← Джавами‘

Джавами‘ · id 21723

الحاوي للفتاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (886 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قَالَ الحافظ ابن حجر فِي " شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ": لَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نِهَايَةُ مَدْرَكِ الْبَصَرِ إِلَيْهَا حَالَ الْغُرُوبِ، وَسُجُودُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَقَالَ الخطابي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاسْتِقْرَارِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ أَنَّهَا تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرَارًا لَا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ، وَلَيْسَ فِي سُجُودِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ مَا يُعِيقُ عَنْ دَوَرَانِهَا فِي سَيْرِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وأبو الشيخ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الشَّمْسُ بِمَنْزِلَةِ السَّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهَارِ فِي السَّمَاءِ فِي فَلَكِهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلَ فِي فَلَكِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَارَتْ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ مِمَّا يَلِي دُبُرَ الْقِبْلَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْمَشْرِقِ الَّذِي تَطْلُعُ مِنْهُ، وَتَجْرِي فِي السَّمَاءِ مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الْأُفُقِ مِمَّا يَلِي دُبُرَ الْقِبْلَةِ إِلَى شَرْقِهَا، كَذَلِكَ هِيَ مُسَخَّرَةٌ فِي فَلَكِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عكرمة قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ دَخَلَتْ بَحْرًا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتُسَبِّحُ اللَّهَ، حَتَّى إِذَا هِيَ أَصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّهَا مِنَ الْخُرُوجِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: إِنِّي إِذَا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِنْ دُونِكَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ رُفِعَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فِي سُرْعَةِ طَيَرَانِ الْمَلَائِكَةِ، وَتُحْبَسُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ مِنْ أَيْنَ تُؤْمَرُ بِالطُّلُوعِ، ثُمَّ يُنْطَلَقُ بِهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَبَيْنَ أَسْفَلِ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ فِي سُرْعَةِ طَيَرَانِ الْمَلَائِكَةِ، فَتَنْحَدِرُ حِيَالَ الْمَشْرِقِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ فَذَلِكَ حِينَ يَنْفَجِرُ الصُّبْحُ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ السَّمَاءِ فَذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ. وَأَخْرَجَ ابن عساكر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، «أَنَّ خزيمة بن حكيم السلمي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَرِّ الْمَاءِ فِي الشِّتَاءِ وَبَرْدِهِ فِي الصَّيْفِ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا سَقَطَتْ تَحْتَ الْأَرْضِ سَارَتْ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَكَانِهَا، فَإِذَا طَالَ اللَّيْلُ فِي الشِّتَاءِ كَثُرَ لُبْثُهَا فِي الْأَرْضِ، فَيَسْخَنُ الْمَاءُ لِذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ مَرَّتْ مُسْرِعَةً لَا تَلْبَثُ تَحْتَ الْأَرْضِ ; لِقِصَرِ اللَّيْلِ، فَثَبَتَ الْمَاءُ عَلَى حَالِهِ بَارِدًا» . هَذَا مَجْمُوعُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ عَشَرَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ «أَنَّ الشَّمْسَ عَلَى قَدْرِ الدُّنْيَا

стр. 842

مَا بَيْنَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وأبو الشيخ، عَنْ عكرمة قَالَ: الشَّمْسُ سِعَةُ الْأَرْضِ وَزِيَادَةُ ثُلُثٍ وَالْقَمَرُ عَلَى قَدْرِ سِعَةِ الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الشَّمْسُ طُولُهَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا فِي عَرْضِ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، مِنْ طَرِيقِ الكلبي، عَنْ أبي صالح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: كَمْ طُولُ الشَّمْسِ وَكَمْ عَرَضُهَا؟ قَالَ: تِسْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي تِسْعِمِائَةٍ، وَطُولُ الْكَوَاكِبِ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْعِشْرُونَ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَأَنَّهُ يُبَايَعُ لَهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَأَنَّهُ يَسْكُنُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: فَقَدْ صَحَّ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النواس بن سمعان أَنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ. قَالَ ابن كثير: هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي مَوْضِعِ نُزُولِهِ، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ هُوَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَنْزِلُ بِالْأُرْدُنِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ، وَالثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَأَفْضَلُ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ» ". فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": أَنْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ -عَلَى خِلَافٍ فِيهِمَا- أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ ; لِمَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ تَجَلِّي الْحَقِّ ، وَمُبَاهَاتِهِ الْمَلَائِكَةَ بِالْحَاجِّ، وَفَيْضُ عَظِيمِ عَفْوِهِ، وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ وَالْمَغْفِرَةِ ; وَلِمَا حَصَلَ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ مِنْ خَلْقِ آدَمَ، وَقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ فِيهِ فِي سَاعَةٍ مِنْهُ، وَالْإِذْنِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي زِيَارَةِ الرَّبِّ انْتَهَى. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فَالَّذِي أَقُولُهُ اسْتِنْبَاطًا أَنَّ جَبَلَ أُحُدٍ أَفْضَلُ الْجِبَالِ ; لِقَوْلِهِ ﷺ : «أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . وَوَرَدَ أَنَّهُ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ; وَلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَرْضِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ ; وَلِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِهِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أُحُدٍ) . وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 843

عَمْرٍو ﵄ قَالَ: نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي ذَلِكَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّطَ فَفَضَّلَ الْكَفَافَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. قَالَ صَاحِبُ الْوَحِيدِ: ذَهَبَ الجنيد إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَاهُ، وَعَلَّلَهُ بِأَنْ قَالَ: مَا مَنْ أَلَّمَ نَفْسَهُ كَمَنْ أَرَاحَ نَفْسَهُ. وَذَهَبَ ابن عطاء إِلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْغَنِيَّ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَهَذَا مُشْتَقٌّ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الجنيد: إِنَّ غِنَى اللَّهِ بِذَاتِهِ، وَهَذَا الْغِنَى تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ فَلَا يُشْتَقُّ هَذَا مِنْهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام فِي الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى: فَإِنْ قِيلَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ حَالُ الْأَغْنِيَاءِ أَمْ حَالُ الْفُقَرَاءِ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ النَّاسَ أَقْسَامٌ ; أَحَدُهُمْ مَنْ يَسْتَقِيمُ عَلَى الْغِنَى وَيَفْسُدُ حَالُهُ بِالْفَقْرِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غِنَى هَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ فَقْرِهِ. وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى الْفَقْرِ، وَيُفْسِدُهُ الْغِنَى وَيَحْمِلُهُ عَلَى الطُّغْيَانِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ فَقْرَ هَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ غِنَاهُ. الثَّالِثُ: مَنْ إِذَا افْتَقَرَ قَامَ بِجَمِيعِ وَظَائِفِ الْفَقْرِ كَالرِّضَا وَالصَّبْرِ، وَإِنِ اسْتَغْنَى قَامَ بِجَمِيعِ وَظَائِفِ الْغِنَى مِنَ الْبَذْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَشُكْرِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَيِّ حَالٍ هَذَا أَفْضَلُ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ. وَقَالَ آخَرُونَ: غِنَاهُ أَفْضَلُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِاسْتِعَاذَتِهِ ﷺ مِنَ الْفَقْرِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى فَقْرِ النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِهَؤُلَاءِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَغْلَبَ أَحْوَالِهِ الْفَقْرُ إِلَى أَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ بِحُصُولِ خَيْبَرَ وَفْدَكٍ وَالْعَوَالِي وَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِمْ يَوْمٌ إِلَّا كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ خُتِمَ آخِرُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْغِنَى، وَلَمْ يُخْرِجْهُ غِنَاهُ عَمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ فِي أَيَّامِ فَقْرِهِ مِنَ الْبَذْلِ وَالْإِيثَارِ وَالتَّقْلِيلِ، حَتَّى أَنَّهُ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى آصُعٍ مِنَ الشَّعِيرِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ وَهُوَ ﷺ يَقُولُ: " «ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْ شَرٌّ لَكَ» ". أَرَادَ بِالْفَضْلِ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ، كَمَا فَعَلَ ﷺ ، فَمَنْ سَلَكَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ هَذَا الطَّرِيقَ فَبَذَلَ الْفَضْلَ كُلَّهُ مُقْتَصِرًا عَلَى عَيْشٍ مِثْلِ عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا امْتِرَاءَ أَنَّ غِنَى هَذَا خَيْرٌ مِنْ فَقْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: " «ذَهَبَ ذَوُو الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ» " - الْحَدِيثَ، وَفِيهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ» " وَقَوْلُهُ ﷺ : " «اطَّلَعْتُ عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ» " فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، إِذْ لَا يَتَّصِفُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ

стр. 844

يَعِيشَ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ أَوْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِمَا فَضَلَ مِنْ عَيْشِهِ مُقَدِّمًا لِأَفْضَلِ الْبَذْلِ، فَأَفْضَلُهُ إِلَّا الشُّذُوذُ النَّادِرُونَ الَّذِينَ لَا يَكَادُونَ يُوجَدُونَ، وَالصَّابِرُونَ عَلَى الْفَقْرِ قَلِيلٌ مَا هُمْ، وَالرَّاضُونَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلِ. هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ عز الدين، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي حَدِيثِ: " «ذَهَبَ ذَوُو الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى» " -: فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضَّلَ الْغِنَى نَصًّا لَا تَأْوِيلًا إِذَا اسْتَوَتْ أَعْمَالُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، فَلِلْغَنِيِّ حِينَئِذٍ فَضْلُ عَمَلِ الْبِرِّ مِنَ الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا سَبِيلَ لِلْفَقِيرِ إِلَيْهِ. وَقَالَ ابن دقيق العيد: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْقَرِيبُ مِنَ النَّصِّ أَنَّهُ فَضَّلَ الْغَنِيَّ، وَبَعْضُ النَّاسِ تَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَهٍ، قَالَ: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّهُمَا إِنْ تُسَاوَيَا وَفُضِّلَتِ الْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ أَفْضَلَ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إِذَا تَسَاوَيَا وَانْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَصْلَحَةِ مَا هُوَ فِيهِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ إِنْ فُسِّرَ الْأَفْضَلُ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُتَعَدِّيَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَاصِرَةِ، فَيَتَرَجَّحُ الْغِنَى، وَإِنْ فُسِّرَ بِالْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاتِ النَّفْسِ فَالَّذِي يَحْصُلُ لَهَا مِنَ التَّطْهِيرِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ أَشْرَفُ، فَيَتَرَجَّحُ الْفَقْرُ، وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ جُمْهُورُ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، وَقَالَ القرطبي: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعُلَمَاءِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، ثَالِثُهَا: الْأَفْضَلُ الْكَفَافُ. رَابِعُهَا: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. خَامِسُهَا: التَّوَقُّفُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قَالَ النيسابوري: قَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَ اللَّهُ أَوَّلًا زُمُرُّدَةً خَضْرَاءَ، وَيُقَالُ: اللَّوْحَ وَالْقَلَمَ، وَيُقَالُ: الْوَقْتَ وَالزَّمَانَ، وَيُقَالُ: الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ، وَيُقَالُ: خَلَقَ أَوَّلًا عَاقِلًا أَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِعَقْلِهِ غَيْرُهُ، وَيُقَالَ: خَلَقَ جَوْهَرًا مُتَفَرِّقًا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْأَطْبَاعِ وَالْهَيْئَاتِ، ثُمَّ خَلَقَ الْهَيْئَاتِ فَرَكَّبَهَا بَيْنَ الْأَطْبَاعِ وَالْأَلْوَانِ، وَصَارَتْ بَسِيطَةً مُؤَلَّفَةً مَطْبُوعَةً، وَيُقَالُ خَلَقَ أَوَّلًا نُقْطَةً ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ، فَتَضَعْضَعَتْ وَتَمَايَلَتْ، فَصَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَلْفًا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ كَتَبَ: أَنَا التَّوَّابُ، أَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي إِدْخَالِ الْمُؤْمِنِينَ النَّارَ لِيَعْرِفُوا قَدْرَ الْجَنَّةِ وَمِقْدَارَ مَا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ عَظِيمِ النِّقْمَةِ ; لِأَنَّ تَعْظِيمَ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ فِي الْحِكْمَةِ. وَقِيلَ: لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ دَلِيلًا لِلْكَافِرِينَ كَمَا أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ دَلِيلًا لِفِرْعَوْنَ فِي الْبَحْرِ ; لِأَنَّ عُبَّادَ الصَّنَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُؤْمَرُونَ بِدُخُولِ النَّارِ مَعَ أَصْنَامِهِمْ، فَيَأْبَوْنَ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ:

стр. 845

ادْخُلُوا، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ إِنْ أَمَرْتَنَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِلْخَلْقِ أَنَّ بِرَّهُ فِي النَّارِ لِلْعَارِفِينَ أَكْثَرُ مِنْ بِرِّهِ فِي الْجَنَّةِ لِلْمُطِيعِينَ. وَقِيلَ: أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَيِّبَ النَّارَ كَمَا طَيَّبَ بَطْنَ الْحُوتِ بِإِلْقَاءِ يُونُسَ ﵇ ; لِأَنَّ النَّارَ شَكَتْ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ مَا عَصَيْتُكَ قَطُّ، فَلِمَ جَعَلْتَنِي مَأْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْجَبَّارِينَ؟ فَقَالَ: أُرِيكِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُطِيعِينَ. وَقِيلَ: لِيَرَى الْمُؤْمِنُونَ عِيَانًا مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ نَجَاةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ نَارِ نمروذ فَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ. وَقِيلَ: لِيَرَى الْكَفَرَةُ جَوْدَةَ عُنْصُرِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْجَوْهَرَ الْأَصْلِيَّ لَا تَعْمَلُ فِيهِ النَّارُ وَلَا تُفْسِدُهُ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ. وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أَنَّهُ جَامِعُ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنَجِّي مِنَ الظُّلْمَةِ وَالْمَوْقِعُ فِيهَا. وَقِيلَ: لِيَرَى الْخَلْقُ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، فِرْقَةٌ يَسْتَغِيثُونَ مِنَ النَّارِ، وَفِرْقَةٌ تَسْتَغِيثُ النَّارُ مِنْهُمْ، وَهَذَا كَمَا جُعِلَ الْمَاءُ رَحْمَةً عَلَى مُوسَى وَعُقُوبَةً عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، كَذَلِكَ النَّارُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، نِقْمَةٌ لِلْكَافِرِينَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ النَّارَ أَنْ يَمْلَأَهَا، وَهِيَ لَا تُمْلَأُ بِالْكَفَرَةِ، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيُورِدُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا فَتُمْلَأُ وَتَقُولُ قَطْ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّلَاثُونَ) . فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " أَنَّ طَاءَ شَجَرَةُ طُوبَى، وَسِينَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَمِيمَ مُحَمَّدٌ ﷺ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] فَإِنَّ الطَّاءَ مِنْ ذِي الطَّوْلِ، وَالسِّينَ مِنَ الْقُدُّوسِ، وَالْمِيمَ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَالْأَقْوَالُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. أَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ فَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ سِرًّا وَإِنَّ سِرَّ هَذَا الْقُرْآنِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قَالَ النيسابوري: سَبْعُونَ ذَرَّةً تَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَسَبْعُونَ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ تَزِنُ حَبَّةً. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فَقَالَ السهروردي فِي " عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ ": عِلْمُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ الْكُشُوفِ وَالنَّوَالِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِتَحْقِيقِ الِانْفِصَالِ عَنْ لَوْثِ الصَّلْصَالِ بِوُرُودِ رَائِدِ الْوِصَالِ. وَقَالَ فارس: عَلِمُ الْيَقِينِ لَا اضْطِرَابَ فِيهِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَوْدَعَهُ اللَّهُ لِلْأَسْرَارِ، وَالْعِلْمُ إِذَا تَفَرَّدَ مِنْ نَعْتِ الْيَقِينِ كَانَ عِلْمًا بِشُبْهَةٍ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ عَيْنُ الْيَقِينِ كَانَ عِلْمًا بِلَا شُبْهَةٍ، وَحَقُّ الْيَقِينِ هُوَ

стр. 846

حَقِيقَةُ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ عِلْمُ الْيَقِينِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ. قَالَ الجنيد: حَقُّ الْيَقِينِ مَا يَتَحَقَّقُ الْعَبْدُ بِذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يُشَاهِدَ الْغُيُوبَ كَمَا يُشَاهِدُ الْمَرْئِيَّاتِ مُشَاهَدَةَ عِيَانٍ، وَيَحْكُمُ فِي الْغَيْبِ فَيُخْبِرُ عَنْهُ بِالصِّدْقِ، كَمَا أَخْبَرَ الصِّدِّيقُ حِينَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَاذَا أَبْقَيْتَ لِعِيَالِكَ؟ قَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عِلْمُ الْيَقِينِ حَالُ الْمَعْرِفَةِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ حَالُ الْجَمْعِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ جَمْعُ الْجَمْعِ بِلِسَانِ التَّوْحِيدِ. وَقِيلَ: الْيَقِينُ اسْمٌ وَرَسْمٌ وَعِلْمٌ وَعَيْنٌ وَحَقٌّ ; فَالِاسْمُ وَالرَّسْمُ لِلْعَوَامِّ، وَالْعِلْمُ عِلْمُ الْيَقِينِ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ لِخَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَحَقِيقَةُ حَقِّ الْيَقِينِ اخْتُصَّ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ . وَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": عِلْمُ الْيَقِينِ هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ يَكُونُ بِالْمُعَايَنَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] وَلَمَّا دَخَلُوهَا وَبَاشَرُوا عَذَابَهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ - وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٣ - ٩٥] وَقَالَ سَيِّدِي محمد السعودي مِنْ أَصْحَابِ سَيِّدِي يوسف العجمي: عِلْمُ الْيَقِينِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِكَ ; إِذْ أَنْتَ عَيْنُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُكَيَّفَةٍ وَلَا مَعْلُومَةِ الْمَاهِيَّةِ مَحْكُومًا لَهَا بِالْأُلُوهِيَّةِ سُلْطَانًا، وَحُجَّةً لَا رَيْبَ فِيهِ، عَيْنُ الْيَقِينِ مُشَاهَدَةُ هَذِهِ الذَّاتِ بِعَيْنِهَا لَا بِعَيْنِكَ، أَيْ بِعَيْنِ الذَّاتِ فَنَاءً كُلِّيًّا لَا يُعْقَلُ مَعَهَا نِسْبَةُ الْأُلُوهِيَّةِ إِثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا، بَلْ مُشَاهَدَةٌ تُفْنِي الْأَحْكَامَ وَالرُّسُومَ وَتَمْحَقُ الْآثَارَ - حَقُّ الْيَقِينِ نِسْبَةُ الْأُلُوهِيَّةِ إِلَى هَذِهِ الذَّاتِ بَعْدَ الْمُشَاهَدَةِ لَا قَبْلَهَا، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْحَقِّ لَيْسَ إِلَّا، وَهُنَا سَكَتَ الْمُحَقِّقُونَ- وَبَعْدُ هَذِهِ حَقِيقَةُ حَقِّ الْيَقِينِ، وَهُوَ ظُهُورُ الِانْفِعَالَاتِ عَنِ الْعَبْدِ مَعَ غَيْبَتِهِ عَنْهَا فِيهِ غَيْبًا كُلِّيًّا وَفَنَاءً مُحَقَّقًا، وَهَذِهِ غَايَةُ الْمَرَاتِبِ، فَالثَّلَاثَةُ كِتَابِيَّةٌ ; عِلْمٌ، وَعَيْنٌ، وَحَقٌّ. وَالرَّابِعَةُ سُنِّيَّةٌ، قَالَ ﷺ : " «إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟» " فَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ بِهَا يَخْتَبِرُ الْعَبْدُ الْمُتَحَقِّقُ نَفْسَهُ فِي دَعْوَاهُ فِي مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ حَقِّ الْيَقِينِ فَتَأَمَّلْهُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ، وَأَحَادِيثُ تَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْإِسْرَارِ بِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ. قَالَ سَيِّدِي يوسف العجمي ﵁: قَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى

