Полный текст (422 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَالثَّانِي: مَا عَدَّدَهُ مِنْ التَّمْلِيكَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لِإِزَالَةِ ضَرَرٍ مَا كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَأَخْذِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالزَّرْعِ وَمِنْ الْغَاصِبِ وَتَقْوِيمِ الشِّقْصِ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا قِيلَ إنَّهُ تَمَلُّكٌ يَقِفُ عَلَى التَّقْوِيمِ، وَكَالْفُسُوخِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْبَائِعُ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنَّ لِأَصْحَابِنَا فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُ بِدُونِ دَفْعِ الثَّمَنِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْضِرْ الْمَالَ مُدَّةً طَوِيلَةً بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ.
وَالثَّانِي: تَمْلِكُ بِدُونِهِ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي فَسْخِ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَا يُنَفَّذُ بِدُونِ رَدِّ الثَّمَنِ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ يَقُولُونَ إذَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فَمَتَى قَالَ اخْتَرْتُ دَارِي أَوْ أَرْضِي فَالْخِيَارُ لَهُ وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ. قَالَ: [كَيْفَ] لَهُ الْخِيَارُ وَلَمْ يُعْطِهِ مَالَهُ لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ إنْ أَعْطَاهُ فَلَهُ الْخِيَارُ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُتَخَرَّجُ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ عَلَى انْتِزَاعِ الْأَمْوَالِ قَهْرًا إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ دَفَعَ الْعِوَضَ وَإِلَّا حَصَلَ بِهِ ضَرُورَةُ فَسَادٍ وَأَصْلُ الِانْتِزَاعِ الْقَهْرِيِّ إنَّمَا شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ أَبِي طَالِبٍ وَبَقِيَّةِ الْمَسَائِل بِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ فَسَخَ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الثَّمَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ إذْ أَكْثَرُ مَا فِيهَا التَّمَلُّكُ وَيُعَوَّضُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ جَائِزٌ كَالْقَرْضِ وَغَيْرِهِ.
[تَنْبِيه الْأَمْلَاكُ القهرية تُخَالِفُ الِاخْتِيَارِيَّةَ]
َ مِنْ جِهَةِ أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا وَأَحْكَامِهَا وَتَمَلُّكِ مَا لَا يُتَمَلَّكُ بِهَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَيَحْصُلُ التَّمَلُّكُ الْقَهْرِيُّ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ الْأَجْنَبِيِّ، بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِيِّ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَالتَّمَلُّكُ الْقَهْرِيُّ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ مَنْفَعَتُهُ كَالْبَيْعِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ كَالْمِيرَاثِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فِيهِ تَرَدُّدٌ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ دَفْعِ الثَّمَنِ لِلتَّمَلُّكِ الْقَهْرِيِّ، وَلِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الشَّخْصِ الْمَشْفُوعِ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِدُونِهِ وَيُنَفَّذُ تَصَرُّفُ الشَّفِيعِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيُخَرَّجُ التَّرَدُّدُ فِي الْجَمِيعِ نَظَرًا إلَى الْجِهَتَيْنِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَيَمْلِكُ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ بِالْإِرْثِ وَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَبِاسْتِيلَادِ الْمُسْلِمِ أَمَتَهُ وَبِالْقَهْرِ، وَكَذَلِكَ تُمْلَكُ الْمَصَاحِفُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَهَلْ يَمْلِكُ أُمَّ وَلَدِ الْمُسْلِمِ بِالْقَهْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَتُمْلَكُ بِالْمِيرَاثِ الْخَمْرُ وَالْكَلْبُ وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَتَمَلَّكُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالِاخْتِيَارِ.
стр. 72
[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالْخَمْسُونَ فِيمَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ لِدُخُولِهِ فِي ضَمَانِ مَالِكِهِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ]
ُ لَهُ الْمِلْكُ يَقَعُ تَارَةً بِعَقْدٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ عَقْدٍ وَالْعُقُودُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا عُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ فَيَنْتَقِلُ الضَّمَانُ فِيهَا إلَى مَنْ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ التَّامِّ وَالْحِيَازَةِ إذَا تَمَيَّزَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ وَتَعَيَّنَ فَأَمَّا الْمَبِيعُ الْمُبْهَمُ غَيْرُ الْمُتَعَيَّنِ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهَا بِدُونِ الْقَبْضِ، وَهَلْ يَكْفِي كَيْلُهُ وَتَمْيِيزُهُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ؟ حَكَى الْأَصْحَابُ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ثُمَّ لَهُمْ طَرِيقَانِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَلْ التَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ الْمَبِيعَةِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ؟ حَكَى الْأَصْحَابُ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: التَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي الْمَبِيعِ الْمُتَعَيَّنِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِيمَا لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ إذَا عُيِّنَ وَخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رِوَايَتَيْنِ وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ مَسْلَكُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَلَهُ فِي طَرِيقَةٍ ثَالِثَةٍ سَلَكَهَا فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّ الْكَيْلَ قَبْضٌ لِلْمُبْهَمِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ قَبْضُهُ كَيْلَهُ وَالتَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي الْمُعَيَّنَاتِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهَذِهِ أَصَحُّ مِمَّا قَبْلَهَا وَقَدْ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ الْمُبْهَمِ فَجَعَلَ قَبْضَهُ كَيْلَهُ وَبَيَّنَ الصُّبْرَةَ فَجَعَلَ قَبْضَهَا نَقْلَهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ إذَا كِيلَ فَقَدْ حَصَلَ فِيهِ التَّمْيِيزُ وَزِيَادَةٌ وَهِيَ اعْتِبَارُ قَدْرِهِ وَكِلَاهُمَا مِنْ فِعْلِ الْبَائِعِ وَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي بَقِيَّةِ الْمُعَيَّنَاتِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ سِوَى تَمْيِيزِهَا بِنَفْسِهَا، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فَيَكُونُ بَعْدَ كَيْلِهِ وَتَمْيِيزِهِ كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ قَبْضِهِ التَّامِّ بِالْحِيَازَةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ عِلْقُ الْبَائِعِ مِنْهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَهُ وَالتَّمْكِينَ مِنْ قَبْضِهِ وَقَدْ حَصَلَ، إلَّا الثَّمَرَ الْمُشْتَرَى فِي رُءُوسِ شَجَرِهِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَمَامِ قَبْضِهِ فِي الْحَالِ بِحِيَازَتِهِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يَتَأَتَّى نَقْلُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِكَثْرَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى ضَمَانَةِ الْمُشْتَرِي إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ نَقْلُهُ عَادَةً صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَالنَّاقِلُ لِلضَّمَانِ هُوَ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ وَالْحِيَازَةِ وَحُكْمُ الْمُبْهَمِ الْمُشْتَرَى بِعَدَدٍ أَوْ ذَرْعٍ كَذَلِكَ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ دُخُولَ الْمَعْدُودِ فِيهِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا اشْتَرَى صُبْرَةً، وَأَمَّا الْمُشَاعُ فَكَالْمُتَعَيَّنِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يَقِفُ عَلَى
стр. 73
إفْرَازِهِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالصُّبْرَةُ الْمُبْتَاعَةُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا كَالْقَفِيزِ الْمُبْهَمِ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَالْأَكْثَرِينَ لِأَنَّ عِلْقَ الْبَائِعِ لَمْ تَنْقَطِعْ مِنْهَا وَلَمْ تَتَمَيَّزْ فَإِنَّ زِيَادَتَهَا لَهُ وَنَقْصَهَا عَلَيْهِ وَفِي التَّلْخِيصِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ خَرَّجَ فِيهَا وَجْهًا بِإِلْحَاقِهَا بِالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ اخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ.
قَالَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْهَا حَمِدَهْ فِي الصَّرْفِ لِقَوْلِهِ [﵊] السَّلَامُ: إلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَمُرَادُهُ: أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ لَهُ الْقَبْضَ فَالْتَحَقَ بِالْمُبْهَمَاتِ وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَمَاتَ فِي يَدِ الْمُبْتَاعِ هُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ تَسَلَّمْهُ فَلَا يَتَسَلَّمُهُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسَلُّمِهِ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ إذَا عَرَضَهُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقُدْهُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، وَإِنْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ وَتَرَكَهُ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَضْمُونَاتِ مِنْ الْمَبِيعِ مَا اُشْتُرِيَ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى الْعَقْدِ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ مَانِعَةٌ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ، فَأَمَّا الْمَبِيعُ فِي مَكَان أَوْ زَمَانٍ يَغْلِبُ فِيهِ هَلَاكُ السِّلْعَةِ فَهَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ مُطْلَقًا أَمْ لَا؟ هَذِهِ مَسْأَلَةُ تَبَايُعِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ضَمَانِهَا رِوَايَتَانِ، كَذَا حَكَى الْأَصْحَابُ وَلَمْ يُفَرِّقْ أَكْثَرُهُمْ بَيْنَ مَا قَبْلِ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ.
[وَظَاهِرُ] كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ التَّفْرِيقُ وَأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ قَوْلًا وَاحِدًا كَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ لِتَعَرُّضِهِ لِلْآفَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الثَّمَرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ تَامًّا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخَصَّ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ بِمَالِ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ تَطَلُّبَ الْكُفَّارِ لَهَا شَدِيدٌ وَحِرْصَهُمْ عَلَى اسْتِرْدَادِهَا مَعْلُومٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَبَايُعِ الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ قَبْلَ قَبْضِهِ وَجْهَيْنِ كَمَالِ الْغَنِيمَةِ فَأَمَّا مَا بِيعَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ نَهْبٍ وَنَحْوِهِ فَمَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ كَشِرَاءِ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ هَلَاكُهُ كَمَرِيضٍ مَيْئُوسٍ مِنْهُ أَوْ مُرْتَدٍّ أَوْ قَاتِلٍ فِي مُحَارَبَةٍ أَوْ فِي زَمَنِ طَاعُونٍ غَالِبٍ، وَيُحْتَمَلُ فِي هَذَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ التَّلَفِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَمْلُوكَةُ بِعَقْدٍ غَيْرِ الْبَيْعِ كَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ فِيمَا ذَكَرْنَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ رِوَايَةً بِأَنَّ الصَّدَاقَ مَضْمُونٌ عَلَى الزَّوْجِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ نَصَّ فِيمَا إذَا أَصْدَقَهَا غُلَامًا فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ فَقَأَ عَيْنَهُ
стр. 74
أَوْ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ التَّسْلِيمِ حَتَّى فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَيَكُونُ ضَامِنًا بِلَا رَيْبٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ مِنْ هَذَا رِوَايَةٌ بِأَنَّ ضَمَانَ جَمِيعِ الْأَعْيَانِ لَا تَنْتَقِلُ إلَّا بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَخَرَّجَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ مِنْ نَصِّهِ عَلَى ضَمَانِ صُبَرِ الطَّعَامِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ تَأَوَّلَهَا عَلَى أَنَّهَا بِيعَتْ كَيْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّهَا رِوَايَةً فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَإِنْ بِيعَ جُزَافًا، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَ مِنْهَا رِوَايَةً فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَمَأْخَذُ ذَلِكَ أَنَّ عُلَقَ الْمِلْكِ لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ بِدُونِ الْقَبْضِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِحَقِّ الْعَقْدِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ تَتِمَّ أَحْكَامُ الْعَقْدِ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُمَلَّكِ وَهَذِهِ شُبَهُ ابْنِ عَقِيلٍ الَّتِي اعْتَمَدَهَا فِي أَنَّ ضَمَانَ جَمِيعِ الْأَعْيَانِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ فَإِنَّ الْبَائِعَ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ الْقَبْضِ وَهُوَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّقْلُ فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِتَفْرِيغِ مِلْكِ الْبَائِعِ مِنْ مِلْكِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَعَدِّيهِ بِشَغْلِ أَرْضِ الْمَالِكِ بِمِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ أَوْ مَعَ مُطَالَبَتِهِ بِتَفْرِيغِهِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ بِأَنَّ الْمَهْرَ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ بِعِوَضٍ أَصْلِيٍّ بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بِالْهِبَةِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ نِحْلَةً فَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ إلَى الْمَرْأَةِ بِدُونِ الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْأَعْيَانِ.
فَأَمَّا الْمَنَافِعُ فِي الْإِجَارَةِ لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ بِدُونِ الْقَبْضِ أَوْ التَّمْكِينِ مِنْهُ أَوْ تَفُوتُهُ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَائِهَا بِقَبْضِ الْعَيْنِ أَوْ تَسْلِيمِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ نَفْسَهُ تَلِفَتْ مِنْ ضَمَانِهِ أَيْضًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: عُقُودٌ لَا مُعَاوَضَةَ فِيهَا كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَالْوَصِيَّةُ تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فِيهِمَا خِلَافٌ سَبَقَ فَإِذَا قِيلَ لَا يُمْلَكَانِ بِدُونِ الْقَبْضِ فَلَا كَلَامَ لَكِنْ هَلْ يُكْتَفَى بِالْقَبْضِ فِيهِمَا بِالتَّخْلِيَةِ عَلَى رِوَايَةٍ كَالْبَيْعِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ؟ بَارَكَتْ الْأَصْحَابِ عَلَى تَسْوِيَةِ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ بِالْبَيْعِ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي التَّمْكِينُ هَهُنَا فِي اللُّزُومِ فَفِي أَصْلِ الْمِلْكِ أَوْلَى قَالَ لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَا سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْعَقْدَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْقَبْضِ فَيَكْفِي فِيهِ التَّمَكُّنُ.
وَإِنْ قِيلَ يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى الْمِلْكِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ لِأَنَّهَا عُقُودُ بِرٍّ وَتَبَرُّعٍ فَلَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إمَّا بِالْمَوْتِ بِمُجَرَّدِهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ أَوْ بِالْمَوْتِ مُرَاعًى بِالْقَبُولِ أَوْ بِالْقَبُولِ مِنْ حِينِهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْوُجُوهِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ
стр. 75
عَلَى الْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهِ وَأَمَّا [مَا] قَبْلَ الْقَبُولِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُوصَى لَهُ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالتَّرْغِيبِ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا.
وَهَذَا لِأَنَّا إنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ إمَّا مَعَ الْقَبُولِ أَوْ بِدُونِهِ فَهُوَ مِلْكُهُ فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُهُ إلَّا مِنْ حِينِ الْقَبُولِ فَلِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْغَيْرِ تَعَلُّقًا يَمْنَعُ الْوَرَثَةَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ إذَا أَخَّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ حَتَّى نَقَصَ أَوْ تَلِفَ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي التَّمَلُّكِ ثَابِتٌ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ فَكَانَ ضَمَانُ النَّقْصِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمِلْكُ كَمَا فِي رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ إذَا قُلْنَا لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَنِصْفِ الصَّدَاقِ إذَا قُلْنَا لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالتَّمَلُّكِ وَالْمَغَانِمِ إذَا قُلْنَا لَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْعُقُودِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ إلَّا بِالْقَبُولِ عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ لَا يُمْلَكُ إلَّا مِنْ حَيْنِهِ فَوَاضِحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يُحْسَبُ نَقْصُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قِيلَ يَمْلِكُهُ بِالْمَوْتِ فَالْعَيْنُ مَضْمُونَةٌ عَلَى التَّرِكَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْقَوْلِ فَإِنَّهَا تَتْلَفُ مِنْ التَّرِكَةِ لَا مِنْ مَالِ الْمُوصَى لَهُ فَكَذَلِكَ أَجْزَاؤُهَا ; لِأَنَّ الْقَبُولَ وَإِنْ كَانَ مُثْبِتًا لِلْمِلْكِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَهُ السَّابِقَ تَابِعٌ لِثُبُوتِهِ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ وَالْمَعْدُومُ حَالَ الْقَبُولِ لَا يُتَصَوَّرُ الْمِلْكُ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ مِلْكٌ، نَعَمْ إنْ قِيلَ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ بِكُلِّ حَالٍ كَالْمُوَرِّثِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَمْلُوكِ بِالْعَقْدِ فَأَمَّا مَا مُلِكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَنَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمِلْكُ الْقَهْرِيُّ كَالْمِيرَاثِ وَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْمَوْتِ إذَا كَانَ الْمَالُ عَيْنًا حَاضِرَةً يُتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ تَرَكَ مِائَتَيْ دِينَارٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِالْعَبْدِ فَسُرِقَتْ الدَّنَانِيرُ بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ وَجَبَ الْعَبْدُ لِلْمُوصَى لَهُ وَذَهَبَتْ دَنَانِيرُ الْوَرَثَةِ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُمْ اسْتَقَرَّ بِثُبُوتِ سَبَبِهِ إذْ هُوَ لَا يَخْشَى انْفِسَاخَهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ بِالْبَدَلِ عَلَى أَحَدٍ فَأَشْبَهَ مَا فِي يَدِ الْمُودَعِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ بِالْعُقُودِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَخْشَى انْفِسَاخَ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِ أَوْ يَرْجِعَ بِبَدَلِهِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ لَهُ الْقَبْضُ وَأَيْضًا فَالْمَمْلُوكُ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ يَنْتَقِلُ الضَّمَانُ فِيهِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ فَالْمِيرَاثُ أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِمْ بِدُونِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ وَالْغَائِبَ وَنَحْوَهُمَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ قَبْضِهِ، فَعَلَى هَذَا إنْ زَادَتْ التَّرِكَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ
стр. 76
فَالزِّيَادَةُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ يُحْسَبْ النَّقْصُ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ التَّرِكَةُ مَا بَقِيَ بَعْدَ النَّقْصِ حَتَّى لَوْ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ سِوَى الْقَدْرِ الْمُوصَى بِهِ صَارَ هُوَ التَّرِكَةَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ سِوَى ثُلُثِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ بِالْمَوْتِ بِمُجَرَّدِهِ أَوْ مُرَاعًى بِالْقَبُولِ فَلَا تُزَاحِمُهُ الْوَرَثَةُ لِأَنَّ مِلْكَهُ سَبَقَ اسْتِحْقَاقَهُمْ لِمُزَاحَمَتِهِ بِالنَّقْصِ فَيَخْتَصُّ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ الْمَالُ إلَّا بَعْدَ قَبُولِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ خَرَّجَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَغَيْرُهُ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ تَمَكَّنَ مِنْ أَخَذَ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا مَعَ حُضُورِ التَّرِكَةِ وَالتَّمَكُّنِ [مِنْ] قَبْضِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِمْ إلَّا بِالْقَبْضِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا وَتَوَقَّفَ قَبْضُ الْبَاقِي عَلَى قَبْضِ الْوَرَثَةِ فَكُلَّمَا قَبَضُوا شَيْئًا أَخَذَ مِنْ الْمُوصَى بِهِ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ دَيْنًا أَوْ غَائِبًا لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ الْآدَمِيِّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمِلْكُ فَإِنْ كَانَ حِيَازَةَ مُبَاحٍ كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ وَالِاغْتِنَامِ وَنَحْوِهَا فَلَا إشْكَالَ وَلَا ضَمَانَ هُنَا عَلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَوْ وُكِّلَ فِي ذَلِكَ أَوْ شَارَكَ فِيهِ دَخَلَ فِي حُكْمِ الشَّرِكَةِ وَالْوِكَالَةِ وَكَذَلِكَ اللُّقَطَةُ بَعْدَ الْحَوْلِ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَ تَعَيَّنَ مَالُهُ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَتَعَيَّنُ بِالْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ فَالْمُعْتَبَرُ حُكْمُ ذَلِكَ الْإِذْنِ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالْخَمْسُونَ فِي التَّصَرُّفِ فِي المملوكات قَبْلَ قَبْضِهَا]
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالْخَمْسُونَ) فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَمْلُوكَاتِ قَبْلَ قَبْضِهَا: وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى عُقُودٍ وَغَيْرِهَا فَالْعُقُودُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: عُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ وَتَنْقَسِمُ إلَى بَيْعٍ وَغَيْرِهِ، فَأَمَّا الْمَبِيعُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ التَّصَرُّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالضَّمَانِ مُتَلَازِمَانِ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي حَتَّى يَقْبِضَهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي جَارٌ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ.
