Полный текст (422 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إلَى أَثْنَاءِ الْعَامِ الَّذِي بَعْدَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهُ مَنْ تَجَدَّدَ اسْتِحْقَاقُهُ فِي عَامِ الْإِدْرَاكِ وَاسْتَحَقَّ مِنْهُ مَنْ مَاتَ فِي الْعَامِ الَّذِي قَبْلَهُ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ أَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀.
وَأَفْتَى الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَبِي عُمَرَ بِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ فِي ذَلِكَ بِسَنَةِ المغل دُونَ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ فِي جَمَاعَةٍ مُقِرِّينَ فِي نَزِيهٍ حَصَلَ لَهُمْ حَاصِلٌ مِنْ قَرْيَتِهِمْ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَأْخُذُوا مَا اسْتَحَقُّوهُ عَنْ الْمَاضِي وَهُوَ مغل سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ مَثَلًا فَهَلْ يَصْرِفُ إلَيْهِمْ النَّاظِرُ بِحِسَابِ سَنَةِ المغل مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ جَمَاعَةٌ شَارَكُوا فِي حِسَابِ سَنَةِ المغل فَإِنْ أَخَذَ أُولَئِكَ عَلَى حِسَابِ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ إلَّا بِسَنَةِ المغل دُونَ الْهِلَالِيَّةِ وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ الْحَمْلُ هَلْ لَهُ حُكْمٌ قَبْل انْفِصَالِهِ أَمْ لَا]
[الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْحَمْلِ نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل مَا يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ الْحَمْلِ بِغَيْرِهِ]
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ) : الْحَمْلُ هَلْ لَهُ حُكْمٌ قَبْل انْفِصَالِهِ أَمْ لَا؟ حَكَى الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ قَالُوا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ حُكْمًا وَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى إطْلَاقِهِ قَدْ يَسْتَشْكِلُ فَإِنَّ الْحَمْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ ثَابِتَةٌ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلُ عَزْلِ الْمِيرَاثِ لَهُ وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لَهُ وَوُجُوبِ الْغُرَّةِ بِقَتْلِهِ وَتَأْخِيرِ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ أُمِّهِ حَتَّى تَضَعَهُ وَإِبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهَا إذَا خَشِيتَ عَلَيْهِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا إذَا كَانَتْ بَائِنًا وَإِبَاحَةِ طَلَاقِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ قَبْلَ ظُهُورِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يُرِيدُوا إدْخَالَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي مَحَلِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفَصْلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْحَمْلِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ الْحَمْلِ بِغَيْرِهِ
فَهَذَا ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تَتَعَلَّقُ عَلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَمْلِ كَانَ وُجُودُهُ هُوَ الظَّاهِرُ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ فِي الظَّاهِرِ فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا تَبَيَّنَّا ثُبُوتَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ أَوْ خَرَجَ مَيِّتًا تَبَيَّنَّا فَسَادَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَحْكَامِ بِهِ أَوْ بِحَيَاتِهِ كَإِرْثِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَبَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا فِيهِ اخْتِلَافٌ فَمِنْ أَحْكَامِهِ إذَا مَاتَتْ كَافِرَةً وَفِي بَطْنِهَا حَمْلٌ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْكُفَّارِ لِحُرْمَةِ الْحَمْلِ.
وَمِنْهَا إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ عَنْ الْحَمْلِ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَفِي وُجُوبِهَا طَرِيقَانِ لِلْأَصْحَابِ مِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِنَفْيِ الْوُجُوبِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ.
وَمِنْهَا: فِطْرُ الْحَامِلِ إذَا خَافَتْ عَلَى جَنِينِهَا مِنْ الصَّوْمِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَهَلْ الْكَفَّارَةُ مِنْ مَالِهَا أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ
стр. 177
الْحَمْلِ؟ عَلَى احْتِمَالَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ.
وَمِنْهَا: إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَبَانَتْ حَامِلًا فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا رُدَّتْ إلَيْهِ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَإِنْ أَنْكَرَ فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي رَدَّهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرُدَّهَا فَأُبْطِلَ الْبَيْعُ مَعَ إقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْوَطْءِ بِمُجَرَّدِ تَبَيُّنِ الْحَمْلِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: عِنْدِي لَا يَجِبُ الرَّدُّ حَتَّى تَضَعَ مَا تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ فَالْبَيْعُ مِنْ أَصْلِهِ بَاطِلٌ لِعَدَمِ اسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ وَطِئَ الرَّاهِنُ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ فَأَحْبَلَهَا خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ وَلَزِمَهُ قِيمَتُهَا تَكُونُ رَهْنًا كَذَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَتَأَخَّرُ الضَّمَانُ حَتَّى تَضَعَ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ أَحَبَلَهَا.
وَمِنْهَا: إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ فَحَمَلَتْ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَتَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً لَهُ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ لَا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا لِكَوْنِهَا حَامِلًا بِحُرٍّ وَلَا يُؤَخَّرُ قِسْمَتُهَا فَتَعَيَّنَ أَنْ يُحْسَبَ عَلَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ فَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ حَنِثَ فَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ بِالْحَمْلِ أَوْ بِوِلَادَتِهَا لِغَالِبِ مُدَّةِ الْحَمْلِ عِنْدَ خَفَائِهِ وَصَحَّحَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْجَامِعِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إنْ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ نِهَايَةِ مُدَّةِ الْحَمْلِ لَمْ تَطْلُقْ وَإِنْ وَلَدَتْ لِدُونِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ الْيَمِينِ طَلُقَتْ وَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ فَإِنْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ أَوَّلِ الْوَطْءِ طَلُقَتْ وَإِنْ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْهُ فَوَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا لَا تَطْلُقُ وَجَعَلَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَجْهًا وَاحِدًا لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ بِهِ مِنْ الْوَطْءِ الْمُتَجَدِّدِ.