стр. 847

الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ ﷺ : " «خَيْرُ الذِّكْرِ مَا خَفِيَ» ". وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ عَامَّةَ عِبَادِهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وَخَاطَبَ الْخَاصَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] وَخَاطَبَ سَيِّدَ أَهِلِ الْحَضْرَةِ مُحَمَّدًا ﷺ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهُ بِرَبِّهِ وَنَفْسِهِ وَأَرَاهُ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] فَمَنْ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ وَلَا نَفْسَهُ وَلَا أَرَاهُ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فَكَيْفَ يَذْكُرُ رَبَّهُ فِي نَفْسِهِ؟ أَوْ كَيْفَ يَرَى مَدَّ الظِّلِّ؟ بَلْ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وَأَمَّا الذِّكْرُ الْخَفِيُّ فَهُوَ مَا خَفِيَ عَنِ الْحَفَظَةِ لَا مَا يُخْفَضُ بِهِ الصَّوْتُ، وَهُوَ أَيْضًا خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَبِمَنْ لَهُ بِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَعَنْ جابر ﵁ " «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ هَذَا خَفَضَ مِنْ صَوْتِهِ، فَقَالَ ﷺ : دَعْهُ فَإِنَّهُ أَوَّاهٌ» ". وَقَالَ ﷺ : " «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ» ". وَرُوِيَ " «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» ". وَعَنْ أبي قتادة ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأبي بكر: مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ، فَقَالَ: ارْفَعْ صَوْتَكَ قَلِيلًا، وَقَالَ لعمر: مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ وَأَنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أُوقِظُ الْوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، قَالَ: اخْفِضْ قَلِيلًا» . وَرُوِيَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ، فَإِذَا خَفِيَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ ثَوِّرُوا الذِّكْرَ- أَيِ ارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتُدلَّ بِهِمَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَثَرِ-أَنَّ الذَّاكِرِينَ إِذَا كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى الذِّكْرِ، فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِمْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالْقُوَّةُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الذَّاكِرُ وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْخَاصِّ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامِّ فَالْجَهْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ. وَقَدْ شَبَّهَ الْغَزَالِيُّ ﵀ ذِكْرَ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَذِكْرَ جَمَاعَةٍ مُجْتَمِعِينَ بِمُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ وَجَمَاعَةِ مُؤَذِّنِينَ، فَكَمَا أَنَّ

стр. 848

أَصْوَاتَ الْجَمَاعَةِ تَقْطَعُ جِرْمَ الْهَوَاءِ أَكْثَرَ مِنْ صَوْتِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَكَذَا ذِكْرُ جَمَاعَةٍ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي رَفْعِ الْحُجُبِ مِنْ ذِكْرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ حَيْثُ الثَّوَابِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَوَابُ ذِكْرِ نَفْسِهِ وَثَوَابُ سَمَاعِ ذِكْرِ رُفَقَائِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي رَفْعِ الْحُجُبِ- فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَبَّهَ الْقُلُوبَ بِالْحِجَارَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَجَرَ لَا يَنْكَسِرُ إِلَّا بِقُوَّةٍ، فَقُوَّةُ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مُجْتَمِعِينَ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ أَشَدُّ مِنْ قُوَّةِ ذِكْرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ ; وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ نجم الدين البكري رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّ الْقُوَّةَ فِي الذِّكْرِ شَرْطٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ -انْتَهَى. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ إِحْدَاثَ الْأَلْحَانِ فِي الذِّكْرِ بِدْعَةٌ لَمْ تَكُنْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا أبي بكر، وَلَا عمر، وَلَا عثمان، وَلَا علي، وَلَا فَعَلَهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، فَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ تَمْطِيطُ الْأَحْرُفِ، وَالْإِشْبَاعُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالِاخْتِلَاسُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالتَّرْقِيصُ، وَالتَّطْرِيبُ، وَتَعْوِيجُ الْحَنَكِ وَالرَّأْسِ- فَهَذَا مُغَنٍّ لَا ذَاكِرٌ، وَأَخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يُجَابَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ بِاللَّعْنَةِ ; فَإِنَّ سِرَّ الذَّاكِرِ إِحْضَارُ عَظَمَةِ اللَّهِ وَهَيْبَتِهِ فِي الْقَلْبِ بِخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ، وَإِعْرَاضٍ عَمَّا سِوَاهُ، وَالْمُلَحِّنُ فِي شُغُلٍ شَاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وَلْيَعْرِضِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَوْ وَقَفَ شَخْصٌ تَحْتَ بَيْتِهِ وَنَادَى: آهٍ يَا سَيِّدِي فُلَانُ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ بِهَذَا التَّلْحِينِ وَالتَّرْقِيصِ، أَكَانَ يُرْضِيهِ ذَلِكَ، أَوْ يَعُدُّهُ قَلِيلَ الْأَدَبِ؟ فَالتَّأَدُّبُ مَعَ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحَقُّ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: فَأَقُولُ: مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ تَفْضِيلُ اللَّبَنِ عَلَى الْعَسَلِ ; لِأُمُورٍ: مِنْهَا أَنَّهُ يُرَبَّى بِهِ الطِّفْلُ، وَلَا يَقُومُ الْعَسَلُ وَلَا غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَيْسَ الْعَسَلُ وَلَا غَيْرُهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. رَوَى أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» ". وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَشْرَقُ بِهِ أَحَدٌ، وَلَيْسَ الْعَسَلُ وَلَا غَيْرُهُ كَذَلِكَ، رَوَى ابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أبي لبيبة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا شَرِبَ أَحَدٌ لَبَنًا فَشَرِقَ ; إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] » وَمِنْهَا «أَنَّهُ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أُتِيَ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَاخْتَارَ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: هَذِهِ الْفِطْرَةُ أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ» - رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَاخْتِيَارُهُ اللَّبَنَ عَلَى الْعَسَلِ ظَاهِرٌ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ، وَمِنَ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ عَنِ

стр. 849

ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنَ» ". وَالْحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، فَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ: وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَفِي اللَّبَنِ: وَزِدْنَا مِنْهُ- يُعْطِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ خَيْرٌ مِنَ اللَّبَنِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: فَقَدْ كُنْتُ سُئِلْتُ عَنْهُ قَدِيمًا، وَأَجَبْتُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا، وَالتَّفْضِيلُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ. وَذُكِرَ عَنْ حَافِظِ الْعَصْرِ أبي الفضل بن حجر أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِأَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ أَفْضَلُ مِيَاهِ الدُّنْيَا، وَمَاءَ الْكَوْثَرِ أَفْضَلُ مِيَاهِ الْآخِرَةِ. وَهَذَا الْجَوَابُ كَمَا تَرَى لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى تَفْضِيلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. وَقَدْ يُقَالُ لِمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ تَفْضِيلُ مَاءِ زَمْزَمَ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ ﷺ غُسِلَ صَدْرُهُ بِهِ لَمَّا شَقَّهُ جِبْرِيلُ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْكَوْثَرِ ; لِأَنَّهُ عَطِيَّةُ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَزَمْزَمُ عَطِيَّةُ اللَّهِ لِإِسْمَاعِيلَ ; وَلِأَنَّ الْكَوْثَرَ مُصَرَّحٌ بِذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ مُسْنَدًا إِلَى نُونِ الْعَظَمَةِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي زَمْزَمَ مِثْلُ ذَلِكَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " قَالَ بَعْضُهُمْ: هُمَا سَوَاءٌ لَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. وَيُقَالُ: مَا دَامَ الرَّجُلُ صَحِيحًا فَالْخَوْفُ أَفْضَلُ، وَمَا دَامَ مَرِيضًا فَالرَّجَاءُ أَفْضَلُ، وَيُقَالُ: الْخَوْفُ لِلْعَاصِي أَفْضَلُ، وَالرَّجَاءُ لِلْمُطِيعِ أَفْضَلُ، وَيُقَالُ: الْخَوْفُ قَبْلَ الذَّنْبِ أَفْضَلُ، وَالرَّجَاءُ بَعْدَ الذَّنْبِ أَفْضَلُ ; لِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ; أَحَدُهَا: إِلَى فَضْلِهِ وَالْخَوْفُ مِنْ عَدْلِهِ، وَالْفَضْلُ أَكْرَمُ مِنَ الْعَدْلِ. وَالثَّانِي: الرَّجَاءُ إِلَى الْوَعْدِ، وَالْوَعْدُ مِنْ بَحْرِ الرَّحْمَةِ، وَالْخَوْفُ مِنَ الْوَعِيدِ، وَالْوَعِيدُ مِنْ بَحْرِ الْغَضَبِ، وَرَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ. الثَّالِثُ: الرَّجَاءُ بِالطَّاعَةِ وَالْخَوْفُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَمِنَ الطَّاعَةِ مَا يَعْلُو عَلَى الْمَعَاصِي كَالتَّوْحِيدِ. وَالرَّابِعُ: الرَّجَاءُ بِالرَّحْمَةِ وَالْخَوْفُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالذُّنُوبُ لَهَا نِهَايَةٌ، وَالرَّحْمَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَيُقَالُ: الْخَوْفُ أَفْضَلُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ وَعَدَ بِالْخَوْفِ جَنَّتَيْنِ، وَلَمْ يَعِدْ بِالرَّجَاءِ إِلَّا جَنَّةً وَاحِدَةً، وَأَيْضًا الْخَوْفُ يَمْنَعُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَتَرْكُ الذُّنُوبِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ. وَيُقَالُ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْخَوْفِ فَهُوَ حَرُورِيٌّ، وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالرَّجَاءِ فَهُوَ مُرْجِئٌ، وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْحُبِّ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالثَّلَاثَةِ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " قَالَ النيسابوري: اللَّيْلُ أَفْضَلُ ; لِوُجُوهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّيْلَ رَاحَةٌ، وَالرَّاحَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالنَّهَارَ تَعَبٌ، وَالتَّعَبُ مِنَ النَّارِ، وَأَيْضًا فَاللَّيْلُ حَظُّ الْفِرَاشِ، وَالنَّهَارُ حَظُّ اللِّبَاسِ ; وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَلَيْسَ فِي الْأَيَّامِ مِثْلُهَا. وَقِيلَ: النَّهَارُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ نُورٌ، وَأَيْضًا لَا يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ لَيْلٌ، وَأَيْضًا النَّهَارُ لِلْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ.

стр. 850

قُلْتُ: قَدْ وَقَفْتُ عَلَى تَأْلِيفٍ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ اللُّغَوِيِّ صَاحِبِ " الْمُجْمَلِ "، فَذَكَرَ فِيهِ وَجُوهًا فِي تَفْضِيلِ هَذَا وَوُجُوهًا فِي تَفْضِيلِ هَذَا، فَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي تَفْضِيلِ اللَّيْلِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِيهِ سُورَةً مُسَمَّاةً " سُورَةَ اللَّيْلِ "، وَلَمْ يُنْزِلْ فِي النَّهَارِ سُورَةً تُسَمَّى سُورَةَ النَّهَارِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَ ذِكْرَهُ عَلَى النَّهَارِ فِي أَكْثَرِ الْآيَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١] وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ قَبْلَ النَّهَارِ، وَأَنَّ لَيَالِيَ الشَّهْرِ سَابِقَةٌ عَلَى أَيَّامِهِ، وَأَنَّ فِي اللَّيْلِ لَيْلَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَلَيْسَ فِي الْأَيَّامِ مِثْلُهَا، وَأَنَّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَاعَةَ إِجَابَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً، وَأَنَّ النَّهَارَ فِيهِ أَوْقَاتٌ تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَقْتُ كَرَاهَةٍ، وَالصَّلَاةُ مِنْ أَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّ فِيهِ التَّهَجُّدَ وَالِاسْتِغْفَارَ بِالْأَسْحَارِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ وَاسْتِغْفَارِهِ، وَأَنَّهُ أَصَحُّ لِتِلَاوَةِ الذَّكْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] وَقَالَ: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا﴾ [الزمر: ٩] وَأَنَّ الْإِسْرَاءَ وَقَعَ بِاللَّيْلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: فِي اللَّيْلِ تَنْقَطِعُ الْأَشْغَالُ، وَتُجَمُّ الْأَذْهَانُ، وَيَصِحُّ النَّظَرُ، وَتُؤَلَّفُ الْحِكَمُ، وَتَدِرُّ الْخَوَاطِرُ، وَيَتَّسِعُ مَجَالُ الْقَلْبِ، وَمُؤَلِّفُو الْكِتَابِ يَخْتَارُونَهُ عَلَى النَّهَارِ ; لِأَنَّ الْقَلْبَ بِالنَّهَارِ طَائِرٌ، وَبِاللَّيْلِ سَاكِنٌ، وَكَذَلِكَ مُدَبِّرُو الْمُلْكِ. وَقَدِيمًا كَانَ يُقَالُ: اللَّيْلُ نَهَارُ الْأَرِيبِ، وَقَالَ الْقَائِلُ: وَلَمْ أَرَ مِثْلَ اللَّيْلِ جُنَّةَ فَاتِكٍ ... إِذَا هَمَّ أَمْضَى غَنِيمَةَ نَاسِكٍ وَعَارَضَهُ صَاحِبُ النَّهَارِ بِأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَ ذِكْرَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا - وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٣ - ٤] وَبِأَنَّ التَّقْدِيمَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، فَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ، وَالْجِنَّ عَلَى الْإِنْسِ، وَالْأَعْمَى وَالْأَصَمَّ عَلَى الْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ [هود: ٢٤] وَالْمُتَأَخِّرُ مِمَّا ذُكِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِ قَطْعًا، وَبِأَنَّ النُّورَ قَبْلَ الظُّلْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وَبِأَنَّ النَّاسَ وَالشُّعَرَاءَ مَا زَالُوا يَذُمُّونَ اللَّيْلَ وَيَشْكُونَهُ

стр. 851

كَقَوْلِ امرئ القيس: وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. الْأَبْيَاتِ. وَقَدِ اسْتَعَاذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْأَبْهَمَيْنِ، وَيُقَالُ: الْأَعْمَيَيْنِ - السَّيْلِ وَاللَّيْلِ، وَبِاللَّيْلِ تَدِبُّ الْهَوَامُّ، وَتَثُورُ السِّبَاعُ، وَتُنْشَرُ اللُّصُوصُ، وَتُشَنُّ الْغَارَاتُ، وَتُرْتَكَبُ الْمَعَاصِي وَالْفَاحِشَاتُ ; وَلِذَلِكَ قِيلَ: اللَّيْلُ أَخْفَى لِلْوَيْلِ، وَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ، فَقَالَ: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧] وَكَانَ الحسن يَقُولُ: مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا أَشَدَّ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] قِيلَ: هُوَ اللَّيْلُ إِذَا أَظْلَمَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِلْمِكْثَارِ: حَاطِبُ لَيْلٍ ; لِمَا يُخْشَى عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ نَهْشٍ أَوْ تَنَهُّشٍ، «وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ جِدَادِ اللَّيْلِ وَصِرَامِ اللَّيْلِ، وَأَمَرَ بِغَلْقِ الْأَبْوَابِ وَكَفِّ الصِّبْيَانِ بِاللَّيْلِ، وَقَالَ: " إِنْ لِلشَّيْطَانِ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً» ، وَافْتَخَرَتِ الْعَرَبُ بِالْأَيَّامِ دُونَ اللَّيَالِي، فَقَالُوا: يَوْمُ ذِي قَارٍ، وَيَوْمُ كَذَا. وَالْأُسْبُوعُ أَيَّامُهُ مُسَمَّاةٌ دُونَ اللَّيَالِي، فَإِنَّمَا تُذْكَرُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَيَّامِ فَيُقَالُ: لَيْلَةُ الْأَحَدِ، وَلَيْلَةُ كَذَا، وَلَيْسَ الْمُضَافُ كَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْأَيَّامُ النَّبِيهَةُ أَكْثَرُ مِنَ اللَّيَالِي، كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَالْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ، وَلَيْسَ فِي اللَّيَالِي إِلَّا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ. وَقَالَ ﷺ : " «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» "، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللَّيَالِي. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": إِنَّمَا خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرَابِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ شَيْءٌ إِلَّا التُّرَابُ، فَخَلَقَهُ مِنْهُ، ثُمَّ خَلَقَ حواء مِنْ آدَمَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَخَلَقَهَا مِنَ الضِّلْعِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الْعِوَجِ، فَلَا يُطْمَعُ فِي تَقْوِيمِهِنَّ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْأَرْبَعُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " سُؤَالٌ: لِمَ رُفِعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصْحَبَ الْمَلَائِكَةَ لِيَحْصُلَ لَهُمْ بَرَكَتُهُ كَمَا صَحِبَهُ التَّائِبُونَ فِي الدُّنْيَا، وَأَيْضًا لِمَا لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ مِنْ بَابِ الشُّهْرَةِ وَخُرُوجُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْمَنِيَّةِ، بَلْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْقُدْرَةِ وَخَرَجَ مِنْ بَابِ الْعِزَّةِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": إِنَّمَا سُمِّيَ مَسِيحًا لِأَنَّهُ كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ، وَيُقَالُ: وُلِدَ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَيُقَالُ: لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الضُّرَّ عَنِ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصِ وَالْأَكْمَهِ، وَيُقَالُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَدَمِهِ أَخْمَصُ. وَزَادَ ابن الأثير فِي " النِّهَايَةِ " مَا نَصُّهُ: وَقِيلَ الْمَسِيحُ: الصِّدِّيقُ، وَقِيلَ هُوَ بِالْعَبْرَانِيَّةِ مَشِيحًا، فَعُرِّبَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يُقِيمُ سَبْعَ سِنِينَ، وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ أَنَّهُ

стр. 852

يُقِيمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْبَعِينَ مَجْمُوعُ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ، فَإِنَّهُ رُفِعَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": قِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً بِعَدَدِ حُرُوفِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا كَلِمَةُ يُوسُفَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ» . وَأَقُولُ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ الضحاك، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] قَالَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَأَخْرَجَ ابن المنذر وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ لَبِثَ سَبْعَ سِنِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ عَنْ قَتَادَةَ، وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، قَالَ: دُونَ الْعَشَرَةِ. وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] قَالَ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " أَنَّهُ لَبِثَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَأَخْرَجَ الحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَكَثَ يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْتَقَمَهُ الْحُوتُ ضُحًى وَلَفِظَهُ عَشِيَّةً. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: تَحْرِيمُ آلَاتِ اللَّهْوِ، وَأَجَازَهَا طَائِفَةٌ، مِنْهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَالْمُخْتَارُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَقِّقُونَ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام - إِبَاحَةُ ذَلِكَ لِلصُّوفِيَّةِ خَاصَّةً وَتَحْرِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَبَسْطُ ذَلِكَ فِي حَوَاشِي " الرَّوْضَةِ ". وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالسَّابِعُ وَالثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَحْيَاءٌ. أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] قَالَ: رُفِعَ إِدْرِيسُ كَمَا رُفِعَ عِيسَى وَلَمْ يَمُتْ. وَأَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عمر مولى غفرة يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، «أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ صَدِيقًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ إِدْرِيسُ: أُحِبُّ أَنْ تُذِيقَنِي الْمَوْتَ وَتُفَرِّقَ بَيْنَ رُوحِي وَجَسَدِي حَتَّى أَجِدَ طَعْمَ الْمَوْتِ ثُمَّ تَرُدَّ رُوحِي، فَقَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَسْتَأْذِنَ فِيهِ رَبِّي، فَقَالَ لَهُ إِدْرِيسُ: فَاسْتَأْذِنْهُ فِي ذَلِكَ، فَعَرَجَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى رَبِّهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَبَضَ نَفْسَهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ رُوحِهِ وَجَسَدِهِ، فَلَمَّا سَقَطَ إِدْرِيسُ مَيِّتًا رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ» . . . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.

