← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21730

قواعد ابن رجب - ط الخانجي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (422 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَتَصَرُّفُهُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ جِنَايَةٌ حَالَ بِهَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالرُّجُوعِ فِي مَالِهِ فَيَمْلِكُ أَنْ يَفْسَخَ وَيُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ لِلْحَيْلُولَةِ وَإِلَى هَذَا الْمَأْخَذِ أَشَارَ أَحْمَدُ ﵀. وَمِنْهَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَتَخَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيَغْرَمُ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ. وَالثَّانِيَةُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَلَا فَسْخَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَمِنْهَا إذَا تَبَايَعَا جَارِيَةً بِعَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ ثُمَّ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا وَقَدْ تَلِفَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَا بِيَدِهِ وَيَفْسَخُ الْعَقْدَ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ التَّالِفِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّ هُنَا عَيْنًا بَاقِيَةً يُمْكِنُ الْفَسْخُ فِيهَا فَيَقَعُ الْفَسْخُ فِي التَّالِفِ تَبَعًا كَمَا لَوْ كَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا مُعَيَّنًا وَقَدْ تَلِفَ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَرُدُّ السِّلْعَةَ بِالْعَيْبِ وَيَأْخُذُ بَدَلَ الثَّمَنِ وَمِنْهَا إذَا تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ وَأَرَادَ رَدَّهُ فَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ الْمَوْجُودِ مَعَ قِيمَةِ الْمَفْقُودِ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ. ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا جَوَازُهُ لِأَنَّ الْفَسْخَ فِي الْمَفْقُودِ هُنَا تَابِعٌ لِلْفَسْخِ فِي الْمَوْجُودِ، وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَبَانَ مَعِيبًا وَقَدْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيَرُدُّ مَعَهَا أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ مَنْسُوبًا مِنْ قِيمَتِهِ لَا مِنْ ثَمَنِهِ فَوَرَدَ الْفَسْخُ هُنَا عَلَى الْمَفْقُودِ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ وَاعْتَذَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ ضَمَانِهِ بِالْقِيمَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا فَسَخَ الْعَقْدَ صَارَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ لِأَنَّهُ قَبَضَ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَلِذَلِكَ ضَمِنَ بِالْقِيمَةِ وَهَذَا رُجُوعٌ إلَى أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْأَصْلَ ضَمَانُهُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَسَائِلِ التَّفْلِيسِ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ مُقَابِلٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَدَّ الْمَبِيعَ كُلَّهُ رَدَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَهَذَا خِلَافُ أَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مَنْسُوبًا مِنْ الثَّمَنِ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ فِي مِقْدَارِ الْعَيْبِ وَرُجُوعٌ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَعَلَى هَذَا فَالْفَسْخُ وَرَدَ عَلَى مَعْدُومٍ مُسْتَحَقِّ التَّسْلِيمِ وَهَذَا فِي الْمُشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ سَلِيمًا فَأَمَّا فِي الْمُعَيَّنِ فَلَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ عَلَى غَيْرِ عَيْنِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ فَسْخًا إلَّا أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ عَلَى الْعَيْنِ يَقْتَضِي سَلَامَتَهَا وَكَأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ السَّلَامَةِ وَقَدْ فَاتَتْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ هُوَ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ. وَعَلَى هَذَا فَهَلْ هُوَ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ قِيمَتِهِ؟ ذَهَبَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ إلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْقِيمَةِ وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَابْنُ الْمُنَى إلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْعَيْنِ

стр. 107

عَنْهَا بِمَا شَاءَ. وَإِنْ قُلْنَا الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ إسْقَاطٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْفَسْخِ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يُقَابِلُ الْفَائِتَةَ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ الْمُصَالَحَةِ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا الْمَضْمُونُ الْعَيْنُ فَلَهُ الْمُصَالَحَةُ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ وَإِنَّمَا يُقَابِلُ الْأَجْزَاءَ الْمُشَاعَةَ فَإِذَا عَقَدَ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ وَفَاتَ بَعْضُ صِفَاتِهَا رَجَعَ بِمَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَرْشَ فَسْخٌ أَوْ إسْقَاطٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ مُعَاوَضَتِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَسْخًا أَوْ إسْقَاطًا لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَسْتَحِقُّ جُزْءًا مِنْ عَيْنِ الثَّمَنِ مَعَ بَقَائِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا هُوَ مُعَاوَضَةٌ وَأَمَّا إنْ أَسْقَطَ الْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ بِعِوَضٍ بَذَلَهُ لَهُ الْبَائِعُ وَقَبِلَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَرْشِ فِي شَيْءٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الشُّفْعَةِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ فِي النِّكَاحِ فِي خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ. وَمِنْهَا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ الْمَعِيبَةُ كُلُّهَا فَهَلْ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ وَرَدِّ بَدَلِهَا أَمْ لَا؟ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَأَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ قَالُوا: لِأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَدْعِي مَرْدُودًا وَلَا مَرْدُودَ إلَّا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَظُلَامَتُهُ تُسْتَدْرَكُ بِالْأَرْشِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ رَدِّ الْمُشْتَرِي أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَكَرَ فِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ حَكَاهُ وَمِنْهَا إذَا اشْتَرَى رِبَوِيًّا بِجِنْسِهِ فَبَانَ مَعِيبًا ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ رَدِّهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ وَيَرُدُّ بَدَلَهُ وَيَأْخُذُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ عَلَى الصَّحِيحِ بِمَحْذُورِ الرِّبَا فَتَعَيَّنَ الْفَسْخُ. وَمِنْهَا الْإِقَالَةُ هَلْ تَصِحُّ بَعْدَ تَلَفِ الْعَيْنِ؟ قَالَ الْقَاضِي مَرَّةً: لَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهِيَ كَالْبَيْعِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهَا بَعْدَ التَّلَفِ إذَا قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ وَتَابَعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ وَحَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهَا وَجْهَيْنِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَدْعِي مَرْدُودًا بِخِلَافِ الْفَسْخِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ أَيْضًا وَالْإِقَالَةُ تَسْتَدْعِي مُقَالًا فِيهِ وَلَكِنَّ الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ. وَمِنْهَا الشَّرِكَةُ فِي الْبُيُوعِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْهَا وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ شَيْئًا فَيَقُولَ لِآخَرَ أَشْرَكْتُك فِي نِصْفِهِ أَوْ جُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ فَيَقْبَلُ فَيَصِحُّ ذَلِكَ وَيَكُونُ تَمْلِيكًا مُنَجَّزًا بِعِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ وَمَوْضُوعُ هَذَا الْعَقْدِ أَنَّهُ إنْ رَبِحَ الْمَالَ الْمُشْتَرَكَ فِيهِ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا النَّاطِفِيَّةِ بِالثَّمَنِ وَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فِي الرِّبْحِ فَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنْهُ وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ أَوْ خَسِرَ انْفَسَخَتْ الشَّرِكَةُ فَيَكُونُ الْخُسْرَانُ أَوْ التَّلَفُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيُقَدِّرُ انْفِسَاخَ الشَّرِكَةِ حُكْمًا فِي آخِرِ زَمَنِ الْمِلْكِ قَبْلَ بَيْعِهِ بِخَسَارَةٍ أَوْ تَلَفِهِ

стр. 108

وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِالِانْفِسَاخِ بَعْدَ التَّلَفِ وَالْخُسْرَانِ فَيَكُونُ هَذَا الْعَقْدُ مُفِيدًا لِلشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ خَاصَّةً وَيَكُونُ فَسْخُهُ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ وَيُكْتَفَى بِذَلِكَ بِمُسَمَّى الشَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى شَرْطٍ لَفْظِيٍّ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ وَمُهَنَّا وَأَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ وَأَبُو طَالِبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ وَنُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ صَرِيحًا وَسُئِلَ أَحْمَدُ هَلْ يَدْخُلُ هَذَا فِي رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ؟ فَقَالَ: هُوَ مِثْلُ الْمُضَارِبِ يَأْخُذُ الرِّبْحَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَشْكَلَ تَوْجِيهُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى الْقَاضِي فَحَمَلَهُ عَلَى مَحَامِلَ بَعِيدَةٍ جِدًّا وَحَمَلَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَلَى ظَاهِرِهِ وَتَبِعَهُ الشِّيرَازِيُّ إلَّا أَنَّهُ خَرَّجَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ الْوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا كَالرِّبْحِ. [الْقَاعِدَةُ السِّتُّونَ التَّفَاسُخُ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مَتَى تَضَمَّنَ] (الْقَاعِدَةُ السِّتُّونَ) : التَّفَاسُخُ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مَتَى تَضَمَّنَ ضَرَرًا عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَنْفُذْ إلَّا أَنْ يُمْكِنَ اسْتِدْرَاكُ الضَّرَرِ بِضَمَانٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَجُوزُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. فَمِنْ ذَلِكَ الْمُوصَى إلَيْهِ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَهُ وَقَيَّدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بِمَا إذَا وَجَدَ حَاكِمًا لِئَلَّا يَضِيعَ إسْنَادُهَا فَيَقَعُ الضَّرَرُ وَأَخَذَهَا مِنْ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْوَصِيِّ يَدْفَعُ الْوَصِيَّةَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَبْرَأُ مِنْهَا قَالَ إنْ كَانَ حَاكِمًا فَنَعَمْ وَحَكَى رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ بِحَالٍ وَلَا قَبْلَهُ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهِ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بِحَالٍ إذَا قَبِلَهَا وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَحَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ صَرِيحًا فِي الْحَالَيْنِ. وَمِنْهَا الْوَكِيلُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ إذَا عَزَلَهُ الرَّاهِنُ يَصِحُّ عَزْلُهُ عَلَى الْمَنْصُوصُ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرٌ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ حَاكِمٌ يَأْمُرُ بِالْبَيْعِ أَوْ لَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ عَقْدِ الْجِعَالَةِ لَكِنْ يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِبُطْلَانِ الْمُسَمَّى بِالْفَسْخِ فَإِذَا عَمِلَ بِهِ أَحَدٌ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ سَمَّى لَهُ تَسْمِيَةً فَاسِدَةً وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِي جَعْلِ الرَّدِّ الْأَبْقَ الْمُسَمَّى بِالشُّرُوعِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْإِطْلَاقِ وَقَدْ صَارَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ كَالْعَدَمِ. وَمِنْهَا إذَا فَسَخ الْمَالِكُ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ وَقُلْنَا هِيَ جَائِزَةٌ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَنَصِيبُ الْعَامِلِ فِيهَا ثَابِتٌ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالظُّهُورِ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ حِصَّةَ الْمُسَاقِي لَيْسَتْ وِقَايَةً لِلْمَالِ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ وَكَذَلِكَ لَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ بَعْدَ الظُّهُورِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ الظُّهُورِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِإِعْرَاضِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَالِكِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ عَقْدٍ يَقْضِي إلَى حُصُولِ

стр. 109

الْمُسَمَّى لَهُ غَالِبًا فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ ظُهُورَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْفَسْخِ لِعَمَلِ الْعَامِل فِيهَا أَثَرٌ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا وَخِدْمَتِهَا فَلَا يَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا وَقَدْ أَثَّرَ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَيَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْمُضَارِبِ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِكِ دُونَ الْعَامِلِ فَيَسْتَحِقُّ مِنْ ثَمَرَةِ الْمُسَمَّى لَهُ. وَمِنْهَا إذَا زَارَعَ رَجُلًا عَلَى أَرْضِهِ ثُمَّ فَسَخَ الْمُزَارَعَةَ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّرْعِ أَوْ قَبْلَ الْبَذْرِ وَبَعْدَ الْحَرْثِ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي مَسَائِلِهِ قُلْت لِأَحْمَدَ: الْأَكَّارُ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْأَرْضِ فَيَبِيعُ الزَّرْعَ قَالَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ قُلْت فَيَبِيعُ عَمَلَ يَدَيْهِ وَمَا عَمِلَ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ فِيهَا زَرْعٌ قَالَ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ بَعْدُ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ التَّمَامِ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ يَقُولُ يَجِبُ لَهُ بَعْدَ مَا يَبْلُغُ الزَّرْعُ لِمَا اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ حَتَّى يَفْرُغَ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ يَذْهَبُ عَمَلُ يَدَيْهِ وَمَا أَنْفَقَ فِي الْأَرْضِ فَلَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ أَوْ خَرَجَ بِإِذْنِهِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ انْتَهَى . فَحَمَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ قَوْلَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى مَا إذَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ أَوْ خَرَجَ بِإِذْنِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ تَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ بِيَدَيْهِ وَمَا أَنْفَقَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مَالِهِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ آثَارَ عَمَلِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَعْيَانًا وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَلِهَذَا نَقُولُ فِي آثَارِ الْغَاصِبِ إنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا بِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْمُفْلِسُ وَنَحْوُهُ لَا خِلَافَ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ بَيْعِ الْعِمَارَةِ الَّتِي هِيَ الْإِثَارَةُ وَيَكُونُ شَرِيكًا فِي الْأَرْضِ بِعِمَارَتِهِ وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ زَارَعَ رَجُلًا عَلَى مَزْرَعَةِ بُسْتَانِهِ ثُمَّ أَجَّرَهَا هَلْ تَبْطُلُ الْمُزَارَعَةُ أَنَّهُ إنْ زَارَعَهُ مُزَارَعَةً لَازِمَةً لَمْ تَبْطُلْ بِالْإِجَارَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً أَعْطَى الْفَلَّاحَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ وَأَفْتَى أَيْضًا فِي رَجُلٍ زَرَعَ أَرْضًا وَكَانَتْ بَوَارًا وَحَرَثَهَا فَهَلْ لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْهَا فَلَّاحُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَرْضِ فِلَاحَةٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فَلَهُ قِيمَتُهَا عَلَى مَنْ انْتَفَعَ بِهَا فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ انْتَفَعَ بِهَا وَأَخَذَ عِوَضًا عَنْهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرَةِ فَضَمَانُهَا عَلَيْهِ وَإِنْ أَخَذَ الْأُجْرَةَ عَنْ الْأَرْضِ وَحْدَهَا فَضَمَانُ الْفِلَاحَةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْمُنْتَفِعِ بِهَا وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مَعْلُومَةً وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا مَفْلُوحَةً كَمَا أَخَذَهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ كَمَا شَرَطَ وَيَتَخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ. وَمِنْهَا الْمُضَارَبَةُ تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ الْمَالِكِ لَهَا وَلَوْ كَانَ الْمَالُ عَرَضَا وَلَكِنْ لِلْمُضَارِبِ بَيْعُهُ بَعْدَ الْفَسْخِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِرِبْحِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَنْعَزِلُ مَا دَامَ عَرْضًا بَلْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ [الْمَالَ] وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ عَزْلُهُ وَإِنَّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَذَكَرَا فِي الْمُضَارَبَةِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ وَحَمَلَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مُطْلَقَ كَلَامِهِمَا فِي الشَّرِكَةِ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ بَعْدَ الْفَسْخِ يَمْلِكُ تَنْضِيضٌ الْمَالِ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ رِبْحٌ لَكِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ الْمَالِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ

стр. 110

مَالِكِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إذَا قَصَدَ الْمَالِكُ بِعَزْلِهِ الْحِيلَةَ لِاقْتِطَاعِ الرِّبْحِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَتَاعًا يَرْجُو بِهِ الرِّبْحَ فِي مَوْسِمِ فَيَنْفَسِخُ قَبْلَهُ لِيُقَوِّمَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ وَيَأْخُذُهُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْمُضَارِبِ فِي الرِّبْحِ وَإِذَا جَاءَ الْمَوْسِمَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْهُ فَجَعَلَ الْعَقْدَ بَاقِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِحْقَاقِ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي أَرَادَ الْمَالِكُ إسْقَاطَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ بِعَمَلِ الْمُضَارِبِ فَهُوَ كَالْفَسْخِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي بَابِ الْجِعَالَةِ الْمُضَارَبَةُ كَالْجِعَالَةِ لَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ فَسْخَهَا بَعْدَ تَلَبُّسِ الْعَامِلِ بِالْعَمَلِ وَأَطْلَقَ ذَلِكَ وَقَالَ فِي مُفْرَدَاتِهِ إنَّمَا يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ الْفَسْخَ بَعْدَ أَنْ يَنِضَّ رَأْسَ الْمَالِ وَيَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَسْخَ لِئَلَّا يَتَمَادَى بِهِ الزَّمَانُ فَيَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ الْأَرْبَاحُ. قَالَ وَهَذَا هُوَ دَوْرَانَ بِمَذْهَبِنَا وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَاتِ الْفَسْخُ مَعَ كَتْمِ شَرِيكِهِ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى غَايَةِ الْإِضْرَارِ وَهُوَ تَعْطِيلُ الْمَالِ عَنْ الْفَوَائِدِ وَالْأَرْبَاحِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ عِنْدَنَا فَسْخَهَا وَرَأْسُ الْمَالِ قَدْ صَارَ عُرُوضًا لَكِنْ إذَا بَاعَ وَنَضَّ رَأْسَ الْمَالِ يَنْفَسِخُ انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ الْفَسْخُ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسَ الْمَالِ وَيَعْلَمَ بِهِ رَبُّهُ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِتَعْطِيلِ مَالِهِ عَنْ الرِّبْحِ كَمَا ذَكَر أَنَّهُ فِي الْفُضُولِ أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ إذَا تَوَجَّهَ الْمَالُ إلَى الرِّبْح وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الْعَامِلِ وَهُوَ حَسَنٌ جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ فِي اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمُضَارِبَ إذَا ضَارَبَ لِآخَرَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْأَوَّلِ وَكَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ رَدَّ حَقَّهُ مِنْ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ إذَا فَسَخَ قَبْلَ الظُّهُورِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْجِعَالَةِ فَفِيهِ بُعْدٌ إلَّا أَنْ يُنَزَّلَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ مِثْلَهُ أَيْضًا فِي بَابِ الْجِعَالَةِ. وَمِنْهَا الشَّرِكَةُ إذَا فَسَخَ أَحَدُهُمَا عَقْدَهَا بِالْقَوْلِ انْفَسَخَتْ وَإِنْ قَالَ الْآخَرُ عَزَلْتُكَ انْعَزَلَ الْمَعْزُولُ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَيَنْفَسِخُ مَعَ كَوْنِ الْمَالِ عُرُوضًا أَوْ نَاضًّا وَحَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ رِوَايَةً أُخْرَى لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَنِضَّ الْمَالَ كَالْمُضَارِبِ قَالَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الشَّرِيكَ وَكِيلٌ وَالرِّبْحُ يَدْخُلُ تَبَعًا بِخِلَافِ حَقِّ الْمُضَارِبِ فَإِنَّهُ أَصْلِيٌّ وَلَا يَدْخُلُ بِدُونِ الْبَيْعِ. وَمِنْهَا الْوَكِيلُ إذَا وَكَّلَهُ فِي فِعْلِ شَيْءٍ ثُمَّ عَزَلَهُ وَتَصَرَّفَ قَبْلَ الْعِلْمِ تَصَرُّفًا يُوجِبُ الضَّمَانَ فَهَلْ يَضْمَنُهُ الْمُوَكِّلُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ثُمَّ عَزَلَهُ فَاسْتَوْفَاهُ قَبْلَ الْعِلْمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لِأَنَّ عَفْوَ مُوَكِّلِهِ لَمْ يَصِحَّ حَيْثُ حَصَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَفَى بَعْدَ الرَّمْيِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ الضَّمَانُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَوُجِّهَ بِأَنَّ عَفْوَهُ لَمْ يَصِحَّ كَمَا ذَكَرْنَا وَبِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِهِ وَالثَّانِي عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ لَا يَعْلَمُ بِعِصْمَتِهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ مَنْ لَا يَعْلَمُ تَحْرِيمَهُ فَقَتَلَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَةٌ

