Полный текст (886 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
لَا يُعْتَدُّ بِهِ، قَالَ السهيلي فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ: وَفِي الصَّحِيحِ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ على أبي طالب عِنْدَ مَوْتِهِ وَعِنْدَهُ أبو جهل وابن أبي أمية، فَقَالَ: يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ أبو جهل وابن أبي أمية: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عبد المطلب؟ فَقَالَ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عبد المطلب» ) قَالَ: فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ عبد المطلب مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ، قَالَ: وَوَجَدْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ المسعودي اخْتِلَافًا فِي عبد المطلب، وَأَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ: مَاتَ مُسْلِمًا لَمَّا رَأَى مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُبْعَثُ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، غَيْرَ أَنَّ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارَ وَكِتَابِ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لفاطمة وَقَدْ عَزَّتْ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ مَيِّتِهِمْ: لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى؟ فَقَالَتْ: لَا، فَقَالَ: لَوْ كُنْتِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ» ) قَالَ: وَقَدْ خَرَّجَهُ أبو داود، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: " «حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ» " قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: جَدُّ أَبِيكِ، وَلَمْ يَقُلْ: جَدُّكِ، تَقْوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ: أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَآمَنَا بِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ تَخْوِيفَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ حَقٌّ، وَبُلُوغَهَا مَعَهُمُ الْكُدَى لَا يُوجِبُ خُلُودًا فِي النَّارِ، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ السهيلي بِحُرُوفِهِ.
وَقَالَ الشهرستاني فِي " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ ": ظَهَرَ نُورُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَسَارِيرِ عبد المطلب بَعْضَ الظُّهُورِ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ النُّورِ أُلْهِمَ النَّذْرَ فِي ذَبْحِ وَلَدِهِ، وَبِبَرَكَتِهِ كَانَ يَأْمُرُ وَلَدَهُ بِتَرْكِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ دَنِيَّاتِ الْأُمُورِ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ النُّورِ كَانَ يَقُولُ فِي وَصَايَاهُ أَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا ظَلُومٌ حَتَّى يُنْتَقَمَ مِنْهُ وَتُصِيبَهُ عُقُوبَةٌ، إِلَى أَنْ هَلَكَ رَجُلٌ ظَلُومٌ لَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَةٌ، فَقِيلَ لعبد المطلب فِي ذَلِكَ، فَفَكَّرَ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الدَّارِ دَارًا يُجْزَى فِيهَا الْمُحْسِنُ بِإِحْسَانِهِ وَيُعَاقَبُ فِيهَا الْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ النُّورِ قَالَ لِأَبْرَهَةَ: إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبًّا يَحْفَظُهُ، وَمِنْهُ قَالَ وَقَدْ صَعِدَ أبا قبيس:
لَاهُمَّ إِنِ الْمَرْءَ يَمْنَعُ ... رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ يَوْمًا مِحَالَكْ
فَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيبِ ... وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ
انْتَهَى كَلَامُ الشهرستاني، وَيُنَاسِقُ مَا ذَكَرَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابن سعد فِي طَبَقَاتِهِ عَنِ ابْنِ
стр. 737
عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الدِّيَةُ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، وعبد المطلب أَوَّلُ مَنْ سَنَّ دِيَةَ النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَجَرَتْ فِي قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ . وَيَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْتَسَبَ إِلَيْهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وَهَذَا أَقْوَى مَا تَقْوَى بِهِ مَقَالَةُ الْإِمَامِ فخر الدين وَمَنْ وَافَقَهُ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ الِانْتِسَابِ إِلَى الْآبَاءِ الْكُفَّارِ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ انْتَسَبَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : (انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ إِلَى تِسْعَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ابْنِ الْإِسْلَامِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: هَذَانِ الْمُنْتَسِبَانِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ فِي النَّارِ فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ) » وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أبي ريحانة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَشَرَفًا فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ» ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَا يُدَحْدِحُ الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ» ) ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عَيْبَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِرِجَالٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ النَّتَنَ بِأَنْفِهَا» ) .
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّقْرِيرِ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَوْرَدَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ حَدِيثَ مُسْلِمٍ: ( «إِنَّ فِي أُمَّتِي أَرْبَعًا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَيْسُوا بِتَارِكِيهِنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ» . . .) الْحَدِيثَ، وَقَالَ عقبة: فَإِنْ عُورِضَ هَذَا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اصْطِفَائِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَقَدْ قَالَ الحليمي: لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْفَخْرَ، إِنَّمَا أَرَادَ تَعْرِيفَ مَنَازِلِ الْمَذْكُورِينَ وَمَرَاتِبِهِمْ، كَرَجُلٍ يَقُولُ: كَانَ أَبِي فَقِيهًا، لَا يُرِيدُ بِهِ الْفَخْرَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ تَعْرِيفَ حَالِهِ دُونَ مَا عَدَاهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَةَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَآبَائِهِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِطَالَةِ وَالْفَخْرِ فِي شَيْءٍ، انْتَهَى، فَقَوْلُهُ: أَرَادَ تَعْرِيفَ مَنَازِلِ الْمَذْكُورِينَ وَمَرَاتِبِهِمْ، أَوِ الْإِشَارَةَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَآبَائِهِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ - فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَقَالَةِ الْإِمَامِ وَإِجْرَائِهَا عَلَى عُمُومِهَا كَمَا لَا يَخْفَى، إِذِ الِاصْطِفَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ هُوَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّرْجِيحَ فِي عبد المطلب بِخُصُوصِهِ عَسِرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ مُصَادِمٌ قَوِيٌّ، وَإِنْ أُخِذَ
стр. 738
فِي تَأْوِيلِهِ لَمْ يُوجَدْ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ، وَالتَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ يَأْبَاهُ أَهْلُ الْأُصُولِ، وَلِهَذَا لَمَّا رَأَى السهيلي تَصَادُمَ الْأَدِلَّةِ فِيهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْجِيحِ فَوَقَفَ وَقَالَ: فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يُعَدَّ قَوْلًا رَابِعًا فِيهِ، وَهُوَ الْوَقْفُ.
وَأَكْثَرُ مَا خَطَرَ لِي فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَجْهَانِ بَعِيدَانِ فَتَرَكْتُهُمَا، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّسَائِيِّ فَتَأْوِيلُهُ قَرِيبٌ وَقَدْ فَتَحَ السهيلي بَابَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ، وَإِنَّمَا سَهُلَ التَّرْجِيحُ فِي جَانِبِ عبد الله مَعَ أَنَّ فِيهِ مُعَارِضًا قَوِيًّا وَهُوَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ ذَاكَ سَهْلٌ تَأْوِيلُهُ بِتَأْوِيلٍ قَرِيبٍ فِي غَايَةِ الْجَلَاءِ وَالْوُضُوحِ، وَقَامَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى رُجْحَانِ جَانِبِ التَّأْوِيلِ فَسَهُلَ الْمَصِيرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيَّ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فخر الدين إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ كَتَصْرِيحِهِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ " أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ": لَمَّا كَانَ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ صَفْوَةَ عِبَادِهِ وَخِيرَةَ خَلْقِهِ لِمَا كَلَّفَهُمْ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ وَالْإِرْشَادِ لِخَلْقِهِ اسْتَخْلَصَهُمْ مِنْ أَكْرَمِ الْعَنَاصِرِ، وَاجْتَبَاهُمْ بِمُحْكَمِ الْأَوَاصِرِ، فَلَمْ يَكُنْ لِنَسَبِهِمْ مِنْ قَدْحٍ وَلِمَنْصِبِهِمْ مَنْ جَرْحٍ؛ لِتَكُونَ الْقُلُوبُ لَهُمْ أَصْفَى، وَالنُّفُوسُ لَهُمْ أَوْطَا، فَيَكُونُ النَّاسُ إِلَى إِجَابَتِهِمْ أَسْرَعَ وَلِأَوَامِرِهِمْ أَطْوَعَ، وَأَنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ أَطْيَبِ الْمَنَاكِحِ، وَحَمَاهُ مِنْ دَنَسِ الْفَوَاحِشِ، وَنَقَلَهُ مِنْ أَصْلَابٍ طَاهِرَةٍ إِلَى أَرْحَامٍ مُنَزَّهَةٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أَيْ: تَقَلُّبُكَ مِنْ أَصْلَابٍ طَاهِرَةٍ مِنْ أَبٍ بَعْدَ أَبٍ إِلَى أَنْ جَعَلَكَ نَبِيًّا، فَكَانَ نُورُ النُّبُوَّةِ ظَاهِرًا فِي آبَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يُشْرِكْهُ فِي وِلَادَتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ أَخٌ وَلَا أُخْتٌ لِانْتِهَاءِ صَفْوَتِهِمَا إِلَيْهِ، وَقُصُورِ نَسَبِهِمَا عَلَيْهِ، لِيَكُونَ مُخْتَصًّا بِنَسَبٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ غَايَةً وَلِتَفَرُّدِهِ نِهَايَةً، فَيَزُولُ عَنْهُ أَنْ يُشَارَكَ فِيهِ وَيُمَاثَلَ فِيهِ، فَلِذَلِكَ مَاتَ عَنْهُ أَبَوَاهُ فِي صِغَرِهِ، فَأَمَّا أَبُوهُ فَمَاتَ وَهُوَ حَمْلٌ، وَأَمَّا أُمُّهُ فَمَاتَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَإِذَا خَبَرْتَ حَالَ نَسَبِهِ وَعَرَفْتَ طَهَارَةَ مَوْلِدِهِ عَلِمْتَ أَنَّهُ سُلَالَةُ آبَاءٍ كِرَامٍ، لَيْسَ فِي آبَائِهِ مُسْتَرْذَلٌ وَلَا مَغْمُوزٌ مُسْتَبْذَلٌ، بَلْ كُلُّهُمْ سَادَةٌ قَادَةٌ، وَشَرَفُ النَّسَبِ وَطَهَارَةُ الْمَوْلِدِ مِنْ شُرُوطِ النُّبُوَّةِ، انْتَهَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ بِحُرُوفِهِ.
وَقَالَ أبو جعفر النحاس فِي " مَعَانِي الْقُرْآنِ " فِي قَوْلِهِ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَقَلُّبُهُ فِي الظُّهُورِ حَتَّى أَخْرَجَهُ نَبِيًّا. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
تَنَقَّلَ أَحْمَدُ نُورًا عَظِيمَا ... تَلَأْلَأَ فِي جِبَاهِ السَّاجِدِينَا
تَقَلَّبَ فِيهِمْ قَرْنًا فَقَرْنًا ... إِلَى أَنْ جَاءَ خَيْرُ الْمُرْسَلِينَا
стр. 739
وَقَالَ أَيْضًا:
حَفِظَ الْإِلَهُ كَرَامَةً لِمُحَمَّدٍ ... آبَاءَهُ الْأَمْجَادَ صَوْنًا لِاسْمِهْ
تَرَكُوا السِّفَاحَ فَلَمْ يُصِبْهُمْ عَارُهُ ... مِنْ آدَمَ حَتَّى أَبِيهِ وَأُمِّهْ
وَقَالَ الشَّرَفُ الْبُوصِيرِيُّ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ:
كَيْفَ ترقَى رُقِيَّكَ الْأَنْبِيَاءُ ... يَا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْهَا سَمَاءُ
لَمْ يُساوُوكَ فِي عُلَاكَ وَقَدْ حَا لَ ... سَنًا مِنْكَ دُونَهُمْ وَسَنَاءُ
إِنَّمَا مَثَّلُوا صِفَاتِكَ لِلنَّا سِ ... كَمَا مَثَّلَ النُّجُومَ الْمَاءُ
أَنْتَ مِصْبَاحُ كُلِّ فَضْلٍ فَمَا تَصْ ... دُرُ إِلَّا عَنْ ضَوْئِكَ الْأَضْوَاءُ
لَكَ ذَاتُ الْعُلُومِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْ ... بِ وَمِنْهَا لِآدَمَ الْأَسْمَاءُ
لَمْ تَزَلْ فِي ضَمَائِرِ الْكَوْنِ تُخْتَا ... رُ لَكَ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ
مَا مَضَتْ فَتْرَةٌ مِنَ الرُّسْلِ إِلَّا ... بَشَّرَتْ قَوْمَهَا بِكَ الْأَنْبِيَاءُ
تَتَبَاهَى بِكَ الْعُصُورُ وَتَسْمُو ... بِكَ عَلْيَاءٌ بَعْدَهَا عَلْيَاءُ
وَبَدَا لِلْوُجُودِ مِنْكَ كَرِيمٌ ... مِنْ كَرِيمٍ آبَاؤُهُ كُرَمَاءُ
نَسَبٌ تَحْسِبُ الْعُلَا بِحُلَاهُ ... قَلَّدَتْهَا نُجُومَهَا الْجَوْزَاءُ
وَمِنْهَا:
فَهَنِيئًا بِهِ لِآمِنَةَ الْفَضْ ... لُ الَّذِي شُرِّفَتْ بِهِ حواء
مَنْ لحواء أَنَّهَا حَمَلَتْ أَحْ ... مَدَ أَوْ أَنَّهَا بِهِ نُفَسَاءُ
يَوْمَ نَالَتْ بِوَضْعِهِ ابْنَةُ وَهْبٍ ... مِنْ فَخَارٍ مَا لَمْ تَنَلْهُ النِّسَاءُ
وَأَتَتْ قَوْمَهَا بِأَفْضَلَ مِمَّا ... حَمَلَتْ قَبْلُ مريم العذراء
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا موسى بن أيوب النصيبي ثَنَا ضمرة عَنْ عثمان بن عطاء عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ آدَمَ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَبًا.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَثَرٌ وَرَدَ فِي أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، أَخْرَجَ أبو نعيم فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أم سماعة بنت أبي رهم عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ: شَهِدَتْ آمنة أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عِلَّتِهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا وَمُحَمَّدٌ غُلَامٌ يَفْعٌ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ عِنْدَ رَأْسِهَا فَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَتْ:
بَارَكَ فِيكَ اللَّهُ مِنْ غُلَامٍ ... يَا ابْنَ الَّذِي مِنْ حَوْمَةِ الْحِمَامِ
стр. 740
نَجَا بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمِنْعَامِ ... فَوَدَى غَدَاةَ الضَّرْبِ بِالسِّهَامِ
بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلٍ سِوَامِ ... إِنْ صَحَّ مَا أَبْصَرْتُ فِي الْمَنَامِ
فَأَنْتِ مَبْعُوثٌ إِلَى الْأَنَامِ ... مِنْ عِنْدِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ
تُبْعَثُ فِي الْحَلِّ وَفِي الْإِحْرَامِ ... تُبْعَثُ بِالتَّحْقِيقِ وَالْإِسْلَامِ
دِينِ أَبِيكَ الْبَرِّ إِبْرَاهَامِ ... فَاللَّهُ أَنْهَاكَ عَنِ الْأَصْنَامِ
أَنْ لَا تَوَالِيَهَا مَعَ الْأَقْوَامِ
ثُمَّ قَالَتْ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ وَكُلُّ جَدِيدٍ بَالٍ، وَكُلُّ كَبِيرٍ يَفْنَى، وَأَنَا مَيِّتَةٌ وَذِكْرِي بَاقٍ، وَقَدْ تَرَكْتُ خَيْرًا، وَوَلَدْتُ طُهْرًا. ثُمَّ مَاتَتْ، فَكُنَّا نَسْمَعُ نَوْحَ الْجِنِّ عَلَيْهَا، فَحَفِظْنَا مِنْ ذَلِكَ:
نَبْكِي الْفَتَاةَ الْبَرَّةَ الْأَمِينَهْ ... ذَاتَ الْجَمَالِ الْعَفَّةَ الرَّزِينَهْ
زَوْجَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَرِينَهْ ... أُمَّ نَبِيِّ اللَّهِ ذِي السَّكِينَهْ
وَصَاحِبِ الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَهْ ... صَارَتْ لَدَى حُفْرَتِهَا رَهِينَهْ
فَأَنْتَ تَرَى هَذَا الْكَلَامَ مِنْهَا صَرِيحًا فِي النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْأَصْنَامِ مَعَ الْأَقْوَامِ، وَالِاعْتِرَافِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُبْعَثُ وَلَدُهَا إِلَى الْأَنَامِ مِنْ عِنْدِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِالْإِسْلَامِ.