وَجَعَلُوا الْعِلَّةَ الْمَانِعَةَ مِنْ التَّصَرُّفِ تَوَالِي الضَّمَانَاتِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ تَلَازُمٌ بَيْنَ التَّصَرُّفِ وَالضَّمَانِ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ جَدِّهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْبَائِعِ وَيَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِي صُبْرَةِ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَاةِ جُزَافًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ مَعَ أَنَّهَا فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ حَكَوْا الْخِلَافَ فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ مَعَ عَدَمِ الْخِلَافِ فِي
стр. 77
كَوْنِهَا مَضْمُونَةً عَلَى الْبَائِعِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالْخِلَافِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَالْمُفْرَدَاتِ وَالْحَلْوَانِيُّ وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمْ.
وَصَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي النَّظَرِيَّاتِ بِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الضَّمَانِ وَالتَّصَرُّفِ وَعَلَى هَذَا فَالْقَبْضُ نَوْعَانِ: قَبْضٌ يُبِيحُ التَّصَرُّفَ وَهُوَ الْمُمْكِنُ فِي حَالِ الْعَقْدِ وَقَبْضٌ يَنْقُلُ الضَّمَانَ وَهُوَ الْقَبْضُ التَّامُّ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ فِيمَا يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ هَلْ هُوَ الْمُبْهَمُ أَوْ جِنْسُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَإِنْ بِيعَ جُزَافًا أَوْ الْمَطْعُومِ خَاصَّةً مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُمَا أَوْ الْمَطْعُومُ الْمَكِيلُ أَوْ الْمَوْزُونُ وَنَقَلَهُ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ وَضَعَّفَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَرَجَّحَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الضَّمَانِ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ جَمِيعِ الْأَعْيَانِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَتِمَّ حَيْثُ بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ التَّسْلِيمُ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ عَقْدٌ آخَرُ قَبْلَ انْبِرَامِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ الضَّمَانَ مُلَازِمًا لَهُ، وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَدْ يَتَأَوَّلُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُتَعَيَّنَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَغَيْرَ الْمُتَعَيَّنِ لَا يَجُوزُ ثُمَّ لَازَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ جَوَازِ الْبَيْعِ وَالضَّمَانِ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ جَادَّةِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنْ لَا ضَمَانَ وَلَا مَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا فِي الْمُبْهَمِ خَاصَّةً وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ التَّصَرُّفِ وَالضَّمَانِ أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَأْجَرَةَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُؤَجِّرِ الْأَوَّلِ وَالثَّمَرُ الْمَبِيعُ عَلَى شَجَرِ الْمَبِيعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ.
وَالْمَقْبُوضُ قَبْضًا فَاسِدًا كَالْمَكِيلِ إذَا قُبِضَ جُزَافًا فَانْتَقَلَ الضَّمَانُ فِيهِ إلَى الْمُشْتَرِي وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ كَيْلِهِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ جَائِزٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ مَضْمُونًا عَلَى مَالِكِهِ وَكَذَلِكَ الْمَالِكُ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُعَارِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَضَمَانُهَا عَلَى الْقَابِضِ، وَالتَّعْلِيلُ بِتَوَالِي الضَّمَانَيْنِ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِيهِ كَمَا لَوْ تَبَايَعَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ جَمَاعَةٌ ثُمَّ انْتَزَعَهُ الشَّفِيعُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِخَشْيَةِ انْتِقَاصِ الْمِلْكِ بِتَلَفِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ يَبْطُلُ بِالثَّمَرِ الْمُشْتَرَى فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ وَبِإِجَارَةِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَبِهَذَا أَيْضًا يُنْتَقَضُ تَعْلِيلُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَيَبِيعُ الدَّيْنَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْبَائِعَ وَفَّى عَلَيْهِ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّمْيِيزِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَقَةٌ فِي الْعَقْدِ، وَعَلَّلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْغَرَرِ لِتَعَرُّضِهِ لِلْآفَاتِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ حَيْثُ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى بَائِعِهِ فَلَا يَرْبَحُ فِيهِ مُشْتَرِيهِ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَنْهُ هُوَ الرِّبْحُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ أَصْلِ الرِّبْحِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الرِّبْحِ، وَيَتَخَرَّجُ لَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ حَقِيقَةِ الرِّبْحِ دُونَ الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ فَإِنَّهُ مَنَعَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ إجَارَةِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ إلَّا بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ لِئَلَّا يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ وَمَنَعَ
стр. 78
فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رِبْحِ مَا اشْتَرَاهُ الْمُضَارِبُ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ بِالْمُخَالَفَةِ فَكَرِهَ أَحْمَدُ رِبْحَهُ لِدُخُولِهِ فِي رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَأَجَازَ أَصْلَ الْبَيْعِ وَأَجَازَ الِاعْتِيَاضَ عَنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ لِئَلَّا يَكُونَ رِبْحًا فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا رِوَايَةٌ أَنَّ كُلَّ مَضْمُونٍ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ رِبْحٍ وَيَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ مِنْ الْغَرِيمِ وَالتَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَمْ يَضْمَنْهُ الْبَائِعُ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ الْمَوْهُوبِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ هُوَ الرِّبْحُ وَالتَّكَسُّبُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بَيْعِهِ مِنْ بَائِعِهِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهِ مِنْ بَائِعِهِ حَتَّى يَكِيلَهُ.
وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْإِقَالَةِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهَا بَيْعًا أَوْ فَسْخًا، فَإِنْ قِيلَ إنَّهَا بَيْعٌ لَمْ يَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّتْ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ بِدُونِ كَيْلٍ ثَانٍ لِأَنَّهَا تَجْدِيدُ مِلْكٍ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ بِجَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ الْبَائِعِ لِأَنَّ أَحْمَدَ أَجَازَ فِي رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ عَنْهُ بَيْعَهُ مِنْ الشَّرِيكِ الَّذِي حَضَرَ كَيْلَهُ وَعَلِمَهُ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ آخَرَ فَالْبَائِعُ أَوْلَى، وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ رِوَايَةً فِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ بَائِعِهِ خَاصَّةً [وَ] ذَكَرَا مَأْخَذَهَا، وَهُوَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ طَعَامًا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُمَا خَصَّا فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ هَذَا فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْبَيْعِ: وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْعُقُودِ فَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا إجَارَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ، ثُمَّ ذَكَرَا فِي الرَّهْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَفِي هَذَا الْمَأْخَذِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْبَيْعِ لَكِنَّ تَرْكَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا يَطُولُ غَالِبًا وَقَبْضُهُ مُتَيَسِّرٌ فَلِذَلِكَ يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَعَلَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ الْمَنْعَ مِنْ رَهْنِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ وَلَا مُتَمَيِّزٍ وَلَا مُتَعَيَّنٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ لِإِمْكَانِ تَمْيِيزِهِ وَقَبْضِهِ.
وَعَلَّلَ مَرَّةً أُخْرَى فِي الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ بِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ لَهُمَا فَكَيْفَ يَنْبَنِي عَقْدٌ مَنْ شَرْطُهُ الْقَبْضُ عَلَى عَقْدٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ الْقَبْضُ.
وَلِلْأَصْحَابِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ بِجَوَازِ رَهْنِهِ عَلَى غَيْرِ ثَمَنِهِ حَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِيمَا كَانَ مُعَيَّنًا كَالصُّبْرَةِ وَأَظُنُّهُ مَنَعَهُ مِنْهُ فِي الْمُبْهَمِ لِعَدَمِ تَأَتِّي الْقَبْضِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فَخَرَجَ مِنْ هَذَا وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ.
وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بِجَوَازِ جَعْلِهِ مَهْرًا مُعَلِّلًا بِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ يَسِيرٌ يُغْتَفَرُ فِي الصَّدَاقِ
стр. 79
وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَهَذَا وَجْهٌ ثَالِثٌ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَبِيعِ، فَأَمَّا ثَمَنُهُ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا جَازَ التَّصَرُّفُ قَبْلَ قَبْضِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ لَا، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ مُبْهَمًا لَمْ يَجُزْ إلَّا بَعْدَ تَمْيِيزِهِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا جَازَ أَنْ يُعَاوِضَ عَنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَلَمْ يُخَرِّجَا الْمُعَاوَضَةَ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ حَكَيَا فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ وَالْأَكْثَرُونَ أَدْخَلُوهُ فِي جُمْلَةِ صُوَرِ الْخِلَافِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ اقْتِضَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْقَاضِي البرتي فِي طَعَامٍ فِي الذِّمَّةِ هَلْ يَشْتَرِي بِهِ شَيْئًا مِمَّنْ عَلَيْهِ فَتَوَقَّفَ قَالَ فَقُلْت [لَهُ] لِمَ لَا يَكُونُ مِثْلَ هَذَا اقْتِضَاءُ الْوَرِقِ مِنْ الذَّهَبِ فَكَأَنَّهُ أَجَازَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَضِّحَهُ إيضَاحًا بَيِّنًا، وَهَذَا يُشْعِرُ أَنَّ اقْتِضَاءَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الْآخَرِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُعَاوَضَةِ عَنْهُمَا بِغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّرْفِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّقْدَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى أُجْرِيَا مَجْرَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَأَخْذُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ بَلْ هُوَ نَوْعُ اسْتِيفَاءٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَيْسَ هُوَ بِبَيْعٍ وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِضَاءٌ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِالسِّعْرِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقَدْرِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ اُعْتُبِرَتْ فِي الْقِيمَةِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي.
وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ مَأْخَذَهُ النَّهْيَ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وَأَمَّا الْقَاضِي فَأَجَازَ الْمُعَاوَضَةَ عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ بِمَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ وَتَأَوَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ بِكَلَامٍ بَعِيدٍ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَرِيقَةَ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْإِجَارَةِ، أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَجْنَبِيٍّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَفِي بَيْعِهِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ رِوَايَتَانِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ وَعِوَضِهِ فَأَمَّا غَيْرُ الْمَبِيعِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَهِيَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُخْشَى انْفِسَاخُ الْعَقْدِ بِتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِثْلُ الْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْعِوَضُ فِي الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ وَنَحْوِهِمَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ فِيمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فِي الْمَنَافِعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَإِنْ كَانَ بِإِعَارَةٍ وَنَحْوَهَا فَيَجُوزُ لِأَنَّ لَهُ اسْتِيفَاءَ الْعِوَضِ بِنَفْسِهِ وَمِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ بِإِجَارَةٍ صَحَّ أَيْضًا بَعْدَ قَبْضِ الْعَيْنِ وَلَمْ يَصِحَّ قَبْلَهَا إلَّا لِلْمُؤَجِّرِ عَلَى وَجْهٍ سَبَقَ.
وَيَصِحُّ إيجَارُهَا بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ وَبِأَزْيَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى يُمْنَعُ بِزِيَادَةٍ لِدُخُولِهِ فِي رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي وَجْهٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَطَّلَهَا حَتَّى فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ تَلِفَتْ مِنْ ضَمَانِهِ
стр. 80
فَهِيَ كَالثَّمَرِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا يُخْشَى انْفِسَاخُ الْعَقْدِ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالْمُصَالَحِ بِهِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَأَبِي الْخَطَّابِ - غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهُ الصَّدَاقَ - وَالسَّامِرِيِّ وَصَاحِبَيْ الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ صَدَاقَهَا قَبْلِ الْقَبْضِ وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَلَفَ هَذِهِ الْأَعْوَاضِ لَا تَنْفَسِخُ بِهَا عُقُودُهَا فَلَا ضَرَرَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَعَ هَذَا فَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَمَيِّزِ فِيهَا مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَ التَّصَرُّفِ وَالضَّمَانِ هُنَا وَنَسَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَأَثْبَت الضَّمَانَ وَمَنَعَ التَّصَرُّفَ وَهُوَ وَهْمٌ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْبَيْعِ فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِنْهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَقَالَ هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَالْمُفْرَدَاتِ وَالْحَلْوَانِيِّ وَالشِّيرَازِيِّ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إلْحَاقًا لَهَا بِسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ لِأَنَّ الزَّبْرَةَ الْحَدِيدَةَ الْعَظِيمَةَ إذَا اُشْتُرِيَتْ وَزْنًا فَلَا يُخْشَى هَلَاكُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا مَمْنُوعٌ، وَمَنَافِعُ الْإِجَارَةِ يُخْشَى هَلَاكُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا جَائِزٌ، وَرَجَّحَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْأَوَّلَ وَلَكِنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ التَّصَرُّفِ الرِّبْحُ فِيمَا لَمْ يُضْمَنْ وَهُوَ مُنْتَفٍ هَهُنَا وَهُوَ أَحَدُ الْمَآخِذِ لِلْأَصْحَابِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَعَدَّ الْقَاضِي فِي هَذَا الضَّرْبِ الْقَرْضَ وَأَرْشَ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْقَرْضَ لَا يُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُجَرَّدِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ يَنْفَسِخُ الصُّلْحُ عَنْهَا بِتَلَفِ الْعِوَضِ الْمَضْمُونِ وَكَذَلِكَ أُرُوشُ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ بِخِلَافِ الْعَمْدِ أَوْ نَحْوِهِ لَيْسَ بِعَقْدٍ لِيَدْخُلَهُ الْفَسْخُ ثُمَّ إنَّهُ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ كَالدَّيْنِ وَذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْخَارِجِ إلَّا بِالْقَبْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَلْحَقَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ بِهَذَا أَيْضًا الْمِلْكَ الْعَائِدَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالِاسْتِرْدَادِ لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى انْتِقَاضُ سَبَبِهِ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي اخْتَارَهُ.
فَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ الْمُنْفَسِخُ عَنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ صَارَتْ الْعَيْنُ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَشْهَرِ فَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يُمْنَعَ كَالْعَوَارِيِّ وَالْغُصُوبِ، لَوْ حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُفْلِسِ ثُمَّ عَيَّنَ لِكُلِّ غَرِيمٍ عَيْنًا مِنْ الْمَالِ بِحَقِّهِ مَلَكَهُ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الزَّكَاةِ مِنْ الْمُجَرَّدِ فَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
تَنْبِيهٌ: مَا اُشْتُرِطَ الْقَبْضُ لِصِحَّةِ عَقْدٍ لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَقَدْ
стр. 81
صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ فِي الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، فَأَمَّا إنْ قِيلَ بِالْمِلْكِ بِالْعَقْدِ فَقَدْ حَكَى فِي التَّلْخِيصِ فِي الصَّرْفِ الْمُتَعَيَّنِ وَجْهَيْنِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقَبْضِ هَهُنَا مُؤَثِّرٌ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ، فَلَا يَصِحُّ وُرُودُ عَقْدٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ انْبِرَامِهِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ الْمَنْعُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالْعُقُودِ الْقَهْرِيَّةِ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ يَصِحُّ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي التَّلْخِيصِ
النَّوْعُ الثَّانِي عُقُودٌ يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا نَعْلَمُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مُعَيَّنًا أَوْ مُبْهَمًا، وَسَوَاءٌ قُلْنَا لَهُ رَدُّ الْمُبْهَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ لَا، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي جَوَازِ رَدِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ بِمَوْتِهِ فَهُوَ كَالْبَيْعِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، وَأَمَّا الْهِبَةُ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ بِمُجَرَّدِهِ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ أَيْضًا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ لِأَنَّ حَقَّ الْوَاهِبِ يَنْقَطِعُ عَنْهَا بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِ مِلْكِهِ وَلَيْسَتْ فِي ضَمَانِهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا بِوَجْهٍ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَالتَّطَوُّعُ فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ كَمَا سَبَقَ فَلَا كَلَامَ عَلَى هَذَا، وَعَلَى التَّخْرِيجِ الْمَذْكُورِ يَمْلِكُهَا بِدُونِ الْقَبْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْهِبَةِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ وَابْنِ بُخْتَانَ فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَيُرِيدُ رَجُلٌ يَقْضِيه عَنْهُ مِنْ زَكَاتِهِ قَالَ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ هُوَ مُحْتَاجٌ وَيَخَافُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ يَأْكُلُهُ قَالَ يَقُولُ لَهُ حَتَّى يُوَكِّلَهُ فَيَقْضِيه عَنْهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مَلَكَ الزَّكَاةَ بِالتَّعْيِينِ وَالْقَبُولِ وَجَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهَا بِالْوِكَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ حَنْبَلٌ فِي مَسَائِلِهِ أَنَّ أَحْمَدَ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ لَا بَأْسَ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ طَعَامٌ أَمَرَ لَهُ بِهِ سُلْطَانٌ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَالْعَبْدُ مِثْلُ ذَلِكَ وَالدَّابَّةُ يَبِيعُهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْبَيْعِ إنَّمَا كَانَ لِدُخُولِهِ فِي رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَمَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ رِبْحٌ، فَأَمَّا لَوْ نَوَى بِتَمَلُّكِهِ التِّجَارَةَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُعَدَّةِ لِلرِّبْحِ فَامْتَنَعَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
هَذَا الْكَلَامُ فِي الْعُقُودِ فَأَمَّا الْمِلْكُ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَالْمِيرَاثِ وَالْغَنِيمَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ أَمْوَالِ الْوَقْفِ أَوْ الْفَيْءِ لِلْمُتَنَاوِلِينَ مِنْهُ كَالْمُرْتَزِقَةِ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ وَأَهْلِ الْوَقْفِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ فَإِذَا ثَبَتَ لَهُمْ الْمِلْكُ وَتَعَيَّنَ مِقْدَارُهُ جَازَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا لِأَنَّ حَقَّهُمْ مُسْتَقِرٌّ فِيهِ وَلَا عَلَاقَةَ لِأَحَدٍ مَعَهُمْ وَيَدُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ يَدِ الْمُودَعِ وَنَحْوِهِ الْأُمَنَاءُ وَأَمَّا قَبْلَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ لَا يُوجَدَ سَبَبُهُ فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إشْكَالٍ كَتَصَرُّفِ الْوَارِثِ قَبْلَ مَوْتِ
стр. 82
مُوَرِّثِهِ وَالْغَانِمِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَمَنْ لَا رَسْمَ لَهُ فِي دُيُونِ الْعَطَاءِ فِي الرِّزْقِ.