стр. 111

ثَانِيَةٌ وَهِيَ الْبِنَاءُ عَلَى انْعِزَالِ الْوَكِيلِ قَبْلَ الْعِلْمِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْعَزِلُ لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ فَيَقَعُ الْقِصَاصُ مُسْتَحَقًّا لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا يَنْعَزِلُ صَحَّ الْعَفْوُ وَضَمِنَ الْوَكِيلُ كَمَا لَوْ قَتَلَ مُرْتَدًّا وَكَانَ [قَدْ] أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ لِتَغْرِيرِهِ. وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ مِنْهُ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ وَعَلَى هَذَا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَكِيلِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ اسْتَنْمَتْ الْقَاضِي فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقَدْ يُقَالُ هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ كَذَا حَكَى صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ وَهُوَ إنْ قُلْنَا لَا يَنْعَزِلُ لَمْ يَضْمَنْ الْوَكِيلُ وَهَلْ يَضْمَنُ الْعَافِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ عَفْوِهِ، وَتَرَدَّدَا بَيْنَ تَغْرِيرِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَإِنْ قُلْنَا يَنْعَزِلُ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ. وَهَلْ يَكُونُ فِي مَالِهِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ التَّرْغِيبِ وَزَادُوا إذَا قُلْنَا فِي مَالِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ أَوْ وَقْفِهِ أَوْ [فِي] عِتْقِ عَبْدِهِ ثُمَّ عَزَلَهُ ثُمَّ فَعَلَ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِعَزْلِهِ فَإِنْ قِيلَ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ فَالتَّصَرُّفُ صَحِيحٌ وَلَا كَلَامَ وَإِنْ قِيلَ يَنْعَزِلُ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَكَذَلِكَ وَقْفُ الْمُشْتَرِي وَعِتْقُهُ. وَأَمَّا اسْتِقْلَالُهُ فَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يَضْمَنُهُ الْوَكِيلُ لِانْتِفَاءِ تَفْرِيطِهِ وَالْمُشْتَرِي مَغْرُورٌ وَفِي تَضْمِينِهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَإِذَا ضَمِنَ رَجَعَ عَلَى الْغَارِّ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْغَارُّ هُنَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْتَهَى. وَعَلَى الْقَوْلِ بِضَمَانِ الْوَكِيلِ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ قَدْ يَتَوَجَّهُ ضَمَانُ الْوَكِيل هُنَا وَفِيهِ بُعْدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَا لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِلْغَارِّ وَالْغَارُّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَضْمَنَ لَا أَنْ يُضْمَنَ لَهُ. وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا لَمْ يَعْلَمَا بِالْغَصْبِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ تَضْمِينُهُ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ هُنَا عَلَى الْوَكِيلِ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالسِّتُّونَ الْمُتَصَرِّفُ تَصَرُّفًا عَامًّا عَلَى النَّاس كُلِّهِمْ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةِ أَحَدٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْإِمَامُ] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالسِّتُّونَ) : الْمُتَصَرِّفُ تَصَرُّفًا عَامًّا عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةِ أَحَدٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْإِمَامُ، هَلْ يَكُونُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْوِكَالَةِ لَهُمْ أَوْ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ؟ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ وَخَرَّجَ الْآمِدِيُّ رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ خَطَأَهُ هَلْ هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَهُوَ مُتَصَرِّفٌ بِنَفْسِهِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَهُوَ مُتَصَرِّفٌ بِوَكَالَتِهِمْ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ فَلَا يَضْمَنُ لَهُمْ وَلَا يُهْدِرُ خَطَاءَهُ فَيَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْوِكَالَةِ لِعُمُومِهِمْ، وَذَكَرَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ رِوَايَتَيْنِ فِي انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ بِمُجَرَّدِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَهَذَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِلْخِلَافِ فِي الْوِلَايَةِ وَالْوِكَالَةِ أَيْضًا، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْضًا انْعِزَالُهُ بِالْعَزْلِ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَكِيلٌ فَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ

стр. 112

نَفْسَهُ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَالٍ لَمْ يَنْعَزِلْ بِالْعَزْلِ كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ مَنْ بَايَعَهُ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ الْجَمِيعِ لَا عَنْ أَهْلِ الْبَيْعَةِ وَحْدَهُمْ، وَهَلْ لَهُمْ عَزْلُهُ إذَا كَانَ بِسُؤَالِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ عَزْلِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ سُؤَالِهِ لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ خِلَافٍ، هَذَا [ظَاهِرُ] مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَأَمَّا مَنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ كَالْجَيْحُونِ مِنْ تَوْلِيَتِهِ فَإِنْ كَانَ نَائِبًا عَنْهُ كَالْوَزِيرِ فَإِنَّهُ كَالْوَكِيلِ لَهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَبِمَوْتِهِ وَإِنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَمِيرِ الْعَامِّ لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فَأَمَّا الْقُضَاةُ فَهَلْ هُمْ نُوَّابُ الْإِمَامِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا جَوَازُ عَزْلِ الْإِمَامِ لَهُ وَعَزْلِهِ لِنَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ الْخِلَافَ مُطَّرِدٌ فِي وِلَايَةِ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْبِلَادِ وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ. وَأَمَّا نُوَّابُ الْقَاضِي فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ وِلَايَتُهُ خَاصَّةٌ كَمَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ سَمَاعَ شَهَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ إحْضَارَ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فَهُمْ كَالْوُكَلَاءِ يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِهِ وَمَوْتِهِ. وَالثَّانِي: مَنْ وِلَايَتُهُ عَامَّةٌ كَخُلَفَائِهِ وَأُمَنَائِهِ عَلَى الْأَطْفَالِ وَنُوَّابِهِ عَلَى الْقُرَى فَهَلْ هُمْ بِمَنْزِلَةِ وُكَلَائِهِ أَوْ نُوَّابِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْآمِدِيُّ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ عَدَمَ الِانْعِزَالِ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ يَنْعَزِلُونَ لِأَنَّهُمْ نُوَّابُ الْقَاضِي بِخِلَافِ الْقُضَاةِ فَإِنَّهُمْ نُوَّابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ نَصْبُ الْقُضَاةِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقُضَاةِ الِاسْتِنَابَةُ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ لَيْسَ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ عَلَى رِوَايَةٍ وَلَا يَجِبُ نَصْبُ قَاضٍ بِالْكُلِّيَّةِ وَبِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي عَدَمِ نُفُوذِ الْعَزْلِ وَلِهَذَا مَنْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ خَفِيَّةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِأَدَائِهَا وَلَهُ عَزْلُ الْمُوصَى إلَيْهِ بِذَلِكَ وَاسْتِبْدَالُهُ ; وَأَمَّا الْمُتَصَرِّفُ تَصَرُّفًا خَاصًّا بِتَفْوِيضِ مَنْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُفَوِّضُ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى مَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ فَإِذَا عَقَدَ عَقْدًا جَائِزًا أَوْ مُتَوَقَّعَ الِانْفِسَاخِ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوِكَالَة وَإِجَارَةِ الْوَقْفِ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ إذَا أَذِنَ لَهُ مُوَكِّلُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فَيَكُونُ وَكِيلُهُ وَكِيلًا لِمُوَكِّلِهِ لَا لَهُ. وَالثَّانِي: مَنْ يُفَوِّضُ حُقُوقَ نَفْسِهِ فَهَذِهِ وَكَالَةٌ مَحْضَةٌ [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالسِّتُّونَ فِيمَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالسِّتُّونَ) : فِيمَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ، الْمَشْهُورُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَنْعَزِلُ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ هَلْ يَنْعَزِلُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَمْ يَقِفُ عَزْلُهُ عَلَى عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْوَكِيلُ وَغَيْرُهُ وَالْإِذْنُ لِلزَّوْجَةِ أَوْ الْعَبْدِ فِيمَا لَا يَمْلِكَانِهِ بِدُونِ إذْنٍ إذَا وُجِدَ بَعْدَهُ نَهْيٌ لَمْ يَعْلَمَاهُ مُخَرَّجٌ عَلَى الْوَكِيلِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَكَذَلِكَ إذْنُ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّاهِنِ فِي التَّصَرُّفِ إذَا مُنِعَ مِنْهُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ وَلَمْ يَعْلَمْ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ

стр. 113

الْوَكِيلِ وَغَيْرِهِ وَدَخَلَ فِي هَذَا صُوَرٌ: مِنْهَا الْحَاكِمُ إذَا قِيلَ بِانْعِزَالِهِ قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْوَكِيلِ. وَفِي التَّلْخِيصِ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِأَنَّ فِي وِلَايَتِهِ حَقًّا لِلَّهِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ وَكِيلٌ فَهُوَ شَبِيهٌ بِنَسْخِ الْأَحْكَامِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ بُلُوغِ النَّاسِخِ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الْوِكَالَةِ الْمَحْضَةِ. قَالَ: هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَيْضًا فَإِنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي عَامَّةٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ عُمُومِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ فَتَعْظُمُ الْبَلْوَى بِإِبْطَالِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِخِلَافِ الْوِكَالَةِ وَمِنْهَا عُقُودُ الْمُشَارَكَاتِ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ قَبْلَ الْعِلْمِ كَالْوِكَالَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ فِيمَا سَبَقَ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ الْمُضَارِبِ حَتَّى يَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ. وَمِنْهَا الْوَدِيعَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ خِلَافِهِ أَنَّ لِلْمُودَعِ فَسْخَهَا بِالْقَوْلِ فِي غَيْبَةِ الْمُودِعِ وَتَنْفَسِخُ قَبْلَ عِلْمِ الْمُودِعِ بِالْفَسْخِ وَتَبْقَى فِي يَدِهِ أَمَانَةً كَمَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى بَيْتِهِ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْوِكَالَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ بِالْقَوْلِ وَإِنَّمَا تَنْفَسِخُ بِالرَّدِّ إلَى صَاحِبِهَا أَوْ بِأَنْ يَتَعَدَّى الْمُودَعُ فِيهَا فَلَوْ قَالَ الْمُودَعُ بِمَحْضَرٍ مِنْ رَبِّ الْوَدِيعَةِ أَوْ فِي غَيْبَتِهِ فَسَخْت الْوَدِيعَةَ أَوْ أَزَلْت نَفْسَهَا عَنْهَا لَمْ تَنْفَسِخْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى صَاحِبِهَا وَلَمْ يَضْمَنْهَا. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْرِيقًا بَيْنَ فَسْخِ الْمُودِعِ وَالْمُودَعِ أَوْ يَكُونَ اخْتِلَافًا مِنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِأَنَّ فَسْخَ الْمُودِعِ إخْرَاجٌ لِلْمُودَعِ عَنْ الِاسْتِحْفَاظِ وَهُوَ يَمْلِكُهُ وَأَمَّا الْمُودَعُ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا تَصَرُّفٌ سِوَى الْإِمْسَاكِ وَالْحِفْظِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْفَعَهُ مَعَ وُجُودِهِ وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ حِلِّهِ لَا يُعْتَبَرُ عِلْمُهُ بِهِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ) : وَهِيَ أَنَّ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لِفَسْخِ عَقْدٍ أَوْ حِلِّهِ لَا يُعْتَبَرُ عِلْمُهُ بِهِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا الطَّلَاقُ وَمِنْهَا الْخُلْعُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ قِيلَ هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ وَلَنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ إذَا قُلْنَا إنَّهُ فَسْخٌ كَالْإِقَالَةِ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ لِأَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ اللَّازِمِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَسْتَقِلُّ بِإِزَالَتِهِ بِالطَّلَاقِ. وَمِنْهَا الْعِتْقُ وَلَوْ كَانَ عَلَى مَالٍ نَحْوَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ وَمِنْهَا فَسْخُ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، وَمِنْهَا فَسْخُ الْبَيْعِ الْمَعِيبِ وَالْمُدَلَّسِ وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ، وَمِنْهَا فَسْخُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ بِدُونِ عِلْمِ الْآخَرِ

стр. 114

وَقَدْ سَبَقَتْ وَمِنْهَا الْفَسْخُ بِالْخِيَارِ يَمْلِكُهُ مَنْ يَمْلِكُ الْخِيَارَ بِغَيْرِ عِلْمِ الْآخَرِ عِنْدَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ إلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ فِي الْمُدَّةِ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ يَتَصَرَّفُ بِالْفَسْخِ لِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ الْفُسُوخُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ثُبُوتِ أَصْلِ الْفَسْخِ بِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْفَسْخُ بِهِ عَلَى حَاكِمٍ كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي: مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَالْفَسْخِ بِالْعُنَّةِ وَالْعُيُوبِ فِي الزَّوْجِ وَغَيْبَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهَا أُمُورٌ اجْتِهَادِيَّةٌ فَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ ضَعِيفًا يَسُوغُ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهِ لَمْ يَفْتَقِرْ الْفَسْخُ بِهِ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَخْذُ بَائِعِ الْمُفْلِسِ سِلْعَتَهُ إذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا وَفِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِخِلَافِهِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَزَوُّجُ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ فَإِنَّ فِي تَوَقُّفِ فَسْخِ نِكَاحِهَا عَلَى الْحَاكِمِ رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ تَتَزَوَّجُ وَإِنْ لَمْ تَأْتِ السُّلْطَانَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَأْتِيَهُ وَلَعَلَّهُ رَأَى الْحُكْمَ بِخِلَافِهِ لَا يَسُوغُ لِأَنَّهُ إجْمَاعُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ، وَرَجَّحَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ جَمِيعَ الْفُسُوخِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى حَاكِمٍ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالسِّتُّونَ مَنْ تَوَقَّفَ نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ أَوْ سُقُوطُ الضَّمَانِ أَوْ الْحِنْثِ عَنْهُ عَلَى الْإِذْنِ فَتَصَرَّفَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالسِّتُّونَ) : مَنْ تَوَقَّفَ نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ أَوْ سُقُوطُ الضَّمَانِ أَوْ الْحِنْثِ عَنْهُ عَلَى الْإِذْنِ فَتَصَرَّفَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِذْنَ كَانَ مَوْجُودًا هَلْ يَكُونُ كَتَصَرُّفِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَوْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِمَا صُوَرٌ: مِنْهَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِإِذْنِهِ فَخَرَجَتْ فَهَلْ تَطْلُقُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ،: وَأَشْهَرُهُمَا - هُوَ الْمَنْصُوصُ - أَنَّهَا تَطْلُقُ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ خُرُوجُهَا عَلَى وَجْهِ الْمُشَاقَّةِ وَالْمُخَالَفَةِ فَإِنَّهَا أَقْدَمَتْ عَلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْإِذْنَ هُنَا إبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا بِدُونِ عِلْمِهَا كَإِبَاحَةِ الشَّرْعِ، وَلِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ طَرِيقَةٌ ثَانِيَةٌ وَهِيَ أَنَّ دَعْوَاهُ الْإِذْنَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الظَّاهِرِ فَلَوْ أَشْهَدَ عَلَى الْإِذْنِ لَنَفَعَهُ ذَلِكَ وَلَمْ تَطْلُقْ وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَمِنْهَا لَوْ أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي التَّصَرُّفِ فَتَصَرَّفَ بَعْدَ الْإِذْنِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ فَهَلْ يَنْفُذُ أَمْ لَا؟ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي التَّوْكِيلِ وَأَوْلَى وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ. وَمِنْهَا لَوْ غَصَبَ طَعَامًا مِنْ إنْسَانٍ ثُمَّ أَبَاحَهُ لَهُ الْمَالِكُ ثُمَّ أَكَلَهُ الْغَاصِبُ غَيْرَ عَالَمٍ بِالْإِذْنِ

стр. 115

ضَمِنَ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ فِيمَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً فَتَبَيَّنَتْ زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَلَا عِبْرَةَ بِاسْتِصْحَابِ أَصْلِ الضَّمَانِ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ يَظُنُّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ غَرَبَتْ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالسِّتُّونَ مَنْ تَصَرَّفَ فِي شَيْء يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهُ] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالسِّتُّونَ) : وَهِيَ مَنْ تَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهُ، وَفِيهَا خِلَافٌ أَيْضًا وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهَا صُوَرٌ: مِنْهَا لَوْ بَاعَ مِلْكَ أَبِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ قَدْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ وَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ وَيُقَالُ رِوَايَتَانِ. وَمِنْهَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً فَتَبَيَّنَتْ زَوْجَتَهُ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ رِوَايَتَانِ، وَبَنَاهُمَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى أَنَّ الصَّرِيحَ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أَمْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي إنَّمَا هَذَا الْخِلَافُ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ بِأَهْلِيَّةِ الْمَحَلِّ وَلَا يَطَّرِدُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَمِنْهَا لَوْ لَقِيَ امْرَأَةً فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ تَنَحِّي يَا حُرَّةُ فَإِذَا هِيَ أَمَتُهُ وَفِيهَا الْخِلَافُ أَيْضًا، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالُ التَّفْرِيقِ لِأَنَّ هَذَا يُقَالُ كَثِيرًا فِي الطَّرِيقِ وَلَا يُرَادُ بِهِ الْعِتْقُ. وَهَذَا مَعَ إطْلَاقِ الْقَصْدِ فَأَمَّا إنْ قَصَدَ بِهِ الْمَدْحَ بِالْعِفَّةِ وَنَحْوِهَا فَلَيْسَتْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ بِشَيْءٍ وَيَتَنَزَّلُ الْخِلَافُ فِي هَذَا عَلَى [أَنَّ] الرِّضَا بِغَيْرِ الْمَعْلُومِ هَلْ هُوَ رِضًى مُعْتَبَرٌ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ اعْتِبَارُهُ. وَمِنْهَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ [عَلَيْهِ] ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَفِيهَا الْوَجْهَانِ وَمِنْهَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ وَسِرَايَتِهِ ثُمَّ سَرَى إلَى نَفْسِهِ فَهَلْ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّين فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ هَلْ يَجِبُ لِلْمَيِّتِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ كَالدِّيَةِ، وَجَزَمَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ هَهُنَا. وَمِنْهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ قَبْلَ الزَّمَانِ الْمُعْتَبَرِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَيْتًا قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ تَنْقَضِي فِيهَا الْعِدَّةُ أَوْ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي عَدَمَ الصِّحَّةِ هُنَا لِفَقْدِ شَرْطِ النِّكَاحِ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْمُرْتَابَةُ قَبْلَ زَوَالِ الرِّيبَةِ. وَمِنْهَا لَوْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ يَظُنُّ أَنَّهُ لِلْآمِرِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَفِي التَّلْخِيصِ يَحْتَمِلُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَنْ

стр. 116

أَعْتَقَ عَبْدًا فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَبْدُهُ لَكِنْ يَرْجِعُ هُنَا عَلَى الْآمِرِ بِالْقِيمَةِ لِتَغْرِيرِهِ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْفُذَ لِتَغْرِيرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَغْرُرْهُ أَحَدٌ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ إذْ الْمُخَاطَبَةُ بِالْعِتْقِ لِعَبْدِ غَيْرِهِ شَبِيهٌ بِعِتْقِ الْهَازِلِ وَالْمُتَلَاعِبِ فَيَنْفُذُ، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَنَظِيرُ هَذِهِ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يُوَكِّلَهُ شَخْصٌ فِي تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ وَيُشِيرُ إلَى امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَيُطَلِّقُهَا ظَانًّا أَنَّهَا امْرَأَةُ الْمُوَكِّلِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ. وَقَدْ تُخَرَّجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ مَا إذَا نَادَى امْرَأَةً فَأَجَابَتْهُ امْرَأَتُهُ الْأُخْرَى فَطَلَّقَهَا يَنْوِي الْمُنَادَاةَ فَإِنَّهُ تَطْلُقُ الْمُنَادَاةُ وَحْدَهَا وَلَا تَطْلُقُ الْمُوَاجِهَةُ فِي الْبَاطِنِ وَفِي الظَّاهِرِ رِوَايَتَانِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَطْلُقُ الْمُوَكَّلُ فِي طَلَاقِهَا هُنَا وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الطَّلَاقَ هُنَا انْصَرَفَ إلَى جِهَةٍ مَقْصُودَةٍ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى صَرْفِهِ إلَى غَيْرِ الْمَقْصُودِ وَإِنْ كَانَتْ مُوَاجِهَةً بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ جِهَةٌ سِوَى الْمُوَاجِهَةِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَصِيرُ يَصْرِفُهُ عَنْهَا هَزْلًا وَلَعِبًا وَلَا هَزْلَ فِي الطَّلَاقِ. وَمِنْهَا لَوْ اشْتَرَى آبِقًا يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ فَبَانَ بِخِلَافِهِ فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ لِاعْتِقَادِهِ فَقْدَ شَرْطِ الصِّحَّةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْبَاطِنِ وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالٌ ثَالِثٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ بَاطِلًا وَقَدْ تَبَيَّنَ وُجُودُ شَرْطِ صِحَّتِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ الْتِفَاتًا إلَى مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْهَازِلِ وَالْمَشْهُورُ بُطْلَانُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّاب فِي انْتِصَارِهِ هُوَ صَحِيحٌ وَهَذَا يُرَجِّحُ وَجْهَ بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَبْدُوءِ بِهَا. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ تَصَرَّفَ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهِ وَأَنَّ السَّبَبَ الْمُعْتَمَدَ غَيْرُهُ وَهُوَ مَوْجُودٌ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ) وَلَوْ تَصَرَّفَ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهِ وَأَنَّ السَّبَبَ الْمُعْتَمَدَ غَيْرُهُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِنَادُ إلَى مَا ظَنَّهُ صَحِيحًا أَيْضًا فَالتَّصَرُّفُ صَحِيحٌ مِثْلُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى الْقِبْلَةِ بِنَجْمٍ يَظُنُّهُ الْجَدْيَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجْمٌ آخَرُ مُسَامِتُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَا ظَنَّهُ مُسْتَنِدًا [اسْتِنَادًا] صَحِيحًا مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا وَيَتَصَرَّفَ فِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ فَاسِدًا وَأَنَّهُ وَرِثَ تِلْكَ الْعَيْنَ فَإِنْ قُلْنَا فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى بِالصِّحَّةِ فَهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا ثُمَّ بِالْبُطْلَانِ فَيَحْتَمِلُ هُنَا الصِّحَّةَ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى سَبَبٍ مُسَوِّغٍ وَكَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَهُ مُسَوِّغٌ غَيْرُهُ فَاسْتَنَدَ التَّصَرُّفُ إلَى مُسَوِّغٍ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ [﵀] . وَالْمَذْهَبُ هُنَا الصِّحَّةُ بِلَا رَيْبٍ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا وَهَبَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْ

стр. 117

مَالِكِهِ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ هَلْ يَبْرَأُ بِهِ أَمْ لَا؟ وَحَكَى فِيهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَتَيْنِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ يَحْمِلُ مِنَّتَهُ وَرُبَمَا كَافَأَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّهُ يَبْرَأُ لِأَنَّ الْمَالِكَ تَسَلَّمَهُ تَسْلِيمًا تَامًّا وَعَادَتْ سَلْطَنَتُهُ إلَيْهِ فَبَرِئَ [الْغَاصِبُ] بِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّمَهُ إلَيْهِ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ أَبَاحَهُ إيَّاهُ وَلَمْ يُمَلِّكْهُ [إيَّاهُ] فَلَمْ يَعُدْ إلَى سَلْطَنَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمَالِكِ تَعُودُ إلَيْهِ بِعَوْدِ مِلْكِهِ عَلَى طَرِيقِ الْهِبَةِ مِنْ الْغَاصِبِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْحَالِ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْحَقُّ بِهِبَةٍ أَوْ إبْرَاءٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ) : مَنْ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْحَقُّ بِهِبَةٍ أَوْ إبْرَاءٍ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِبَدَلِهِ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ وَلَهَا صُوَرٌ: مِنْهَا بَاعَ عَيْنًا ثُمَّ وَهَبَ ثَمَنَهَا لِلْمُشْتَرِي أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ ثُمَّ بَانَ بِهَا عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ فَهَلْ لَهُ رَدُّهَا وَالْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ فَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقَدْرِ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّهُ إذَا رَدَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَيَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ فَيَرْجِعُ بِالْهِبَةِ دُونَ الْإِبْرَاءِ وَسَنَذْكُرُ أَصْلَهُ وَلَوْ ظَهَرَ هَذَا الْمَبِيعُ [مَعِيبًا] بَعْدَ أَنْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ فَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا يُخَرِّجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي رَدِّهِ وَالْأُخْرَى يَمْنَعُ الْمُطَالَبَةَ هُنَا وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْهُ تَبَرُّعًا فَلَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ لِئَلَّا تَجْتَمِعَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ وَبَعْضِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ لَهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا لَوْ تَقَايَلَا فِي الْعَيْنِ بَعْدَ هِبَةِ ثَمَنِهَا أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ. وَمِنْهَا لَوْ أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ عَيْنًا فَوَهَبَتْهَا مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَدَلِ نِصْفِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا يَرْجِعُ فَهَلْ يَرْجِعُ إذَا كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا يَرْجِعُ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ. وَمِنْهَا لَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ وَعَتَقَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمَكَاتِبُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيتَاءِ الْوَاجِبِ أَمْ لَا؟ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَهَا عَلَى الْخِلَافِ وَضَعَّفَ صَاحِبُ الْمُغْنِي ذَلِكَ لِأَنَّ إسْقَاطَهُ عَنْهُ يَقُومُ مَقَامَ إيتَائِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ إيتَاؤُهُ وَاسْتَوْفَى الْبَاقِيَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ شَيْئًا، وَأَيْضًا فَالسَّيِّدُ أَسْقَطَ عَنْ الْمُكَاتَبِ مَا وُجِدَ سَبَبُ إيتَائِهِ إيَّاهُ فَقَامَ مَقَامَ الْإِيتَاءِ بِخِلَافِ إسْقَاطِ الْمَرْأَةِ الصَّدَاقَ قَبْلَ الطَّلَاقِ.

стр. 118

وَمِنْهَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمَالٍ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو ثُمَّ رَجَعَا وَقَدْ قَبَضَهُ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو ثُمَّ وَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمَا الضَّمَانُ، وَلَوْ كَانَ دَيْنًا فَأَبْرَأَهُ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسَائِلِ الْأُولَى لِأَنَّ الضَّمَانَ لَزِمَهُمَا بِوُجُوبِ التَّغْرِيمِ وَعَوْدِ الْعَيْنِ إلَى الْغَارِمِ مِنْ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِبَةٍ لَا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ كَمَا لَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الرَّدِّ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِتَحَمُّلِ مِنَّتِهِ نَعَمْ يَتَخَرَّجُ الْقَوْلُ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ هُنَا إذَا قُلْنَا بِبَرَاءَةِ الْغَاصِبِ بِإِعَادَةِ الْمَالِ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ هِبَةً لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِأَنَّهُ قَبَضَهُ عُدْوَانًا ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ هِبَةً، وَأَمَّا إذَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى شَهَادَتِهِمَا غُرْمٌ فَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُمَا الضَّمَانُ. وَمِنْهَا لَوْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ ثُمَّ وَهَبَهُ الْغَرِيمُ مَا قَضَاهُ بَعْدَ قَبْضِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ. وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ بِنَقِيضِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِمَا قَضَى وَجَعَلُوهُ كَالْمُقْرِضِ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِمَا غَرِمَ لَكِنَّ هَذَا فِي الْإِبْرَاءِ وَالْمُسَامَحَةِ ظَاهِرٌ فَأَمَّا إنْ قَضَى الدَّيْنَ لِكَمَالِهِ ثُمَّ وَهَبَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ فَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالسِّتُّونَ إيقاع الْعِبَادَاتِ أَوْ الْعُقُودِ أَوْ غَيْرِهِمَا مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِ صِحَّتِهَا] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالسِّتُّونَ) : إيقَاعُ الْعِبَادَاتِ أَوْ الْعُقُودِ أَوْ غَيْرِهِمَا مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِ صِحَّتِهَا هَلْ يَجْعَلُهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ الشَّرْطِ أَمْ لَا؟ هِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ الْجَازِمَةُ فَلَا يَصِحُّ إيقَاعُهُ بِهَذَا التَّرَدُّدِ مَا لَمْ يَكُنْ الشَّكُّ غَلَبَةَ ظَنٍّ تَكْفِي مِثْلَهُ فِي إيقَاعِ الْعِبَادَةِ أَوْ الْعَقْدِ كَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَطَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ إذَا صَلَّى يَظُنُّ نَفْسَهُ مُحْدِثًا فَتَبَيَّنَ مُتَطَهِّرًا. وَمِنْهَا لَوْ شَكَّ هَلْ ابْتَدَأَ [مُدَّةَ] مَسْحِ الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ أَوْ الْحَضَرِ فَمَسَحَ يَوْمًا آخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَضَرِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ابْتَدَأَهَا فِي السَّفَرِ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ وَهَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ كَمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ يَنْوِي رَفْعَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ مُحْدِثًا. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ إبَاحَتُهَا فَلَمْ يَصِحَّ كَمَنْ قَصَرَ وَهُوَ يَشُكُّ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ. وَمِنْهَا [لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ مُشْتَبَهٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ فِي الْمَشْهُورِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ يَصِحُّ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْجَزْمَ بِصِحَّةِ الْوُضُوءِ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا سَبَقَ] . وَمِنْهَا لَوْ تَوَضَّأَ شَاكًّا فِي الْحَدَثِ أَوْ صَلَّى مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَنَوَى الْفَرْضَ إنْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ الْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ وَإِلَّا

стр. 119

فَالتَّجْدِيدُ أَوْ النَّفَلُ، فَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُهُ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ، فَإِذَا نَوَاهُ لَمْ يَضُرَّهُ. وَمِنْهَا لَوْ كَانَ لَهُ مَال حَاضِرٌ وَغَائِبٌ فَأَدَّى زَكَاةً وَنَوَى أَنَّهَا عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ فَبَانَ سَالِمًا أَجْزَأَهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ عَنْ الْفَرْضِ. وَيَتَخَرَّجُ مِنْهُ وَجْهٌ فِي الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَأَوْلَى لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ مُسْتَصْحَبٍ وَلَكِنَّهُ بَنَى عَلَى غَلَبَةِ ظَنٍّ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَهُوَ يَكْفِي فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا إذَا نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضٌ وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ. فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ وَافَقَ؟ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ هَلْ تُشْتَرَطُ لِرَمَضَانَ فَإِنْ قُلْنَا تُشْتَرَطُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالتَّعْيِينِ وَلَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ مُسْتَصْحَبٍ يَجُوزُ الصِّيَامُ فِيهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْهُ وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ فَإِنَّهُ يَصِحُّ صِيَامُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ بُنِيَ عَلَى أَصْلٍ لَمْ يَثْبُتْ زَوَالُهُ وَلَا يَقْدَحُ تَرَدُّدَهُ لِأَنَّهُ حُكْمُ صَوْمِهِ مَعَ الْجَزْمِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لَا يُجْزِئُهُ لِلتَّرَدُّدِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ النِّيَّةُ الْمُتَرَدِّدَةُ مَعَ الْغَيْمِ دُونَ الصَّحْوِ لِأَنَّ الصَّوْمَ مَعَ الْغَيْمِ لَا يَخْلُو مِنْ تَرَدُّدٍ يُنَافِي الْجَزْمَ فَإِذَا تَرَدَّدَتْ النِّيَّةُ فَقَدْ نَوَى حُكْمَ الصَّوْمِ فَلَا يَضُرُّهُ بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّحْوِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى التَّرَدُّدِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ جَازِمَةٍ فَالصَّحِيحُ فِيهِ الصِّحَّةُ وَقَدْ سَبَقَ مِنْ أَمْثِلَتِهِ إذَا نُكِحَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ قَبْلَ أَنْ يَجُوزَ لَهَا النِّكَاحُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ. وَمِنْهَا لَوْ كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ دَنَانِيرُ وَدِيعَةً فَصَارَفَهُ عَلَيْهَا وَهُوَ يَجْهَلُ بَقَاءَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَالِفَةً فَتَكُونُ مُصَارَفَةً عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الذِّمَّةِ وَلَا حَاضِرَةً فَتَكُونُ مُصَارَفَةً عَلَى عَيْنٍ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ الْأَصَحَّ بَقَاؤُهَا فَصَارَ كَبَيْعِ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ بِالصِّفَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ احْتِمَالِ تَلَفِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً تَقَابَضَا وَصَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْعَقْدِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ تَلَفًا مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ فَيَنْبَنِي عَلَى تَعْيِينِ النُّقُودِ بِالتَّعْيِينِ فَإِنْ قُلْنَا يَتَعَيَّنُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ وَإِلَّا صَحَّ وَقَامَتْ الدَّنَانِيرُ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ مَقَامَ الْوَدِيعَةِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ لِلصَّرْفِ التَّعْيِينُ فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ. وَمِنْهَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ فَاشْتَرَاهَا لَهُ ثُمَّ جَحَدَ الْمُوَكِّلُ الْوِكَالَةَ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِالْمِلْكِ ثُمَّ قَالَ لَهُ إنْ كُنْتُ أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا فَقَدْ بِعْتُكَهَا فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ عَلَى

стр. 120

وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي احْتِمَالًا لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ وَاقِعٍ يَعْلَمَانِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ ذِكْرُهُ فِي الْعَقْدِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ إنْ كَانَتْ جَارِيَةً وَيَشْهَدُ لَهُ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا فَإِنَّ هَذَا مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْعَقْدِ فَلَا يَضُرُّ تَعْلِيقُ الْبَيْعِ [عَلَيْهِ] . وَمِنْهَا الرَّجْعَةُ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ شُكَّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا هِيَ رَجْعَةٌ صَحِيحَةٌ رَافِعَةٌ لِلشَّكِّ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا شَرِيكٌ بِأَنَّهُ يُطَلِّقُ ثُمَّ يُرَاجِعُ وَمَأْخَذُهُ أَنَّ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ يُصَيِّرُهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى شَرْطٍ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا فَلَا يَصِحُّ تَمْثِيلُ قَوْلِهِ بِمَنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فَأَمَرَ بِتَنْجِيسِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَكَذَلِكَ لَمْ يُصِبْ مَنْ أَدْخَلَ قَوْلَهُ فِي أَخْبَارِ الْمُغَفَّلِينَ فَإِنَّ مَأْخَذَهُ فِي ذَلِكَ خَفِيٌّ عَنْهُ فَأَمَّا الرَّجْعَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي حُصُولِ الْإِبَاحَةِ بِهَا كَمَنْ طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ فَيَصِحُّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا هَهُنَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَقَدْ شَكَّ فِي انْقِطَاعِهِ [وَالرَّجْعَةُ اسْتِيفَاءٌ لَهُ فَصَحَّ مَعَ الشَّكِّ فِي انْقِطَاعِهِ] وَعِنْدَ الْخِرَقِيِّ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ سَبَبَ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَصَلَ التَّحْرِيمُ بِدُونِ زَوْجٍ وَأَصَابَهُ وَإِنْ كَانَ وَاحِدَةً فَقَدْ حَصَلَ بِهِ التَّحْرِيمُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِدُونِ عَقْدٍ جَدِيدٍ فَالرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ لَا يَحْصُلُ بِهَا الْحِلُّ إلَّا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقَطْ فَلَا يَزُولُ الشَّكُّ مُطْلَقًا فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ تَيَقُّنَ سَبَبِ وُجُودِ التَّحْرِيمِ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْحُكْمِ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمَانِعِ فَيُسْتَصْحَبُ حُكْمُ [وُجُودِ] السَّبَبِ كَمَا يُعْمَلُ بِالْحُكْمِ وَيُلْغَى الْمَانِعُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ كَمَا يُلْغَى مَعَ تَيَقُّنِ وُجُودِ حُكْمِهِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ فِي تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ تَيَقَّنَ التَّحْرِيمَ وَشَكَّ فِي التَّحْلِيلِ فَظَنُّوا أَنَّهُ يَقُولُ بِتَحْرِيمِ الرَّجْعَةِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا بِمَا يَرَى أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِهِ أَثِمَ وَعَصَى بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِنَصٍّ صَرِيحٍ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَقَالَ السَّامِرِيُّ بَلْ يُنْقَضُ حُكْمُهُ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحُكْمِ مُوَافَقَةُ الِاعْتِقَادِ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ بِجَهْلٍ لَنُقِضَ حُكْمُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ مَا حَكَمَ بِهِ فَإِذَا اعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ فَهُوَ بِالرَّدِّ أَوْلَى وَلِلْأَصْحَابِ وَجْهَانِ فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْجَاهِلِ وَالْفَاسِقِ أَحَدُهُمَا تُنْقَضُ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ لِفَقْدِ أَهْلِيَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: تُنْقَضُ كُلُّهَا إلَّا مَا وَافَقَ الْحَقَّ الْمَنْصُوصُ وَالْمُجْمَعَ عَلَيْهِ وَيُنْقَضُ مَا وَافَقَ الِاجْتِهَادَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَيُشْبِهُ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْوَصِيِّ الْفَاسِقُ إذَا قَسَّمَ الْوَصِيَّةَ فَإِنْ أَعْطَى الْحُقُوقَ لِمُسْتَحِقٍّ مُعَيَّنٍ يَصِحُّ قَبْضُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ يَجِبُ إيصَالُهُ إلَيْهِ وَقَدْ حَصَلَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَوَجْهَانِ.

