بَنِي آدَمَ فَاسْتَقْرِهِ
[تُحْفَةُ الْجُلَسَاءِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ لِلنِّسَاءِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
مَسْأَلَةٌ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَوْقِفِ حَاصِلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِلَا نِزَاعٍ، وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى أَنَّهَا تَحْصُلُ فِيهِ لِلْمُنَافِقِينَ أَيْضًا. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهَا تَحْصُلُ لِلْكَافِرِينَ أَيْضًا، ثُمَّ يُحْجَبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وَلَهُ شَاهِدٌ رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فِي الْجَنَّةِ فَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهَا حَاصِلَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالصِّدِّيقِينَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَرِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَشَرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاخْتُلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صُوَرٍ؛ إِحْدَاهَا النِّسَاءُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِنَّ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ لِلْعُلَمَاءِ حَكَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الحافظ عماد الدين بن كثير فِي أَوَاخِرِ تَارِيخِهِ، أَحَدُهَا: أَنَّهُنَّ لَا يَرَيْنَ لِأَنَّهُنَّ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ تَصْرِيحٌ بِرُؤْيَتِهِنَّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ يَرَيْنَ أَخْذًا مِنْ عُمُومَاتِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الرُّؤْيَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُنَّ يَرَيْنَ فِي مِثْلِ أَيَّامِ الْأَعْيَادِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَتَجَلَّى فِي مِثْلِ أَيَّامِ الْأَعْيَادِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ تَجَلِّيًا عَامًّا، فَيَرَيْنَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ دُونَ غَيْرِهَا، قَالَ ابن كثير: وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الحافظ ابن رجب فِي اللَّطَائِفِ: كُلُّ يَوْمٍ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدًا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ عِيدٌ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ عَلَى زِيَارَةِ رَبِّهِمْ، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فِيهِ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يُدْعَى فِي الْجَنَّةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى يَجْتَمِعُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهِمَا لِلزِّيَارَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ يُشَارِكُ النِّسَاءُ الرِّجَالَ فِيهِمَا كَمَا كُنَّ يَشْهَدْنَ الْعِيدَيْنِ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ الْجُمُعَةِ، هَذَا لِعُمُومِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ فَكُلُّ يَوْمٍ لَهُمْ عِيدٌ يَزُورُونَ رَبَّهُمْ كُلَّ يَوْمٍ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، انْتَهَى.
стр. 712
قُلْتُ: الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابن رجب وَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ ابن كثير أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الرُّؤْيَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن سلمان بن الحسن، ثَنَا محمد بن عثمان بن محمد، ثَنَا مروان بن جعفر، ثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم، ثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَأَى الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ ، فَأَحْدَثُهُمْ عَهْدًا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنَاتُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ» .
الثَّانِيَةُ الْمَلَائِكَةُ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَشَرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] خَرَجَ مِنْهُ مُؤْمِنُو الْبَشَرِ بِالْأَدِلَّةِ الثَّابِتَةِ، فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْمَلَائِكَةِ؛ وَلِأَنَّ لِلْبَشَرِ طَاعَاتٍ لَمْ يَثْبُتْ مِثْلُهَا لِلْمَلَائِكَةِ، كَالْجِهَادِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَايَا، وَالْمِحَنِ، وَالرَّزَايَا، وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فِي الْعِبَادَاتِ لِأَجْلِ اللَّهِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَيُبَشِّرُهُمْ بِإِحْلَالِ رِضْوَانِهِ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَلَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ، انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَمْ يَتَعَقَّبُوهُ بِنَكِيرٍ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ بدر الدين الشبلي صَاحِبُ " آكَامِ الْمَرْجَانِ فِي أَحْكَامِ الْجَانِّ "، وَالْعَلَّامَةُ عز الدين بن جماعة فِي " شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ "، وَلَكِنَّ الْأَقْوَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ، فَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ فِي كِتَابِهِ " الْإِبَانَةِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ " وَمِنْهُ نَقَلْتُ مَا نَصُّهُ: أَفْضَلُ لَذَّاتِ الْجَنَّةِ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ رُؤْيَةُ نَبِيِّهِ ﷺ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرِمِ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ وَمَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ وَجَمَاعَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَالصِّدِّيقِينَ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِهِ ، انْتَهَى.
وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ فِي " كِتَابِ الرُّؤْيَةِ " - بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ رَبَّهُمْ -: أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن قَالَا: ثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثَنَا محمد بن إسحاق، حَدَّثَنِي أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يُحَدِّثُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِعِبَادَتِهِ أَصْنَافًا، وَإِنَّ مِنْهُمْ لَمَلَائِكَةً قِيَامًا صَافِّينَ مِنْ يَوْمِ خَلْقِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَلَائِكَةً رُكُوعًا خُشُوعًا مِنْ يَوْمِ خَلْقِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلْقِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،
стр. 713
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَجَلَّى لَهُمْ ﵎ وَنَظَرُوا إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ.
وَأَخْبَرَنَا محمد بن عبد الله وأحمد بن الحسن قَالَ: ثَنَا أبو العباس، ثَنَا محمد بن إسحاق، ثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: «سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ، فَجَعَلَ يَعِظُنَا حَتَّى بَكَى وَأَبْكَانَا، ثُمَّ قَالَ: كُونُوا كَرَجُلٍ قَالَ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: يَا بُنَيَّ، أُوصِيكَ أَنْ لَا تُصَلِّيَ صَلَاةً إِلَّا ظَنَنْتَ أَنَّكَ لَا تُصَلِّي بَعْدَهَا غَيْرَهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ فُلَانًا - نَسِيَ عباد اسْمَهُ - مَا بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ مَلَكًا يُسَبِّحُ، قَالَ: وَمَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَرُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَصُفُوفًا لَمْ يَنْصَرِفُوا عَنْ مَصَافِّهِمْ وَلَا يَنْصَرِفُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ كَمَا يَنْبَغِي لَكَ. أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي " الْعَظَمَةِ "، وَلَفْظُهُ: فَإِذَا رَفَعُوا وَنَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» .
وَمِمَّنْ قَالَ بِرُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْعَلَامَةُ شمس الدين بن القيم، وقاضي القضاة جلال الدين البلقيني، وَهُوَ الْأَرْجَحُ بِلَا شَكٍّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَرَاهُ دُونَ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ رُؤْيَتُهُ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي رُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَمَشَى عَلَيْهِ أبو إسحاق إسماعيل الصفار البخاري مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي أَسْئِلَتِهِ الْمَشْهُورَةِ مَا نَصُّهُ: سُئِلَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ هَلْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ؟ فَأَجَابَ: اعْتِمَادُ وَالِدِي الشَّهِيدِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ سِوَى جِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ يَرَى رَبَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَرَى أَبَدًا، انْتَهَى.
وَالصَّوَابُ الْعُمُومُ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ الحاكم فِي " الْمُسْتَدْرَكِ "، وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ إبراهيم بن سعد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ علي بن حسين، عَنْ جابر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُمَدُّ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَدًّا لِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُدْعَى أَوَّلَ النَّاسِ، فَأَخِرُّ سَاجِدًا، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَخْبَرَنِي هَذَا - لِجِبْرِيلَ وَهُوَ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا رَآهُ جِبْرِيلُ قَبْلَهَا قَطُّ - أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ، قَالَ: وَجِبْرِيلُ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَقُولَ اللَّهُ: صَدَقَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فِي الشَّفَاعَةِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ عِبَادُكَ عَبَدُوكَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ، فَبِذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ» . قَالَ الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى
стр. 714
شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، قَالَ: لَكِنْ أَرْسَلَهُ معمر، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ علي بن حسين بِنَحْوِهِ، وَأَخْرَجَهُ الحاكم مِنْ طَرِيقِ ابن وهب، عَنْ يونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ علي بن حسين، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ [الْعِلْمِ]- وَلَمْ يَسَمِّهِ - «أَنَّ الْأَرْضَ تُمَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . . . الْحَدِيثَ.
وَقَالَ عبد الرازق فِي تَفْسِيرِهِ: أَنَا معمر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ علي بن الحسين، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَدَّ اللَّهُ الْأَرْضَ مَدَّ الْأَدِيمِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، قَالَ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى، وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَاللَّهِ مَا رَآهُ قَبْلَهَا، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ، فَيَقُولُ اللَّهُ : صَدَقَ. ثُمَّ أَشْفَعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ عَبَدُوكَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ» - أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، ثَنَا عَمِّي، ثَنَا إبراهيم بن سعد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ علي بن حسين قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تُمَدُّ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَدَّ الْأَدِيمِ لِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ، وَلَا يَكُونُ لِبَشَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فِيهَا إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمِهِ، فَأُدْعَى أَوَّلَ النَّاسِ، فَأَخِرُّ سَاجِدًا، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَخْبَرَنِي هَذَا - لِجِبْرِيلَ وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَاللَّهِ مَا رَآهُ جِبْرِيلُ قَطُّ قَبْلَهَا - إِنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ، وَجِبْرِيلُ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، حَتَّى يَقُولَ الرَّحْمَنُ ﵎: صَدَقْتَ، قَالَ: ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فِي الشَّفَاعَةِ، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ عِبَادُكَ عَبَدُوكَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ» .
الثَّالِثَةُ الْجِنُّ، وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ " آكَامِ الْمَرْجَانِ " مَقَالَةَ الشَّيْخِ عز الدين فِي الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ قَالَ: وَالْجِنُّ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْهُمْ.
وَقَالَ الجلال البلقيني: لَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ تَثْبُتِ الرُّؤْيَةُ إِلَّا لِلْبَشَرِ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ الشيخ عز الدين فِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَرَوْنَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ فَفِي الْجِنِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَشْمَلُ مُؤْمِنِي الثَّقَلَيْنِ، ثُمَّ قَرَّرَ ثُبُوتَ الرُّؤْيَةِ لِلْمَلَائِكَةِ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى مُقْتَضَى اسْتِدْلَالِ الْأَئِمَّةِ والأشعري تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ لِمُؤْمِنِي الْجِنِّ.
الرَّابِعَةُ مُؤْمِنُو الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَفِيهِمُ احْتِمَالَانِ لابن أبي جمرة وَقَالَ: إِنَّ الْأَظْهَرَ مُسَاوَاتُهُمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الرُّؤْيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْبَرَنَا الحسن بن إسماعيل، أَنَا أبو الحسن علي بن عبدة، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جابر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى لِلنَّاسِ عَامَّةً وَيَتَجَلَّى لأبي بكر خَاصَّةً» . فِي " الْمُغْنِي " للذهبي
стр. 715
- علي بن عبدة وَضَّاعٌ - وَقُلْتُمْ فِي تَأْلِيفِكُمُ " النُّكَتِ الْبَدِيعِيَّاتِ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ ": إِنَّ لِلْحَدِيثِ طَرِيقًا عَلَى شَرْطِ الحسن، وَأَخْرَجَهُ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِلَفْظِ: يَتَجَلَّى لِلْخَلَائِقِ، فَلِمَ لَمْ تَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى رُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ ذَيْنِكَ الْحَدِيثَيْنِ، وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الرُّؤْيَةِ لِبَنِي آدَمَ مُطْلَقًا، الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فِي الْعِيدِ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لَا سِيَّمَا وَهُوَ حَسَنٌ.