стр. 853

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: كَانَ مَلَكُ الْمَوْتِ صَدِيقًا لِإِدْرِيسَ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، أَمِتْنِي فَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ، فَقَالَ لَهُ: أَمِتْهُ، فَلَمَّا مَاتَ رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ حَيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ، فَقَالَ: أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَاحْتَمَلَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، فَكَانَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: اخْرُجْ بِنَا، قَالَ: لَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ - إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨ - ٥٩] وَقَالَ: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وَمَا أَنَا بِخَارِجٍ مِنْهَا، قَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: يَا رَبِّ، قَدْ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ عَبْدُكَ إِدْرِيسُ، قَالَ اللَّهُ لَهُ: صَدَقَ، فَاخْرُجْ مِنْهَا وَدَعْهُ فِيهَا، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَرْبَعَةُ أَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ، اثْنَانِ فِي السَّمَاءِ: إِدْرِيسُ وَعِيسَى، وَاثْنَانِ فِي الْأَرْضِ: إِلْيَاسُ والخضر. وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، «أَنَّ إِلْيَاسَ يَكُونُ مَعَ الدَّجَّالِ يُنْذِرُ النَّاسَ، فَإِذَا قَالَ الدَّجَّالُ: أَنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ لَهُ إِلْيَاسُ: كَذَبْتَ. وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " أَنَّ إِلْيَاسَ والخضر يَلْتَقِيَانِ فِي كُلِّ عَامٍ بِالْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا رَأْسَ صَاحِبِهِ وَيَتَفَرَّقَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ، مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» . كَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي " تَارِيخِ دِمَشْقَ "، عَنِ ابن أبي رواد قَالَ: إِلْيَاسُ والخضر يَصُومَانِ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيَحُجَّانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَشْرَبَانِ مِنْ زَمْزَمَ شَرْبَةً تَكْفِيهِمَا إِلَى مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَبِيٌّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَسُولٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَلِيٌّ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَمْسُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ " التَّعْظِيمَ وَالْمِنَّةَ " قَرَّرْتُ فِيهِ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقْرَبُهَا طُرُقٌ: أَحُدُهَا أَنَّهُمَا كَانَا عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ، كورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ تَحَنَّفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَالثَّانِي أَنَّهُمَا كَانَا فِي الْفَتْرَةِ، وَالْفَتْرَةُ لَا تَكْلِيفَ فِيهَا. وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا أُحْيِيَا لَهُ ﷺ وَآمَنَا بِهِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَنْ قَالَ مِنَ الْعَوَامِّ أَوْ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِحَضْرَةِ الْعَوَامِّ فِي حَقِّ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ، أَوْ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ -أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ الْبَلِيغُ أَوْ

стр. 854

أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ سُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ فِي حَقِّ وَالِدِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُ كَافِرٌ، فَأَجَابَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ مَلْعُونٌ ; لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] . وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ: التَّكْلِيفُ، وَالْحَدَثُ، وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُنَا: التَّكْلِيفُ - يَجْمَعُ ثَلَاثَ صِفَاتٍ: الْبُلُوغَ، وَالْعَقْلَ، وَالْإِسْلَامَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهَا بِضْعَةَ عَشَرَ شَرْطًا: الْمَاءُ الطَّهُورُ، وَالْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ بِطَهُورِيَّتِهِ، وَالْإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَعَدَمُ الْمُنَافِي، وَفَقْدُ الْمَانِعِ، وَطَهَارَةُ الْعُضْوِ مِنْ نَجَاسَتِهِ، وَالْعِلْمُ بِكَيْفِيَّتِهِ، وَتَمْيِيزُ فَرَائِضِهِ مِنْ سُنَنِهِ، وَتَرْتِيبُهُ- عَلَى مَا جَنَحْتُ إِلَيْهِ فِي حَوَاشِي " الرَّوْضَةِ "، وَلَمْ أُسْبَقْ إِلَيْهِ -وَالْأَصْحَابُ عَدُّوا التَّرْتِيبَ رُكْنًا لَا شَرْطًا، وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ بِشَرْطٍ، وَهُوَ النَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَيَزِيدُ صَاحِبُ الضَّرُورَةِ بِسِتَّةِ شُرُوطٍ: دُخُولُ الْوَقْتِ، وَتَقْدِيمُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ، وَحَشْوُ الْمَنْفَذِ، وَإِيلَاؤُهُ الْوُضُوءَ، وَالْمُوَالَاةُ فِيهِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِيهِمَا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ فِي إِطَالَةِ الْخُطْبَةِ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ الْكَثِيرِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ نَفْلٍ قَلِيلَةٍ، وَصَلَاةَ النَّفْلِ الْكَثِيرَةِ أَفْضَلُ مِنْ تِلَاوَةٍ قَلِيلَةٍ، فَإِنِ اسْتَوَى الزَّمَانُ الْمَصْرُوفُ إِلَيْهِمَا كَنِصْفِ يَوْمٍ مَثَلًا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " [ «وَاعْلَمُوا] أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ النَّفْلِ أَفْضَلَ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْقِيرَاطِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْمَقَادِيرِ الَّتِي يُوزَنُ بِهَا، وَإِنَّمَا قَالَ: أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ ; لِأَنَّهُ أَكْبَرُ جَبَلٍ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ أَكْبَرُ جَبَلٍ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّهُ يَبْلُغُ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَأُبْهِمَ الْقِيرَاطُ الْآخَرُ ; لِأَنَّ عَطَاءَ اللَّهِ وَاسِعٌ فَلَا يُحَدُّ. وَقِيلَ: لَيْسَ الْقِيرَاطُ مَنْسُوبًا إِلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا، بَلْ إِلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْمَيِّتِ مِنْ تَغْمِيضِهِ، وَتَقْبِيلِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَشَدِّ لِحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ، وَنَزْعِ ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَوَضْعِهِ عَلَى سَرِيرِهِ، وَتَغْسِيلِهِ، وَتَكْفِينِهِ، وَحَمْلِهِ، وَالْمَشْيِ مَعَهُ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَحُضُورِ

стр. 855

دَفْنِهِ، وَحَفْرِ الْقَبْرِ، وَوَضْعِهِ فِيهِ، وَسَدِّهِ عَلَيْهِ، وَإِهَالَةِ التُّرَابِ. فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَمَنْ أَتَى بِالصَّلَاةِ فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ هِيَ جُمْلَةُ الْأَجْرِ، وَمَنْ حَضَرَ الدَّفْنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ آخَرُ، وَهَذِهِ الْقَرَارِيطُ بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَشَارَ فِيهِ إِلَى أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْمَغْفِرَةِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، والحاكم وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ مالك بن هبيرة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ ". وَلَفَظُ الحاكم وَالْبَيْهَقِيِّ: " إِلَّا غُفِرَ لَهُ ". قَالَ النووي: وَهُوَ مَعْنَى أَوْجَبَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ، وَالسِّتُّونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ البرهان الفزاري أَفْتَى بِوُجُوبِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَأَفْتَى مُعَاصِرُوهُ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ ; لِعَدَمِ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمْ وَهُوَ الْوَقْتُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ، قَالَ الزركشي فِي " الْخَادِمِ ": وَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ لَهُمْ فِي رَمَضَانَ بِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِاللَّيْلِ إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ يُمْسِكُونَ وَيُفْطِرُونَ بِالنَّهَارِ، كَذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِذَا غَرَبَتْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ كَمَا يَأْكُلُ الْمُسْلِمُونَ وَيَصُومُونَ فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدِنَا إِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَأَتَمَّ الْأَرْكَانَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ المتولي وَغَيْرُهُ: إِذَا تَمَضْمَضَ الصَّائِمُ لَزِمَهُ مَجُّ الْمَاءِ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَنْشِيفُ فَمِهِ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا بِلَا خِلَافٍ، قَالَ المتولي: لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً، قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي الْفَمِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَجِّ إِلَّا رُطُوبَةٌ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الْمَوْضِعِ، إِذْ لَوِ انْفَصَلَتْ لَخَرَجَتْ فِي الْمَجِّ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالْحَيَوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ ظَاهِرٍ وَلَا بَاطِنٍ بِغَيْرِ الْحَيَوَانِ وَلَا بِهِ إِذَا عَلِمَهُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ، وَالْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَيَمْنَعُهُ الرَّدُّ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: فَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَوِ اشْتَرَى أَمَةً وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ وَطِئَهَا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا وَاسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، أَوْ كَانَ الِانْتِقَالُ مِنِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ جَازَ تَزْوِيجُهَا فِي الْحَالِ عَلَى الْأَصَحِّ، انْتَهَى. وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهَا إِذَا طُلِّقَتْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يَطَؤُهَا السَّيِّدُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ; لِئَلَّا يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ

стр. 856

فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى نَفْيِهِ إِلَّا بِأَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ الْوَطْءِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ رَاجَتْ أَمْ لَمْ تَرُجْ، وَكَذَا بَيْعُهَا إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْعُرُوضِ وَإِنْ رَاجَتْ رَوَاجَ النُّقُودِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ الْغَالِبُ فِيهَا إِطْلَاقُ الدَّرَاهِمِ عَلَى الْفُلُوسِ حُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا تُطْلَقُ فِيهِ الدَّرَاهِمُ إِلَّا عَلَى الْفِضَّةِ حُمِلَ عَلَيْهَا، فَإِنِ اسْتَوَى الْإِطْلَاقَانِ فِي بَلَدٍ وَلَمْ يُبَيَّنْ حُمِلَ عَلَى الْفُلُوسِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقَلُّ وَقَاعِدَةُ الْإِقْرَارِ الْحَمْلُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَيَقَّنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِيمَا عَدَاهُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّبْعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا مَالِكُ الْبَعْضِ وَمَعَهُ وَلِيُّهَا الْقَرِيبُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمُعْتِقُ الْبَعْضِ وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُعْتِقُ الْبَعْضِ. وَالثَّالِثُ: مَعَهُ السُّلْطَانُ. وَالرَّابِعُ: يَسْتَقِلُّ مَالِكُ الْبَعْضِ. وَالْخَامِسُ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا أَصْلًا لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَالْوَلَايَةِ بِالتَّبْعِيضِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُمَا إِنْ كَانَا مُعَيَّنَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي عَقَدَ وَالشُّهُودِ صَحَّ النِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْمِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَإِلَّا بِأَنْ قَالَ لِوَكِيلِ الْغَائِبِ: زَوَّجْتُ مُوَكِّلَكَ فَاطِمَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ بِنْتَ فُلَانٍ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَفِي الرَّوْضَةِ لَوْ كَانَ اسْمُ ابْنَتِهِ الْوَاحِدَةِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ وَلَمْ يَقُلْ: بِنْتِي، فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ لِكَثْرَةِ الْفَوَاطِمِ لَكِنْ لَوْ نَوَاهَا صَحَّ، كَذَا قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْبَغَوِيُّ، وَاعْتَرَضَ ابن الصباغ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ وَالشُّهُودُ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ، وَهَذَا أَقْوَى؛ وَلِهَذَا الْأَصْلِ مَنَعْنَا النِّكَاحَ بِالْكِنَايَاتِ انْتَهَى. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا وَعَلَى الزَّوْجِ الْبَيِّنَةُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ، وَالْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ: فَالْجَوَابُ فِي الثَّلَاثَةِ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ فِي مَسْأَلَةِ وَطْءِ إِحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ بِحَضْرَةِ الْأُخْرَى. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا إِذَا كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً أَوْ مُطَلَّقَةً فِي عِدَّةٍ بَيْنُونَةٍ فَمَتَى تَزَوَّجَهَا صَحَّ النِّكَاحُ وَلَمْ تُطَلَّقْ. فَإِنْ كَانَ فِي عِدَّةٍ رَجْعِيَّةٍ وَرَاجَعَهَا فِي تِلْكَ الْعِدَّةِ طُلِّقَتْ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ وَالْحُكْمُ فِيهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْمُنْجَزِ فَقَطْ، هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.

стр. 857

وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ، وَالتَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَقَعُ وَطَلَاقَ السَّكْرَانِ يَقَعُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّمَانُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْمَثَاقِيلَ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ زَادَتْ قِيمَتُهَا أَوْ نَقَصَتْ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْبَيْعَ أَبْطَلَ التَّعْلِيقَ فَإِذَا وَطِئَهَا بَعْدَ مِلْكِهَا ثَانِيًا لَمْ تُعْتَقْ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ التَّمْلِيكَ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْقَبُولِ، وَالْعِتْقَ صَادَفَ مِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَقَةِ فَيَصِحُّ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ عِتْقَ الْمُكْرَهِ لَا يَنْفُذُ، وَحَدُّ الْإِكْرَاهِ التَّخْوِيفُ بِأَمْرٍ يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ حَذَرًا مِمَّا هُدِّدَ بِهِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ فِي قَتْلِ الْكَلْبِ غَيْرِ الْعَقُورِ خِلَافًا فِي مَذْهَبِنَا، وَاضْطَرَبَ تَرْجِيحُ الشَّيْخَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَفِي مَوْضِعٍ رَجَّحَا الْجَوَازَ، وَفِي مَوْضِعٍ رَجَّحَا الْمَنْعَ وَهُوَ اخْتِيَارِي. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا فِسْقَ فِي هَذَا الْفِعْلِ بِعَيْنِهِ إِلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مُحَرَّمًا مِنْ رُقًى مُخَالِفَةٍ لِلشَّرْعِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّفْرِقَةَ مِنَ السِّحْرِ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَأَمَّا التَّأْلِيفُ وَكَتْبُ الْحِرْزِ وَالْحِجَابِ فَلَيْسَ مِنْهُ، قَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فَلْيَفْعَلْ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ وَقَرَابِينِ الْجِنِّ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ، كَذَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُنَا الإمام تقي الدين الشمني، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَا حَاضِرٌ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التِّسْعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا عَلَى إِتْيَانِ الْقَاضِي وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ يَأْتِيهِ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَمَا فَوْقَهَا فَلَهُ طَلَبُ نَفَقَةِ الْمَرْكُوبِ وَنَفَقَةِ الطَّرِيقِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِمَا سِوَى هَذَا، لَكِنْ فِي تَعْلِيقِ الشيخ أبي حامد أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ كَانَ فَقِيرًا يَكْسِبُ قُوتَهُ يَوْمًا يَوْمًا، وَكَانَ فِي صَرْفِ الزَّمَانِ إِلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ كَسْبِهِ لَمْ

стр. 858

يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إِلَّا إِذَا بَذَلَ لَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ قَدْرَ كَسْبِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا يُقَالُ فِي الْمُمْتَنِعِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ: فَالْجَوَابُ إِذَا قَالَ: لَمْ أَشْهَدْ بِذَلِكَ ثُمَّ شَهِدَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِي الْجَانِبَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَذْكُرُ ثُمَّ شَهِدَ تُقْبَلُ، هَذَا مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ فِي الْجَانِبَيْنِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ حَكَمَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ وَلَايَةَ الْجَاهِلِ بَاطِلَةٌ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ: فَجَوَابُهُ أَنَّ عِلْمَ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا عِلْمٌ مُعْتَبَرٌ أَصْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا إِثْمَ عَلَى الْمُعَبِّرِ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ خَطَأً أَوْ مُجَازَفَةً. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ: فَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حِكْمَةِ نُزُولِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ هَمَّتْ بِقَتْلِهِ وَصَلْبِهِ وَجَرَى أَمْرُهُ مَعَهُمْ عَلَى مَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَهُمْ أَبَدًا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَيَنْسُبُونَهُ إِلَى السِّحْرِ وَغَيْرِهِ إِلَى مَا كَانَ اللَّهُ بَرَّأَهُ وَنَزَّهَهُ عَنْهُ. وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ فَلَمْ تَقُمْ لَهُمْ مُنْذُ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَظْهَرَهُ رَايَةٌ، وَلَا كَانَ لَهُمْ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ سُلْطَانٌ وَلَا قُوَّةٌ وَلَا شَوْكَةٌ، وَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَقْرُبَ السَّاعَةُ، فَيَظْهَرُ الدَّجَّالُ وَهُوَ أَسْحَرُ السَّحَرَةِ، فَتُتَابِعُهُ الْيَهُودُ فَيَكُونُونَ يَوْمَئِذٍ جُنْدَهُ مُقَرِّرِينَ أَنَّهُمْ يَنْتَقِمُونَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا صَارَ أَمْرُهُمْ إِلَى هَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عِيسَى ﵇ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَتَلُوهُ، وَأَبْرَزَهُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ وَنَصَرَهُ عَلَى رَئِيسِهِمْ وَكَبِيرِهِمُ الَّذِي ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، فَقَتَلَهُ وَهَزَمَ جُنْدَهُ مِنَ الْيَهُودِ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَجِدُونَ مَهْرَبًا، وَإِنْ تَوَارَى أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَجَرَةٍ أَوْ بِحَجَرٍ أَوْ بِجِدَارٍ نَادَاهُ يَا رُوحَ اللَّهِ هَهُنَا يَهُودِيٌّ حَتَّى يَقِفَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَ وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَكَذَا كُلُّ كَافِرٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَافِرٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الشَّجَرِ شَجَرُ الْغَرْقَدِ فَإِنَّهُ شَجَرُ الْيَهُودِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْيَهُودِيِّ إِذَا تَوَارَى بِهِ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْزَالُهُ لِدُنُوِّ أَجَلِهِ لَا لِقِتَالِ الدجال؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ مِنَ التُّرَابِ أَنْ يَمُوتَ فِي السَّمَاءِ لَكِنْ أَمْرُهُ يَجْرِي عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] فَيُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيُقِرَّهُ فِي الْأَرْضِ، يَرَاهُ فِيهَا مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ، وَيَسْمَعُ بِهِ مَنْ نَأَى عَنْهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ فَيَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ أَمْرَهُ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ حَيْثُ دُفِنَ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ أُمُّهُ مِنْ نَسْلِهِمْ وَهِيَ