стр. 121

وَمِنْهَا الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنْ اُتُّهِمَ بِالرِّدَّةِ إذَا أَنْكَرَ وَأَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ وَإِنْ حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي مُسْتَنَدِهِ هَلْ هُوَ الْإِسْلَامُ الْمُسْتَمِرُّ عَلَى مَا يَدَّعِيه أَوْ الْإِسْلَامُ الْمُتَجَدِّدُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا اُتُّهِمَ بِهِ؟ وَقَدْ قَالَ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ؟ فَقَالَ مَا كَفَرْتُ فَإِنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ. قَالَ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ قَالَ وَلَا حَاجَةَ فِي ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ ارْتَدَّ فَشَهِدَ قَوْمٌ عُدُولٌ أَنَّهُ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ وَقَالَ هُوَ لَمْ أَفْعَلْ أَنَا مُسْلِمٌ قَالَ أَقْبَلُ قَوْلَهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ وَذَكَرَ كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّ إنْكَارَهُ أَقْوَى مِنْ الشُّهُودِ وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ فِي رَجُلٍ تَنَصَّرَ فَأُخِذَ فَقَالَ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ يُقْبَلُ مِنْهُ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ فَيُقْبَلَ مِنْهُ فَإِذَا أَنْكَرَ بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ثَبَتَ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ وَلَا فِيهَا أَنَّهُ وَجَدَ مِنْهُ غَيْرَ إنْكَارِ الرِّدَّةِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فَفِيهَا أَنَّهُ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ الْإِسْلَامُ كَالشَّهَادَتَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إنْكَارَهُ يَكْفِي فِي الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ بِالْبَيِّنَةِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا. وَأَمَّا إنْ ثَبَتَ كُفْرُهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَفِي الْمُغْنِي يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ إنْكَارُهُ وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّ الْحَدَّ هُنَا وَجَبَ بِقَوْلِهِ فَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالسِّتُّونَ الْعَقْدُ الْوَارِدُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالسِّتُّونَ) : الْعَقْدُ الْوَارِدُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ بِعِوَضٍ كَالْإِجَارَةِ فَالْوَاجِبُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَعْقُودُ مَعَهُ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ لَازِمٍ وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَعْقُودِ مَعَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ فِي عَمَلِهِ إلَّا بِإِذْنٍ صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ وَيَتَرَدَّدُ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ كَانَ تَصَرَّفَ بِوِلَايَةٍ إمَّا ثَابِتَةٍ بِالشَّرْعِ كَوَلِيِّ النِّكَاحِ أَوْ بِالْعَقْدِ كَالْحَاكِمِ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْعَمَل لِأَنَّهُ ضَمِنَ تَحْصِيلَهُ لَا عَمَلَهُ بِنَفْسِهِ وَاسْتَثْنَى الْأَصْحَابُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مُتَفَاوِتًا كَالْفَسْخِ فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ بِدُونِ إذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ صَرِيحًا وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الْقَاضِي عَلَى ظَهْرِ جُزْءٍ مِنْ خِلَافِهِ قَالَ نَقَلْتُ مِنْ مَسَائِلِ ابْنِ أَبِي حَرْبٍ الْجُرْجَانِيِّ سَمِعَتْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ قَالَ دَفَعْت ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ فَقَطَّعَهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى آخَرَ لِيَخِيطَهُ قَالَ هُوَ

стр. 122

ضَامِنٌ وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَا [إذَا] دَلَّتْ الْحَالُ عَلَى وُقُوعِ الْعَقْدِ فِيهِ عَلَى خِيَاطَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لِجَوْدَةِ صِنَاعَتِهِ وَحِذْقِهِ وَشُهْرَتِهِ بِذَلِكَ وَلَا يَرْضَى الْمُسْتَأْجِرُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ بِدُونِ الْقَرِينَةِ وَعَلَيْهِ بَنَى الْأَصْحَابُ صِحَّةَ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ حَتَّى أَجَازُوهَا مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِعَمَلٍ وَهُوَ لَا يُحْسِنُهُ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى ضَمَانِ تَسْلِيمِ الْعَمَلِ وَتَحْصِيلِهِ لَا عَلَى الْمُبَاشَرَةِ. وَمِنْهَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَمَلًا مَعْلُومًا مُقَدَّرًا بِالزَّمَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَقُلْنَا يَصِحُّ ذَلِكَ فَهُوَ كَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ بِالْإِذْنِ الْمُجَرَّدِ فَلَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا الْوَكِيلُ وَفِي جَوَازِ تَوْكِيلِهِ بِدُونِ إذْنٍ رِوَايَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ إلَّا فِيمَا اقْتَضَتْهُ دَلَالَةُ الْحَالِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ لَا يُبَاشِرُهُ مِثْلُهُ أَوْ يَعْجَزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ لَكِنْ هَلْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ خَاصَّةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَالثَّانِي: قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ. وَمِنْهَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِيهِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكَافِي لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ التَّصَرُّفَ بِالْإِذْنِ [فَهُوَ] كَالْوَكِيلِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ بِدُونِ إذْنٍ أَوْ عُرْفٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ لِقُصُورِ الْعَبْدِ فِي أَمْلَاكِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِدُونِ إذْنٍ أَوْ قَرِينَةٍ. وَمِنْهَا الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ وَهُوَ كَالْوَكِيلِ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي. وَمِنْهَا الشَّرِيكُ وَالْمُضَارِبُ وَفِيهِمَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الْوَكِيلِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ. وَالثَّانِيَة: يَجُوزُ لَهُمَا التَّوْكِيلُ بِدُونِ إذْنٍ وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَكَذَلِكَ رَجَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ لِعُمُومِ تَصَرُّفِهِمَا وَكَثْرَتِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ غَالِبًا وَهَذِهِ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَكَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ يُشْعِرُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ فَيَجُوزُ لِلشَّرِيكِ التَّوْكِيلُ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّ الشَّرِيكَ اسْتَفَادَ بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ مَا هُوَ دُونَهُ وَهُوَ الْوَكَالَةُ لِأَنَّهَا أَخَصُّ وَالشَّرِكَةُ أَعَمُّ فَكَانَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْأَخَصِّ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ اسْتَفَادَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ مِثْلَ الْعَقْدِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إلْحَاقِ الْمُضَارِبِ بِالْوَكِيلِ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي تَوْكِيلِهِمَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَأَمَّا دَفْعُ الْمُضَارِبِ الْمَالَ مُضَارَبَةً إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ بِدُونِ إذْنٍ صَرِيحٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ إنَّمَا ائْتَمَنَهُ عَلَى الْمَالِ فَكَيْفَ يُسَلِّمُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَحَكَى فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى بِالْجَوَازِ وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ بِالْوِلَايَةِ فَمِنْهُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي

стр. 123

وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْإِذْنِ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْوِلَايَةِ وَلَيْسَ وَكِيلًا مَحْضًا فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ وَلِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ عَدَالَتَهُ وَأَمَانَتَهُ وَهَذَا شَأْنُ الْوِلَايَاتِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِئْذَانُ أَوْ تَطُولُ مُدَّتُهُ وَيَكْثُرُ تَصَرُّفُهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ هَذَا فِي تَوْكِيلِهِ فَأَمَّا فِي وَصِيَّتِهِ إلَى غَيْرِهِ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَاخْتَارَ الْمَنْعَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي. وَمِنْهَا الْحَاكِمُ هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ وَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: طَرِيقُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالْخِلَافِ أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ طَرِيقُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ أَنَّ لَهُ الِاسْتِحْلَافَ قَوْلًا وَاحِدًا وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ بِنَائِبٍ لِلْإِمَامِ بَلْ هُوَ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَا عَمَّنْ وَلَّاهُ وَلِهَذَا لَا يُعْزَلُ بِمَوْتِهِ وَلَا بِعَزْلِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي وِلَايَتِهِ حُكْمَ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَضِيقُ عَلَيْهِ تَوَلِّي جَمِيعَ الْأَحْكَامِ بِنَفْسِهِ وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحِ النَّاسِ الْعَامَّةِ فَأَشْبَهَ مَنْ وَكَّلَ فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ مُبَاشَرَتَهُ عَادَةً لِكَثْرَتِهِ وَمِنْهُ وَلِيُّ النِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ مُجْبَرًا فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِ تَوْكِيلِهِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَرْأَةِ وَلِذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ مَعَهُ إذْنُهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُجْبَرٍ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ. وَالثَّانِي: [أَنَّهُ] يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ طَرِيقُ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَرْأَةِ فَلَا تَتَوَقَّفُ اسْتِنَابَتُهُ عَلَى إذْنِهَا كَالْمُجْبَرِ وَإِنَّمَا افْتَرَقَا عَلَى اعْتِبَارِ إذْنِهَا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَلَا أَثَرَ لَهُ هَهُنَا. [الْقَاعِدَةُ السَّبْعُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي إلَى مفعول أَوْ الْمُتَعَلِّقُ بِظَرْفٍ أَوْ مَجْرُورٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّبْعُونَ) : الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي إلَى مَفْعُولٍ أَوْ الْمُتَعَلِّقُ بِظَرْفٍ أَوْ مَجْرُورٍ إذَا كَانَ مَفْعُولُهُ أَوْ مُتَعَلِّقُهُ عَامًّا فَهَلْ يَدْخُلُ الْفَاعِلُ الْخَاصُّ فِي عُمُومِهِ أَمْ يَكُونُ ذِكْرُ الْفَاعِلِ قَرِينَةً مُخْرِجَةً لَهُ مِنْ الْعُمُومِ أَوْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْقَرَائِنِ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمُرَجَّحُ فِيهِ التَّخْصِيصُ إلَّا مَعَ التَّصْرِيحِ بِالدُّخُولِ أَوْ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَيْهِ. وَتَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ: مِنْهَا النَّهْيُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لَا يَشْمَلُ الْإِمَامَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ. وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ هَلْ يَشْمَلُ الْمُؤَذِّنَ نَفْسَهُ؟ الْمَنْصُوصُ هَاهُنَا الشُّمُولُ وَالْأَرْجَحُ عَدَمُهُ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ. وَمِنْهَا إذَا أَذِنَ [السَّيِّدُ] لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، وَلِلْمَنْعِ مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ

стр. 124

الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَمِنْهَا إذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَنْ يُعْتِقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ مِنْ رَقِيقِ السَّيِّدِ لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ وَخَرَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى وَجْهَيْنِ وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى طَرِيقَتِهِ وَطَرِيقَةِ ابْنِ حَامِدٍ وَالْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ تَكْفِيرَ الْعَبْدِ بِالْمَالِ لَا يَنْبَنِي عَلَى مِلْكِهِ بِالتَّمْلِيكِ بَلْ يُكَفِّرُ بِهِ إذْنَ السَّيِّدِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِلَّا فَلَوْ مَلَكَ نَفْسَهُ لَانْعَتَقَتْ عَلَيْهِ قَهْرًا وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ. وَمِنْهَا هَلْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُصَرِّفًا لِكَفَّارَةِ نَفْسِهِ؟ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ ثُمَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ السَّحَرِيِّ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهَا فِي الْجَمِيعِ وَجَعَلَ ذَلِكَ خُصُوصًا لِلْأَعْرَابِيِّ وَإِسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ لِعَجْزِهِ وَكَوْنِهَا لَا تَفْضُلُ عَنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ فَقِيلَ هُوَ إذَا كَفَّرَ الْغَيْرُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَيْهِ أَمْ لَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ مِنْ الْغَيْرِ عَنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ دُخُولَهَا فِي مِلْكِهِ قَبْلَ مِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْعِتْقِ وَقِيلَ بَلْ إذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِهَا لِفَقْرِهِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَهَا وَتَكُونُ كَفَّارَةً أَمْ لَا؟ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَمِنْهَا هَلْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُصَرِّفًا لِزَكَاتِهِ إذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْهُ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهَا إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي لِأَنَّ عَوْدَهَا إلَيْهِ هَهُنَا [بِسَبَبٍ] مُتَجَدِّدٍ فَهُوَ كَإِرْثِهِ لَهَا وَلَا نَقُولُ إنَّهُ قَبَضَهَا عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ بِقَبْضِ السَّاعِي وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّدَقَاتِ الْمُبَاحَةِ لَهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَذْهَبُ أَحْمَدَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا ذَكَرَهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِمَا قَدْ تَطَهَّرَ بِهِ وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي رَدِّ الْإِمَامِ خُمُسَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ عَلَى مَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ وَأَمَّا إسْقَاطُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الدَّيْنِ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ وَلَا الْخُمُسَ بَلْ يَجِبُ فِيهَا الْقَبْضُ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ فَيْءٌ فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ إسْقَاطُهُ مِمَّنْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ إذَا رَأَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ وَكَذَلِكَ خُمُسُ الرِّكَازِ إذَا قِيلَ هُوَ فَيْءٌ. وَمِنْهَا هَلْ يَكُونُ الْوَاقِفُ مُصَرِّفًا لِوَقْفِهِ كَمَا إذَا وَقَفَ [شَيْئًا] عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ افْتَقَرَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى

стр. 125

الْأَصَحِّ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ وَكَذَلِكَ لَوْ انْقَطَعَ مُصَرِّفُ الْوَقْفِ وَقُلْنَا يَرْجِعُ إلَى أَقَارِبِهِ وَقْفًا وَكَانَ الْوَاقِفُ حَيًّا هَلْ يَرْجِعُ إلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ الزاغوني فِي الْإِقْنَاعِ وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ بِدُخُولِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَنْسَابِهِمْ [لَهُمْ] أَبَدًا عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ رَجَعَ نَصِيبُهُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ فَتُوُفِّيَ أَحَدُ أَوْلَادِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَالْأَبُ الْوَاقِفُ حَيٌّ فَهَلْ يَعُودُ نَصِيبُهُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ النَّاسِ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ يُخَرَّجُ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَالْمَسْأَلَةُ مُلْتَفِتَةٌ إلَى دُخُولِ الْمُخَاطَبِ فِي خِطَابِهِ. وَمِنْهَا الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ هَلْ لَهُ الشِّرَاءُ مِنْ نَفْسِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ وَلِلْمَنْعِ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: التُّهْمَةُ وَخَشْيَةُ تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الثَّمَنِ. وَالثَّانِي: أَنَّ سِيَاقَ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ يَدُلُّ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُشْتَرِينَ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَائِعًا فَلَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا، وَهَذَانِ الْمَأْخَذَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ وَاحِدٌ بِنَفْسِهِ وَيَأْخُذُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ مِنْ الْأُخْرَى فَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ مِنْهُ جَازَ نَقَلَ ذَلِكَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فَعَلَى الْمَأْخَذِ الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِمُحَابَاةٍ أَيْضًا وَهُوَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ وَهُوَ وَلَدُهُ الصَّغِيرُ دُونَ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي. وَعَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْمَأْخَذِ الثَّالِثِ أَيْضًا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ لِانْدِفَاعِ مَحْذُورِ إيجَادِ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ، وَإِنْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ السِّلْعَةَ وَيَشْتَرِيهَا هُوَ فَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْ وَكِيلِهِ قَوْلًا وَاحِدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَكِيلَ الثَّانِي وَكِيلٌ لِلْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى السِّلْعَةَ مِنْ مَالِكِهَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ انْبَنَى عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِهِ بِدُونِ إذْنٍ فَإِنْ أَجَزْنَاهُ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الصِّحَّةِ أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِي وَكِيلٌ لِلْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ بِذَلِكَ فِي صُورَةِ الْإِذْنِ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّوْكِيلُ لِئَلَّا يَتَّحِدَ الْمُوجِبُ وَالْقَابِلُ مَعَ أَنَّ هَذَا مُنْتَقِصٌ بِالْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ الطِّفْلِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الْجَوَازِ فَاخْتُلِفَ فِي حِكَايَةِ شُرُوطِهَا عَلَى طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ الرَّغَبَاتُ فِي النِّدَاءِ، وَفِي اشْتِرَاطِ أَنْ يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غَيْرُهُ وَجْهَانِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُشْتَرَطَ التَّوْكِيلُ الْمُجَرَّدُ كَمَا هِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيِّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُشْتَرَطَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَبِيعُهُ عَلَى قَوْلِنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ وَإِمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَ الْوَكِيلُ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ فَهَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا يَجُوزُ، نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ فِي الْوَكِيلِ يَبِيعُ وَيَسْتَثْنِي

стр. 126

لِنَفْسِهِ الشَّرِكَةَ أَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَالثَّانِيَة: تُكْرَهُ نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ الثَّوْبُ يَبِيعُهُ فَإِذَا بَاعَهُ قَالَ أَشْرِكْنِي فِيهِ قَالَ أَكْرَهُ هَذَا فَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَحَكَى الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ بِالْمَنْعِ قَالَ وَهَلْ يَكُونُ حُضُورُ الْمُوَكِّلِ وَسُكُوتُهُ كَإِذْنِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَشْبَهُهُمَا بِكَلَامِ أَحْمَدَ الْمَنْعُ، وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخَفَّافُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ خَمْسُونَ دِينَارًا فَوَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ وَمَتَاعِهِ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَبَاعَهَا بِدَرَاهِمَ لِيُصَارِفَ نَفْسَهُ وَيَأْخُذُهَا بِالدَّنَانِيرِ لَمْ يَجُزْ وَلَكِنْ يَبِيعُهَا وَيَسْتَقْصِي وَيَأْخُذُ حَقَّهُ قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ لِأَنَّ التُّهْمَةَ مَوْجُودَةٌ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْمُصَارَفَةِ فَإِذَا بَاعَهَا بِجِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهَا بِالْإِذْنِ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ مُوَكِّلِهِ فَهُوَ يَقْبِضُ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ لَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي شِرَاءِ الْمُوَكِّلِ مِنْ نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ حَكَى فِي الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ وَجَعَلَهَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ رِوَايَةً يَجُوزُ أَنَّ تَوْكِيلَ الْوَكِيلِ فِي إيفَاءِ نَفْسِهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ خَاصَّةً وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْمَنْعِ مُدَّةَ الْبَيْعِ بِغَيْرِ جِنْسِ الْحَقِّ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ جِنْسُ الْحَقِّ غَيْرَ نَقْدِ الْبَلَدِ وَحَمَلَ قَوْلَ أَحْمَدَ بِبَيْعِهَا عَلَى الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ الثَّمَنُ وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى قَوْلِنَا بِمَنْعِ الْوَكِيلِ مِنْ الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا بِجَوَازِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ هَهُنَا مُصَارَفَةُ نَفْسِهِ. وَمِنْهَا شِرَاءُ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ مِنْ مَالِهِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ شِرَاءِ الْوَكِيلِ مِنْ مَالِ مُوَكِّلِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ هَانِئٍ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ بَعَثَ إلَيْهِ بِدَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ بِمَا عِنْدَهُ وَبَالَغَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ قَالَ مِمَّا لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِمَا عِنْدَهُ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهُ قَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ مِنْ الْمَتَاعِ الَّذِي عِنْدَهُ. وَمِنْهَا شِرَاءُ الْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ شِرَاءِ الْوَكِيلِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيهِ سِوَى الْمَنْعِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَيَتَوَجَّهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ وِلَايَتُهُ غَيْرُ مُسْتَنِدَةٍ إلَى إذْنٍ فَيَكُونُ عَامَّةً بِخِلَافِ مَنْ أُسْنِدَتْ وِلَايَتُهُ إلَى إذْنٍ مِنْ غَيْرِهِ فِي التَّصَرُّفِ فَإِنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ لَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَتَصَرَّفَ مَعَ غَيْرِهِ لَا مَعَ نَفْسِهِ كَمَا سَبَقَ وَقَدْ اعْتَمَدَ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفِ الْأَبِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهَا الْوَكِيلُ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِنَفْسِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ إنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِي التَّوْكِيلِ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ فَزَوَّجَهُ صَحَّ وَكَذَا إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَقُلْنَا لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ مُطْلَقًا فَأَمَّا مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِالشَّرْعِ كَالْوَلِيِّ وَالْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ

стр. 127

لَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ الْمَالِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمَالَ الْقَصْدُ مِنْهُ الرِّبْحُ وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ التُّهْمَةُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْكَفَاءَةُ وَحُسْنُ الْعِشْرَةِ فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ صَحَّ وَأُلْحِقَ أَيْضًا الْوَصِيُّ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يُشْبِهُ الْوَكِيلَ لِتَصَرُّفِهِ بِالْإِذْنِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْيَتِيمَةُ وَغَيْرُهَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لَهَا إذْنٌ مُعْتَبَرٌ وَمَتَى زَوَّجَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ نَفْسَهُ بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ بَلْ مُبَاشَرَةً لِطَرَفَيْ الْعَقْدِ فَفِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ وَكَّلَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ مَتَى قُلْنَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُ وَكِيلِهِ لَهُ لِأَنَّ وَكِيلَهُ قَامَ مَقَامَ نَفْسِهِ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْإِمَامَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ فَإِنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا بِوِلَايَةِ أَحَدِ نُوَّابِهِ لِأَنَّ نُوَّابَهُ نُوَّابٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا عَنْهُ فِيمَا يَخُصُّهُ. وَمِنْهَا إذَا عَمِلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ عَمَلًا يَمْلِكُ الِاسْتِئْجَارَ عَلَيْهِ وَدَفَعَ الْأُجْرَةَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: الْمُوصَى إلَيْهِ بِإِخْرَاجِ مَالِ لِمَنْ يَحُجُّ أَوْ يَغْزُو وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَحُجَّ بِهِ وَيَغْزُوَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَقَالَ هُوَ مُتَعَدٍّ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَأْخَذَ الْمَنْعِ عَدَمُ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ. وَمِنْهَا: الْمَأْذُونُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ؟ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ بَخْتَانِ وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي احْتِمَالَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: الرُّجُوعُ إلَى الْقَرَائِنِ فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى الدُّخُولِ جَازَ الْأَخْذُ أَوْ عَلَى عَدَمِهِ لَمْ يَجُزْ وَمَعَ التَّرَدُّدِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَالْجَوَازُ مُتَخَرَّجٌ مِنْ مَسْأَلَةِ شِرَاءِ الْوَكِيلِ وَأَوْلَى إذْ لَا عِوَضَ هَهُنَا يَنْبَغِي وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى الْمَالِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِأَنَّ مُحَابَاةَ النَّفْسِ لَا يُؤْمَنْ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ لَهُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَشْهَرُهُمَا الْمَنْعُ. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ اخْتَارَهُ صَاحِبَا الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ. وَمِنْهَا: إذَا وَكَّلَ غَرِيمَهُ أَنْ يُبْرِئَ غُرَمَاءَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ فَإِنْ سَمَّاهُ أَوْ وَكَّلَهُ وَحْدَهُ جَازَ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ قَالَ وَالْفَرْقُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ افْتِقَارُ الْبَيْعِ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ فِي الْأَيْمَانِ وَنَحْوِهَا مِنْ التَّعْلِيقَاتِ مَنْ دَخَلَ دَارِي أَوْ قَالَ مَنْ دَخَلَ دَارَك لَمْ يَدْخُلْ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَلَا الْمُخَاطَبُ بِهَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَة ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا: الْأَمْوَالُ الَّتِي تَجِبُ الصَّدَقَةُ فِيهَا شَرْعًا لِلْجَهْلِ بِأَرْبَابِهَا كَالْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ الْأَخْذُ مِنْهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ وَخَرَّجَ الْقَاضِي جَوَازَ الْأَكْلِ لَهُ مِنْهَا إذَا كَانَ فَقِيرًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شِرَاءِ الْوَصِيِّ مِنْ نَفْسِهِ كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَأَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي

стр. 128

الْغَاصِبِ الْفَقِيرِ إذَا تَابَ وَعَلَى الْمَذْهَبِ يَتَخَرَّجُ فِي إعْطَاءِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ الْوَجْهَانِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُحَابِي بِهِ أَصْدِقَاءَهُ بَلْ يُعْطِيهِمْ أُسْوَةً بِغَيْرِهِمْ نَقَلَهُ عَنْهُ صَالِحٌ وَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيّ إذَا دَفَعَهَا إلَى أَقَارِبَ لَهُ مُحْتَاجِينَ إنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْمُحَابَاةِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُحَابِهِمْ فَقَدْ تَصَدَّقَ وَنَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ إذَا كَانَ لَهُ إخْوَانٌ مَحَاوِيجُ قَدْ كَانَ يَصِلُهُمْ أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُمْ وَقَالَ لَا يُحَابِي بِهَا أَحَدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَ إعْطَاءَهُمْ مَعَ اعْتِبَارِ صِلَتِهِمْ مُحَابَاةً فَكَذَلِكَ اسْتَحَبَّ الْعُدُولَ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ. تَنْبِيهٌ: لَوْ وَصَّى لِعَبْدِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثُ الْعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَعْتِقُ، عَلَيْهِ نَصَّ، وَيُكَمِّلُ عِتْقَهُ مِنْ بَاقِي الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ مِلْكَهُ لِلْوَصِيَّةِ مَشْرُوطٌ بِعِتْقِهِ فَكَذَلِكَ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ ضَرُورَةُ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لَهُ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالسَّبْعُونَ فِيمَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْتَحِقِّيهَا] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالسَّبْعُونَ) : فِيمَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْتَحِقِّيهَا وَهِيَ نَوْعَانِ: مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَمَمْلُوكٌ لِلْغَيْرِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَالُ الزَّكَاةِ فَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِمَّا تَتُوقُ إلَيْهِ الْأَنْفُسُ وَيَشُقُّ الِانْكِفَافُ عَنْهُ مِنْ الثِّمَارِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُطْعِمُ الْأَهْلَ وَالضِّيفَانَ وَلَا يَحْتَسِبُ زَكَاتَهُ وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْخَارِصِ أَنْ يَدَعَ خَرْصَهُ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبُعَ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيه الْحَالُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَاجَةِ وَقِلَّتِهَا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَإِنْ اُسْتُبْقِيَتْ وَلَمْ تُؤْكَلْ رَطْبَةً رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِزَكَاتِهَا، وَأَمَّا الزُّرُوعُ فَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ فَرِيكًا وَنَحْوَهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ الْإِهْدَاءُ مِنْهَا، وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي الْأَكْلِ مِنْهَا وَجْهَيْنِ مِنْ الْأَكْلِ مِنْ الزُّرُوعِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حَافِظٌ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَيَنْقَسِمُ إلَى مَا لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ وَإِلَى مَا لَهُ مَالِكٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَأَمَّا مَا لَهُ مَالِكٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ كَالْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ فَيَجُوزُ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ وَهُوَ الْمُهْدِي وَالْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَيَدَّخِرَ وَيُهْدِيَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَهَلْ يَجُوزُ أَكْلُ أَكْثَرِ مِنْ الثُّلُثِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا الْجَوَازُ، وَهَلْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَسِّمَ الْهَدْيَ أَثْلَاثًا كَالْأَضَاحِيِّ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كُلَّهُ أَوْ بِمَا يَأْكُلُهُ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَمَّا مَا لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ كَالرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِمَّا بِيَدِهِ إذَا كَانَ دَارًا وَالِانْتِفَاعُ بِظَهْرِهِ إذَا كَانَ مَرْكُوبًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعَاوِضَ عَنْهُ بِالنَّفَقَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ لِمَصْلَحَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَالْمَنْصُوصُ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهُ أَيْضًا بِقَدْرِ عَمَلِهِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا وَلِيُّ الْيَتِيمِ يَأْكُلُ مَعَ الْحَاجَةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَهَلْ يَرُدُّهُ إذَا أَيْسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ

стр. 129

أَنَّهُ يَأْكُلُ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا وَلَوْ فَرَضَ لَهُ الْحَاكِمُ شَيْئًا جَازَ لَهُ أَخْذُهُ مَجَّانًا بِغَيْرِ خِلَافٍ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَنَصَّ [عَلَيْهِ] أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ البرزاطي فِي الْأُمِّ الْحَاضِنَةِ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ إلَّا أَنْ يَفْرِضَ لَهَا الْحَاكِمُ فِي الْمَالِ حَقَّ الْحَضَانَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ مَنْ أَعْطَاهُ غَيْرَهُ فَلَهُ تَدَوَّدَتْ مَعَ الْغِنَى بِخِلَافِ الْأَخْذِ بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا أَجَازَ لِلْوَصِيِّ الْأَخْذُ إذَا شَرَطَ لَهُ الْأَبُ مَعَ غِنَاهُ وَجَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً إلَى مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ إذَا عَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَازَ الْأَخْذُ لِعَامِلِ الزَّكَاةِ مَعَ الْغِنَى لِأَنَّ الْمُعْطِيَ لَهُ [هُوَ] الْإِمَامُ وَمِنْهَا أَمِينُ الْحَاكِمِ أَوْ الْحَاكِمُ إذَا نَظَرَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ. قَالَ الْقَاضِي مَرَّةً لَا يَأْكُلُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيِّ بِأَنَّ الْأَبَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَصِيِّ جُعْلًا مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٍ بِالنَّظَرِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْوَلِيُّ مُتَصَرِّفٌ بِإِذْنِهِ وَتَوْلِيَتِهِ بِخِلَافِ أَمِينِ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَدَ مُتَبَرِّعًا بِالْحِفْظِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِأَحَدٍ جُعْلًا عَلَيْهِ. وَقَالَ مَرَّةً: لَهُ الْأَكْلُ كَوَصِيِّ الْأَبِ وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا بِقَدْرِ شُغْلِهِ وَقَالَ هُوَ مِثْلُ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَأَمَّا الْأَبُ فَقَالَ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُ الْأَكْلُ لِأَجْلِ عَمَلِهِ لِغِنَاهُ عَنْهُ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ فِي مَالِهِ وَلَكِنْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ بِجِهَةِ التَّمْلِيكِ عِنْدَنَا وَضَعَّفَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَمِنْهَا نَاظِرُ الْوَقْفِ وَالصَّدَقَاتِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ فِي وَالِي الْوَقْفِ: إنْ أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَلَا بَأْسَ. قِيلَ لَهُ: فَيَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْنَا فِيهِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِأَرْضٍ أَوْ صَدَقَةٍ لِلْمَسَاكِينِ فَدَخَلَ الْوَصِيُّ الْحَائِطَ أَوْ الْأَرْضَ فَتَنَاوَلَ بِطِّيخَةً أَوْ قِثَّاءَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَيِّمَ بِذَلِكَ أَكَلَ. وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ - وَأَظُنُّهُ أَبَا حَفْصٍ العكبري - الْوَصِيُّ يَأْكُلُ مِنْ الْوَقْفِ الَّذِي يَلِيه وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ لَهُ الْحَاجَةَ. وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى عَامِلِ الْيَتِيمِ وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ حِينَ وَقَفَ فَأَوْصَى إلَى حَفْصَةَ ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: وَلِيُّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ إذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ وَمَفْهُومُهُ الْمَنْعُ مِنْ الْأَكْلِ بِدُونِ الشَّرْطِ فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي الصَّدَقَةِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا نَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ فِي يَدِهِ مَالٌ لِلْمَسَاكِينِ وَأَبْوَابُ الْبِرِّ وَهُوَ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ إنَّمَا أُمِرَ أَنْ يُنَفِّذَ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِأَنَّ مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ بِتَفْرِقَةِ مَالٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ رَجُلٌ فِي حَيَاتِهِ مَالًا لِيُفَرِّقَهُ صَدَقَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا بِحَقِّ قِيَامِهِ لِأَنَّهُ مُنَفِّذٌ وَلَيْسَ بِعَامِلٍ مُنَمٍّ وَاسْتِغْرَاقُ. وَمِنْهَا الْوَكِيلُ وَالْأَجِيرُ وَالْمَعْرُوفُ مَنْعُهُمَا مِنْ الْأَكْلِ لِاسْتِغْنَائِهِمَا عَنْهُ بِطَلَبِ الْأُجْرَةِ مِنْ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُوَكِّلِ لَا سِيَّمَا وَالْأَجِيرُ قَدْ أَخَذَ الْأُجْرَةَ عَلَى عَمَلِهِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْوَلِيِّ

стр. 130

وَالْوَصِيِّ يَأْكُلَانِ بِالْمَعْرُوفِ إذَا كَانَا يُصْلِحَانِ وَيَقُومَانِ بِأَمْرِهِ فَأَكَلَا بِالْمَعْرُوفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ وَالْأَجِيرِ، قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَظَاهِرُ هَذَا جَوَازُ الْأَكْلِ لِلْوَكِيلِ. النَّوْعُ الثَّانِي مَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ لِلضَّرُورَةِ بِلَا نِزَاعٍ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَيَجُوزُ فِيمَا تَتُوقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ مَعَ عَدَمِ الْحِفْظِ وَالِاحْتِرَازِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ مِنْهَا الْأَكْلُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَإِطْعَامُ الدَّوَابِّ الْمُعَدَّةِ لِلرُّكُوبِ فَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّصَيُّدِ بِهَا فَوَجْهَانِ. وَسَوَاءٌ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَشْهَرِ الطَّرِيقِينَ. وَفِي الثَّانِيَة لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْحَاجَةِ بِقَدْرِهَا وَفِي رَدِّ عِوَضِهَا فِي الْمَغْنَمِ رِوَايَتَانِ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَحَلِّ الْجَوَازِ فَقِيلَ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يُحْرِزْهُ الْإِمَامُ فَإِذَا أَحْرَزَهُ أَوْ وَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ لَمْ يَجُزْ الْأَكْلُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّ إحْرَازَهُ مَنْعٌ مِنْ التَّنَاوُلِ مِنْهُ وَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّ حِفْظَهُ يَشُقُّ وَيُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ عَادَةً وَقِيلَ يَجُوزُ الْأَكْلُ مَا دَامُوا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَإِنْ أَحْرَزَ مَا لَمْ يُقَسَّمْ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَإِنْ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ فَهَلْ يَجِبُ رَدُّهَا مُطْلَقًا أَوْ يُشْتَرَطُ كَثْرَتُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا إذَا مَرَّ بِثَمَرٍ غَيْرِ مَحُوطٍ وَلَا عَلَيْهِ نَاظِرٌ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا وَلَا يَحْمِلُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَسَاقِطِ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَى الشَّجَرِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَتَنْزِيلًا لِتَرْكِهِ بِغَيْرِ حِفْظٍ مَعَ الْعِلْمِ بِتَوَقَانِ نُفُوسِ الْمَارَّةِ إلَيْهِ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ عُرْفًا مَعَ الْعِلْمِ بِتَسَامُحِ غَالِبِ النُّفُوسِ فِي بَذْلِ يَسِيرِ الْأَطْعِمَةِ بِخِلَافِ الْمَحْفُوظِ بِنَاظِرٍ أَوْ حَائِطٍ فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْعِ مِنْهُ وَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ بِجَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ الْمُتَسَاقِطِ دُونَ مَا عَلَى الشَّجَرِ لِأَنَّ الْمُسَامَحَةَ فِي الْمُتَسَاقِطِ أَظْهَرُ لِيُسْرِعَ الْفَسَادُ إلَيْهِ وَلَمْ يُثْبِتْهَا الْقَاضِي. وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ بِمَنْعِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ فَيُؤْكَلُ حِينَئِذٍ مَجَّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ هَلْ يَلْحَقُ الزَّرْعُ وَلَبَنُ الْمَوَاشِي بِالثِّمَارِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنَّ الْأَكْلَ مِنْ الزَّرْعِ وَحَلْبَ اللَّبَنِ مِنْ الضَّرْعِ إنَّمَا يُفْعَلُ لِلْحَاجَةِ لَا لِلشَّهْوَةِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالسَّبْعُونَ اشْتِرَاطُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فِي الْعُقُودِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالسَّبْعُونَ) : اشْتِرَاطُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فِي الْعُقُودِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ مُعَاوَضَةٍ وَغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَأَمَّا الْمُعَاوَضَةُ فَتَقَعُ فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَيُمْلَكُ فِيهَا الطَّعَامُ وَالْكِسْوَةُ كَمَا يُمْلَكُ غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُعَاوَضِ بِهَا فَإِنْ وَقَعَ التَّفَاسُخُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ رَجَعَ بِمَا عَجَّلَ مِنْهَا إلَّا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَكِسْوَتِهَا فَإِنَّ فِي الرُّجُوعِ بِهِمَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا يَرْجِعُ بِالنَّفَقَةِ دُونَ الْكِسْوَةِ (فَمِنْهَا) الْإِجَارَةُ فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ خِلَافًا. وَمِنْهَا: اسْتِئْجَارُ غَيْرِ الظِّئْرِ مِنْ الْأُجَرَاءِ بِالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ

стр. 131

وَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ كَالظِّئْرِ. وَمِنْهَا: الْبَيْعُ فَلَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا بِنَفَقَةِ عَبْدِهِ شَهْرًا صَحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَمِنْهَا: النِّكَاحُ تَقَعُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ فِيهِ عِوَضًا عَنْ تَسْلِيمِ الْمَنَافِعِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى شَرْطِهَا فِي الْعَقْدِ كَمَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذِكْرِ الْمَهْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ أَصْلُ الِاسْتِبَاحَةِ وَلَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةَ وَلَدِهَا وَكِسْوَتِهِ صَحَّ وَكَانَ مِنْ الْمَهْرِ،. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَاوَضَةِ فَهُوَ إبَاحَةُ النَّفَقَةِ لِلْعَامِلِ مَا دَامَ مُتَلَبِّسًا بِالْعَمَلِ وَيَقَعُ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إمَّا بِأَصْلِ الْأَصْلِ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ فِيهِ بِالشَّرْعِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: (مِنْهَا) الْمُضَارَبَةُ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمُضَارِبِ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ فِي مُدَّةِ الْمُضَارَبَةِ وَمِنْهَا: الشَّرِكَةُ وَمِنْهَا: الْوِكَالَةُ وَمِنْهَا: الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ لُزُومِهَا وَمَا بَقِيَ مَعَهُمْ مِنْ النَّفَقَةِ الْمَأْخُوذَةِ وَالْكِسْوَةِ بَعْدَ الْفَسْخِ هَذِهِ الْعُقُودُ هَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لِأَنَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ لَا الْمِلْكِ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ إذَا اشْتَرَطَ الْمُضَارِبُ التَّسَرِّي مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَاشْتَرَى أَمَةً مِنْهُ مَلَكَهَا وَيَكُونُ ثَمَنُهَا قَرْضًا عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَبَاحُ بِدُونِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الْمَالِ فَإِنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا يَسْتَبِيحُ الْمُرْتَهِنُ الِانْتِفَاعَ بِالرَّهْنِ بِشَرْطِهِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَيَكُونُ إبَاحَةً وَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ إلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ الْأَمَةَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ تَمْلِيكًا فَلَا يُرَدُّ مَا فَضَلَ مِنْهُمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ كَمَا فِي الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَغْنَمِ. وَمِنْهَا: إذَا أَخَذَ الْحَاجُّ نَفَقَةً مِنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ فَإِنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ وَالنَّفَقَةُ فِيهِ إعَانَةٌ عَلَى الْحَجِّ لَا أُجْرَةٌ وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ وَإِنْ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ رَدَّهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ عَنْ الْمَيِّتِ بِأَنْ تَكُونَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَإِنَّ فَاضِلَ النَّفَقَةِ يَسْتَرِدُّهُ الْوَرَثَةُ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ إعْطَاءَ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةً فَإِنَّ الْفَاضِلَ يَكُونُ لَهُ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفِ [دِرْهَمٍ] حَجَّةً يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةً وَمَا فَضَلَ يُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مَنْ يَحُجُّ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَتِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ الْبَاقِي وَصِيَّةً لِأَنَّ الْحَاجَّ هُنَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَعَيَّنُ بِحَجَّةٍ فَيَصِيرُ مَعْلُومًا وَإِنْ قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقُلْ حَجَّةً فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصْرَفُ فِي حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى تَنْفُذَ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةً وَاحِدَةً بِنَفَقَةِ الْمِثْلِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ. (وَمِنْهَا) إذَا أَخَذَ الْحَاجُّ مِنْ الزَّكَاةِ لِيَحُجَّ بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الْحَجَّ مِنْ السَّبِيلِ فَإِنْ حَجَّ ثُمَّ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَهَلْ يُسْتَرَدُّ أَمْ لَا؟ الْأَظْهَرُ اسْتِرْدَادُهَا كَالْوَصِيَّةِ وَأَوْلَى لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ يَجِبُ صَرْفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الْمُعَيَّنَةِ شَرْعًا وَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ فَاضِلِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلْوَرَثَةِ وَلَهُمْ تَرِكَةٌ وَقِيَاسُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الْغَازِي أَنَّهُ لَا يُسْتَرَدُّ