الْجَوَابُ: الِاسْتِدْلَالُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا يَطْرُقُهَا الِاحْتِمَالُ، وَمَتَى طَرَقَ اللَّفْظَ الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ، وَالْخَلَائِقُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَنِي آدَمَ، فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ خُصُوصًا.
وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ النَّاسِ الْخَاصِّ بِبَنِي آدَمَ، وَهَذَا التَّجَلِّي الْعَامُّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ أَوَّلًا عَلَى الذُّكُورِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الزِّيَارَةَ، فَيَكُونُ مِنْ خُصُوصِ الْأَفْرَادِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّجَلِّي أَيَّامَ الْأَعْيَادِ، فَيَكُونُ مِنْ خُصُوصِ الْأَوْقَاتِ وَيَشْمَلُ الْإِنَاثَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - عَلَى التَّجَلِّي فِي الْمَوْقِفِ، وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلْخَلْقِ بِأَسْرِهِمْ: الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالذُّكُورِ، وَالْإِنَاثِ، وَإِنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوِيَ هَذَا الْحَمْلُ الْأَخِيرُ فَانْزَاحَ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسَالِكُ الْحُنَفَا فِي وَالِدَيِ الْمُصْطَفَى]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
مَسْأَلَةٌ: الْحُكْمُ فِي أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا نَاجِيَانِ وَلَيْسَا فِي النَّارِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَهُمْ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ مَسَالِكُ: الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمَا مَاتَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَلَا تَعْذِيبَ قَبْلَهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَدْ أَطْبَقَتْ أَئِمَّتُنَا الْأَشَاعِرَةُ مَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ يَمُوتُ نَاجِيًا، وَأَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ حَتَّى يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ إِذَا قُتِلَ يُضْمَنُ بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ، بَلْ زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ: إِنَّهُ يَجِبُ فِي قَتْلِهِ الْقِصَاصُ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ حَقِيقِيٍّ، وَشَرْطُ الْقِصَاصِ الْمُكَافَأَةُ، وَقَدْ عَلَّلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَوْنَهُ إِذَا مَاتَ لَا يُعَذَّبُ بِأَنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ عِنَادٌ، وَلَا جَاءَهُ رَسُولٌ فَكَذَّبَهُ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُهُ
стр. 716
فِي هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ شرف الدين المناوي، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ وَالِدِ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ هُوَ فِي النَّارِ؟ فَزَأَرَ فِي السَّائِلِ زَأْرَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: هَلْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، وَلَا تَعْذِيبَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَنَقَلَهُ سبط ابن الجوزي فِي كِتَابِ " مِرْآةِ الزَّمَانِ " عَنْ جَمَاعَةٍ، فَإِنَّهُ حَكَى كَلَامَ جَدِّهِ عَلَى حَدِيثِ إِحْيَاءِ أُمِّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَالدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَمَا ذَنْبُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ الآبي فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ "، وَسَأَذْكُرُ عِبَارَتَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ أَحَادِيثُ، أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَآيَاتٌ مُشِيرَةٌ إِلَى عَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ، وَإِلَى ذَلِكَ مَالَ حَافِظُ الْعَصْرِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أبو الفضل بن حجر فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، فَقَالَ: وَالظَّنُّ بِآلِهِ ﷺ يَعْنِي الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ الْبَعْثَةِ - أَنَّهُمْ يُطِيعُونَ عِنْدَ الِامْتِحَانِ إِكْرَامًا لَهُ ﷺ ؛ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَالَ فِي " الْإِصَابَةِ ": وَرَدَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْهَرِمِ وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، وَمِنْ وُلِدَ أَكْمَهَ أَعْمَى أَصَمَّ، وَمَنْ وُلِدَ مَجْنُونًا أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُدْلِي بِحُجَّةٍ وَيَقُولُ: لَوْ عَقَلْتُ أَوْ ذُكِّرْتُ لَآمَنْتُ، فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ وَيُقَالُ: ادْخُلُوهَا، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ لَهُ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنِ امْتَنَعَ أُدْخِلَهَا كُرْهًا، هَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ قَالَ: وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَدْخُلَ عبد المطلب وَآلُ بَيْتِهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَدْخُلُهَا طَائِعًا فَيَنْجُوَ، إِلَّا أبا طالب؛ فَإِنَّهُ أَدْرَكَ الْبَعْثَةَ وَلَمْ يُؤْمِنْ، وَثَبَتَ أَنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَقَدْ جُعِلَتْ قِصَّةُ الِامْتِحَانِ دَاخِلَةً فِي هَذَا الْمَسْلَكِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مَسْلَكٌ مُسْتَقِلٌّ، لَكِنِّي وَجَدْتُ ذَلِكَ لِمَعْنًى دَقِيقٍ لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي التَّحْقِيقِ.
ذِكْرُ الْآيَاتِ الْمُشِيرَةِ إِلَى ذَلِكَ:
الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي أَطْبَقَتْ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فِي أَنَّهُ لَا تَعْذِيبَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَرَدُّوا بِهَا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي تَحَكُّمِ الْعَقْلِ، أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ أَحَدًا حَتَّى يَسْبِقَ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ خَبَرٌ، أَوْ تَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ بَيِّنَةٌ.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] أَوْرَدَ هَذِهِ الْآيَةَ الزركشي فِي " شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ " اسْتِدْلَالًا عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَقْلًا
стр. 717
بَلْ بِالسَّمْعِ.
الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] أَوْرَدَ هَذِهِ الزركشي أَيْضًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ يَقُولُ: رَبِّ لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] » .
الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ يَقُولُ: رَبِّ لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا﴾ [طه: ١٣٤] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: ٥٩] أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وقتادة فِي الْآيَةِ قَالَا: لَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ مِلَّةً حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَلَمَّا كَذَّبُوا وَظَلَمُوا بِذَلِكَ هَلَكُوا.
السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٦] .
السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ - ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨ - ٢٠٩] . أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابن المنذر وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ الْحُجَّةِ وَالْبَيِّنَةِ وَالْعُذْرِ، حَتَّى يُرْسِلَ الرُّسُلَ، وَيُنَزِّلَ الْكُتُبَ، تَذْكِرَةً لَهُمْ وَمَوْعِظَةً، وَحُجَّةً لِلَّهِ، ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ، يَقُولُ: مَا كُنَّا لِنُعَذِّبَهُمْ إِلَّا مِنَ الْبَيِّنَةِ وَالْحُجَّةِ.
الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّذِيرِ فِي الْآيَةِ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَى أُدْخِلَ النَّارَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الِاعْتِقَادِ " وَصَحَّحَهُ، عَنِ الأسود بن
стр. 718
سريع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرِمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرِمُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا» .
الْحَدِيثُ الثَّانِي: أَخْرَجَ أحمد وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، وابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الِاعْتِقَادِ "، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَرْبَعَةٌ يُمْتَحَنُونَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الأسود بن سريع سَوَاءً.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِالْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمَوْلُودِ، فَيَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ: لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ، وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ: أَيْ رَبِّ، لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا، وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ: لَمْ أُدْرِكِ الْعَمَلَ، قَالَ: فَيُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ، فَيُقَالُ لَهُمْ: رِدُوهَا - أَوْ قَالَ: ادْخُلُوهَا - فَيَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ، وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ، فَيَقُولُ ﵎: وَإِيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلِي بِالْغَيْبِ؟» فِي إِسْنَادِهِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، فِيهِ ضِعْفٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ يُحَسِّنُ حَدِيثَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ تَقْتَضِي الْحُكْمَ بِحُسْنِهِ وَثُبُوتِهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ وأبو يعلى فِي مُسْنَدَيْهِمَا، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِالْمَوْلُودِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ وَبِالشَّيْخِ الْفَانِي، كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِعُنُقٍ مِنْ جَهَنَّمَ: ابْرُزِي، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيْكُمْ، ادْخُلُوا هَذِهِ، فَيَقُولُ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقَاءَ: يَا رَبِّ أَتُدْخِلُنَاهَا وَمِنْهَا كُنَّا نَفْرَقُ، وَمَنْ كَتَبَ لَهُ السَّعَادَةَ فَيَمْضِي فَيَقْتَحِمُ فِيهَا مُسْرِعًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ عَصَيْتُمُونِي فَأَنْتُمْ لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا وَمَعْصِيَةً، فَيَدْخُلُ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ، وَهَؤُلَاءِ النَّارَ» .
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: أَخْرَجَ عبد الرزاق، وَابْنُ جَرِيرٍ، وابن المنذر، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، جَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْفَتْرَةِ، وَالْمَعْتُوهَ، وَالْأَصَمَّ، وَالْأَبْكَمَ، وَالشُّيُوخَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، فَيَقُولُونَ: كَيْفَ وَلَمْ تَأْتِنَا رُسُلٌ؟ قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ، فَيُطِيعُهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] » إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ
стр. 719
مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ، والحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْمِلُونَ أَوْثَانَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ تُرْسِلْ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَلَمْ يَأْتِنَا لَكَ أَمْرٌ، وَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا لَكُنَّا أَطْوَعَ عِبَادِكَ، فَيَقُولُ لَهُمْ رَبُّهُمْ: أَرَيْتُكُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ تُطِيعُونِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَعْمِدُوا إِلَى جَهَنَّمَ فَيَدْخُلُوهَا، فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهَا وَجَدُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، فَرَجَعُوا إِلَى رَبِّهِمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَجِرْنَا مِنْهَا، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَلَمْ تَزْعُمُوا أَنِّي إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ تُطِيعُونِي؟ فَيَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقَهُمْ فَيَقُولُ: اعْمَدُوا إِلَيْهَا فَادْخُلُوهَا، فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْهَا فَرِقُوا وَرَجَعُوا فَقَالُوا: رَبَّنَا فَرِقْنَا مِنْهَا، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَدْخُلَهَا، فَيَقُولُ: ادْخُلُوهَا دَاخِرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ دَخَلُوهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا» . قَالَ الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وأبو نعيم، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْمَمْسُوخِ عَقْلًا، وَبِالْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ، وَبِالْهَالِكِ صَغِيرًا، فَيَقُولُ الْمَمْسُوخُ عَقْلًا: يَا رَبِّ لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا مَا كَانَ مَنْ آتَيْتَهُ عَقْلًا بِأَسْعَدَ بِعَقْلِهِ مِنِّي، وَذَكَرَ فِي الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ وَالصَّغِيرِ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: إِنِّي آمِرُكُمْ بِأَمْرٍ فَتُطِيعُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: وَلَوْ دَخَلُوهَا مَا ضَرَّتْهُمْ، فَتَخْرُجُ عَلَيْهِمْ فَرَائِصَ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا قَدْ أَهْلَكَتْ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، فَيَرْجِعُونَ سِرَاعًا، ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ الثَّانِيَةَ فَيَرْجِعُونَ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكُمْ عَلِمْتُ مَا أَنْتُمْ عَامِلُونَ، وَعَلَى عِلْمِي خَلَقْتُكُمْ، وَإِلَى عِلْمِي تَصِيرُونَ، ضُمِّيهِمْ، فَتَأْخُذَهُمْ» .