وَالثَّانِيَة: بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَقَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ كَتَصَرُّفِ الْغَانِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُمْ يَمْلِكُونَ [الْغَنِيمَةَ] بِالْحِيَازَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَالْمُرْتَزِقَةِ قَبْلَ حُلُولِ الْعَطَاءِ وَنَحْوِهِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَطَاءِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا بَيْعُ الصَّكِّ بِعَيْنٍ وَلَا وَرِقٍ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ بَاعَهُ بِعُرُوضٍ جَازَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إذَا قَبَضَ الْعُرُوضَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَمَنَعَ مِنْهُ فِي الْأُخْرَى وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَغَانِمِ قَبْلَ أَنْ تُقَسَّمَ وَلَا الصَّدَقَاتِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ [انْتَهَى] .
[بَيْع الْعَطَاءِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ رِزْقُ بَيْتِ الْمَالِ]
فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا: بَيْعُ الْعَطَاءِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ رِزْقُ بَيْتِ الْمَالِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ هُوَ شَيْءٌ مُغَيَّبٌ لَا يُدْرَى أَيَصِلُ إلَيْهِ أَمْ لَا أَوْ مَا هُوَ وَقَالَ مَرَّةً لَا يُدْرَى يُخْرَجُ أَوْ لَا وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي بَيْعِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَطَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا يُدْرِيهِ مَا يُخْرِجُ وَمَتَى يُخْرِجُ لَا يَشْتَرِيه وَكَرِهَهُ وَرُبَمَا سَمَّى هَذَا أَيْضًا بَيْعَ الصِّكَاكِ وَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَطَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ بِعَرْضٍ قُلْت وَمَا تَفْسِيرُهُ؟ قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يُزَادُ فِي عَطَائِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَيَشْتَرِيهَا بِعَرْضٍ قَالَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ بَيْعِ الصَّكِّ بِعَرْضٍ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَرَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ بَيْعَ الزِّيَادَةِ فِي الْعَطَاءِ إلَّا بِعَرْضٍ وَهَذِهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ بِالْجَوَازِ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيمَا إذَا بَلَغَ بَعْدَ حُلُولِ الْعَطَاءِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ حِينَئِذٍ دَيْنٌ ثَابِتٌ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى طَرِيقَتِهِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ الْغَرِيمِ فَرَجَعَا وَتَأَوَّلَا الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى ذَلِكَ الْعَرْضَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إلَى وَقْتِ قَبْضِ الْعَطَاءِ وَكَانَ وَقْتُهُمَا عِنْدَهُمَا مَعْلُومًا أَوْ أَنَّهُ أَحَالَ بِثَمَنِ الْعَرْضِ عَلَى حَقِّهِ مِنْ الْعَطَاءِ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا التَّأْوِيلِ لِمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ، وَقَدْ يَكُونُ مُرَادُ ابْنِ أَبِي مُوسَى بِبَيْعِ الْعَطَاءِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ قَبْضِهِ فَأَمَّا إذَا اسْتَحَقَّ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الصِّكَاكِ.
[بَيْعُ الصِّكَاكِ قَبْلَ قَبْضِهَا]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَة: بَيْعُ الصِّكَاكِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَهِيَ الدُّيُونُ الثَّابِتَةُ عَلَى النَّاسِ وَتُسَمَّى صِكَاكًا لِأَنَّهَا تُكْتَبُ فِي صِكَاكٍ وَهِيَ مَا يُكْتَبُ فِيهِ مِنْ الرَّقِّ وَنَحْوِهِ فَيُبَاعُ مَا فِي الصَّكِّ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ نَقْدًا وَبِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ صُرِفَ بِنَسِيئَةٍ وَإِنْ بِيعَ بِعَرْضٍ وَقَبَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي بَيْعِ الصَّكِّ هُوَ غَرَرٌ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ وَقَالَ: الصَّكُّ لَا يُدْرَى أَيُخْرَجُ أَوْ لَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الصَّكُّ مِنْ عَطَاءِ الدِّيوَانِ.
وَالثَّانِيَة: الْجَوَازُ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَحَنْبَلٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَطَاءِ
стр. 83
وَقَالَ الصَّكُّ إنَّمَا يَحْتَالُ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُقِرُّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وَالْعَطَاءُ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مُغَيَّبٌ لَا يَدْرِي أَيَصِلُ إلَيْهِ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الصَّكَّ عَلَى الرَّجُلِ بِالدَّيْنِ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ بِالْعَرْضِ إذَا خَرَجَ وَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ يَعْنِي مُشْتَرِيَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ بِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ وَلَا أَبَاحَ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنَافِعِ وَالثَّمَرِ فِي شَجَرِهِ، حَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إلَى جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ الْغَرِيمِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى جَوَازِهِ كَمَا تَرَى.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْمَغَانِمِ قَبْلَ أَنْ تُقَسَّمَ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: بَيْعُ الْمَغَانِمِ قَبْلَ أَنْ تُقَسَّمَ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ وَعَلَّلَهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُصِيبُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَالْعَيْنِ وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا عَلَيْهِ لَكِنَّ الْإِمَامَ لَهُ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِعَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ وَصَحَّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ جَابِرٌ أَكْرَهُ بَيْعَ الْخُمْسِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقَسَّمَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبَاهِلِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ - يَعْنِي - الْعَبْدِيَّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَشْتَرُوا الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ وَالْمَغَانِمَ حَتَّى تُقَسَّمَ» أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ شَهُرَ [وَإِسْحَاقُ بْن راهويه وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا] وَمُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ صَالِحٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْبَاهِلِيُّ بَصْرِيٌّ مَجْهُولٌ وَشَهْرٌ حَالُهُ مَشْهُورٌ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقَسَّمَ» وَفِي الْحَدِيثِ طُولٌ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهُ وَحَسَّنَهُ.
وَخَرَّجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ ; عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ» وَخَرَّجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ» مُرْسَلٌ وَهَذَا فِي حَقِّ آحَادِ الْجَيْشِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ سَوَاءٌ بَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مَجْهُولٌ وَبَعْدَهُ تَعَدٍّ وَغُلُولٌ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَبَدُّ بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْإِمَامِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَقَسَّمَ ثَمَنَهُ فَلَهُ ذَلِكَ
[مَسْأَلَةُ بَيْعُ الصَّدَقَاتِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: بَيْعُ الصَّدَقَاتِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ وَمَأْخَذُهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ الصَّدَقَةُ حَتَّى تُعْتَقَلَ وَتُوسَمَ» وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ الْبَجَلِيِّ عَنْ خَثْعَمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ» وَهَذَا الْمُرْسَلُ أَشْبَهُ مِنْ الْمُسْنَدِ السَّابِقِ.
فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِمِلْكِهَا بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ إذَا تَعَيَّنَتْ مِنْ غَيْرِ
стр. 84
قَبْضٍ فَقَدْ مَرَّ نَصَّ أَحْمَدَ بِجَوَازِ التَّوْكِيلِ فِيهَا، وَهُوَ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فَقِيَاسُهُ سَائِرُ الصَّدَقَاتِ، وَتَكُونُ حِينَئِذٍ كَالْهِبَةِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْعَقْدِ، وَأَمَّا إذَا عَيَّنَهَا الْمَالِكُ مِنْ مَالِهِ وَأَفْرَدَهَا فَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ صَدَقَةً وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِدُونِ قَبْضِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ قَبُولِهِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهَا إذَا تَلِفَتْ بَعْدَ تَعَيُّنِهَا لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ فَاسْتَحَبَّ إمْضَاءَهَا وَكَرِهَ الرُّجُوعَ فِيهَا، وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ الرَّجُلُ لِلَّهِ يُمْضِيهِ وَلَا يَرْجِعُ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا أَمْضَاهُ وَنَقَلَ عَنْهُ جَيْشُ بْنُ سِنْدِيٍّ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ فَقَالَ لَهُ تَصَدَّقْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ثُمَّ إنَّ الدَّافِعَ جَاءَ فَقَالَ رُدَّ إلَيَّ الدَّرَاهِمَ، مَا يَصْنَعُ الْمَدْفُوعُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ؟ قَالَ لَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ يُمْضِيهَا فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَعْنَاهُ وَحَمَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَقَالَ ابْنَ عَقِيلٍ لَا أَعْلَمُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَجْهًا وَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَمَا يَقُولُ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالْقَوْلِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ وَجْهَانِ فَإِذَا قَالَ هَذِهِ صَدَقَةٌ تَعَيَّنَتْ وَصَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَنْذُورَةِ وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ لَكِنْ هَلْ ذَلِكَ إنْشَاءٌ لِلنَّذْرِ أَوْ إقْرَارٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَإِذَا عَيَّنَ بِنِيَّتِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا صَدَقَةً وَعَزَلَهَا عَنْ مَالِهِ فَهُوَ كَمَا اشْتَرَى شَاةً يَنْوِي التَّضْحِيَةَ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الزَّكَاةِ عَنْهُ بِتَلَفِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ الْإِمَامِ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَيَّنَ عَنْ الْهَدْيِ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ هَدْيًا فَعَطِبَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إبْدَالُهُ وَإِنْ قُلْنَا فِي الْعَيْنِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا لِفَوَاتِ قَبْضِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِيصَالُهُ أَيْضًا وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَلَا يَبْرَأُ بِدُونِهِ، وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالتَّمْيِيزِ وَلَوْ حَصَلَ التَّمْكِينُ مِنْ الْقَبْضِ مَنْ فِعْلُ الدَّفْعِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا [لَمْ] يَحْصُلْ التَّمْكِينُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى]
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ) : مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ إنْ كَانَ الْحَقُّ مُسْتَقِرًّا فِيهَا بِمُطَالَبَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِحَقِّهِ أَوْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ لَمْ يَنْفُذْ التَّصَرُّفُ وَلَمْ يُوجَدْ سِوَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ لِاسْتِيفَائِهِ مِنْهَا صَحَّ التَّصَرُّفُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لَا يَصِحُّ حَيْثُ قَالَ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّفِيعِ وَلَا رَهْنُ الْجَانِي، وَكَلَامُهُ فِي الشَّافِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ لَا يَصِحُّ فِي قَدْرِهَا، وَكَذَلِكَ اخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي الْجَانِي بِالْبَيْعِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ
стр. 85
فَإِنْ فَدَاهُ السَّيِّدُ كَانَ افْتِكَاكًا وَسَقَطَ الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ كَمَا لَوْ وَفَّى دَيْنَ الرَّهْنِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَثْبُتَ اسْتِحْقَاقٌ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَبَيْنَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الثُّبُوتِ مُقْتَضَاهُ بِالْأَخْذِ بِالْحَقِّ أَوْ بِالْمُطَالَبَةِ بِهِ فَالْأَوَّلُ مَلَكَ أَنْ يَتَمَلَّك وَالثَّانِي يَمْلِكُ أَوْ طَالَبَ بِحَقِّهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنْهُ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُفْلِسِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَبَعْدَهُ، فَالْفَلَسُ مُقْتَضٍ لِلْحَجْرِ وَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِالْمُطَالَبَةِ وَالْحُكْمِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَرْهُونِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا سِرَايَةَ لَهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَخَذَ بِحَقِّهِ فِي الرَّهْنِ مِنْ التَّوْثِيقِ وَالْحَبْسِ وَقَبَضَهُ وَحُكِمَ لَهُ بِهِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّهْنِ كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْعِتْقُ فَإِنَّمَا نَفَذَ لِقُوَّتِهِ وَسِرَايَتِهِ كَمَا نَفَذَ حَجُّ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ بِدُونِ إذْنِ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ حَتَّى أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ تَحْلِيلَهُمَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَقُوَّةِ الْإِحْرَامِ وَلُزُومِهِ، وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ مَعَ فَسَادِهِ وَيَلْزَمُ إتْمَامُهُ.
وَمِنْهَا الشَّفِيعُ إذَا طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ طَلَبِهِ لِأَنَّ حَقَّهُ تَقَرَّرَ وَثَبَتَ، وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ إنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ وَالْمُطَالَبَةُ إمَّا تَمَلُّكٌ عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَإِمَّا مُؤْذِنَةٌ بِالتَّمَلُّكِ وَمَانِعَةٌ لِلْمُشْتَرِي مِنْ التَّصَرُّفِ ; إذْ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إنَّمَا كَانَ نَافِذًا لِتَرْكِ الشَّفِيعِ الِاحْتِجَارَ عَلَيْهِ وَالْأَخْذَ بِحَقِّهِ وَقَدْ زَالَ فَإِنْ نَهَى الشَّفِيعُ الْمُشْتَرِيَ عَنْ التَّصَرُّفِ وَلَمْ يُطَالِبْ بِهَا لَمْ يَصِرْ الْمُشْتَرِي مَمْنُوعًا، بَلْ تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ عَلَى قَوْلِنَا هِيَ عَلَى الْفَوْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَمِنْهَا إذَا حَلَّ الدَّيْنُ عَلَى الْغَرِيمِ وَأَرَادَ السَّفَرَ فَإِنْ مَنَعَهُ غَرِيمُهُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّفَرُ، وَإِنْ فَعَلَهُ كَانَ عَاصِيًا بِهِ لِأَنَّهُ حَبَسَهُ وَلَهُ وِلَايَةُ حَبْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ كَالْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ فَهَلْ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى السَّفَرِ؟ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ لَا يَتَوَجَّهُ بِدُونِ الطَّلَبِ وَالِالْتِزَامِ.
وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ بِسَفَرِهِ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الْحَبْسِ فِي حَقِّهِ بَلْ لِمَا يَلْزَمُ فِي سَفَرِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا الْمُفْلِسِ إذَا طَلَبَ الْبَائِعُ مِنْهُ سِلْعَتَهُ الَّتِي يَرْجِعُ بِهَا قَبْلَ الْحَجْرِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمُفْلِسِ هَلْ يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيمَا اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ مِنْهُ بِمَا بَايَعَ الْمُشْتَرِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ إنْ أَحْدَثَ فِيهِ الْمُشْتَرِي عِتْقًا أَوْ بَيْعًا أَوْ هِبَةً فَهُوَ جَائِزٌ مَا لَمْ يُطَالِبْ الْبَائِعُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ قَالَ هُوَ أَحَقُّ بِهِ فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إلَّا بِالطَّلَبِ فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يُطَالِبَهُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ طَلَبَهُ فَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ؟ قَالَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ بَعْدَ الطَّلَبِ وَنَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ أَيْضًا كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُطَالَبَةَ الْبَائِعِ - تَثْبُتُ إمَّا بِتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ أَوْ بِاشْتِهَارِ فَلَسِهِ بَيْنَ النَّاسِ،
стр. 86
وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الزبداني أَنَّ اشْتِهَارَ فَلَسِهِ بِظُهُورِ أَمَارَاتِهِ يَمْنَعُ نُفُوذَ تَصَرُّفَاتِهِ مُطْلَقًا.
وَمِنْهَا لَوْ وُجِدَ مُضْطَرًّا وَعِنْدَهُ طَعَامٌ فَاضِلٌ فَبَادَرَ فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ هَلْ يَصِحُّ؟ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ فِي الرَّهْنِ يَصِحُّ، وَيَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالْبَائِعُ مِثْلُهُ، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَا قَبْلَ الطَّلَبِ وَبَعْدَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بَعْدَ الطَّلَبِ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ بَلْ وَلَوْ قِيلَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلَقًا مَعَ عِلْمِهِ بِاضْطِرَارِهِ لَمْ يَبْعُدْ لِأَنَّ بَذْلَهُ لَهُ وَاجِبٌ بِالثَّمَنِ فَهُوَ كَمَا لَوْ طَالَبَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ وَأَوْلَى، لِأَنَّ هَذَا يَجِبُ بَذْلُهُ ابْتِدَاءً لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّفِيعَ حَقُّهُ مُتَعَيَّنٌ فِي عَيْنِ الشِّقْصِ، وَهَذَا حَقُّهُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ، وَلِهَذَا كَانَ إطْعَامُهُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِذَلِكَ الْغَيْرِ وَوَجَبَ الْبَدَلُ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُجَرَّدٌ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَسَائِلُ مُتَعَدِّدَةٌ:
مِنْهَا بَيْعُ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَحْدَهَا فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَيْنِ وَحْدَهَا فَلَيْسَ بِمَعْنَى الشَّرِكَةِ وَلَا بِمَعْنَى انْحِصَارِ الْحَقِّ فِيهَا، وَلَا تَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهَا عَيْنًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا، فَلَا يَتَوَجَّهُ انْحِصَارُ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهَا بِحَالٍ.
وَمِنْهَا بَيْعُ الْجَانِي يَصِحُّ فِي الْمَنْصُوصِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَسَوَاءٌ طَالَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ أَمْ لَا لِأَنَّ حَقَّهُ لَيْسَ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَلَكَهُ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ وَلَمْ نَجْدِ مَحَلًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ سِوَى رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَانْحَصَرَ الْحَقُّ فِيهَا بِمَعْنَى الِاسْتِيفَاءِ مِنْهَا فَإِنْ رَضِيَ الْمَالِكُ بِبَذْلِهِ جَازَ وَإِلَّا فَإِنَّمَا لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْجَانِي أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ فَإِنَّهُمَا بَدَلٌ لَزِمَ قَبُولُهُ وَالْمُطَالَبَةُ مِنْهُ إنَّمَا تَتَوَجَّهُ بِحَقِّهِ وَحَقُّهُ هُوَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ لَا مِلْكُ رَقَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
وَمِنْهَا مَنْ مَلَكَ عَبْدًا مِنْ الْغَنِيمَةِ ثُمَّ ظَهَرَ سَيِّدُهُ وَقُلْنَا حَقُّهُ ثَابِتٌ فِيهِ بِالْقِيمَةٍ فَبَاعَهُ الْمُغْتَنِمُ قَبْلَ أَخْذِ سَيِّدِهِ صَحَّ وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ انْتِزَاعَهُ مِنْ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ صَحَّ وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ انْتِزَاعَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ بِأَخْذِهِ أَوْ لَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ تَمْنَعُ التَّصَرُّفَ كَالشُّفْعَةِ.