стр. 132

وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّ الدَّابَّةَ لَا تُسْتَرَدُّ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي النَّفَقَةِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ قَدْ صُرِفَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخِلَافِ فَاضِلِ النَّفَقَةِ وَيَمْلِكُهَا بِخُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِهِ بِخِلَافِ الْغَازِي نَصَّ [عَلَيْهِ أَحْمَدُ] فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ فَهُوَ ابْنُ سَبِيلٍ لَهُ حَقٌّ فِي الزَّكَاةِ، وَالْغَازِي إنَّمَا أُعْطِيَ لِلْغَزْوِ فَلَا يَمْلِكُ بِدُونِهِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِسَبَبٍ فَانْتَفَى وَخَلَفَهُ سَبَبٌ آخَرُ مُبِيحٌ لِلْأَخْذِ أَنَّ لَهُ الْإِمْسَاكَ بِالسَّبَبِ الثَّانِي وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ. وَمِنْهَا إذَا أَخَذَ الْغَازِي نَفَقَةً أَوْ فَرَسًا لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ عَقْدًا جَائِزًا لَا لَازِمًا وَهُوَ إعَانَةٌ عَلَى الْجِهَادِ لَا اسْتِئْجَارَ عَلَيْهِ فَإِنْ رَجَعَ وَالْفَرَسُ مَعَهُ مَلَكَهَا مَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا أَوْ عَارِيَّةً نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا يَمْلِكُهَا حَتَّى يَغْزُوَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَيَكُونُ تَمْلِيكًا بِشَرْطٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُرَاعًى بِشَرْطِ الْغَزْوِ فَإِنْ غَزَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَكَذَلِكَ عُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْ الْكِسْوَةِ فَهُوَ كَالْفَرَسِ وَإِنْ فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَمْلِكُهَا أَيْضًا نَقَلَهَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ. وَالثَّانِيَة: يَرُدُّ الْفَاضِلَ فِي الْغَزْوِ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الدَّابَّةَ قَدْ صُرِفَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاسْتُعْمِلَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهَا بِخِلَافِ مَا فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ فَأَمَّا إنْ أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَقَالَ الْخِرَقِيِّ وَالْأَكْثَرُونَ لَا تُسْتَرَدُّ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ وَجْهَيْنِ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ مَالِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ تَكُونُ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي النَّفَقَةِ لِمَا قَدَّمْنَا. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ اشْتِرَاطُ نَفْعِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْعَقْدِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ) : اشْتِرَاطُ نَفْعِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْعَقْدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ اسْتِئْجَارًا لَهُ مُقَابَلًا بِعِوَضٍ فَيَصِحُّ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ كَاشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ خِيَاطَةَ الثَّوْبِ أَوْ قِصَارَتَهُ أَوْ حَمْلَ الْحَطَبِ وَنَحْوَهُ، وَلِذَلِكَ يَزْدَادُ بِهِ الثَّمَنُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ إلْزَامًا لَهُ لِمَا لَا يَلْزَمُهُ بِالْعَقْدِ بِحَيْثُ يَجْعَلُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَوَازِمِهِ مُطْلَقًا وَلَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ فَلَا يَصِحُّ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا اشْتِرَاطُ مُشْتَرِي الزَّرْعِ الْقَائِمِ فِي الْأَرْضِ حَصَادَهُ عَلَى الْبَائِعِ فَلَا يَصِحُّ وَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي فَسَادِهِ بِهِ وَجْهَيْنِ لِأَنَّ حَصَادَ الزَّرْعِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ التَّسْلِيمِ الْوَاجِبِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. وَمِنْهَا: اشْتِرَاطُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ

стр. 133

عَلَى الْآخَرِ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ وَفِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِهِ خِلَافٌ وَيَتَخَرَّجُ صِحَّةُ هَذِهِ الشُّرُوطِ أَيْضًا مِنْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلِذَلِكَ اسْتَشْكَلُوا مَسْأَلَةَ الْخِرَقِيِّ فِي حَصَادِ الزَّرْعِ. وَمِنْهَا شَرْطُ إيفَاءِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فِي غَيْرِ مَكَانِ الْعَقْدِ وَحُكِيَ فِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فَسَادُهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَأَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَقَالَ [ابْنُ مَنْصُورٍ] لَيْسَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ تَسْمِيَةُ الْمَكَانِ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ السَّلَمَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْعَقْدِ أَوْصَافُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ قَدْرُهُ وَزَمَانُ مَحَلِّهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مَكَانِ إيفَائِهِ فَاشْتِرَاطُ ذِكْرِ مَكَانِهِ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا ذُكِرَ زَمَانُهُ وَأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ الَّتِي لَا يُذْكَرُ فِي عُقُودِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ عَنْ عَمَلٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ) : فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ عَنْ عَمَلٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ وَدَلَالَةُ حَالِهِ تَقْتَضِي الْمُطَالَبَةَ بِالْعِوَضِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا فِيهِ غَنَاءٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامٌ بِمَصَالِحِهِمْ الْعَامَّةِ أَوْ فِيهِ اسْتِنْقَاذٌ لِمَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ الْهَلَكَةِ أَمَّا الْأَوَّلُ أَفْسَدَهُ تَحْتَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ كَالْمَلَّاحِ وَالْمُكَارِي وَالْحَجَّامِ وَالْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ وَالدَّلَّالِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَلِ، فَإِذَا عَمِلَ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ لَهُ شَيْءٌ نَصَّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا فِي حَالِ الْحَرْبِ مُغَرِّرًا بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالشَّرْطِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ عَمَلِهِ بِالشَّرْعِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا: الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ الثَّمَنَ فِي كِتَابَةِ السُّلْطَانِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَكُونُ لَهُمْ الَّذِي يَرَاهُ الْإِمَامُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ لَهُ بِالشَّرْعِ إمَّا مُقَدَّرًا أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَالْوَلِيُّ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِعْفَافِ مَعَ الْغِنَى وَأَيْضًا فَأَمْوَالُ الزَّكَاةِ حَقٌّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَيْضًا فَمَالُ الزَّكَاةِ يَسْتَحِقُّهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْغَنِيِّ فَالْعَامِلُ الَّذِي حَصَلَ الزَّكَاةَ وَجَبَاهَا أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْعَامِلُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ الْمَالَ وَحَصَّلَهُ بِخِلَافِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ جُعْلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى عَمَلِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَهُوَ كَجُعْلِ رَدِّ الْإِبَاقِ وَأَوْلَى لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِهِ. وَمِنْهَا: مَنْ رَدَّ آبِقًا عَلَى مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى رَدِّهِ جُعْلًا بِالشَّرْعِ سَوَاءٌ شَرَطَهُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ وَآثَارٌ وَالْمَعْنَى فِيهِ الْحَثُّ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَصِيَانَةِ الْعَبْدِ عَمَّا يَخَافُ مِنْ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى اخْتَصَّ الْوُجُوبُ بِرَدِّ الْآبِقِ [دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْمَتَاعِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْرُوفًا

стр. 134

بِرَدِّ الْإِبَاقِ] أَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا السُّلْطَانُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ لِانْتِصَابِهِ لِلْمَصَالِحِ وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كَمَا سَبَقَ. وَمِنْهَا: مَنْ أَنْقَذَ مَالَ غَيْرِهِ مِنْ التَّلَفِ كَمَنْ خَلَّصَ عَبْدَ غَيْرِهِ مِنْ فَلَاة مُهْلِكَةٍ أَوْ مَتَاعَهُ مِنْ مَوْضِعٍ يَكُونُ هَلَاكُهُ فِيهِ مُحَقَّقًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ بِالْبَحْرِ وَفَمِ السُّبُعِ فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ الْأُجْرَةِ لَهُ فِي الْمَتَاعِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الْعَبْدِ أَيْضًا وَحَكَى الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ كَاللُّقَطَةِ وَأَوْرَدَ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ خَلَّصَ مِنْ فَمِ السَّبُعِ شَاةً أَوْ خَرُوفًا أَوْ غَيْرَهُمَا فَهُوَ لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُخَلِّصِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ هَذَا يُخْشَى هَلَاكُهُ وَتَلَفُهُ عَلَى مَالِكِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ فَخَلَّصَ قَوْمٌ الْأَمْوَالَ مِنْ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ التَّهْلُكَةِ فَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ وَبَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى رَدِّ الْآبِقِ وَفِي مُسَوَّدَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَبِي الْبَرَكَاتِ: وَعِنْدِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَخْلِيصِ الْمَتَاعِ مِنْ الْمَهَالِكِ دُونَ الْآدَمِيِّ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَهْلٌ فِي الْجُمْلَةِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرًا أَوْ عَاجِزًا وَتَخْلِيصُهُ أَهَمُّ وَأَوْلَى مِنْ الْمَتَاعِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ تَفْرِقَةٌ فَأَمَّا مَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ وَنَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ الْجُرْجَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ عَمِلَ فِي قَنَاةِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ لِهَذَا الَّذِي عَمِلَ نَفَقَتُهُ إذَا عَمِلَ مَا يَكُونُ مَصْلَحَةً لِصَاحِبِ الْقَنَاةِ وَهَذِهِ تَتَخَرَّجُ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَاصِبَ يَكُونُ شَرِيكًا بِآثَارِ عَمَلِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ آثَارِ عَمَلِهِ مِنْ الْمَالِكِ لِتَمَلُّكِهَا عَلَيْهِ وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِأَنْ يَكُونَ شَرِيكًا بِآثَارِ عَمَلِهِ إذَا زَادَتْ بِهِ الْقِيمَةُ وَذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ فِي الْعَمَلِ فِي الْقَنَاةِ مِنْ رِوَايَةِ حَرْبٍ وَابْنِ هَانِئٍ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَحَمَلَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ هَذِهِ النُّصُوصَ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ هُنَا فِي الْقَنَاةِ كَانَ شَرِيكًا فِيهَا وَلَيْسَ فِي الْمَنْصُوصِ شَيْءٌ يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ أَقَرَّ النُّصُوصَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَجَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ مُطَّرِدًا فِي كُلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا كَغَيْرِهِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كَحَصَادِ زَرْعِهِ وَالِاسْتِخْرَاجِ مِنْ مَعْدِنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَخْرِيجًا مِنْ الْعَمَلِ فِي الْقَنَاةِ وَمِنْهُمْ الْحَارِثِيُّ وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ فَلِلْمَالِكِ حِينَئِذٍ أَنْ يُمْضِيَهُ وَيَرُدَّ عِوَضَهُ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَلَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ فَيَكُونُ الْعَامِلُ شَرِيكًا بِالْعَمَلِ وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ وَقَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ فِي الْأَجِيرِ إذَا عَمِلَ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهَا دُونَ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ رَدَّ عَمَلَهُ وَأَخَذَ وَصَارَ الْأَجِيرُ

стр. 135

شَرِيكًا بِعَمَلِهِ وَإِنْ شَاءَ قَبِلَ الْعَمَلَ وَرَجَعَ عَلَى الْأَجِيرِ بِالْأَرْشِ وَذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ بِالرُّجُوعِ بِالْأَرْشِ ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَمَلِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ إذَا لَمْ يَأْتِ الْحَائِكُ بِالثَّوْبِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْغَزْلِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَنْسُوجًا وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ هَهُنَا بِمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الْغَزْلِ. ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ الْمَيْمُونِيِّ هَذِهِ وَقَالَ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ اخْتَارَ تَقْوِيمَهُ مَعْمُولًا وَالْتَزَمَ قِيمَةَ الصَّنْعَةِ الَّتِي هِيَ دُونَ الَّتِي وَافَقَهُ عَلَيْهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَعِيدٌ جِدًّا أَنْ يُضَمِّنَ الْمَالِكُ الصَّانِعَ قِيمَةَ الثَّوْبِ مَعَ بَقَائِهِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: يُنْظَرُ مَا بَيْنَهُمَا فَيُرْجَعُ بِهِ عَلَى الصَّانِعِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ خَاصَّةً. وَأَيْضًا فَلَوْ غَصَبَ غَزْلًا وَنَسَجَهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَالِكُ الْتِزَامَهُ بِهِ وَيُطَالِبُهُ بِالْقِيمَةِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْأَجِيرِ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ اسْتِرْجَاعَ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ وَدَفْعَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِالرُّجُوعِ بِالْأَرْشِ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى كَانَ الْعَمَلُ فِي مَالِ الْغَيْرِ إنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا كَذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ إذَا خِيفَ مَوْتُهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَيُفِيدُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا نَقَضَ بِذَبْحِهِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالسَّبْعُونَ فِيمَنْ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالسَّبْعُونَ) : فِيمَنْ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ أَدَّى وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ وَالثَّانِي: مَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ. فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا: إذَا قَضَى عَنْهُ دَيْنًا وَاجِبًا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ، وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ وَيُشْهِدَ عَلَى نِيَّتِهِ عِنْدَ الْأَدَاءِ فَلَوْ نَوَى التَّبَرُّعَ أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَاشْتَرَطَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْأَدَاءِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى أَنْ لَا رُجُوعَ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ إذْنِهِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ صَاحِبَا الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِلَافِ لِلْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالْأَكْثَرِينَ وَهَذَا فِي دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ. فَأَمَّا دُيُونُ اللَّهِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ فَلَا يَرْجِعُ بِهَا مَنْ أَدَّاهَا عَمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنَّ أَدَاءَهَا بِدُونِ إذْنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى نِيَّتِهِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا لَوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ مَيِّتٍ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ وَقُلْنَا يَصِحُّ أَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ فِي نَذْرٍ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةٍ وَقُلْنَا يَصِحُّ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْإِذْنِ هُنَا وَيَكُونُ كَأَدَاءِ أَحَدِ الْخَلِيطَيْنِ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ عَنْ الْجَمِيعِ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى أَسِيرًا مُسْلِمًا حُرًّا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَطْلَقَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ

стр. 136

أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لِأَنَّ الْأَسِيرَ يَجِبُ عَلَيْهِ افْتِدَاءُ نَفْسِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ الْأَسْرِ فَإِذَا فَدَاهُ غَيْرُهُ فَقَدْ أَدَّى عَنْهُ وَاجِبًا رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يَحْكُوا فِي الرُّجُوعِ هَهُنَا خِلَافًا وَحَكَى الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى يَتَوَقَّفُ الرُّجُوعُ عَلَى الْإِذْنِ. وَهَلْ يُعْتَبَرُ لِلرُّجُوعِ هَهُنَا نِيَّةٌ أَمْ يَكْفِي إطْلَاقُ النِّيَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الرُّجُوعِ لِقَضَاءِ الدُّيُونِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي. وَالثَّانِي: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمُحَرَّرِ لِلْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَلِأَنَّ انْفِكَاكَ الْأَسْرَى مَطْلُوبٌ شَرْعًا فَيُرَغَّبُ فِيهِ بِتَوْسِعَةِ طَرَفِ الرُّجُوعِ لِئَلَّا تَقِلَّ الرَّغْبَةُ فِيهِ. وَمِنْهَا: نَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالْبَهَائِمِ إذَا امْتَنَعَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَهُ الرُّجُوعُ كَقَضَاءِ الدُّيُونِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَنْفَقَ عَلَى عَبْدِهِ الْآبِقِ فِي حَالِ رَدِّهِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جُعْلًا عَلَى الرَّدِّ عِوَضًا عَنْ بَذْلِهِ مَنَافِعَهُ فَلَأَنْ يَجِبَ لَهُ الْعِوَضُ عَمَّا بَذَلَهُ مِنْ الْمَالِ فِي رَدِّهِ أَوْلَى، وَاشْتَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ الْعَجْزَ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْمَالِكِ وَضَعَّفَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَلَا يَتَوَقَّفُ الرُّجُوعُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَوْ أَبِقَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُنْقَطِعِ بِمَهْلَكَةٍ وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الرُّجُوعِ بِنَفَقَتِهِ رِوَايَتَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ اسْتِخْدَامَهُ بَدَلَ النَّفَقَةِ فَفِي جَوَازِهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْفَتْحِ الْحَلْوَانِيُّ فِي الْكِفَايَةِ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ. وَمِنْهَا: نَفَقَةُ اللُّقَطَةِ حَيَوَانًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى مُؤْنَةٍ وَإِصْلَاحٍ فَإِنْ كَانَتْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ رَجَعَ بِهَا لِأَنَّ إذْنَهُ قَائِمٌ مَقَامَ إذْنِ الْغَائِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ هَاهُنَا عَدَمَ الرُّجُوعِ لِأَنَّ حِفْظَهَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا بَلْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا أَنْفَقَ غَيْرَ مُطَوَّعٍ بِالنَّفَقَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَسَبًا فِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ. وَمِنْهَا: نَفَقَةُ اللَّقِيطِ خَرَّجَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَرْجِعُ هَهُنَا قَوْلًا وَاحِدًا وَإِلَيْهِ مَيْلُ صَاحِبِ الْمُغْنِي لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى الْمُلْتَقِطِ وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَمِنْهَا: الْحَيَوَانُ الْمُودَعُ إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْتَوْدَعُ نَاوِيًا لِلرُّجُوعِ فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُ مَالِكِهِ رَجَعَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ فَطَرِيقَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَوْلَى لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الدُّيُونِ أَحْيَانًا وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُغْنِي. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَرْجِعُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهِيَ ي طَرِيقَةُ الْمُحَرَّرِ وَمُتَابَعَةٌ لِأَبِي الْخَطَّابِ لَكِنْ مَنْ اعْتَبَرَ الرُّجُوعَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ بِعُذْرِ الْإِذْنِ فَهَهُنَا أَوْلَى وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ وَاعْتَبَرَهُ هَهُنَا فَالْفَرْقُ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ فِيهِ بَرَاءٌ لِذِمَّتِهِ وَتَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ الْغَرِيمِ وَهَهُنَا اشْتِغَالٌ لِذِمَّتِهِ بِدَيْنٍ لَمْ تَكُنْ مُشْتَغِلَةً بِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَيُنْتَقَضُ بِنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ

стр. 137

الْمُطَالَبَةَ هُنَا مُتَوَجِّهَةٌ مِنْ الْحَاكِمِ بِإِلْزَامِهِ فَقَدْ خَلَّصَهُ مِنْ ذَلِكَ وَعَجَّلَ بَرَاءَتَهُ مِنْهُ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ لَمْ تَبْرَأْ بِهِ ذِمَّتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ هِيَ مَشْغُولَةٌ بِدَيْنِ الْمُؤَدِّي عَنْهُ أَيْضًا فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُؤْتَمَنِ عَلَيْهِ عُرْفِيٌّ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ اللَّفْظِيِّ. وَمِنْهَا: نَفَقَةُ طَائِرٍ غَيْرِهِ إذَا عَشَّشَ فِي دَارِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ فِي طَيْرَةٍ أَفْرَخَتْ عِنْدَ قَوْمٍ مِنْ الْجِيرَانِ فَالْفِرَاخُ تَتْبَعُ الْأُمَّ يَرُدُّونَ عَلَى أَصْحَابِهَا فَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَفَ الْفِرَاخَ مُدَّةَ مَقَامِهَا فِي يَدِهِ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ يَحْتَسِبُ بِالنَّفَقَةِ أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهَا مَا أَنْفَقَ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ إمْكَانِ الِاسْتِئْذَانِ وَعَدَمِهِ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى بِعَدَمِ الرُّجُوعِ بِكُلِّ حَالٍ مِنْ نَظِيرَتِهَا فِي الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَرْجِعُ فِيهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ فَلَهُ صُوَرٌ مِنْهَا: إنْفَاقُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ أَوْ امْتِنَاعِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ فِي رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا أَرَاضٍ أَوْ دَارٌ أَوْ عَبْدُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُنْفِقَ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْبَى الْآخَرُ. قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِشَرِيكِهِ وَيَمْتَنِعُ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أُلْزِمَ ذَلِكَ وَحُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَضُرُّ بِهَذَا يُنْفِقُ وَيَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ مِنْ جُمْلَتِهَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ مُشْتَرَكٌ أَوْ سَقْفٌ فَانْهَدَمَ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَ الْآخَرُ مَعَهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا يُجْبَرُ فِيهِ فَيَنْفَرِدُ الطَّالِبُ بِالْبِنَاءِ وَيَمْنَعُ الشَّرِيكَ مِنْ الِانْتِفَاعِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَخُصُّ حِصَّتَهُ مِنْ النَّفَقَةِ نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا كَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ فِي مِلْكِ الْيَتِيمِ. وَمِنْ صُوَرِ النَّوْعِ إذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ، قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ اسْتِئْذَانُهُ فَلَا رُجُوعَ وَإِنْ تَعَذَّرَ خُرِّجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ لِأَنَّ الْفِدَاءَ هُنَا لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ وَاسْتِبْقَائِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الرَّاهِنِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَأَطْلَقَ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِافْتِدَاءُ هَهُنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّمَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ لِتَكُونَ رَهْنًا وَقَدْ وَافَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا خَالَفَ فِيهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَمِنْهَا مُؤْنَةُ الرَّهْنِ مِنْ كَرْيِ مَخْزَنِهِ وَإِصْلَاحِهِ وَتَشْمِيسِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الرَّاهِنَ إذَا قَامَ بِهَا الْمُرْتَهِنُ بِدُونِ إذْنِهِ مَعَ تَعَذُّرِهِ فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ عَلَى مَا سَيَأْتِي صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لِحِفْظِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ فَصَارَ وَاجِبًا عَلَى الرَّهْنِ لِعَلَاقَةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ. وَمِنْهَا لَوْ خَرِبَتْ الدَّارُ الْمَرْهُونَةُ فَعَمَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إذْنٍ فَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِأَعْيَانِ آلَتِهِ لِأَنَّ بِنَاءَ الدَّارِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَرْجِعُ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الرَّهْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا

стр. 138

ينحفظ بِهِ أَصْلُ مَالِيَّةِ الدَّارِ لِحِفْظِ وَثِيقَتِهِ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ لِحِفْظِ مَالِيَّةِ وَثِيقَةٍ وَذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحُ انْتَهَى. وَلَوْ قِيلَ إنْ كَانَتْ الدَّارُ بَعْدَ مَا خَرِبَ مِنْهَا تُحْرِزُ قِيمَةَ الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ [بِهِ] لَمْ يَرْجِعْ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى عِمَارَتِهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَتْ دُونَ حَقِّهِ أَوْ وَفْقَ حَقِّهِ وَيُخْشَى مِنْ تَدَاعِيهَا لِلْخَرَابِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَنْقُصَ عَنْ مِقْدَارِ الْحَقِّ فَلَهُ أَنْ يَعْمُرَ وَيَرْجِعَ لِمَكَانِ مَسْحِهَا. وَمِنْهَا عِمَارَةُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي غَلْقِ الدَّارِ إذَا عَمِلَهُ السَّاكِنُ وَيَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ بِنَاءً عَلَى مِثْلِهِ فِي الرَّهْنِ، وَلَكِنْ حَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ يُجْبَرُ عَلَى التَّرْمِيمِ بِإِصْلَاحِ مُنْكَسِرٍ وَإِقَامَةِ مَائِلٍ فَأَمَّا تَجْدِيدُ الْبِنَاءِ وَالْأَخْشَابِ فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إجْبَارٌ عَلَى تَسْلِيمِ عَيْنٍ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْعَقْدُ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ، قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ التَّجْدِيدُ انْتَهَى. فَعَلَى [الْقَوْلِ] الْأَوَّلِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِرُجُوعِ الْمُسْتَأْجِرِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى التَّجْدِيدِ وَعَلَى الثَّانِي يَتَوَجَّهُ الرُّجُوعُ. [فَصَلِّ يُنْفِقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِإِطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ إذَا كَانَ عَبْدًا أَوْ حَيَوَانًا] (فَصْلٌ) وَقَدْ يَجْتَمِعُ النَّوْعَانِ فِي صُوَرٍ فَيُؤَدِّي عَنْ مِلْكِ غَيْرِهِ وَاجِبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ وَفِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ وَالثَّانِي يَرْجِعُ هَهُنَا رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُنْفِقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِإِطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ إذَا كَانَ عَبْدًا أَوْ حَيَوَانًا فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ كَذَلِكَ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالرِّوَايَتَيْنِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَكْثَرُونَ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الرُّجُوعُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبِي هَانِئٍ أَنَّهُ يَرْكَبُ وَيَحْلِبُ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ إذْنًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ وَأَيْضًا فَالْإِذْنُ فِي الْإِنْفَاقِ هَهُنَا عُرْفِيٌّ فَيَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِيِّ وَبِالْمُرْتَهِنِ إلَيْهِ حَاجَةٌ لِحِفْظِ وَثِيقَةٍ فَصَارَ كَبِنَاءِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْحَائِطَ الْمُشْتَرَكَ، وَنَقَلَ [عَنْهُ] ابْنُ مَنْصُورٍ فِيمَنْ ارْتَهَنَ دَابَّةً فَعَلَفَهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا فَالْعَلَفُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، مَنْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْلِفَ؟ وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا فِي كَفَنِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ لَكِنَّ الْكَفَنَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرُ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَحَمَلَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْخِلَافِ هَذَا النَّصِّ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ حَاضِرًا وَأَمْكَنَ اسْتِئْذَانُهُ وَعَلَّفَ بِدُونِ إذْنٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي بِأَنَّ الرُّجُوعَ مَشْرُوطٌ بِتَعَذُّرِ الِاسْتِئْذَانِ وَاعْتَبَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي لُزُومِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ

стр. 139

أَنْ يُسْتَدَانَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِفَرْضِ الْحَاكِمِ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَفِي التَّرْغِيبِ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ الِاسْتِقْرَاضُ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ حَتَّى وَلَا لِلزَّوْجَةِ فِي حَقِّهَا وَحَقِّ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ، وَإِنَّمَا لِلزَّوْجَةِ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الْمُوسِرِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ إذَا قَدَرَتْ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهَا وَحَكَى فِي أَخْذِهَا لِوَلَدِهَا وَجْهَيْنِ قَالَ وَلَيْسَ لَهَا الْإِنْفَاقُ عَلَى الطِّفْلِ مِنْ مَالِهِ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ لِانْتِفَاءِ وِلَايَتِهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ الْمُتَقَدِّمِ وَلِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهَا تَأْخُذُ لِنَفْسِهَا وَلِوَلَدِهَا وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهَا تَقْبِضُ الزَّكَاةَ لِوَلَدِهَا الطِّفْلِ وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى أَقَارِبِ غَيْرِهِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا يَرْجِعُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا اسْتَدَانَتْ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمِثْلِ مَعَ غَيْبَتِهِ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ إذْنَ حَاكِمٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِي سُقُوطِ نَفَقَةِ [الزَّوْجَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ] بِمُضِيِّ الزَّمَانِ بِدُونِ فَرْضِ الْحَاكِمِ لَهَا وَكَذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مَعَ أَنَّهُ وَافَقَ طَرِيقَةَ الْخِلَافِ فِي الرُّجُوعِ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي الضَّمَانِ وَضَعَّفَ صَاحِبُ الْمُغْنِي اعْتِبَارَ الْإِذْنِ طَرْدًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الضَّمَانِ. وَمِنْهَا: إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَ الْجِمَالَ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِدُونِ إذْنِ حَاكِمٍ فَفِي الرُّجُوعِ الرِّوَايَتَانِ وَمُقْتَضَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَرْجِعُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ إنَّ الْأَكْثَرِينَ اعْتَبِرُوا هُنَا اسْتِئْذَانَ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّهْنِ وَاعْتَبَرُوهُ أَيْضًا فِي الْمُودَعِ وَاللُّقَطَةِ وَفِي الْمُغْنِي إشَارَةٌ إلَى التَّسْوِيَةِ مِنْ الْكُلِّ فِي عَدَمِ الِاعْتِبَارِ وَأَنَّ الْإِنْفَاقَ بِدُونِ إذْنِهِ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ اعْتَبَرُوا الْإِشْهَادَ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَمِنْهَا: إذَا هَرَبَ الْمُسَاقِي قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مَنْ يُتِمُّهُ وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْجَمَّالِ إلَّا أَنَّ لِلْمَالِكِ الْفَسْخَ وَلَوْ قُلْنَا بِلُزُومِ الْمُسَاقَاةِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: إذَا غَابَ الزَّوْجُ فَاسْتَدَانَتْ الزَّوْجَةُ النَّفَقَةَ عَلَى نَفْسِهَا وَأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ نَفَقَةَ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ بِذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ وَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْحَاكِمِ. وَمِنْهَا: إذَا أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ ثُمَّ افْتَكَّهُ الْمُعِيرُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ هُنَا قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي. وَمِنْهَا: لَوْ قَضَى أَحَدُ الْوَرَثَةِ الدَّيْنَ عَنْ الْمَيِّتِ لِيَزُولَ تَعَلُّقُهُ بِالتَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ أَيْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِيهِ خِلَافًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا قَدْ لَا يَطَّرِدُ فِيهِمَا الْخِلَافُ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ هَهُنَا لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِ الْمُنْفِقِ فَهُوَ كَإِنْفَاقِ الشَّرِيكِ عَلَى عِمَارَةِ الْحَائِطِ يَرْجِعُ

стр. 140

بِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ الْإِنْفَاقُ لِاسْتِصْلَاحِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُنْفِقِ إلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ صَرَّحُوا بِاطِّرَادِ الْخِلَافِ فِي صُورَةِ الْمُسَاقَاةِ مَعَ تَعَلُّقِ الِاسْتِصْلَاحِ فِيهَا بِعَيْنِ مَالِ الْمُنْفِقِ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالسَّبْعُونَ الشَّرِيكَانِ فِي عَيْنِ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ إذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى رَفْعِ مَضَرَّةٍ أَوْ إبْقَاءِ مَنْفَعَةٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالسَّبْعُونَ) : الشَّرِيكَانِ فِي عَيْنِ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ إذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى رَفْعِ مَضَرَّةٍ أَوْ إبْقَاءِ مَنْفَعَةٍ أُجْبِرَ أَحَدُهُمَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْآخَرِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إنْ أَمْكَنَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَقِلَّ بِدَفْعِ الضَّرَرِ فَعَلَهُ وَلَمْ يُجْبِرْ الْآخَرُ مَعَهُ لَكِنْ إنْ أَرَادَ الْآخَرُ الِانْتِفَاعَ بِمَا فَعَلَهُ شَرِيكُهُ فَلَهُ مَنْعُهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ حِصَّةَ مِلْكِهِ مِنْ النَّفَقَةِ فَإِنْ احْتَاجَا إلَى تَجْدِيدِ مَنْفَعَةٍ فَلَا إجْبَارَ. وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا: إذَا انْهَدَمَ الْحَائِطُ الْمُشْتَرَكُ فَالْمَذْهَبُ إجْبَارُ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا بِالْبِنَاءِ مَعَ الْآخَرِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ فَإِنَّ الْإِجْبَارَ هُنَا مِنْ جِنْسِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ وَاجِبَةٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالِانْتِزَاعِ بِالشُّفْعَةِ وَبَيْعِ مَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَالْمُغْنِي فِيهِ أَنَّ الْمَالِكَ مُسْتَحِقٌّ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِهِ وَيَجِبُ عَلَى شَرِيكِهِ تَمْكِينُهُ مِنْهُ فَإِذَا دَار الْأَمْرُ بَيْنَ تَعْطِيلِ الْحَقِّ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَيْنَ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ فَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا إلَى الِانْتِفَاعِ بِالْبَدَلِ بِخِلَافِ التَّعْطِيلِ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّابِتَةُ بِعَدَمِ الْإِجْبَارِ فَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ عَلَى عَدَمِ الْإِجْبَارِ فِي بِنَاءِ حِيطَانِ السُّفْلِ إذَا كَانَ الْعُلُوُّ لِآخَرَ وَانْهَدَمَ الْكُلُّ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ عَلَى الْبِنَاءِ مَعَ صَاحِبِ السُّفْلِ فِي السُّفْلِ وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ لِأَنَّ السُّفْلَ مِلْكُهُ مُخْتَصٌّ بِصَاحِبِهِ بِخِلَافِ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ وَلِذَلِكَ عَقَدَ الْخَلَّالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا وَذَكَرَ النَّصَّ بِالْإِجْبَارِ فِي الْحَائِطِ وَالنَّصَّ بِانْتِفَائِهِ بِالصُّورَةِ الْأُخْرَى وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْحَائِطِ فَلِلشَّرِيكِ الِاسْتِبْدَادُ بِبِنَائِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ وَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَاعْتَبَرَ فِي الْمُجَرَّدِ اسْتِئْذَانَ الْحَاكِمِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَهُ مَنْعُ الشَّرِيكِ الْآخَرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ إنْ أَعَادَهُ بِآلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ أَعَادَهُ بِآلَتِهِ الْأُولَى فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِهِمَا الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْأَكْثَرِينَ. وَالثَّانِي: لَهُ الْمَنْعُ حَتَّى يَأْخُذَ نِصْفَ قِيمَةِ التَّالِفِ لِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ حَيْثُ وَقَعَ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَافْتِتَاحُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ وَإِذَا أَعَادَهُ بِآلَةٍ جَدِيدَةٍ وَاتَّفَقَا عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ جَازَ، لَكِنْ هَلْ الْمَدْفُوعُ نِصْفُ قِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوْ نِصْفُ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهِ؟ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ مَأْخَذُهُمَا هَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مِلْكِهِ بِإِذْنٍ مُعْتَبَرٍ أَوْ هُوَ

стр. 141

مُعَاوَضَةٌ عَنْ مِلْكِ الثَّانِي كَضَمَانِ سِرَايَةِ الْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَإِنْ امْتَنَعَ الثَّانِي مِنْ الْقَوْلِ وَطَلَبَ رَفْعَ الْبِنَاءِ مِنْ أَصْلِهِ لِيُعِيدَاهُ مِنْ مَالِهِمَا فَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ رُجُوعٌ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ مُعَاوَضَةٌ فَلَهُ ذَلِكَ وَفِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ الْبِنَاءُ عَلَى الْإِجْبَارِ ابْتِدَاءً وَعَدَمُهُ فَإِنْ قُلْنَا يُجْبَرُ أُجْبِرَ هُنَا عَلَى التَّبْقِيَةِ وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ يُقَالُ هُوَ مُعَاوَضَةٌ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالنَّفَقَةِ كَمَا أَنَّ زَرْعَ الْغَاصِبِ يُعَاوَضُ عَنْهُ بِالْقِيمَةِ عَلَى رِوَايَةٍ وَبِالنَّفَقَةِ عَلَى أُخْرَى وَالْإِجْبَارُ عَلَى الْمُعَاوَضَاتِ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ فَإِنْ قِيلَ فَعِنْدَكُمْ لَا يَجُوزُ لِلْجَارِ مَنْعُ جَارِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِوَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِهِ فَكَيْفَ مَنَعْتُمْ هَهُنَا؟ قُلْنَا إنَّمَا مَنَعْنَاهَا هُنَا مِنْ عَوْدِ الْحَقِّ الْقَدِيمِ الْمُتَضَمِّنِ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ قَهْرًا سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَمَّا التَّمْكِينُ مِنْ الْوَضْعِ لِلِارْتِفَاقِ فَتِلْكَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا الْحَاجَةَ وَالْتَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ تَخْرِيجَ رِوَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنَعَ الْجَارَ مِنْ وَضْعِ الْخَشَبِ مُطْلَقًا ثُمَّ اعْتَذَرَ بِأَنَّ حَقَّ الْوَضْعِ هُنَا سَقَطَ عُقُوبَةً لِامْتِنَاعِهِ مِنْ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَحَمَلَ حَدِيثَ الزُّبَيْرِ وَشَرِيكِهِ فِي شِرَاجِ الْحُرَّةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: إذَا انْهَدَمَ السَّقْفُ الَّذِي بَيْنَ سُفْلِ أَحَدِهِمَا وَعُلُوِّ الْآخَرِ فَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الْإِجْبَارِ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمَنْصُوصُ هَهُنَا أَنَّهُ إنْ انْكَسَرَ خَشَبُهُ فِيهِ فَبِنَاؤُهُمَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُمَا جَمِيعًا وَظَاهِرُهُ الْإِجْبَارُ وَإِنْ انْهَدَمَ السَّقْفُ وَالْحِيطَانُ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْعُلُوِّ عَلَى بِنَاءِ الْحِيطَانِ لِأَنَّهَا خَاصٌّ مِلْكُ صَاحِبِ السُّفْلِ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ مَعَهُ السَّقْفَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ حَقَّهُ وَيُجْبَرُ صَاحِبُ السُّفْلِ عَلَى بِنَائِهِ لِأَنَّهُ سُتْرَةٌ لَهُ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْحَكَمِ أَنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ لَا يُجْبَرُ عَلَى بِنَاءٍ لِأَجْلِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ لَكِنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ الْحِيطَانَ مُ عَلَيْهَا وَيَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا بَنَى بِهِ السُّفْلَ وَيَكُونُ لَهُمَا جَمِيعًا وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا بَنَى بِهِ الْحِيطَانَ فَيَصِيرُ الْبَيْتُ كَمَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا سُفْلُهُ وَلِلْآخَرِ عُلُوُّهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ بِنَاءِ السُّفْلِ وَتَكُونَ الْحِيطَانُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا وَلِذَلِكَ حَكَى الْأَصْحَابُ رِوَايَتَيْنِ فِي مُشَارَكَةِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فِي بِنَاءِ الْحِيطَانِ حَتَّى أَخَذَ الْقَاضِي مِنْهُمَا رِوَايَةً بِعَدَمِ الْإِجْبَارِ فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ الِاشْتِرَاكُ حَادِثًا بَعْدَ الْبِنَاءِ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْمِلْكُ الْمُشْتَرَكِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي إجْبَارِ صَاحِبِ السُّفْلِ عَلَى بِنَاءِ حَائِطِهِ لِحَقِّ صَاحِبِ الْعُلُوِّ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ أَحَدُهَا إجْبَارُهُ مُنْفَرِدًا بِنَفَقَتِهِ وَأَخَذَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَحْمَدَ عَلَّلَ بِأَنَّهُ سُتْرَةٌ لَهُ فَعَلِمَ أَنَّ إجْبَارَهُ لِحَقِّ جَارِهِ لَا لِحَقِّ صَاحِبِ الْعُلُوِّ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ تَضَرُّرَ صَاحِبِ الْعُلُوِّ بِتَرْكِ بِنَاءِ السُّفْلِ أَشَدُّ مِنْ تَضَرُّرِ الْجَارِ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ لِأَنَّ هَذَا