стр. 859

الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ فَيُنْشَرُ إِذَا نُشِرُوا نُشِرَ مَعَهُمْ، هَذَا سَبَبُ إِنْزَالِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَّفِقُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ بُلُوغِ الدجال الَّذِي قَدْ بَلَغَ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنِ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَلَمْ يَنْتَصِبْ لِقِتَالِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِقَتْلِهِمْ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَيَجْرِي قَتْلُهُ عَلَى يَدَيْهِ، إِذْ كَانَ مِمَّنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِرِسَالَتِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ وَجَعَلَهُ وَأُمَّهُ آيَةً، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الْأَمْرُ بِإِنْزَالِهِ لَا أَنَّهُ يَنْزِلُ لِقِتَالِ الدَّجَّالِ قَصْدًا. الثَّالِثُ أَنَّهُ وَجَدَ فِي الْإِنْجِيلِ فَضْلَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَسْبَمَا قَالَهُ، وَقَوْلُهُ نَحْوَ ذَلِكَ: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ آخِرَ الزَّمَانِ مُجَدِّدًا لِمَا دَرَسَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيُوَافِقُ خُرُوجَ الدَّجَّالِ فَيَقْتُلُهُ، وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: قِتَالُهُ الدَّجَّالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ وَهُمْ مُفْتَتَنُونَ، قَدْ عَمَّ فَرْضُ الْجِهَادِ أَعْيَانَهُمْ وَهُوَ أَحَدُهُمْ لَزِمَهُ مِنْ هَذَا الْغَرَضِ مَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ؛ فَلِذَلِكَ يَقُومُ بِهِ وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي اتِّبَاعِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ، وَالسَّابِعُ، وَالثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ: فَالْمَدُّ عَلَى الْهَمْزِ وَالْهَاءِ خَطَأٌ وَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إِلَّا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِفْهَامَ، وَأَمَّا الْمَدُّ عَلَى اللَّامِ فَحَسَنٌ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ، وَالْمُوَفِّي مِائَةً: فَقَدْ قَالَ ابن المنير فِي كِتَابِهِ شَرَفِ الْمُصْطَفَى: ذَكَرَ ابن حبيب أَنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بَحْرًا يُسَمَّى الْمَكْفُوفَ يَكُونُ بَحْرُ الْأَرْضِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَالْقَطْرَةِ مِنَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ. وَأَنَّ هَذَا الْبَحْرَ انْفَلَقَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حَتَّى جَاوَزَهُ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ انْفِلَاقِ الْبَحْرِ لِمُوسَى. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ فِي فَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ تَدُورُ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ بَحْرًا دُونَ السَّمَاءِ بِمِقْدَارِ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ فَهُوَ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ قَائِمٌ فِي الْهَوَاءِ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَقْطُرُ مِنْهُ قَطْرَةٌ جَارٍ فِي سُرْعَةِ السَّهْمِ يَجْرِي فِيهِ الْقَمَرُ وَالشَّمْسُ وَالنُّجُومُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] هَذَا آخِرُ الْأَجْوِبَةِ. وَقَدْ قُلْتُ فِي الْجَوَابِ نَظْمًا: سُبْحَانَ رَبِّ الْعُلَى مُؤْتِي الْبَرَاهِينِ ... وَبَاعِثِ الرُّسْلِ إِرْشَادًا لِمَهْدِينِ صَلَّى عَلَيْهِمْ إِلَهُ الْعَرْشِ قَاطِبَةً ... خُصُوصًا الْمُصْطَفَى خَيْرَ النَّبِيِّينِ

стр. 860

مَنِ اجْتَبَاهُ وَآتَاهُ خَصَائِصَ لَا تُحْصَى بِعَدٍّ وَلَا تُرْمَى بِتَوْهِينِ ... وَلَمْ يَزَلْ شَرْعُهُ يَعْلُو بِمُجْتَهِدٍ يَقُومُ حِفْظًا لَهُ فِي كُلِّ مَا حِينِ ... وَكُلُّ قَرْنٍ أَتَى فِي رَأْسِهِ رَجُلٌ يُقِيمُهُ اللَّهُ فِي التَّجْدِيدِ لِلدِّينِ ... نَعَمْ وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْتَهِدُ الْ عَصْرِ الْأَخِيرِ عَلَى رَغْمِ الشَّيَاطِينِ ... أَقُولُ ذَلِكَ تَحْدِيثًا بِنِعْمَتِهِ لَا أَقْصِدُ الْفَخْرَ أَوْ صُنْعَ الْمُرَائِينِ ... نَعَمْ وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ يُغْدَقُ بِي فَتْحُ الْمَغَالِقِ مَعْ حَلِّ الْعَوِيصِينِ ... إِذَا بَدَا مُشْكِلٌ فِي الْعِلْمِ أُقْصَدُ فِي إِيضَاحِهِ فَأُوَفِّيهِ بِتَبْيِينِ ... إِنْ شِئْتُ نَقْلًا فَأَرْوِي فِيهِ أَبْحُرَهُ أَوِ الدَّلِيلَ فَآتِي بِالْبَرَاهِينِ ... دَعْ ذَا وَعُدَّ لِعِلْمٍ أَوْ لِفَائِدَةٍ وَاحْفَظْ جَوَابَ سُؤَالَاتٍ بِتَمْكِينِ ... كَتَبْتُهَا سُرْعَةً فِي سَاعَتَيْنِ كَمَا كَتَمْتُهَا غَيْرَةً لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ ... وَهَذِهِ سَرْدُهَا لِلنَّاظِرِينَ فَمَا يُغَبَّشُ الشَّمْسَ إِلَّا طَامِسُ الْعِينِ ... الْوَعْدُ فِي آيَةِ الْأَحْزَابِ يَرْجِعُ لِلْ مَجْمُوعِ لَا الْفَرْدِ لِلتَّعْظِيمِ فِي دِينِ ... وَرُؤْيَةُ اللَّهِ خُذْ عَنِّي مُحَرَّرَهَا وَدَعْ أُولِي الْجَهْلِ وَالتَّخْبِيطِ وَالشِّينِ ... كُلُّ الْأَنَامِ يَرَوْهُ فِي الْقِيَامَةِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ مَعَ الْأَمْلَاكِ بِالْعِينِ ... وَفِي الْجِنَانِ يَرَاهُ الْقَوْمُ فِي جَمْعٍ وَلِلنِّسَا رُؤْيَةٌ فِي يَوْمِ عِيدِينِ ... نَعَمْ وَيَخْتَصُّ صِدِّيقَاتُنَا بِزِيَا دَاتٍ عَلَيْهِمْ كَمَاذَا لِلْوَلِيِّينِ ... وَالْجِنُّ فِيهِمْ خِلَافٌ وَالَّذِي نَرَهُ بِأَنْ لَهُمْ رُؤْيَةٌ بَعْضَ الْأَحَايِينِ ... وَبِضْعَةٌ مَعَ عَشْرٍ عِنْدَنَا نَقَلُوا فِي آيَةٍ هِيَ أَرْجَى لِلْمُنِيبِينِ ... قُلْ يَا عِبَادِي جَرَى فِيمَا يُضَادِدُهَا وَمُنْتَهَى زُلْزِلَتْ أُخْرَى بِتَعْيِينِ ... قِدَمًا شَرَى اللَّهَ نَفْسُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى عِلْمٍ وَإِذْ نَزَلَتْ أَحْدَاثُ تَكْوِينِ ... وَالرُّوحُ إِذْ بُذِلَتْ لِلْقَتْلِ أَنْفُسُهُمْ وَالْمَالُ لِلْبَذْلِ كَانَا حَقَّ تَثْمِينِ ... وَالْقَلْبُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى يُخَصُّ بِهِ وَالنَّفْسُ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ بِتَسْكِينِ ... إِذِ الْقُلُوبُ مَحَلُّ الرُّوحِ مَسْكَنُهَا وَالرُّوحُ نَفْسٌ وَإِنْ قَدَّرْتَ نَفْسِينِ ... فَحَيْثُ كَانَتْ نُفُوسُ الْقَوْمِ بَاذِلَةً كَانَ الْوِعَاءُ لَهَا مُلْغًى عَنِ الْعِينِ ... وَالْخُلْفُ فِي الشَّرْقِ مَعْ غَرْبٍ وَفَضْلُ سَمَا وَالْأَرْضُ قَدْ شَاعَ مَا هَذَا بِمَكْنُونِ ... وَلَيْسَ عِنْدِيَ تَرْجِيحٌ بِذَيْنِ لِمَا فِيهِ تَعَارُضُ مَدْلُولِ الدَّلِيلِينِ

стр. 861

خَيْرُ السَّمَاوَاتِ عُلْيَاهَا رَوَيْتُ وَهَا ... ذِي الْأَرْضُ فِيمَا رَوَى خَيْرَ الْأَرَاضِينِ وَخَيْرُ جَنَّاتِهَا الْفِرْدَوْسُ أَرْفَعُهَا ... وَالْأَرْضُ فِي الْأَنْبِيَا شَامٌ بِتَعْيِينِ وَالسِّرُّ فِي طَمْسِ نُورِ النَّيِّرَيْنِ وَفِي ... إِلْقَاهُمَا النَّارَ تَبْكِيتُ الْعُبَيْدِينِ ثُمَّ السَّوَادُ يُرَى فِي بَدْرِنَا أَثَرٌ ... بِمَسْحِ جِبْرِيلَ وَهُوَ الْمَحْوُ لِلزِّينِ وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ تَأْتِي الْعَرْشَ تَسْجُدُ أَوْ ... تَسِيرُ فِي الْأَرْضِ جَاءَا فِي حَدِيثِينِ وَقَدْرُهَا مَثَلُ الدُّنْيَا وَزِدْ ثُلُثًا ... كَذَا رَوَيْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْحَنِيفِينِ بِمَكَّةٍ يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ دِمَشْ ... قِ الشَّامِ فِيهَا يَجِيءُ عِيسَى بِتَزْيِينِ وَالنَّيْلُ مَعَ رَمَضَانَ جُمُعَةٍ أَحَدٍ ... لَهَا شُغُوفٌ عَلَى بَاقِي الْأَفَانِينِ وَفِي فَقِيرٍ صَبُورٍ مَعْ شَكُورٍ غَنِيٍّ ... خُلْفٌ وَفَضْلٌ كَفَافًا فَوْقَ هَذِينِ وَأَوَّلُ الْخَلْقِ فِي قَوْلٍ أُرَجِّحُهُ ... لِمَا رَوَوْا قَلَمٌ يَجْرِي بِمَسْنُونِ وَكَتْبُهُ أَوَّلًا بِاللَّوْحِ أَسْطُرُهُ ... إِنِّي أَنَا بَعْدَهُ التَّوَّابُ فَادْعُونِي وَحِكْمَةٌ فِي وُرُودِ النَّارِ مُؤْمِنُهُمْ ... تَعْرِيفُ قَدْرِ نَعِيمٍ غَيْرِ مَمْنُونِ وَنَحْوُ طس عِنْدِي لَا أُفَسِّرُهُ ... فَذَاكَ مَخْزُونُ عِلْمٍ أَيُّ مَخْزُونِ وَذَرَّةٍ إِنْ تَصِرْ سَبْعِينَ عِدَّتُهَا ... لَهَا جَنَاحُ بَعُوضٍ قَدْرَ مَوْزُونِ عِلْمُ الْيَقِينِ عَلَى الْأَخْبَارِ مُعْتَمِدٌ ... عَيْنَ الْيَقِينِ الَّذِي شَاهَدْتَ بِالْعِينِ حَقُّ الْيَقِينِ إِذَا بَاشَرْتَ ثُمَّتَ مَعْ ... يَا ذَاكِرَ اللَّهِ ذِكْرَاهُ بِتَلْحِينِ وَالذِّكْرُ أَفْضَلُ سِرًّا لِلْأُولَى كَمُلُوا ... وَيَجْهَرُ الْمُخْتَشِي شَرَّ الشَّيَاطِينِ وَعِنْدِي اللَّبَنُ الْأَعْلَى فَلَيْلَةُ الْإِسْرَا ... أَخْتَارُهُ إِذْ أَتَى خَيْرُ النَّبِيِّينِ مَا كَوْثَرُ خَيْرُ مَا الْأُخْرَى وَزَمْزَمُ قُلْ ... خَيْرُ الْمِيَاهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرَاضِينِ وَالْخَوْفُ أَفْضَلُ لِلْإِنْسَانِ صَحَّ كَمَا ... لَدَى الْمَمَاتِ الرَّجَا أَوْلَى فَرَجُّونِي وَاللَّيْلُ أَفْضَلُ فِي قَوْلٍ أُرَجِّحُهُ ... لِقَوْلِهِ جَلَّ مَنْ ذَا فِيهِ يَدْعُونِي وَخَلْقُ آدَمَ تَشْرِيفًا لِعُنْصُرِهِ ... مِنَ التُّرَابِ الطَّهُورِ الطَّاهِرِ الطِّينِ وَخَلْقُ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعٍ مُجَانِسَةٍ ... لِوَصْفِهَا وَلِتَجْنِيسٍ بِزَوْجِينِ وَرَفْعُ عِيسَى لِيَأْتِيَ فِي أَوَاخِرِنَا ... لِقَتْلِ دَجَّالِهِمْ رَأْسِ الْيَهُودِينِ وَبِالْمَسِيحِ يُسَمَّى حَيْثُ خِلْقَتُهُ ... مِنْ غَيْرِ أَخْمَصَ مَمْسُوحٍ لِرِجْلِينِ يُقِيمُ سَبْعَ سِنِينَ إِذْ يَعُودُ كَمَا ... قَدْ صَحَّ فِي الْخَبَرِ الْأَشْيَاخُ رَوُّونِي كَذَا أَقَامَ بِسِجْنٍ يُوسُفٌ وَثَوَى ... فِي الْحُوتِ شَهْرًا وَثُلْثًا قِيلَ ذُو النُّونِ

стр. 862

وَلَا نُبِيحُ لِشَخْصٍ آلَةً سُمِعَتْ سِوَى ذَوِي الْحَالِ سَادَاتِ الْمُحِبِّينِ ... إِدْرِيسُ حَيٌّ بِلَا خُلْفٍ وَالْأَرْجَحُ فِي إِلْيَاسَ وَالْخَضِرِ إِلَّا بَقَا فَحَيُّونِي ... وَالْخُلْفُ فِي خَضِرٍ هَلْ بِالنُّبُوَّةِ أَوْ لَهُ الْوَلَايَةُ مَشْهُورٌ بِتَحْسِينِ ... وَوَالِدَا خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ نُزْلُهُمَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ عِلْمٌ أَيُّ مَكْنُونِ ... وَمَنْ يُصَرِّحْ بِكَفْرٍ أَوْ بِنَارِ لَظًى فِي ذَيْنِ فَهْوَ لَعِينٌ أَيُّ مَلْعُونِ ... شَرْطُ الْوُضُوءِ وُجُوبًا وَقْتُهُ حَدَثٌ عَقْلٌ بُلُوغٌ مَعَ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ ... وَشَرْطُ صِحَّتِهِ الْمَاءُ الطَّهُورُ كَذَا عِلْمٌ بِإِطْلَاقِهِ أَوْ خُذْ بِمَظْنُونِ ... دِينٌ وَفَقْدٌ مُنَافٍ فَقْدُ مَانِعِهِ عَقْلٌ وَتَمْيِيزُ مَفْرُوضٍ وَمَسْنُونِ ... طَهَارَةُ الْعُضْوِ تَرْتِيبٌ لَدَى نَقَا حَيْضٍ وَفِي سَلَسٍ وَقْتٌ بِلَا مِينِ ... تَقْدِيمُ حَشْوٍ وَالِاسْتِنْجَا وَطُهْرُ أَذًى وَالْفَوْرُ بَعْدَ تَوَالٍ بَيْنَ عُضْوِينِ ... وَمَنْ يُصَلِّي إِمَامًا ثَوْبُهُ نَجِسٌ يُعِيدُ مِنْ دُونِ مَأْمُومٍ بِتَبْيِينِ ... وَمَنْ يُطِلْ خُطْبَةً يُكْرَهْ وَفُضِّلَ مَنْ أَتَى الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ الْقَرَابِينِ ... مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ جُزْءٌ جَزَّأَ الْعُلَمَا قِيرَاطُ أَجْرِ مُصَلَّاهُ وَمَدْفُونِ ... وَجَاءَ فِي خَبَرٍ تَمْثِيلُهُ أَحَدًا بِقَدْرِ أَصْغَرِ قِيرَاطٍ لِمَوْزُونِ ... وَحِكْمَةُ الصَّفِّ إِتْبَاعُ الْحَدِيثِ فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ صُفُوفٌ فَازَ بِاللِّينِ ... وَمَنْ يَطُلْ عِنْدَهُمْ شَمْسُ النَّهَارِ وَلَا تَغِيبُ إِلَّا كَلَحْظٍ أَوْ كَلَحْظِينِ ... يُقَدِّرُوا الصَّوْمَ مَعَ فَرْضِ الْعِشَاءِ كَمَا يُقَدِّرُوا زَمَنَ الدَّجَّالِ بِالْحِينِ ... صَحَّتْ صَلَاةُ مُصَلٍّ فِي السَّفِينَةِ إِنْ سَارَتْ وَإِنْ تَرْسُ أَوْ تَنْسَاخُ فِي الطِّينِ ... لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ مَا تُبْقِيهِ مَضْمَضَةٌ مِنْ بَلَّةٍ لَمْ تَكُنْ مَفْصُولَةَ الْعِينِ ... مَنْ بَاعَ بَيْعًا عَلَى شَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ الْعُيُوبِ يُخَصُّ الْبُرْءُ بِاثْنِينِ ... بِبَاطِنٍ مِنْ ذَوِي رُوحٍ وَبَائِعِهِ بِجَهْلِهِ عَالِمٍ أَوْ غَيْرِ مَبْطُونِ ... وَمَنْ يُصَالِحُ عَنْ عَيْبٍ بِالَارْشِ وَهَا وَيَسْقُطُ الرَّدُّ هَذَا غَيْرَ مَغْبُونِ ... وَلَيْسَ يَسْقُطُ الِاسْتِبْرَاءُ إِنْ نُكِحَتْ وَطَلَّقَ الزَّوْجُ حَالًا قَبْلَ تَمْكِينِ ... وَفِي الْفُلُوسِ يَصِحُّ الْبَيْعُ مَعْ سَلَمٍ إِلَى زَمَانٍ وَإِنْ رَاجَتْ كَنَقْدِينِ ... وَمَنْ أَقَرَّ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَنَأَى بِالْعُرْفِ يَقْضِي إِذَا مَا جَا بِتَبْيِينِ ... وَمَنْ تَبَعَّضَ يُزْوِجُهَا الْمَلِيكُ مَعَ التّ تَقْرِيبِ أَوْ مُعْتِقٌ أَوْ مَعْ سَلَاطِينِ ... عَقْدُ النِّكَاحِ صَحِيحٌ حَيْثُ يُعْرَفُ مَنْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَإِلَّا أَلْغِ بِالدُّونِ