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُنَافِيَةٌ لِلشِّرْكِ، وَقَوْلُهَا: تُبْعَثُ بِالتَّحْقِيقِ، كَذَا هُوَ فِي النُّسْخَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ إِنِّي اسْتَقْرَأْتُ أُمَّهَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَوَجَدْتُهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ؛ فأم إسحاق، وَمُوسَى، وَهَرُونَ، وَعِيسَى، وحواء أم شيث مَذْكُورَاتٌ فِي الْقُرْآنِ، بَلْ قِيلَ بِنُبَوَّتِهِنَّ، وَوَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِإِيمَانِ هاجر أم إسماعيل، وأم يعقوب، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، وأم داود، وَسُلَيْمَانَ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَشَمْوِيلَ، وَشَمْعُونَ، وَذِي الْكِفْلِ، وَنَصَّ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى إِيمَانِ أم نوح، وأم إبراهيم، وَرَجَّحَهُ أبو حيان فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ وَالِدٌ كَافِرٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وَلَمْ يَعْتَذِرْ عَنِ اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِأَبِيهِ خَاصَّةً دُونَ أُمِّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً، وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عَشْرَةً: نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَلُوطٌ، وَشُعَيْبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ ﵈ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ
стр. 741
كَافِرٌ إِلَى أَنْ بُعِثَ عِيسَى فَكَفَرَ بِهِ مَنْ كَفَرَ - فَأُمَّهَاتُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّهُنَّ مُؤْمِنَاتٌ - وَأَيْضًا فَغَالِبُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا أَوْلَادَ أَنْبِيَاءَ أَوْ أَوْلَادَ أَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ كَانَتْ تَكُونُ فِي سِبْطٍ مِنْهُمْ يَتَنَاسَلُونَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَأَمَّا الْعَشَرَةُ الْمَذْكُورُونَ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ إِيمَانُ أم نوح، وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، وَبَقِيَ أم هود، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَالظَّاهِرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - إِيمَانُهُنَّ، فَكَذَلِكَ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ مَا يَرَيْنَهُ مِنَ النُّورِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ.
أَخْرَجَ أحمد وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ والحاكم وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ» ) وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ، وَأَنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي رَأَتْهُ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَالِ حَمْلِهَا بِهِ وَوِلَادَتِهَا لَهُ مِنَ الْآيَاتِ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا رَآهُ سَائِرُ أُمَّهَاتِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا سُقْنَا الْأَخْبَارَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُعْجِزَاتِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ تُرْضِعْهُ مُرْضِعَةٌ إِلَّا أَسْلَمَتْ، قَالَ: وَمُرْضِعَاتُهُ أَرْبَعٌ: أُمُّهُ، وحليمة السعدية، وثويبة، وأم أيمن، انْتَهَى.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تَصْنَعُ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى كُفْرِهَا وَأَنَّهَا فِي النَّارِ، وَهِيَ حَدِيثُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] وَحَدِيثُ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ لِأُمِّهِ فَضَرَبَ جِبْرِيلُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: لَا تَسْتَغْفِرْ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا» ، وَحَدِيثُ أَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وَحَدِيثُ أَنَّهُ قَالَ لابني مليكة: ( «أُمُّكُمَا فِي النَّارِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمَا فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا» ) قُلْتُ: الْجَوَابُ أَنَّ غَالِبَ مَا يُرْوَى مِنْ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ سِوَى حَدِيثِ ( «أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ» ) وَلَمْ يَصِحَّ أَيْضًا فِي أَبِيهِ إِلَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ خَاصَّةً، وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُمَا، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْتَ، فَحَدِيثُ: ( «لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟) فَنَزَلَتِ الْآيَةُ» ، لَمْ يُخَرَّجْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ [الْحَدِيثِ] الْمُعْتَمَدَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلَوْ جِئْنَا نَحْتَجُّ بِالْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ لَعَارَضْنَاكَ بِحَدِيثٍ وَاهٍ أَخْرَجَهُ ابن الجوزي مِنْ حَدِيثِ علي مَرْفُوعًا ( «هَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيَّ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ
стр. 742
وَيَقُولُ: إِنِّي حَرَّمْتُ النَّارَ عَلَى صُلْبٍ أَنْزَلَكَ، وَبَطْنٍ حَمَلَكَ، وَحِجْرٍ كَفَلَكَ» ) وَيَكُونُ مِنْ بَابِ مُعَارَضَةِ الْوَاهِي بِالْوَاهِي، إِلَّا أَنَّا لَا نَرَى ذَلِكَ وَلَا نَحْتَجُّ بِهِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا السَّبَبَ مَرْدُودٌ بِوُجُوهٍ أُخْرَى مِنْ جِهَةِ الْأُصُولِ وَالْبَلَاغَةِ وَأَسْرَارِ الْبَيَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَاتِ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَمِنْ بَعْدِهَا كُلَّهَا فِي الْيَهُودِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] وَلِهَذَا خُتِمَتِ الْقِصَّةُ بِمِثْلِ مَا صُدِّرَتْ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] الْآيَتَيْنِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَصْحَابِ الْجَحِيمِ كُفَّارُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْأَثَرِ: أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والفريابي، وَابْنُ جَرِيرٍ، وابن المنذر فِي تَفَاسِيرِهِمْ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَثَلَاثُ عَشْرَةَ آيَةً فِي نَعْتِ الْمُنَافِقِينَ، وَمِنْ أَرْبَعِينَ آيَةً إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وَأَكْثَرُ مَا خُوطِبَ فِيهَا الْيَهُودُ، وَيُرَشِّحُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمُنَاسَبَةُ أَنَّ الْجَحِيمَ اسْمٌ لِمَا عَظُمَ مِنَ النَّارِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَالْآثَارِ، أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أبي مالك فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] قَالَ: الْجَحِيمُ مَا عَظُمَ مِنَ النَّارِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابن المنذر عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قَالَ: أَوَّلُهَا جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظَى، ثُمَّ الْحُطُمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الْجَحِيمُ، ثُمَّ الْهَاوِيَةُ، قَالَ: وَالْجَحِيمُ فِيهَا أبو جهل، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا، فَاللَّائِقُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مَنْ عَظُمَ كُفْرُهُ وَاشْتَدَّ وِزْرُهُ وَعَانَدَ عِنْدَ الدَّعْوَةِ وَبَدَّلَ وَحَرَّفَ وَجَحَدَ بَعْدَ عِلْمٍ، لَا مَنْ هُوَ بِمَظِنَّةِ التَّخْفِيفِ، وَإِذَا كَانَ قَدْ صَحَّ فِي أبي طالب أَنَّهُ أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ ﷺ وَبِرِّهِ بِهِ مَعَ إِدْارَكِهِ الدَّعْوَةَ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ الْإِجَابَةِ وَطُولِ عُمُرِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِأَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَشَدُّ مِنْهُ قُرْبًا وَآكَدُ حُبًّا وَأَبْسَطُ عُذْرًا وَأَقْصَرُ عُمُرًا، فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمَا أَنَّهُمَا فِي طَبَقَةِ الْجَحِيمِ، وَأَنْ يُشَدَّدَ عَلَيْهِمَا الْعَذَابُ الْعَظِيمُ، هَذَا لَا يَفْهَمُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ سَلِيمٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: «لَا تَسْتَغْفِرْ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا» ، فَإِنَّ الْبَزَّارَ أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَأَمَّا نُزُولُ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ فَضَعِيفٌ أَيْضًا، وَالثَّابِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أبي طالب، وَقَوْلِهِ ﷺ لَهُ: ( «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ
стр. 743
عَنْكَ» ) وَأَمَّا حَدِيثُ: ( «أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا» ) فَأَخْرَجَهُ الحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَشَأْنُ الْمُسْتَدْرَكِ فِي تَسَاهُلِهِ فِي التَّصْحِيحِ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ تَفَرُّدُهُ بِالتَّصْحِيحِ، ثُمَّ إِنَّ الذهبي فِي مُخْتَصَرِ الْمُسْتَدْرَكِ لَمَّا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَنَقَلَ قَوْلَ الحاكم: صَحِيحٌ، قَالَ عَقِبَهُ: قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، فعثمان بن عمير ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَبَيَّنَ الذهبي ضَعْفَ الْحَدِيثِ وَحَلَفَ عَلَيْهِ يَمِينًا شَرْعِيًّا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ كَانَ لِلنَّظَرِ فِي غَيْرِهَا مَجَالٌ.
الْأَمْرُ الرَّابِعُ: مِمَّا يُنْتَصَرُ بِهِ لِهَذَا الْمَسْلَكِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ كَانُوا فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ تَحَنَّفُوا وَتَدَيَّنُوا بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَتَرَكُوا الشِّرْكَ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ أَبَوَا النَّبِيِّ ﷺ سَلَكُوا سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ: تَسْمِيَةُ مَنْ رَفَضَ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، زيد بن عمرو بن نفيل، عبيد الله بن جحش، عثمان بن الحويرث، ورقة بن نوفل، رباب بن البراء، أسعد أبو كريب الحميري، قس بن ساعدة الإيادي، أبو قيس بن صرمة، انْتَهَى.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَحَنُّفِ زيد بن عمرو، وورقة، وقس، وَقَدْ رَوَى ابن إسحاق وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ تَعْلِيقًا عَنْ أسماء بنت أبي بكر قَالَتْ: (لَقَدْ رَأَيْتُ زيد بن عمرو بن نفيل مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا أَصْبَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ) قُلْتُ: وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْلَكِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِذْ ذَاكَ مَنْ يُبَلِّغُ الدَّعْوَةَ وَيَعْرِفُ حَقِيقَتَهَا عَلَى وَجْهِهَا.
وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: رَغِبْتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرَأَيْتُ أَنَّهَا الْبَاطِلُ، يَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وأبو نعيم كِلَاهُمَا فِي " الدَّلَائِلِ " مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ شَيْخٍ مِنْ جُهَيْنَةَ: أَنَّ عمير بن حبيب الجهني تَرَكَ الشِّرْكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَصَلَّى لِلَّهِ، وَعَاشَ حَتَّى أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ.
وَقَالَ إِمَامُ الْأَشَاعِرَةِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: وأبو بكر مَا زَالَ بِعَيْنِ الرِّضَا مِنْهُ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مُرَادِهِ بِهَذَا الْكَلَامِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الأشعري يَقُولُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ بِحَالَةٍ غَيْرِ مَغْضُوبٍ فِيهَا عَلَيْهِ؛ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَيُؤْمِنُ وَيَصِيرُ مِنْ خُلَاصَةِ الْأَبْرَارِ، قَالَ الشيخ تقي الدين السبكي: لَوْ كَانَ هَذَا مُرَادَهُ لَاسْتَوَى الصِّدِّيقُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي قَالَهَا الأشعري فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ لَمْ تُحْفَظْ عَنْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الصِّدِّيقَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ حَالَةُ كُفْرٍ بِاللَّهِ، فَلَعَلَّ حَالَهُ قَبْلَ الْبَعْثِ كَحَالِ زيد
стр. 744
بن عمرو بن نفيل وَأَقْرَانِهِ، فَلِهَذَا خَصَّصَ الصِّدِّيقَ بِالذِّكْرِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، انْتَهَى كَلَامُ السبكي.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي حَقِّ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمَا حَالَةُ كُفْرٍ بِاللَّهِ، فَلَعَلَّ حَالَهُمَا كَحَالِ زيد بن عمرو بن نفيل، وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَضْرَابِهِمَا، مَعَ أَنَّ الصِّدِّيقَ وزيد بن عمرو إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمَا التَّحَنُّفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِنَّهُمَا كَانَا صَدِيقَيْنِ لَهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَكَانَا يُوَادَّانِهِ كَثِيرًا، فَأَبَوَاهُ أَوْلَى بِعَوْدِ بَرَكَتِهِ عَلَيْهِمَا وَحِفْظِهِمَا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: بَقِيَتْ عُقْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ: ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» ) ، وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ وأبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَأْذَنَ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ» ، فَاحْلُلْ هَذِهِ الْعُقْدَةَ.
قُلْتُ: عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، الْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» ، لَمْ يَتَّفِقْ عَلَى ذِكْرِهَا الرُّوَاةُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثابت عَنْ أَنَسٍ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْهَا، وَقَدْ خَالَفَهُ معمر عَنْ ثابت فَلَمْ يَذْكُرْ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» ، وَلَكِنْ قَالَ لَهُ: «إِذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وَالِدِهِ ﷺ بِأَمْرٍ الْبَتَّةَ، وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ، فَإِنَّ معمرا أَثْبَتُ مِنْ حماد، فَإِنَّ حمادا تُكُلِّمَ فِي حِفْظِهِ وَوَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ مَنَاكِيرُ ذَكَرُوا أَنَّ رَبِيبَهُ دَسَّهَا فِي كُتُبِهِ، وَكَانَ حماد لَا يَحْفَظُ فَحَدَّثَ بِهَا فَوَهِمَ فِيهَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا، وَلَا خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأُصُولِ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ ثابت، قَالَ الحاكم فِي الْمَدْخَلِ: مَا خَرَّجَ مُسْلِمٌ لحماد فِي الْأُصُولِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ ثابت، وَقَدْ خَرَّجَ لَهُ فِي الشَّوَاهِدِ عَنْ طَائِفَةٍ، وَأَمَّا معمر فَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِي حِفْظِهِ وَلَا اسْتُنْكِرَ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِهِ، وَاتَّفَقَ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ الشَّيْخَانِ فَكَانَ لَفْظُهُ أَثْبَتَ، ثُمَّ وَجَدْنَا الْحَدِيثَ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِمِثْلِ لَفْظِ رِوَايَةِ معمر عَنْ ثابت عَنْ أَنَسٍ، فَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إبراهيم بن سعد عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: ( «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ، قَالَ: فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» ) وَهَذَا إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، فَتَعَيَّنَ الِاعْتِمَادُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي آخِرِهِ قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ فَقَالَ: «لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ» ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إبراهيم بن سعد عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالم عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ( «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ
стр. 745
يَصِلُ الرَّحِمَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي النَّارِ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَيْثُ مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ، قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، قَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ» ) .
فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَوْضَحَتْ بِلَا شَكٍّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الْعَامَّ هُوَ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ ﷺ وَرَآهُ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ أَمْرًا مُقْتَضِيًا لِلِامْتِثَالِ فَلَمْ يَسَعْهُ إِلَّا امْتِثَالُهُ، وَلَوْ كَانَ الْجَوَابُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَمْرٌ بِشَيْءٍ الْبَتَّةَ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الْأَوَّلَ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي، رَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا النَّمَطِ فِيهَا لَفْظٌ تَصَرَّفَ فِيهِ الرَّاوِي، وَغَيْرُهُ أَثْبَتُ مِنْهُ، كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ فِي نَفْيِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ، وَقَدْ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِذَلِكَ، وَقَالَ: إِنِ الثَّابِتَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ نَفْيُ سَمَاعِهَا، فَفَهِمَ مِنْهُ الرَّاوِي نَفْيَ قِرَاءَتِهَا، فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَلَى مَا فَهِمَهُ فَأَخْطَأَ، وَنَحْنُ أَجَبْنَا عَنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِنَظِيرِ مَا أَجَابَ بِهِ إِمَامُنَا [الْإِمَامُ] الشَّافِعِيُّ ﵁ عَنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي نَفْيِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ، ثُمَّ لَوْ فُرِضَ اتِّفَاقُ الرُّوَاةِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ كَانَ مُعَارَضًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ إِذَا عَارَضَهُ أَدِلَّةٌ أُخْرَى هِيَ أَرْجَحُ مِنْهُ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ وَتَقْدِيمُ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ الْأَخِيرِ يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ عَدَمِ الْإِذْنِ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ دَعْوَى عَدَمِ الْمُلَازَمَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَعَلَّهُ كَانَتْ عَلَيْهَا تَبِعَاتٌ غَيْرُ الْكُفْرِ فَمُنِعَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لَهَا بِسَبَبِهَا، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ أَقْعَدُ وَهَذَا تَأْوِيلٌ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ طَرِيقًا أُخْرَى لِلْحَدِيثِ مِثْلَ لَفْظِ رِوَايَةِ معمر وَأَزْيدَ وُضُوحًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ السَّائِلَ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَبِيهِ ﷺ فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ تَجَمُّلًا وَتَأَدُّبًا. فَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ لقيط بن عامر ( «أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق فَقَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لِانْسِلَاخِ رَجَبٍ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مِنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ مِنْ خَيْرٍ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَرَضِ قُرَيْشٍ: إِنَّ أَبَاكَ المنتفق فِي النَّارِ، فَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِ وَجْهِي وَلَحْمِي مِمَّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ فَقُلْتُ: وَأَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ قُرَشِيٍّ أَوْ عَامِرِيٍّ مُشْرِكٍ فَقُلْ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ فَأَبْشِرْ بِمَا يَسُوءُكَ» ) هَذِهِ رِوَايَةٌ لَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَهِيَ أَوْضَحُ الرِّوَايَاتِ وَأَبْيَنُهَا.