وَمِنْهَا تَصَرُّفُ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ الْمُعَلَّقِ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَفِي صِحَّتِهْ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ وَعَلَى الْمَنْعِ يَنْفُذُ بِالْعِتْقِ كَالرَّهْنِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إلَّا مَعَ يَسَارِهِمْ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ تَبَعٌ لِتَصَرُّفِ الْمُوَرِّثِ فِي مَرَضِهِ، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ عَلَى قَوْلِنَا إنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ فِي الْمَرَضِ.
وَمِنْهَا تَصَرُّفُ الزَّوْجَةِ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ إذَا قُلْنَا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ قَهْرًا، قَالَ
стр. 87
صَاحِبُ التَّرْغِيبِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ خِيَارِ الْبَيْعِ وَبَيْنَ خِيَارِ الْوَاهِبِ.
وَمِنْهَا تَصَرُّفُ مَنْ وَهَبَهُ الْمَرِيضُ مَالَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَجُوزُ وَيَنْفُذُ حَتَّى لَوْ كَانَ أَمَةً كَانَ لَهُ وَطْؤُهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَحْدَهُ فِي خِلَافِهِ وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ قَبْلَهَا، وَقَدْ يُقَالُ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ وَمَوْتِ الْوَاهِبِ، وَانْتِقَالُ الْحَقِّ إلَى الْوَرَثَةِ مَظْنُونٌ فَلَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ، وَأَمَّا تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَهُ وَلِلْبَائِعِ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ سِوَى حَقِّ الْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ وَقَدْ زَالَ، فَأَشْبَهَ تَصَرُّفَ الِابْنِ فِيمَا وَهَبَهُ لَهُ الْأَبُ غَيْرَ أَنَّ تَصَرُّفَ الِابْنِ لَا يَقِفُ عَلَى إمْضَاءِ الْأَبِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْأَبِ فِي الْفَسْخِ يَسْقُطُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّ تَسَلُّطَ الْأَبِ عَلَى الرُّجُوعِ لَمْ يَكُنْ لِبَقَاءِ أَثَرِ مِلْكِهِ، بَلْ هُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ مَعَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْوَلَدِ وَاسْتِقْرَارِهِ فَلَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ، وَطُرِدَ هَذَا فِي كُلِّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ لَا يَبْطُلُ مِنْ أَصْلِهِ كَتَصَرُّفِ الْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَقِفُ عَلَى إمْضَاءِ الْوَرَثَةِ، وَعِتْقُ الْمُكَاتِبِ لِرَقِيقِهِ يَقِفُ عَلَى تَمَامِ مِلْكِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخِلَافِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ فِي مَسْأَلَةِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ أَنَّ تَصَرُّفَ الرَّاهِنِ يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِوَقْفِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَيْضًا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الشَّفِيعِ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ فِي عَيْنٍ وَسَقَطَ بِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهَا]
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ) : مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ فِي عَيْنٍ وَسَقَطَ بِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهَا، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُتَصَرِّفِ فِيهَا الْإِقْدَامُ عَلَى التَّصَرُّفِ الْمُسْقِطِ لِحَقِّ غَيْرِهِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ أَمْ لَا؟ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ الَّذِي يَسْقُطُ بِالتَّصَرُّفِ قَدْ أَخَذَ بِهِ صَاحِبُهُ وَتَمَلَّكَهُ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَدْ طَالَبَ بِهِ صَرِيحًا أَوْ إيمَاءً، الَّذِينَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْحَقُّ شَرْعًا وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَلَمْ يُطَالِبْ بِهِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّهِ وَلَوْ ضَمِنَهُ بِالْبَدَلِ كَعِتْقِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا قُلْنَا بِنُفُوذِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ
стр. 88
الْكَافِي مَعَ أَنَّ عِتْقَهُ يُوجِبُ ضَمَانَ قِيمَتِهِ يَكُونُ رَهْنًا لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ الْقَائِمِ فِي الْعَيْنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَكَذَلِكَ إخْرَاجُ الرَّهْنِ بِالِاسْتِيلَادِ مُحَرَّمٌ وَلِأَجْلِهِ مَنَعْنَا أَصْلَ الْوَطْءِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِتْقُ الْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إذَا نَفَّذْنَاهُ لِأَنَّ غُرَمَاءَهُ قَدْ قَطَعُوا تَصَرُّفَهُ فِيهِ بِالْحَجْرِ وَتَمَلَّكُوا الْمَالَ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي تَبْذِيرِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُ عِتْقِ الرَّاهِنِ كَاقْتِصَاصِهِ مِنْ أَحَدِ عَبِيدِهِ الْمَرْهُونِينَ إذَا قَتَلَهُ الْآخَرُ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ نَصًّا، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ بِنُفُوذِ الْعِتْقِ وَلَا يَدُلُّ، وَأَمَّا اقْتِصَاصُ الرَّاهِنِ مِنْ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَوْ مِنْ قَاتِلِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ أَوْ قِيمَتِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ وَوَاجِبًا عَلَى الرَّاهِنِ قِيمَتُهُ تَكُونُ رَهْنًا، وَصَرَّحَا أَيْضًا [هَهُنَا] بِأَنَّ الْعِتْقَ هَهُنَا لَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا ذَكَرَا جَوَازَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُ الْقِصَاصِ فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعِتْقِ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ تَعَلُّقًا يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِدَلِيلِ أَنَّ حَقَّ الْجَانِي مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ لِانْحِصَارِ حَقِّهِ فِيهِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الْعِتْقِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا، وَمِنْهُ خِيَارُ الْبَائِعِ الْمُشْتَرَطِ فِي الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمِلْكَ لَهُ فَإِنْ اشْتِرَاطَهُ الْخِيَارَ فِي الْعَقْدِ تَعْرِيضٌ بِالْمُطَالَبَةِ بِالْفَسْخِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَيْضًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إسْقَاطُ خِيَارِهِ الثَّابِتِ فِي الْمَجْلِسِ [بِالْعِتْقِ وَلَا غَيْرِهِ] كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ.
وَيَنْدَرِجُ فِي صُوَرِ الْخِلَافِ مَسَائِلُ: مِنْهَا مُفَارَقَةُ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْآخَرَ فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إذْنِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَفْسَخَ الْآخَرُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَجُوزُ ; لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ.
وَالثَّانِيَة لَا يَجُوزُ ; لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي وَمِنْهَا تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ بِالْوَقْفِ قَبْلَ الطَّلَبِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَصَرَّحَ الْقَاضِي بِجَوَازِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحَيُّلِ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ تَحْرِيمُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الشَّرِيكِ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ لِيَأْخُذَ أَوْ يَذَرَ» ، مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْأَخْذِ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ، فَأَوْلَى أَنْ يَنْهَى عَمَّا يُسْقِطُ حَقَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمِنْهَا وَطْءُ الْعَبْدِ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ إذَا عَتَقَتْ وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ لِيُسْقِطَ اخْتِيَارَهَا لِلْفَسْخِ، الْأَظْهَرُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ قِيَاسُ مَذْهَبِنَا جَوَازُهُ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ
стр. 89
وَمِنْهَا تَصَرُّفُ الزَّوْجَةِ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقُلْنَا لَمْ يَمْلِكْهُ [مَهْرًا] فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، فَأَمَّا تَصَرُّفُ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ الْعِوَضِ إذَا اسْتَحَقَّ الْآخَرُ رَدَّ مَا بِيَدِهِ بِعَيْبٍ أَوْ خَلْفٍ فِي صِفَةٍ فَيَجُوزُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لَا يَمْنَعُ حَقَّ الْآخَرِ مِنْ رَدِّ مَا بِيَدِهِ فَإِذَا رَدَّهُ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِالْعِوَضِ الَّذِي بَدَّلَهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا رَجَعَ بِبَدَلِهِ وَقِيَاسُ هَذَا أَنَّ لِلْبَائِعِ التَّصَرُّفَ فِي الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّ لِلْبَائِعِ التَّصَرُّفَ فِي الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إلَّا أَنْ يَتَّخِذَ حِيلَةً عَلَى أَنْ يُقْرِضَ غَيْرَهُ مَالًا وَيَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ صُورَةَ الْبَيْعِ وَيَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِيَرْجِعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْحِيلَةِ فَيَجُوزُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ مِنْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ بِفَسْخٍ أَوْ عَقْدٍ]
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ) : مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ بِفَسْخٍ أَوْ عَقْدٍ هَلْ يَكُونُ تَصَرُّفُهُ فَسْخًا أَمْ لَا وَهَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ أَمْ لَا؟ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَمَلُّكًا، وَلَا يَنْفُذُ وَفِي بَعْضِ صُوَرِهَا خِلَافٌ، وَمِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ الْبَائِعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ لَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فَسْخًا وَلَمْ يَنْفُذْ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنَّمَا لَهُ فِيهِ خِيَارٌ فَإِذَا اخْتَارَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ جَازَ فَأَمَّا دُونَ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ فَلَا.
وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى طُرُقٍ: أَحَدُهَا: لَا يَكُونُ فَسْخًا رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ بِالْقَوْلِ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَهِيَ أَصَحُّ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِفَسْخٍ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَطِئَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَة: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي وَرَجَّحَ أَنَّهُ فَسْخٌ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فَيَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ بِخِلَافِ بَائِعِ الْمُفْلِسِ فَإِنَّ مِلْكَ الْمُفْلِسِ تَامٌّ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ فَسْخٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ كَمَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي إمْضَاءٌ وَإِبْطَالٌ لِلْخِيَارِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالْحَلْوَانِيِّ فِي الْكِفَايَةِ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْمَنْصُوصِ وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ فَسْخِ الْبَائِعِ بِإِمْضَاءِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي قَائِمٌ وَمِلْكَ الْبَائِعِ مَفْقُودٌ.
وَالطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْوَطْءِ فَسْخٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ بِدَلِيلِ وَطْءِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى
стр. 90
أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَبِغَيْرِهِ وَفِيهِ الْخِلَافُ وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْكَافِي وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَطْءَ اخْتِيَارٌ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَحَكَاهُ فِي الْخِلَافِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ وَطْءِ الْبَائِعِ بِوَطْءِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ فَلِذَلِكَ كَانَ الْوَطْءُ اخْتِيَارًا فِي حَقِّهِ فَهُوَ كَوَطْءِ الْمُشْتَرِي هَهُنَا وَالْبَائِعُ بِخِلَافِهِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَأَمَّا نُفُوذُ التَّصَرُّفِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا، صَرَّحَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِلْكٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الِانْفِسَاخَ كَالسَّوْمِ وَنَحْوِهِ، وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَيَتَخَرَّجُ مِنْ قَاعِدَةٍ لَنَا سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ أَنَّهُ هَلْ تَكْفِي مُقَارَنَةُ شَرْطِ الْعَقْدِ فِي صِحَّتِهِ؟
وَمِنْهَا إذَا بَاعَ أَمَةً بِعَبْدٍ ثُمَّ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَلَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْجَاعُ الْأَمَةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ السِّلَعِ الْمَعِيبَةِ إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي عِوَضِهِ الَّذِي أَدَّاهُ لِأَنَّ مِلْكَ الْآخَرِ عَلَيْهِ تَامٌّ مُسْتَقِرٌّ فَلَوْ أَقْدَمَ وَأَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوْ وَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَسْخًا وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ احْتِمَالًا آخَرَ أَنَّ وَطْأَهُ يَكُونُ اسْتِرْجَاعًا كَمَا فِي وَطْءِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ.
وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَهَذَا وَاهٍ جِدًّا فَإِنَّ الْمِلْكَ عَنْ الرَّجْعِيَّةِ وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَزُلْ وَهَذَا قَدْ زَالَ.
وَمِنْهَا لَوْ بَاعَ أَمَةً ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَالْأَمَةُ مَوْجُودَةٌ بِعَيْنِهَا فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهَا بِالْقَوْلِ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِخِلَافِهِ فَيَكُونُ كَالْفَسْخِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَاكِمٍ، وَلَوْ أَقْدَمَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا ابْتِدَاءً لَمْ يَنْفُذْ وَلَمْ يَكُنْ اسْتِرْجَاعًا، وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ لِتَمَامِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ. وَفِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ أَنَّ الْوَطْءَ اسْتِرْجَاعٌ وَأَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا آخَرَ بِعَدَمِهِ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذَا الْخِلَافِ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ فِي تَصَرُّفِ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُفْلِسِ غَيْرُ تَامٍّ بِدَلِيلِ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِحَقِّ الْبَائِعِ فَهُوَ كَالْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ غَيْرَ أَنَّ ضَعْفَ الْمِلْكِ هَهُنَا طَارِئٌ وَفِي الذَّكَرِ الْخِيَارِ مُبْتَدِئٌ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ.
وَمِنْهَا تَصَرُّفُ الشَّفِيعِ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ قَبْلَ التَّمَلُّكِ هَلْ يَكُونُ تَمَلُّكًا وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ قَوْلِهِ أَوْ تَمَلُّكِهِ أَوْ مَقَامَ الْمُطَالَبَةِ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ بِهَا الْمِلْكَ أَوْ مَقَامَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ الْمِلْكَ
стр. 91
بِهِ يُمْكِنُ] عَلَى تَخْرِيجِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّ حَقَّهُ اسْتَقَرَّ وَثَبَتَ وَانْقَطَعَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي.
وَمِنْهَا لَوْ وَهَبَ الْأَبُ لِوَلَدِهِ شَيْئًا وَقَبَضَهُ الْوَلَدُ ثُمَّ تَصَرَّفَ الْأَبُ فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ هَلْ يَكُونُ تَصَرُّفُهُ رُجُوعًا؟ الْمَنْصُوصُ أَنْ لَا. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا وَهَبَ لِابْنِهِ جَارِيَةً وَقَبَضَهَا الِابْنُ لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ عِتْقُهَا حَتَّى يَرْجِعَ فِيهَا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ هَذِهِ الْجَارِيَةُ لِلِابْنِ وَأَعْتَقَ الْأَبُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَخَرَّجَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ فِي كِتَاب حُكْمِ الْوَالِدَيْنِ فِي مَالِ وَلَدِهِمَا رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّ الْعِتْقَ صَحِيحٌ وَيَكُونُ رُجُوعًا وَسَيَأْتِي تَخْرِيجُ هَذَا الْأَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي التَّلْخِيصِ لَا يَكُونُ وَطْؤُهُ رُجُوعًا وَهَلْ يَكُونُ بَيْعُهُ وَعِتْقُهُ وَنَحْوُهُمَا رُجُوعًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَلَا يَنْفُذُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَمْ يُلَاقِ الْمِلْكَ مَثَانِينَ وَجْهٌ بِنُفُوذِهِ لِاقْتِرَانِ الْمِلْكِ بِهِ كَمَا سَبَقَ
وَمِنْهَا لَوْ تَصَرَّفَ الْوَالِدُ فِي مَالِ وَلَدِهِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَمَلُّكُهُ قَبْلَ التَّمَلُّكِ لَمْ يَنْفُذْ [انْتَهَى] . وَلَمْ يَكُنْ تَمَلُّكًا عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَأَنَّ تَمَلُّكَهُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْقَبْضِ الَّذِي يُرَادُ التَّمَلُّكُ بِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فَلَمْ يَتَمَلَّكْ بِدُونِ قَبْضِهِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ وَلَمْ يُخَرِّجُوا فِي تَمَلُّكِهِ بِالْقَبُولِ خِلَافًا مِنْ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْهِبَةَ عَقْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَبُولِ كَعُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ وَهَهُنَا اكْتِسَابُهُ مَالٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدُونِ الْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ وَمَا لَمْ يَجُزْ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَخَرَّجَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى بِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ بِالْعِتْقِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأُخِذَ ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْمَرُّوذِيّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِابْنِهِ جَارِيَةً فَعَتَقَهَا كَانَ جَائِزًا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ يُعْتِقُ الْأَبُ مِنْ مَالِ الِابْنِ وَهُوَ مِلْكُ الِابْنِ حَتَّى يَعْتِقَ الْأَبُ أَوْ يُؤْخَذَ وَفِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَرَى أَنَّ مَالَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُعْتَقُ مِنْهُ إلَّا أُمَّ وَلَدِ ابْنِهِ وَفِي تَوْجِيه هَذِهِ الرِّوَايَةِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَقِيقَ الِابْنِ لَهُ فِيهِ شِبْهُ مِلْكٍ وَلِذَلِكَ نَفَذَ اسْتِيلَاؤُهُ فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ كَعِتْقِ أُمِّهِ مِنْ الْمَغْنَمِ لَكِنْ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُطَالَبُ بِمَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ وَقَعَ الْمِلْكُ مُقَارِنًا لِلْعِتْقِ فَنَفَذَ وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمِلْكِ يُكْتَفَى بِهِ فِي الْعِتْقِ كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَفَعَلَ صَحَّ وَوَقَعَ الْعِتْقُ وَالْمِلْكُ مَعًا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ بَيْعُ الْأَبِ وَشِرَاؤُهُ عَلَى ابْنِهِ جَائِزٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَنُفُوذِهِ وَحُصُولُ التَّصَرُّفِ بِهِ وَفِي التَّنْبِيهِ لِأَبِي بَكْرٍ بَيْعُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ وَعِتْقُهُ وَصَدَقَتُهُ وَوَطْءُ إمَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الِابْنُ قَدْ وَطِئَ جَائِزٌ وَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ وَعِتْقُهُمْ، وَلِهَذَا الْقَوْلِ مَأْخَذَانِ أَيْضًا:
стр. 92
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمِلْكَ يَقْتَرِنُ بِالتَّصَرُّفِ فَيَنْفُذُ كَمَا فِي نَظِيرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا تَمَلُّكٌ قَهْرِيٌّ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَى التَّمَلُّكِ كَمَا مَلَكَ الْهِبَةَ الْمُعَيَّنَةَ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلِهَذَا حَكَى طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي بَيْعِ الْمُبَاحَاتِ النَّابِتَةِ وَالْجَارِيَةِ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ [قَبْلَ حِيَازَتِهَا] رِوَايَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي أَنَّهَا عَيْنٌ مَمْلُوكَةٌ وَمِمَّنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ صَاحِبُ الْمُقْنِعِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَوَجْهُ صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَيْسَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ كَالْمَمْلُوكِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ بَيْعِ الصِّكَاكِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهَا، وَأَمَّا تَصَرُّفُ الْأَبِ فِي أَمَةِ وَلَدِهِ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ أَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْبِلْهَا، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكْ الْأَبُ مَالَ وَلَدِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ لَمْ يَمْلِكْهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ التَّصَرُّفِ صَارَتْ مِلْكًا لَهُ بِالْوَطْءِ بِمُجَرَّدِهِ، وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الْقَاضِي وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ ابْنِ شَاقِلَا قَالَ الشَّيْخُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ الْعَزِيزِ، رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَطِئَهَا زَوْجُهَا وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَتَدَاعَيَاهُ جَمِيعًا أَرَى الْقَافَةَ.