стр. 863

وَزَوْجَةٌ أَنْكَرَتْ قَبْضَ الَّذِي نُحِلَتْ ... فَقَوْلُهَا الْقَوْلُ حُكْمٌ أَيُّ مَسْنُونِ وَوَطْءُ سُرِّيَّةٍ أَوْ زَوْجَةٍ بِحِذَا ... ضَرَائِرٍ فَهْوَ كُرْهٌ بَيْنَ الِاثْنِينِ كَذَا بِحَضْرَةِ عَمْيَا غَيْرِ بَاصِرَةٍ ... لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا تَحْرِيمَ فِي الدِّينِ وَمَنْ يَقُلْ إِنْ تَعْدِلِي فَهِيَ طَالِقَةٌ ... يَلْغِي الْمَقَالَ بِبُعْدٍ أَوْ بِبَيْنُونِ وَذَاتُ دَوْرٍ بِهَا يُلْغِي الْمُعَلِّقُ لَا ... مُنْجِزٌ فَلْيَقَعْ هَذَا بِتَكْوِينِ وَمَنْ يُطَلِّقُ إِكْرَاهًا وَيُعْتِقُ لَا ... يَقَعْ وَفِي السُّكْرِ نَفْذٌ فِيهِ هَذِينِ وَحَدُّ الِاكْرَاهِ تَهْدِيدٌ بِمَا سَمَحَتْ ... نَفْسُ الْمُرُوءَاتِ مِنْهُ لِلْمُرِيدِينِ وَالْقَرْضُ يُوفِي بِوَزْنٍ مِثْلَمَا قَبَضُوا ... إِنْ زَادَ أَوْ إِنْ تَنَقَّصَ قِيمَةُ الْعِينِ وَكُلُّ تَعْلِيقِ عِتْقٍ حَلُّهُ أَبَدًا ... بَيْعٌ وَيَبْدَأُ مِلْكٌ غَيْرُ مَوْهُونِ وَمَنْ تُمَلِّكْ لَهَا طِفْلًا وَلَيْسَ لَهُ ... مِنْ قَابِلٍ يُلْغَ ذَا التَّمْلِيكُ فِي الْحِينِ فَإِنْ تُمَلِّكْهُ عَبْدًا ثُمَّ تُعْتِقُهُ ... فَلْيَنْفُذِ الْعِتْقُ مِنْهَا غَيْرَ مَوْهُونِ مَنْ أَكْرَهُوهُ عَلَى خَمْرٍ تُبَاحُ لَهُ ... مِنْ غَيْرِ حَتْمٍ وَيَقْضِي غَيْرَ مَفْتُونِ وَقَدْ جَرَى الْخُلْفُ فِي قَتْلِ الْكِلَابِ وَلَا ... أُفْتِي بِهِ أَبَدًا إِلَّا لِمُؤْذِينِ وَلَا أَفُسِّقُهُ فِي ضَرْبِ مَنْدَلِهِ ... وَلَا أَلُومُ عَلَى حَجْبٍ لِمَجْنُونِ عُدُّوا مِنَ السِّحْرِ تَفْرِيقًا وَتَأْخُذُهُ ... لَا كَتْبَ حِرْزٍ وَتَأْلِيفٍ لِزَوْجِينِ وَلَا نُبِيحُ بِمَا لَمْ يُدْرَ رُقْيَتُهُ ... حَذَارِ ذَلِكَ مِنْ كُفْرِ الْقَرَابِينِ كَذَا أَجَابَ بِهِ قِدْمًا بِحَضْرَتِنَا ... شَيْخِي الشُّمُنِّيُّ ذُو التَّقْوَى وَذُو الدِّينِ لِلشَّاهِدِ الْأَجْرُ بُعْدَ الْمَسَافَةِ أَوْ ... إِنْ عُدَّ فِي الْفُقَرَا ذَا وَالْمَسَاكِينِ وَشَاهِدٌ قَالَ لَمْ أَشْهَدْ فَمَا قُبِلَتْ ... إِنْ جَاءَ يَشْهَدُ هَذَا غَيْرُ مَأْمُونِ وَحَيْثُ يُنْكِرُ حُكْمًا حَاكِمٌ قُبِلَتْ ... عَلَيْهِ فِيمَا نَفَى قَوْلُ الشَّهِيدِينِ وَلَا تَصِحُّ وَلَايَاتُ الْقَضَا أَبَدًا ... لِجَاهِلٍ طَرَقَ الْأَحْكَامَ فِي الدِّينِ وَعِلْمُ تَعْبِيرِ رُؤْيَا النَّوْمِ مُعْتَبَرٌ ... لَهُ أُصُولٌ بِمَكْتُوبٍ وَمَسْنُونِ وَمَنْ يُعَانِيهِ لَا إِثْمٌ عَلَيْهِ إِذَا ... رَاعَى الْقَوَاعِدَ فِيهِ غَيْرَ مَفْتُونِ تَمَّ الْجَوَابُ بِهَذَا عَنْ مَسَائِلِهِ ... فَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا غَيْرَ مَمْنُونِ ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْهَادِي وَعِتْرَتِهِ ... وَصَحْبِهِ مَا أَتَى شَادٍ بِمَوْزُونِ

стр. 864

[الْأَسْئِلَةُ الْوَزِيرِيَّةُ وَأَجْوِبَتُهَا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُجِيبِ السَّائِلِينَ. مَا يَقُولُ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ، وَالْفَائِقُ عَلَى سَائِرِ الْأَقْرَانِ، فِي الْجَوَابِ عَنْ أَسْئِلَةٍ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَفِعُ عَنْهَا غَرِيبُ الْإِشْكَالِ حَتَّى تَهْدِيَ الطَّالِبَ لِوَجْهِ الْحَقِّ فِيهَا عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ؟ الْأَوَّلُ: هَلِ الْوَضْعُ فِي أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ لِلْمَعْنَى الْعَامِّ أَوْ لِلْخُصُوصِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ؟ فَإِنْ قُلْتَ: بِالْأَوَّلِ وَرَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ إِذْ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْخُصُوصِيَّاتِ، فَلَا يُقَالُ هَذَا وَالْمُرَادُ أَحَدٌ مِمَّا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ لَجَازَ ذَلِكَ كَمَا فِي رَجُلٍ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ مَجَازًا وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْخُصُوصِيَّاتِ لَزِمَكَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا وَلَا قَائِلَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ يُشَارُ بِهِ إِلَى أَمْرٍ كُلِّيٍّ مَذْكُورٍ وَذَلِكَ يُنَافِي وَضْعَهُ لِلْخَاصِّ. الثَّانِي: إِطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ أَحَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ؟ فَإِنْ قُلْتَ: بِالْأَوَّلِ أَوَرَدَ أَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ حَقِيقَةً؟ وَإِنْ قُلْتَ: بِالثَّانِي وَرَدَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَقِيقَةً، الثَّالِثُ: هَلِ الْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبِ وَالِابْنِ مُشَكِّكٌ أَمْ مُتَوَاطِئٌ؟ الرَّابِعُ: هَلْ يَنْطَبِقُ عَلَى مَجَازِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ بِأَنَّهُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ أَمْ لَا؟ الْخَامِسُ: أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠] مَا هِيَ وَمِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْعَلَاقَةِ؟ السَّادِسُ: وَهُوَ أَعْظَمُهَا إِشْكَالًا كَيْفَ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْإِيمَانِ مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الشَّرْعِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَكُلُّ تَصْدِيقٍ فَهُوَ كَيْفٌ، فَالْإِيمَانُ كَيْفٌ وَلَا شَيْءَ مِنَ الْكَيْفِ بِمُكَلَّفٍ بِهِ فَلَا شَيْءَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُكَلَّفٍ بِهِ، أَمَّا الصُّغْرَى فَوَاضِحَةٌ، وَأَمَّا الْكُبْرَى فَلِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ؟ وَالْمَسْئُولُ مِنَ الْأُسْتَاذِ الْمُحَقِّقِ وَالْمَوْلَى الْمُدَقِّقِ كَشْفُ الْحِجَابِ عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ بِإِيضَاحِ الصَّوَابِ. الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَرَدَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ مِنْ مَوْلًى لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ جَوَابُهَا وَلَا يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ صَوَابُهَا، غَيْرَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ

стр. 865

تَجْدِيدَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَتَذْكِيرَ الْوُدِّ الْقَدِيمِ، فَأَقُولُ وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ كُلُّهَا مَسْطُورَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ. أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: فَقَدْ ذَكَرَهُ وَجَوَابَهُ القرافي عَلَّامَةُ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ فِي الْمُضْمَرِ فَقَالَ: اخْتَلَفَ الْفُضَلَاءُ فِي مُسَمَّى الْمُضْمَرِ حَيْثُ وُجِدَ هَلْ هُوَ جُزْئِيٌّ أَوْ كُلِّيٌّ؟ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: مُسَمَّاهُ جُزْئِيٌّ وَاحْتَجُّوا بِإِجْمَاعِ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّهُ مَعْرِفَةٌ، وَلَوْ كَانَ مُسَمَّاهُ كُلِّيًّا لَكَانَ نَكِرَةً، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلِّيًّا كَانَ دَالًّا عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَدُلَّ الْمُضْمَرُ عَلَى شَخْصٍ خَاصٍّ الْبَتَّةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّائِلِ حَفِظَهُ اللَّهُ - وَإِنْ قُلْتَ بِالْأَوَّلِ - وَرَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ قَالَ القرافي: وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ وَهُوَ الَّذِي أَجْزِمُ بِصِحَّتِهِ إِلَى أَنَّ مُسَمَّاهُ كُلِّيٌّ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَمَّاهُ جُزْئِيًّا لَمَا صَدَقَ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ إِلَّا بِوَضْعٍ آخَرَ كَالْإِعْلَامِ، فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَ مُسَمَّاهَا جُزْئِيًّا لَمْ يَصْدُقْ عَلَى غَيْرِ مَنْ وُضِعَتْ لَهُ إِلَّا بِوَضْعٍ ثَانٍ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أَنَا فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ خُصُوصِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَخُصُوصُهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصْدُقَ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِوَضْعٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِمَفْهُومِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا وَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَالْمُشْتَرَكُ كُلِّيٌّ فَيَكُونُ لَفْظُ أَنَا حَقِيقَةً فِي كُلِّ مَنْ قَالَ أَنَا لِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِهَذَا الَّذِي هُوَ مُسَمَّى اللَّفْظِ، فَيَنْطَبِقُ ذَلِكَ عَلَى الْوَاقِعِ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لَهَا سَبَبَانِ: أَحَدُهُمَا وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ خُصُوصِهِ فَيَفْهَمُ الشَّخْصُ حِينَئِذٍ لِلْوَضْعِ بِإِزَاءِ الْخُصُوصِ وَهَذَا كَالْعِلْمِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ بِإِزَاءِ مَعْنًى عَامٍّ وَيَدُلُّ الْوَاقِعُ عَلَى أَنَّ مُسَمَّى اللَّفْظِ مَحْصُورٌ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَيَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ لِانْحِصَارِ مُسَمَّاهُ فِيهِ لَا لِلْوَضْعِ بِإِزَائِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُضْمَرَاتُ وَضَعَتِ الْعَرَبُ لَفْظَةَ أَنَا مَثَلًا لِمَفْهُومِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ أَنَا - فُهِمَ هُوَ - لِأَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الْآنَ إِلَّا هُوَ فَفَهِمْنَاهُ لِانْحِصَارِ الْمُسَمَّى فِيهِ لَا لِلْوَضْعِ بِإِزَائِهِ - وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْمُضْمَرَاتِ - قَالَ: وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى أَعَمَّ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ، فَإِنَّ الدَّلَالَةَ لَمْ تَأْتِ مِنَ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا أَتَتْ مِنْ جِهَةِ حَصْرِ الْوَاقِعِ الْمُسَمَّى فِي ذَلِكَ الْأَخَصِّ - هَذَا كَلَامُ القرافي مُلَخَّصًا - وَمَا قَالَهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ بِعَيْنِهِ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ حَفِظَهُ اللَّهُ: إِنْ قُلْتَ بِالْأَوَّلِ وَرَدَ كَذَا، وَإِنْ قُلْتَ بِالثَّانِي لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا وَلَا قَائِلَ بِهِ إِلَى آخِرِهِ.

стр. 866

جَوَابُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ وَلَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، بَلْ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْوَضْعُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ فِي مَوَاضِعَ، فَلَيْسَ الْوَضْعُ مُنْحَصِرًا فِيمَا رَدَّدَهُ السَّائِلُ، فَهَذَا مَثَلًا وَضْعٌ لِمُشَارٍ إِلَيْهِ مُفْرَدٍ ذَكَرٍ حَاضِرٍ أَوْ فِي حُكْمِهِ وَهُوَ مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ، وَانْحِصَارُهُ فِي خَاصٍّ لَيْسَ لِلْوَضْعِ بِإِزَائِهِ، بَلْ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يُشِرْ بِهِ الْآنَ إِلَّا لِزَيْدٍ مَثَلًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ النُّحَاةِ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ الْمُضْمَرَ وَاسْمَ الْإِشَارَةِ كُلِّيٌّ وَضْعًا جُزْئِيٌّ اسْتِعْمَالًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهُوَ الطَّلَبُ حَذَرًا مِنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ، فَاسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِي النَّدْبِ وَفِي الْوُجُوبِ مَثَلًا نَقُولُ فِي كُلٍّ مِنْهَا إِنَّهُ حَقِيقَةٌ غَيْرُ مَجَازٍ وَغَيْرُ مُشْتَرَكٍ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى صَادِقٍ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ الطَّلَبُ، وَكَذَا نَقُولُ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْمُضْمَرِ: لَيْسَ الْوَضْعُ فِيهِمَا لِوَاحِدٍ فَقَطْ بِحَيْثُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ مَجَازًا، وَلَا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِحَيْثُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا، بَلْ لِمَفْهُومٍ صَادِقٍ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَهُوَ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ مُشَارٌ إِلَيْهِ مُفْرَدٌ ذَكَرٌ حَاضِرٌ كَمَا قُلْنَاهُ، وَفِي الْمُضْمَرِ مُتَكَلِّمٌ مُفْرَدٌ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا قَالَهُ القرافي. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ . فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَجَازٌ قَطْعًا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابن السبكي فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ حَفِظَهُ اللَّهُ: إِنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَقِيقَةً. فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُحَقِّقَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الشيخ تقي الدين السبكي وَالِدُ صَاحِبِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ لَكِنْ بَحْثًا مِنْ عِنْدِهِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ وَفَرْعِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ دَلَالَةٌ مُطَابِقَةٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ اسْتِعْمَالًا لِلَفْظٍ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَلَا فِي بَعْضِ مَوْضُوعِهِ، بَلْ هُوَ كَاسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ حَقِيقِيٌّ - هَذِهِ عِبَارَتُهُ - وَقَدْ عُرِفَ بِكَلَامِهِ هَذَا تَوْجِيهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَرَدُّ مَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبِ وَالِابْنِ مُشَكِّكٌ أَوْ مُتَوَاطِئٌ. فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مُتَوَاطِئٌ لِأَنَّهُ مُتَسَاوِي الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ

стр. 867

لَيْسَ بِأُمُورٍ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى كَالْبَيَاضِ وَالنُّورِ بَلْ بِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْهُ كَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَهَذِهِ عَلَامَةُ الْمُتَوَاطِئِ كَمَا قَرَّرَهُ أَهْلُ الْأُصُولِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَنْطَبِقُ عَلَى مَجَازِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ إِلَى آخِرِهِ؟ فَجَوَابُهُ: أَنَّا نَقُولُ أَوَّلًا: اخْتُلِفَ فِي الزِّيَادَةِ وَالْحَذْفِ هَلْ هُمَا مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ؟ فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ وَعَلَى هَذَا لَا إِيرَادَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمَجَازِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا، وَفَصَّلَ آخَرُونَ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ الْبَيَانِيِّ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْحَذْفُ وَالزِّيَادَةُ يُوجِبَانِ تَغْيِيرَ الْإِعْرَابِ فَمَجَازٌ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ القرافي: الْحَذْفُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ لَيْسَ مِنْهَا مَجَازًا إِلَّا قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ نَحْوُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] إِذْ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُ السُّؤَالِ إِلَيْهَا وَبَقِيَّةُ الْأَقْسَامِ لَيْسَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ: إِنَّمَا يَكُونُ الْحَذْفُ مَجَازًا إِذَا تَغَيَّرَ حُكْمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ كَحَذْفِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ الْمَعْطُوفِ عَلَى جُمْلَةٍ فَلَا. فَأَنْتَ تَرَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ كَالْمُتَضَافِرَةِ عَلَى عَدَمِ انْطِبَاقِ تَعْرِيفِ الْمَجَازِ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّنَا لَوْ شِئْنَا لَتَمَحَّلْنَا وَجْهًا لِانْطِبَاقِهِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارُهُ فِي هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ القرافي وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ وَانْطِبَاقُ الْمَجَازِ عَلَى مَا ذَكَرَاهُ وَاضِحٌ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي مِثْلِ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠] مَا هِيَ؟ فَأَقُولُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا السُّؤَالَ وَأَلْطَفَهُ، وَلَقَدْ أَثْلَجَ خَاطِرِي بِمُوَافَقَةِ السَّائِلِ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ نَوْعِ الْمَجَازِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنِّي رَأَيْتُ بَعْضَ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْبَيَانِ قَالَ فِي نَوْعِ الْمُشَاكَلَةِ الَّذِي هَذِهِ الْآيَةُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ أَمْثِلَتِهَا أَنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَقَالَ: وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَلَا مُجَازٍ لِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، هَكَذَا قَالَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ نَازَعْتُهُ فِي ذَلِكَ قَدِيمًا فِي كِتَابِ شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْمَعَانِي وَاخْتَرْتُ أَنَّهُ مَجَازٌ قَطْعًا، وَأَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ عَدَمِ الْعَلَاقَةِ مَمْنُوعٌ؟ فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْعَلَاقَةُ؟ قُلْتُ: الشَّكْلُ وَالشَّبَهُ الصُّورِيُّ كَمَا يُطْلَقُ الْإِنْسَانُ وَالْفَرَسُ عَلَى الصُّورَةِ الْمُصَوَّرَةِ، وَكَذَا الْجَزَاءُ أُطْلِقَ