قَالَ الْكِيَا الْهَرَّاسِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْأُصُولِ فِي مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ آرَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً أَنَّهُ لَا مَدْرَكَ لِلْأَحْكَامِ سِوَى الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ، وَلَا يُتَلَقَّى حُكْمٌ مِنْ قَضِيَّاتِ الْعُقُولِ، فَأَمَّا مَنْ عَدَا أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ، كَالرَّافِضَةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ مُنْقَسِمَةٌ، فَمِنْهَا مَا يُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ، وَمِنْهَا مَا يُتَلَقَّى مِنْ قَضِيَّاتِ الْعُقُولِ، قَالَ: وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ، فَإِذَا ظَهَرَ وَأَقَامَ الْمُعْجِزَةَ تَمَكَّنَ الْعَاقِلُ مِنَ النَّظَرِ، فَنَقُولُ: لَا يُعْلَمُ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ إِلَّا بِالسَّمْعِ، فَإِذَا جَاءَ الرَّسُولُ وَجَبَ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وَعِنْدَ هَذَا يَسْأَلُ الْمُسْتَطْرِفُونَ: مَا الْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ؟ وَجَوَابُهُ: أَنَّ النَّظَرَ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ طَاعَةٌ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ لِلْمَعْرِفَةِ، فَهُوَ مُطِيعٌ وَلَيْسَ بِمُتَقَرِّبٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا
стр. 720
يَتَقَرَّبُ إِلَى مَنْ يَعْرِفُهُ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ شَيْئًا حَسَنًا، فَقَالَ: قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ تَتَعَارَضُ الْخَوَاطِرُ وَالطُّرُقُ، إِذْ مَا مِنْ خَاطِرٍ يَعْرِضُ لَهُ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ أَنْ يَخْطُرَ خَاطِرٌ آخَرُ عَلَى نَقِيضِهِ، فَتَتَعَارَضُ الْخَوَاطِرُ وَيَقَعُ الْعَقْلُ فِي حَيْرَةٍ وَدَهْشَةٍ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إِلَى أَنْ تَنْكَشِفَ الْغُمَّةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِمَجِيءِ الرَّسُولِ، وَهَاهُنَا قَالَ الأستاذ أبو إسحاق: إِنَّ قَوْلَ " لَا أَدْرِي " نِصْفُ الْعِلْمِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ انْتَهَى عِلْمِي إِلَى حَدٍّ وَقَفَ عِنْدَ مَجَازِهِ الْعَقْلُ - وَهَذَا إِنَّمَا يَقُولُهُ مَنْ دَقَّقَ فِي الْعِلْمِ وَعَرَفَ مَجَارِيَ الْعَقْلِ مِمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ وَيَقِفُ عِنْدَهُ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْإِمَامُ فخر الدين الرازي فِي " الْمَحْصُولِ ": شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَا يَجِبُ عَقْلًا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ؛ لَنَا أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْوُجُوبُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لَعُذِّبَ تَارِكُهُ، فَلَا وُجُوبَ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَبَيِّنَةٌ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا تَعْذِيبَ فَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] نَفَى التَّعْذِيبَ إِلَى غَايَةِ الْبَعْثَةِ فَيَنْتَفِي، وَإِلَّا وَقَعَ الْخُلْفُ فِي قَوْلِ اللَّهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ أَتْبَاعُهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كَصَاحِبِ " الْحَاصِلِ وَالتَّحْصِيلِ "، وَالْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي تاج الدين السبكي فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابن الحاجب عَلَى مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ: تَتَخَرَّجُ مَسْأَلَةُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَعِنْدَنَا يَمُوتُ نَاجِيًا وَلَا يُقَاتَلُ حَتَّى يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي " التَّهْذِيبِ ": أَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَجَبَ فِي قَتْلِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِقَتْلِهِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ بِعَقْلِهِ، وَعِنْدَنَا هُوَ غَيْرُ مَحْجُوجٍ عَلَيْهِ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الرافعي فِي الشَّرْحِ: مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ الْإِعْلَامِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ قُتِلَ كَانَ مَضْمُونًا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَبُنِيَ الْخِلَافُ عَلَى أَنَّهُ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَلَا تَتَوَجَّهُ الْمُؤَاخَذَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] انْتَهَى.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْبَسِيطِ ": مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ يُضْمَنُ بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ لَا بِالْقِصَاصِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْلِمًا عَلَى التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ ابن الرفعة فِي " الْكِفَايَةِ ": لِأَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ عِنَادٌ.
стр. 721
وَقَالَ النووي فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " فِي مَسْأَلَةِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] قَالَ: وَإِذَا كَانَ لَا يُعَذَّبُ الْبَالِغُ لِكَوْنِهِ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، انْتَهَى.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا الْمَسْلَكُ الَّذِي قَرَّرْتَهُ هَلْ هُوَ عَامٌّ فِي أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كُلِّهِمْ؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ أَصْلًا، أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ مِنْهُمْ دَعْوَةُ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ ثُمَّ أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ قَطْعًا، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ. وَأَمَّا الْأَبَوَانِ الشَّرِيفَانِ، فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمَا مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنْ عَدَمِ بُلُوغِهِمَا دَعْوَةُ أَحَدٍ، وَذَلِكَ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ: تَأَخُّرِ زَمَانِهِمَا، وَبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ، فَإِنَّ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا ﷺ عِيسَى ﵇، وَكَانَتِ الْفَتْرَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا نَحْوَ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُمَا كَانَا فِي زَمَنِ جَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ طَبَّقَ الْجَهْلُ الْأَرْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَفُقِدَ مَنْ يُعَرِّفُ الشَّرَائِعَ وَيُبَلِّغُ الدَّعْوَةَ عَلَى وَجْهِهَا، إِلَّا نَفَرًا يَسِيرًا مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُفَرَّقِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، كَالشَّامِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يُعْهَدْ لَهُمَا تَقَلُّبٌ فِي الْأَسْفَارِ سِوَى إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا عَمَّرَا عُمْرًا طَوِيلًا بِحَيْثُ يَقَعُ لَهُمَا فِيهِ التَّنْقِيبُ وَالتَّفْتِيشُ، فَإِنَّ وَالِدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَعِشْ مِنَ الْعُمْرِ إِلَّا قَلِيلًا.
قَالَ الْإِمَامُ الحافظ صلاح الدين العلائي فِي كِتَابِهِ " الدُّرَّةِ السَّنِيَّةِ فِي مَوْلِدِ سَيِّدِ الْبَرِيَّةِ ": كَانَ سِنُّ عبد الله حِينَ حَمَلَتْ مِنْهُ آمنة بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَمْتَارَ مِنْهَا تَمْرًا لِأَهْلِهِ، فَمَاتَ بِهَا عِنْدَ أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَمْلٌ عَلَى الصَّحِيحِ، انْتَهَى.
وَأُمُّهُ قَرِيبَةٌ مِنْ ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَهِيَ امْرَأَةٌ مَصُونَةٌ مُحَجَّبَةٌ فِي الْبَيْتِ عَنِ الِاجْتِمَاعِ بِالرِّجَالِ، وَالْغَالِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَنَّهُنَّ لَا يَعْرِفْنَ مَا الرِّجَالُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الدِّيَانَاتِ وَالشَّرَائِعِ، خُصُوصًا فِي زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي رِجَالُهُ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ نِسَائِهِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ تَعَجَّبَ مِنْ بَعْثَتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالُوا: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] . وَقَالُوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] . فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ مِنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ مَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بُعِثَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يُبَلِّغُهُمْ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى وَجْهِهَا؛ لِدُثُورِهَا وَفَقْدِ مَنْ يَعْرِفُهَا، إِذْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ، فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ صِحَّةُ دُخُولِهِمَا فِي هَذَا الْمَسْلَكِ.
стр. 722
ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ عز الدين بن عبد السلام قَالَ فِي أَمَالِيهِ مَا نَصُّهُ: كُلُّ نَبِيٍّ إِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَى قَوْمِهِ، إِلَّا نَبِيَّنَا ﷺ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا عَدَا قَوْمَ كُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ إِلَّا ذُرِّيَّةَ النَّبِيِّ السَّابِقِ، فَإِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِبَعْثَةِ السَّابِقِ، إِلَّا أَنْ تَدْرُسَ شَرِيعَةُ السَّابِقِ فَيَصِيرَ الْكُلُّ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ. هَذَا كَلَامُهُ، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ ذُرِّيَّةِ عِيسَى وَلَا مِنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ يُرَشِّحُ مَا قَالَ حَافِظُ الْعَصْرِ أبو الفضل بن حجر: إِنَّ الظَّنَّ بِهِمَا أَنْ يُطِيعَا عِنْدَ الِامْتِحَانِ - أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَخْرَجَهُ الحاكم فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ: لَمْ أَرَ رَجُلًا كَانَ أَكْثَرَ سُؤَالًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَبَوَاكَ فِي النَّارِ؟ فَقَالَ: مَا سَأَلْتُهُمَا رَبِّي فَيُطِيعَنِي فِيهِمَا، وَإِنِّي لَقَائِمٌ يَوْمَئِذٍ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَرْتَجِي لَهُمَا الْخَيْرَ عِنْدَ قِيَامِهِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْفَعَ لَهُمَا فَيُوَفَّقَا لِلطَّاعَةِ إِذَا امْتُحِنَا حِينَئِذٍ كَمَا يُمْتَحَنُ أَهْلُ الْفَتْرَةِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ عِنْدَ قِيَامِهِ ذَلِكَ الْمَقَامَ: سَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا سَأَلَ ذَلِكَ أُعْطِيَهُ» .
الْأَمْرُ الثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] قَالَ: مِنْ رِضَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ؛ وَلِهَذَا عَمَّمَ الحافظ ابن حجر فِي قَوْلِهِ: الظَّنُّ بِآلِ بَيْتِهِ كُلِّهِمْ أَنْ يُطِيعُوا عِنْدَ الِامْتِحَانِ.
وَحَدِيثٌ ثَالِثٌ: أَخْرَجَ أبو سعيد فِي شَرَفِ النُّبُوَّةِ وَالْمُلَّا فِي سِيرَتِهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُدْخِلَ النَّارَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَأَعْطَانِي ذَلِكَ» . أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ محب الدين الطبري فِي كِتَابِهِ " ذَخَائِرِ الْعُقْبَى ".