وَقَالَ إذَا وَطِئَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ ابْنِهِ وَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ عَلَى الْأَبِ لِأَنَّهَا بِنَفْسِ الْوَطْءِ مِلْكٌ لَهُ قَالَ الشَّيْخُ فِي نَفْسِي مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَثْرَمِ شَيْءٌ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ إذَا وَطِئَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ ابْنِهِ إلَى آخِرِهِ مِنْ تَمَامِ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَنْ أَحْمَدَ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي التَّنْبِيهِ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَ يُرِيدُ أَنَّ تَمَلُّكَهَا يَثْبُتُ مَعَ وَطْءِ الِابْنِ فَأَمَّا ثُبُوتُ الِاسْتِيلَادِ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً لَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي أَنَّهَا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُنَافِي الِاسْتِيلَادَ وَكَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكَةِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْحَقُ بِوَطْءِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا صَغِيرًا لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَابْنِ بُخْتَانَ وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى فَلِمُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمِ أَوْلَى هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ الِابْنُ قَدْ اسْتَوْلَدَهَا فَإِنْ كَانَ اسْتَوْلَدَهَا لَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ فِيهَا بِاسْتِيلَادِ غَيْرِهِ كَمَا لَا يَنْتَقِلُ بِالْعُقُودِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ أَنَّهَا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً لَهُمَا جَمِيعًا كَمَا لَوْ وَطِئَ الشَّرِيكَانِ أَمَتَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الْقَافَةِ حُكِمَ بِاسْتِيلَادِهِمَا [لَهَا] دُفْعَةً وَاحِدَةً وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ ثَبَتَ اسْتِيلَادُ الِابْنِ أَوَّلًا لَهَا فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أُمُّ الْوَلَدِ تُمْلَكُ بِالْقَهْرِ عَلَى رِوَايَةٍ وَالِاسْتِيلَادُ سَبَبٌ قَهْرِيٌّ وَمِنْهَا تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِي مَالِ عَبْدِهِ الَّذِي مَلَّكَهُ إيَّاهُ وَقُلْنَا يَمْلِكُهُ، ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْفُذُ وَيَكُونُ اسْتِرْجَاعًا لِتَضَمُّنِهِ إيَّاهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ سَبَقَ
стр. 93
رُجُوعَهُ التَّصَرُّفُ لِيَنْفُذَ.
وَمِنْهَا تَصَرُّفُ الْمُوصَى لَهُ بِالْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبُولِ؟ الْأَظْهَرُ قِيَامُهُ مَقَامَهُ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ قَدْ اسْتَقَرَّ لَهُ التَّيَّابِينَ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ وَقَدْ كَمُلَ بِالْمَوْتِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ إذَا قِيلَ بِاشْتِرَاطِ قَبُولِهِ فَأَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي تُمَلَّك لَهُ مُوجَبُهَا الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبُولِ، فَهَلْ يَقُومُ التَّصَرُّفُ فِيهَا مَقَامَ الْقَبُولِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ يَلْتَفِتُ إلَى انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْمُعَاطَاةِ فَأَمَّا الْوِكَالَةُ فَيَصِحُّ قَبُولُهَا بِالْفِعْلِ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهَا إذْنٌ مُجَرَّدٌ وَأَمْرٌ بِالتَّصَرُّفِ فَيَصِحُّ امْتِثَالُهُ بِالْفِعْلِ وَهَلْ يُسَاوِيهَا فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّلْخِيصِ أَوْ صَرِيحُهُ الْمُسَاوَاةُ وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي صِحَّةِ قَبُولِ الْقَاضِي الْقَضَاءَ بِشُرُوعِهِ فِي النَّظَرِ احْتِمَالَيْنِ وَجَعَلَ مَأْخَذَهُمَا هَلْ يَجْرِي الْفِعْلُ مَجْرَى النُّطْقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَيَحْسُنُ بِنَاؤُهُمَا عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ عَقْدٌ جَائِزٌ أَوْ لَازِمٌ.
وَمِنْهَا الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةِ هَلْ تَحْصُلُ رَجْعَتُهَا بِالْوَطْءِ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ مَأْخَذُهُمَا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ [الْخِلَافُ فِي وَطْئِهَا] هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مُحَرَّمٌ وَالصَّحِيحُ بِنَاؤُهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِشْهَادِ لِلرَّجْعِيَّةِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ الْبِنَاءُ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ وَلَا عِبْرَةَ بِحِلِّ الْوَطْءِ وَلَا عَدَمِهِ فَلَوْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِهِ كَانَتْ رَجْعَةً، وَهَلْ يَشْتَرِطُ غَيْرُهُ أَنْ يَنْوِيَ بِالْوَطْءِ الرَّجْعَةَ أَمْ لَا؟ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ اعْتِبَارَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي وَمَنْ اتَّبَعَهُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الرَّجْعِيَّةَ لَمْ يَزُلْ النِّكَاحُ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ تَشَعُّثٌ لَكِنَّ الرَّجْعَةَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الِاسْتِبَاحَةُ حَقِيقَةً فِي الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْعِدَّةِ.
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ شُرُوطُ الْعُقُودِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدِ أَوْ الْمَعْقُودِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ]
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ) : شُرُوطُ الْعُقُودِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدِ أَوْ الْمَعْقُودِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَتْ مُقْتَرِنَةً بِهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا هَلْ يُكْتَفَى بِهَا فِي صِحَّتِهَا أَمْ لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِهَا؟ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُقَارَنَةِ فِي الصِّحَّةِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا بُدَّ مِنْ السَّبْقِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي فِي الْجُمْلَةِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ قَدْ ذَكَرْنَا عِدَّةً مِنْهَا فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ وَمِنْهَا إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَالْمَنْصُوصُ الصِّحَّةُ اكْتِفَاءً بِاقْتِرَانِ شُرُوطِ النِّكَاحِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ بِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ [جَعَلَ] مَأْخَذَهُ انْتِفَاءَ لَفْظِ النِّكَاحِ الصَّرِيحِ وَهُوَ ابْنُ حَامِدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ [جَعَلَ] مَأْخَذَهُ انْتِفَاءَ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ.
وَمِنْهَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَهُ عَلَى ثَمَنِهِ صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ حَامِدٍ لَا يَصِحُّ لِانْتِفَاءِ الْمِلْكِ لِلرَّهْنِ وَلَا تَكْفِي الْمُقَارَنَةُ.
стр. 94
وَمِنْهَا لَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا [أَنَّهُ] يَصِحُّ وَقِيلَ إنَّهُ الْمَنْصُوصُ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي النِّكَاحِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْأَكْثَرُونَ اكْتِفَاءً بِاقْتِرَانِ الْبَيْعِ وَشَرْطِهِ وَهُوَ كَوْنُ الْمُشْتَرِي مُكَاتَبًا يَصِحُّ مُعَامَلَتُهُ لِلسَّيِّدِ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْبُيُوعِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَسْبِقْ عَقْدَ الْبَيْعِ.
وَمِنْهَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ لِزَيْدٍ وَأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْوِكَالَةِ وَالدَّيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَقْبَلُ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ ثُبُوتِ الْوِكَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الدَّيْنِ، قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَالْأَشْبَهُ اعْتِبَارُ تَقَدُّمِ الْوِكَالَةِ لِأَنَّهُ مَا لَمْ نُثْبِتْ وِكَالَتَهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِ وَاسْتَشْهَدَ لِلْقَبُولِ بِمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ فُلَانٍ دَارًا وَهُوَ مَالِكٌ لَهَا بِأَنَّهُ يَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا بِالْبَيْعِ وَالْمِلْكِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ إذَا تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي طَلَاقِهَا فَفِي التَّلْخِيصِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِاقْتِرَانِ الْوِكَالَةِ وَشَرْطِهَا إذْ شَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لِمَا وَكَّلَ فِيهِ وَمِلْكُ الطَّلَاقِ يَتَرَتَّبُ عَلَى ثُبُوتِ النِّكَاحِ فَيُقَارِنُ الْوَكَالَةَ.
وَمِنْهَا لَوْ وُجِدَتْ الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ حَالَ الْعَقْدِ بِأَنْ يَقُولَ سَيِّدُ الْعَبْدِ بَعْدَ إيجَابِ النِّكَاحِ قَبِلْت لَهُ هَذَا النِّكَاحَ وَأَعْتَقْتُهُ فَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ قَالَ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ يَمْنَعُهَا فَأَمَّا اقْتِرَانُ الْحُكْمِ مَعَ شَرْطِهِ فِي غَيْرِ عَقْدٍ هَلْ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ مِنْهَا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ تَثْبُتُ أَهْلِيَّةُ مِلْكِهِ بِالْمَوْتِ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَمُدَّبَّرِهِ فَإِنَّ السَّبَبَ الْمُسْتَحِقَّ بِهِ هُوَ الْإِيصَاءُ وَشَرْطُ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْمَوْتُ وَعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ وُجُودُ أَهْلِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّ فَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ، هَذَا إذَا قُلْنَا إنَّ الْوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَإِنْ قُلْنَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَإِنَّ الْقَبُولَ يَتَأَخَّرُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَصِحُّ الْقَبُولُ حِينَئِذٍ وَلَا يَضُرُّ فَوَاتُ أَهْلِيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ اعْتِقُوا [عَنِّي] عَبْدِي وَأَعْطُوهُ كَذَا لَصَحَّتْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ وَمِنْهَا إذَا وُجِدَتْ الْحُرِّيَّةُ عَقِيبَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ مَعَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ مَاتَ أَبُوك فَأَنْتَ حُرٌّ وَكَانَ أَبُوهُ حُرًّا فَمَاتَ أَوْ دَبَّرَ ابْنَ عَمِّهِ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَانِعَ لَا يُؤَثِّرُ زَوَالُهُ حَالَ الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ وُجُودُهُ عِنْدَنَا فِي إسْلَامِ الطِّفْلِ بِمَوْتِ أَبَوَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا حَدَثَتْ الْأَهْلِيَّةُ مَعَ الْحُكْمِ هَلْ يُكْتَفَى بِهَا أَمْ يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهَا فَإِنْ قُلْنَا تَكْفِي الْمُقَارَنَةُ وَرِثَ لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا وَمَالِكًا فِي حَالَةٍ الرستفغني انْتَهَى. وَلَا يُقَالُ هَذَا يَقْتَضِي اقْتِرَانَ الْعِلَّةِ وَمَعْلُولَهَا وَهُوَ عِنْدَكُمْ بَاطِلٌ لِأَنَّا نَقُولُ عِلَّةُ الْإِرْثِ وَسَبَبُهُ هُوَ النَّسَبُ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى الْمَوْتِ وَإِنَّمَا الْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ لَهُ
стр. 95
وَمِنْهَا عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا تَوَفَّى سَيِّدُهَا، هَلْ هِيَ عِدَّةُ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ، وَقَالَ لَوْ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ لَوَرِثَتْ ثُمَّ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ دَخَلَنِي مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ مَرَّةً تَعْتَدُّ عِدَّةَ حُرَّةٍ اكْتِفَاءً بِالْحُرِّيَّةِ الْمُقَارِنَةِ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَلُزُومُ مُقَارَنَةِ الْعِلَّةِ لِلْمَعْلُولِ هُنَا أَظْهَرُ وَلَا يَلْزَمُ لِأَنَّ سَبَبَ الْعِدَّةِ الِاسْتِفْرَاشُ السَّابِقُ وَالْمَوْتُ شَرْطُهَا وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ لِلْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ، وَمِنْ هَهُنَا لَمْ يَلْزَمْ طَرْخَالَ لِأَنَّ سَبَبَهُ مُنْتَفٍ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ النِّكَاحُ وَالنَّسَبُ وَالْوَلَاءُ.
[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ إذَا تقارن الْحُكْمُ ووجود الْمَنْعِ مِنْهُ فَهَلْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ أَمْ لَا]
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ) : إذَا تَقَارَنَ الْحُكْمُ وَوُجُودُ الْمَنْعِ مِنْهُ، فَهَلْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يَثْبُتُ وَإِنْ تَقَارَنَ الْحُكْمُ بِالدِّي الْمَانِعِ مِنْهُ فَهَلْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَهُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَثْبُتُ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ وَأَبُو الْخَطَّابِ
فَأَمَّا اقْتِرَانُ الْحُكْمِ وَالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَسَائِلُ
: مِنْهَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ، أَوْ قَالَ كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ مُتَعَاقِبِينَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِالْأَوَّلِ وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالثَّانِي، وَلَا تَطْلُقُ بِهِ كَمَا لَا تَطْلُقُ فِي قَوْلِهِ مَعَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ، هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو حَفْصٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعَ ابْنِ حَامِدٍ وَحْدَهُ، وَفِي الْفُصُولِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَأْخَذَ ابْنِ حَامِدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْوِلَادَةِ الْقَوْلُ بِتَقَارُنِ الْعِلَّةِ وَمَعْلُولِهَا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الْوِلَادَةِ قَبْلَ الْبَيْنُونَةِ وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ مَعْلُولَةٌ لِلْوِلَادَةِ فَلَوْ اقْتَرَنَتْ الْعِلَّةُ وَمَعْلُولُهَا لَبَانَتْ مَعَ الْوِلَادَةِ أَيْضًا وَمِنْهَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ مَوْتِي لَمْ تَطْلُقْ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَوْ قَالَ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك لَمْ تَطْلُقْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا لِأَنَّ الْمَوْتَ سَبَبُ الْبَيْنُونَةِ فَلَا يُجَامِعُهَا الطَّلَاقُ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ الْوُقُوعُ هَهُنَا لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ الْحُكْمِ بِالْبَيْنُونَةِ فَإِيقَاعُهُ مَعَ سَبَبِ الْحُكْمِ أَوْلَى وَيَلْزَمُ مِثْلَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى الْوُقُوعِ مَعَ سَبَبِ الِانْفِسَاخِ لِتَأَخُّرِ الِانْفِسَاخِ عَنْهُ وَلَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ، وَادَّعَوْا هَهُنَا الْمُقَارَنَةَ دُونَ السَّبْقِ وَلَا يَصِحُّ وَلَعَلَّ الْمَانِعَ مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مَعَ الْمَوْتِ هُوَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ فِيهِ بِخِلَافِ إيقَاعِهِ مَعَ الْبَيْنُونَةِ فِي الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ أَوْ نَقْصَ الْعَدَدِ
стр. 96
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ زَوْجُ الْأَمَةِ لَهَا إنْ مَلَكْتُك فَأَنْت طَالِقٌ ثُمَّ مَلَكَهَا لَمْ تَطْلُقْ، قَالَ الْأَصْحَابُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ ابْنَ حَامِدٍ يُلْزِمُهُ الْقَوْلَ هَهُنَا الْقَوْلَ بِالْوُقُوعِ لِاقْتِرَانِهِ بِالِانْفِسَاخِ وَمِنْهَا لَوْ أَعْتِقَ الزَّوْجَانِ مَعًا وَقُلْنَا لَا خِيَارَ لِلْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْحُرِّ فَهَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ هَهُنَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَدْ اقْتَرَنَ هُنَا الْمُقْتَضَى وَهُوَ حُرِّيَّتُهَا وَالْمَانِعُ وَهُوَ حُرِّيَّتُهُ فَحَصَلَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ مَعَ الْمَنْعِ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ يَشْكُلُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَسْأَلَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إحْدَاهُمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ مَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَقَدْ حَكَمَ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ وَهُوَ انْتِقَالُ الْمِلْكِ وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ صِحَّةُ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ وَطَرْدُهُ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ مَعَ مُقَارَنَةِ الْمَنْعِ مِنْهَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ طَلْقَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ فَسَخْت نِكَاحَكِ لِعَيْبٍ أَوْ نَحْوِهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ خَالَعْتكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا مَاتَ الذِّمِّيُّ وَلَهُ أَطْفَالٌ صِغَارٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ وَوَرِثَ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ تَوْرِيثِهِ وَقَالَ هُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَيَلْزَمُ مِنْ تَوْرِيثِهِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الْمُقْتَرِنِ بِمَانِعِهِ، وَهَذَا لَا مَحِيدَ عَنْهُ. وَالْجَوَابُ أَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ فَهَذَا مُتَّجَهٌ لَا بُعْدَ فِيهِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ بَارَكَتْ الْأَصْحَابِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ عَلَى طُرُقٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ بِالِانْتِقَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلَا يَعْتِقُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَفِيهَا ضَعْفٌ فَإِنَّ نُصُوصَ أَحْمَدَ بِالْعِتْقِ هُنَا مُتَكَاثِرَةٌ وَرِوَايَةُ بَقَاءِ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ آخْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً عَنْ أَحْمَدَ بَلْ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ كَلَامِهِ وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ الصَّرِيحُ عَنْهُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ عِتْقَهُ عَلَى الْبَائِعِ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ فَلَمْ تَنْقَطِعْ عُلَقُهُ عَنْ الْمَبِيعِ بَعْدُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأُورِدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ تَصَرُّفَ الْبَائِعِ بِالْعِتْقِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَأَجَابُوا بِأَنَّ هَذَا الْعِتْقَ أَنْشَأَهُ فِي مِلْكِهِ فَلِذَلِكَ نَفَذَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ بِنُفُوذِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ يَعْتِقُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ قِيلَ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ مِلْكٍ قَالَ نَعَمْ
стр. 97
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى الْبَائِعِ عَقِيبَ إيجَابِهِ وَقَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالسَّامِرِيِّ وَصَاحِبَيْ الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى بَيْعِهِ وَبَيْعُهُ الصَّادِرُ عَنْهُ هُوَ الْإِيجَابُ فَقَطْ، وَلِهَذَا يُسَمَّى بَائِعًا وَالْقَابِلُ مُشْتَرِيًا، وَيُقَالُ بَاعَ هَذَا وَاشْتَرَى هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ بِقَبُولِ الْمُشْتَرِي لَكِنَّ الْقَبُولَ شَرْطٌ مَحْضٌ لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَاهِيَّتِهِ فَإِذَا وُجِدَ الْقَبُولُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ الْبَائِعُ قَبْلَهُ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ وَفِي هَذِهِ [الطَّرِيقَةِ] أَيْضًا نَظَرٌ فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى نُفُوذِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُنْعَقِدَ لَا صُورَةَ الْبَيْعِ الْمُجَرَّدَةِ وَالطَّرِيقُ الرَّابِعُ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى الْبَائِعِ فِي حَالَةِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي حَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِيجَابِ الْقَبُولُ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ وَثُبُوتُ الْعِتْقِ فَيَتَدَافَعَانِ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ لِقُوَّتِهِ وَسِرَايَتِهِ دُونَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَيَشْهَدُ لَهَا تَشْبِيهُ أَحْمَدَ بِالْمُدَبِّرِ وَالْوَصِيَّةِ وَلَا يُقَالُ فِي الْمُدَبِّرِ وَالْوَصِيَّةِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى [مَالِ] الْوَرَثَةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِمْ بِهَا لِأَنَّهَا تَمْنَعُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَنَقُولُ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ الْمَالُ الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ كَيْفَ يَعْتِقُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَالَ لَوْ وَصَّى لَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَمَاتَ يُعْطَاهَا وَإِنْ كَانَتْ وَجَبَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا مِلْكَ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَنَقَلَ عَنْهُ صَالِحٌ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَيَنْفُذُ الْعِتْقُ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ لَهُ لِقُوَّتِهِ وَسِرَايَتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ.
