Полный текст (886 стр.). Показаны 876–886 · переход к 881.
стр. 876
الْمُشَاكَلَةِ فَقَدْ ذَكَرْتُهَا قَدِيمًا فِي كِتَابِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْمَعَانِي اسْتِخْرَاجًا بِفِكْرِي، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَخْذُهَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ حَيْثُ قَالَ: الْمُشَابَهَةُ هِيَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ. وَقَوْلُهُ وُقُوعُهُ فِي صُحْبَتِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعَلَاقَةِ وَهِيَ الصُّحْبَةُ وَالْمُجَاوَرَةُ فِي اللَّفْظِ كَمَا سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ رَاوِيَةً لِمُجَاوَرَتِهَا لِلْجَمَلِ الْمُسَمَّى بِهَا حَقِيقَةً، فَهَذِهِ هِيَ عَلَاقَةُ أَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ السَّادِسِ - فَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ - أَقُولُ: إِنْ كَانَ هَذَا تَسْلِيمًا لِصِحَّةِ الْجَوَابِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ تَسْلِيمًا لِعَزْوِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ بِقَرِينَةِ مَا عَقَبَهُ مِنَ الْإِشْكَالِ فَجَوَابُهُ أَنْ لَا إِشْكَالَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ، وَاللَّمْحَةُ الْمُشِيرَةُ إِلَيْهِ أَنَّ دَقَائِقَ أَهْلِ الْمَعْقُولِ لَا يَعْبَأُ بِهَا أَهْلُ الْفِقْهِ وَحَمَلَةُ الشَّرْعِ الَّذِي مَرْجِعُ التَّكْلِيفِ إِلَيْهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَتَبْتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَسَمَّيْتُهُ الْجَوَابَ الْمُصِيبَ عَنْ أَسْئِلَةِ اعْتِرَاضَاتِ الْخَطِيبِ.
مَسْأَلَةٌ:
أَيَا عَالِمًا أَضْحَى بِهِ الدَّهْرُ بَاسِمًا ... يُشَبَّهُ بِالدَّهْرِ الْقَدِيمِ وَبِالصَّدْرِ
تَأَمَّلْ رَعَاكَ اللَّهُ قَوْلِي فَإِنِّي ... جَهُولٌ بِهِ لَكِنَّهُ جَالَ فِي فِكْرِي
فَلَمْ أَجِدِ الشَّافِي لِدَائِي فَلَمْ أَزَلْ ... أُفَتِّشُ فِي أَهْلِ الْفَضَائِلِ وَالذِّكْرِ
فَدَلَّنِيَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ عَلَيْكُمُ ... لِأَنَّكُمْ أَهْلُ الْمَآثِرِ وَالْفَخْرِ
وَفَضْلُكُمُ فِي النَّاسِ أَشْهَرُ مَنْ قَفَا ... وَخَيْرُكُمْ عَمَّ الْبَوَادِي مَعَ الْحَضَرِ
فَجَرَّدْتُهُ كَيْ تُسْعِدُونِي تَفَضُّلًا ... عَلَيَّ لِتَحْظَوْا فِي الْقِيَامَةِ بِالْأَجْرِ
وَأَنْشُرُهُ فِي النَّاسِ مِنْ بَعْضِ فَضْلِكُمْ ... مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ فِي سَالِفِ الْعُمْرِ
فَقَدْ وَرَدَ التَّصْحِيحُ فِي كُلِّ مُسْنَدٍ ... بِأَنَّ إِلَهَ الْعَرْشِ يُنْظَرُ فِي الْحَشْرِ
وَلَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا فَمَا الْقَوْلُ هَهُنَا ... وَمَا حِكْمَةٌ فِي الْمَنْعِ يَا عَالِمَ الْعَصْرِ
وَقَدْ يَنْزِلُ الْمَهْدِيُّ عِيسَى لِأَرْضِنَا ... فَيَكْسِرُ صُلْبَانًا كَمَا صَحَّ فِي الذِّكْرِ
فَهَلْ ثَمَّ صُلْبَانٌ وَفِي الْأَرْضِ عُصْبَةٌ ... تَقُومُ عَلَى حَقٍّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ
وَهَلْ صَحَّ أَنَّ الْمُصْطَفَى سَيِّدُ الْوَرَى ... رَسُولُ إِلَهِ الْعَرْشِ خُصِّصَ بِالْفَخْرِ
يَقُولُ بِأَنَّ الْخَيْرَ فِيَّ وَأُمَّتِي ... لِيَوْمِ قِيَامِ الْخَلْقِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ
وَمَا رُسُلُ الْجِنِّ الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهَا ... صَرِيحًا بِنَصِّ الْقَوْلِ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ
وَهَلْ لِنَبِيِّ اللَّهِ هَارُونَ لِحْيَةٌ ... تُرَى فِي جِنَانٍ إِذْ بِهِ النَّصُّ فِي الذِّكْرِ
стр. 877
وَهَلْ فِي جِنَانِ الْخُلْدِ قَوْمٌ تَعَاشَرُوا
جِمَالًا وَتَرْعَى فِي مَرَاتِعِهَا الْخُضْرِ ... وَتَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا هَلْ مُسَاعِدٌ
لِنَاقِلِ هَذَا أَوْ يُقَابَلُ بِالنُّكْرِ ... وَمَنْ هُوَ بَعْدَ الْخَتْمِ يَدْعُو لِمَيِّتٍ