стр. 142

يَمْنَعُهُ حَقَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ تَرْكِ السُّتْرَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَالثَّانِيَة: يُجْبَرُ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاك نَقَلَهَا يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ فَقَالَ يَشْتَرِكُونَ عَلَى السُّفْلِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁. الثَّالِثَةُ لَا يُجْبَرُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْحَكَمِ وَحَكَى فِي الْمُجَرَّدِ إجْبَارَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى أَنْ يَبْنِيَ مَعَ الْآخَرِ الْحِيطَانَ رِوَايَتَانِ وَكَذَا فِي الْإِجْبَارِ عَلَى بِنَاءِ السَّقْفِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِمِلْكِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ وَحَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْإِنْسَانُ بِنَاءَ مِلْكِهِ الْخَاصِّ بِهِ إذَا كَانَ انْتِفَاعُ غَيْرِهِ بِهِ مُسْتَحَقًّا كَمَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ بِبِنَاءِ السُّتْرَةِ وَهَلْ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ فِي الِانْتِفَاعِ الْبِنَاءُ مَعَ الْمَالِكِ كَالشَّرِيكِ فِي الْمِلْكِ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى حَائِطِ جَارٍ لَهُ يُحَاذِيهِ سَابَاطٌ بِحَقٍّ فَانْهَدَمَ الْحَائِطُ هَلْ يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَى بِنَائِهِ؟ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ إجْبَارُهُ أَنْ يَبْنِيَهُ مُنْفَرِدًا بِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ بِحَقِّ مُعَاوَضَةٍ وَمِثْلُهُ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ فِي مَنْ لَهُ حَقُّ إجْرَاءِ مَائِهِ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ فَعَابَ السَّطْحَ وَلَوْ بِجَرَيَانِ مَائِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْ صَاحِبَ الْمَاءِ الْمُشَارَكَةُ فِي الْإِصْلَاحِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَاءُ تِلْكَ الدَّارِ يَجْرِي إلَى بِئْرٍ بِحَقٍّ فَعَابَتْ فَعَابَتْ الْبِئْرُ لَمْ يَلْزَمْ صَاحِبَ الْمَاءِ الْمُشَارَكَةُ فِي إصْلَاحِهَا وَيُخَرَّجُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي السُّفْلِ الَّذِي عُلُوُّهُ لِمَالِكٍ [آخَرَ] يَتَوَجَّهُ وَيَرْجِعُ إلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الِانْتِفَاعِ هَلْ هِيَ كَالشَّرِكَةِ فِي الْمِلْكِ (وَمِنْهَا) الْقَنَاةُ الْمُشْتَرَكَةُ إذَا تَهَدَّمَتْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْإِجْبَارِ عَلَى الْعِمَارَةِ كَمَا سَبَقَ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيهِ خِلَافًا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحَائِطِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَائِطَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِخِلَافِ الْقَنَاةِ وَالْبِئْرِ وَطَرَدَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ وَإِذَا لَمْ نَقُلْ بِالْإِجْبَارِ فَعَمَّرَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الْآخَرِ مِنْ الْمَاءِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْمُغْنِي لِأَنَّ الْمَاءَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْمِلْكِ وَالْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا أَزَالَ الضَّرَرَ عَنْ طَرِيقِهِ وَلَا يَقَعُ الِاشْتِغَالُ عَلَى مِلْكِ الْآلَاتِ الْمَعْمُورِ بِهَا، وَفِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ وَالتَّمَامِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْقَنَاةِ وَيَشْهَدُ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ مِنْ سُكْنَى السُّفْلِ إذَا بَنَاهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَمَنَعَ الشَّرِيكَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْحَائِطِ إذَا أُعِيدَ بِآلَاتِهِ الْعَتِيقَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ انْتِفَاعٌ بِمَا بَذَلَ فِيهِ الشَّرِيكُ مَالَهُ فَيُمْنَعُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلِأَنَّ إنْفَاقَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَشَرِيكِهِ جَائِزٌ فَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا. وَمِنْهَا: أَنَّ مَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مِنْ الْأَعْيَانِ إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِسْمَتَهُ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْتِزَامِ كُلَفِهَا وَمُؤَنِهَا لِتَكْمِيلِ نَفْعِ الشَّرِيكِ، فَأَمَّا مَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى بَيْعِهِ إذَا طَلَبَ الْآخَرُ بَيْعَهُ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ فَقَالَ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لِلْمُضَارِّ شَيْءٌ إذَا كَانَ يَدْخُلُهُ نُقْصَانُ ثَمَنِهِ بِيعَ وَأُعْطُوا الثَّمَنَ وَكَذَا نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ قِسْمَةٍ مِنْهَا ضَرَرٌ لَا أَرَى أَنْ يُقْسَمَ. مِثْلُ عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَأَرْضٌ فِي قِسْمَتِهَا ضَرَرٌ وَيُقَالُ لِصَاحِبِهَا إمَّا أَنْ تَشْتَرِيَ

стр. 143

وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكَهُ إذَا كَانَ ضَرَرًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ وَالشِّيرَازِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالسَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ، وَصَرَّحَ بِمِثْلِهِ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ أَوْ تَشَاحَّا، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُبَاعُ عِنْدَ طَلَبِ الْقِسْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْبَيْعَ. وَلِهَذَا مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ قِسْمَةُ الْعَيْنِ عُدِلَ إلَى قِسْمَةِ بَدَلِهَا وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَهَذَا مَأْخَذٌ مَنْ قَالَ يُبَاعُ بِمُجَرَّدِ طَلَبِ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَالثَّانِي: أَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ مِثْلًا لَا فِي قِيمَةِ النِّصْفِ فَلَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ مُفْرَدًا لَنَقَصَ حَقُّهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَقَّهُ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ فِي السِّرَايَة أَنْ يُقَوَّمَ الْعَبْدُ كُلُّهُ ثُمَّ يُعْطَى الشُّرَكَاءُ قِيمَةَ حِصَصِهِمْ، وَقَدْ نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ لِلْوَلِيِّ بَيْعَ التَّرِكَةِ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ إذَا كَانَ فِي تَبْعِيضِهَا ضَرَرٌ وَاحْتِيجَ إلَى الْبَيْعِ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِهِمْ مِنْ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ عَلَى الْكِبَارِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ قَدْ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ضَرَرَ مَا نَقَصَ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْهُمَا أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِالْمَقْسُومِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَدَمُ الْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيْعِ فِي حَالَةِ نَقْصِ الْقِيمَةِ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ مُمْكِنَةٌ وَمَعَ الْإِجْبَارِ عَلَيْهَا لَا يَقَعُ الْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مَسَائِلِ ابْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبِيعَ وَأَبَى الْآخَرُ، قَالَ أَحْمَدُ يَبِيعُ كُلٌّ مِنْهُمَا حِصَّتَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إجْبَارَ عَلَى الْبَيْعِ مَعَ الشَّرِيك، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُشَاعِ الْمُشْتَرَك، فَأَمَّا الْمُتَمَيِّزُ كَمَنْ فِي أَرْضِهِ غَرْسٌ لِغَيْرِهِ أَوْ فِي ثَوْبِهِ صَبْغٌ لِغَيْرِهِ إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبِيعَ الْآخَرُ مَعَهُ فَفِي إجْبَارِهِ وَجْهَانِ، أَوْرَدَهُمَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي غِرَاسِ الْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ يُسْتَدَامُ فِي الْأَرْضِ فَلَا يَتَخَلَّصُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ بِدُونِ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ غَرْسِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِالْقَلْعِ، فَأَمَّا الْبَيْعُ فَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ فِي بَيْعِ الْغَاصِبِ إنْ طَلَبَ مَالِكُ الثَّوْبِ أَنْ يَبِيعَ مَعَهُ لَزِمَهُ وَفِي الْعَكْسِ وَجْهَانِ وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِالْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيْعِ بِطَلَبِ الْغَاصِبِ، وَأَمَّا صَبْغُ الْمُشْتَرِي إذَا أَفْلَسَ وَأَخَذَ الْبَائِعُ ثَوْبَهُ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّبْغَ يُسْتَدَامُ فِي الثَّوْبِ فَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْ الشَّرِكَةِ فِيهِ بِدُونِ الْبَيْع، وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْن طَلَبِ الْغَاصِبِ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ الْغَاصِبُ بِعُدْوَانِهِ عَلَى إخْرَاجِ مِلْكِ غَيْرِهِ عَنْهُ قَهْرًا وَمِنْهَا: قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ بِالْمُهَايَأَةِ هَلْ تَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي الْمَذْهَبِ سِوَاهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمُهَايَأَةِ وَالْقِسْمَةِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ وَالْمُهَايَأَةُ مُعَاوَضَةٌ حَيْثُ كَانَتْ اسْتِيفَاءً لِلْمَنْفَعَةِ مِنْ مِثْلِهَا فِي زَمَنٍ آخَرَ، وَفِيهَا تَأْخِيرُ أَحَدِهِمَا عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَلَا يَلْزَمُ بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْأَعْيَانِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَحَنْبَلٍ وَأَبِي طَالِبٍ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ يَوْمًا لِنَفْسِهِ وَيَوْمًا لِسَيِّدِهِ الْبَاقِي، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي

стр. 144

عَلَى التَّرَاضِي وَهُوَ بَعِيدٌ، وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: يَكُونُ يَوْمًا لِنَفْسِهِ وَيَوْمًا لِسَيِّدِهِ، وَالْأُخْرَى أَنَّ كَسْبَهُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْمُهَايَأَةِ حُكْمًا مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَجِبُ الْمُهَايَأَةُ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ لِانْتِفَاءِ تَأَخُّرِ اسْتِيفَاءِ أَحَدِهِمَا لِحَقِّهِ فِي الْمُهَايَأَةِ بِالْأَمْكِنَةِ فَهُوَ كَقِسْمَةِ الْأَعْيَانِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِانْتِفَاءِ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ بِالتَّرَاضِي، وَهَلْ تَقَعُ لَازِمَةً إذَا كَانَتْ مُدَّتُهَا مَعْلُومَةً أَوْ جَائِزَةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَالْمَجْزُومُ فِي التَّرْغِيبِ الْجَوَازُ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ اللُّزُومَ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ نَوْبَتِهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ غَرِمَ مَا انْفَرَدَ بِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يَنْفَسِخُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الدَّوْرُ وَيَسْتَوْفِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَقَّهُ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَسْمِ وَهِيَ أَنَّ مَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَقَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ لَهُ حَتَّى يُوَفِّيَهَا حَقّهَا مِنْ الْقَسْمِ لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّهَا بِالطَّلَاقِ، وَلَا يُقَالُ هَذِهِ الْقِسْمَةُ لَازِمَةٌ بِخِلَافِ الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا لَزِمَتْ لِأَجْلِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي وَمَنْ اتَّبَعَهُ أَنَّ قَسْمَ الِابْتِدَاءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَوْ اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا شُرَطَتِهِ ثُمَّ تَلِفَتْ الْمَنَافِعُ فِي الذَّكَرِ الْآخَرِ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقَبْضِ، فَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ بِبَدَلِ حِصَّتِهِ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي اسْتَوْفَاهَا مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ رَضِيَ بِمَنْفَعَةِ الزَّمَنِ الْمُتَأَخِّرِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ جَعْلًا لِلتَّالِفِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالتَّالِفِ فِي الْإِجَارَةِ قَالَ وَسَوَاءٌ قُلْنَا الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ أَوْ بَيْعٌ فَإِنَّ الْمُعَادَلَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِيهَا خِيَارُ الْعَيْبِ وَالتَّدْلِيسِ انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ رَجَّحَ اللُّزُومَ. وَيَتَخَرَّجُ فِي الرُّجُوعِ حِينَئِذٍ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَقَاسَمَ الشَّرِيكَانِ الدَّيْنَ فِي ذِمَمِ الْغُرَمَاءِ ثُمَّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ هَلْ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الرُّجُوعَ عَلَى الْآخَرِ فِيمَا قَبَضَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ نَقَلَهُمَا مَعًا ابْنُ مَنْصُورٍ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ أَحْمَدَ، وَرِوَايَةُ الرُّجُوعِ حَمَلَهَا الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تَصِحَّ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ لَمْ تَصِحَّ أَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ لِأَنَّ الْقَبْضَ بِهَا مُحَرَّمٌ بَاطِلٌ، وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ قَبَضَ شَيْئًا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ لَانْفَرَدَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ شَبَّهَهُ بِالْمُهَايَأَةِ. وَمِنْهَا: الزَّرْعُ وَالشَّجَرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ سَقْيَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِأَحَدِهِمَا بِزَرْعٍ وَلِلْآخِرِ بِتِبْنِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْجِدَارِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ لِأَنَّ السَّقْيَ مِنْ بَابِ حِفْظِ الْأَصْلِ وَإِبْقَائِهِ فَهُوَ شُرَطَةٍ السَّقْفِ إذَا انْكَسَرَ بَعْضُ خَشَبِهِ وَالْحَائِطُ الْمَائِلُ، وَذَلِكَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ بِنَاءِ السَّاقِطِ لِأَنَّ إعَادَةَ الْحَائِطِ بَعْدَ زَوَالِهِ شَبِيهٌ بِإِحْدَاثِ الْمَنْفَعَةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ رَدًّا لَهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أُلْحِقَ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَأَلْحَق الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِهَذَا كُلَّ مَا فِيهِ حِفْظُ الْأَصْلِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ مِثْلُ الْحَارِسِ وَالنَّاظِرِ وَالدَّلِيلِ عَلَى الطَّرِيقِ

стр. 145

وَالرِّشْوَةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ الْمَالِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا فِيمَنْ اشْتَرَى شَجَرًا وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعِ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا طَلَب السَّقْيَ لِحَاجَةِ مِلْكِهِ إلَيْهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى التَّمْكِينِ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ عَلَى الطَّلَبِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالطَّلَبِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَهَذَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ [نَفْعُ] السَّقْيِ رَاجِعًا إلَيْهِمَا، وَعَلَّلَ ذَلِكَ فِي الْمُغْنِي بِأَنَّ السَّقْيَ لِحَاجَتِهِ وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُهُ بِحَالَةِ عَدَمِ حَاجَةِ الْآخَرِ فَإِنَّ النَّفْعَ إذَا كَانَ لَهُمَا فَالْمَئُونَةُ عَلَيْهِمَا كَبِنَاءِ الْجِدَارِ وَإِنْ عَطِشَ الْأَصْلُ وَخِيفَ عَلَيْهِ الضَّرَرُ فَفِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْقَطْعِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَعَلَّلَ لِلْإِجْبَارِ بِأَنَّ الضَّرَرَ لَاحِقٌ لِلثَّمَنِ لَا مَحَالَةَ مَعَ الْقَطْعِ وَالتَّبْقِيَةِ وَالْأَصْلُ يَنْحَفِظُ بِالْقَطْعِ فَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِيمَا لَوْ وَصَّى بِثَمَرِ شَجَرٍ لِرَجُلٍ وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى السَّقْيِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى حِفْظِ مَالِ الْآخَرِ بِخِلَافِ الثَّمَرِ الْمُشْتَرَى فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَهَذَا فِي سَقْيِ أَحَدِهِمَا بِخَالِصِ حَقِّ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ بِالزَّرْعِ وَالتِّبْنِ. . [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ مَنْ اتَّصَلَ مِلْكُهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْهُ وَهُوَ تَابِعٌ لَهُ وَلَمْ يُمْكِنْ فَصْلُهُ مِنْهُ بِدُونِ ضَرَرٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ) : مَنْ اتَّصَلَ مِلْكُهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْهُ وَهُوَ تَابِعٌ لَهُ وَلَمْ يُمْكِنْ فَصْلُهُ مِنْهُ بِدُونِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ وَفِي إبْقَائِهِ عَلَى الشَّرِكَةِ ضَرَرٌ لَمْ يَفْصِلْهُ مَالِكُهُ فَلِمَالِك الْأَصْلِ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْقِيمَةِ مِنْ مَالِكِهِ وَيُجْبَرَ الْمَالِكُ عَلَى الْقَبُولِ. وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ فَصْلُهُ بِدُونِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ مَالِكَ الْأَصْلِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَمَلُّكُهُ قَهْرًا لِزَوَالِ ضَرَرِهِ بِالْفَصْلِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا غِرَاسُ الْمُسْتَأْجِرِ وَبِنَاؤُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يَقْلَعْهُ الْمَالِكُ فَلِلْمُؤَجِّرِ تَمَلُّكُهُ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَلْعَهُ بِدُونِ ضَمَانِ نَقْصِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَكْثَرُونَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَبُو الْخَطَّابِ أَنْ لَا يَقْلَعَهُ الْمَالِكُ فَلَعَلَّهُ جَعَلَ الْخِيَرَةَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ دُونَ مَالِكِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ. وَمِنْهَا: غِرَاسُ الْمُسْتَعِيرِ وَبِنَاؤُهُ إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِعَارَةِ وَقُلْنَا يَلْزَمُ بِالتَّوْقِيتِ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَمَلَّكُ بِالْقِيمَةِ نَقَلَهُ عَنْهُ مُهَنَّا وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَةٍ يَتَمَلَّكُ بِالنَّفَقَةِ وَلِمَالِكِهِ الْقَلْعُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَتَرَدَّدَ فِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْلَعُ بِدُونِ شَرْطٍ وَمِنْهَا: غِرَاسُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ وَبِنَاؤُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إذَا انْتَزَعَ الشَّفِيعُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مَعَ الْأَرْضِ بِقِيمَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَلِمَالِكِهِ أَنْ يَقْلَعَهُ أَيْضًا وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ النَّقْصَ. وَمِنْهَا: غِرَاسُ الْمُفْلِسِ وَبِنَاؤُهُ إذَا رَجَعَ صَاحِبُ الْأَرْضِ فَلِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ الْقَلْعُ فَإِنْ أَبَوْهُ وَطَلَبَ الْبَائِعُ
следующие страницы →