وَالطَّرِيقُ الْخَامِسُ: أَنْ يُعْتَقَ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَصِحَّتِهِ وَانْتِقَالِ الْمِلْكِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِالْعِتْقِ عَلَى الْبَائِعِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَتَشْبِيهُهُ بِالْوَصِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَتَاقَ لِقُوَّتِهِ وَنُفُوذِهِ وَسِرَايَتِهِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ يَنْفُذُ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِي مِلْكٍ وَالْآخَرُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ فَإِذَا عَقَدَهُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ مُضَافًا إلَى وُجُودِ الْمِلْكِ صَحَّ الْمِلْكُ وَنَفَذَ فِي الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فَكَذَا إذَا عَقَدَهُ فِي مِلْكٍ عَلَى نُفُوذِهِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَلِهَذَا نَقُولُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَوْ قَالَ مَمْلُوكِي فُلَانٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِسَنَةٍ يَعْتِقُ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ وَانْتِقَالِهِ عَنْهُ، وَلَا يُقَالُ لَا يَنْتَقِلُ مِلْكُهُ مَعَ قِيَامِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي غَيْرِ الْعِتْقِ مِنْ الْعُقُودِ لِأَنَّهَا لَا تَسْرِي إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ وَلَا عَهِدَ نُفُوذَهَا فِي غَيْرِ مِلْكٍ بِحَالٍ، وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَجْهًا فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى خُلْعِهَا فَخَالَعَهَا أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ كَمَا يَقَعُ الْعِتْقُ بَعْدَ الْبَيْعِ اللَّازِمِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يَقَعُ مَعَ الْخُلْعِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ ابْنِ حَامِدٍ فِي الْوُقُوعِ مَعَ الْبَيْنُونَةِ وَإِنْ أَرَادَ بَعْدَهُ فَمُشْكِلٌ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يُعْهَدْ عِنْدَنَا وُقُوعُهُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَسَلَكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ طَرِيقَةً أُخْرَى فَقَالَ إنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ لِلْعِتْقِ قَصْدُهُ الْيَمِينُ دُونَ التَّبَرُّرِ بِعِتْقِهِ أَجْزَأَهُ
стр. 98
كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَبَقِيَ كَنَذْرِهِ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَيُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ صَارَ عِتْقُهُ مُسْتَحَقًّا كَالنَّذْرِ [فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَيَكُونُ الْعِتْقُ مُعَلَّقًا عَلَى صُورَةِ الْبَيْعِ كَمَا] لَوْ قَالَ لِمَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ إذَا بِعْته فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ قَالَ لِأُمِّ وَلَدِهِ إنْ بِعْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَطَرَدَ قَوْلَهُ هَذَا فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْفَسْخِ وَالْخُلْعِ فَجَعَلَهُ مُعَلَّقًا عَلَى صُورَةِ الْفَسْخِ وَالْخُلْعِ قَالَ وَلَوْ قِيلَ بِانْعِقَادِ الْفَسْخِ وَالْخُلْعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَلَا يُمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مَعَهُ عَلَى رَأْيِ ابْنِ حَامِدٍ حَيْثُ أَوْقَعَهُ مَعَ الْبَيْنُونَةِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَكَذَا بِالْفَسْخِ [وَاَللَّهُ أَعْلَمُ] .
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمِيرَاثِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى تَوْرِيثِ الطِّفْلِ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ وَالْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِهِ وَخَرَّجَهُ مَنْ خَرَّجَهُ مِنْ الْأَصْحَابِ كَصَاحِبِ الْمُغْنِي عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْحُكْمُ بِالْإِرْثِ وَإِنَّمَا قَارَنَهُ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ مُقَارَنَةِ الْمَانِعِ [لَهُ] لِأَنَّ الْإِسْلَامَ سَبَبُ الْمَنْعِ، وَالْمَنْعُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ بِالتَّوْرِيثِ سَابِقٌ عَلَى الْمَنْعِ لِاقْتِرَانِهِ بِسَبَبِهِ.
وَأَمَّا اقْتِرَانُ الْحُكْمِ وَالْمَانِعِ فَلَهُ صُوَرٌ
: مِنْهَا تَوْرِيثُ الطِّفْلِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ مِنْهُ وَقَدْ ذُكِرَتْ وَمِنْهَا إذَا قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ الدِّيَةِ نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ الدِّيَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً أَوْ عَلَى مِلْكِ الْمُوَرِّثِ أَوَّلًا ; لِأَنَّا إنْ قُلْنَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ فَقَدْ اقْتَرَنَ الضَّمَانُ بِالْحُرِّيَّةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ هُنَا بِالدِّيَةِ مُطْلَقًا اكْتِفَاءً بِمُقَارَنَةِ الشَّرْطِ لِلْحُكْمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ هُنَا فِي الضَّمَانِ بِحَالَةِ الْجِنَايَةِ وَهِيَ حِينَئِذٍ رَقِيقَةٌ فَلَا يَلْزَمُهَا أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِ جِنَايَةِ الرَّقِيقِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مُقَارَنَةُ الْحُرِّيَّةِ بِحَالَةِ وُجُوبِ الضَّمَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ إذَا اقْتَرَنَ بِالْحُكْمِ لَمْ يَمْنَعْهُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الدِّيَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَقْتُولِ أَوَّلًا فَقَدْ وَجَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ، وَهِيَ إذْ ذَاكَ رَقِيقَةٌ فَسَبَقَ وَقْتُ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَقْتَ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الضَّمَانُ هُنَا لِلسَّيِّدِ وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ لَا يَجِبُ لَهُ الضَّمَانُ عَلَى رَقِيقِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَصَارَ كَالْوَاجِبِ لَهَا ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا كَانُوا هُمْ الْمُطَالَبِينَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا إذَا تَزَوَّجَ الْعَادِمُ لِلطَّوْلِ الْخَائِفُ لِلْعَنَتِ فِي عَقْدٍ حُرَّةً وَأَمَةً فَهَلْ يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ مَعَ الْحُرَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَمِنْهَا إذَا قَالَ الْمُتَزَوِّجُ بِأَمَةِ أَبِيهِ: إذَا مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَالْخِلَافِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْعُمَدِ وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ [وُقُوعُ] الطَّلَاقِ وَالْمِلْكِ [وَالْمِلْكُ] سَبَبُ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ فَقَدْ سَبَقَ نُفُوذُ
стр. 99
الطَّلَاقِ وُقُوعَ الْفَسْخِ فَنَفَذَ.
وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَارَنَ الْمَانِعَ وَهُوَ الْمِلْكُ فَلَمْ يَنْفُذْ.
وَمِنْهَا إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْت طَالِقٌ وَفِيهِ الْوَجْهَانِ إنْ قُلْنَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ مَعَ الْخِيَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَجْهًا وَاحِدًا كَذَا اذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَفِي خِلَافِ الْقَاضِي إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بِشَرْطِ [الْخِيَارِ] هَلْ يَحْنَثُ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ فَقِيَاسُ قَوْلِهِ إنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ هُنَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَقَالَ يَحْنَثُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وُجِدَ.
وَمِنْهَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَعَادَهُ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِالْإِعَادَةِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْيَمِينِ الْأُولَى وَمُؤَكِّدٌ لَهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَذَاهَا وَهَجْرُهَا وَإِضْرَارُهَا بِتَرْكِ كَلَامِهَا وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْإِعَادَةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ فَلَا يَحْنَثُ بِهِ وَهَذَا أَقْوَى وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالْإِعَادَةِ ثَانِيًا فَهَلْ يَنْعَقِدُ بِهِ يَمِينٌ ثَانِيَةٌ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَالْخِلَافِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَالْقَاضِي يَعْقُوبَ وَابْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَلَهُ مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَأْخَذُ الْقَاضِي وَمَنْ اتَّبَعَهُ أَنَّ الْكَلَامَ يَحْصُلُ بِالشُّرُوعِ فِي الْإِعَادَةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ إتْمَامِ الْإِعَادَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ تَمَامَ الْيَمِينِ حَصَلَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ وَقَفَ وُقُوعُهُ إلَى مَا بَعْدَ إنْهَاءِ الْإِعَادَةِ إلَّا أَنَّ الْإِعَادَةَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْبَيْنُونَةُ فَيَقَعُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ مَعَ الْبَيْنُونَةِ فَيَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ الْمَانِعِ أَوْ مَعَ سَبَبِهِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ عَدَمُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقِفُ وُقُوعُهُ عَلَى تَمَامِ الْإِعَادَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمُقَيَّدِ وَلَا تَحْصُلُ الْإِفَادَةُ بِدُونِ ذِكْرِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَيَقِفُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا وَيَقَعُ عَقِيبُهُمَا لِأَنَّهُمَا شَرْطٌ لِوُقُوعِهِ وَأَمَّا الْيَمِينُ فَوُجِدَتْ مَعَ شَرْطِ الطَّلَاقِ فَسَبَقَتْ وُقُوعُهُ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْيَمِينَ هِيَ اللَّفْظُ الْمُجَرَّدُ وَهُوَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فَإِذَا قَالَ إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ حَلَفْتُ يَمِينًا بِطَلَاقِك عَلَى كَلَامِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ وُجُودَ الْيَمِينِ سَابِقَةٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَمِنْهَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ وَإِحْدَاهُمَا غَيْرُ مَدْخُولِ بِهَا إنْ حَلَفْتُ بِطَلَاقِكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ ثُمَّ قَالَهُ ثَانِيًا فَإِنَّهُمَا يُطَلَّقَانِ طَلْقَةً [طَلْقَةً] عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ وَانْعَقَدَتْ الْيَمِينُ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا.
وَأَمَّا فِي حَقِّ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَفِي انْعِقَادِهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَنْعَقِدُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّ الْيَمِينَ سَبَبُ الْبَيْنُونَةِ
стр. 100
وَوُجِدَتْ مَعَ شَرْطِ الطَّلَاقِ لَا مَعَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَالثَّانِي: لَا يَنْعَقِدُ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي غَيْرَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي النَّسْخِ خَلَلٌ فِي تَعْلِيلِهِ ; وَوَجْهُهُ أَنَّ الْيَمِينَ وَإِنْ وُجِدَتْ مَعَ شَرْطِ الطَّلَاقِ لَكِنَّ انْعِقَادَهَا مُفَارِقٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ لِاقْتِرَانِهِ بِمَا يَمْنَعُهُ، فَإِنْ أَعَادَهُ ثَالِثًا قَبْلَ أَنْ يُجَدِّدَ نِكَاحَ الْبَائِنِ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِطَلَاقِ الْبَائِنِ لَا يُمْكِنُ فَإِنْ عَادَ وَتَزَوَّجَ الْبَائِنَ ثُمَّ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا وَحْدَهَا فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَة لَمْ تَنْعَقِدْ بِحَقِّهَا وَتَطْلُقُ الْأُخْرَى طَلْقَةً لِوُجُودِ الْحَلِفِ بِطَلَاقِهَا قَبْلَ نِكَاحِ الثَّانِيَة وَالْحَلِفُ بِطَلَاقِ الثَّانِيَة بَعْدَ نِكَاحِهَا فَكَمُلَ الشَّرْطُ فِي حَقِّ الْأُولَى.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً طَلْقَةً لِأَنَّ الصِّفَةَ الثَّانِيَة مُنْعَقِدَةٌ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا كَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ الْحَلِفِ بِطَلَاقِهَا مَعَ طَلَاقِ الْأُخْرَى فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَلِفَيْنِ جُزْءُ عِلَّةٍ لِطَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْحَلِفِ بِطَلَاقِهَا فِي زَمَنٍ يَكُونُ فِيهِ أَهْلًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ كَذَلِكَ الْحَلِفُ بِطَلَاقِ ضَرَّتِهَا لِأَنَّهُ جُزْءُ عِلَّةٍ لِطَلَاقِ نَفْسِهَا وَمِنْ تَمَامِ شَرْطِهِ فَكَيْفَ يَقَعُ بِهَذِهِ الَّتِي جَدَّدَ نِكَاحَهَا الطَّلَاقُ وَإِنَّمَا حَلَفَ بِطَلَاقِ ضَرَّتِهَا وَهِيَ بَائِنٌ؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ وُجُودَ الصِّفَةِ كُلِّهَا فِي النِّكَاحِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَيَكْفِي وُجُودُ آخِرِهَا فِيهِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَقِيبَهُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ قُلْنَا يَكْفِي فِي الْحِنْثِ وُجُودُ بَعْضِ الصِّفَةِ أَمْ لَا، نَعَمْ إنْ قُلْنَا يَكْفِي وُجُودُ بَعْضِهَا وَقَدْ وُجِدَ حَالَ الْبَيْنُونَةِ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي حِلِّ الْيَمِينِ بِالصِّفَةِ الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ انْتَهَى.
وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا قَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى خِلَافِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْحَلُّ بِوُجُودِ الصِّفَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ كَلَامِهِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ فَوُجُودُ بَعْضِهَا حَالَ الْبَيْنُونَةِ لَا عِبْرَةَ لَهُ أَيْضًا كَوُجُودِ جَمِيعِهَا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْحَلُّ بِدُونِ الْحِنْثِ فِيهَا اُكْتُفِيَ بِوُجُودِ آخِرِهَا فِي النِّكَاحِ لِإِمْكَانِ الْحِنْثِ فِيهِ عَلَى أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِوُجُودِ بَعْضِ الصِّفَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ وَبَعْضِهَا فِي النِّكَاحِ مَعَ قَوْلِنَا لَا يُكْتَفَى بِوُجُودِ بَعْضِ الصِّفَةِ فِي الطَّلَاقِ وَقَوْلِنَا إنَّ الصِّفَةَ الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ لَا تَنْحَلُّ بِهَا الْيَمِينُ لَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ [وَنَظَرٍ] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا إذَا اشْتَرَى مَرِيضٌ أَبَاهُ بِثَمَنٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَهُوَ تِسْعَةُ دَنَانِيرَ وَقِيمَةُ الْأَبِ سِتَّةٌ فَقَدْ حَصَلَ مِنْهَا عَطِيَّتَانِ مِنْ عَطَايَا الْمَرِيضِ مُحَابَاةُ الْبَائِعِ بِثُلُثِ الْمَالِ وَعِتْقُ الْأَبِ إذَا قُلْنَا إنَّ عِتْقَهُ مِنْ الثُّلُثِ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُحَرَّرِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ يَتَحَاصَّانِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرِيضِ لِأَبِيهِ مُقَارِنٌ لِمِلْكِ الْمُشْتَرِي لِثَمَنِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَطِيَّةٌ مُنْجَزَةٌ فَتَحَاصًّا لِتَقَارُنِهِمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ تَنْفُذُ الْمُحَابَاةُ وَلَا يُعْتَقُ الْأَبُ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ سَابِقَةٌ لِعِتْقِ الْأَبِ فَإِنَّ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ
стр. 101
الَّذِي وَقَعَتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ وَقَعَ مُقَارِنًا لِمِلْكِ الْأَبِ، وَعِتْقُهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى مِلْكِهِ وَلَمْ يُقَارِنْهُ فَقَدْ قَارَنَتْ الْمُحَابَاةُ شَرْطَ عِتْقِ الْأَبِ لَا عِتْقُهُ فَنَفَذَتْ كَسَبَقِهَا.
وَمِنْهَا لَوْ أَصْدَقَهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى خَمْسِينَ مِنْ الْمَهْرِ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَهْرِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَسْتَحِقُّهُ كُلَّهُ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عِوَضًا عَنْ الطَّلَاقِ خَمْسِينَ وَرَجَعَ إلَيْهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ النِّصْفُ الْبَاقِي وَالثَّانِي تَسْتَحِقُّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَنْتَصِفُ بِهِ الْمَهْرُ وَيَصِيرُ مُشَاعًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْخَمْسِينَ الْمُخَالَعِ بِهَا إلَّا نِصْفَهَا، فَلَا يُسَلَّمُ لِلزَّوْجِ عِوَضًا عَنْ طَلَاقِهِ إلَّا نِصْفُ الْخَمْسِينَ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ بِالطَّلَاقِ النِّصْفُ.
وَمَنْ نَصَرَ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ قَالَ تَنَصُّفُ الْمَهْرِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخُلْعِ لَا يُفَارِقُهُ فَقَدْ مَلَكَ الْخَمْسِينَ كُلَّهَا قَبْلَ التَّنْصِيفِ، لَكِنَّ مِلْكَهُ لَهَا قَارَنَ سَبَبَ التَّنْصِيفِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ فَهَذَا مَأْخَذُ الْوَجْهَيْنِ، وَلِلْمَسْأَلَةِ مَأْخَذٌ آخَرُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَصُّفِ قَبْلَ الْمِلْكِ وَهُوَ أَنْ يُخَالِعَهَا لِخَمْسِينَ مِنْ الْمَهْرِ مَعَ عِلْمِهَا بِأَنَّ الْمَهْرَ يَنْتَصِفُ بِالْمُخَالَعَةِ هَلْ يَتَنَزَّلُ عَلَى خَمْسِينَ مُبْهَمَةٍ مِنْهُ أَوْ عَلَى الْخَمْسِينَ الَّتِي يَسْتَقِرُّ لَهَا بِالطَّلَاقِ؟ .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِمَا يَتَنَزَّلُ الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَ السِّلْعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ هَلْ يَنْزِلُ الْبَيْعُ عَلَى نِصْفٍ مُشَاعٍ وَإِنَّمَا لَهُ فِيهِ نِصْفُهُ وَهُوَ الرُّبُعُ أَوْ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَخُصُّهُ بِمِلْكِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَتَنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَخُصُّهُ كُلَّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ أَشْرَكْتُك فِي نِصْفِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ سِوَى النِّصْفِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ الرُّبُعَ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي التَّسَاوِيَ فِي الْمِلْكَيْنِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ النِّصْفِ حَتَّى يَقُولَ نَصِيبِي فَإِنْ أَطْلَقَ تَنَزَّلَ عَلَى الرُّبُعِ.