بِتَسْمَيَةٍ هَلْ فِي الْمَقَالَةِ مِنْ نُكْرِ ... وَمَا الْحِينُ إِنْ قَالَ امْرُؤٌ فِي يَمِينِهِ
لِزَوْجَتِهِ: لَا جِئْتِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ ... وَمَا جَاءَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ ضَرْبِ أَوْجُهٍ
عَلَى صُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ صَحَّ فِي الْأَثَرِ ... وَمَا شَرْحُهُ مَا الْقَوْلُ فِيهِ مُحَقَّقًا
لَعَلَّكُمُ تُنْجُو مِنَ النَّارِ وَالْوِزْرِ ... وَهَلْ أَنْ تُبَكِّرَ مَرْأَةٌ بِبُنَيَّةٍ
مِنَ الْيُمْنِ قَوْلٌ نَاقِلُوهُ ذَوُو خُبْرِ ... وَإِنْ مَاتَتِ الْأَوْلَادُ مِنْ أَهْلِ ذِمَّةٍ
قُبَيْلَ بُلُوغٍ مَا يَكُونُونَ فِي الْحَشْرِ ... أَفِي نَارٍ اوْ فِي جَنَّةٍ فَازَ أَهْلُهَا
بِمَقْعَدِ صِدْقٍ مَعْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَجْرِ ... تَفَضَّلْ وَجُدْ يَا سَيِّدًا فَاقَ عَصْرَهُ
بِكُلِّ جَوَابٍ لَوْ يُوَازَنُ بِالتِّبْرِ ... لَكَانَ قَلِيلًا طَالَ عُمْرُكَ لِلْوَرَى
تَبُثُّ عُلُومًا مَا حَيِيتَ مَدَى الدَّهْرِ ... وَصَلَّى إِلَهُ الْعَرْشِ ﷻ
عَلَى أَحْمَدَ الْمَبْعُوثِ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْرِ ... وَأَصْحَابِهِ وَالْآلِ مَا طَارَ طَائِرٌ
عَلَى فَنَنٍ أَوْ حَنَّ وَحْشٌ إِلَى وَكْرِ
الْجَوَابُ:
أَلَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنَزِّلِ لِلذِّكْرِ ... وَأُتْبِعُ حَمْدِي بِالثَّنَاءِ وَبِالشُّكْرِ
وَصَلَّى إِلَهُ الْعَرْشِ مَا لَاحَ كَوْكَبٌ ... عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ ذِي الْمَجْدِ وَالْفَخْرِ
سَأَلْتَ عَنِ الْبَارِي يُرَى فِي قِيَامَةٍ ... وَلَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا سِوَى لِلَّذِي أُسْرِي
وَحِكْمَتُهُ ضَعْفُ الْقُوَى لِأُولِي الدُّنَا ... فَغَيْرُ مُطَاقٍ رُؤْيَةُ الْوَاحِدِ الْبَرِّ
وَلَمْ يَكُنِ الْبَارِي الْقَدِيمُ يُرَى بِحَا ... دِثِ بَصَرٍ قَدْ قَالَ بَعْضُ أُولِي الْخُبْرِ
وَلَمَّا يَكُونُ الْبَعْثُ تَعْظُمُ قُوَّةً ... بِجُعْلٍ إِلَهِي فَاسْتَطَاعَ ذَوُو الْقَدْرِ
وَأَقْدَرَ رَبُّ الْعَرْشِ حَقًّا نَبِيَّهُ ... عَلَى رُؤْيَةِ الْبَارِي فَنَاهِيكَ مِنْ فَخْرِ
وَصُلْبَانُ كُفْرٍ فِي الْبِلَادِ كَثِيرَةٌ ... يُعَقِّبُهَا عِيسَى إِذَا جَاءَ بِالْكَسْرِ
وَكَمْ بَلَدٍ فِيهَا كَنَائِسُ جَمَّةٌ ... وَصُلْبَانُ كُفْرٍ فِي بِلَادِ أُولِي الْكُفْرِ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْخَيْرِ فِيَّ وَأُمَّتِي ... فَلَمْ يَأْتِ هَذَا اللَّفْظُ فِي سَنَدٍ نَدْرِي
وَلَكِنْ بِمَعْنَاهُ حَدِيثٌ بِعُصْبَةٍ ... تَقُومُ عَلَى حَقٍّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ
وَفِي الْجِنِّ رُسْلٌ أُرْسِلَ الرُّسْلُ عَنْهُمُ ... لِأَقْوَامِهِمْ وَهْيَ الْمُسَمَّاةُ بِالنَّذْرِ
стр. 878
وَمَا فِي جِنَانِ الْخُلْدِ ذُو لِحْيَةٍ يُرَى ... سِوَى آدَمَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ فِي الْأَثَرِ
وَمَا جَاءَ فِي هَارُونَ فَالذَّهَبِيُّ قَدْ ... رَأَى ذَلِكَ مَوْضُوعًا فَكُنْ صَيْقَلَ الْفِكْرِ
وَلَمْ أَرَ فِي أَمْرِ الْجِمَالِ مُخَبِّرًا ... مِنَ النَّقْلِ وَالْآثَارُ لَيْسَتْ مَدَى حَصْرِ
وَمُطَلِّقٌ حِينَ لَحْظَةٍ ثُمَّ مَنْ دَعَا ... لِمَيِّتِهِ فِي الْخَتْمِ لَيْسَ بِذِي نُكْرِ
وَعَنْ ضَرْبِ وَجْهٍ صَحَّ نَهْيٌ لِفَضْلِهِ ... وَفِي الصُّورَةِ التَّأْوِيلُ غَيْرُ أُولِي الْخُبْرِ
عَلَى أَوْجُهٍ شَتَّى حَكَاهَا مُحَقِّقُو ... أُولِي السُّنَّةِ الْغَرَّاءِ أُيِّدْتَ بِالنَّصْرِ
فَأَسْلَمُهَا إِذْ لَا تَكُونُ مُفَوِّضًا ... إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ كَرُوحِي وَمَا يَجْرِي
كَمَا قِيلَ بَيْتُ اللَّهِ أَوْ نَاقَةٌ لَهُ ... أُضِيفَتْ فَفِي هَذَاكَ مَقْنَعُ ذِي ذِكْرِ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْيُمْنِ فِي اللَّائِي بَكَّرَتْ ... بِأُنْثَى فَوَاهٍ لَا يَصِحُّ فَطِبْ وَادْرِي