وَحَدِيثٌ رابع أَصْرَحُ مِنْ هَذَيْنِ: أَخْرَجَ تمام الرازي فِي فَوَائِدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ شَفَعْتُ لِأَبِي وَأُمِّي وَعَمِّي أبي طالب وَأَخٍ لِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» . أَوْرَدَهُ المحب الطبري - وَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ وَالْفُقَهَاءِ - فِي كِتَابِهِ " ذَخَائِرِ الْعُقْبَى فِي مَنَاقِبِ ذَوِي الْقُرْبَى " وَقَالَ: إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ فِي أبي طالب عَلَى مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ بِشَفَاعَتِهِ، انْتَهَى.
وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَأْوِيلِهِ فِي أبي طالب دُونَ الثَّلَاثَةِ: أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ - يَعْنِي مِنَ الرَّضَاعَةِ - لِأَنَّ أبا طالب أَدْرَكَ الْبَعْثَةَ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَالثَّلَاثَةُ مَاتُوا فِي الْفَتْرَةِ.
وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَضْعَفَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ أبو نعيم وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ
стр. 723
التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْأَخَ مِنَ الرَّضَاعَةِ.
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ عِدَّةٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يَتَقَوَّى بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ، وَأَمْثَلُهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّ الحاكم صَحَّحَهُ، وَمِمَّا يُرَشِّحُ مَا نَحْنُ فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: ثَنَا القاسم بن هاشم السمسار، ثَنَا مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّمْلِيُّ، عَنْ أبي معشر، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَأَلْتُ رَبِّي أَبْنَاءَ الْعِشْرِينَ مِنْ أُمَّتِي فَوَهَبَهُمْ لِي» .
وَمِمَّا يَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ - مَا أَخْرَجَهُ الديلمي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَهْلُ بَيْتِي، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ» . وَمَا أَوْرَدَهُ المحب الطبري فِي ذَخَائِرِ الْعُقْبَى، وَعَزَاهُ لأحمد فِي الْمَنَاقِبِ، عَنْ علي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَوْ أَخَذْتُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ مَا بَدَأْتُ إِلَّا بِكُمْ» . وَهَذَا أَخْرَجَهُ الخطيب فِي تَارِيخِهِ، مِنْ حَدِيثِ يغنم عَنْ أَنَسٍ.
وَمَا أَوْرَدَهُ أَيْضًا وَعَزَاهُ لِابْنِ الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَحِمِي لَا يَنْتَفِعُ، بَلَى حَتَّى تَبْلُغَ حَكَمَ - وَهُمْ أَحَدُ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ - إِنِّي لَأَشْفَعُ فَأُشَفَّعُ، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ لَيَشْفَعُ فَيُشَفَّعُ، حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ لَيَتَطَاوَلُ طَمَعًا فِي الشَّفَاعَةِ» . وَنَحْوُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أم هانئ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ شَفَاعَتِي لَا تَنَالُ أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّ شَفَاعَتِي تَنَاوَلُ حَاءَ وَحَكَمَ» .
لَطِيفَةٌ: نَقَلَ الزركشي فِي " الْخَادِمِ "، عَنِ ابن دحية، أَنَّهُ جَعَلَ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَاتِ التَّخْفِيفَ عَنْ أبي لهب فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ؛ لِسُرُورِهِ بِوِلَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِعْتَاقِهِ ثويبة حِينَ بُشِّرَ بِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا هِيَ كَرَامَةٌ لَهُ ﷺ .
تَنْبِيهٌ: ثُمَّ رَأَيْتُ الْإِمَامَ أبا عبد الله محمد بن خلف الأبي، بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عِنْدَ حَدِيثِ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» . فَأَوْرَدَ قَوْلَ النووي فِيهِ، أَنَّ مَنْ مَاتَ كَافِرًا فِي النَّارِ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْأَقْرَبِينَ، ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: انْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ.
وَقَدْ قَالَ السهيلي: لَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ﷺ : «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وَلَعَلَّهُ يَصِحُّ مَا جَاءَ أَنَّهُ ﷺ سَأَلَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، فَأَحْيَا لَهُ أَبَوَيْهِ، فَآمَنَا بِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ هَذَا، وَلَا يُعْجِزُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ أَوْرَدَ قَوْلَ النووي، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فِي النَّارِ
стр. 724
وَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّعْذِيبِ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: تَأَمَّلْ مَا فِي كَلَامِهِ مِنَ التَّنَافِي؛ فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَى لَيْسُوا بِأَهْلِ فَتْرَةٍ، فَإِنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ هُمُ الْأُمَمُ الْكَائِنَةُ بَيْنَ أَزْمِنَةِ الرُّسُلِ، الَّذِينَ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمُ الْأَوَّلُ وَلَا أَدْرَكُوا الثَّانِيَ، كَالْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ عِيسَى وَلَا لَحِقُوا النَّبِيَّ ﷺ ، وَالْفَتْرَةُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ تَشْمَلُ مَا بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي الْفَتْرَةِ فَإِنَّمَا يَعْنُونَ الَّتِي بَيْنَ عِيسَى وَالنَّبِيِّ ﷺ . وَلَمَّا دَلَّتِ الْقَوَاطِعُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَعْذِيبَ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ، عَلِمْنَا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُعَذَّبِينَ، فَإِنْ قُلْتَ: صَحَّتْ أَحَادِيثُ بِتَعْذِيبِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ كَصَاحِبِ الْمِحْجَنِ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ، فَلَا تُعَارِضُ الْقَاطِعَ.
الثَّانِي: قَصْرُ التَّعْذِيبِ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّبَبِ.
الثَّالِثُ: قَصْرُ التَّعْذِيبِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ الشَّرَائِعَ، وَشَرَعَ مِنَ الضَّلَالِ مَا لَا يُعْذَرُ بِهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: مَنْ أَدْرَكَ التَّوْحِيدَ بِبَصِيرَتِهِ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَرِيعَتِهِ، كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ فِي شَرِيعَةِ حَقٍّ قَائِمَةِ الرَّسْمِ، كتبع وَقَوْمِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ بَدَّلَ، وَغَيَّرَ، وَأَشْرَكَ وَلَمْ يُوَحِّدْ، وَشَرَعَ لِنَفْسِهِ فَحَلَّلَ وَحَرَّمَ - وَهُمُ الْأَكْثَرُ - كعمرو بن لحي أَوَّلِ مَنْ سَنَّ لِلْعَرَبِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، وَشَرَعَ الْأَحْكَامَ، فَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ، وَزَادَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى مَا شَرَعَهُ أَنْ عَبَدُوا الْجِنَّ وَالْمَلَائِكَةَ، وَحَرَقُوا الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَاتَّخَذُوا بُيُوتًا جَعَلُوا لَهَا سَدَنَةً وَحُجَّابًا يُضَاهُونَ بِهَا الْكَعْبَةَ، كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُشْرِكْ، وَلَمْ يُوَحِّدْ، وَلَا دَخَلَ فِي شَرِيعَةِ نَبِيٍّ، وَلَا ابْتَكَرَ لِنَفْسِهِ شَرِيعَةً، وَلَا اخْتَرَعَ دِينًا، بَلْ بَقِيَ عُمْرَهُ عَلَى حَالِ غَفْلَةٍ عَنْ هَذَا كُلِّهِ، وَفِي الْجَاهِلِيَّةِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِذَا انْقَسَمَ أَهْلُ الْفَتْرَةِ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ فَيُحْمَلُ مَنْ صَحَّ تَعْذِيبُهُ عَلَى أَهْلِ الْقِسْمِ الثَّانِي؛ لِكُفْرِهِمْ بِمَا لَا يُعَذَّبُونَ بِهِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَهُمْ أَهْلُ الْفَتْرَةِ حَقِيقَةً، وَهُمْ غَيْرُ مُعَذَّبِينَ لِلْقَطْعِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ ﷺ فِي كُلٍّ مِنْ قس وزيد: إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ. وَأَمَّا تبع وَنَحْوُهُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِيهِ، مَا لَمْ يَلْحَقْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْإِسْلَامَ النَّاسِخَ لِكُلِّ دِينٍ. انْتَهَى مَا أَوْرَدَهُ الْأَبِّيُّ.
стр. 725
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمَا شِرْكٌ بَلْ كَانَا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ جَدِّهِمَا إِبْرَاهِيمَ ﵇، كَمَا كَانَ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا الْمَسْلَكُ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ فخر الدين الرازي: فَقَالَ فِي كِتَابِهِ " أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ " مَا نَصُّهُ: قِيلَ: إِنْ آزر لَمْ يَكُنْ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ، بَلْ كَانَ عَمَّهُ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ آبَاءَ الْأَنْبِيَاءِ مَا كَانُوا كُفَّارًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩] قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُ نُورَهُ مِنْ سَاجِدٍ إِلَى سَاجِدٍ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ فَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ آبَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ مَا كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، إِنَّمَا ذَاكَ عَمُّهُ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] عَلَى وُجُوهٍ أُخْرَى. وَإِذَا وَرَدَتِ الرِّوَايَاتُ بِالْكُلِّ - وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا - وَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الْكُلِّ، وَمَتَى صَحَّ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ مَا كَانَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آبَاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا كَانُوا مُشْرِكِينَ قَوْلُهُ ﵇: «لَمْ أَزَلْ أُنْقَلُ مِنْ أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ إِلَى أَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ أَجْدَادِهِ مُشْرِكًا - هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ فخر الدين بِحُرُوفِهِ، وَنَاهِيكَ بِهِ إِمَامَةً وَجَلَالَةً، فَإِنَّهُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَالْقَائِمُ بِالرَّدِّ عَلَى فِرَقِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي وَقْتِهِ، وَالنَّاصِرُ لِمَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ فِي عَصْرِهِ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمَبْعُوثُ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ لِيُجَدِّدَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ دِينِهَا. وَعِنْدِي فِي نُصْرَةِ هَذَا الْمَسْلَكِ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ فخر الدين أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: دَلِيلٌ اسْتَنْبَطْتُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، الْأُولَى: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ [دَلَّتْ] عَلَى أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ آدَمَ إِلَى أَبِيهِ عبد الله، فَهُوَ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ قَرْنِهِ وَأَفْضَلِهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَخْلُ الْأَرْضُ مِنْ عَهْدِ نُوحٍ أَوْ آدَمَ إِلَى بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ مِنْ نَاسٍ عَلَى الْفِطْرَةِ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُوَحِّدُونَهُ، وَيُصَلُّونَ لَهُ، وَبِهِمْ تُحْفَظُ الْأَرْضُ، وَلَوْلَاهُمْ لَهَلَكَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا. وَإِذَا قَارَنْتَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، أُنْتِجَ مِنْهَا قَطْعًا أَنَّ آبَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُشْرِكٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي كُلٍّ مِنْهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ قَرْنِهِ، فَإِنْ كَانَ النَّاسُ الَّذِينَ هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ هُمْ إِيَّاهُمْ فَهُوَ الْمُدَّعَى، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَهُمْ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُ خَيْرًا مِنَ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِمُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ
стр. 726
الصَّحِيحَةِ، فَوَجَبَ قَطْعًا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مُشْرِكٌ؛ لِيَكُونُوا مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلٌّ فِي قَرْنِهِ.