стр. 746
تَقْرِيرٌ آخَرُ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ السَّائِلِ: فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ أَبِي - إِنْ ثَبَتَ - الْمُرَادَ بِهِ عَمُّهُ أبو طالب لَا أَبُوهُ عبد الله، كَمَا قَالَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ فخر الدين فِي أَبِي إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ عَمُّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ والسدي وَيُرَشِّحُهُ هُنَا أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ على أبي طالب كَانَ شَائِعًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِذَا كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: قُلْ لِابْنِكَ يَرْجِعُ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، وَقَالَ لَهُمْ أبو طالب مَرَّةً لَمَّا قَالُوا لَهُ: أَعْطِنَا ابْنَكَ نَقْتُلْهُ وَخُذْ هَذَا الْوَلَدَ مَكَانَهُ -: أُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ وَآخُذُ ابْنَكُمْ أَكْفُلُهُ لَكُمْ، وَلَمَّا سَافَرَ أبو طالب إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَزَلَ لَهُ بحيرا فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا مِنْكَ؟ قَالَ: هُوَ ابْنِي، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، فَكَانَتْ تَسْمِيَةُ أبي طالب أَبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ شَائِعَةً عِنْدَهُمْ لِكَوْنِهِ عَمَّهُ وَكَوْنِهِ رَبَّاهُ وَكَفَلَهُ مِنْ صِغَرِهِ، وَكَانَ يَحُوطُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَنْصُرُهُ، فَكَانَ مَظِنَّةَ السُّؤَالِ عَنْهُ.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثٍ يُشْبِهُ هَذَا ذِكْرُ أبي طالب فِي ذَيْلِ الْقِصَّةِ، أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أم سلمة (أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَحُثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ وَإِيوَاءِ الْيَتِيمِ وَإِطْعَامِ الضَّيْفِ وَإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَكُلُّ هَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ هشام بن المغيرة، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ قَبْرٍ لَا يَشْهَدُ صَاحِبُهُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ جَذْوَةٌ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ وَجَدْتُ عَمِّي أبا طالب فِي طَمْطَامٍ مِنَ النَّارِ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ لِمَكَانِهِ مِنِّي وَإِحْسَانِهِ إِلَيَّ فَجَعَلَهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ» ) .
تَنْبِيهٌ: قَدِ اسْتَرَاحَ جَمَاعَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ كُلِّهَا وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ [فِيهِمَا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، كَمَا أَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، وَقَالُوا: النَّاسِخُ لِأَحَادِيثِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَلِأَحَادِيثِ الْأَبَوَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَمِنَ اللَّطَائِفِ كَوْنُ الْجُمْلَتَيْنِ فِي الْفَرِيقَيْنِ مُقْتَرِنَتَيْنِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَاطِفَتَيْنِ مُتَنَاسِقَتَيْنِ فِي النَّظْمِ، وَهَذَا الْجَوَابُ مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ يُغْنِي عَنْ كُلِّ جَوَابٍ إِلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَسْلَكِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، فَلِهَذَا احْتَجْنَا إِلَى تَحْرِيرِ الْأَجْوِبَةِ عَنْهَا عَلَى الْمَسْلَكِ الثَّانِي.
تَتِمَّةٌ: قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أبو طالب، وَأَنَّهُ فِي
стр. 747
ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَا فِي النَّارِ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا فِيهَا لَكَانَا أَهْوَنَ عَذَابًا مِنْ أبي طالب؛ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ مِنْهُ مَكَانًا وَأَبْسَطُ عُذْرًا، فَإِنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا الْبَعْثَةَ وَلَا عَرَضَ عَلَيْهِمَا الْإِسْلَامَ فَامْتَنَعَا بِخِلَافِ أبي طالب، وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّهُ أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا فَلَيْسَ أَبَوَاهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَذَا يُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ دَلَالَةَ الْإِشَارَةِ.
نَصْبُ مَيْدَانٍ جَدَلِيٍّ: الْمُجَادِلُونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ كَثِيرٌ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَكْثَرُهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِطُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ فَالْكَلَامُ مَعَهُمْ ضَائِعٌ، غَيْرَ أَنِّي أَنْظُرُ الَّذِي يُجَادِلُ وَأُكَلِّمُهُ بِطَرِيقَةٍ تَقْرُبُ مِنْ ذِهْنِهِ، فَإِنَّهُ أَكْثَرُ مَا عِنْدَهُ أَنْ يَقُولَ: الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا تَقُولُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُجَادِلُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِنَا شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ أَقُولُ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْرَأْ فِي الصَّلَاةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَنْتَ لَا تُصَحِّحُ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» ) . وَأَنْتَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، تَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مِثْلَهُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا لِعُذْرٍ وَأَنْتَ قَادِرٌ تُصَلِّي خَلْفَهُ قَائِمًا لَا جَالِسًا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ التَّيَمُّمِ: ( «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَمَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» ) وَأَنْتَ لَا تَكْتَفِي فِي التَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا بِالْمَسْحِ إِلَى الْكُوعَيْنِ، فَكَيْفَ خَالَفْتَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَلَا بُدَّ إِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ رَائِحَةٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ: قَامَتْ أَدِلَّةٌ أُخْرَى مُعَارِضَةٌ لِهَذِهِ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا، فَأَقُولُ لَهُ: وَهَذَا مِثْلُهُ، لَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِ إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَإِنَّهَا مُلْزِمَةٌ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُجَادِلُ مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ أَقُولُ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ( «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» ) وَأَنْتَ لَا تُثْبِتُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَمْسَحْ كُلَّ رَأْسِهِ» ، وَأَنْتَ تُوجِبُ فِي الْوُضُوءِ مَسْحَ كُلِّ الرَّأْسِ، فَكَيْفَ خَالَفْتَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ؟ فَيَقُولُ: قَامَتْ أَدِلَّةٌ أُخْرَى مُعَارِضَةٌ لَهُ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ لَهُ: وَهَذَا مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُجَادِلُ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ أَقُولُ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ( «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» ) وَأَنْتَ لَا تَشْتَرِطُ فِي النَّجَاسَةِ الْكَلْبِيَّةِ سَبْعًا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ( «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ) وَأَنْتِ تُصَحِّحُ الصَّلَاةَ بِدُونِهَا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: ( «ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» ) وَأَنْتَ تُصَحِّحُ الصَّلَاةَ بِدُونِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الِاعْتِدَالِ، وَصَحَّ فِي
стр. 748
الْحَدِيثِ: ( «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» ) وَأَنْتَ لَا تَعْتَبِرُ الْقُلَّتَيْنِ، وَصَحَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ بَاعَ الْمُدَبَّرَ، وَأَنْتَ لَا تَقُولُ بِبَيْعِ الْمُدَبَّرِ، فَكَيْفَ خَالَفْتَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ؟ فَيَقُولُ: قَامَتْ أَدِلَّةٌ أُخْرَى مُعَارِضَةٌ لَهَا تَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا. فَأَقُولُ لَهُ: وَهَذَا مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُجَادِلُ حَنْبَلِيَّ الْمَذْهَبِ أَقُولُ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: ( «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ) وَثَبَتَ فِيهِمَا ( «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ» ) وَأَنْتَ تَقُولُ بِصِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ، فَكَيْفَ خَالَفْتَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ؟ فَيَقُولُ: قَامَتْ أَدِلَّةٌ أُخْرَى مُعَارِضَةٌ لَهُ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ لَهُ: وَهَذَا مِثْلُهُ.
هَذَا أَقْرَبُ مَا يُقَرَّبُ بِهِ لِأَذْهَانِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِنْ كَانَ الْمُجَادِلُ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ وَلَا فِقْهَ عِنْدَهُ يُقَالُ لَهُ: قَدْ قَالَتِ الْأَقْدَمُونَ: الْمُحَدِّثُ بِلَا فِقْهٍ كَعَطَّارٍ غَيْرِ طَبِيبٍ، فَالْأَدْوِيَةُ حَاصِلَةٌ فِي دُكَّانِهِ وَلَا يَدْرِي لِمَاذَا تَصْلُحُ، وَالْفَقِيهُ بِلَا حَدِيثٍ كَطَبِيبٍ لَيْسَ بِعَطَّارٍ يَعْرِفُ مَا تَصْلُحُ لَهُ الْأَدْوِيَةُ إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدِي الْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ وَالْأُصُولُ وَسَائِرُ الْآلَاتِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَنَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَكَلَّمُ وَكَيْفَ أَقُولُ وَكَيْفَ أَسْتَدِلُّ وَكَيْفَ أُرَجِّحُ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أَخِي - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ - فَلَا يَصْلُحُ لَكَ ذَلِكَ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي الْفِقْهَ وَلَا الْأُصُولَ وَلَا شَيْئًا مِنَ الْآلَاتِ، وَالْكَلَامُ فِي الْحَدِيثِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ وَلَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ عَلَى التَّكَلُّمِ فِيهِ لِمَنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الْعُلُومَ، فَاقْتَصِرْ عَلَى مَا آتَاكَ اللَّهُ وَهُوَ أَنَّكَ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ حَدِيثٍ تَقُولُ: وَرَدَ أَوْ لَمْ يَرِدْ، وَصَحَّحَهُ الْحُفَّاظُ وَحَسَّنُوهُ وَضَعَّفُوهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ فِي الْإِفْتَاءِ سِوَى هَذَا الْقَدْرِ، وَخَلِّ مَا عَدَا ذَلِكَ لِأَهْلِهِ.
لَا تَحْسَبُ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ ... لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبْرَا
وَثَمَّ أَمْرٌ آخَرُ أُخَاطِبُ بِهِ كُلَّ ذِي مَذْهَبٍ مِنْ مُقَلِّدِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَذَلِكَ أَنْ مسلما رَوَى فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ كَانَ يُجْعَلُ وَاحِدَةً فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكر، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عمر» ، فَأَقُولُ لِكُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ: هَلْ تَقُولُ أَنْتَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، تُطَلَّقُ وَاحِدَةً فَقَطْ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، أَعْرَضْتُ عَنْهُ، وَإِنْ قَالَ: لَا، أَقُولُ لَهُ: فَكَيْفَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؟ فَإِنْ قَالَ: لِمَا عَارَضَهُ، أَقُولُ لَهُ: فَاجْعَلْ هَذَا مِثْلَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ حَدِيثٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يُقَالُ بِمُقْتَضَاهُ لِوُجُودِ الْمَعَارِضِ لَهُ.
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا لَهُ أَبَوَيْهِ حَتَّى آمَنَا بِهِ. وَهَذَا الْمَسْلَكُ مَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ حُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمُ ابن شاهين وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ،
стр. 749
والسهيلي، والقرطبي، والمحب الطبري، وَالْعَلَّامَةُ ناصر الدين بن المنير، وَغَيْرُهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابن شاهين فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ، كِلَاهُمَا فِي غَرَائِبِ مالك بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عائشة قَالَتْ: «حَجَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَمَرَّ بِي عَلَى عَقَبَةٍ بِالْحَجُونِ وَهُوَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمٌّ، فَنَزَلَ فَمَكَثَ عَنِّي طَوِيلًا ثُمَّ عَادَ إِلَيَّ وَهُوَ فَرِحٌ مُبْتَسِمٌ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: ذَهَبْتُ لِقَبْرِ أُمِّي فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهَا فَأَحْيَاهَا فَآمَنَتْ بِي وَرَدَّهَا اللَّهُ» . هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ، لَكِنَّ الصَّوَابَ ضَعْفُهُ لَا وَضْعُهُ، وَقَدْ أَلَّفْتُ فِي بَيَانِ ذَلِكَ جُزْءًا مُفْرَدًا، وَأَوْرَدَ السهيلي فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ بِسَنَدٍ قَالَ أَنَّ فِيهِ مَجْهُولِينَ عَنْ عائشة «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَ أَبَوَيْهِ فَأَحْيَاهُمَا لَهُ فَآمَنَا بِهِ ثُمَّ أَمَاتَهُمَا» ، وَقَالَ السهيلي بَعْدَ إِيرَادِهِ: اللَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ تَعْجَزُ رَحْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَنَبِيُّهُ ﷺ أَهْلٌ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا شَاءَ مِنْ فَضْلِهِ وَيُنْعِمُ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَقَالَ القرطبي: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ حَدِيثِ الْإِحْيَاءِ وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ إِحْيَاءَهُمَا مُتَأَخِّرٌ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمَا بِدَلِيلِ حَدِيثِ عائشة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ ابن شاهين نَاسِخًا لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ناصر الدين بن المنير المالكي فِي كِتَابِ " الْمُقْتَفَى فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى ": قَدْ وَقَعَ لِنَبِيِّنَا ﷺ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى نَظِيرَ مَا وَقَعَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مُنِعَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ دَعَا اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَ لَهُ أَبَوَيْهِ، فَأَحْيَاهُمَا لَهُ فَآمَنَا بِهِ وَصَدَّقَا وَمَاتَا مُؤْمِنَيْنِ، وَقَالَ القرطبي: فَضَائِلُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَزَلْ تَتَوَالَى وَتَتَتَابَعُ إِلَى حِينِ مَمَاتِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ وَأَكْرَمَهُ، قَالَ: وَلَيْسَ إِحْيَاؤُهُمَا وَإِيمَانُهُمَا بِهِ يَمْتَنِعُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ إِحْيَاءُ قَتِيلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِخْبَارُهُ بِقَاتِلِهِ، وَكَانَ عِيسَى ﵇ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا ﵊ أَحْيَا اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ جَمَاعَةً مِنَ الْمَوْتَى، قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ إِيمَانِهِمَا بَعْدَ إِحْيَائِهِمَا زِيَادَةَ كَرَامَةٍ فِي فَضِيلَتِهِ، وَقَالَ الْحَافِظُ فتح الدين بن سيد الناس فِي سِيرَتِهِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ الْإِحْيَاءِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي التَّعْذِيبِ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ رَاقِيًا فِي الْمَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ صَاعِدًا فِي الدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّةِ إِلَى أَنْ قَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ الطَّاهِرَةَ إِلَيْهِ وَأَزْلَفَهُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ لَدَيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ حِينَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ دَرَجَةً حَصَلَتْ لَهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَأَنْ يَكُونَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِيمَانُ مُتَأَخِّرًا عَنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ فَلَا تَعَارُضَ. انْتَهَى،
стр. 750
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ خَبَرَ حليمة وَمَا أَسْدَاهُ ﷺ إِلَيْهَا حِينَ قُدُومِهَا عَلَيْهِ:
هَذَا جَزَاءُ الْأُمِّ عَنْ إِرْضَاعِهِ ... لَكِنَّ جَزَاءَ اللَّهِ عَنْهُ عَظِيمُ
وَكَذَاكَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِأُمِّهِ ... عَنْ ذَاكَ آمِنَةَ يَدٌ وَنَعِيمُ
وَيَكُونُ أَحْيَاهَا الْإِلَهُ وَآمَنَتْ ... بِمُحَمَّدٍ فَحَدِيثُهَا مَعْلُومُ
فَلَرُبَّمَا سَعِدَتْ بِهِ أَيْضًا كَمَا ... سَعِدَتْ بِهِ بَعْدَ الشَّقَاءِ حَلِيمُ
وَقَالَ الْحَافِظُ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " مَوْرِدُ الصَّادِي فِي مَوْلِدِ الْهَادِي " بَعْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مُنْشِدًا لِنَفْسِهِ:
حَبَا اللَّهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ ... عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفَا
فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ ... لِإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفَا
فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ ... وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفَا
خَاتِمَةٌ: وَجَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَمْ تَقْوَ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الْمَسَالِكُ فَأَبْقَوْا حَدِيثَيْ مُسْلِمٍ وَنَحْوَهُمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ عَنْهَا بِدَعْوَى نَسْخٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ، قَالَ السهيلي فِي " الرَّوْضِ الْأُنُفِ " بَعْدَ إِيرَادِهِ حَدِيثَ مُسْلِمٍ: وَلَيْسَ لَنَا نَحْنُ أَنْ نَقُولَ ذَلِكَ فِي أَبَوَيْهِ ﷺ لِقَوْلِهِ: ( «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ» ) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الْآيَةَ، وَسُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: إِنْ أَبَا النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّارِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ مَلْعُونٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] قَالَ: وَلَا أَذًى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ عَنْ أَبِيهِ إِنَّهُ فِي النَّارِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلٍ خَامِسٍ وَهُوَ الْوَقْفُ، قَالَ الشَّيْخُ تاج الدين الفاكهاني فِي كِتَابِهِ " الْفَجْرُ الْمُنِيرُ ": اللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ أَبَوَيْهِ، وَقَالَ الباجي فِي " شَرْحِ الْمُوَطَّأِ " قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَى النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤْذَى بِمُبَاحٍ وَلَيْسَ لَنَا الْمَنْعُ مِنْهُ وَلَا يَأْثَمُ فَاعِلُ الْمُبَاحِ وَإِنْ وَصَلَ بِذَلِكَ أَذًى إِلَى غَيْرِهِ، قَالَ: وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) إِذْ أَرَادَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ: «إِنَّمَا فاطمة بَضْعَةٌ مِنِّي وَإِنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ
стр. 751
عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا» ) فَجَعَلَ حُكْمَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَى بِمُبَاحٍ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الْآيَتَيْنِ، فَشَرَطَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْذُوا بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، وَأَطْلَقَ الْأَذَى فِي خَاصَّةٍ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. انْتَهَى.
وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قَالَ: حَدَّثَنَا نوفل بن الفرات - وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ كُتَّابِ الشَّامِ مَأْمُونًا عِنْدَهُمُ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى كُورَةِ الشَّامِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَزِنُ بَالْمَنَانِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْتَعْمِلَ رَجُلًا عَلَى كُورَةٍ مَنْ كُوَرِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَبُوهُ يَزِنُ بَالْمَنَانِيَّةِ؟ قَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا عَلَيَّ! كَانَ أَبُو النَّبِيِّ ﷺ مُشْرِكًا، فَقَالَ عمر: آهٍ، ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: أَأَقْطَعُ لِسَانَهُ؟ أَأَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ؟ أَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ ثُمَّ قَالَ: لَا تَلِي لِي شَيْئًا مَا بَقِيتُ، وَقَدْ سُئِلْتُ أَنْ أَنْظِمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبْيَاتًا أَخْتِمُ بِهَا هَذَا التَّأْلِيفَ فَقُلْتُ:
إِنَّ الَّذِي بَعَثَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ... أَنْجَى بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِمَّا يُجْحِفُ
وَلِأُمِّهِ وَأَبِيهِ حُكْمٌ شَائِعٌ ... أَبْدَاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا صَنَّفُوا
فَجَمَاعَةٌ أَجْرَوْهُمَا مَجْرَى الَّذِي ... لَمْ يَأْتِهِ خَبَرُ الدُّعَاةِ الْمُسْعِفُ
وَالْحُكْمُ فِيمَنْ لَمْ تَجِئْهُ دَعْوَةٌ ... أَنْ لَا عَذَابَ عَلَيْهِ حُكْمٌ يُؤْلَفُ
فَبِذَاكَ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ كُلُّهُمْ ... وَالْأَشْعَرِيَّةُ مَا بِهِمْ مُتَوَقِّفُ
وَبِسُورَةِ الْإِسْرَاءِ فِيهِ حُجَّةٌ ... وَبِنَحْوِ ذَا فِي الذِّكْرِ آيٌ تُعْرَفُ
وَلِبَعْضِ أَهْلِ الْفِقْهِ فِي تَعْلِيلِهِ ... مَعْنًى أَرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ وَأَلْطَفُ
وَنَحَا الْإِمَامُ الْفَخْرُ رَازِيُّ الْوَرَى ... مَنْحًى بِهِ لِلسَّامِعِينَ تَشَنُّفُ
إِذْ هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدُوا وَلَمْ ... يَظْهَرْ عِنَادٌ مِنْهُمْ وَتَخَلُّفُ
قَالَ الْأُولَى وَلَدُوا النَّبِيَّ الْمُصْطَفَى ... كُلٌّ عَلَى التَّوْحِيدِ إِذْ يَتَحَنَّفُ
مِنْ آدَمَ لِأَبِيهِ عَبَدِ اللَّهَ مَا ... فِيهِمْ أَخُو شِرْكٍ وَلَا مُسْتَنْكِفُ
فَالْمُشْرِكُونَ كَمَا بِسُورَةِ تَوْبَةَ ... نَجَسٌ وَكُلُّهُمْ بِطُهْرٍ يُوصَفُ
وَبِسُورَةِ الشُّعَرَاءِ فِيهِ تَقَلَّبَ ... فِي السَّاجِدِينَ فَكُلُّهُمْ مُتَحَنِّفُ
هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّينِ فِي ... أَسْرَارِهِ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الذَّرْفُ
стр. 752
فَجَزَاهُ رَبُّ الْعَرْشِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... وَحَبَاهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ تُزَخْرَفُ
فَلَقَدْ تَدَيَّنَ فِي زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ ... فِرْقَةٌ دِينَ الْهُدَى وَتَحَنَّفُوا
زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو وَابْنُ نَوْفَلٍ هَكَذَا الصِّدِّيقُ ... مَا شِرْكٌ عَلَيْهِ يَعْكُفُ
قَدْ فَسَّرَ السُّبْكِيُّ بِذَاكَ مَقَالَةً ... لِلْأَشْعَرِيِّ وَمَا سِوَاهُ مُزَيَّفُ
إِذْ لَمْ تَزَلْ عَيْنُ الرِّضَا مِنْهُ عَلَى الصِّدِّيقِ ... وَهُوَ بِطُولِ عُمْرٍ أَحْنَفُ
عَادَتْ عَلَيْهِ صُحْبَةُ الْهَادِي فَمَا ... فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالضَّلَالَةِ يَقْرَفُ
فَلَأُمُّهُ وَأَبُوهُ أَحْرَى سِيَّمَا ... وَرَأَتْ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَا يُوصَفُ
وَجَمَاعَةٌ ذَهَبُوا إِلَى إِحْيَائِهِ ... أَبَوَيْهِ حَتَّى آمَنَا لَا خُوِّفُوا
وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ حَدِيثًا مُسْنَدًا ... فِي ذَاكَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ مُضَعَّفُ
هَذِي مَسَالِكُ لَوْ تَفَرَّدَ بَعْضُهَا ... لَكَفَى فَكَيْفَ بِهَا إِذَا تَتَأَلَّفُ
وَبِحَسْبِ مَنْ لَا يَرْتَضِيهَا صَمْتُهُ ... أَدَبًا وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ هُوَ مُنْصِفُ
صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... مَا جَدَّدَ الدِّينَ الْحَنِيفَ مُحَنَّفُ
حَدِيثٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بَشْرَانَ أَنَا أبو جعفر الرزاز ثَنَا يحيى بن جعفر أَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ أَنَا يس بن معاذ ثَنَا عبد الله بن قريد عَنْ طلق بن علي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لَوْ أَدْرَكْتُ وَالِدَيَّ أَوْ أَحَدَهُمَا وَأَنَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ قَرَأْتُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ تُنَادِي يَا مُحَمَّدُ، لَأَجَبْتُهَا: لَبَّيْكِ» ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يس بن معاذ ضَعِيفٌ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الأزرقي فِي تَارِيخِ مَكَّةَ: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى عَنْ عبد العزيز بن عمران عَنْ هشام بن عاصم الأسلمي قَالَ: لَمَّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلُوا بِالْأَبْوَاءِ قَالَتْ هند ابنة عتبة لأبي سفيان بن حرب: لَوْ بَحَثْتُمْ قَبْرَ آمنة أم محمد فَإِنَّهُ بِالْأَبْوَاءِ، فَإِنْ أُسِرَ أَحَدُكُمُ افْتَدَيْتُمْ بِهِ كُلَّ إِنْسَانٍ بِإِرْبٍ مَنْ آرَابِهَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبو سفيان لِقُرَيْشٍ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَا تَفْتَحْ عَلَيْنَا هَذَا الْبَابَ إِذًا تَبْحَثُ بَنُو بَكْرٍ مَوْتَانَا.
فَائِدَةٌ: مِنْ شِعْرِ عبد الله وَالِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْرَدَهُ الصلاح الصفدي فِي تَذْكِرَتِهِ:
لَقَدْ حَكَمَ السَّارُونَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ ... بِأَنَّ لَنَا فَضْلًا عَلَى سَادَةِ الْأَرْضِ
وَإِنَّ أَبِي ذُو الْمَجْدِ وَالسُّؤْدَدِ الَّذِي ... يُشَارُ بِهِ مَا بَيْنَ نَشْزٍ إِلَى خَفْضِ
وَجَدِّي وَآبَاءٌ لَهُ أَثَّلُوا الْعُلَا ... قَدِيمًا بِطِيبِ الْعِرْقِ وَالْحَسَبِ الْمَحْضِ
стр. 753
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ: وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
[الْفَتَاوَى الصوفية]
[الزهد]
الْفَتَاوَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّصَوُّفِ
مَسْأَلَةٌ: فِيمَا نَقَلَهُ الْحَافِظُ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أبي عبد الله محمد بن الوراق لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ فَعَدَّ مِنْهَا بِأَنْ قَالَ: مَنِ اكْتَفَى بِالْفِقْهِ دُونَ الزُّهْدِ يَفْسُقُ، فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا هُوَ الزُّهْدُ الَّذِي يَكْتَفِي بِالْفِقْهِ دُونَهُ؟ وَهَلِ الْفَقِيهُ إِذَا اكْتَفَى بِالْفِقْهِ وَخَرَجَ مِنَ الْخِلَافِ، هَلْ يُعَدُّ هَذَا مِنَ الزُّهْدِ الَّذِي عَنَاهُ الشَّيْخُ هُنَا؟ الْجَوَابُ: هَذَا كَلَامُ رَجُلٍ صُوفِيٍّ تَكَلَّمَ بِحَسْبِ مَقَامِهِ، فَإِنَّ الْخَوَاصَّ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ عَلَى مَا لَا يُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، فَأَطْلَقَ عَلَى الْحَسَنَاتِ سَيِّئَاتٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَلِيِّ مَقَامِهِمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ ﵁:
وَإِنْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا قَضَيْتُ بِرِدَّتِي
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرِدَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّ الْغِيبَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ، فَكُلُّ هَذَا مِنْ طَرِيقَةِ الْخَوَاصِّ يُلْزِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَا لَا يَلْزَمُ الْعَامَّةَ.
مَسْأَلَةٌ: فِي جَمَاعَةٍ صُوفِيَّةٍ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ ثُمَّ إِنَّ شَخْصًا مِنَ الْجَمَاعَةِ قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ ذَاكِرًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ لِوَارِدٍ حَصَلَ لَهُ، فَهَلْ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ أَمْ لَا، وَهَلْ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ وَزَجْرُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: لَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِعَيْنِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سراج الدين البلقيني فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِمَانِعِ التَّعَدِّي بِمَنْعِهِ، وَيَلْزَمُ الْمُتَعَدِّيَ بِذَلِكَ التَّعْزِيرُ، وَسُئِلَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ برهان الدين الأبناسي فَأَجَابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَزَادَ أَنَّ صَاحِبَ الْحَالِ مَغْلُوبٌ، وَالْمُنْكِرَ مَحْرُومٌ مَا ذَاقَ لَذَّةَ التَّوَاجُدِ وَلَا صَفَا لَهُ الْمَشْرُوبُ، إِلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِ جَوَابِهِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالسَّلَامَةُ فِي تَسْلِيمِ حَالِ الْقَوْمِ، وَأَجَابَ أَيْضًا بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ كُلُّهُمْ كَتَبُوا عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِالْمُوَافَقَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ.
أَقُولُ: وَكَيْفَ يُنْكَرُ الذِّكْرُ قَائِمًا وَالْقِيَامُ ذَاكِرًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٩١]
стр. 754
﴿اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] وَقَالَتْ عائشة ﵂ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» ، وَإِنِ انْضَمَّ إِلَى هَذَا الْقِيَامِ رَقْصٌ أَوْ نَحْوُهُ فَلَا إِنْكَارَ عَلَيْهِمْ، فَذَلِكَ مِنْ لَذَّاتِ الشُّهُودِ أَوِ الْمَوَاجِيدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «رَقْصُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» ، وَذَلِكَ مِنْ لَذَّةٍ هَذَا الْخِطَابِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَ هَذَا أَصْلًا فِي رَقْصِ الصُّوفِيَّةِ لِمَا يُدْرِكُونَهُ مِنْ لَذَّاتِ الْمَوَاجِيدِ، وَقَدْ صَحَّ الْقِيَامُ وَالرَّقْصُ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالسَّمَاعِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عز الدين بن عبد السلام.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الشَّيْخِ أبي العباس المرسي فِي حِزْبِهِ: إِلَهِي مَعْصِيَتُكَ نَادَتْنِي بِالطَّاعَةِ، وَطَاعَتُكَ نَادَتْنِي بِالْمَعْصِيَةِ، فَفِي أَيِّهِمَا أَخَافُكَ وَفِي أَيِّهِمَا أَرْجُوكَ؟ إِنْ قُلْتُ بِالْمَعْصِيَةِ، قَابَلْتَنِي بِفَضْلِكَ فَلَمْ تَدَعْ لِي خَوْفًا، وَإِنْ قُلْتُ بِالطَّاعَةِ، قَابَلْتَنِي بِعَدْلِكَ فَلَمْ تَدَعْ لِي رَجَاءً، فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ أَرَى إِحْسَانِي مَعَ إِحْسَانِكَ؟ ! أَمْ كَيْفَ أَجْهَلُ فَضْلَكَ مَعَ عِصْيَانِكَ؟ ! ق ج سِرَّانِ مِنْ سِرِّكَ وَكِلَاهُمَا دَالَّانِ عَلَى غَيْرِكَ، فَبِالسِّرِّ الْجَامِعِ الدَّالِّ عَلَيْكَ لَا تَدَعْنِي لِغَيْرِكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الْجَوَابُ: حَسْبَمَا ظَهَرَ قَوْلُهُ: إِلَهِي مَعْصِيَتُكَ نَادَتْنِي بِالطَّاعَةِ: يَعْنِي لِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهَا مِنَ النَّدَمِ وَالْخَوْفِ وَالِانْكِسَارِ وَالذُّلِّ وَرَجَاءِ التَّوْبَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالتَّقْصِيرِ وَنُزُولِ الْمَرْتَبَةِ، وَطَاعَتُكَ نَادَتْنِي بِالْمَعْصِيَةِ لِمَا قَدْ يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ أَضْدَادِ ذَلِكَ وَمِنْ مُخَالَطَةِ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ عَنْ كليب الجهني عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : ( «لَوْلَا أَنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ مِنَ الْعُجْبِ مَا خَلَّيْتُ بَيْنَ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الذَّنْبِ» ) وَمَا أَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «لَوْلَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْ يَعْجَبُ بِعَمَلِهِ لَعُصِمَ مِنَ الذَّنْبِ حَتَّى لَا يَهُمَّ بِهِ، وَلَكِنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْعُجْبِ» ) وَمَا أَخْرَجَهُ أبو نعيم وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وأبي سعيد مَرْفُوعًا: ( «لَوْ لَمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، الْعُجْبَ الْعُجْبَ» ) وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَوْلِيَاءِ وأبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ يَقُولُ اللَّهُ: ( «وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يَسْأَلُنِي الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فَيُفْسِدُهُ ذَلِكَ» ) - ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ -
стр. 755
وَأَيْضًا فَالطَّاعَةُ قَدْ تَكُونُ مَذْمُومَةً لِنُقْصَانِهَا بِتَخَلُّفِ أُمُورٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَخَلَّفَ عَنْهَا، كَالذِّكْرِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَارِنَهُ حُضُورُ الْقَلْبِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ: اسْتِغْفَارُنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ، وَكَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَارِنَهُ الِائْتِمَارُ وَالِانْتِهَاءُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي ذَمِّ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَأْتَمِرْ بِهِ، وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ، وَكَالصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نَاهِيَةً عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ كَمَا وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَكَالصَّوْمِ يَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّهَ عَنِ الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا قَالَ ﵊: ( «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِ الطَّاعَاتِ الَّتِي لَا تُحْمَدُ مَا لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْكَمَالِ وَتَخْلُصْ مِنْ شَوَائِبِ النُّقْصَانِ.