وَأَوْلَادُ أَهْلِ الْكُفْرِ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ ... فَأَمْرُهُمُ لِلَّهِ فَهْوَ الَّذِي يَدْرِي
فَذَا الْقَوْلُ صَحِّحْهُ وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ ... بِأَنَّهُمُ فِي جَنَّةٍ مَعْ أُولِي الْبِرِّ
فَهَذَا جَوَابُ ابْنِ السُّيُوطِيِّ رَاجِيًا ... نَوَالًا مِنَ الرَّحْمَنِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ
مَسْأَلَةٌ:
أَيَا عَالِمًا قَدْ فَازَ بِالرُّشْدِ سَائِلُهْ ... أَوَاخِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ صَارَتْ أَوَائِلَهْ
جَوَابُكَ فِي قَوْلٍ بِمُخْتَصَرٍ نَمَى ... إِلَى زَاهِرٍ عَمَّا حَكَى فِيهِ قَائِلُهْ
بِأَنَّ سُلَيْمَانَ النَّبِيَّ بَدَا لَهُ ... نَوَارِيزُ أَعْيَادٍ أَتَتْهَا فَعَائِلُهْ
وَتَجْتَمِعُ الْأَجْنَاسُ فِيهَا بِجَمْعِهِمْ ... وَتُهْدِي هَدَايَا لِلنَّبِيِّ تُقَابِلُهْ
وَإِنَّ بِوَقْتٍ قَدْ هَدَتْ فِيهِ نَمْلَةٌ ... لَهُ نَبْقَةً لَمْ تَكْتَرِثْهَا شَمَائِلُهْ
فَقَالَتْ بِكَسْرِ الْقَلْبِ تَبْغِي قَبُولَهَا ... وَتَذْكُرُ مَا أَبْقَى إِلَيْهَا تُمَايِلُهْ
عَلَى الْمَرْءِ حَقٌّ فَهْوَ لَا بُدَّ فَاعِلُهْ ... وَإِنْ عَظُمَ الْمَوْلَى وَجَلَّتْ فَضَائِلُهْ
أَلَمْ تَرَنَا نُهْدِي إِلَى اللَّهِ مَالَهُ ... وَلَوْ كَانَ عَنْهُ ذَا غِنًى فَهْوَ قَابِلُهْ
وَلَوْ كَانَ يُهْدَى لِلْجَلِيلِ بِقَدْرِهِ ... لَقَصَّرَ مَاءَ الْبَحْرِ عَنْهُ مَنَاهِلُهُ
وَأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَوْحَى لَهُ إِذَنْ ... أَنِ اقْبَلْ فَقَدْ أَبْكَى الْمَقَالُ وَقَائِلُهْ
لِأَهْلِ السَّمَا وَالْأَرْضِ هَذَا مَقَالَةٌ ... بِمُخْتَصَرٍ قُلْنَاهُ مَعْنًى تُفَاصِلُهْ
فَهَلْ فِي اعْتِرَاضٍ فِي مَقَالَةِ قَائِلٍ ... وَلَوْ كَانَ عَنْهُ ذَا غِنًى فَهْوَ قَائِلُهْ
وَهَلْ تُحْتَمَلْ لَوْ لِلْغِنَى أَوْ لِغَيْرِهِ ... أَبِنْ عَالِمًا فِي الدَّهْرِ ضَاءَتْ دَلَائِلُهْ
وَوَالِدُ خِضْرٍ فِي الْوَرَى يَعْلَمُ اسْمَهُ ... وَإِنْ تَعْلَمُوا هَذَا فَمَاذَا قَبَائِلُهْ
стр. 879
وَهَلْ مِنْ يَقِينٍ جَازِمٍ فِي حَيَاتِهِ ... أَبِنْ مَا خَفَى يَا عَالِمًا عَمَّ وَابِلُهْ
لَكُمْ جَنَّةُ الْمَأْوَى تَزَاهَتْ قُصُورُهَا ... وَأَجْرُكُمُ فِيهِ تَنَاهَتْ وَسَائِلُهْ
الْجَوَابُ:
بِحَمْدِ إِلَهِي أَبْتَدِي مَا أُحَاوِلُهْ ... وَأُتْبِعُهُ شُكْرًا تَزِيدُ نَوَافِلُهْ
وَأُتْبِعُ هَذَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الَّذِي ... بِتَخْصِيصِهِ عَمَّ الْأَنَامَ رَسَائِلُهْ
مُحَمَّدٍ الْهَادِي النَّبِيِّ وَآلِهِ ... وَأَصْحَابِهِ مَا دَرَّ بِالْقَطْرِ وَابِلُهْ
نَعَمْ قَوْلُ لَوْ فِيهِ اعْتِرَاضٌ مُوَجَّهٌ ... وَوَاجِبُهُ أَنْ يُصْلِحَ الْقَوْلَ قَائِلُهْ
وَوَالِدُ خِضْرٍ إِنْ تُسَائِلْ عَنِ اسْمِهِ ... فَفِيهِ أَقَاوِيلٌ حَكَتْهَا أَوَائِلُهْ
فَقِيلَ ابْنُ مَلْكَانَ وَقِيلَ ابْنُ مَالِكٍ ... وَقِيلَ ابْنُ عَامِيلَ بْنِ عِيصٍ قَبَائِلُهْ
وَقِيلَ ابْنُ فِرْعَوْنَ وَقِيلَ ابْنُ آدَمَ ... وَقِيلَ ابْنُ قَابِيلَ الَّذِي هُوَ قَاتِلُهْ
وَأَكْثَرُهُمْ يَخْتَارُ فِيهِ حَيَاتَهُ ... إِلَى أَنْ يَجِي الدَّجَّالُ حَالَتْ مُقَاتِلُهْ
فَهَذَا كَلَامٌ فِيهِ تَحْرِيرُ مَقْصِدٍ ... وَهَذَا جَوَابٌ لِلَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ
فَخُذْهَا عَرُوسًا مِنْ مُحِبٍّ وَمَهْرُهَا ... دُعَاءٌ يُرَجَّى أَنْ يَرَى اللَّهَ قَائِلُهْ
وَأَنَّ ابْنَ الَاسْيُوطِيِّ قَدْ خَطَّهُ عَلَى ... مَنَاهِجِهِ حَتَّى تَجَلَّتْ دَلَائِلُهْ
مَسْأَلَةٌ:
مَا الْقَوْلُ لِلْحَبْرِ وَالْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَمَنْ ... زَانَ الْوُجُودَ بِهِ الْخَلَّاقُ لِلْبَشَرِ
فِي مُشْتَرِي يُوسُفَ الصِّدِّيقِ حِينَ لَهُ ... بَاعُوهُ إِخْوَتُهُ بِالْبَخْسِ فِي الذِّكْرِ
هَلْ يَمْلِكُونَ الَّذِينَ الْآنَ بِيعَ لَهُمْ ... مَا ذَلِكَ الْأَمْرُ يَا مَخْصُوصُ بِالْأَثَرِ