ذِكْرُ أَدِلَّةِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى بُعِثْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ "، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا افْتَرَقَ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ إِلَّا جَعَلَنِي اللَّهُ فِي خَيْرِهِمَا، فَأُخْرِجْتُ مِنْ بَيْنِ أَبَوَيَّ، فَلَمْ يُصِبْنِي شَيْءٌ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَخَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي وَأُمِّي، فَأَنَا خَيْرُكُمْ نَفْسًا وَخَيْرُكُمْ أَبًا» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " مِنْ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَنْقُلُنِي مِنَ الْأَصْلَابِ الطَّيِّبَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ مُصَفًّى مُهَذَّبًا، لَا تَنْشَعِبُ شُعْبَتَانِ إِلَّا كُنْتُ فِي خَيْرِهِمَا» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ فِي فَضَائِلِ العباس، مِنْ حَدِيثِ واثلة بِلَفْظِ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِبْرَاهِيمَ وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ نِزَارَ، ثُمَّ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ نِزَارَ مُضَرَ، ثُمَّ اصْطَفَى مِنْ مُضَرَ كِنَانَةَ، ثُمَّ اصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، ثُمَّ اصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ اصْطَفَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ اصْطَفَانِي مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» . أَوْرَدَهُ المحب الطبري فِي " ذَخَائِرِ الْعُقْبَى ".
وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي طَبَقَاتِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الْعَرَبِ مُضَرُ، وَخَيْرُ مُضَرَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، [وَخَيْرُ بَنِي مَنَافٍ] بَنُو هَاشِمٍ، وَخَيْرُ بَنِي هَاشِمٍ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ مَا افْتَرَقَ فِرْقَتَانِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ إِلَّا كُنْتُ فِي خَيْرِهِمَا» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وأبو نعيم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَاخْتَارَ مِنَ الْخَلْقِ بَنِي آدَمَ، وَاخْتَارَ مِنْ بَنِي آدَمَ الْعَرَبَ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ مُضَرَ، وَاخْتَارَ مِنْ مُضَرَ قُرَيْشًا، وَاخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاخْتَارَنِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا مِنْ خِيَارٍ إِلَى خِيَارٍ» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَنِي جَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ الْقَبَائِلَ جَعَلَنِي مِنْ
стр. 727
خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، وَحِينَ خَلَقَ الْأَنْفُسَ جَعَلَنِي مَنْ خَيْرِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ الْبُيُوتَ جَعَلَنِي مَنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ بَيْتًا وَخَيْرُهُمْ نَفْسًا» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وأبو نعيم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ الْخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمَا قِسْمًا، ثُمَّ جَعَلَ الْقِسْمَيْنِ أَثْلَاثًا، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا ثُلُثًا، ثُمَّ جَعَلَ الْأَثْلَاثَ قَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا، ثُمَّ جَعَلَ الْقَبَائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا بَيْتًا» .
وَأَخْرَجَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ فِيمَا أَوْرَدَهُ المحب الطبري فِي " ذَخَائِرِ الْعُقْبَى "، وَهُوَ فِي " مُسْنَدَ الْبَزَّارِ "، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «دَخَلَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى صفية بنت عبد المطلب، فَجَعَلُوا يَتَفَاخَرُونَ وَيَذْكُرُونَ الْجَاهِلِيَّةَ، فَقَالَتْ صفية: مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: تَنْبُتُ النَّخْلَةُ أَوِ الشَّجَرَةُ فِي الْأَرْضِ الْكِبَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ صفية لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَغَضِبَ وَأَمَرَ بلالا فَنَادَى فِي النَّاسِ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: انْسُبُونِي. قَالُوا: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يُنْزِلُونَ أَصْلِي؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَفْضَلُهُمْ أَصْلًا وَخَيْرُهُمْ مَوْضِعًا» .
وَأَخْرَجَ الحاكم عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ قَوْمًا نَالُوا مِنْهُ فَقَالُوا: إِنَّمَا مَثَلُ مُحَمَّدٍ كَمَثَلِ نَخْلَةٍ نَبَتَتْ فِي كُنَاسٍ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلًا، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا، ثُمَّ قَالَ: أَنَا خَيْرُكُمْ قَبِيلًا وَخَيْرُكُمْ بَيْتًا» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الْأَوْسَطِ " وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ "، عَنْ عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ لِي جِبْرِيلُ: قَلَّبْتُ الْأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، فَلَمْ أَجِدْ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَجِدْ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» .
قَالَ الحافظ ابن حجر فِي أَمَالِيهِ: لَوَائِحُ الصِّحَّةِ ظَاهِرَةٌ عَلَى صَفَحَاتِ هَذَا الْمَتْنِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ وَالِاصْطِفَاءَ وَالِاخْتِيَارَ مِنَ اللَّهِ، وَالْأَفْضَلِيَّةَ عِنْدَهُ لَا تَكُونُ مَعَ الشِّرْكِ.
ذِكْرُ أَدِلَّةِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ: قَالَ عبد الرزاق فِي " الْمُصَنَّفِ "، عَنْ معمر، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يَزَلْ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ فِي الْأَرْضِ سَبْعَةٌ
стр. 728
مُسْلِمُونَ فَصَاعِدًا فَلَوْلَا ذَلِكَ هَلَكَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا - هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ - وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الدبري عَنْ عبد الرزاق.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: لَمْ تَبْقَ الْأَرْضُ إِلَّا وَفِيهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَتَخْرُجُ بَرَكَتُهَا إِلَّا زَمَنَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ.
وَأَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨] الْآيَةَ، قَالَ: مَا زَالَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ أَوْلِيَاءُ مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ، مَا أَخْلَى اللَّهُ الْأَرْضَ لِإِبْلِيسَ إِلَّا وَفِيهَا أَوْلِيَاءُ لَهُ يَعْمَلُونَ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى ابن القاسم عَنْ مالك قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَزَالُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَلِيٌّ مَا دَامَ فِيهَا لِلشَّيْطَانِ وَلِيٌّ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الزُّهْدِ، والخلال فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا خَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ مِنْ سَبْعَةٍ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ " هَذَا أَيْضًا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ.
وَأَخْرَجَ الأزرقي فِي تَارِيخِ مَكَّةَ عَنْ زهير بن محمد قَالَ: لَمْ يَزَلْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ سَبْعَةٌ مُسْلِمُونَ فَصَاعِدًا لَوْلَا ذَلِكَ لَأُهْلِكَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا.
وَأَخْرَجَ الجندي فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمْ يَزَلْ عَلَى الْأَرْضِ سَبْعَةٌ مُسْلِمُونَ فَصَاعِدًا، لَوْلَا ذَلِكَ هَلَكَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أحمد فِي الزُّهْدِ عَنْ كعب قَالَ: لَمْ يَزَلْ بَعْدَ نُوحٍ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يُدْفَعُ بِهِمُ الْعَذَابُ.
وَأَخْرَجَ الخلال فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ زَاذَانَ قَالَ: مَا خَلَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ نُوحٍ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ فَصَاعِدًا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ.
وَأَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] قَالَ: فَلَنْ يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ نَاسٌ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِ نُوحٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبْلِ نُوحٍ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَى الْهُدَى.
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وابن المنذر، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]
стр. 729
قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ".
وَأَخْرَجَ أبو يعلى وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْهُدَى وَعَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعَثَ اللَّهُ نُوحًا، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى آدَمَ مِنَ الْآبَاءِ كَانُوا عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَأَخْرَجَ ابن سعد مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عكرمة قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِي التَّنْزِيلِ حِكَايَةٌ عَنْ نُوحٍ، ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] وَوَلَدُ نُوحٍ سام مُؤْمِنٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ؛ لِأَنَّهُ نَجَا مَعَ أَبِيهِ فِي السَّفِينَةِ وَلَمْ يَنْجُ فِيهَا إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] بَلْ وَرَدَ فِي أَثَرٍ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، أَخْرَجَهُ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الْمُوَفَقِيَّاتِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ عَنِ الكلبي، وَوَلَدُهُ أرفخشد صُرِّحَ بِإِيمَانِهِ فِي أَثَرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابن عبد الحكم فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ جَدَّهُ نُوحًا وَأَنَّهُ دَعَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ فِي وَلَدِهِ وَلَدِ أرفخشد إِلَى تارح، وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِإِيمَانِهِمْ فِي أَثَرٍ، وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ الكلبي عَنْ أبي صالح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نُوحًا ﵇ لَمَّا هَبَطَ مِنَ السَّفِينَةِ هَبَطَ إِلَى قَرْيَةٍ فَبَنَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَيْتًا فَسُمِّيَتْ سُوقَ الثَمَانِينَ فَغَرِقَ بَنُو قَابِيلَ كُلُّهُمْ، وَمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى آدَمَ مِنَ الْآبَاءِ كَانُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا ضَاقَتْ بِهِمْ سُوقُ الثَمَانِينَ تَحَوَّلُوا إِلَى بَابِلَ فَبَنَوْهَا فَكَثُرُوا بِهَا حَتَّى بَلَغُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُمْ بِبَابِلَ حَتَّى مَلَكَهُمْ نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، فَدَعَاهُمْ نمروذ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَفَعَلُوا، هَذَا لَفْظُ هَذَا الْأَثَرِ.
فَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ أَجْدَادَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِيَقِينٍ مِنْ آدَمَ إِلَى زَمَنِ نمروذ، وَفِي زَمَنِهِ كَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وآزر، فَإِنْ كَانَ آزر وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ فَيُسْتَثْنَى مِنْ سِلْسِلَةِ النَّسَبِ، وَإِنْ كَانَ عَمَّهُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ، وَهَذَا الْقَوْلُ - أَعْنِي أَنْ آزر لَيْسَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ - وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]
стр. 730
قَالَ: إِنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزر وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهُ تارح، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وابن المنذر وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ - بَعْضُهَا صَحِيحٌ - عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَيْسَ آزر أَبَا إِبْرَاهِيمَ.