стр. 868

عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ لِكَوْنِهِ مِثْلَ السَّيِّئَةِ الْمُبْتَدَأِ بِهَا فِي الصُّورَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] أُطْلِقَ عَلَى الْجَزَاءِ اعْتِدَاءً لِشَبَهِهِ بِالِاعْتِدَاءِ الْمُبْتَدَأِ بِهِ فِي الصُّورَةِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ: فِي الْإِيمَانِ فَهُوَ سُؤَالٌ مَذْكُورٌ مَسْطُورٌ أَجَابَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ الشَّيْخُ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَقَالَ: التَّكْلِيفُ بِالتَّصْدِيقِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسِيَّةِ دُونَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُرَادُ بِهِ التَّكْلِيفُ بِأَسْبَابِهِ كَإِلْقَاءِ الذِّهْنِ أَوْ صَرْفِ النَّظَرِ وَتَوْجِيهِ الْحَوَاسِّ وَرَفْعِ الْمَوَانِعِ - هَذِهِ عِبَارَتُهُ - فَهَذَا مَا حَضَرَنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، وَقَدْ عَلَّقْتُ هَذَا الْجَوَابَ سَاعَةَ وُرُودِهَا عَلَيَّ فَانْظُرُوا فِيهِ، فَإِنْ رَضِيتُمُوهُ وَإِلَّا فَأَتْحِفُوا بِجَوَابِكُمْ مَا قَالَهُ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي يَوْمَ السَّبْتِ الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَسَمَّيْتُهُ - نَفْحَ الطِّيبِ مِنْ أَسْئِلَةِ الْخَطِيبِ - فَكَتَبَ الشيخ شمس الدين الوزيري عَلَى هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ مَا صُورَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَقُولُ وَبِاللَّهِ الْعَوْنُ وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِهِ أَزِمَّةُ الْهُدَى وَالتَّحْقِيقِ، لَمْ يَظْهَرْ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ مِنْ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ دَفْعُ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ فِيهِ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّائِلِ. فَإِنْ قُلْتَ: بِالْأَوَّلِ وَرَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَى آخِرِهِ مُشِيرًا إِلَى مَا نَقَلَهُ القرافي عَنِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَمَّاهُ كُلِّيًّا إِلَى قَوْلِهِ عَلَى خَاصٍّ الْبَتَّةَ، وَلَيْسَ عَلَى خَاصٍّ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ، فَإِنَّ اللَّازِمَ مِنْ كَوْنِ مُسَمَّاهُ كُلِّيًّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ كَوْنُهُ نَكِرَةً. وَالثَّانِي عَدَمُ دَلَالَتِهِ عَلَى شَخْصٍ وَهُمَا غَيْرُ مَا أُلْزِمُهُ السَّائِلَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْمُسَمَّى كُلِّيًّا حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ بِالْأَوَّلِ وَرَدَ فَإِنَّ اللَّازِمَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا جَوَازُ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمَعْنَى الْعَامِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ مَجَازًا، هَذَا مَعَ أَنَّ القرافي لَمْ يُجِبْ عَنِ الْإِلْزَامِ الْأَوَّلِ فِي كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ مُسَمَّاهُ كُلِّيًّا لَكَانَ نَكِرَةً، وَإِنَّمَا أَجَابَ عَنِ الثَّانِي كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنَ السُّؤَالِ وَجَوَابِهِ بِمَذْكُورٍ فِي كَلَامِ القرافي كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ، وَقَوْلُهُ: جَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ إِلَى آخِرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَا أَجَابَ بِهِ هُوَ اخْتِيَارُ قِسْمٍ ثَالِثٍ غَيْرِ الْقِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي كَلَامِ السَّائِلِ، وَمُحَصَّلُ جَوَابِهِ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ كَهَذَا مَثَلًا: وُضِعَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ

стр. 869

الْكُلِّيُّ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِنَا مُشَارٌ إِلَيْهِ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ حَاضِرٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ القرافي فِي الْمُضْمَرِ مِنْ أَنَّ مُسَمَّاهُ كُلِّيٌّ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الْعَلَّامَةُ فِي آخِرِ جَوَابِهِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ السَّائِلِ أَعْنِي قَوْلَهُ هَلِ الْوَضْعُ فِي أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ لِلْمَعْنَى الْعَامِّ، وَالْعَجَبُ كَيْفَ خَفِيَ مِثْلُ هَذَا عَلَى الْعَلَّامَةِ مَعَ ظُهُورِهِ عَلَى هَذَا، فَاللَّازِمُ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَاقٍ بِحَالِهِ، إِذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ مَا يَدْفَعُهُ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي فَقَوْلُهُ إِنَّهُ مَجَازٌ هُوَ اخْتِيَارُ الْقِسْمِ الثَّانِي وَقَدْ عَرَفَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمُحَقِّقَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الشَّيْخُ تقي الدين السبكي فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ السبكي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ دَائِمًا، وَأَمَّا ذَلِكَ الْمُحَقِّقُ فَلَمْ يَقُلْ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا بَلْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ السَّائِلِ، وَرَدَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَقِيقَةً، وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ الْجَوَابَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ إِطْلَاقٌ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ السبكي: إِنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادٍ دَلَالَةٌ مُطَابِقَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْعَامَّ إِذَا أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَانَ دَالًّا عَلَيْهِ مُطَابَقَةً فَهُوَ خِلَافُ مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ بِإِحْدَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ فَفِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ حَفِظَهُ اللَّهُ عَلَامَةَ التَّوَاطُؤِ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِأُمُورٍ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ عَلَامَةَ التَّشْكِيكِ الِاخْتِلَافُ بِأُمُورٍ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى لَيْسَتْ خَارِجَةً وَهَذَا مِمَّا لَمْ تَرَهُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ، فَإِنَّ التَّشْكِيكَ يَكُونُ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَبِالشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ وَبِالْأَوْلَوِيَّةِ وَكُلُّهَا أُمُورٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ مُتَسَاوِي الْمَعْنَى مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُتَقَدِّمٌ فِي الْأَبِ عَلَى الِابْنِ، فَقَدْ تَفَاوَتَ أَفْرَادُ الْكُلِّيِّ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّشْكِيكَ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الرَّابِعِ فَفِيهِ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ مَجَازٌ بِشَرْطٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ انْطِبَاقَ حَدِّ الْمَجَازِ عَلَيْهِ وَاضِحٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْوَاضِحُ عَدَمُ الِانْطِبَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لَيْسَ فِيهِ لَفْظٌ اسْتُعْمِلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ، فَإِنَّ لَفْظَ السُّؤَالِ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَكَذَا لَفْظُ الْقَرْيَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، مِنْهُمُ النحرير التفتازاني، وَالْعَلَّامَةُ الجلال المحلي، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ تَضَافُرُ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَاهَا عَلَى عَدَمِ انْطِبَاقِ تَعْرِيفِ الْمَجَازِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مُحَصَّلَ

стр. 870

الْأَقْوَالِ حَاشَا الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَجَازُ، إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا بِشَرْطٍ، وَإِمَّا أَنَّهُ هَلْ يَنْطَبِقُ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَأَمْرٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ عَلَى أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الِانْطِبَاقِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْخَامِسِ فَتَحْصِيلُهُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي مَجَازِ الْمُشَاكَلَةِ الَّتِي الْآيَةُ مِنْ أَفْرَادِهَا هُوَ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ حَتَّى أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى جَزَاءِ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً لِكَوْنِهَا مِثْلَهَا فِي الصُّورَةِ، وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الْآيَةَ عَنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ إِلَى بَابِ الِاسْتِعَارَةِ، فَإِنَّ الْمُشَاكَلَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التفتازاني هِيَ التَّعْبِيرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ التفتازاني بِذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ حَيْثُ قَالَ: السَّيِّئَةُ اسْتِعَارَةٌ عَمَّا يُشْبِهُ السَّيِّئَةَ صُورَةً ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ وَصْفَ السَّيِّئَةِ بِقَوْلِهِ: مِثْلُهَا يَأْبَى هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَقُولَ: زَيْدٌ أَسَدٌ مِثْلُهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَةَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ انْتَهَى - فَأَنْتَ تَرَى - كَيْفَ جَعَلَ الْآيَةَ بِاعْتِبَارِ الشَّبَهِ الصُّورِيِّ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ لَا مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ مِنْ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي نَوْعِ الْمُشَاكَلَةِ هُوَ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ لَا يَتَمَشَّى فِي قَوْلِهِ: قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا إِذْ لَا مُشَابَهَةَ بَيْنَ الطَّبْخِ وَالْخِيَاطَةِ فِي الصُّورَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ السَّادِسِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا الْجَوَابُ قَدْ أَخَذَهُ الْعَلَّامَةُ المحلي مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِ التفتازاني، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ بِأَسْبَابِهِ وَفِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ مَا لَا يَخْفَى، قَالَ ذَلِكَ وَكَتَبَهُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُغَطَّى بِالزَّلَلِ وَالتَّقْصِيرِ رَاجِي عَفْوِ رَبِّهِ الْقَرِيبِ الْقَدِيرِ محمد بن إبراهيم المسمى بالخطيب، فِي لَيْلَةٍ يُسْفِرُ صَبَاحُهَا عَنِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ الْفَرْدِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، فَكَتَبَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْعَلَّامَةُ الْبَحْرُ الْحَبْرُ الْفَهَّامَةُ خَاتِمَةُ الْحُفَّاظِ وَالْمُجْتَهِدِينَ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام والمسلمين كمال الدين بن أبي بكر السيوطي الشافعي أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الدِّينَ، وَأَمْتَعَ بِبَقَائِهِ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ الْأَجْوِبَةَ عَنْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَقُولُ وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَرَدَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتُ فَتَأَمَّلْتُهَا بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ فَوَجَدْتُهَا غَيْرَ وَارِدَةٍ، وَهَا أَنَا أَسُوقُ كَلِمَاتِهَا مَعَ الْجَوَابِ عَنْهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً قَوْلُهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ فَإِنَّ اللَّازِمَ مِنْ كَوْنِ مُسَمَّاهُ كُلِّيًّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ أَمْرَانِ، كَوْنُهُ نَكِرَةً، وَعَدَمُ دِلَالَتِهِ عَلَى شَخْصٍ، وَهُمَا غَيْرُ مَا أُلْزِمُهُ السَّائِلَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَمْرَانِ: جَوَازُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْعَامِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَكَوْنُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ مَجَازًا، أَقُولُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ أَحَدُ إِلْزَامِي الْأَكْثَرِينَ هُوَ أَحَدُ إِلْزَامِي السَّائِلَ بِعَيْنِهِ الَّذِي أَشَرْتُ

стр. 871

إِلَيْهِ فِي الْجَوَابِ وَهُوَ عَدَمُ دِلَالَتِهِ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ وُضِعَ لِلْمَعْنَى الْعَامِّ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَيْهِ، فَبَطَلَ الْمَلْزُومُ وَهُوَ كَوْنُهُ كُلِّيًّا، وَهَذَا مُؤَدَّى قَوْلِ السَّائِلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى كَوْنِهِ كُلِّيًّا جَوَازُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْعَامِّ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَيْ وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْخَاصِّ، فَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ بِلَا شَكٍّ - غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ - أَنَّ بَيْنَهُمَا قَلْبًا لَفْظِيًّا، فَإِنَّ الْعِبَارَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ مَقْلُوبُ الْعِبَارَةِ الْأُولَى، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْعِبَارَتَيْنِ مُقَدَّرَاتٌ اقْتَضَاهَا الْإِيجَازُ لَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِهَا لِيَتِمَّ الْمَطْلُوبُ مِنَ الِاسْتِنْتَاجِ، فَعِنْدَ إِظْهَارِهَا وَتَفْكِيكِ الْكَلَامِ يَنْحَلُّ مُؤَدَّاهُمَا إِلَى وَاحِدٍ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ هُوَ عَيْنُ الْإِلْزَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ، فَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ القرافي، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّا لَوْ خُلِّينَا، وَمُقْتَضَى الْوَضْعِ لَأُطْلِقَ عَلَى الْعَامِّ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ مَا عَرَضَ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ حَصْرِ الْوَاقِعِ الْمُسَمَّى فِي شَخْصٍ خَاصٍّ، وَحَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ مَنْعُ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْوَضْعِ وَالْإِطْلَاقِ، فَقَدْ يُوضَعُ الشَّيْءُ الْعَامُّ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا خَاصًّا بِدَلِيلِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهَا وُضِعَتْ كُلِّيًّا وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا جُزْئِيًّا، وَأَوْضَحُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ القرافي مِنْ تَشْبِيهِ ذَلِكَ بِالْأَعْلَامِ الْغَالِبَةِ، فَإِنَّهَا وُضِعَتْ كُلِّيَّةً ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِي خَاصٍّ، فَصَارَتْ أَعْلَامًا بِالْغَلَبَةِ وَسَنَزِيدُ هَذَا وُضُوحًا قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ القرافي لَمْ يُجِبْ عَنِ الْإِلْزَامِ فِي كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ مُسَمَّاهُ كُلِّيًّا لَكَانَ نَكِرَةً، وَإِنَّمَا أَجَابَ عَنِ الثَّانِي أَقُولُ: مَمْنُوعٌ فَقَدْ صَرَّحَ القرافي نَفْسُهُ أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرَهُ جَوَابٌ عَنِ الْإِلْزَامَيْنِ، وَأَنَا لَمْ أَسُقْ كَلَامَهُ بِلَفْظِهِ بَلْ أَوْرَدْتُهُ مُلَخَّصًا كَمَا نَبَّهْتُ فِي آخِرِهِ، وَنُكْتَةُ عَدَمِ تَعَرُّضِي لِمَا يُوضَعُ كَوْنُهُ جَوَابًا عَنِ الْإِلْزَامِ الْآخَرِ مِنْ كَوْنِهِ نَكِرَةً أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي كَلَامِ السَّائِلِ الْبَتَّةَ فَاسْتَغْنَيْتُ عَنْ إِيرَادِهِ، وَعِبَارَةُ القرافي وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهَيْنِ - يَعْنِي اللَّذَيْنِ احْتَجُّوا بِهِمَا - فَالْجَوَابُ عَنْهُ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ دِلَالَةَ اللَّفْظِ وَسَاقَ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ حَصْرُ مُسَمَّى اللَّفْظِ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْوَاقِعِ قَالَ النُّحَاةُ: هِيَ مَعَارِفُ فَإِنَّ فَهْمَ الْجُزْئِيِّ لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ عَنْهَا - هَذَا لَفْظُهُ - فَأَشَارَ أَوَّلًا إِلَى أَنَّ الْجَوَابَ عَنِ الْإِلْزَامَيْنِ مَعًا، وَأَتَى آخِرًا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِتَقْرِيرِ الْجَوَابِ عَنْ لُزُومِ كَوْنِهِ نَكِرَةً، وَمُتَحَصَّلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَجَابَ عَنِ الْإِلْزَامَيْنِ مَعًا بِجَوَابٍ وَاحِدٍ، إِمَّا كَوْنُهُ يَدُلُّ عَلَى خَاصٍّ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْعَامِّ، فَلَمَّا عَرَضَ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا لِأَمْرٍ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَإِمَّا كَوْنُهُ مَعْرِفَةً لَا نَكِرَةً فَلِأَنَّ فَهْمَ الْجُزْئِيِّ لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَكَ أَنَّ التَّعْرِيفَ وَالتَّنْكِيرَ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَضْعِ حَتَّى يُقَالَ أَنَّ وَضْعَهُ كُلِّيًّا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ نَكِرَةً، وَوَضْعَهُ جُزْئِيًّا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مَعْرِفَةً؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَحْدُثُ بَعْدَ الْوَضْعِ لِمَا يَعْرِضُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا وُضِعَ نَكِرَةً وَإِذَا نُودِيَ مَعَ الْقَصْدِ صَارَ مَعْرِفَةً، وَلَيْسَ

стр. 872

لَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ التَّعْرِيفَ حَصَلَ مِنَ الْوَضْعِ أَيْضًا لِأَنَّ (يَا) وُضِعَتْ لِتَعْرِيفِ الْمُنَادَى لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ مَرْدُودٌ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ (يَا) قَدْ تُوجَدُ وَلَا تَعْرِيفَ فِي نِدَاءِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ، وَالثَّانِي قَوْلُ النُّحَاةِ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُنَادَى الْمَقْصُودِ إِنَّمَا هُوَ بِالْقَصْدِ وَالْمُوَاجَهَةِ كَاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَجَعَلُوهُ فِي مَرْتَبَتِهِ، فَهَذَا أَوَّلُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْإِشَارَةِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالْمُوَاجَهَةِ وَنَحْوِهَا دُونَ أَصْلِ الْوَضْعِ، فَهُوَ أَمْرٌ طَارِئٌ عَلَيْهِ وَحَادِثٌ بَعْدَهُ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ وَضْعِ الْإِشَارَةِ وَالْمُضْمَرِ كُلِّيًّا، وَكَوْنِهِ مَعْرِفَةً مُسْتَعْمَلًا فِي الْجُزْئِيِّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ وَالتَّنْكِيرَ لَا تَعْلُّقَ لَهُمَا بِالْوَضْعِ، وَإِنَّمَا هُمَا مِنَ الِاسْتِعْمَالِ قَوْلُ خَلَائِقَ مِنَ النُّحَاةِ إِنَّ الْمُضْمَرَ قَدْ يَكُونُ نَكِرَةً وَذَلِكَ فِي الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِرُبَّ، وَقَوْلُ آخَرِينَ إِنَّ الضَّمِيرَ الْعَائِدَ عَلَى النَّكِرَةِ نَكِرَةٌ مُطْلَقًا، وَقَوْلُ آخَرِينَ إِنَّ الْعَائِدَ عَلَى وَاجِبِ التَّنْكِيرِ كَالتَّمْيِيزِ نَكِرَةٌ، فَإِنْ تَخَيَّلْتَ أَنَّ التَّنْكِيرَ وَالتَّعْرِيفَ فِي الْمُضْمَرِ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ لَزِمَكَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ وَتَعَدُّدُ الْوَضْعِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنْ سَلَّمْتَ أَنَّهُ حَادِثٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ الْمُدَّعِي، وَبِهِ يَحْصُلُ الِانْفِصَالُ عَنِ الْإِلْزَامِ، وَإِنْ قُلْتَ إِنَّهُ وُضِعَ مَعْرِفَةً وَاسْتِعْمَالَهُ نَكِرَةً عَارِضٌ مِنَ الِاسْتِعْمَالِ فَبَعِيدٌ، مَعَ أَنَّهُ يُثْبِتُ مَدْعَانَا أَيْضًا بِطَرِيقِ قِيَاسِ الْعَكْسِ إِذْ لَا فَارِقَ، فَثَبَتَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ الضَّمِيرَ وَاسْمَ الْإِشَارَةِ وُضِعَا لِلْمَعْنَى الْعَامِّ، وَعَدَمُ إِطْلَاقِهِمَا عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ لِمَا عَرَضَ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا لِأَمْرٍ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَهَذَا تَحْقِيقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كُلِّيٌّ وَضْعًا جُزْئِيٌّ اسْتِعْمَالًا، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ، وَانْدَفَعَ أَحَدُ الْإِلْزَامَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْرَدَهُمَا السَّائِلُ، ثُمَّ بِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ وُضِعَ لِلْمَعْنَى الْعَامِّ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، وَالْمَفْهُومُ الْكُلِّيُّ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي آحَادِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْوَضْعِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، فَانْدَفَعَ الْإِلْزَامُ الثَّانِي كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا فِي جَوَابِنَا مِنْ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ إِلَى آخِرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ اخْتِيَارُ قِسْمٍ ثَالِثٍ غَيْرِ الْقِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي كَلَامِ السَّائِلِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ السَّائِلِ، أَقُولُ: كَأَنَّ الْمُعْتَرِضَ حَفِظَهُ اللَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَلَامِنَا تَنَاقُضٌ ثُمَّ جَزَمَ بِذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْمُعْتَرِضِ أَعَزَّهُ اللَّهُ أُحَاسِبُهُ بِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي كَلَامِ السَّائِلِ اللَّذَيْنِ مَا اخْتَرْنَا فِي التَّوْجِيهِ غَيْرَهُمَا لَيْسَا بِالْقِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ مَا اخْتَرْنَا فِي التَّعْيِينِ أَحَدَهُمَا، فَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ هُمَا الْإِلْزَامَانِ الْوَارِدَانِ وَالْآخَرَانِ هُمَا الْمَلْزُومُ عَنْهُمَا الْمُورَدُ عَلَيْهِمَا فَلَا تَنَاقُضَ لِاخْتِلَافِ مَوْرِدِ الْقِسْمَةِ.