وَفِي قَضِيَّةِ يَحْيَى حَيْثُ مَاتَ وَقَدْ ... صَحَّتْ حَيَاةُ أَبِيهِ الطُّهْرُ فِي الْخَبَرِ
وَكَانَ مِنْ قَبْلُ يَدْعُو رَبَّهُ طَلَبًا ... نَجْلًا يُوَرِّثُهُ فِي مُدَّةِ الْعُمُرِ
مِنْ آلِ يَعْقُوبَ مِيرَاثًا بِذَاكَ أَتَى ... نَصُّ الْمُهَيْمِنِ بِالْأَخْبَارِ فِي الزُّبُرِ
وَالْحُكْمُ فِي الدِّينِ أَنَّ الْإِرْثَ يَأْخُذُهُ ... مُخَلَّفٌ بَعْدَ مَقْبُولٍ بِلَا نُكُرِ
مَا الشَّأْنُ فِي ذَاكَ يَا مُفْتِي الْأَنَامِ وَمَنْ ... أَبْدَى الْفَوَائِدَ حَتَّى صَارَ كَالْقَمَرِ
وَهَلْ تُصَحِّحُ لِلرَّاوِي رِوَايَتَهُ ... فِيمَا رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَثَرِ
مَنْ لَا إِمَامَ لَهُ إِنْ شَا يَمُوتُ كَذَا ... يَهُودًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ عُصْبَةِ الْكُفْرِ
أَوَّلًا وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مَرْجِعُهُ ... إِلَى إِمَامِ الْهُدَى الْمَعْرُوفِ لِلْبَشَرِ
стр. 880
لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرٌ وَهْوَ سَيِّدُنَا ... سُلْطَانُنَا لَا بَرِحْنَا مِنْهُ فِي خَفَرِ
أَوْ غَيْرِهِ أَفْتِنَا أَنْتَ الْإِمَامُ لَنَا ... فِي مُشْكِلٍ غُرَّةٌ فِي جَبْهَةِ الدَّهْرِ
أَثَابَكَ اللَّهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ بِمَا ... أَبَنْتَ مَنْ غُرَرٍ يُشْرِقْنَ كَالدُّرَرِ
بِجَاهِ خَيْرِ الْوَرَى الْهَادِي لِأُمَّتِهِ ... مِنَ الضَّلَالِ وَحَامِيهِمْ مِنَ الضَّرَرِ
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَارِي الْخَلْقِ وَالْبَشَرِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ
لَمْ يَمْلِكِ الْمُشْتَرِي الصِّدِّيقُ قَطُّ وَلَا ... يُظَنُّ هَذَا بِبَيْعِ الْحُرِّ فَاعْتَبِرِ
وَإِرْثُ يَحْيَى لِعِلْمٍ لَا لِمَالِ أَبٍ ... فَالْأَنْبِيَا إِرْثُهُمْ حَظْرٌ عَلَى الْبَشَرِ
وَبَعْضُهُمْ وَهُوَ الطيبي قَالَ بِأَنْ ... قَدْ أُخِّرَتْ دَعْوَةٌ فِيهِ بِلَا ضَرَرِ
وَفِي الْإِمَامِ أَحَادِيثٌ بِذَا وَرَدَتْ ... وَهْوَ الْخَلِيفَةُ فَافْهَمْهُ وَلَا تَحِرِ
[الْأَوْجُ فِي خَبَرِ عَوْجٍ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُؤَالٌ وَرَدَ مِنَ الشَّامِ صُورَتُهُ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ أَجْمَعِينَ فِي عوج بن عنق هَلْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ أَصْلًا فَمَا الْجَوَابُ عَمَّا وَقَعَ فِي غَالِبِ التَّفَاسِيرِ كَتَفْسِيرِ القرطبي، وَالْبَغَوِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى مَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، والكرماني، وابن الخازن، والثعلبي، وابن عطية وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ وَتَكْرَارِ قِصَّتِهِ فِي مَكَانٍ بَعْدَ آخَرَ، عَلَى أَنَّ القرطبي، والثعلبي نَقَلَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والكرماني فِي تَفْسِيرِهِ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَإِنْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ فَهَلْ بَقِيَ إِلَى زَمَنِ مُوسَى ﵇ وَهَلَكَ عَلَى يَدِهِ أَوْ هَلَكَ فِي الطُّوفَانِ مَعَ مَنْ هَلَكَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِبَقَائِهِ إِلَى زَمَنِ مُوسَى ﵇ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ
стр. 881
السَّلَامُ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فَإِنَّهَا عَامَّةٌ؟ أَوْ بِهَلَاكِهِ مَعَ مَنْ هَلَكَ بِدُعَاءِ نُوحٍ ﵇ مِنَ الْكَافِرِينَ؟ فَمَا هَذَا الَّذِي وَقَعَ لِلْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنَ ادِّعَائِهِ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَلَاكِهِ عَلَى يَدِ مُوسَى ﵇ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦] الْآيَةَ وَلِغَيْرِهِ كالثعلبي مِنَ ادِّعَاءِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَلْ كَانَ طُولُهُ هَذَا الطُّولَ الْعَظِيمَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلُثُ ذِرَاعٍ؟ أَوْ كَانَ كَآحَادِ بَنِي آدَمَ؟ فَإِنْ كَانَ طُولُهُ مَا ذُكِرَ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ» " وَهَلْ وُجِدَ مِنَ الْبَشَرِ مِنْ قَوْمِ عَادٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مَنْ كَانَ طُولُهُ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ ذِرَاعًا أَوْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ؟ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ تَمَسَّكَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ مِنَ الْبَشَرِ خَلْقٌ أَطْوَلُ مِنْ آدَمَ ﵇، وَنَفَى وُجُودَ ابن عنق مِنَ الْأَصْلِ وَقَالَ: لَمْ يُوجَدْ فِي الْعَالَمِ شَخْصٌ اسْمُهُ هَذَا الِاسْمُ، وَادَّعَى أَنَّ جَمِيعَ مَا وَقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ كَذِبٌ وَاخْتِلَاقٌ. وَالْمَسْئُولُ بَسَطَ الْجَوَابَ وَالْكَلَامَ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، وَهَلِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ وَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ أَمْ لَا؟ وَذَكَرَ مَا وَقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْبَسْطِ وَالْإِيضَاحِ وَذَكَرَ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهَلْ تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِضَبْطِهِ وَضَبْطِ اسْمِهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ أَثَابَكُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. قَالَ الْعَلَّامَةُ شمس الدين ابن القيم فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى - بِالْمَنَارِ الْمُنِيفِ فِي الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ -: مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كَوْنُ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَقُومُ الشَّوَاهِدُ الصَّحِيحَةُ عَلَى بُطْلَانِهِ كَحَدِيثِ عوج بن عنق الطَّوِيلِ الَّذِي قَصَدَ وَاضِعُهُ الطَّعْنَ فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُخْبِرُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ طُولَهُ كَانَ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا، وَأَنَّ نُوحًا ﵇ لَمَّا خَوَّفَهُ الْغَرَقَ قَالَ لَهُ: احْمِلْنِي فِي قَصْعَتِكَ هَذِهِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى كَعْبِهِ، وَأَنَّهُ خَاضَ الْبَحْرَ فَوَصَلَ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْحُوتَ مِنْ قَرَارِ الْبَحْرِ فَيَشْوِيهِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُ قَلَعَ صَخْرَةً عَظِيمَةً عَلَى قَدْرِ
стр. 882
عَسْكَرِ مُوسَى وَأَرَادَ أَنْ يَرْصَعَهُمْ بِهَا فَقَوَّرَهَا اللَّهُ فِي عُنُقِهِ مِثْلَ الطَّوْقِ. وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْ جُرْأَةِ مِثْلِ هَذَا الْكَذَّابِ عَلَى اللَّهِ، إِنَّمَا الْعَجَبُ مِمَّنْ يُدْخِلُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ مِنَ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُبَيِّنُ أَمْرَهُ وَهَذَا عِنْدَهُمْ لَيْسَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، فَلَوْ كَانَ لعوج وُجُودٌ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ نُوحٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ» " وَأَيْضًا فَإِنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَسُمْكُهَا كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا هَذِهِ الْمَسَافَةُ الْعَظِيمَةُ فَكَيْفَ يَصِلُ إِلَيْهَا مَنْ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ حَتَّى يَشْوِيَ فِي عَيْنِهَا الْحُوتَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ مِنْ وَضْعِ زَنَادِقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَصَدُوا الِاسْتِهْزَاءَ وَالسُّخْرِيَةَ بِالرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ. انْتَهَى كَلَامُ ابن القيم.
وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الحافظ عماد الدين بن كثير فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: قِصَّةُ عوج بن عنق وَجَمِيعُ مَا يَحْكُونَ عَنْهُ هَذَيَانٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ مِنْ مُخْتَلَقَاتِ زَنَادِقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْغَرَقِ مِنَ الْكُفَّارِ أَحَدٌ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابن عمرو قَالَ: طُولُ عوج ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ، وعوج رَجُلٌ مِنْ قَوْمِ عَادٍ يَغْدُو مَعَ الشَّمْسِ وَيَرُوحُ مَعَهَا. وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ هَذَا فِي تَأْلِيفِهِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يَسْتَحِي الشَّخْصُ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى ابن عمرو لِضَعْفِهِ عَنْهُ قَالَ: وَرَدَّ ذَلِكَ آخَرُونَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا ثُمَّ مَا زَالَ النَّاسُ يَنْقُصُونَ حَتَّى الْيَوْمَ» قَالَ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ عَلَى الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِ وَغَيْرُ مُنْكَرٍ أَنْ يَطُولَ الْأَوْلَادُ عَنْ آبَائِهِمْ. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: عوج بن عنق بِضَمِّهِمَا رَجُلٌ وُلِدَ فِي مَنْزِلِ آدَمَ فَعَاشَ إِلَى زَمَنِ مُوسَى وَذَكَرَ مِنْ عِظَمِ خَلْقِهِ بَشَاعَةً.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ ثَنَا معمر بن عبد الله الأنصاري ثَنَا المسعودي عَنِ القاسم بن عبد الرحمن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ طُولُ مُوسَى ﵇ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا وَعَصَاهُ اثْنَيْ عَشَرَ وَوَثْبَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ فَضَرَبَ عوج بن عنق فَمَا أَصَابَ مِنْهُ إِلَّا كَعْبَهُ، وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ: حَدَّثَنَا إسحاق بن جميل ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ثَنَا الكلبي
стр. 883
عَنْ أبي صالح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَقْصَرُ قَوْمِ عَادٍ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَأَطُولُهُمْ مِائَةَ ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَطُولُ عَصَاهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ سَبْعَ أَذْرُعٍ، فَأَصَابَ كَعْبَ عوج فَقَتَلَهُ. وَقَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا أبو خيثمة زهير عَنْ أبي إسحاق الهمذاني عَنْ نوف، قَالَ: إِنَّ سَرِيرَ عوج الَّذِي قَتَلَهُ مُوسَى طُولُهُ ثَمَانِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَ مُوسَى عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَعَصَاهُ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ حِينَ وَثَبَ عَشْرَ أَذْرُعٍ، فَأَصَابَ عَقِبَهُ فَخَرَّ عَلَى نِيلِ مِصْرَ، فَحَسَرَهُ لِلنَّاسِ عَامًا يَمُرُّونَ عَلَى صُلْبِهِ وَأَضْلَاعِهِ. وَقَالَ: ثَنَا أحمد بن محمد المصاحفي، ثَنَا محمد بن أحمد بن البراء، ثَنَا عبد المنعم بن إدريس عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرَ وهب بِأَنَّ عوج بن عنق كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ ﵇، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِهِنَّ وَأَجْمَلِهِنَّ، وَكَانَ عوج مِمَّنْ وُلِدَ فِي دَارِ آدَمَ وَكَانَ جَبَّارًا خَلَقَهُ اللَّهُ كَمَا شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَلَا يُوَصَفُ عِظَمًا وَطُولًا وَعُمْرًا فَعَمَّرَ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ طُولُهُ ثَمَانِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَانَ مُوسَى ﵇، وَكَانَ قَدْ سَأَلَ نُوحًا أَنْ يَحْمِلَهُ مَعَ السَّفِينَةِ فَقَالَ لَهُ نُوحٌ: لَمْ أُؤْمَرْ بِذَلِكَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ اغْرُبْ عَنِّي فَكَانَ الْمَاءُ زَمَانَ الْغَرَقِ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَكَانَ يَتَنَاوَلُ الْحُوتَ مِنَ الْبَحْرِ فَيَرْفَعُهُ بِيَدِهِ فِي الْهَوَاءِ فَيُنْضِجُهُ بِحَرِّ الشَّمْسِ ثُمَّ يَأْكُلُهُ، وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِ أَنَّهُ طَلَعَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ فَحَزَرَهُ حَتَّى عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَانَ عَسْكَرُهُمْ فَرْسَخَيْنِ فِي فَرْسَخَيْنِ فَعَمَدَ إِلَى جَبَلٍ فَسَلَخَ مِنْهُ حَجَرًا عَلَى قَدْرِ الْعَسْكَرِ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ يُرِيدُ أَنْ يُطْبِقَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ هُدْهُدًا لِيُرِيَهُمْ قُدْرَتَهُ، فَأَقْبَلَ وَفِي مِنْقَارِهِ خَطٌّ مِنَ السَّامُورِ فَجَاءَهُ الْحَجَرُ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ عوج وَهُوَ لَا يَدْرِي، ثُمَّ ضَرَبَ بِجَنَاحِهِ ضَرْبَةً فَوَقَعَ فِي عُنُقِهِ فَأُخْبِرَ مُوسَى خَبَرَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الْعَصَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ مُوسَى حَمَلَ عَلَيْهِ فَكَانَ قَامَةُ مُوسَى وَبَسْطَتُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَطُولُ الْعَصَا سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ إِلَى السَّمَاءِ سَبْعَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَهُ بِالْعَصَا أَسْفَلَ مِنْ كَعْبِهِ فَقَتَلَهُ فَمَكَثَ زَمَانًا بَيْنَ ظَهَرَانَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَيِّتًا.