وَأَخْرَجَ ابن المنذر بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] ، قَالَ: لَيْسَ آزر بِأَبِيهِ إِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَيْرَحَ - أَوْ تَارَحَ - بْنِ شَارُوخَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ فَالِخٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ اسْمُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ آزر، فَقَالَ: بَلِ اسْمُهُ تارح، وَقَدْ وُجِّهَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ بِأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ لَفْظَ الْأَبِ عَلَى الْعَمِّ إِطْلَاقًا شَائِعًا وَإِنْ كَانَ مَجَازًا، وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَأَطْلَقَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ لَفْظَ الْأَبِ وَهُوَ عَمُّ يَعْقُوبَ، كَمَا أَطْلَقَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ جَدُّهُ، أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْجَدُّ أَبٌ، وَيَتْلُو ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ عَنْ أبي العالية فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] قَالَ: سُمِّيَ الْعَمُّ أَبًا، وَأَخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: الْخَالُ وَالِدٌ وَالْعَمُّ وَالِدٌ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ، وَيُرَشِّحُهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ قَالَ: لِمَا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ جَعَلُوا يَجْمَعُونَ الْحَطَبَ حَتَّى أَنْ كَانَتِ الْعَجُوزُ لَتَجْمَعُ الْحَطَبَ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ فِي النَّارِ قَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَلَمَّا أَلْقَوْهُ قَالَ اللَّهُ: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فَقَالَ عَمُّ إِبْرَاهِيمَ: مِنْ أَجْلِي دَفَعَ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَرَارَةً مِنَ النَّارِ فَوَقَعَتْ عَلَى قَدَمِهِ فَأَحْرَقَتْهُ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْأَثَرِ بِعَمِّ إِبْرَاهِيمَ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ هَلَكَ فِي أَيَّامِ إِلْقَاءِ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ تَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، وَوَرَدَتِ الْآثَارُ بِأَنَّ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا وَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
أَخْرُجُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا زَالَ إِبْرَاهِيمُ يَسْتَغْفِرُ لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، وَأَخْرَجَ عَنْ محمد بن كعب وقتادة وَمُجَاهِدٍ والحسن وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: كَانَ يَرْجُوهُ فِي حَيَاتِهِ فَلَمَّا مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ تَبَرَّأَ
стр. 731
مِنْهُ ثُمَّ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَقِبَ وَاقِعَةِ النَّارِ إِلَى الشَّامِ كَمَا نَصَّ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ مُهَاجِرِهِ دَخَلَ مِصْرَ وَاتُّفِقَ لَهُ فِيهَا مَعَ الْجَبَّارِ مَا اتُّفِقَ بِسَبَبِ سارة وَأَخْدَمَهُ هَاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّامِ ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَنْقُلَهَا وَوَلَدَهَا إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ فَنَقَلَهُمَا وَدَعَا فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] فَاسْتَغْفَرَ لِوَالِدَيْهِ وَذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِ عَمِّهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا أَنَّ الذِّكْرَ فِي الْقُرْآنِ بِالْكُفْرِ وَالتَّبَرِّي مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ هُوَ عَمُّهُ لَا أَبُوهُ الْحَقِيقِي، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَ.
رَوَى ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الكلبي قَالَ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بَابِلَ إِلَى الشَّامِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأَتَى حَرَّانَ فَأَقَامَ بِهَا زَمَانًا، ثُمَّ أَتَى الْأُرْدُنَّ فَأَقَامَ بِهَا زَمَانًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا زَمَانًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ السَّبْعَ - أَرْضًا بَيْنَ إِيلْيَاءَ وَفِلَسْطِينَ - ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَلَدِ آذَوْهُ فَتَحَوَّلَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَنَزَلَ مَنْزِلًا بَيْنَ الرَّمَلَةِ وَإِيلْيَاءَ، وَرَوَى ابن سعد عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: وُلِدَ لِإِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، فَعُرِفَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ أَنَّ بَيْنَ هِجْرَتِهِ مِنْ بَابِلَ عَقِبَ وَاقِعَةِ النَّارِ وَبَيْنَ الدَّعْوَةِ الَّتِي دَعَا بِهَا بِمَكَّةَ بِضْعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
تَتْمِيمٌ: ثُمَّ اسْتَمَرَّ التَّوْحِيدُ فِي وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، قَالَ الشهرستاني فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: كَانَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ قَائِمًا، وَالتَّوْحِيدُ فِي صَدْرِ الْعَرَبِ شَائِعًا، وَأَوَّلُ مَنْ غَيَّرَهُ وَاتَّخَذَ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ عمرو بن لحي، قُلْتُ: وَقَدْ صَحَّ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «رَأَيْتُ عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» ) وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أحمد فِي مَسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَعَبَدَ الْأَصْنَامَ أبو خزاعة عمرو بن عامر، وَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ» ) .
وَأَخْرَجَ ابن إسحاق وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «رَأَيْتُ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يَجُرُّ قُصْبَهُ بِالنَّارِ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ» ) ، وَلَفْظُ ابن إسحاق: " أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ " وَنَصَبَ الْأَوْثَانَ وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ وَحَمَى الْحَامِيَ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ بَعْدَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِالشَّيْءِ يُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ حَتَّى أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ فِي التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ
стр. 732
لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، قَالَ: فَمَا زَالَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الشِّرْكِ، قَالَ السهيلي فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ: كَانَ عمرو بن لحي حِينَ غَلَبَتْ خُزَاعَةُ عَلَى الْبَيْتِ وَنَفَتْ جُرْهُمَ عَنْ مَكَّةَ قَدْ جَعَلَتْهُ الْعَرَبُ رَبًّا لَا يَبْتَدِعُ لَهُمْ بِدْعَةً إِلَّا اتَّخَذُوهَا شِرْعَةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُ النَّاسَ وَيَكْسُو فِي الْمَوْسِمِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابن إسحاق أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ الْأَصْنَامَ الْحَرَمَ وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَى عِبَادَتِهَا، وَكَانَتِ التَّلْبِيَةُ مِنْ عَهِدِ إِبْرَاهِيمَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، حَتَّى كَانَ عمرو بن لحي، فَبَيْنَمَا هُوَ يُلَبِّي تَمَثَّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ يُلَبِّي مَعَهُ، فَقَالَ عمرو: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عمرو وَقَالَ: وَمَا هَذَا؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: قُلْ: تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ؛ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَذَا، فَقَالَهَا عمرو وَدَانَتْ بِهَا الْعَرَبُ، انْتَهَى كَلَامُ السهيلي، وَقَالَ الْحَافِظُ عماد الدين بن كثير فِي تَارِيخِهِ: كَانَتِ الْعَرَبُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنْ وَلِيَ عمرو بن عامر الخزاعي مَكَّةَ وَانْتَزَعَ وِلَايَةَ الْبَيْتِ مِنْ أَجْدَادِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فَأَحَدَثَ عمرو الْمَذْكُورُ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، وَشَرَعَ لِلْعَرَبِ الضَّلَالَاتِ مَنِ السَّوَائِبِ وَغَيْرِهَا، وَزَادَ فِي التَّلْبِيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَوْلَهُ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَتَبِعَتْهُ الْعَرَبُ عَلَى الشَّرْطِ فَشَابَهُوا بِذَلِكَ قَوْمَ نُوحٍ وَسَائِرَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ دَيْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَةِ خُزَاعَةَ عَلَى الْبَيْتِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُمْ مَشْئُومَةً إِلَى أَنْ جَاءَ قصي جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ فَقَاتَلَهُمْ وَاسْتَعَانَ عَلَى حَرْبِهِمْ بِالْعَرَبِ وَانْتَزَعَ وِلَايَةَ الْبَيْتِ مِنْهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَرْجِعْ عَمَّا كَانَ أَحْدَثَهُ لَهَا عمرو الخزاعي مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ دِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغَيَّرَ. انْتَهَى.
فَثَبَتَ أَنَّ آبَاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى زَمَانِ عمرو [الْمَذْكُورِ] كُلَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِيَقِينٍ، وَنَأْخُذُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَاقِي وَعَلَى زِيَادَةِ تَوْضِيحٍ لِهَذَا الْقَدْرِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: مِمَّا يُنْتَصَرُ بِهِ لِهَذَا الْمَسْلَكِ، آيَاتٌ وَآثَارٌ وَرَدَتْ فِي ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَعَقِبِهِ، الْآيَةُ الْأُولَى - وَهِيَ أَصْرَحُهَا - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ - وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بَاقِيَةً فِي عَقِبِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وابن المنذر عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا يونس عَنْ شيبان عَنْ قَتَادَةَ فِي
стр. 733
قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالتَّوْحِيدُ، لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُهَا مِنْ بَعْدِهِ، وَقَالَ عبد الرزاق فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ معمر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] قَالَ: الْإِخْلَاصُ وَالتَّوْحِيدُ، لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ، أَخْرَجَهُ ابن المنذر ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي الْآيَةِ فِي عَقِبِ إِبْرَاهِيمَ: فَلَمْ يَزَلْ بَعْدُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ، أَخْرَجَهُ ابن المنذر، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي الْآيَةِ فِي عَقِبِ إِبْرَاهِيمَ: فَلَمْ يَزَلْ بَعْدُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَنْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: وَقَوْلٌ آخَرُ: فَلَمْ يَزَلْ نَاسٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْآيَةِ قَالَ: الْعَقِبُ وَلَدُهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَأَوْلَادُ الذُّكُورِ. وَأَخْرَجَ عَنْ عطاء قَالَ: الْعَقِبُ وَلَدُهُ وَعَصَبَتُهُ.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ دَعَوْتَهُ فِي وَلَدِهِ فَلَمْ يَعْبُدْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَجَعَلَ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَرَزَقَ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا وَجَعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ اسْتَوْحَشَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي قِصَّةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَفِيهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لِآدَمَ فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ ﵉: وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً وَاحِدًا قَانِتًا بِأَمْرِي دَاعِيًا إِلَى سَبِيلِي، أَجْتَبِيهِ وَأَهْدِيهِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، أَسْتَجِيبُ دَعْوَتَهُ فِي وَلَدِهِ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَأُشَفِّعُهُ فِيهِمْ وَأَجْعَلُهُمْ أَهْلَ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَوُلَاتَهُ وَحُمَاتَهُ، الْحَدِيثَ.
هَذَا الْأَثَرُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مُجَاهِدٍ الْمَذْكُورِ آنِفًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ وِلَايَةَ الْبَيْتِ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِأَجْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنِ انْتَزَعَهَا مِنْهُمْ عمرو الخزاعي، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِمْ، فَعُرِفَ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ عَنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ سِلْسِلَةُ الْأَجْدَادِ الشَّرِيفَةِ الَّذِينَ خُصُّوا بِالِاصْطِفَاءِ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهِمْ نُورُ النُّبُوَّةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَهُمْ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونُوا هُمُ الْبَعْضُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ عَبَدَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ الْأَصْنَامَ، قَالَ: لَا، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] قِيلَ: فَكَيْفَ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ إِسْحَاقَ وَسَائِرُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ دَعَا لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ أَنْ لَا يَعْبُدُوا، إِذَا أَسْكَنَهُمْ إِيَّاهُ
стр. 734
فَقَالَ: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] وَلَمْ يَدْعُ لِجَمِيعِ الْبَلَدِ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] فِيهِ، وَقَدْ خَصَّ أَهْلَهُ وَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهُوَ شَيْخُ إِمَامِنَا الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، ﵄.