قَوْلُهُ: إِنْ قُلْتُ بِالْمَعْصِيَةِ قَابَلْتَنِي بِفَضْلِكَ، أَيْ: ذَكَّرْتَنِي فَضْلَكَ وَسِعَةَ رَحْمَتِكَ وَمُغْفِرَتِكَ فَلَمْ تَدَعْ لِي خَوْفًا وَفَتَحْتَ لِي أَبْوَابَ الرَّجَاءِ، فِي الْحَدِيثِ: ( «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. قَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْتُ بِالطَّاعَةِ قَابَلْتَنِي بِعَدْلِكَ، أَيْ: ذَكَّرْتَنِي مَا لِي مِنَ الذُّنُوبِ وَمَا فِي طَاعَتِي مِنَ التَّقْصِيرِ الَّذِي يَكَادُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الِاعْتِدَادِ بِهَا فَضْلًا عَنْ تَكْفِيرِ الْخَوَاتِمِ. قَوْلُهُ: فَلَمْ تَدَعْ لِي رَجَاءً: لِاتِّسَاعِ الْخَوْفِ حِينَئِذٍ عَلَيَّ، فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي مَرْضَاتِ اللَّهِ لَخَفَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، قَوْلُهُ: فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ أَرَى إِحْسَانِي مَعَ إِحْسَانِكَ! أَيْ كَيْفَ أَعُدُّهُ إِحْسَانًا يَسْتَوْجِبُ الْجَزَاءَ مَعَ أَنَّ إِقْدَارِي عَلَيْهِ إِحْسَانٌ مِنْكَ وَنِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ وَالْمَزِيدَ فِي الْعَمَلِ، وَكُلُّ مَا وَقَعَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَالْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ، وَهَلُمَّ جَرَّا مَعَ مَزِيدِ الْإِحْسَانِ وَجَزِيلِ الْإِفْضَالِ الْخَارِجِ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُنَاسِبُ جُمْلَةَ الْخَوْفِ، قَوْلُهُ: أَمْ كَيْفَ أَجْهَلُ فَضْلَكَ بِالْحِلْمِ وَالْإِمْهَالِ وَالْإِنْعَامِ مَعَ عِصْيَانِي لَكَ؟ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُنَاسِبُ جُمْلَةَ الرَّجَاءِ، قَوْلُهُ: ق ج سِرَّانِ مِنْ سِرِّكَ الظَّاهِرِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَخَذَ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ مِنْ وَصْفَيْنِ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ الم، وطس، وَق، وَن، وَص، أَنَّهَا حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا مِنَ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهَا مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْقَافُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَدِيرٍ أَوْ مُقْتَدِرٍ، وَالْجِيمُ مِنْ جَوَادٍ، وَكَلَاهُمَا مُنَاسِبَانِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَالْخَوْفُ يُنَاسِبُهُ الْقُدْرَةُ أَوِ الِاقْتِدَارُ، وَالرَّجَاءُ يُنَاسِبُهُ الْجُودُ، قَوْلُهُ:
стр. 756
وَكِلَاهُمَا دَالَّانِ عَلَى غَيْرِكَ، يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ لَهُمَا تَعَلُّقًا بِالْغَيْرِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِمَقْدُورٍ وَالِاقْتِدَارَ بِمَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَالْجُودَ بِمُتَفَضَّلٍ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ شَرْعًا أَنْ يُوصَفَ بِهِمَا غَيْرُهُ تَعَالَى وَأَنْ يُطْلَقَا عَلَيْهِ وَلِذَا قَالَ عقبه: فَبِالسِّرِّ الْجَامِعِ الدَّالِّ عَلَيْكَ، أَيْ: بِالِاسْمِ الْخَاصِّ بِكَ وَهُوَ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْغَيْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى، وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ الدَّالُّ عَلَى الذَّاتِ وَهُوَ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ فَإِنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْوَصْفِ بِمَدْلُولِهَا، قَوْلُهُ: لَا تَدَعْنِي لِغَيْرِكَ بَلِ اجْعَلْنِي لَكَ عِبَادَتِي وَدُعَائِي وَخَوْفِي وَرَجَائِي وَتَوَجُّهِي وَحَرَكَاتِي وَسَكَنَاتِي، هَذَا مَا ظَهَرَ، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ كَلَامًا لِلشِّهَابِ أحمد بن عبد الواحد بن الميلق عَلَى هَذَا الْفَصْلِ قَالَ: قَوْلُ الْأُسْتَاذِ يَعْنِي أبا العباس المرسي ﵁: إِلَهِي مَعْصِيَتُكَ نَادَتْنِي بِالطَّاعَةِ: يَحْتَمِلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ سَبَقَ تَعَلُّقُ عِلْمِكَ بِهَا وَقُدْرَتِكَ بِإِيجَادِهَا وَإِرَادَتِكَ بِتَخْصِيصِهَا، فَتَعَيَّنَ وُجُودُهَا عَلَى حَسَبِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ تَعْيِينًا لُزُومِيًّا لِلْعَبْدِ ضَرُورَةَ بُطْلَانِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ وَتَبَدُّلِهِ جَهْلًا، وَتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَتَبَدُّلِهَا عَجْزًا، وَتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَتَبَدُّلِهَا قَسْرًا، فَلَيْسَ إِلَّا وُقُوعُ هَذَا الْمُقْتَضَى عَلَى حَسَبِ سَابِقِ الْقَضَاءِ فَأَنَّى يُمْكِنُ الْعَبْدَ الْحَوْلُ عَنْهَا، وَوُقُوعُهَا مِنْهُ حَتْمًا عَدْلًا مِنَ الْقَهَّارِ لَا ظُلْمًا، فَلِهَذَا كَانَتْ مُنَادِيَةً عَلَيْهِ بِالطَّاعَةِ أَيْ بِالدُّخُولِ تَحْتَ مَجَارِي الْقَهْرِ اسْتِسْلَامًا لِلْقَهَّارِ كَمَا قَالَ - جَلَّ وَعَلَا -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فَهَذِهِ الطَّاعَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّهَا مَجَازٌ فِي تِلْوِ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَوْلُهُ ﵁ وَطَاعَتُكَ نَادَتْنِي بِالْمَعْصِيَةِ: يَحْتَمِلُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ مُشِيرًا إِلَى مَا سَبَقَ، تَعَلُّقُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، بَدَأَ بِالطَّاعَةِ الَّتِي جَرَتْ عَلَى يَدِ الْعَبْدِ فَكَانَ الْحَقُّ وُقُوعَهَا وَالْبَاطِلُ امْتِنَاعَهَا لِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْعَبْدَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَطَاعَ وَمَا خَالَفَ فَيَكُونُ مُنَادِيًا عَلَى نَفْسِهِ بِلِسَانِ حَالِ رُؤْيَتِهِ طَاعَتَهُ مَوْلَاهُ بِدَعْوَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي حَالِ الْإِطَاعَةِ حَقِيقَةً فَعَدَلَ عَنِ الْمُخَالَفَةِ لِلطَّاعَةِ فَأَطَاعَ، وَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فِي حَالِ جَرَيَانِ الْفَضْلِ الْمُقَدَّرِ الْمُسَمَّى بِالطَّاعَةِ فَهُوَ فِي عَيْنِ الْمَعْصِيَةِ، فَتَبَيَّنَ مِنْ هُنَا أَنَّ نِسْبَةَ الطَّاعَةِ لَهُ مَجَازٌ كَنِسْبَتِهَا لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ فُهِمَ الْغَرَضُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمِنْ هَذَا الْمَوْطِنِ يُفْهَمُ
стр. 757
مَعْنَى قَوْلِهِ لِسَيِّدِ خَلْقِهِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى أَيْضًا لَهُ ﷺ : ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ثُمَّ قَالَ: فَفِي أَيِّهِمَا [أَخَافُكَ وَفِي أَيِّهِمَا] أَرْجُوكَ، إِنْ قُلْتُ بِالْمَعْصِيَةِ قَابَلْتَنِي بِفَضْلِكَ فَلَمْ تَدَعْ لِي خَوْفًا، أَوْ قُلْتُ بِالطَّاعَةِ قَابَلْتَنِي بِعَدْلِكَ فَلَمْ تَدَعْ لِي رَجَاءً، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنْ رَأَيْتُ مَعْصِيَتِي لَكَ مِنِّي حَيْثُ الْأَدَبُ الشَّرْعِيُّ قَامَ الْخَوْفُ بِي مِنْكَ فَأَطْفَأَهُ وَارِدُ الْفَضْلِ مِنْكَ عَلَيَّ بِإِشْهَادِي الْحَقِيقَةَ مِنْ لَدُنْكَ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] فَيَنْزَهِقُ الْخَوْفُ هُنَا، وَقَوْلُهُ ﵁ وَإِنْ قُلْتُ بِالطَّاعَةِ قَابَلْتَنِي بِعَدْلِكَ فَلَمْ تَدَعْ لِي رَجَاءً، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَإِنْ رَأَيْتُ طَاعَتِي مِنِّي لَكَ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ الشَّرْعِيُّ قَامَ الرَّجَاءُ بِي فَأَفْنَاهُ وَارِدُ الْعَدْلِ مِنْكَ عَلِيَّ بِإِشْهَادِي الْحَقِيقَةَ مِنْ لَدُنْكَ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] .
وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ هَذَا فَلْتَعْلَمْ أَنَّ لِلْفَضْلِ تَعَلُّقَاتٍ وَلِلْعَدْلِ تَعَلُّقَاتٍ وَكِلَاهُمَا دَالَّانِ عَلَى غِنَاهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَمِنْ تَعَلُّقَاتِ فَضْلِهِ مَا يُعَامِلُ بِهِ مَنْ عَصَاهُ مِنْ سِتْرٍ وَبِرٍّ وَعَطْفٍ وَلُطْفٍ وَحَنَانٍ وَإِحْسَانٍ وُجُودٍ وَبَسْطِ يَدِ الرَّحْمَةِ لِلْعَاصِي مِنْ غَيْرِ حُدُودٍ، وَمِنْ مُتَعَلِّقَاتِ عَدْلِهِ مَا يُعَامِلُ بِهِ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَبْضٍ فِي الرِّزْقِ وَدُحُوضٍ بَيْنَ الْخَلْقِ وَضَعْفٍ فِي الْجَسَدِ وَقِلَّةِ حَظٍّ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْبَلَدِ وَالْإِخْوَانِ وَالْأَخْدَانِ وَالْوَلَدِ.
وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْعَاصِي بِأَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْفَضْلِ فِي حَالِ عِصْيَانِهِ رُبَّمَا يُزِيلُ عَنْهُ الْخَوْفَ، وَمُقَابَلَةُ الطَّائِعِ بِأَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْعَدْلِ فِي حَالِ طَاعَتِهِ رُبَّمَا يُزِيلُ عَنْهُ الرَّجَاءَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وُرُودِ أَثَرِ الْفَضْلِ عَلَى سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ وُرُودِ أَثَرِ الْعَدْلِ عَلَى عَطْبِ الْعَاقِبَةِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَقَعَ الْإِيهَامُ عَلَى الْخَلْقِ فَجَاءَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وَهُوَ رُؤْيَةُ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ حَقِيقَةً مَعَ التَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ مِنْهَا حَقِيقَةً، وَرَدِّ الْأَشْيَاءِ اللَّائِقَةِ بِالنَّسَبِ لِلْعِبَادِ كَسْبًا شَرِيعَةً مَعَ الِانْسِلَاخِ عَنْ لُحُوظِ الْحُظُوظِ تَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَاسْتِسْلَامًا إِلَيْهِ وَفَنَاءً لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ فِي ضِمْنِ مَا أَشَارَ الْأُسْتَاذُ إِلَيْهِ حَسْبَ فَهْمِي عَنْهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَاللَّهَ أَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
стр. 758
ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ رَأَيْتُ فَائِدَةً:
لَقَدْ رَمَزَ الْأَشْيَاخُ سِرًّا مُكَتَّمًا ... عَنِ الْقَافِ لَمْ يُبْدُوا لَهَا أَبَدًا حَلَّا
يَقُولُونَ عِنْدَ الْقَافِ قِفْ لِتَرَى الَّذِي ... أَرَدْنَاهُ لَا تَبْغِي بِهِ بَدَلًا أَصْلَا
وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ عبد السلام البغدادي فَأَجَابَ:
يُرِيدُونَ قَافَ الرِّقِّ يَا ذَا النُّهَى فَكُنْ ... بِمَقْصُودِهِمْ كَيْ تُدْرِكَ الْعِلْمَ وَالْفَضْلَا
فَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ هُمْ يَزْعُمُونَ مَنْ ... دَرَى نَفْسَهُ فَهُوَ الَّذِي عَرَفَ الْمَوْلَى
دَارِهَا بِرِقٍّ وَانْكِسَارٍ وَذِلَّةٍ ... وَخَالِقُهُ رَبٌّ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى
وَقَدْ جَاءَ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ دَلِيلُهُمْ ... هِيَ الْمُبْتَغَى مِنْ خَلْقِهِ حَقِّقَ النَّقْلَا
بِآخِرِ آيِ الذَّارِيَاتِ تَرَاهُمُ ... بِتَأْوِيلِهِمْ كَيْ يَعْرِفُوا حَبَّذَا وَصْلًا
ثَلَاثُمِائَةِ عِلْمٍ لِمَنْ شَاءَ فَهْمَهَا ... مِنَ الرَّاءِ وَالْقَافِ اجْعَلْنَ ذَلِكَ الْأَصْلَا
مَنَازِلُ سَيْرِ السَّالِكِينَ تَعُدُّهَا ... بِأَقْسَامٍ عَشْرٍ فَاجْعَلْنَ مِائَةً عَدْلَا
فَأَوَّلُهَا بَابُ الْإِنَابَةِ يَا فَتَى ... وَآخِرُهَا التَّوْحِيدُ وَالْمَطْلَبُ الْأَعْلَى
ثَلَاثُ عُلُومٍ مِنْ طِبَاقٍ أَتَى بِهَا ... هُوَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ جَادَ بِهَا نَقْلَا
عَوَامُّ خَوَاصٍّ ثُمَّ خَاصُّ خَوَاصِّهَا ... فَكُنْ أَوْحَدِيًّا عَارِفًا رَاتِعًا فَحْلَا
فَهَذَا جَوَابٌ مِنْ فَقِيرٍ مُحَصِّلٍ ... وَطَالِبِ فَهْمٍ أُلْهِمَ الرَّمْزَ وَالْحَلَّا
وَمُوَلَّهِ دَارِ السَّلَامِ وَاسْمُهُ ... عُبَيْدُ السَّلَامِ مُصَلَّاكُمْ نَازِلًا حَلَّا
إِلَى الْعَالِمِ النِّحْرِيرِ نُعْمَانَ يَنْتَمِي ... إِمَامِ الْهُدَى وَالْفِقْهِ كَمْ مُشْكِلٍ حَلَّا
وَأَجَابَ سَيِّدِي محمد بن سلطان العزي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَاتِهِ:
أَيَا سَائِلًا عَنْ سِرِّ رَمْزٍ مُكَتَّمٍ ... تَوَقَّفْ فَذَا قَافٌ غَدًا فَاؤُهُ أَصْلَا
يُشِيرُ بِمَحْمُولٍ لِعَيْنٍ وَحَاؤُهُ ... بِمُوجِعِ مَبْسُوطٍ لَهُ مَوْرِدًا أَصْلَا
وَكُبْرَاهُ قَدْ أَبْدَى نَتِيجَةَ دَالِهِ ... وَصُغْرَاءُ مَحْذُورٌ لَقَدْ حَقَّقَ الْوَصْلَا
هَيُولَاؤُهُ وَافَى بِشَكْلٍ مُثَمَّنٍ ... وَتَسْدِيسُ ذَاكَ الشَّكْلِ جَهْرًا لَقَدْ أَمْلَى
وَآخِرُهُ جِيمٌ فَرَاءٌ بِأَوْجِهَا ... حَضِيضٌ لِصَادٍ سِينُهُ حَرِّرِ النَّقْلَا
فَهَذَا جَوَابٌ مِنْ فَقِيرٍ جُوَيْهِلٍ ... مُسِيءٍ جَرِيءٍ أَكْثَرَ النَّوْمَ وَالْأَكْلَا
دُعِيَ بِابْنِ سُلْطَانٍ مُحَمَّدٍ فِي الْوَرَى ... وَخَادِمِ فَتَى كَيْلَانَ ذِي النَّسَبِ الْأَعْلَى
стр. 759
[الْقَوْلُ الْأَشْبَهُ فِي حَدِيثِ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ]
٦٨ - الْقَوْلُ الْأَشْبَهُ
فِي حَدِيثِ «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَبَعْدُ فَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ: " «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» " وَرُبَّمَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنًى لَا صِحَّةَ لَهُ، وَرُبَّمَا نُسِبَ إِلَى قَوْمٍ أَكَابِرَ، فَرَقَّمْتُ فِي هَذِهِ الْكُرَّاسَةِ مَا يُبَيِّنُ الْحَالَ وَيُزِيلُ الْإِشْكَالَ، وَفِيهِ مَقَالَاتٌ:
الْمَقَالُ الْأَوَّلُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ النووي فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَقَالَ ابن تيمية: مَوْضُوعٌ، وَقَالَ الزركشي فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ: ذَكَرَ ابن السمعاني: إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ.
الْمَقَالُ الثَّانِي فِي مَعْنَاهُ: قَالَ النووي فِي فَتَاوِيهِ: مَعْنَاهُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالضَّعْفِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ وَالْعُبُودِيَّةِ لَهُ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْقُوَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ وَالصِّفَاتِ الْعُلَى، وَقَالَ الشَّيْخُ تاج الدين بن عطاء الله فِي " لَطَائِفِ الْمِنَنِ ": سَمِعْتُ شَيْخَنَا أبا العباس المرسي يَقُولُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَيْ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِذُلِّهَا وَعَجْزِهَا وَفَقْرِهَا عَرَفَ اللَّهَ بِعِزِّهِ وَقُدْرَتِهِ وَغِنَاهُ، فَتَكُونُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ أَوَّلًا ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ مِنْ بَعْدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ اللَّهَ مِنْ قَبْلُ، فَالْأَوَّلُ حَالُ السَّالِكِينَ، وَالثَّانِي حَالُ الْمَجْذُوبِينَ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي " قُوتِ الْقُلُوبِ ": مَعْنَاهُ إِذَا عَرَفْتَ صِفَاتِ نَفْسِكَ فِي مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ وَأَنَّكَ تَكْرَهُ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْكَ فِي أَفْعَالِكَ وَأَنْ يُعَابَ عَلَيْكَ مَا تَصْنَعُهُ عَرَفْتَ مِنْهَا صِفَاتِ خَالِقِكَ، وَأَنَّهُ يَكْرَهُ ذَلِكَ فَارْضَ بِقَضَائِهِ وَعَامِلْهُ بِمَا تُحِبُّ أَنْ تُعَامَلَ بِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عز الدين: قَدْ ظَهَرَ لِي مِنْ سِرِّ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَجِبُ كَشْفُهُ وَيُسْتَحْسَنُ وَصْفُهُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ هَذِهِ الرُّوحَ الرُّوحَانِيَّةَ فِي هَذِهِ الْجُثَّةِ الْجُثْمَانِيَّةِ لَطِيفَةً لَاهُوتِيَّةً مَوْضُوعَةً فِي كَثِيفَةٍ نَاسُوتِيَّةٍ دَالَّةٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَرَبَّانِيَّتِهِ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْهَيْكَلَ الْإِنْسَانِيَّ لَمَّا كَانَ مُفْتَقِرًا إِلَى مُدَبِّرٍ وَمُحَرِّكٍ وَهَذِهِ الرُّوحُ مُدَبَّرَةٌ وَمُحَرَّكَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُدَبِّرٍ وَمُحَرِّكٍ.