قُلْتُ: هَذَا الْخَبَرُ بَاطِلٌ كَذِبٌ آفَتُهُ عبد المنعم بن إدريس. قَالَ الذهبي فِي الْمِيزَانِ: قَصَّاصٌ لَيْسَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ تَرَكَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَأَفْصَحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: كَانَ يَكْذِبُ عَلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ذَاهِبُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِيهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الحافظ ابن حجر فِي اللِّسَانِ: نَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ إسماعيل بن عبد الكريم قَالَ: مَاتَ إدريس وعبد المنعم رَضِيعٌ. وَكَذَا قَالَ أحمد إِذَا سُئِلَ عَنْهُ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: كَذَّابٌ خَبِيثٌ. وَقَالَ الفلاس:
стр. 884
مَتْرُوكٌ. وَقَالَ أبو زرعة: وَاهِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ: ذَاهِبُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ انْتَهَى. وَمَا رَأَيْتُهُمْ أَوْرَدُوا حَدِيثًا مِنْ رِوَايَتِهِ إِلَّا حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ. وَفِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ لابن الجوزي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، بَلْ ذَكَرَ ابن الجوزي أَنَّ أَبَاهُ إدريس أَيْضًا مَتْرُوكٌ فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالْأَقْرَبُ فِي أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ عَادٍ، وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ طُولٌ فِي الْجُمْلَةِ مِائَةَ ذِرَاعٍ أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ لَا هَذَا الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ، وَأَنَّ مُوسَى ﵇ قَتَلَهُ بِعَصَاهُ، هَذَا الْقَدْرُ الَّذِي يُحْتَمَلُ قَبُولُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ:
عُبَيْدٌ جَاءَ مُعْتَرِفًا وَفَاءً ... مِنَ الْبَحْرِ الَّذِي هُوَ جَبْرُ كَسْرِي
إِمَامٌ عَالِمٌ حَبْرٌ وَبَحْرٌ ... سَمَا فَضْلًا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرِو
لِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَسْمَحْ زَمَانٌ ... بِمِثْلِ عُلُومِهِ بِدَوَامِ دَهْرِ
وَمَا فِي الْعَصْرِ مُجْتَهِدٌ سِوَاهُ ... تَفَرَّدَ كَمْ لَهُ ثَانٍ بِشُكْرِ
بِنَعْلَيْهِ عَلَى أَرْقَابِ قَوْمٍ ... هُمُ الْحُسَّادُ قَدْ مَاتُوا بِقَهْرِ
فَمُوتُوا حَاسِدِيهِ أَمَا تَرَوْهُ ... بِخَيْرِ عُلُومِهِ صِرْتُمْ بِشَرِّ
جَلَا مِرْآةَ فَقْرِي مِنْ جَلَاهَا ... جَلَالُ الدِّينِ أَنْتَ فَرِيدُ عَصْرِي
فَيَا عَيْنَ الزَّمَانِ فَكَمْ غَرِيبٍ ... أَتَيْتَ بِهِ تُقَرِّرُهُ وَتُقْرِي
بِفَضْلِكَ جُدْ وَسُدْ وَارْقَ الْمَعَالِي ... فَكَمْ أَبْرَزْتَ مِنْ طَيٍّ وَنَشْرِ
رَثَيْتُ بِحُرْقَةٍ يَا بَحْرُ نَجْلِي ... وَرَحْبِي ضَاقَ مِنْ ضِيقَانِ صَدْرِي
وَقَلْبِي بِالنَّوَى أَضْحَى حَرِيقًا ... وَبَحْرُ الدَّمْعِ مِنْ عَيْنَيَّ يَجْرِي
لِنَجْلٍ كَانَ لِي مَا لِي سِوَاهُ ... عَلَيْهِ يَا إِمَامُ ضَاعَ صَبْرِي
قَضَى بِفَنَائِهِ الْبَاقِي دَوَامًا ... وَقَدْ سَلَّمْتُ لِلْأَحْكَامِ أَمْرِي
رَثَيْتُ إِذًا وَفِكْرِي فِي اشْتِغَالٍ ... بِرَقْمٍ عَاجِلٍ سَطْرًا بِسَطْرِ
فَعَابَ رِثَاءَ مَا أَبْدَيْتُ شَخْصٌ ... لِشِعْرٍ لَمْ يَكُنْ يَا حَبْرُ يَدْرِي
لِقَوْلِي إِبْرَيْسَمُ الْأَفْرَاحِ فِيهِ ... وَكَتَّانٌ أَضَفْتُ لَهُ بِحَرِّي
فَكَتْكَتَهُ الْأَسَى فَغَدَا مُشَاقًّا ... وَهَذَا قُلْتُهُ يَا خَيْرَ حَبْرِ
فَدَارَ بِهِ عَلَى النُّظَّامِ لَمَّا ... رَأَوْهُ غَالِيًا فِي السِّعْرِ شِعْرِي
فَمِنْ حَسَدٍ لَهُ أَبْدَوْا هِجَاءً ... فَهَلْ لِمُقَابِلِ النَّعْمَا بِكُفْرِ
стр. 885
لِأَهْلِ الْفَضْلِ جِئْتُ بِهِ أَجَابُوا
بِرَقْمٍ عَنْهُ تِبْيَانًا بِشُكْرِ ... وَهَا هُمْ خَطَّأُوا مَنْ قَالَ هَجْوًا
وَقَالُوا حَاسِدٌ أَضْحَى بِخُسْرِ ... وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ عَلَيْهِ نَظْمًا