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] أَخْرَجَ ابن المنذر عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] قَالَ: فَلَنْ يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ نَاسٌ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، آيَةٌ رَابِعَةٌ: أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَتْ سارة لَمَّا بَشَّرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تَرُدُّ عَلَى سارة: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] قَالَ: فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] مُحَمَّدٌ وَآلُهُ مِنْ عَقِبِ إِبْرَاهِيمَ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابن حبيب فِي تَارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَا تَذْكُرُوهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى أَرْمِيَا أَنِ اذْهَبْ إِلَى بخت نصر فَأَعْلِمْهُ أَنِّي قَدْ سَلَّطْتُهُ عَلَى الْعَرَبِ، وَأَمَرَ اللَّهُ أَرْمِيَا أَنْ يَحْتَمِلَ مَعَهُ معد بن عدنان عَلَى الْبُرَاقِ كَيْ لَا تُصِيبَهُ النِّقْمَةُ؛ فَإِنِّي مُسْتَخْرِجٌ مِنْ صُلْبِهِ نَبِيًّا كَرِيمًا أَخْتِمُ بِهِ الرُّسُلَ، فَفَعَلَ أَرْمِيَا ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ مَعَدَّ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، فَنَشَأَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الْفِتَنُ، وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ مُرْسَلِ عبد الله بن خالد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَا تَسُبُّوا مضر فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ» ) وَقَالَ السهيلي فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ: «لَا تَسُبُّوا مضر وَلَا ربيعة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُؤْمِنَيْنِ» .
قُلْتُ: وَقَفْتُ عَلَيْهِ مُسْنَدًا فَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفَ بْنِ حَيَّانَ الْمَعْرُوفُ بوكيع فِي كِتَابِ الْغُرَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسحاق بن داود بن عيسى المروزي ثَنَا أبو يعقوب
стр. 735
الشعراني ثَنَا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثَنَا عثمان بن قايد عَنْ يحيى بن طلحة بن عبيد الله عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَسُبُّوا ربيعة وَلَا مضر فَإِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ» ) وَأَخْرَجَ بِسَنَدِهِ عَنْ عائشة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَسُبُّوا تميما وضبة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ» ) وَأَخْرَجَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تَسُبُّوا قسا فَإِنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا» ) ثُمَّ قَالَ السهيلي: وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «لَا تَسُبُّوا إلياس فَإِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا» ) ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ فِي صُلْبِهِ تَلْبِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَجِّ، قَالَ: وكعب بن لؤي أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا الْجُمْعَةَ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَيَخْطُبُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُعَلِّمُهُمْ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِهِ وَيَأْمُرُهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَيُنْشِدُهُمْ فِي هَذَا أَبْيَاتًا، مِنْهَا قَوْلُهُ:
يَا لَيْتَنِي شَاهِدًا فحواء دَعْوَتِهِ ... إِذَا قُرَيْشٌ تَبْغِي الْحَقَّ خِذْلَانَا
. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ كعب فِي كِتَابِ " الْأَعْلَامِ " لَهُ، انْتَهَى.
قُلْتُ: هَذَا الْخَبَرُ أَخْرَجَهُ أبو نعيم فِي دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَفِي آخِرِهِ: وَكَانَ بَيْنَ مَوْتِ كعب وَمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَالْمَاوَرْدِيُّ الْمَذْكُورُ هُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ صَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، لَهُ كِتَابُ " أَعْلَامُ النُّبُوَّةِ " فِي مُجَلَّدٍ كَثِيرِ الْفَوَائِدِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ وَسَأَنْقُلُ مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
فَحَصَلَ مِمَّا أَوْرَدْنَاهُ أَنَّ آبَاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى كعب بن لؤي كَانُوا كُلُّهُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَوَلَدُ كعب مرة، الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ بِالْإِيمَانِ، وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عبد المطلب أَرْبَعَةُ آبَاءٍ وَهُمْ: كلاب، وقصي، وعبد مناف، وهاشم، وَلَمْ أَظْفَرْ فِيهِمْ بِنَقْلٍ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا.
وَأَمَّا عبد المطلب فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الْأَشْبَهُ، أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَى لِأَجْلِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ ظَاهِرُ عُمُومِ كَلَامِ الْإِمَامِ فخر الدين وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُ بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى آمَنَ بِهِ وَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، حَكَاهُ ابن سيد الناس، وَهَذَا أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ وَأَسْقَطُهَا وَأَوْهَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرِدْ قَطُّ فِي حَدِيثٍ لَا ضَعِيفٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، إِنَّمَا حَكَوْهُ عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ غَالِبُ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَسَكَتُوا عَنْ حِكَايَةِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ خِلَافَ الشِّيعَةِ
стр. 736
لَا يُعْتَدُّ بِهِ، قَالَ السهيلي فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ: وَفِي الصَّحِيحِ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ على أبي طالب عِنْدَ مَوْتِهِ وَعِنْدَهُ أبو جهل وابن أبي أمية، فَقَالَ: يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ أبو جهل وابن أبي أمية: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عبد المطلب؟ فَقَالَ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عبد المطلب» ) قَالَ: فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ عبد المطلب مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ، قَالَ: وَوَجَدْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ المسعودي اخْتِلَافًا فِي عبد المطلب، وَأَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ: مَاتَ مُسْلِمًا لَمَّا رَأَى مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُبْعَثُ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، غَيْرَ أَنَّ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارَ وَكِتَابِ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لفاطمة وَقَدْ عَزَّتْ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ مَيِّتِهِمْ: لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى؟ فَقَالَتْ: لَا، فَقَالَ: لَوْ كُنْتِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ» ) قَالَ: وَقَدْ خَرَّجَهُ أبو داود، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: " «حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ» " قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: جَدُّ أَبِيكِ، وَلَمْ يَقُلْ: جَدُّكِ، تَقْوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ: أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَآمَنَا بِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ تَخْوِيفَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ حَقٌّ، وَبُلُوغَهَا مَعَهُمُ الْكُدَى لَا يُوجِبُ خُلُودًا فِي النَّارِ، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ السهيلي بِحُرُوفِهِ.
وَقَالَ الشهرستاني فِي " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ ": ظَهَرَ نُورُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَسَارِيرِ عبد المطلب بَعْضَ الظُّهُورِ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ النُّورِ أُلْهِمَ النَّذْرَ فِي ذَبْحِ وَلَدِهِ، وَبِبَرَكَتِهِ كَانَ يَأْمُرُ وَلَدَهُ بِتَرْكِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ دَنِيَّاتِ الْأُمُورِ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ النُّورِ كَانَ يَقُولُ فِي وَصَايَاهُ أَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا ظَلُومٌ حَتَّى يُنْتَقَمَ مِنْهُ وَتُصِيبَهُ عُقُوبَةٌ، إِلَى أَنْ هَلَكَ رَجُلٌ ظَلُومٌ لَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَةٌ، فَقِيلَ لعبد المطلب فِي ذَلِكَ، فَفَكَّرَ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الدَّارِ دَارًا يُجْزَى فِيهَا الْمُحْسِنُ بِإِحْسَانِهِ وَيُعَاقَبُ فِيهَا الْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ النُّورِ قَالَ لِأَبْرَهَةَ: إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبًّا يَحْفَظُهُ، وَمِنْهُ قَالَ وَقَدْ صَعِدَ أبا قبيس:
لَاهُمَّ إِنِ الْمَرْءَ يَمْنَعُ ... رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ يَوْمًا مِحَالَكْ
فَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيبِ ... وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ
انْتَهَى كَلَامُ الشهرستاني، وَيُنَاسِقُ مَا ذَكَرَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابن سعد فِي طَبَقَاتِهِ عَنِ ابْنِ
стр. 737
عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الدِّيَةُ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، وعبد المطلب أَوَّلُ مَنْ سَنَّ دِيَةَ النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَجَرَتْ فِي قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ . وَيَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْتَسَبَ إِلَيْهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وَهَذَا أَقْوَى مَا تَقْوَى بِهِ مَقَالَةُ الْإِمَامِ فخر الدين وَمَنْ وَافَقَهُ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ الِانْتِسَابِ إِلَى الْآبَاءِ الْكُفَّارِ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ انْتَسَبَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : (انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ إِلَى تِسْعَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ابْنِ الْإِسْلَامِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: هَذَانِ الْمُنْتَسِبَانِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ فِي النَّارِ فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ) » وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أبي ريحانة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَشَرَفًا فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ» ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَا يُدَحْدِحُ الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ» ) ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عَيْبَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِرِجَالٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ النَّتَنَ بِأَنْفِهَا» ) .
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّقْرِيرِ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَوْرَدَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ حَدِيثَ مُسْلِمٍ: ( «إِنَّ فِي أُمَّتِي أَرْبَعًا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَيْسُوا بِتَارِكِيهِنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ» . . .) الْحَدِيثَ، وَقَالَ عقبة: فَإِنْ عُورِضَ هَذَا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اصْطِفَائِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَقَدْ قَالَ الحليمي: لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْفَخْرَ، إِنَّمَا أَرَادَ تَعْرِيفَ مَنَازِلِ الْمَذْكُورِينَ وَمَرَاتِبِهِمْ، كَرَجُلٍ يَقُولُ: كَانَ أَبِي فَقِيهًا، لَا يُرِيدُ بِهِ الْفَخْرَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ تَعْرِيفَ حَالِهِ دُونَ مَا عَدَاهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَةَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَآبَائِهِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِطَالَةِ وَالْفَخْرِ فِي شَيْءٍ، انْتَهَى، فَقَوْلُهُ: أَرَادَ تَعْرِيفَ مَنَازِلِ الْمَذْكُورِينَ وَمَرَاتِبِهِمْ، أَوِ الْإِشَارَةَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَآبَائِهِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ - فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَقَالَةِ الْإِمَامِ وَإِجْرَائِهَا عَلَى عُمُومِهَا كَمَا لَا يَخْفَى، إِذِ الِاصْطِفَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ هُوَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّرْجِيحَ فِي عبد المطلب بِخُصُوصِهِ عَسِرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ مُصَادِمٌ قَوِيٌّ، وَإِنْ أُخِذَ
стр. 738
فِي تَأْوِيلِهِ لَمْ يُوجَدْ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ، وَالتَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ يَأْبَاهُ أَهْلُ الْأُصُولِ، وَلِهَذَا لَمَّا رَأَى السهيلي تَصَادُمَ الْأَدِلَّةِ فِيهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْجِيحِ فَوَقَفَ وَقَالَ: فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يُعَدَّ قَوْلًا رَابِعًا فِيهِ، وَهُوَ الْوَقْفُ.