стр. 873

وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّائِلَ أَوْرَدَ قِسْمَيْنِ وَطَلَبَ تَعْيِينَ أَحَدِهِمَا - وَهُمَا - هَلْ هُوَ لِلْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ؟ فَعَيَّنَّا الْأَوَّلَ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ ثَلَاثَةَ إِلْزَامَاتٍ؛ عَلَى الْأَوَّلِ اثْنَانِ وَعَلَى الثَّانِي وَاحِدٌ، فَأَجَبْنَا عَنْ أَوَّلِ إِلْزَامِيَّةٍ بِمَنْعِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْوَضْعِ وَالْإِطْلَاقِ، وَعَنِ الثَّانِي بِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ وُضِعَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، فَانْدَفَعَ الْمَجَازُ كَمَا انْدَفَعَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ وَهُوَ الثَّالِثُ ضَرُورَةً، فَتَقْرِيرُنَا كَوْنَهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ هُوَ عَيْنُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الْمَطْلُوبِ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ كَوْنُهُ لِلْعَامِّ وَغَيْرِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ الْمُورَدَيْنِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَأَيُّ تَنَاقُضٍ فِي هَذَا؟ وَقَوْلُهُ: فَاللَّازِمُ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَاقٍ بِحَالِهِ قَوْلٌ مَمْنُوعٌ بَلْ ذَهَبَ فِي الْغَابِرِينَ وَانْقَطَعَ فِي الدَّاحِضِينَ، أَمَّا الْإِطْلَاقُ فَيَمْنَعُ التَّلَازُمَ، وَأَمَّا الْمَجَازُ فَبِكَوْنِهِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَسَنَدُهُمَا مَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا، وَبِهَذَا يَتِمُّ الْجَوَابُ وَيَتَّضِحُ الصَّوَابُ وَيَنْكَشِفُ الْحِجَابُ وَتَطْلُعُ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ. قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي فَقَوْلُهُ: أَنَّهُ مَجَازٌ هُوَ اخْتِيَارُ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَقَدْ عَرَفَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى آخِرِهِ. أَقُولُ: قُصَارَى مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ عَنْ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَوْلٍ مُفَصَّلٍ فِي مُقَابَلَةِ قَطْعِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّهُ مَجَازٌ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَكَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتَ الْأَقْوَالِ لَا يَكُونُ قَوْلٌ مِنْهَا وَارِدًا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِلْإِيرَادِ تَقْرِيرُ شُبْهَةٍ أَوْ إِلْزَامُ أَمْرٍ فَاسِدٍ، وَالسَّائِلُ قَالَ: وَرَدَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً فَلَمْ يُورِدْ إِلَّا الْقَوْلَ لَا الْإِلْزَامَ وَلَا الشُّبْهَةَ، وَهَذَا مَا لَا يَصْلُحُ إِيرَادُهُ، وَأَنَا لَمْ أَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ قَطْعِ النَّاسِ بِأَنَّهُ مَجَازٌ إِلَّا بَحْثَ السبكي، فَلْنَذْكُرْ شُبْهَةَ هَذَا الْمُحَقِّقِ الْآخَرِ لِيُنْظَرَ فِي جَوَابِهَا وَدَفْعِهَا أَوْ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمْهُورِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ مَا قَالَهُ السبكي مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ دَلَالَةٌ مُطَابِقَةٌ خِلَافُ مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ يُقَالُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَوَّلًا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِنْ كَانُوا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْعَضُدِ وَنَحْوِهِ، فَكَلَامُهُمْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُعَارَضَ بِهِ الْمَنْقُولُ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ وَالتَّخْلِيَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ "أَطْبَقَ" تَهْوِيلٌ وَلَيْسَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ، كَيْفَ وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ذَلِكَ أَعْنِي أَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمُطَابَقَةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ إِلَّا القرافي وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الأصفهاني فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ فَشَفَى وَكَفَى، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ مِنَ السُّؤَالِ الثَّالِثِ فَفِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَامَةَ الْمُتَوَاطِئِ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِأُمُورٍ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ عَلَامَةَ التَّشْكِيكِ الِاخْتِلَافُ بِأُمُورٍ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى لَيْسَتْ خَارِجَةً وَهَذَا مِمَّا لَمْ نَرَهُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ، أَقُولُ: نَحْنُ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي كَلَامِ القرافي جَزَمَ بِذَلِكَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْجَانِبَيْنِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَانْظُرُوهُ تَجِدُوهُ، وَالْعُذْرُ لَكُمْ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ أَنَّكُمْ تَقْتَصِرُونَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ

стр. 874

وَالْبَيَانِ عَلَى نَحْوِ الْعَضُدِ، وَالْحَاشِيَةِ، وَالْمُطَوَّلِ، وَحَاشِيَتِهِ فَتَجِدُونَ فِيهَا أَبْحَاثًا فَتَظُنُّونَ أَنَّهَا مَنْقُولَاتُ أَهْلِ الْفَنِّ أَوِ الْمَجْزُومُ بِهَا فَتَعْتَمِدُونَهَا وَتَدَّعُونَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَيْهَا وَتَشْرَبُهَا قُلُوبُكُمْ وَتَضْرِبُونَ عَنْ غَيْرِهَا صَفْحًا، وَلَوْ تَجَاوَزْتُمْ إِلَى كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَأَلْمَمْتُمْ بِمَا حَوَتْهُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمَبَاحِثِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالتَّفْرِيعَاتِ لَعَلِمْتُمْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَا لَا أَعْتَقِدُ فِي الْأُصُولِ عَلَى أُنَاسٍ قُصَارَى أَمْرِهِمُ الرُّجُوعُ إِلَى الْقَوَاعِدِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَتَنْزِيلُ الْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ عَلَيْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا أَعْتَمِدُ عَلَى أَئِمَّةٍ جَامِعِينَ لِلْأُصُولِ وَالْفِقْهِ مُتَضَلِّعِينَ مِنْهَا مُحِيطِينَ بِقَوَاعِدِهِمَا عَارِفِينَ بِتَرْكِيبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ، قَدْ خَالَطَتْ عُلُومُ الشَّرْعِ وَالسُّنَنِ لُحُومَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ رِسَالَةِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مُبْتَكِرِ هَذَا الْفَنِّ وَمَا عَلَيْهَا مِنَ الشُّرُوحِ الْمُطْنِبَةِ وَمَا تَلَا ذَلِكَ إِلَى كُتُبِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَالْكَيَا الْهَرَّاسِيِّ، وَحُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ، وَالْإِمَامِ فخر الدين الرازي، وَالسَّيْفِ الْآمِدِيِّ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَبَعْدُ: فَالْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبِ وَالِابْنِ مُتَوَاطِئٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مُسْتَوْفِي النِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا بِلَا شُبْهَةٍ، كَيْفَ وَمَعْنَى الْإِنْسَانِ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَفَاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبِ وَالِابْنِ كَمَا لَا يَتَفَاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ وَالطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَتَفَاوُتُهُ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ كَتَفَاوُتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَذْكُورَاتِ، وَلَيْسَ بِالنِّسْبَةِ لِمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ الَّتِي هِيَ الْحَيَوَانِيَّةُ وَالنَّاطِقِيَّةُ، بِخِلَافِ تَفَاوُتِ النُّورِ فِي الشَّمْسِ وَالسِّرَاجِ، فَإِنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى جِنْسِ الْمُسَمَّى وَمَاهِيَّتِهِ هَذَا أَمْرٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ. قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الرَّابِعِ إِلَى آخِرِهِ أَقُولُ: مَا ادَّعَاهُ مِنْ كَوْنِ لَفْظِ الْقَبِيحِ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، جَوَابُهُ الْمَنْعُ وَمَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ، إِنَّمَا قَالَهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، فَجَعَلَ الْقَرْيَةَ مُسْتَعْمَلَةً فِي حَقِيقَتِهَا كَمَا سُئِلَ وَالْمَجَازُ فِي إِسْنَادِ السُّؤَالِ إِلَيْهَا فَهُوَ عَلَى هَذَا مَجَازُ تَرْكِيبٍ لَا مَجَازُ إِفْرَادٍ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَجَازُ إِفْرَادٍ فَالْقَرْيَةُ قَطْعًا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ وَهُوَ الْأَهْلُ فَإِنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَهُ فِي الْمَعْنَى كَمَا قَامَتْ مَقَامَهُ فِي الْإِعْرَابِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ انْطِبَاقُ حَدِّ الْمَجَازِ عَلَى مِثْلِ هَذَا. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَظْهَرْ تَضَافُرُ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَاهَا عَلَى عَدَمِ الِانْطِبَاقِ جَوَابُهُ أَنِّي لَمْ أَدَعِ التَّضَافُرَ، وَإِنَّمَا قُلْتُ كَالْمُتَضَافِرَةِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي كَوْنِهِ مَجَازًا بَيْنَ نَافٍ مُطْلَقًا وَتَفْصِيلًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ آرَاءَهُمُ اقْتَضَتْ عَدَمَ دُخُولِهِ فِي حَدِّ الْمَجَازِ حَتَّى اضْطَرَبُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مِنْهُ نَوْعًا قَرِيبَ الدُّخُولِ فِيهِ فَأَدْخَلَهُ فِيهِ، وَأَنْوَاعًا بَعِيدَةً فَلَمْ

стр. 875

يُدْخِلْهَا فِيهِ، فَكُلُّ لَبِيبٍ يَفْهَمُ بِالْقُوَّةِ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ اقْتِضَاءِ آرَائِهِمْ بُعْدُهُ عَنِ الدُّخُولِ فِي حَدِّ الْمَجَازِ، وَأَنَا لَمْ أَقُلْ إِنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ بَلْ عَبَّرْتُ بِعِبَارَةٍ تُشْعِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: إِنَّ الِانْطِبَاقَ وَعَدَمَهُ أَمْرٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ غَيْرُ وَارِدٍ حِينَئِذٍ لِأَنِّي لَمْ أَدَّعِ التَّصْرِيحَ بِهِ بَلْ أَتَيْتُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالْقُوَّةِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الِانْطِبَاقِ إِنْ أَرَادَ أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي انْطِبَاقِ حَدِّ الْمَجَازِ عَلَى كُلِّ حَذْفٍ فَمَمْنُوعٌ إِلَّا الْقَوْلَ الثَّانِيَ، كَيْفَ وَالْمُفَصِّلُونَ يَأْبَوْنَ تَسْمِيَةً مِنْ أَنْوَاعِهِ مَجَازًا، وَالنَّافِي مُطْلَقًا وَاضِحٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الِانْطِبَاقِ عَلَى مَا يُسَمُّونَهُ مَجَازًا فَصَحِيحٌ، وَهُوَ مَا ادَّعَيْنَاهُ فِي الْجَوَابِ حَيْثُ قُلْنَا إِنَّ الِانْطِبَاقَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ القرافي، وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ وَاضِحٌ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ أَوَّلًا أَنَّهُ غَيْرُ وَاضِحٍ، وَالْعَجَبُ كَيْفَ ادَّعَى عَدَمَ وُضُوحِهِ أَوَّلًا وَظُهُورَهُ آخِرًا. قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْخَامِسِ إِلَى آخِرِهِ. أَقُولُ: مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ كَوْنَ الْعَلَاقَةِ فِي الْآيَةِ الْمُشَابِهَةِ يُخْرِجُهَا عَنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ إِلَى بَابِ الِاسْتِعَارَةِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْمُشَابَهَةِ وَالِاسْتِعَارَةِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ اسْتِعَارَةٍ عَلَاقَتُهَا الْمُشَابَهَةُ فَلَيْسَ كُلُّ مَا عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ اسْتِعَارَةً، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ الْمُقَدَّرَ فِيهِ الْأَدَاةُ نَحْوُ " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " يُسَمَّى تَشْبِيهًا بَلِيغًا لَا اسْتِعَارَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَا قُدِّرَتْ فِيهِ الْأَدَاةُ فَمَا ظَنُّكَ بِمَا صُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ مِثْلِهَا، فَالْآيَةُ لِذَلِكَ خَارِجَةٌ عَنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْمُشَاكَلَةِ. وَالْعَلَاقَةُ الْمُشَابَهَةُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ مَنْعِ الْمُلَازَمَةِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمُشَاكَلَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ التفتازاني هِيَ التَّعْبِيرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ هَذَا مِنْ نَمَطِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّكُمْ تَقْتَصِرُونَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى كُتُبِ مِثْلِ التفتازاني وَتَضْرِبُونَ عَنْ غَيْرِهَا صَفْحًا، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ نَقْلِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ عَنْهُ وَهُوَ فِي مَتْنِ التَّلْخِيصِ الَّذِي التفتازاني شَارِحٌ كَلَامَهُ، بَلْ وَفِي كَلَامِ السكاكي مِنْ قَبْلِهِ [بَلْ] وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَدِيعِ قَاطِبَةً، وَمِثْلُ هَذَا حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ، قَالَ أَهْلُ الْبَدِيعِ: وَإِلَّا فَالنَّقْلُ عَنِ التفتازاني يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَالَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَيُشْعِرُ أَيْضًا بِغَرَابَتِهِ، فَإِنَّ النَّقْلَ لِكَلَامٍ عَنْ مُتَأَخِّرٍ مَعَ وُجُودِهِ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَيْبٌ، فَمَا ظَنُّكَ إِذَا كَانَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْفَنِّ قَاطِبَةً، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ عَنِ الْمُتَأَخِّرِ مَا قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ بَحْثًا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ أَوْ تَحْقِيقًا لِكَلَامِ مَنْ تَقَدَّمَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ مِنْ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي نَوْعِ الْمُشَاكَلَةِ هُوَ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ لَا يَتَمَشَّى فِي قَوْلِهِ - اطْبُخُوا لِي جُبَّةً - صَحِيحٌ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ حَسَنٌ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ أَقْعَدُ مِنْهُ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ أَدَّعِ أَنَّ الشَّبَهَ عَلَاقَةُ نَوْعِ الْمُشَاكَلَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَتَّى يَلْزَمَنِي تَمْشِيَتُهَا فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، إِنَّمَا ادَّعَيْتُ أَنَّهُ عَلَاقَةُ الْآيَةِ لِظُهُورِهَا فِيهَا. وَأَمَّا عَلَاقَةُ أَصْلِ

стр. 876

الْمُشَاكَلَةِ فَقَدْ ذَكَرْتُهَا قَدِيمًا فِي كِتَابِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْمَعَانِي اسْتِخْرَاجًا بِفِكْرِي، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَخْذُهَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ حَيْثُ قَالَ: الْمُشَابَهَةُ هِيَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ. وَقَوْلُهُ وُقُوعُهُ فِي صُحْبَتِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعَلَاقَةِ وَهِيَ الصُّحْبَةُ وَالْمُجَاوَرَةُ فِي اللَّفْظِ كَمَا سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ رَاوِيَةً لِمُجَاوَرَتِهَا لِلْجَمَلِ الْمُسَمَّى بِهَا حَقِيقَةً، فَهَذِهِ هِيَ عَلَاقَةُ أَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ. وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ السَّادِسِ - فَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ - أَقُولُ: إِنْ كَانَ هَذَا تَسْلِيمًا لِصِحَّةِ الْجَوَابِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ تَسْلِيمًا لِعَزْوِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ بِقَرِينَةِ مَا عَقَبَهُ مِنَ الْإِشْكَالِ فَجَوَابُهُ أَنْ لَا إِشْكَالَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ، وَاللَّمْحَةُ الْمُشِيرَةُ إِلَيْهِ أَنَّ دَقَائِقَ أَهْلِ الْمَعْقُولِ لَا يَعْبَأُ بِهَا أَهْلُ الْفِقْهِ وَحَمَلَةُ الشَّرْعِ الَّذِي مَرْجِعُ التَّكْلِيفِ إِلَيْهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَتَبْتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَسَمَّيْتُهُ الْجَوَابَ الْمُصِيبَ عَنْ أَسْئِلَةِ اعْتِرَاضَاتِ الْخَطِيبِ. مَسْأَلَةٌ: أَيَا عَالِمًا أَضْحَى بِهِ الدَّهْرُ بَاسِمًا ... يُشَبَّهُ بِالدَّهْرِ الْقَدِيمِ وَبِالصَّدْرِ تَأَمَّلْ رَعَاكَ اللَّهُ قَوْلِي فَإِنِّي ... جَهُولٌ بِهِ لَكِنَّهُ جَالَ فِي فِكْرِي فَلَمْ أَجِدِ الشَّافِي لِدَائِي فَلَمْ أَزَلْ ... أُفَتِّشُ فِي أَهْلِ الْفَضَائِلِ وَالذِّكْرِ فَدَلَّنِيَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ عَلَيْكُمُ ... لِأَنَّكُمْ أَهْلُ الْمَآثِرِ وَالْفَخْرِ وَفَضْلُكُمُ فِي النَّاسِ أَشْهَرُ مَنْ قَفَا ... وَخَيْرُكُمْ عَمَّ الْبَوَادِي مَعَ الْحَضَرِ فَجَرَّدْتُهُ كَيْ تُسْعِدُونِي تَفَضُّلًا ... عَلَيَّ لِتَحْظَوْا فِي الْقِيَامَةِ بِالْأَجْرِ وَأَنْشُرُهُ فِي النَّاسِ مِنْ بَعْضِ فَضْلِكُمْ ... مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ فِي سَالِفِ الْعُمْرِ فَقَدْ وَرَدَ التَّصْحِيحُ فِي كُلِّ مُسْنَدٍ ... بِأَنَّ إِلَهَ الْعَرْشِ يُنْظَرُ فِي الْحَشْرِ وَلَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا فَمَا الْقَوْلُ هَهُنَا ... وَمَا حِكْمَةٌ فِي الْمَنْعِ يَا عَالِمَ الْعَصْرِ وَقَدْ يَنْزِلُ الْمَهْدِيُّ عِيسَى لِأَرْضِنَا ... فَيَكْسِرُ صُلْبَانًا كَمَا صَحَّ فِي الذِّكْرِ فَهَلْ ثَمَّ صُلْبَانٌ وَفِي الْأَرْضِ عُصْبَةٌ ... تَقُومُ عَلَى حَقٍّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَهَلْ صَحَّ أَنَّ الْمُصْطَفَى سَيِّدُ الْوَرَى ... رَسُولُ إِلَهِ الْعَرْشِ خُصِّصَ بِالْفَخْرِ يَقُولُ بِأَنَّ الْخَيْرَ فِيَّ وَأُمَّتِي ... لِيَوْمِ قِيَامِ الْخَلْقِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ وَمَا رُسُلُ الْجِنِّ الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهَا ... صَرِيحًا بِنَصِّ الْقَوْلِ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ وَهَلْ لِنَبِيِّ اللَّهِ هَارُونَ لِحْيَةٌ ... تُرَى فِي جِنَانٍ إِذْ بِهِ النَّصُّ فِي الذِّكْرِ