وَمِنْهَا إذَا تَزَوَّجَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَهْرٍ يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَفِي الْمُحَابَاةِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةُ الْوَارِثِ وَالثَّانِيَة تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيّ وَالْأَثْرَمُ وَصَالِحٌ وَابْنُ مَنْصُورٍ وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهُ أَنَّ الْإِرْثَ الْمُقَارِنَ لِلْعَطِيَّةِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الزَّوْجَةَ مِلْكُهَا فِي حَالِ مِلْكِ الزَّوْجِ الْبُضْعَ وَثُبُوتُ الْإِرْثِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ أَقَرَّ لِزَوْجَتِهِ فِي مَرَضِهِ بِمَهْرٍ يَزِيد عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّرْتِيبِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ تَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ كَانَ بِالْعَقْدِ وَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْعَطِيَّةَ وَالْوَصِيَّةَ لِمَنْ يَصِيرُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ الْمَعْرُوفِ لَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ نَسِيبًا أَوْ زَوْجًا كَمَا فَرَّقَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مِنْ خِلَافِهِ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ إرْثُهُ قَائِمٌ حَالَ الْوَصِيَّةِ بِخِلَافِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي تَوْجِيهِ أَبِي طَالِبٍ نَظَرٌ فَإِنَّ أَحْمَدَ لَوْ اعْتَبَرَ حَالَةَ الْعَقْدِ لَمَا جَعَلَهُ مِنْ
стр. 102
الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا يَتَخَرَّجُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَةٌ عَنْهُ بِأَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ وَاَللَّه أَعْلَمُ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلٍ هُوَ متلبس بِهِ فَبَادَرَ إلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ) : مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلٍ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ فَبَادَرَ إلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ، هَلْ يَكُونُ إقْلَاعُهُ فِعْلًا لِلْمَمْنُوعِ مِنْهُ أَوْ تَرْكًا لَهُ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ؟ هَذَا عِدَّةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا أَلَّا يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الِامْتِنَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ إلَّا وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ نَزْعُهُ فِعْلًا لِلْمَمْنُوعِ مِنْهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً وَهُوَ رَاكِبُهَا، أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ فِيهَا، وَقُلْنَا إنَّ الِاسْتِدَامَةَ كَالِابْتِدَاءِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَخَلَعَ الثَّوْبَ وَنَزَلَ عَنْ الدَّابَّةِ وَخَرَجَ مِنْ الدَّارِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي الْكَفَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي وَالْحَالِ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِأَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، وَمِنْهُ مَا إذَا أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ فَإِنَّهُ يَنْزِعُهُ فِي الْحَالِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إنَّمَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا عَلَى الْمُحِلِّ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى إنْشَاءِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِمَحْظُورَاتِهِ مُنْتَسِبٌ إلَى مُصَاحَبَةِ اللُّبْسِ فِي الْإِحْرَامِ كَمَا لَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ وَلَا يَنْذِرَ حَتَّى يَتْرُكَ التَّلَبُّسَ بِمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا إذَا فَعَلَ فِعْلًا مُحَرَّمًا جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا ثُمَّ ذَكَرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ فِي الْحَالِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَنْصَاصًا لَهُ.
النَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَمْنَعَهُ الشَّارِعُ مِنْ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَيَعْلَمَ بِالْمَنْعِ وَلَكِنْ لَا يَسْتَقِرُّ بِوَقْتِ الْمَنْعِ حَتَّى يَتَلَبَّسَ بِالْفِعْلِ فَيُقْلِعَ عَنْهُ فِي الْحَالِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَلْ يَكُونُ إقْلَاعُهُ تَرْكًا لِلْفِعْلِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ مُبَاحًا حَيْثُ وَقَعَ قَبْلَ وَقْتِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْفَاعِلِ بِتَرْكِهِ لِإِقْدَامِهِ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ فِي وَقْتِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ قُرْبِ الْوَقْتِ [وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] .
مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا جَامَعَ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ فَأَدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ فِي الْحَالِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ إذَا كَانَ حَالَ الِابْتِدَاءِ مُتَيَقِّنًا لِبَقَاءِ اللَّيْلِ وَيَبْنِي بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ النَّزْعَ هَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ الْجِمَاعِ أَوْ لَيْسَ مِنْ الْجِمَاعِ وَحَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ تَطَوُّعًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَا بِالْأَكْلِ وَلَا بِغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا يَكُونُ الْوَاقِعُ مِنْهَا فِي حَالَةِ
стр. 103
الطُّلُوعِ مُحَرَّمًا أَلْبَتَّةَ كَمَا قُلْنَا فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنَّهُ طَلَعَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا إذَا وَطِئَ امْرَأَتَهُ فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ الْوَطْءِ فَنَزَعَ هَلْ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا قُلْنَا يَلْزَمُ الْمَعْذُورُ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَهَا عَلَى النَّزْعِ هَلْ هُوَ جِمَاعٌ أَمْ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ قُرْبَ وَقْتِ حَيْضِهَا ثُمَّ وَطِئَ وَهُوَ يَخْشَى مُفَاجَأَةَ الْحَيْضِ هُوَ شَبِيهٌ بِمَسْأَلَةِ الصَّوْمِ وَإِلَّا فَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْمَنْعُ بَعْدَ وُجُودِ الْحَيْضِ وَقَدْ تَرَكَ الْوَطْءَ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي الْوَطْءِ فِي لَيْلِ الصِّيَامِ إنَّهُ إنْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ وَأَنَّهُ فِي مُهْلَةٍ مِنْهُ لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ خَشِيَ مُفَاجَأَةَ الْفَجْرِ أَفْطَرَ لِأَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى مَكْرُوهٍ أَوْ مُحَرَّمٍ ابْتِدَاءً
النَّوْعُ الثَّالِثُ أَنْ يَعْلَمَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي فِعْلٍ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِيهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ
، فَهَلْ يُبَاحُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَثْبُتْ حِينَئِذٍ أَمْ لَا يُبَاحُ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ إتْمَامَهُ يَقَعُ حَرَامًا فِيهِ لِأَصْحَابِنَا قَوْلَانِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَمِثْلُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَتَى أَوْلَجَ فِي هَذَا الْوَقْتِ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُولِجٌ فَحَكَى الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ رِوَايَتَيْنِ بَنَوْهُمَا عَلَى أَنَّ النَّزْعَ هَلْ هُوَ جِمَاعٌ أَوْ لَيْسَ بِجِمَاعٍ وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي التَّحْرِيمَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ كَانَ لَمَسَ بَدَنَهَا لِشَهْوَةٍ فَلَمْسُ الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ أَوْلَى بِخِلَافِ الصَّائِمِ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالْوَطْءِ وَيُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ النَّوْعِ وَطْئًا. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ هَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ ضَرُورَةً تَرَكَ الْوَطْءَ الْحَرَامَ قُلْنَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْوَطْءُ إلَّا بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ ضَرُورَةً وَهُوَ تَرْكُ الْحَرَامِ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ بِلَحْمٍ مُبَاحٍ لَا يُمْكِنُهُ أَكْلُهُ إلَّا بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ فَإِنَّ الْجَمِيعَ مُحَرَّمٌ انْتَهَى. وَلَيْسَ هَذَا مُطَابِقًا لِمَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ هُنَا مُنْفَرِدٌ عَنْ الْحَرَامِ مُتَمَيِّزٌ عَنْهُ لَمْ يَشْتَبِهْ بِحَرَامٍ أَوْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ لِلْحَرَامِ لَمْ يَبْقَ هَهُنَا حَرَامٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّزْعَ هَهُنَا مُقَارِنٌ الْبَيْنُونَةَ فَيُمْكِنُ النِّزَاعُ فِي تَحْرِيمِهِ كَمَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي تَرَتُّبِ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ مَعَهُ وَأَمَّا الْإِيلَاجُ فَمُقَارِنٌ لِشَرْطِ الْبَيْنُونَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْمُقَارِنَ لِلشَّرْطِ كَالْمُقَارِنِ لِلْمَشْرُوطِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْقَاعِدَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تَوَجَّهَ تَحْرِيمُهُ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا. وَأَيْضًا فَمَنْ يَقُولُ النَّزْعُ جُزْءٌ مِنْ الْجِمَاعِ وَإِنَّ الْجِمَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيلَاجِ وَالنَّزْعِ يَلْتَزِمُ أَنَّ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ إنَّمَا يَقَعَانِ بَعْدَ النَّزْعِ لَا قَبْلَهُ فَلَا يَحْصُلُ فِي أَجْنَبِيَّةٍ وَلَا مُظَاهَرٍ مِنْهَا وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُفْطِرَ الصَّائِمُ بِالْإِيلَاجِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إذَا نَزَعَ بَعْدَهُ لِأَنَّ مُفْطِرَاتِ
стр. 104
الصَّائِمِ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْجِمَاعِ وَحْدَهُ بَلْ تَحْصُلُ بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ بِأَحَدِ جُزْأَيْ الْجِمَاعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْإِنْزَالِ بِالْمُبَاشَرَةِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مُسَمَّى الْوَطْءِ فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ مُسَمَّى الْوَطْءِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الشُّرُوعَ فِي فِعْلٍ مُحَرَّمٍ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ ثُمَّ يُرِيدُ تَرْكَهُ وَالْخُرُوجَ مِنْهُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ فَيَشْرَعُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَيْضًا
، كَمَنْ تَوَسَّطَ دَارًا مَغْصُوبَةً ثُمَّ تَابَ وَنَدِمَ وَأَخَذَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا، أَوْ طَيَّبَ الْمُحْرِمُ بَدَنَهُ عَامِدًا ثُمَّ تَابَ، وَشَرَعَ فِي غَسْلِهِ بِيَدِهِ قَصْدًا لِإِزَالَتِهِ، أَوْ غَصَبَ عَيْنًا ثُمَّ نَدِمَ وَشَرَعَ فِي حَمْلِهَا عَلَى رَأْسِهِ إلَى صَاحِبِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَالْكَلَامُ هَهُنَا مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا: هَلْ تَصِحُّ التَّوْبَةُ فِي هَذَا الْحَالِ وَيَزُولُ الْإِثْمُ بِمُجَرَّدِهَا، أَوْ لَا يَزُولُ حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْ مُلَابَسَةِ الْفِعْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ تَوْبَتَهُ صَحِيحَةٌ وَيَزُولُ عَنْهُ الْإِثْمُ بِمُجَرَّدِهَا وَيَكُونُ تَخَلُّصُهُ مِنْ الْفِعْلِ طَاعَةً وَإِنْ كَانَ مُلَابِسًا لَهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ مَعْصِيَةً، وَلَا يُقَالُ مِنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ الْإِقْلَاعُ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْإِقْلَاعُ بِعَيْنِهِ وَأَيْضًا فَالْإِقْلَاعُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ دُونَ الْعَجْزِ، كَمَا لَوْ تَابَ الْغَاصِبُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَوْ تَوَسَّطَ جَمْعًا مِنْ الْجَرْحَى الصَّحِيحُ ثُمَّ تَابَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ أَقَامَ قَتَلَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ انْتَقَلَ قَتَلَ غَيْرَهُ لَكِنَّ هَذَا مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ أَيْضًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّ حَرَكَاتِ الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ فِي جُرُوحِهِ لَيْسَتْ طَاعَةً وَلَا مَأْمُورًا بِهَا بَلْ هِيَ مَعْصِيَةٌ وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُهَا لِدَفْعِ أَكْبَرِ الْمَعْصِيَتَيْنِ بِأَقَلِّهِمَا وَأَبُو الْخَطَّابِ وَإِنْ قَالَ لَيْسَتْ طَاعَةً هُوَ يَقُولُ لَا إثْمَ فِيهَا بَلْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا وَهُوَ مَعْنَى الطَّاعَةِ وَخَرَّجَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى جَوَازِ الْخِلَافِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْوَطْءِ فِي مَسَائِلِ النَّوْعِ الثَّالِثِ فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ امْتِثَالًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ مَعْصِيَةً وَإِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهِ لَزِمَ تَحْرِيمُ التَّرْكِ هَهُنَا وَقَدْ يُفَرَّقُ بِالتَّحْرِيمِ ثُمَّ طَارَ وَهُنَا مُسْتَصْحَبٌ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ ثُمَّ الْجَوَازُ هُنَا، وَيَلْزَمُ مِنْ التَّحْرِيمِ هُنَاكَ التَّحْرِيمُ هَهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَالْمَقَامُ الثَّانِي فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فَمِنْهَا غَسْلُ الطِّيبِ بِيَدِهِ لِلْمُحْرِمِ يَجُوزُ لِأَنَّ تَرْكَ الطِّيبِ لَا فِعْلَ لَهُ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الَّذِي أَحْرَمَ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْسِلَهُ عَنْهُ، وَلَكِنَّ هَذَا كَانَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ فَهُوَ كَمَنْ تَطَيَّبَ بَعْدَ إحْرَامِهِ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَخَصَّ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي وَغَيْرِهِ الْحُكْمَ بِالنَّاسِي وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْعَامِدَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ مُتَخَرَّجٌ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي كَوْنِهِ مَعْصِيَةً، وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ إنَّمَا جَازَتْ ضَرُورَةً لِلْخُرُوجِ مِنْهُ وَالْمُحْرِمُ لَا ضَرُورَةَ لَهُ بِالْغَسْلِ بِيَدِهِ، فَلَمَّا أَذِنَ الشَّارِعُ فِيهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ
стр. 105
الطِّيبِ لِقَصْدِ إزَالَتِهِ وَمُعَالَجَتِهِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وَمِنْهَا إذَا تَعَمَّدَ الْمَأْمُومُ سَبْقَ إمَامِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ تَعَمُّدِ السَّبْقِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى مُتَابَعَتِهِ الْإِمَامَ أَمْ لَا؟ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وُجُوبَ الْعَوْدِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقِ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ، كَمَا وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ عَنْ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ وَفَرَّقَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ: مَتَى عَادَ الْعَامِدُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَمَّدَ زِيَادَةَ رُكْنٍ كَامِلٍ عَمْدًا وَإِنَّمَا يَعُودُ السَّاهِي وَالْجَاهِلُ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ عَوْدَ الْعَامِدِ يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّ الْعَوْدَ إنَّمَا هُوَ قَطْعٌ لِلْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ وَرَجَعَ عَنْهُ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ فَلَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ بَلْ مَأْمُورٌ بِهِ كَالْخُرُوجِ مِنْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا سَبَقَ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ السُّجُودِ وَضْعُ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى الْأَرْضِ فَإِذَا زِيدَ هَذَا الْمِقْدَارُ عَمْدًا بَطَلَتْ بِهِ الصَّلَاةُ وَأَمَّا الْهُوَى إلَيْهِ وَالرَّفْعُ مِنْهُ فَلَيْسَا مِنْ مَاهِيَّتِهِ وَإِنَّمَا هُمَا حَدَّانِ لَهُ فَلَا أَثَرَ لِنِيَّةِ قَطْعِهِمَا بِالرَّفْعِ فَإِنَّ الرَّفْعَ لَيْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ غَايَةٌ لَهُ وَفَصْلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَمَا مَضَى مِنْهُ وَوُجِدَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ، وَهُوَ سُجُودٌ تَامٌّ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِزِيَادَتِهِ عَمْدًا، وَهَذَا قَدْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ السَّبْقَ لِلرُّكْنِ عَمْدًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فَيُقَالُ لَمَّا لَحِقَهُ الْإِمَامُ فِي هَذَا الرُّكْنِ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ فِيهِ اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ فِي الْمُتَابَعَةِ.
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ الْعُقُودُ لَا تُرَدُّ إلَّا عَلَى موجود بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ]
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ) : الْعُقُودُ لَا تُرَدُّ إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ، وَأَمَّا الْفُسُوخُ فَتُرَدُّ عَلَى الْمَعْدُومِ حُكْمًا وَاخْتِيَارًا عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ حَيْثُ أَوْجَبَ الشَّارِعُ رَدَّ صَاعِ التَّمْرِ عِوَضًا عَنْ اللَّبَنِ بَعْدَ تَلَفِهِ وَهُوَ مِمَّا وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فِيهِ وَرَدِّ عِوَضِهِ مَعَ أَصْلِهِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ كَامِلًا
فَأَمَّا الِانْفِسَاخُ الْحُكْمِيُّ بِالتَّلَفِ فَفِي مَوَاضِعَ
: مِنْهَا إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ الْمُبْهَمُ قَبْلَ قَبْضِهِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ وَفِي عِوَضِهِ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَنًا أَوْ مُثْمَنًا.
وَمِنْهَا إذَا تَلِفَتْ الثِّمَارُ الْمُشْتَرَاةُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ قَبْلَ جَدِّهَا بِجَائِحَةٍ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ فِيهَا.
وَمِنْهَا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْفَسْخُ الِاخْتِيَارِيُّ فَكَثِيرٌ
، وَمِنْ مَسَائِلِهِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ هَلْ يَسْقُطُ الْخِيَارُ أَمْ لَا يَسْقُطُ؟ وَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ فَيَرْجِعُ بِعِوَضِهِ وَيَرُدُّ الثَّمَنَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَعْرُوفَتَيْنِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ إنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ تَلِفَ عَنْهُ فَلِلْبَائِعِ الثَّمَنُ وَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهُ فَلَهُ الْقِيمَةُ [فَفَرَّقَ بَيْنَ التَّلَفِ الْحِسِّيِّ وَالْحُكْمِيِّ وَبَيْنَ التَّفْوِيتِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فَأَجَازَ الْفَسْخَ] مَعَ بَقَائِهَا لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ بِخِلَافِ التَّلَفِ وَأَيْضًا
стр. 106
فَتَصَرُّفُهُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ جِنَايَةٌ حَالَ بِهَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالرُّجُوعِ فِي مَالِهِ فَيَمْلِكُ أَنْ يَفْسَخَ وَيُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ لِلْحَيْلُولَةِ وَإِلَى هَذَا الْمَأْخَذِ أَشَارَ أَحْمَدُ ﵀.
وَمِنْهَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا يَتَخَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيَغْرَمُ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَلَا فَسْخَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَمِنْهَا إذَا تَبَايَعَا جَارِيَةً بِعَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ ثُمَّ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا وَقَدْ تَلِفَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَا بِيَدِهِ وَيَفْسَخُ الْعَقْدَ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ التَّالِفِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّ هُنَا عَيْنًا بَاقِيَةً يُمْكِنُ الْفَسْخُ فِيهَا فَيَقَعُ الْفَسْخُ فِي التَّالِفِ تَبَعًا كَمَا لَوْ كَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا مُعَيَّنًا وَقَدْ تَلِفَ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَرُدُّ السِّلْعَةَ بِالْعَيْبِ وَيَأْخُذُ بَدَلَ الثَّمَنِ وَمِنْهَا إذَا تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ وَأَرَادَ رَدَّهُ فَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ الْمَوْجُودِ مَعَ قِيمَةِ الْمَفْقُودِ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ.
ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا جَوَازُهُ لِأَنَّ الْفَسْخَ فِي الْمَفْقُودِ هُنَا تَابِعٌ لِلْفَسْخِ فِي الْمَوْجُودِ، وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَبَانَ مَعِيبًا وَقَدْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيَرُدُّ مَعَهَا أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ مَنْسُوبًا مِنْ قِيمَتِهِ لَا مِنْ ثَمَنِهِ فَوَرَدَ الْفَسْخُ هُنَا عَلَى الْمَفْقُودِ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ وَاعْتَذَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ ضَمَانِهِ بِالْقِيمَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا فَسَخَ الْعَقْدَ صَارَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ لِأَنَّهُ قَبَضَ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَلِذَلِكَ ضَمِنَ بِالْقِيمَةِ وَهَذَا رُجُوعٌ إلَى أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْأَصْلَ ضَمَانُهُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَسَائِلِ التَّفْلِيسِ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ مُقَابِلٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَدَّ الْمَبِيعَ كُلَّهُ رَدَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَهَذَا خِلَافُ أَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مَنْسُوبًا مِنْ الثَّمَنِ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ فِي مِقْدَارِ الْعَيْبِ وَرُجُوعٌ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَعَلَى هَذَا فَالْفَسْخُ وَرَدَ عَلَى مَعْدُومٍ مُسْتَحَقِّ التَّسْلِيمِ وَهَذَا فِي الْمُشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ سَلِيمًا فَأَمَّا فِي الْمُعَيَّنِ فَلَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ عَلَى غَيْرِ عَيْنِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ فَسْخًا إلَّا أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ عَلَى الْعَيْنِ يَقْتَضِي سَلَامَتَهَا وَكَأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ السَّلَامَةِ وَقَدْ فَاتَتْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ هُوَ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ.
وَعَلَى هَذَا فَهَلْ هُوَ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ قِيمَتِهِ؟ ذَهَبَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ إلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْقِيمَةِ وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَابْنُ الْمُنَى إلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْعَيْنِ
стр. 107
عَنْهَا بِمَا شَاءَ.
وَإِنْ قُلْنَا الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ إسْقَاطٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْفَسْخِ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يُقَابِلُ الْفَائِتَةَ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ الْمُصَالَحَةِ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا الْمَضْمُونُ الْعَيْنُ فَلَهُ الْمُصَالَحَةُ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ وَإِنَّمَا يُقَابِلُ الْأَجْزَاءَ الْمُشَاعَةَ فَإِذَا عَقَدَ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ وَفَاتَ بَعْضُ صِفَاتِهَا رَجَعَ بِمَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَرْشَ فَسْخٌ أَوْ إسْقَاطٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ مُعَاوَضَتِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَسْخًا أَوْ إسْقَاطًا لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَسْتَحِقُّ جُزْءًا مِنْ عَيْنِ الثَّمَنِ مَعَ بَقَائِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا هُوَ مُعَاوَضَةٌ وَأَمَّا إنْ أَسْقَطَ الْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ بِعِوَضٍ بَذَلَهُ لَهُ الْبَائِعُ وَقَبِلَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَرْشِ فِي شَيْءٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الشُّفْعَةِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ فِي النِّكَاحِ فِي خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ.
وَمِنْهَا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ الْمَعِيبَةُ كُلُّهَا فَهَلْ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ وَرَدِّ بَدَلِهَا أَمْ لَا؟ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَأَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ قَالُوا: لِأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَدْعِي مَرْدُودًا وَلَا مَرْدُودَ إلَّا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَظُلَامَتُهُ تُسْتَدْرَكُ بِالْأَرْشِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ رَدِّ الْمُشْتَرِي أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَكَرَ فِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ حَكَاهُ وَمِنْهَا إذَا اشْتَرَى رِبَوِيًّا بِجِنْسِهِ فَبَانَ مَعِيبًا ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ رَدِّهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ وَيَرُدُّ بَدَلَهُ وَيَأْخُذُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ عَلَى الصَّحِيحِ بِمَحْذُورِ الرِّبَا فَتَعَيَّنَ الْفَسْخُ.
وَمِنْهَا الْإِقَالَةُ هَلْ تَصِحُّ بَعْدَ تَلَفِ الْعَيْنِ؟ قَالَ الْقَاضِي مَرَّةً: لَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهِيَ كَالْبَيْعِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهَا بَعْدَ التَّلَفِ إذَا قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ وَتَابَعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ وَحَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهَا وَجْهَيْنِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَدْعِي مَرْدُودًا بِخِلَافِ الْفَسْخِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ أَيْضًا وَالْإِقَالَةُ تَسْتَدْعِي مُقَالًا فِيهِ وَلَكِنَّ الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ.
وَمِنْهَا الشَّرِكَةُ فِي الْبُيُوعِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْهَا وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ شَيْئًا فَيَقُولَ لِآخَرَ أَشْرَكْتُك فِي نِصْفِهِ أَوْ جُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ فَيَقْبَلُ فَيَصِحُّ ذَلِكَ وَيَكُونُ تَمْلِيكًا مُنَجَّزًا بِعِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ وَمَوْضُوعُ هَذَا الْعَقْدِ أَنَّهُ إنْ رَبِحَ الْمَالَ الْمُشْتَرَكَ فِيهِ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا النَّاطِفِيَّةِ بِالثَّمَنِ وَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فِي الرِّبْحِ فَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنْهُ وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ أَوْ خَسِرَ انْفَسَخَتْ الشَّرِكَةُ فَيَكُونُ الْخُسْرَانُ أَوْ التَّلَفُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيُقَدِّرُ انْفِسَاخَ الشَّرِكَةِ حُكْمًا فِي آخِرِ زَمَنِ الْمِلْكِ قَبْلَ بَيْعِهِ بِخَسَارَةٍ أَوْ تَلَفِهِ
стр. 108
وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِالِانْفِسَاخِ بَعْدَ التَّلَفِ وَالْخُسْرَانِ فَيَكُونُ هَذَا الْعَقْدُ مُفِيدًا لِلشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ خَاصَّةً وَيَكُونُ فَسْخُهُ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ وَيُكْتَفَى بِذَلِكَ بِمُسَمَّى الشَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى شَرْطٍ لَفْظِيٍّ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ وَمُهَنَّا وَأَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ وَأَبُو طَالِبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ وَنُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ صَرِيحًا وَسُئِلَ أَحْمَدُ هَلْ يَدْخُلُ هَذَا فِي رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ؟ فَقَالَ: هُوَ مِثْلُ الْمُضَارِبِ يَأْخُذُ الرِّبْحَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَشْكَلَ تَوْجِيهُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى الْقَاضِي فَحَمَلَهُ عَلَى مَحَامِلَ بَعِيدَةٍ جِدًّا وَحَمَلَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَلَى ظَاهِرِهِ وَتَبِعَهُ الشِّيرَازِيُّ إلَّا أَنَّهُ خَرَّجَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ الْوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا كَالرِّبْحِ.
[الْقَاعِدَةُ السِّتُّونَ التَّفَاسُخُ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مَتَى تَضَمَّنَ]
(الْقَاعِدَةُ السِّتُّونَ) : التَّفَاسُخُ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مَتَى تَضَمَّنَ ضَرَرًا عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَنْفُذْ إلَّا أَنْ يُمْكِنَ اسْتِدْرَاكُ الضَّرَرِ بِضَمَانٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَجُوزُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ الْمُوصَى إلَيْهِ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَهُ وَقَيَّدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بِمَا إذَا وَجَدَ حَاكِمًا لِئَلَّا يَضِيعَ إسْنَادُهَا فَيَقَعُ الضَّرَرُ وَأَخَذَهَا مِنْ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْوَصِيِّ يَدْفَعُ الْوَصِيَّةَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَبْرَأُ مِنْهَا قَالَ إنْ كَانَ حَاكِمًا فَنَعَمْ وَحَكَى رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ بِحَالٍ وَلَا قَبْلَهُ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهِ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بِحَالٍ إذَا قَبِلَهَا وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَحَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ صَرِيحًا فِي الْحَالَيْنِ.
وَمِنْهَا الْوَكِيلُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ إذَا عَزَلَهُ الرَّاهِنُ يَصِحُّ عَزْلُهُ عَلَى الْمَنْصُوصُ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرٌ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ حَاكِمٌ يَأْمُرُ بِالْبَيْعِ أَوْ لَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ
وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ عَقْدِ الْجِعَالَةِ لَكِنْ يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِبُطْلَانِ الْمُسَمَّى بِالْفَسْخِ فَإِذَا عَمِلَ بِهِ أَحَدٌ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ سَمَّى لَهُ تَسْمِيَةً فَاسِدَةً وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِي جَعْلِ الرَّدِّ الْأَبْقَ الْمُسَمَّى بِالشُّرُوعِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْإِطْلَاقِ وَقَدْ صَارَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ كَالْعَدَمِ.
وَمِنْهَا إذَا فَسَخ الْمَالِكُ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ وَقُلْنَا هِيَ جَائِزَةٌ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَنَصِيبُ الْعَامِلِ فِيهَا ثَابِتٌ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالظُّهُورِ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ حِصَّةَ الْمُسَاقِي لَيْسَتْ وِقَايَةً لِلْمَالِ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ وَكَذَلِكَ لَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ بَعْدَ الظُّهُورِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ الظُّهُورِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِإِعْرَاضِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَالِكِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ عَقْدٍ يَقْضِي إلَى حُصُولِ
стр. 109
الْمُسَمَّى لَهُ غَالِبًا فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ ظُهُورَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْفَسْخِ لِعَمَلِ الْعَامِل فِيهَا أَثَرٌ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا وَخِدْمَتِهَا فَلَا يَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا وَقَدْ أَثَّرَ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَيَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْمُضَارِبِ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِكِ دُونَ الْعَامِلِ فَيَسْتَحِقُّ مِنْ ثَمَرَةِ الْمُسَمَّى لَهُ.
وَمِنْهَا إذَا زَارَعَ رَجُلًا عَلَى أَرْضِهِ ثُمَّ فَسَخَ الْمُزَارَعَةَ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّرْعِ أَوْ قَبْلَ الْبَذْرِ وَبَعْدَ الْحَرْثِ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي مَسَائِلِهِ قُلْت لِأَحْمَدَ: الْأَكَّارُ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْأَرْضِ فَيَبِيعُ الزَّرْعَ قَالَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ قُلْت فَيَبِيعُ عَمَلَ يَدَيْهِ وَمَا عَمِلَ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ فِيهَا زَرْعٌ قَالَ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ بَعْدُ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ التَّمَامِ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ يَقُولُ يَجِبُ لَهُ بَعْدَ مَا يَبْلُغُ الزَّرْعُ لِمَا اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ حَتَّى يَفْرُغَ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ يَذْهَبُ عَمَلُ يَدَيْهِ وَمَا أَنْفَقَ فِي الْأَرْضِ فَلَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ أَوْ خَرَجَ بِإِذْنِهِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ انْتَهَى
. فَحَمَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ قَوْلَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى مَا إذَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ أَوْ خَرَجَ بِإِذْنِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ تَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ بِيَدَيْهِ وَمَا أَنْفَقَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مَالِهِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ آثَارَ عَمَلِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَعْيَانًا وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَلِهَذَا نَقُولُ فِي آثَارِ الْغَاصِبِ إنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا بِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْمُفْلِسُ وَنَحْوُهُ لَا خِلَافَ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ بَيْعِ الْعِمَارَةِ الَّتِي هِيَ الْإِثَارَةُ وَيَكُونُ شَرِيكًا فِي الْأَرْضِ بِعِمَارَتِهِ
وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ زَارَعَ رَجُلًا عَلَى مَزْرَعَةِ بُسْتَانِهِ ثُمَّ أَجَّرَهَا هَلْ تَبْطُلُ الْمُزَارَعَةُ أَنَّهُ إنْ زَارَعَهُ مُزَارَعَةً لَازِمَةً لَمْ تَبْطُلْ بِالْإِجَارَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً أَعْطَى الْفَلَّاحَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ وَأَفْتَى أَيْضًا فِي رَجُلٍ زَرَعَ أَرْضًا وَكَانَتْ بَوَارًا وَحَرَثَهَا فَهَلْ لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْهَا فَلَّاحُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَرْضِ فِلَاحَةٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فَلَهُ قِيمَتُهَا عَلَى مَنْ انْتَفَعَ بِهَا فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ انْتَفَعَ بِهَا وَأَخَذَ عِوَضًا عَنْهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرَةِ فَضَمَانُهَا عَلَيْهِ وَإِنْ أَخَذَ الْأُجْرَةَ عَنْ الْأَرْضِ وَحْدَهَا فَضَمَانُ الْفِلَاحَةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْمُنْتَفِعِ بِهَا وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مَعْلُومَةً وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا مَفْلُوحَةً كَمَا أَخَذَهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ كَمَا شَرَطَ وَيَتَخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ.
وَمِنْهَا الْمُضَارَبَةُ تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ الْمَالِكِ لَهَا وَلَوْ كَانَ الْمَالُ عَرَضَا وَلَكِنْ لِلْمُضَارِبِ بَيْعُهُ بَعْدَ الْفَسْخِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِرِبْحِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَنْعَزِلُ مَا دَامَ عَرْضًا بَلْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ [الْمَالَ] وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ عَزْلُهُ وَإِنَّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَذَكَرَا فِي الْمُضَارَبَةِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ وَحَمَلَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مُطْلَقَ كَلَامِهِمَا فِي الشَّرِكَةِ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ بَعْدَ الْفَسْخِ يَمْلِكُ تَنْضِيضٌ الْمَالِ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ رِبْحٌ لَكِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ الْمَالِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ
стр. 110
مَالِكِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إذَا قَصَدَ الْمَالِكُ بِعَزْلِهِ الْحِيلَةَ لِاقْتِطَاعِ الرِّبْحِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَتَاعًا يَرْجُو بِهِ الرِّبْحَ فِي مَوْسِمِ فَيَنْفَسِخُ قَبْلَهُ لِيُقَوِّمَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ وَيَأْخُذُهُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْمُضَارِبِ فِي الرِّبْحِ وَإِذَا جَاءَ الْمَوْسِمَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْهُ فَجَعَلَ الْعَقْدَ بَاقِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِحْقَاقِ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي أَرَادَ الْمَالِكُ إسْقَاطَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ بِعَمَلِ الْمُضَارِبِ فَهُوَ كَالْفَسْخِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي بَابِ الْجِعَالَةِ الْمُضَارَبَةُ كَالْجِعَالَةِ لَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ فَسْخَهَا بَعْدَ تَلَبُّسِ الْعَامِلِ بِالْعَمَلِ وَأَطْلَقَ ذَلِكَ وَقَالَ فِي مُفْرَدَاتِهِ إنَّمَا يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ الْفَسْخَ بَعْدَ أَنْ يَنِضَّ رَأْسَ الْمَالِ وَيَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَسْخَ لِئَلَّا يَتَمَادَى بِهِ الزَّمَانُ فَيَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ الْأَرْبَاحُ. قَالَ وَهَذَا هُوَ دَوْرَانَ بِمَذْهَبِنَا وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَاتِ الْفَسْخُ مَعَ كَتْمِ شَرِيكِهِ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى غَايَةِ الْإِضْرَارِ وَهُوَ تَعْطِيلُ الْمَالِ عَنْ الْفَوَائِدِ وَالْأَرْبَاحِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ عِنْدَنَا فَسْخَهَا وَرَأْسُ الْمَالِ قَدْ صَارَ عُرُوضًا لَكِنْ إذَا بَاعَ وَنَضَّ رَأْسَ الْمَالِ يَنْفَسِخُ انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ الْفَسْخُ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسَ الْمَالِ وَيَعْلَمَ بِهِ رَبُّهُ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِتَعْطِيلِ مَالِهِ عَنْ الرِّبْحِ كَمَا ذَكَر أَنَّهُ فِي الْفُضُولِ أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ إذَا تَوَجَّهَ الْمَالُ إلَى الرِّبْح وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الْعَامِلِ وَهُوَ حَسَنٌ جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ فِي اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمُضَارِبَ إذَا ضَارَبَ لِآخَرَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْأَوَّلِ وَكَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ رَدَّ حَقَّهُ مِنْ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ إذَا فَسَخَ قَبْلَ الظُّهُورِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْجِعَالَةِ فَفِيهِ بُعْدٌ إلَّا أَنْ يُنَزَّلَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ مِثْلَهُ أَيْضًا فِي بَابِ الْجِعَالَةِ.
وَمِنْهَا الشَّرِكَةُ إذَا فَسَخَ أَحَدُهُمَا عَقْدَهَا بِالْقَوْلِ انْفَسَخَتْ وَإِنْ قَالَ الْآخَرُ عَزَلْتُكَ انْعَزَلَ الْمَعْزُولُ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَيَنْفَسِخُ مَعَ كَوْنِ الْمَالِ عُرُوضًا أَوْ نَاضًّا وَحَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ رِوَايَةً أُخْرَى لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَنِضَّ الْمَالَ كَالْمُضَارِبِ قَالَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الشَّرِيكَ وَكِيلٌ وَالرِّبْحُ يَدْخُلُ تَبَعًا بِخِلَافِ حَقِّ الْمُضَارِبِ فَإِنَّهُ أَصْلِيٌّ وَلَا يَدْخُلُ بِدُونِ الْبَيْعِ.
وَمِنْهَا الْوَكِيلُ إذَا وَكَّلَهُ فِي فِعْلِ شَيْءٍ ثُمَّ عَزَلَهُ وَتَصَرَّفَ قَبْلَ الْعِلْمِ تَصَرُّفًا يُوجِبُ الضَّمَانَ فَهَلْ يَضْمَنُهُ الْمُوَكِّلُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ثُمَّ عَزَلَهُ فَاسْتَوْفَاهُ قَبْلَ الْعِلْمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لِأَنَّ عَفْوَ مُوَكِّلِهِ لَمْ يَصِحَّ حَيْثُ حَصَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَفَى بَعْدَ الرَّمْيِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ الضَّمَانُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَوُجِّهَ بِأَنَّ عَفْوَهُ لَمْ يَصِحَّ كَمَا ذَكَرْنَا وَبِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِهِ وَالثَّانِي عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ لَا يَعْلَمُ بِعِصْمَتِهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ مَنْ لَا يَعْلَمُ تَحْرِيمَهُ فَقَتَلَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَةٌ
следующие страницы →