وَأَكْثَرُ مَا خَطَرَ لِي فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَجْهَانِ بَعِيدَانِ فَتَرَكْتُهُمَا، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّسَائِيِّ فَتَأْوِيلُهُ قَرِيبٌ وَقَدْ فَتَحَ السهيلي بَابَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ، وَإِنَّمَا سَهُلَ التَّرْجِيحُ فِي جَانِبِ عبد الله مَعَ أَنَّ فِيهِ مُعَارِضًا قَوِيًّا وَهُوَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ ذَاكَ سَهْلٌ تَأْوِيلُهُ بِتَأْوِيلٍ قَرِيبٍ فِي غَايَةِ الْجَلَاءِ وَالْوُضُوحِ، وَقَامَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى رُجْحَانِ جَانِبِ التَّأْوِيلِ فَسَهُلَ الْمَصِيرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيَّ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فخر الدين إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ كَتَصْرِيحِهِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ " أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ": لَمَّا كَانَ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ صَفْوَةَ عِبَادِهِ وَخِيرَةَ خَلْقِهِ لِمَا كَلَّفَهُمْ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ وَالْإِرْشَادِ لِخَلْقِهِ اسْتَخْلَصَهُمْ مِنْ أَكْرَمِ الْعَنَاصِرِ، وَاجْتَبَاهُمْ بِمُحْكَمِ الْأَوَاصِرِ، فَلَمْ يَكُنْ لِنَسَبِهِمْ مِنْ قَدْحٍ وَلِمَنْصِبِهِمْ مَنْ جَرْحٍ؛ لِتَكُونَ الْقُلُوبُ لَهُمْ أَصْفَى، وَالنُّفُوسُ لَهُمْ أَوْطَا، فَيَكُونُ النَّاسُ إِلَى إِجَابَتِهِمْ أَسْرَعَ وَلِأَوَامِرِهِمْ أَطْوَعَ، وَأَنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ أَطْيَبِ الْمَنَاكِحِ، وَحَمَاهُ مِنْ دَنَسِ الْفَوَاحِشِ، وَنَقَلَهُ مِنْ أَصْلَابٍ طَاهِرَةٍ إِلَى أَرْحَامٍ مُنَزَّهَةٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أَيْ: تَقَلُّبُكَ مِنْ أَصْلَابٍ طَاهِرَةٍ مِنْ أَبٍ بَعْدَ أَبٍ إِلَى أَنْ جَعَلَكَ نَبِيًّا، فَكَانَ نُورُ النُّبُوَّةِ ظَاهِرًا فِي آبَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يُشْرِكْهُ فِي وِلَادَتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ أَخٌ وَلَا أُخْتٌ لِانْتِهَاءِ صَفْوَتِهِمَا إِلَيْهِ، وَقُصُورِ نَسَبِهِمَا عَلَيْهِ، لِيَكُونَ مُخْتَصًّا بِنَسَبٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ غَايَةً وَلِتَفَرُّدِهِ نِهَايَةً، فَيَزُولُ عَنْهُ أَنْ يُشَارَكَ فِيهِ وَيُمَاثَلَ فِيهِ، فَلِذَلِكَ مَاتَ عَنْهُ أَبَوَاهُ فِي صِغَرِهِ، فَأَمَّا أَبُوهُ فَمَاتَ وَهُوَ حَمْلٌ، وَأَمَّا أُمُّهُ فَمَاتَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَإِذَا خَبَرْتَ حَالَ نَسَبِهِ وَعَرَفْتَ طَهَارَةَ مَوْلِدِهِ عَلِمْتَ أَنَّهُ سُلَالَةُ آبَاءٍ كِرَامٍ، لَيْسَ فِي آبَائِهِ مُسْتَرْذَلٌ وَلَا مَغْمُوزٌ مُسْتَبْذَلٌ، بَلْ كُلُّهُمْ سَادَةٌ قَادَةٌ، وَشَرَفُ النَّسَبِ وَطَهَارَةُ الْمَوْلِدِ مِنْ شُرُوطِ النُّبُوَّةِ، انْتَهَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ بِحُرُوفِهِ.
وَقَالَ أبو جعفر النحاس فِي " مَعَانِي الْقُرْآنِ " فِي قَوْلِهِ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَقَلُّبُهُ فِي الظُّهُورِ حَتَّى أَخْرَجَهُ نَبِيًّا. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
تَنَقَّلَ أَحْمَدُ نُورًا عَظِيمَا ... تَلَأْلَأَ فِي جِبَاهِ السَّاجِدِينَا
تَقَلَّبَ فِيهِمْ قَرْنًا فَقَرْنًا ... إِلَى أَنْ جَاءَ خَيْرُ الْمُرْسَلِينَا
стр. 739
وَقَالَ أَيْضًا:
حَفِظَ الْإِلَهُ كَرَامَةً لِمُحَمَّدٍ ... آبَاءَهُ الْأَمْجَادَ صَوْنًا لِاسْمِهْ
تَرَكُوا السِّفَاحَ فَلَمْ يُصِبْهُمْ عَارُهُ ... مِنْ آدَمَ حَتَّى أَبِيهِ وَأُمِّهْ
وَقَالَ الشَّرَفُ الْبُوصِيرِيُّ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ:
كَيْفَ ترقَى رُقِيَّكَ الْأَنْبِيَاءُ ... يَا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْهَا سَمَاءُ
لَمْ يُساوُوكَ فِي عُلَاكَ وَقَدْ حَا لَ ... سَنًا مِنْكَ دُونَهُمْ وَسَنَاءُ
إِنَّمَا مَثَّلُوا صِفَاتِكَ لِلنَّا سِ ... كَمَا مَثَّلَ النُّجُومَ الْمَاءُ
أَنْتَ مِصْبَاحُ كُلِّ فَضْلٍ فَمَا تَصْ ... دُرُ إِلَّا عَنْ ضَوْئِكَ الْأَضْوَاءُ
لَكَ ذَاتُ الْعُلُومِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْ ... بِ وَمِنْهَا لِآدَمَ الْأَسْمَاءُ
لَمْ تَزَلْ فِي ضَمَائِرِ الْكَوْنِ تُخْتَا ... رُ لَكَ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ
مَا مَضَتْ فَتْرَةٌ مِنَ الرُّسْلِ إِلَّا ... بَشَّرَتْ قَوْمَهَا بِكَ الْأَنْبِيَاءُ
تَتَبَاهَى بِكَ الْعُصُورُ وَتَسْمُو ... بِكَ عَلْيَاءٌ بَعْدَهَا عَلْيَاءُ
وَبَدَا لِلْوُجُودِ مِنْكَ كَرِيمٌ ... مِنْ كَرِيمٍ آبَاؤُهُ كُرَمَاءُ
نَسَبٌ تَحْسِبُ الْعُلَا بِحُلَاهُ ... قَلَّدَتْهَا نُجُومَهَا الْجَوْزَاءُ
وَمِنْهَا:
فَهَنِيئًا بِهِ لِآمِنَةَ الْفَضْ ... لُ الَّذِي شُرِّفَتْ بِهِ حواء
مَنْ لحواء أَنَّهَا حَمَلَتْ أَحْ ... مَدَ أَوْ أَنَّهَا بِهِ نُفَسَاءُ
يَوْمَ نَالَتْ بِوَضْعِهِ ابْنَةُ وَهْبٍ ... مِنْ فَخَارٍ مَا لَمْ تَنَلْهُ النِّسَاءُ
وَأَتَتْ قَوْمَهَا بِأَفْضَلَ مِمَّا ... حَمَلَتْ قَبْلُ مريم العذراء
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا موسى بن أيوب النصيبي ثَنَا ضمرة عَنْ عثمان بن عطاء عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ آدَمَ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَبًا.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَثَرٌ وَرَدَ فِي أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، أَخْرَجَ أبو نعيم فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أم سماعة بنت أبي رهم عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ: شَهِدَتْ آمنة أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عِلَّتِهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا وَمُحَمَّدٌ غُلَامٌ يَفْعٌ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ عِنْدَ رَأْسِهَا فَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَتْ:
بَارَكَ فِيكَ اللَّهُ مِنْ غُلَامٍ ... يَا ابْنَ الَّذِي مِنْ حَوْمَةِ الْحِمَامِ
стр. 740
نَجَا بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمِنْعَامِ ... فَوَدَى غَدَاةَ الضَّرْبِ بِالسِّهَامِ
بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلٍ سِوَامِ ... إِنْ صَحَّ مَا أَبْصَرْتُ فِي الْمَنَامِ
فَأَنْتِ مَبْعُوثٌ إِلَى الْأَنَامِ ... مِنْ عِنْدِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ
تُبْعَثُ فِي الْحَلِّ وَفِي الْإِحْرَامِ ... تُبْعَثُ بِالتَّحْقِيقِ وَالْإِسْلَامِ
دِينِ أَبِيكَ الْبَرِّ إِبْرَاهَامِ ... فَاللَّهُ أَنْهَاكَ عَنِ الْأَصْنَامِ
أَنْ لَا تَوَالِيَهَا مَعَ الْأَقْوَامِ
ثُمَّ قَالَتْ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ وَكُلُّ جَدِيدٍ بَالٍ، وَكُلُّ كَبِيرٍ يَفْنَى، وَأَنَا مَيِّتَةٌ وَذِكْرِي بَاقٍ، وَقَدْ تَرَكْتُ خَيْرًا، وَوَلَدْتُ طُهْرًا. ثُمَّ مَاتَتْ، فَكُنَّا نَسْمَعُ نَوْحَ الْجِنِّ عَلَيْهَا، فَحَفِظْنَا مِنْ ذَلِكَ:
نَبْكِي الْفَتَاةَ الْبَرَّةَ الْأَمِينَهْ ... ذَاتَ الْجَمَالِ الْعَفَّةَ الرَّزِينَهْ
زَوْجَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَرِينَهْ ... أُمَّ نَبِيِّ اللَّهِ ذِي السَّكِينَهْ
وَصَاحِبِ الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَهْ ... صَارَتْ لَدَى حُفْرَتِهَا رَهِينَهْ
فَأَنْتَ تَرَى هَذَا الْكَلَامَ مِنْهَا صَرِيحًا فِي النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْأَصْنَامِ مَعَ الْأَقْوَامِ، وَالِاعْتِرَافِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُبْعَثُ وَلَدُهَا إِلَى الْأَنَامِ مِنْ عِنْدِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِالْإِسْلَامِ.
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُنَافِيَةٌ لِلشِّرْكِ، وَقَوْلُهَا: تُبْعَثُ بِالتَّحْقِيقِ، كَذَا هُوَ فِي النُّسْخَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ إِنِّي اسْتَقْرَأْتُ أُمَّهَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَوَجَدْتُهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ؛ فأم إسحاق، وَمُوسَى، وَهَرُونَ، وَعِيسَى، وحواء أم شيث مَذْكُورَاتٌ فِي الْقُرْآنِ، بَلْ قِيلَ بِنُبَوَّتِهِنَّ، وَوَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِإِيمَانِ هاجر أم إسماعيل، وأم يعقوب، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، وأم داود، وَسُلَيْمَانَ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَشَمْوِيلَ، وَشَمْعُونَ، وَذِي الْكِفْلِ، وَنَصَّ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى إِيمَانِ أم نوح، وأم إبراهيم، وَرَجَّحَهُ أبو حيان فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ وَالِدٌ كَافِرٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وَلَمْ يَعْتَذِرْ عَنِ اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِأَبِيهِ خَاصَّةً دُونَ أُمِّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً، وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عَشْرَةً: نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَلُوطٌ، وَشُعَيْبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ ﵈ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ
следующие страницы →