стр. 760
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَمَّا كَانَ مُدَبِّرُ الْهَيْكَلِ وَاحِدًا وَهُوَ الرُّوحُ عَلِمْنَا أَنَّ مُدَبِّرَ هَذَا الْعَالَمِ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي تَدْبِيرِهِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْجَسَدُ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِإِرَادَةِ الرُّوحِ وَتَحْرِيكِهَا لَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُرِيدٌ لِمَا هُوَ كَائِنٌ فِي كَوْنِهِ لَا يَتَحَرَّكُ مُتَحَرِّكٌ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ إِلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: لَمَّا كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ فِي الْجَسَدِ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِ الرُّوحِ وَشُعُورِهَا بِهِ لَا يَخْفَى عَلَى الرُّوحِ مِنْ حَرَكَاتِ الْجَسَدِ وَسَكَنَاتِهِ شَيْءٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْجَسَدُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَى الرُّوحِ مِنْ شَيْءٍ، بَلْ هُوَ قَرِيبٌ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي الْجَسَدِ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ، وَلَا شَيْءٌ أَبْعَدَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ وَلَا بِمَعْنَى قُرْبِ الْمَسَافَةِ؛ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: لَمَّا كَانَ الرُّوحُ مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الْجَسَدِ وَيَكُونُ مَوْجُودًا بَعْدَ عَدَمِ الْجَسَدِ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ كَوْنِ خَلْقِهِ، وَيَكُونُ مَوْجُودًا بَعْدَ فَقْدِ خَلْقِهِ مَا زَالَ وَلَا يَزَالُ وَتَقَدَّسَ عَنِ الزَّوَالِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: لَمَّا كَانَ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ لَا يُعْرَفُ لَهُ كَيْفِيَّةٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُقَدَّسٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: لَمَّا كَانَ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ لَا يُعْلَمُ لَهُ أَيْنِيَّةٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالْأَيْنِيَّةِ فَلَا يُوصَفُ بِأَيْنَ وَلَا كَيْفَ بَلِ الرُّوحُ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ الْجَسَدِ مَا خَلَا مِنْهَا شَيْءٌ مِنَ الْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ الْحَقُّ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ مَا خَلَا مِنْهُ مَكَانٌ وَتَنَزَّهَ عَنِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ.
стр. 761
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: لَمَّا كَانَ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ لَا يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ وَلَا يُمَثَّلُ بِالصُّوَرِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَلَا يُمَثَّلُ بِالصُّوَرِ وَالْآثَارِ وَلَا يُشَبَّهُ بِالشُّمُوسِ وَالْأَقْمَارِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: لَمَّا كَانَ الرُّوحُ لَا يُحَسُّ وَلَا يُمَسُّ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحِسِّ وَالْجِسْمِ وَاللَّمْسِ وَالْمَسِّ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ، فَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ وَبِذَنْبِهِ اعْتَرَفَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْسِيرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ صِفَاتِ نَفْسِكَ عَلَى الضِّدِّ مِنْ صِفَاتِ رَبِّكَ، فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْفَنَاءِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْبَقَاءِ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْجَفَاءِ وَالْخَطَأِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْوَفَاءِ وَالْعَطَاءِ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ كَمَا هِيَ عَرَفَ رَبَّهُ كَمَا هُوَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى مَعْرِفَةِ إِيَّاكَ كَمَا إِيَّاكَ، فَكَيْفَ لَكَ سَبِيلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ إِيَّاهُ كَمَا إِيَّاهُ؟ فَكَأَنَّهُ فِي قَوْلِهِ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ، عَلَّقَ الْمُسْتَحِيلَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ تَعْرِفَ نَفْسَكَ وَكَيْفِيَّتَهَا وَكَمِّيَّتَهَا، فَإِنَّكَ إِذَا كُنْتَ لَا تُطِيقُ بِأَنْ تَصِفَ نَفْسَكَ الَّتِي هِيَ بَيْنَ جَنْبَيْكَ بِكَيْفِيَّةٍ وَأَيْنِيَّةٍ وَلَا بِسَجِيَّةٍ وَلَا هَيْكَلِيَّةٍ وَلَا هِيَ بِمَرْئِيَّةٍ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِعُبُودِيَّتِكَ أَنْ تَصِفَ الرُّبُوبِيَّةَ بِكَيْفَ وَأَيْنَ وَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنِ الْكَيْفِ وَالْأَيْنِ؟ وَفِي ذَلِكَ أَقُولُ:
قُلْ لِمَنْ يَفْهَمُ عَنِّي مَا أَقُولُ ... قَصَرَ الْقَوْلُ فَذَا شَرْحٌ يَطُولْ
هُوَ سِرٌّ غَامِضٌ مِنْ دُونِهِ ... ضُرِبَتْ وَاللَّهِ أَعْنَاقُ الْفُحُولْ
أَنْتَ لَا تَعْرِفُ إِيَّاكَ وَلَا ... تَدْرِ مَنْ أَنْتَ وَلَا كَيْفَ الْوُصُولْ
لَا وَلَا تَدْرِ صِفَاتٍ رُكِّبَتْ ... فِيكَ حَارَتْ فِي خَفَايَاهَا الْعُقُولْ
أَيْنَ مِنْكَ الرُّوحُ فِي جَوْهَرِهَا ... هَلْ تَرَاهَا فَتَرَى كَيْفَ تَجُولْ
هَذِهِ الْأَنْفَاسُ هَلْ تَحْصُرُهَا ... لَا وَلَا تَدْرِي مَتَى مِنْكَ تَزُولْ
أَيْنَ مِنْكَ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ إِذَا ... غَلَبَ النَّوْمُ فَقُلْ لِي يَا جَهُولْ
أَنْتَ أَكْلُ الْخُبْزِ لَا تَعْرِفُهُ ... كَيْفَ يَجْرِي مِنْكَ أَمْ كَيْفَ تَبُولْ
فَإِذَا كَانَتْ طَوَايَاكَ الَّتِي ... بَيْنَ جَنْبَيْكَ كَذَا فِيهَا خُلُولْ
كَيْفَ تَدْرِي مَنْ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ... لَا تَقُلْ كَيْفَ اسْتَوَى كَيْفَ النُّزُولْ
كَيْفَ تَجَلَّى اللَّهُ أَمْ كَيْفَ يُرَى ... فَلَعَمْرِي لَيْسَ ذَا إِلَّا فُضُولْ
стр. 762
هُوَ لَا كَيْفَ وَلَا أَيْنَ لَهُ
وَهُوَ رَبُّ الْكَيْفِ وَالْكَيْفُ يَحُولْ ... وَهُوَ فَوْقَ الْفَوْقِ لَا فَوْقَ لَهُ
وَهُوَ فِي كُلِّ النَّوَاحِي لَا يَزُولْ ... جَلَّ ذَاتًا وَصِفَاتًا وَسَمَا
وَتَعَالَى قَدْرُهُ عَمَّا أَقُولْ
وَقَالَ القونوي فِي شَرْحِ التَّعَرُّفِ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِمَا لَا يَكُونُ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْرِفَةَ النَّفْسِ قَدْ سَدَّ الشَّارِعُ بَابَهَا لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَجَزَ عَنْ إِدْرَاكِ نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فَهُوَ عَنْ مَعْرِفَةِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ، بَلْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ قَوْلِهِ وَحَوَاسِّهِ كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَشَمِّهِ وَكَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي كُلٍّ مِنْهَا اخْتِلَافَاتٍ وَمَذَاهِبَ لَا يَحْصُلُ النَّاظِرُ مِنْهَا عَلَى طَائِلٍ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ الْأَبْصَارَ بِالِانْطِبَاعِ أَوْ بِخُرُوجِ الشُّعَاعِ، وَأَنَّ الشَّمَّ بِتَكَيُّفِ الْهَوَاءِ أَوْ بِانْبِثَاثِ الْأَجْزَاءِ مِنْ ذِي الرَّائِحَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافَاتِ الْمَشْهُورَةِ، فَإِذَا كَانَ الْحَالُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يُلَابِسُهَا الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فِي مَعْرِفَةِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ وَقَدْ تَحَصَّلَ مِمَّا سُقْنَاهُ فِي مَعْنَى هَذَا الْأَثَرِ أَقْوَالٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى وُجُودِ الْقُطْبِ وَالْأَوْتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالْأَبْدَالِ]
٦٩ - الْخَبَرُ الدَّالُّ
عَلَى وُجُودِ الْقُطْبِ وَالْأَوْتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالْأَبْدَالِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحِبِهِ وَسَلَّمَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَاوَتَ بَيْنَ خَلْقِهِ فِي الْمَرَاتِبِ، وَجَعَلَ فِي كُلِّ قَرْنٍ سَابِقِينَ بِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُنَزِّلُ الْغَمَامَ السَّاكِبَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْبَدْرِ الْمُنِيرِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْهُدَاةِ الْكَوَاكِبِ.
وَبَعْدُ: فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ إِنْكَارُ مَا اشْتُهِرَ عَنِ السَّادَةِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ أَنَّ مِنْهُمْ أَبْدَالًا وَنُقَبَاءَ وَنُجَبَاءَ وَأَوْتَادًا وَأَقْطَابًا، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ فَجَمَعْتُهَا فِي هَذَا الْجُزْءِ لِتُسْتَفَادَ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى إِنْكَارِ أَهْلِ الْعِنَادِ وَسَمَّيْتُهُ - الْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى وُجُودِ الْقُطْبِ وَالْأَوْتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالْأَبْدَالِ - وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 763
فَأَقُولُ: وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وأنس، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وأم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمِنْ مُرْسَلِ الحسن، وعطاء، وبكر بن خنيس، وَمِنَ الْآثَارِ عَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَا لَا يُحْصَى.
حَدِيثُ عمر: قَالَ أَبُو طَاهِرٍ الْمُخْلِصُ: أَنَا أحمد بن عبد الله بن سعيد ثَنَا السري بن يحيى ثَنَا شعيب بن إبراهيم حَدَّثَنَا سيف بن عمر عَنْ أبي عمر عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الشَّامُ قَدْ أُسْكِنَ فَإِذَا أَقْبَلَ جُنْدٌ مِنَ الْيَمَنِ وَمِمَّنْ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ فَاخْتَارَ أَحَدٌ مِنْهُمُ الشَّامَ قَالَ عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنِ الْأَبْدَالِ هَلْ مَرَّتْ بِهِمُ الرِّكَابُ؟ أَخْرَجَهُ ابن عساكر فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سيف بن عمر عَنْ محمد، وطلحة، وسهل قَالَ: كَتَبَ عمر إِلَى أبي عبيدة إِذَا أَنْتَ فَرَغْتَ مِنْ دِمَشْقَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَاصْرِفْ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَى الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَهَا ثُمَّ تُدْرِكُونَ إِخْوَانَكُمْ فَتَنْصُرُونَهُمْ عَلَى عَدْوِّهِمْ، وَأَقَامَ عمر بِالْمَدِينَةِ لِمُرُورِ النَّاسِ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ضَرَبُوا إِلَيْهِ مِنْ بُلْدَانِهِمْ فَجَعَلَ إِذَا سَرَّحَ قَوْمًا إِلَى الشَّامِ قَالَ: لَيْتَ شِعْرِي عَنِ الْأَبْدَالِ فَهَلْ مَرَّتْ بِهِمُ الرِّكَابُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا سَرَّحَ قَوْمًا إِلَى الْعِرَاقِ قَالَ: لَيْتَ شِعْرِي كَمْ فِي هَذَا الْحَيِّ مَنِ الْأَبْدَالِ؟
حَدِيثُ علي: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ: ثَنَا أبو المغيرة ثَنَا صفوان عَنْ شريح بن عبيد قَالَ: ذُكِرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ بِالْعِرَاقِ - فَقَالُوا: الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا يَسْقِي بِهِمُ الْغَيْثَ وَيَنْتَصِرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيَصْرِفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمُ الْعَذَابَ» ) - رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ - غَيْرَ شريح بن عبيد وَهُوَ ثِقَةٌ.
طَرِيقٌ ثَانِيَةٌ: قَالَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ: أَنَا أبو القاسم الحسيني ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْكِنَانِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ أَنَا الحسن بن حبيب ثَنَا زكريا بن يحيى ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو السَّكْسَكِيِّ عَنْ شريح بن عبيد الحضرمي قَالَ: ذُكِرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَنْهُمْ؟ فَقَالَ: لَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «إِنَّ الْأَبْدَالَ بِالشَّامِ يَكُونُونَ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا بِهِمْ تُسْقَوْنَ الْغَيْثَ وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ الْبَلَاءُ وَالْغَرَقُ» ) قَالَ ابن عساكر: هَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ شريح وَعَلِيٍّ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ. طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ:
стр. 764
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَوْلِيَاءِ: حَدَّثَنِي أبو الحسن خلف بن محمد الواسطي ثَنَا يعقوب بن محمد الزهري ثَنَا مجاشع بن عمرو عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ إبراهيم عَنْ عبد الله بن زرير عَنْ علي «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأَبْدَالِ؟ قَالَ: (هُمْ سِتُّونَ رَجُلًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَلِّهِمْ لِي، قَالَ: لَيْسُوا بِالْمُتَنَطِّعِينَ وَلَا بِالْمُبْتَدِعِينَ وَبِالْمُتَعَمِّقِينَ، لَمْ يَنَالُوا مَا نَالُوا بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنْ بِسَخَاءِ الْأَنْفُسِ وَسَلَامَةِ الْقُلُوبِ وَالنَّصِيحَةِ لِأَئِمَّتِهِمْ» ) أَخْرَجَهُ الخلال فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَفِيهِ بَدَلُ: وَلَا بِالْمُتَعَمِّقِينَ: وَلَا بِالْمُعْجَبِينَ، وَزَادَ فِي أُخْرَى: ( «إِنَّهُمْ يَا علي فِي أُمَّتِي أَقَلُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ» ) .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ ثَنَا علي بن الحسين الخواص الموصلي ثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ثَنَا عياش بن عباس القتباني عَنْ عبد الله بن زرير الغافقي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ فَإِنَّ فِيهِمُ الْأَبْدَالَ» ) قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ ابن عساكر: هَذَا وَهْمٌ مِنَ الطَّبَرَانِيِّ بَلْ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ سَعْدَانَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّبَعِيُّ ثَنَا علي بن الحسين بن ثابت ثَنَا هشام بن خالد ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ بِهِ، قَالَ: وَرَوَاهُ الحارث بن يزيد المصري عَنِ ابن زرير فَوَقَفَهُ عَلَى علي وَلَمْ يَرْفَعْهُ، أَخْبَرَنَاهُ أبو بكر محمد بن محمد أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِيءُ أَنَا أحمد بن عبد الله بن الخضر ثَنَا أحمد بن علي بن محمد أَنَا أَبِي أَنَا أبو عمرو محمد بن مروان بن عمر السعيدي ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ثَنَا عبد الله بن صالح حَدَّثَنِي أبو شريح أَنَّهُ سَمِعَ الحارث بن يزيد يَقُولُ: حَدَّثَنِي عبد الله بن زرير الغافقي أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ فَإِنَّ فِيهِمُ الْأَبْدَالَ، وَسُبُّوا ظَلَمَتَهُمْ. أَخْرَجَهُ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ أحمد بن الحارث بن يزيد بِهِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَأَقَرَّهُ الذهبي فِي مُخْتَصَرِهِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ مَوْقُوفَةٌ: وَبِهِ إِلَى أبي عمرو السعيدي ثَنَا زياد بن يحيى أبو الخطاب ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنِ الفرج بن فضالة ثَنَا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيُّ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنِ الحارث بن حومل عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ فَإِنَّ فِيهِمُ الْأَبْدَالَ، وَقَالَ الحارث: يَا رجاء اذْكُرْ لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَيْسَانَ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَصَّ أَهْلَ بَيْسَانَ بِرَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ مِنَ الْأَبْدَالِ، لَا يَمُوتُ وَاحِدٌ إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ وَاحِدًا، وَلَا تَذْكُرْ
стр. 765
لِي مِنْهُمَا مُتَمَاوِتًا وَلَا طَعَّانًا عَلَى الْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا الْأَبْدَالُ. لَهُ طُرُقٌ عَنِ الفرج بن فضالة.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ علي مَوْقُوفَةٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ أَنَا عبد الرزاق أَنَا معمر عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ صِفِّينَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ أَهْلَ الشَّامِ، فَقَالَ علي: لَا تَسُبَّ أَهْلَ الشَّامِ فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ، فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ، فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، والخلال وَابْنُ عَسَاكِرَ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي بَعْضِهَا عَنْ صفوان بن عبد الله بن صفوان، وَفِي بَعْضِهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي عثمان بن سنة عَنْ علي، وَفِي بَعْضِهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ علي.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ يعقوب بن سفيان: ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ثَنَا شريك عَنْ عثمان بن أبي زرعة عَنْ أبي صادق قَالَ: سَمِعَ علي رَجُلًا وَهُوَ يَلْعَنُ أَهْلَ الشَّامِ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَلْعَنْهُمْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْأَبْدَالَ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابن عساكر: أَنْبَأَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ الْأَنْمَاطِيُّ أَنَا المبارك بن عبد الجبار أَنَا أبو بكر عبد الباقي بن عبد الكريم بن عمر الشيرازي أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حُمَةَ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ ثَنَا جَدِّي ثَنَا عثمان بن محمد ثَنَا جرير عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: خَطَبَنَا علي فَذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَامَ رَجُلٌ فَلَعَنَ أَهْلَ الشَّامِ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لَا تُعَمِّمْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الْأَبْدَالَ وَمِنْكُمُ الْعَصَبُ، وَبِالسَّنَدِ السَّابِقِ إِلَى أبي عمرو السعيدي ثَنَا الحسين بن عبد الرحمن أَنَا وكيع عَنْ فطر عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ علي ﵁ قَالَ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَالنُّجَبَاءُ بِالْكُوفَةِ، وَقَالَ ابن عساكر: أَنْبَأَنَا أبو الغنائم عَنْ محمد بن علي بن الحسن الحسني ثَنَا محمد بن عبد الله الجعفي ثَنَا محمد بن عمار العطار ثَنَا علي بن محمد بن خبية ثَنَا عمرو بن حماد بن طلحة ثَنَا إسحاق بن إبراهيم الأزدي عَنْ قطر عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ علي قَالَ: إِذَا قَامَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَ الْمَشْرِقِ وَأَهْلَ الْمَغْرِبِ فَيَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ، فَأَمَّا الرُّفَقَاءُ فَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَمَّا الْأَبْدَالُ فَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: وَبِهِ إِلَى محمد بن عمار ثَنَا جعفر بن علي بن نجيح ثَنَا حسن بن حسين عَنْ علي بن القاسم عَنْ صباح بن يحيى المزني عَنْ سعيد بن الوليد الهجري عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ علي: أَلَا إِنَّ الْأَوْتَادَ مِنْ أَبْنَاءِ الْكُوفَةِ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَبِدَالَ.