стр. 877

وَهَلْ فِي جِنَانِ الْخُلْدِ قَوْمٌ تَعَاشَرُوا جِمَالًا وَتَرْعَى فِي مَرَاتِعِهَا الْخُضْرِ ... وَتَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا هَلْ مُسَاعِدٌ لِنَاقِلِ هَذَا أَوْ يُقَابَلُ بِالنُّكْرِ ... وَمَنْ هُوَ بَعْدَ الْخَتْمِ يَدْعُو لِمَيِّتٍ بِتَسْمَيَةٍ هَلْ فِي الْمَقَالَةِ مِنْ نُكْرِ ... وَمَا الْحِينُ إِنْ قَالَ امْرُؤٌ فِي يَمِينِهِ لِزَوْجَتِهِ: لَا جِئْتِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ ... وَمَا جَاءَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ ضَرْبِ أَوْجُهٍ عَلَى صُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ صَحَّ فِي الْأَثَرِ ... وَمَا شَرْحُهُ مَا الْقَوْلُ فِيهِ مُحَقَّقًا لَعَلَّكُمُ تُنْجُو مِنَ النَّارِ وَالْوِزْرِ ... وَهَلْ أَنْ تُبَكِّرَ مَرْأَةٌ بِبُنَيَّةٍ مِنَ الْيُمْنِ قَوْلٌ نَاقِلُوهُ ذَوُو خُبْرِ ... وَإِنْ مَاتَتِ الْأَوْلَادُ مِنْ أَهْلِ ذِمَّةٍ قُبَيْلَ بُلُوغٍ مَا يَكُونُونَ فِي الْحَشْرِ ... أَفِي نَارٍ اوْ فِي جَنَّةٍ فَازَ أَهْلُهَا بِمَقْعَدِ صِدْقٍ مَعْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَجْرِ ... تَفَضَّلْ وَجُدْ يَا سَيِّدًا فَاقَ عَصْرَهُ بِكُلِّ جَوَابٍ لَوْ يُوَازَنُ بِالتِّبْرِ ... لَكَانَ قَلِيلًا طَالَ عُمْرُكَ لِلْوَرَى تَبُثُّ عُلُومًا مَا حَيِيتَ مَدَى الدَّهْرِ ... وَصَلَّى إِلَهُ الْعَرْشِ ﷻ عَلَى أَحْمَدَ الْمَبْعُوثِ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْرِ ... وَأَصْحَابِهِ وَالْآلِ مَا طَارَ طَائِرٌ عَلَى فَنَنٍ أَوْ حَنَّ وَحْشٌ إِلَى وَكْرِ الْجَوَابُ: أَلَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنَزِّلِ لِلذِّكْرِ ... وَأُتْبِعُ حَمْدِي بِالثَّنَاءِ وَبِالشُّكْرِ وَصَلَّى إِلَهُ الْعَرْشِ مَا لَاحَ كَوْكَبٌ ... عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ ذِي الْمَجْدِ وَالْفَخْرِ سَأَلْتَ عَنِ الْبَارِي يُرَى فِي قِيَامَةٍ ... وَلَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا سِوَى لِلَّذِي أُسْرِي وَحِكْمَتُهُ ضَعْفُ الْقُوَى لِأُولِي الدُّنَا ... فَغَيْرُ مُطَاقٍ رُؤْيَةُ الْوَاحِدِ الْبَرِّ وَلَمْ يَكُنِ الْبَارِي الْقَدِيمُ يُرَى بِحَا ... دِثِ بَصَرٍ قَدْ قَالَ بَعْضُ أُولِي الْخُبْرِ وَلَمَّا يَكُونُ الْبَعْثُ تَعْظُمُ قُوَّةً ... بِجُعْلٍ إِلَهِي فَاسْتَطَاعَ ذَوُو الْقَدْرِ وَأَقْدَرَ رَبُّ الْعَرْشِ حَقًّا نَبِيَّهُ ... عَلَى رُؤْيَةِ الْبَارِي فَنَاهِيكَ مِنْ فَخْرِ وَصُلْبَانُ كُفْرٍ فِي الْبِلَادِ كَثِيرَةٌ ... يُعَقِّبُهَا عِيسَى إِذَا جَاءَ بِالْكَسْرِ وَكَمْ بَلَدٍ فِيهَا كَنَائِسُ جَمَّةٌ ... وَصُلْبَانُ كُفْرٍ فِي بِلَادِ أُولِي الْكُفْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْخَيْرِ فِيَّ وَأُمَّتِي ... فَلَمْ يَأْتِ هَذَا اللَّفْظُ فِي سَنَدٍ نَدْرِي وَلَكِنْ بِمَعْنَاهُ حَدِيثٌ بِعُصْبَةٍ ... تَقُومُ عَلَى حَقٍّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَفِي الْجِنِّ رُسْلٌ أُرْسِلَ الرُّسْلُ عَنْهُمُ ... لِأَقْوَامِهِمْ وَهْيَ الْمُسَمَّاةُ بِالنَّذْرِ

стр. 878

وَمَا فِي جِنَانِ الْخُلْدِ ذُو لِحْيَةٍ يُرَى ... سِوَى آدَمَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ فِي الْأَثَرِ وَمَا جَاءَ فِي هَارُونَ فَالذَّهَبِيُّ قَدْ ... رَأَى ذَلِكَ مَوْضُوعًا فَكُنْ صَيْقَلَ الْفِكْرِ وَلَمْ أَرَ فِي أَمْرِ الْجِمَالِ مُخَبِّرًا ... مِنَ النَّقْلِ وَالْآثَارُ لَيْسَتْ مَدَى حَصْرِ وَمُطَلِّقٌ حِينَ لَحْظَةٍ ثُمَّ مَنْ دَعَا ... لِمَيِّتِهِ فِي الْخَتْمِ لَيْسَ بِذِي نُكْرِ وَعَنْ ضَرْبِ وَجْهٍ صَحَّ نَهْيٌ لِفَضْلِهِ ... وَفِي الصُّورَةِ التَّأْوِيلُ غَيْرُ أُولِي الْخُبْرِ عَلَى أَوْجُهٍ شَتَّى حَكَاهَا مُحَقِّقُو ... أُولِي السُّنَّةِ الْغَرَّاءِ أُيِّدْتَ بِالنَّصْرِ فَأَسْلَمُهَا إِذْ لَا تَكُونُ مُفَوِّضًا ... إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ كَرُوحِي وَمَا يَجْرِي كَمَا قِيلَ بَيْتُ اللَّهِ أَوْ نَاقَةٌ لَهُ ... أُضِيفَتْ فَفِي هَذَاكَ مَقْنَعُ ذِي ذِكْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْيُمْنِ فِي اللَّائِي بَكَّرَتْ ... بِأُنْثَى فَوَاهٍ لَا يَصِحُّ فَطِبْ وَادْرِي وَأَوْلَادُ أَهْلِ الْكُفْرِ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ ... فَأَمْرُهُمُ لِلَّهِ فَهْوَ الَّذِي يَدْرِي فَذَا الْقَوْلُ صَحِّحْهُ وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ ... بِأَنَّهُمُ فِي جَنَّةٍ مَعْ أُولِي الْبِرِّ فَهَذَا جَوَابُ ابْنِ السُّيُوطِيِّ رَاجِيًا ... نَوَالًا مِنَ الرَّحْمَنِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ مَسْأَلَةٌ: أَيَا عَالِمًا قَدْ فَازَ بِالرُّشْدِ سَائِلُهْ ... أَوَاخِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ صَارَتْ أَوَائِلَهْ جَوَابُكَ فِي قَوْلٍ بِمُخْتَصَرٍ نَمَى ... إِلَى زَاهِرٍ عَمَّا حَكَى فِيهِ قَائِلُهْ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ النَّبِيَّ بَدَا لَهُ ... نَوَارِيزُ أَعْيَادٍ أَتَتْهَا فَعَائِلُهْ وَتَجْتَمِعُ الْأَجْنَاسُ فِيهَا بِجَمْعِهِمْ ... وَتُهْدِي هَدَايَا لِلنَّبِيِّ تُقَابِلُهْ وَإِنَّ بِوَقْتٍ قَدْ هَدَتْ فِيهِ نَمْلَةٌ ... لَهُ نَبْقَةً لَمْ تَكْتَرِثْهَا شَمَائِلُهْ فَقَالَتْ بِكَسْرِ الْقَلْبِ تَبْغِي قَبُولَهَا ... وَتَذْكُرُ مَا أَبْقَى إِلَيْهَا تُمَايِلُهْ عَلَى الْمَرْءِ حَقٌّ فَهْوَ لَا بُدَّ فَاعِلُهْ ... وَإِنْ عَظُمَ الْمَوْلَى وَجَلَّتْ فَضَائِلُهْ أَلَمْ تَرَنَا نُهْدِي إِلَى اللَّهِ مَالَهُ ... وَلَوْ كَانَ عَنْهُ ذَا غِنًى فَهْوَ قَابِلُهْ وَلَوْ كَانَ يُهْدَى لِلْجَلِيلِ بِقَدْرِهِ ... لَقَصَّرَ مَاءَ الْبَحْرِ عَنْهُ مَنَاهِلُهُ وَأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَوْحَى لَهُ إِذَنْ ... أَنِ اقْبَلْ فَقَدْ أَبْكَى الْمَقَالُ وَقَائِلُهْ لِأَهْلِ السَّمَا وَالْأَرْضِ هَذَا مَقَالَةٌ ... بِمُخْتَصَرٍ قُلْنَاهُ مَعْنًى تُفَاصِلُهْ فَهَلْ فِي اعْتِرَاضٍ فِي مَقَالَةِ قَائِلٍ ... وَلَوْ كَانَ عَنْهُ ذَا غِنًى فَهْوَ قَائِلُهْ وَهَلْ تُحْتَمَلْ لَوْ لِلْغِنَى أَوْ لِغَيْرِهِ ... أَبِنْ عَالِمًا فِي الدَّهْرِ ضَاءَتْ دَلَائِلُهْ وَوَالِدُ خِضْرٍ فِي الْوَرَى يَعْلَمُ اسْمَهُ ... وَإِنْ تَعْلَمُوا هَذَا فَمَاذَا قَبَائِلُهْ

стр. 879

وَهَلْ مِنْ يَقِينٍ جَازِمٍ فِي حَيَاتِهِ ... أَبِنْ مَا خَفَى يَا عَالِمًا عَمَّ وَابِلُهْ لَكُمْ جَنَّةُ الْمَأْوَى تَزَاهَتْ قُصُورُهَا ... وَأَجْرُكُمُ فِيهِ تَنَاهَتْ وَسَائِلُهْ الْجَوَابُ: بِحَمْدِ إِلَهِي أَبْتَدِي مَا أُحَاوِلُهْ ... وَأُتْبِعُهُ شُكْرًا تَزِيدُ نَوَافِلُهْ وَأُتْبِعُ هَذَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الَّذِي ... بِتَخْصِيصِهِ عَمَّ الْأَنَامَ رَسَائِلُهْ مُحَمَّدٍ الْهَادِي النَّبِيِّ وَآلِهِ ... وَأَصْحَابِهِ مَا دَرَّ بِالْقَطْرِ وَابِلُهْ نَعَمْ قَوْلُ لَوْ فِيهِ اعْتِرَاضٌ مُوَجَّهٌ ... وَوَاجِبُهُ أَنْ يُصْلِحَ الْقَوْلَ قَائِلُهْ وَوَالِدُ خِضْرٍ إِنْ تُسَائِلْ عَنِ اسْمِهِ ... فَفِيهِ أَقَاوِيلٌ حَكَتْهَا أَوَائِلُهْ فَقِيلَ ابْنُ مَلْكَانَ وَقِيلَ ابْنُ مَالِكٍ ... وَقِيلَ ابْنُ عَامِيلَ بْنِ عِيصٍ قَبَائِلُهْ وَقِيلَ ابْنُ فِرْعَوْنَ وَقِيلَ ابْنُ آدَمَ ... وَقِيلَ ابْنُ قَابِيلَ الَّذِي هُوَ قَاتِلُهْ وَأَكْثَرُهُمْ يَخْتَارُ فِيهِ حَيَاتَهُ ... إِلَى أَنْ يَجِي الدَّجَّالُ حَالَتْ مُقَاتِلُهْ فَهَذَا كَلَامٌ فِيهِ تَحْرِيرُ مَقْصِدٍ ... وَهَذَا جَوَابٌ لِلَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ فَخُذْهَا عَرُوسًا مِنْ مُحِبٍّ وَمَهْرُهَا ... دُعَاءٌ يُرَجَّى أَنْ يَرَى اللَّهَ قَائِلُهْ وَأَنَّ ابْنَ الَاسْيُوطِيِّ قَدْ خَطَّهُ عَلَى ... مَنَاهِجِهِ حَتَّى تَجَلَّتْ دَلَائِلُهْ مَسْأَلَةٌ: مَا الْقَوْلُ لِلْحَبْرِ وَالْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَمَنْ ... زَانَ الْوُجُودَ بِهِ الْخَلَّاقُ لِلْبَشَرِ فِي مُشْتَرِي يُوسُفَ الصِّدِّيقِ حِينَ لَهُ ... بَاعُوهُ إِخْوَتُهُ بِالْبَخْسِ فِي الذِّكْرِ هَلْ يَمْلِكُونَ الَّذِينَ الْآنَ بِيعَ لَهُمْ ... مَا ذَلِكَ الْأَمْرُ يَا مَخْصُوصُ بِالْأَثَرِ وَفِي قَضِيَّةِ يَحْيَى حَيْثُ مَاتَ وَقَدْ ... صَحَّتْ حَيَاةُ أَبِيهِ الطُّهْرُ فِي الْخَبَرِ وَكَانَ مِنْ قَبْلُ يَدْعُو رَبَّهُ طَلَبًا ... نَجْلًا يُوَرِّثُهُ فِي مُدَّةِ الْعُمُرِ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ مِيرَاثًا بِذَاكَ أَتَى ... نَصُّ الْمُهَيْمِنِ بِالْأَخْبَارِ فِي الزُّبُرِ وَالْحُكْمُ فِي الدِّينِ أَنَّ الْإِرْثَ يَأْخُذُهُ ... مُخَلَّفٌ بَعْدَ مَقْبُولٍ بِلَا نُكُرِ مَا الشَّأْنُ فِي ذَاكَ يَا مُفْتِي الْأَنَامِ وَمَنْ ... أَبْدَى الْفَوَائِدَ حَتَّى صَارَ كَالْقَمَرِ وَهَلْ تُصَحِّحُ لِلرَّاوِي رِوَايَتَهُ ... فِيمَا رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَثَرِ مَنْ لَا إِمَامَ لَهُ إِنْ شَا يَمُوتُ كَذَا ... يَهُودًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ عُصْبَةِ الْكُفْرِ أَوَّلًا وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مَرْجِعُهُ ... إِلَى إِمَامِ الْهُدَى الْمَعْرُوفِ لِلْبَشَرِ

стр. 880

لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرٌ وَهْوَ سَيِّدُنَا ... سُلْطَانُنَا لَا بَرِحْنَا مِنْهُ فِي خَفَرِ أَوْ غَيْرِهِ أَفْتِنَا أَنْتَ الْإِمَامُ لَنَا ... فِي مُشْكِلٍ غُرَّةٌ فِي جَبْهَةِ الدَّهْرِ أَثَابَكَ اللَّهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ بِمَا ... أَبَنْتَ مَنْ غُرَرٍ يُشْرِقْنَ كَالدُّرَرِ بِجَاهِ خَيْرِ الْوَرَى الْهَادِي لِأُمَّتِهِ ... مِنَ الضَّلَالِ وَحَامِيهِمْ مِنَ الضَّرَرِ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَارِي الْخَلْقِ وَالْبَشَرِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ لَمْ يَمْلِكِ الْمُشْتَرِي الصِّدِّيقُ قَطُّ وَلَا ... يُظَنُّ هَذَا بِبَيْعِ الْحُرِّ فَاعْتَبِرِ وَإِرْثُ يَحْيَى لِعِلْمٍ لَا لِمَالِ أَبٍ ... فَالْأَنْبِيَا إِرْثُهُمْ حَظْرٌ عَلَى الْبَشَرِ وَبَعْضُهُمْ وَهُوَ الطيبي قَالَ بِأَنْ ... قَدْ أُخِّرَتْ دَعْوَةٌ فِيهِ بِلَا ضَرَرِ وَفِي الْإِمَامِ أَحَادِيثٌ بِذَا وَرَدَتْ ... وَهْوَ الْخَلِيفَةُ فَافْهَمْهُ وَلَا تَحِرِ [الْأَوْجُ فِي خَبَرِ عَوْجٍ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُؤَالٌ وَرَدَ مِنَ الشَّامِ صُورَتُهُ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ أَجْمَعِينَ فِي عوج بن عنق هَلْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ أَصْلًا فَمَا الْجَوَابُ عَمَّا وَقَعَ فِي غَالِبِ التَّفَاسِيرِ كَتَفْسِيرِ القرطبي، وَالْبَغَوِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى مَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، والكرماني، وابن الخازن، والثعلبي، وابن عطية وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ وَتَكْرَارِ قِصَّتِهِ فِي مَكَانٍ بَعْدَ آخَرَ، عَلَى أَنَّ القرطبي، والثعلبي نَقَلَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والكرماني فِي تَفْسِيرِهِ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَإِنْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ فَهَلْ بَقِيَ إِلَى زَمَنِ مُوسَى ﵇ وَهَلَكَ عَلَى يَدِهِ أَوْ هَلَكَ فِي الطُّوفَانِ مَعَ مَنْ هَلَكَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِبَقَائِهِ إِلَى زَمَنِ مُوسَى ﵇ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ
следующие страницы →