وَكَمْ مَنْ قَابَلَ الْهَاجِي بِنَشْرِ ... فَلَوْ أَبْصَرْتَ هَجْوَهُمُ وَهَجْوِي
لَقُلْتَ رَأَيْتُ تِبْنًا عِنْدَ تِبْرِي ... لَهُمْ قَدْ جِئْتُ مَيْدَانًا لِحَرْبٍ
وَأَطْلَقْتُ اللِّسَانَ وَجَالَ فِكْرِي ... فَجُدْ بِنَفِيسِ دُرِّكَ لِي بِشَيْءٍ
لِأَكْسِرَهُمْ بِهِ وَيَكُونَ نَصْرِي ... فَفَهْمِي مِثْلُ رَشْحِ الْكُوزِ أَضْحَى
وَأَنْتَ الْبَحْرُ كُنْ يَا بَرُّ جِسْرِي ... وَنَجْلُ الْبَرْدِ دَارَ يَكُونُ مِنْكُمْ
قَبُولًا سَيِّدِي مَعَ بَسْطِ عُذْرِي ... فَدُمْ وَاسْلَمْ وَعِشْ مَا دَامَ بَدْرٌ
وَنَجْمٌ حَوْلَهُ فِي اللَّيْلِ يَسْرِي ... بِجَاهِ مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْبَرَايَا
شَفِيعِ الْخَلْقِ طَهَ يَوْمَ حَشْرِي ... عَلَيْهِ وَآلِهِ وَالصَّحْبِ جَمْعًا
صَلَاةٌ مَا انْقَضَى لَيْلٌ بِفَجْرِ ... وَمَا غَنَّتْ عَلَى الْأَوْرَاقِ وُرْقٌ
بِتَلْحِينٍ عَلَى وَرْدٍ وَزَهْرِ
الْجَوَابُ:
سَرَحَتْ أَفْكَارِي وَالْعِلْمُ رَاقٍ ... وَالْجَهْلُ بِالْأَشْيَاءِ مُرُّ الْمَذَاقِ
فِي بَيْتِ شِعْرٍ قَالَهُ شَاعِرٌ ... يَجْرِي مَعَ الْحَلْبَةِ عِنْدَ السِّبَاقِ
إِبْرَيْسِمُ الْأَفْرَاحِ مِنْ بَعْدِهِ ... كَتْكَتَهُ الْحُزْنُ فَأَضْحَى مَشَاقِّ
وَقَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ أَلْفَاظَهُ ... وَأَنَّهَا مَعْدُودَةٌ فِي النُّعَاقِ
لَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ فِي هَذِهِ ... فَكُلُّهَا بِالِاسْتِعَارَاتِ رَاقِ
وَقَدْ أَتَى فِي خَبَرِ الْمُصْطَفَى ... لَفْظُ مَشَاقِّ عَرَبِيَّ انْبِثَاقِ
وَنَصَّ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُتُبِهِمْ ... وَأَوْدَعُوهُ فِي بِطَانِ الْبِطَاقِ
مَسْأَلَةُ الْكَتَّانِ وَالشِّعْرِ مَعْ ... إِبْرَيْسِمٍ تُدْعَى الْمَشَاقَّ الْمَشَاقِّ
وَقَوْلُهُ كَتْكَتَهُ وَجْهُهُ ... أَهْزَلَهُ صَيَّرَهُ فِي الرِّقَاقِ
فَذَاكَ مَعْنًى لُغَوِيٌّ لَهُ ... نُقِلَ أَتَى فِي الْكُتُبِ بَيْنَ الرِّفَاقِ
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ رِيقَ ... يُدْرِكُهُ ذُو الْعِلْمِ بِالِاشْتِقَاقِ
تَصْرِيفُ فِعْلٍ عَرَبِيٍّ أَتَى ... مِنْ لَفْظٍ تُرْكِيٍّ إِلَيْهِ اسْتِبَاقِ
مِنْ كُتْ بِمَعْنَى رُحْ فَتَأْوِيلُهُ ... أَذْهَبَهُ صَيَّرَهُ فِي انْمِحَاقِ
فَذَاكَ حَسَنٌ بَعْدَ حَسَنٍ غَدَا ... يُشَاقُ لِلْأَلْبَابِ لَمَّا يُسَاقِ
стр. 886
وَحَقُّ مَنْ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِهِ ... أَنْ يَلْحَظُوهُ بِالْحِدَاقِ الْحُذَّاقِ
وَقَدْ أَتَى مُسْتَرْفِدًا طَالِبًا ... إِجَازَةً تُدْرِجُهُ فِي الطِّبَاقِ
أَجَزْتُهُ بِالشِّعْرِ فَهْوَ الَّذِي ... يَحِقُّ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِاللَّحَاقِ
بِشَرْطِ تَقْوَى اللَّهِ فِي شِعْرِهِ ... وَتَرْكِهِ الْهَجْوَ وَمَا لَا يُطَاقِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةٍ ... يَضِيقُ عَنْ شُكْرِي فِيهَا النِّطَاقِ
ثُمَّ صَلَاةُ اللَّهِ تُهْدَى إِلَى ... أَفْضَلِ مَنْ أُهْدَى إِلَيْهِ الْبُرَاقِ
مَسْأَلَةٌ:
يَا حَاوِيَ اللُّطْفِ وَالْمَعَانِي ... بَدِيعُهُ بَهْجَةٌ وَظُرْفُ
وَيَا سِنِي الْمَجْدِ فِي الْمَبَانِي ... مَنْطِقُهُ مُعْرِبٌ وَلُطْفُ
امْنُنْ بِكَشْفٍ عَنِ اسْمِ طَيْرٍ ... النِّصْفُ ظَرْفٌ وَالنِّصْفُ حَرْفُ
الْجَوَابُ:
يَا مَنْ أَتَى لُغْزُهُ الْمُعَمَّى ... يُبْتَغَى لِلْأَنَامِ كَشْفُ
هُوَ اسْمُ طَيْرٍ إِنْ صَحَّفُوهُ ... فَثَمَرٌ بِالنَّدَى يُحَفُّ
أَوْ حَشَفٌ يَابِسٌ تَرَاهُ ... مُرَادِفًا بِالثَّرَى يَجِفُّ
وَإِنْ يَكُنْ فِي ابْتِدَاءِ عَيْنٍ ... فَمُغْرَمٌ لِلْمَنَامِ يَجْفُو
أَوْ أَبْدَلُوا بَاءَهُ بِوَاوٍ ... فَذَاكَ كَلْبٌ وَفِيهِ عُرْفُ
أَوْ أَبْدَلُوا بَاءَهُ بِرَاءٍ ... فَإِنَّهُ فِي الْقُلُوبِ طَرْفُ
أَوْ أَبْدَلُوا بَاءَهُ بِنُونٍ ... فَإِنَّهُ قَدْ عَرَاهُ عُرْفُ
وَإِنْ تُرَخِّمْهُ فَهْوَ رَاشٍ ... لِلتُّرْكِ كُلٌّ إِلَيْهِ يَقْفُو
وَذَيْلُهُ دَائِرٌ مُحِيطٌ ... يَضُمُّهُ فِي الْكِتَابِ صُحْفُ
هَذَا جَوَابِي غَزِيرُ مَعْنًى ... وَفِيهِ لُطْفٌ وَفِيهِ ظُرْفُ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.