стр. 766
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الخلال: ثَنَا علي بن عمرو بن سهل الحريري ثَنَا علي بن محمد بن كاس ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ خالد بن يزيد السكسكي عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قُبَّةُ الْإِسْلَامِ بِالْكُوفَةِ وَالْهِجْرَةُ بِالْمَدِينَةِ وَالنُّجَبَاءُ بِمِصْرَ وَالْأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَهُمْ قَلِيلٌ - أَخْرَجَهُ ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ بِهِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُمْ: قَالَ ابن عساكر: أَنَا نصر بن أحمد بن مقاتل عَنْ أَبِي الْفَرَجِ سَهْلِ بْنِ بِشْرٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ أَنَا أبو الحسن علي بن منير بن أحمد الخلال أَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ثَنَا أبو علي الحسين بن حميد العك ثَنَا زهير بن عباد ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عياش بن عباس القتباني أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْأَبْدَالُ مِنَ الشَّامِ وَالنُّجَبَاءُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالْأَخْيَارُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الْحَافِظُ أبو محمد الخلال فِي كِتَابِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ: ثَنَا عبد الله بن عثمان الصفار أَنَا محمد بن مخلد الصفار ثَنَا أحمد بن منصور زاج ثَنَا حسين بن علي عَنْ زائدة عَنْ عمار الذهبي عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ علي قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَدْفَعُ عَنِ الْقَرْيَةِ بِسَبْعَةِ مُؤْمِنِينَ يَكُونُونَ فِيهَا.
حَدِيثُ أَنَسٍ: قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ: ثَنَا عمر بن يحيى بن نافع الأيلي (ح) وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابن شاهين، وَالْحَافِظُ أبو محمد الخلال فِي كِتَابِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ مَعًا ثَنَا محمد بن زهير بن الفضل الأيلي ثَنَا عمر بن يحيى بن نافع ثَنَا العلاء بن زيدل عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «الْبُدَلَاءُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ بِالشَّامِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ بِالْعِرَاقِ، كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ، فَإِذَا جَاءَ الْأَمْرُ قُبِضُوا كُلُّهُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ السَّاعَةُ» ) .
طَرِيقٌ ثَانٍ عَنْهُ: قَالَ الْحَافِظُ أبو محمد الخلال فِي كِتَابِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ: أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ ثَنَا عمر بن محمد الصابوني ثَنَا إبراهيم بن الوليد الجشاش ثَنَا أَبُو عُمَرَ الْغُدَانِيُّ ثَنَا أبو سلمة الخراساني عَنْ عطاء عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَأَرْبَعُونَ امْرَأَةً، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، وَكُلَّمَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهَا امْرَأَةً» ) أَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ إبراهيم بن الوليد.
طَرِيقٌ ثَالِثٌ عَنْهُ: قَالَ ابن لال فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ: ثَنَا عبد الله بن يزيد بن يعقوب
стр. 767
الدقاق ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدِّينَوَرِيُّ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ثَنَا عوف عَنِ الحسن عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ بُدَلَاءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ وَلَا صِيَامِهِمْ وَلَكِنْ دَخَلُوهَا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ وَسَخَاوَةِ أَنْفُسِهِمْ» ) أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، والخلال وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ.
طَرِيقٌ رَابِعٌ عَنْهُ: قَالَ ابن عساكر: قَرَأْتُ بِخَطِّ تَمَّامِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَا أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري حَدَّثَنَا زكريا بن يحيى ثَنَا المنذر بن العباس بن نجيح القرشي حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ دِعَامَةَ أُمَّتِي عَصَبُ الْيَمَنِ وَأَبْدَالُ الشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، كُلَّمَا هَلَكَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ، لَيْسُوا بِالْمُتَمَاوِتِينَ وَلَا بِالْمُتَهَالِكِينَ وَلَا الْمُتَنَاوِشِينَ، لَمْ يَبْلُغُوا مَا بَلَغُوا بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا بَلَغُوا ذَلِكَ بِالسَّخَاءِ وَصِحَّةِ الْقُلُوبِ وَالْمُنَاصَحَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ» ) .
وَقَالَ ابن عساكر أَيْضًا: أَنْبَأَنَا أبو الفضل محمد بن ناصر أَنَا أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف البغدادي أَنَا أبو الحسن محمد بن علي بن محمد بن صخر الأزدي البصري بِمَكَّةَ ثَنَا أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن ثَنَا بكر بن محمد بن سعيد ثَنَا نصر بن علي ثَنَا نوح بن قيس عَنْ عبد الملك بن معقل عَنْ يزيد الرقاشي عَنْ أَنَسٍ بِهِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: ثَنَا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِثْلِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ فَبِهِمْ يُسْقَوْنَ وَبِهِمْ يُنْصَرُونَ، مَا مَاتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ» ) قَالَ قَتَادَةُ: لَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ الحسن مِنْهُمْ، قَالَ الْحَافِظُ أبو الحسن الهيثمي فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ ثَنَا أَبِي ثَنَا سليمان ثَنَا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَهُمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا عَلَى مِنْهَاجِ إِبْرَاهِيمَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ، عِشْرُونَ مِنْهُمْ عَلَى مِنْهَاجِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَعِشْرُونَ مِنْهُمْ قَدْ أُوتُوا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ.
حَدِيثُ عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: قَالَ الْإِمَامُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ أَنَا الحسن بن ذكوان عَنْ عبد الواحد بن قيس عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 768
( «الْأَبْدَالُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثُونَ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا» ) أَخْرَجَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ، والخلال فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عبد الواحد، وَقَدْ وَثَّقَهُ العجلي وأبو زرعة.
طَرِيقٌ ثَانٍ عَنْهُ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنِي محمد بن الفرج ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ أَخْبَرَنِي عمر البزار عَنْ عبيسة الخواص عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أبي قلابة عَنْ أبي الأشعث عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( [ «لَا يَزَالُ] الْأَبْدَالُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ، بِهِمْ تَقُومُ الْأَرْضُ وَبِهِمْ تُمْطَرُونَ وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ» ) قَالَ قَتَادَةُ: إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الحسن مِنْهُمْ.
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ الْإِمَامُ أحمد فِي الزُّهْدِ ثَنَا عبد الرحمن ثَنَا سفيان عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ المنهال بن عمرو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا خَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ مِنْ سَبْعَةٍ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. أَخْرَجَهُ الخلال.
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْخَزْرِ الطَّبَرَانِيُّ ثَنَا سعيد بن أبي زيدون ثَنَا عبد الله بن هارون الصوري ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «خِيَارُ أُمَّتِي فِي كُلِّ قَرْنِ خَمْسُمِائَةٍ، وَالْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ، فَلَا الْخَمْسُمِائَةِ يَنْقُصُونَ وَلَا الْأَرْبَعُونَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مِنَ الْخَمْسِمِائَةِ مَكَانَهُ وَأَدْخَلَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ مَكَانَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دُلَّنَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ، قَالَ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ وَيَتَوَاسَوْنَ فِيمَا آتَاهُمُ اللَّهُ» ) أَخْرَجَهُ أبو نعيم، وتمام، وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، وَأَخْرَجَهُ ابن عساكر أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ محمد بن الخزر - وَلَفْظُهُ: كُلَّمَا مَاتَ بَدِيلٌ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ سعيد بن عبدوس عَنْ عبد الله بن هارون، بِلَفْظِ: «كُلَّمَا مَاتَ أَحَدٌ بَدَّلَ اللَّهُ مِنَ الْخَمْسِمِائَةٍ مَكَانَهُ وَأَدْخَلَ فِي الْخَمْسِمِائَةِ مَكَانَهُ» .
طَرِيقٌ ثَانٍ: قَالَ الخلال فِي كِتَابِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ: ثَنَا أحمد بن محمد بن يوسف ثَنَا عبد الصمد بن علي بن مكرم ثَنَا محمد بن زكريا الغلابي ثَنَا يحيى بن بسطام ثَنَا محمد بن الحارث ثَنَا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَا يَزَالُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَحْفَظُ اللَّهَ بِهِمُ الْأَرْضَ كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ وَهُمْ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا» ) وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ ثَنَا عبد الله بن جعفر ثَنَا
стр. 769
إسماعيل بن عبد الله ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ثَنَا يحيى بن أيوب عَنِ ابن عجلان عَنْ عياض بْنِ عبد الله عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لِكُلِّ قَرْنٍ مِنْ أُمَّتِي سَابِقُونَ» ) وَقَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أبي محمد بن الحسن ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنْ أُمَّتِي سَابِقُونَ» ) .
حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ أبو نعيم: ثَنَا محمد بن أحمد بن الحسن ثَنَا محمد بن السري القنطري ثَنَا قيس بن إبراهيم بن قيس السامري ثَنَا عبد الرحيم بن يحيى الأرمني ثَنَا عثمان بن عمارة ثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ منصور عَنْ إبراهيم عَنِ الأسود عَنْ عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ لِلَّهِ فِي الْخَلْقِ ثَلَاثَمِائَةٍ قَلْبُهُمْ عَلَى قَلْبِ آدَمَ ﵇، وَلِلَّهِ فِي الْخَلْقِ أَرْبَعُونَ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ مُوسَى ﵇، وَلِلَّهِ فِي الْخَلْقِ سَبْعَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَلِلَّهِ فِي الْخَلْقِ خَمْسَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ جِبْرِيلَ ﵇، وَلِلَّهِ فِي الْخَلْقِ ثَلَاثَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ مِيكَائِيلَ ﵇، وَلِلَّهِ فِي الْخَلْقِ وَاحِدٌ قَلْبُهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ ﵇، فَإِذَا مَاتَ الْوَاحِدُ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْخَمْسَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الْخَمْسَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ السَّبْعَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ السَّبْعَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ أَبْدَلَ مَكَانَهُ مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْعَامَّةِ، فَبِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُمْطِرُ وَيُنْبِتُ وَيَدْفَعُ الْبَلَاءَ» ) قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وَكَيْفَ بِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ اللَّهَ إِكْثَارَ الْأُمَمِ فَيَكْثُرُونَ وَيَدْعُونَ عَلَى الْجَبَابِرَةِ فَيُقْصَمُونَ وَيَسْتَسْقُونَ فَيُسْقَوْنَ وَيَسْأَلُونَ فَتَنْبُتُ لَهُمُ الْأَرْضُ وَيَدْعُونَ فَيَدْفَعُ بِهِمْ أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ، أَخْرَجَهُ ابن عساكر.
طَرِيقٌ آخَرُ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ: أَنَا أحمد بن داود المكي ثَنَا ثابت بن عياش الْأَحْدَبُ ثَنَا أبو رجاء الكلبي ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَزَالُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهُمُ الْأَبْدَالُ، إِنَّهُمْ لَنْ يُدْرِكُوهَا بِصَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا بِصَدَقَةٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ أَدْرَكُوهَا؟ قَالَ: بِالسَّخَاءِ وَالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ» ) .
حَدِيثُ عوف بن مالك: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ ثَنَا عمرو بن واقد عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مِصْرُ سَبُّوا أَهْلَ الشَّامِ فَأَخْرَجَ عوف بن مالك رَأْسَهُ مِنْ بُرْنُسِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَهْلَ مِصْرَ أَنَا عوف بن مالك، لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (فِيهِمُ الْأَبْدَالُ
стр. 770
بِهِمْ تُنْصَرُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ» ) أَخْرَجَهُ ابن عساكر مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عمرو بن واقد، وَرِجَالُ الْإِسْنَادٍ ثِقَاتٌ غَيْرُهُ؛ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ ضَعَّفُوهُ، وَوَثَّقَهُ محمد بن مبارك الصوري، وشهر مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: قَالَ أبو عبد الرحمن السلمي فِي كِتَابِ سُنَنِ الصُّوفِيَّةِ: ثَنَا أحمد بن علي بن الحسن ثَنَا جعفر بن عبد الوهاب السرخسي ثَنَا عبيد بن آدم عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي حمزة عَنْ ميسرة بْنِ عَبَدِ رَبِّهِ عَنِ المغيرة بن قيس عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مِنَ الْأَبْدَالِ الَّذِينَ بِهِمْ قِوَامُ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا: الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَالْغَضَبُ فِي ذَاتِ اللَّهِ» ) أَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ.
حَدِيثُ واثلة: قَالَ ابن عساكر: قُرِئَ على أبي محمد بن الأكفاني وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَيْدَانِيُّ أَنَا أبو الحارث أحمد بن محمد بن عمارة بن أبي الخطاب الليثي الدمشقي ثَنَا أبو سهل سعيد بن الحسن الأصبهاني ثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم ثَنَا هشام بن خالد الأزرق ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثَنَا ابن جابر عَنْ عبد الله بن عامر عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «سَتَكُونُ دِمَشْقُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَكْثَرَ الْمُدُنِ أَهْلًا وَأَكْثَرَهُ أَبْدَالًا وَأَكْثَرَهُ مَسَاجِدَ وَأَكْثَرَهُ زُهَّادًا وَأَكْثَرَهُ مَالًا وَرِجَالًا وَأَقَلَّهُ كُفَّارًا، وَهِيَ مَعْقِلٌ لِأَهْلِهَا» ) .
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَنَا أحمد بن عبيد ثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا محمد بن عمران بن أبي ليل أَنَا سلمة بن رجاء كُوفِيٌّ - عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ عَنِ الحسن عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - أَوْ غَيْرِهِ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ أَبِدَالَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِالْأَعْمَالِ [وَلَكِنْ] إِنَّمَا دَخَلُوهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَسَخَاوَةِ الْأَنْفُسِ وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ وَرَحْمَةٍ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ» ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَاهُ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عَنْ محمد بن عمران فَقَالَ: عَنْ أبي سعيد، لَمْ يَقُلْ: وَقِيلَ: عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ عَنْ ثابت عَنْ أَنَسٍ.
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي التَّارِيخِ: ثَنَا محمد بن المسيب ثَنَا عبد الرحمن بن مرزوق ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ عَنْ محمد بن عمرو عَنْ أبي سلمة عَنْ أَبِي
стр. 771
هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ ثَلَاثِينَ مِثْلِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ بِهِمْ تُغَاثُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ وَبِهِمْ تُمْطَرُونَ» ) .
طَرِيقٌ ثَانٍ عَنْهُ: قَالَ الخلال: كَتَبَ إِلَيَّ أحمد بن هشام بِالْكُوفَةِ يَذْكُرُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدَانَ حَدَّثَهُمْ ثَنَا أحمد بن حازم ثَنَا الحكم بن سليمان الحبلي ثَنَا سيف بن عمر عَنْ موسى بن أبي عقيل البصري عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ( «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ السَّاعَةَ رَجُلٌ مِنْ أَحَدِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِهِمْ، فَإِذَا حَبَشِيٌّ قَدْ طَلَعَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ أَقْرَعُ أَجْدَعُ عَلَى رَأْسِهِ جَرَّةٌ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ هَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: مَرْحَبًا بيسار، وَكَانَ يَرُشُّ الْمَسْجِدَ وَيَكْنُسُهُ وَكَانَ غُلَامًا لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ» ) .
حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيَّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ: ثَنَا عبد الرحيم بن حبيب ثَنَا داود بن محبر عَنْ ميسرة عَنْ أبي عبد الله الشامي عَنْ مكحول عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: إِنِ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا أَوْتَادَ الْأَرْضِ فَلَمَّا انْقَطَعَتِ النُّبُوَّةُ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُمْ قَوْمًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَالُ لَهُمُ الْأَبْدَالُ، لَمْ يَفْضُلُوا النَّاسَ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ، وَلَكِنْ بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَبِصِدْقِ الْوَرَعِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ وَسَلَامَةِ قُلُوبِهِمْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصِيحَةِ لِلَّهِ.
حَدِيثُ أم سلمة: قَالَ أبو داود فِي سُنَنِهِ: ثَنَا محمد بن المثنى ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صالح أبي الخليل عَنْ صَاحِبٍ لَهُ عَنْ أم سلمة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَوْا أَبِدَالَ أَهْلِ الشَّامِ وَعَصَائِبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَيُبَايِعُونَهُ» ) الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، وأبو يعلى، والحاكم، وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَهُ طُرُقٌ سُمِّيَ فِي بَعْضِهَا الْمُبْهَمُ: مُجَاهِدًا، وَفِي بَعْضِهَا: عبد الله بن الحارث.
مُرْسَلُ الحسن: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ السَّخَاءِ: ثَنَا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام ثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ عَنِ الحسن أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ بُدَلَاءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ وَلَا صِيَامِهِمْ وَلَكِنْ دَخَلُوهَا بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ وَسَخَاوَةِ أَنْفُسِهِمْ» ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أبي عبد الله الحافظ عَنْ أبي حامد أحمد بن محمد بن الحسين عَنْ داود بن الحسين عَنْ يحيى بن يحيى عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِهِ،
стр. 772
وَأَخْرَجَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ ثَنَا أَبِي ثَنَا عبد العزيز بن المغيرة البصري ثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ عَنِ الحسن قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ بُدَلَاءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَكِنْ دَخَلُوهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ وَسَخَاوَةِ الْأَنْفُسِ وَالرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ» ) .
مُرْسَلُ عطاء: قَالَ أبو داود: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ ثَنَا ابن فضيل عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرجال بن سالم عَنْ عطاء قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْأَبْدَالُ مِنَ الْمَوَالِي» ) أَخْرَجَهُ الحاكم فِي الْكُنَى.
مُرْسَلُ بكر بن خنيس: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَوْلِيَاءِ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن صالح الأزدي ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ بكر بن خنيس يَرْفَعُهُ: ( «عَلَامَةُ أَبِدَالِ أُمَّتِي أَنَّهُمْ لَا يَلْعَنُونَ شَيْئًا أَبَدًا» ) .
الْآثَارُ: أَثَرٌ عَنِ الحسن: أَخْرَجَ ابن عساكر عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ سَبْعِينَ صِدِّيقًا وَهُمُ الْأَبْدَالُ، لَا يَهْلَكُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِثْلَهُ، أَرْبَعُونَ بِالشَّامِ وَثَلَاثُونَ مِنْ سَائِرِ الْأَرَضِينَ.
أَثَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ أَرْبَعِينَ بِهِمْ يُغَاثُ النَّاسُ وَبِهِمْ يُنْصَرُونَ وَبِهِمْ يُرْزَقُونَ، كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، قَالَ قَتَادَةُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الحسن مِنْهُمْ.
أَثَرٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَخْرَجَ الخلال، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: قَالَتِ الْأَرْضُ: رَبِّ كَيْفَ تَدَعُنِي وَلَيْسَ عَلَيَّ نَبِيٌّ؟ قَالَ: سَوْفَ أَدَعُ عَلَيْكِ أَرْبَعِينَ صِدِّيقًا بِالشَّامِ.
أَثَرٌ عَنْ شهر: أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: لَنْ تَبْقَى الْأَرْضُ إِلَّا وَفِيهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَيُخْرِجُ بَرَكَتَهَا، إِلَّا زَمَنَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ.
أَثَرٌ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ وَمَنْ بَعْدَهُ: أَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: الْأَبْدَالُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا بِالشَّامِ، بِهِمْ يُجَارُونَ وَبِهِمْ يُرْزَقُونَ، إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ، وَأَخْرَجَ
стр. 773
عَنِ الفضل بن فضالة قَالَ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ فِي حِمْصَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَفِي دِمَشْقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَبِبَيْسَانَ اثْنَانِ، وَأَخْرَجَ عَنِ الحسن بن يحيى الخشني قَالَ: بِدِمَشْقَ مِنَ الْأَبْدَالِ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا وَبِبَيْسَانَ أَرْبَعَةٌ، وَأَخْرَجَ ابن أبي خيثمة، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابن شوذب قَالَ: الْأَبْدَالُ سَبْعُونَ فَسِتُّونَ بِالشَّامِ وَعِشْرُونَ بِسَائِرِ الْأَرَضِينَ، وَأَخْرَجَا مِنْ طَرِيقِ عثمان بن عطاء عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ إِنْسَانًا، قُلْتُ لَهُ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا؟ قَالَ: لَا تَقُلْ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَلَكِنْ قُلْ: أَرْبَعُونَ إِنْسَانًا؛ لَعَلَّ فِيهِمْ نِسَاءً، وَأَخْرَجَ ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أبا سليمان يَقُولُ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَالنُّجَبَاءُ بِمِصْرَ وَالْعَصَبُ بِالْيَمَنِ وَالْأَخْيَارُ بِالْعِرَاقِ، وَأَخْرَجَ هُوَ والخطيب مِنْ طَرِيقِ عبيد الله بن محمد العبسي قَالَ: سَمِعْتُ الكناني يَقُولُ: النُّقَبَاءُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَالنُّجَبَاءُ سَبْعُونَ وَالْبُدَلَاءُ أَرْبَعُونَ وَالْأَخْيَارُ سَبْعَةٌ وَالْعُمُدُ أَرْبَعَةٌ وَالْغَوْثُ وَاحِدٌ، فَمَسْكَنُ النُّقَبَاءِ الْمَغْرِبُ، وَمَسْكَنُ النُّجَبَاءِ مِصْرُ، وَمَسْكَنُ الْأَبْدَالِ الشَّامُ، وَالْأَخْيَارُ سَيَّاحُونَ فِي الْأَرْضِ، وَالْعُمُدُ فِي زَوَايَا الْأَرْضِ، وَمَسْكَنُ الْغَوْثِ مَكَّةُ، فَإِذَا عَرَضَتِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ الْعَامَّةِ ابْتَهَلَ فِيهَا النُّقَبَاءُ، ثُمَّ النُّجَبَاءُ، ثُمَّ الْأَبْدَالُ، ثُمَّ الْأَخْيَارُ، ثُمَّ الْعُمُدُ، فَإِنْ أُجِيبُوا وَإِلَّا ابْتَهَلَ الْغَوْثُ فَلَا تَتِمُّ مَسْأَلَتُهُ حَتَّى تُجَابَ دَعْوَتُهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ثَنَا عثمان بن مطيع ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: لَمَّا ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ - وَكَانُوا أَوْتَادَ الْأَرْضِ - أَخْلَفَ اللَّهُ مَكَانَهُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَالُ لَهُمُ الْأَبْدَالُ، لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ يَخْلُفُهُ، وَهُمْ أَوْتَادُ الْأَرْضِ، قُلُوبُ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ عَلَى مِثْلِ يَقِينِ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَفْضُلُوا النَّاسَ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَلَا بِكَثْرَةِ الصِّيَامِ وَلَا بِحُسْنِ التَّخَشُّعِ وَلَا بِحُسْنِ الْحِلْيَةِ وَلَكِنْ بِصِدْقِ الْوَرَعِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ وَسَلَامَةِ الْقُلُوبِ وَالنَّصِيحَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ بَصَبْرٍ حَلِيمٍ وَلُبٍّ رَحِيمٍ، وَتَوَاضُعٍ فِي غَيْرِ مَذَلَّةٍ، لَا يَلْعَنُونَ أَحَدًا وَلَا يُؤْذُونَ أَحَدًا وَلَا يَتَطَاوَلُونَ عَلَى أَحَدٍ تَحْتَهُمْ وَلَا يُحَقِّرُونَهُ، وَلَا يَحْسُدُونَ أَحَدًا فَوْقَهُمْ، لَيْسُوا بِمُتَخَشِّعِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ وَلَا مُعْجَبِينَ، لَا يُحِبُّونَ لِدُنْيَا وَلَا يُحِبُّونَ الدُّنْيَا، لَيْسُوا الْيَوْمَ فِي وَحْشَةٍ وَلَا غَدًا فِي غَفْلَةٍ، وَأَخْرَجَ الخلال عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَا مِنْ قَرْيَةٍ وَلَا بَلْدَةٍ إِلَّا يَكُونُ فِيهَا مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُمْ، وَأَخْرَجَ عَنْ زَاذَانَ قَالَ: مَا خَلَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ نُوحٍ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ فَصَاعِدًا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ.
стр. 774
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أحمد فِي الزُّهْدِ عَنْ كعب قَالَ: لَمْ يَزَلْ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمُ الْعَذَابَ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي فِي جُزْءٍ جَمَعَهُ فِي أَخْبَارِ الخضر قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ ثَنَا يحيى بن سعيد السعدي أَخْبَرَنِي أبو جعفر الكوفي عَنْ أبي عمر النصيبي قَالَ: خَرَجْتُ أَطْلُبُ مَسْأَلَةً مِنْ مِصْقَلَةَ بِالشَّامِ وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ مَنَ الْأَبْدَالِ، فَلَقِيتُهُ بِوَادِي الْأُرْدُنِّ فَقَالَ لِي: أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْوَادِي؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: دَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهُ إِلْيَاسُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا إِلْيَاسُ النَّبِيُّ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَلْ فِي الْأَرْضِ الْيَوْمَ مَنِ الْأَبْدَالِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُمْ سِتُّونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ خَمْسُونَ بِالشَّامِ فِيمَا بَيْنَ الْعَرِيشِ إِلَى الْفُرَاتِ، وَمِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ بِالْمِصِّيصَةِ، وَوَاحِدٌ بِأَنْطَاكِيَةَ، وَسَائِرُ الْعَشْرَةِ فِي سَائِرِ أَمْصَارِ الْعَرَبِ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَتْلِيُّ فِي كِتَابِ الدِّيبَاجِ لَهُ بِسَنَدِهِ عَنْ داود بن يحيى مولى عون الطفاوي عَنْ رَجُلٍ كَانَ مُرَابِطًا بِعَسْقَلَانَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِالْأُرْدُنِّ إِذْ أَنَا بِرَجُلٍ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي قَائِمٌ يُصَلِّي فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّهُ إِلْيَاسُ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ، قُلْتُ: فَكَمِ الْإِبْدَالُ؟ قَالَ: هُمْ سِتُّونَ رَجُلًا - خَمْسُونَ مَا بَيْنَ عَرِيشِ مِصْرَ إِلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَرَجُلَانِ بِالْمِصِّيصَةِ، وَرَجُلٌ بِأَنْطَاكِيَةَ، وَسَبْعَةٌ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ - بِهِمْ تُسْقَوْنَ الْغَيْثَ وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ وَبِهِمْ يُقِيمُ اللَّهُ أَمْرَ الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الدُّنْيَا أَمَاتَهُمْ جَمِيعًا.
وَفِي كِفَايَةِ الْمُعْتَقَدِ لليافعي - نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَتِهِ - قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الصَّالِحُونَ كَثِيرٌ مُخَالِطُونَ لِلْعَوَامِّ لِصَلَاحِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالنُّجَبَاءُ فِي الْعَدَدِ أَقَلُّ مِنْهُمْ، وَالنُّقَبَاءُ فِي الْعَدَدِ أَقَلُّ مِنْهُمْ، وَهُمْ مُخَالِطُونَ الْخَوَاصَّ، وَالْأَبْدَالُ فِي الْعَدَدِ أَقَلُّ مِنْهُمْ نَازِلُونَ فِي الْأَمْصَارِ الْعِظَامِ لَا يَكُونُ فِي الْمِصْرِ مِنْهُمْ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ، فَطُوبَى لِأَهْلِ بَلْدَةٍ كَانَ فِيهَا اثْنَانِ مِنْهُمْ، وَالْأَوْتَادُ وَاحِدٌ بِالْيَمَنِ وَوَاحِدٌ بِالشَّامِ وَوَاحِدٌ فِي الْمَشْرِقِ وَوَاحِدٌ فِي الْمَغْرِبِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُدِيرُ الْقُطْبَ فِي الْآفَاقِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَرْكَانِ الدُّنْيَا كَدَوَرَانِ الْفَلَكِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَقَدْ سُتِرَتْ أَحْوَالُ الْقُطْبِ - وَهُوَ الْغَوْثُ - عَنِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ غَيْرَةً مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُرَى عَالِمًا كَجَاهِلٍ، أَبْلَهَ كَفَطِنٍ، تَارِكًا آخِذًا، قَرِيبًا بَعِيدًا، سَهْلًا عَسِرًا، آمِنًا حَذِرًا، وَكَشْفُ أَحْوَالِ الْأَوْتَادِ لِلْخَاصَّةِ وَكَشْفُ أَحْوَالِ الْبُدَلَاءِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَارِفِينَ، وَسَتَرُ أَحْوَالَ النُّجَبَاءِ وَالنُّقَبَاءِ عَنِ الْعَامَّةِ خَاصَّةً وَكَشْفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَكَشْفُ حَالِ الصَّالِحِينَ لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَعِدَّةُ النُّجَبَاءِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَالنُّقَبَاءُ أَرْبَعُونَ وَالْبُدَلَاءُ
стр. 775
قِيلَ ثَلَاثُونَ، وَقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ سَبْعَةٌ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - وَالْأَوْتَادُ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا مَاتَ الْقُطْبُ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الْأَرْبَعَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ السَّبْعَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ السَّبْعَةِ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الْأَرْبَعِينَ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعِينَ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الثَّلَاثِمِائَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثِمِائَةِ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الصَّالِحِينَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ السَّاعَةَ أَمَاتَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَبِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ عِبَادِهِ الْبَلَاءَ وَيُنْزِلُ قَطْرَ السَّمَاءِ. انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: وَالْقُطْبُ هُوَ الْوَاحِدُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ، وَمَكَانُهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ كَالنُّقْطَةِ فِي الدَّائِرَةِ الَّتِي هِيَ مَرْكَزُهَا، بِهِ يَقَعُ صَلَاحُ الْعَالَمِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَذْكُرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَحَدًا عَلَى قَلْبِهِ؛ إِذْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ أَعَزَّ وَأَلْطَفَ وَأَشْرَفَ مِنْ قَلْبِهِ ﷺ فَقُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى قَلْبِهِ كَإِضَافَةِ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِلَى كَمَالِ الشَّمْسِ. انْتَهَى.
وَأَخْرَجَ القشيري فِي الرِّسَالَةِ بِسَنَدِهِ عَنْ بلال الخواص قَالَ: كُنْتُ فِي تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِذَا رَجُلٌ يُمَاشِينِي فَعَجِبْتُ، فَأُلْهِمْتُ أَنَّهُ الخضر ﵇ فَقُلْتُ لَهُ: بِحَقِّ الْحَقِّ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَخُوكَ الخضر، قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ، قَالَ: سَلْ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي الشَّافِعِيِّ؟ قَالَ: هُوَ مِنَ الْأَوْتَادِ، قُلْتُ: وَمَا تَقُولُ فِي أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؟ قَالَ: رَجُلٌ صِدِّيقٌ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي بشر الحافي؟ قَالَ: لَمْ يُخْلَقْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ، قُلْتُ: بِأَيِّ وَسِيلَةٍ رَأَيْتُكَ؟ قَالَ: بِبَرَكَةِ أُمِّكَ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أحمد فِي الزُّهْدِ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وأبو نعيم، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ جَلِيسِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ بُدَلَاءُ أُمَّتِكَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا بِالْعِرَاقِ مِنْهُمْ أَحَدٌ؟ قَالَ: بَلَى، مُحَمَّدُ بْنُ وَاسْعٍ وحسان بن أبي سنان وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الَّذِي يَمْشِي فِي النَّاسِ بِمِثْلِ زُهْدِ أبي ذر فِي زَمَانِهِ.
وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ داود بن يحيى بن يمان قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنِ الْأَبْدَالُ؟ قَالَ: الَّذِينَ لَا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ، وَإِنَّ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ مِنْهُمْ.
وَأَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ أبي مطيع معاوية بن يحيى أَنَّ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ خَرَجَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ فَإِذَا عَلَيْهِ لَيْلٌ، فَلَمَّا صَارَ تَحْتَ الْقُبَّةِ سَمِعَ صَوْتَ جَرَسِ الْخَيْلِ عَلَى الْبَلَاطِ، فَإِذَا فَوَارِسُ قَدْ لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مِنْ أَيْنَ قَدِمْتُمْ؟ قَالُوا: أَوَلَمْ تَكُونُوا مَعَنَا؟ قَالُوا: لَا، قَالُوا: قَدِمْنَا مِنْ جِنَازَةِ الْبَدِيلِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالُوا: وَقَدْ مَاتَ،
следующие страницы →