وَالثَّانِي: تَطْلُقُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَضَعَهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْيَمِينِ بِدُونِ ذَلِكَ وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ.
وَمِنْهَا: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ زَوْجَةٌ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ فَمَاتَ وَلَا أَبَ لَهُ وَقَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ الزَّوْجِ وَطْءُ هَذِهِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا بَعْدَ مَوْتِ وَلَدِهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَلْ هِيَ حَامِلٌ مِنْ وَطْئِهِ الْمُتَقَدِّمِ أَمْ لَا لِأَجْلِ مِيرَاثِ الْحَمْلِ مِنْ أَخِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَبْدٌ تَحْتَهُ حُرَّةٌ قَدْ وَطِئَهَا وَلَهُ أَخٌ حُرٌّ فَيَمُوتُ أَخُوهُ الْحُرُّ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَلْ هِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا لِأَجْلِ مِيرَاثِ الْحَمْلِ مِنْ عَمِّهِ ثُمَّ إنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِلَا إشْكَالٍ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلِأَقَلَّ مِنْ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ فَإِنْ كَفَّ الزَّوْجُ عَنْ الْوَطْءِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ وَرِثَ الْحَمْلُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ
стр. 178
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا ابْنٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيَمُوتُ: إنَّهَا إنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ مَاتَ مِنْهَا وَرَّثْنَاهُ وَإِنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ نُوَرِّثْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَيَكُفُّ عَنْ امْرَأَتِهِ إذَا مَاتَ وَلَدُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا أَدْرِي هُوَ أَخُوهُ أَمْ لَا وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنْ كَفَّ عَنْ الْوَطْءِ وَرِثَ الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ فَإِنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْوَطْءِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَرِثَ أَيْضًا وَكَانَ كَمَنْ لَمْ يَطَأْ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا يَوْمَ مَوْتِ وَلَدِهَا وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ خَرَّجَهُمَا مِنْ مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْحَمْلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
[النَّوْعُ الثَّانِي الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ لِلْحَمْلِ فِي نَفْسِهِ]
ِ مِنْ مِلْكٍ وَتَمَلُّكٍ وَعِتْقٍ وَحُكْمٍ بِإِسْلَامٍ وَاسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ وَنَفْيِهِ وَضَمَانٍ وَنَفَقَةٍ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ مُرَادُ مَنْ يَأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحَمْلِ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ ثَابِتَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَلْنَذْكُرْ جُمْلَةً مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَمِنْهَا وُجُوبُ النَّفَقَةِ لَهُ فَيَجِبُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَا نَفَقَةَ لَهَا كَالْبَائِنِ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذِهِ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ لَا لِأُمِّهِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَلِهَذَا يَدُورُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا فَعَلَى هَذِهِ يَجِبُ مَعَ نُشُوزِ الْأُمِّ وَكَوْنِهَا حَامِلًا مِنْ وَطْءٍ شُبْهَةً أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَيَجِبُ عَلَى سَائِرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ مَعَ فَقْدِ الْأَبِ بِالْمَوْتِ أَوْ الْإِعْسَارِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَتَسْقُطُ بِيَسَارِ الْحَمْلِ إذَا حُكِمَ لَهُ بِمِلْكٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِي الْخِلَافِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ يُخَالِفُ ذَلِكَ وَيَجِبُ الْإِنْفَاقُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ وَلَا يَقِفُ عَلَى الْوَضْعِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَخَرَّجَ الْآمِدِيُّ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا إذَا قُلْنَا: لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْحَمْلِ نَفَقَةٌ حَتَّى يَنْفَصِلَ فَتَرْجِعُ بِهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِنْ كَانَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَكَرَ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا لِأَجْلِ الْحَمْلِ رِوَايَتَيْنِ بَلْ نَفَقَةُ هَذِهِ مِنْ جِنْسِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَفِيهَا أَيْضًا رِوَايَتَانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ كَمَا زَعَمَ ابْنُ الزاغوني وَغَيْرُهُ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَلَكِنْ هَذَا مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَحْبُوسَةِ بِحَقِّ الزَّوْجِ مِنْ مَالِهِ كَنَفَقَةِ الْبَائِنِ الْحَامِلِ نَعَمْ إنْ يَتَوَجَّهْ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ وَجَبَتْ كَنَفَقَةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا مِنْ التَّرِكَةِ ; لِأَنَّهُمَا مَحْبُوسَتَانِ لِحَقِّ الزَّوْجِ فَإِذَا وَجَبَتْ لَهُمَا نَفَقَةٌ فَهِيَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَهِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الزاغوني وَغَيْرُهُ وَفِي نَفَقَةِ أُمِّ الْوَلَدِ الْحَامِلِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ: أَحَدُهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا نَقَلَهَا حَرْبٌ وَابْنُ بُخْتَانَ.
وَالثَّانِي: يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِ مَا فِي بَطْنِهَا نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ، وَالثَّالِثَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ
стр. 179
وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَنَفَقَتُهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ فِي عِدَادِ الْأَحْرَارِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِهَا نَقَلَهَا عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهِيَ مُشْكِلَةٌ جِدًّا وَمَعْنَاهَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَلَمْ تَضَعْ مِنْ سَيِّدِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَنَفَقَتُهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَبْسِهَا عَلَى سَيِّدِهَا بِالْحَمْلِ فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ اسْتِيلَادُهَا بَعْدُ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِالْكُلِّيَّةِ وَتُسْتَرَقُّ فَإِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَإِنْ بَيَّنَ عِتْقَهَا وَقَدْ اسْتَوْفَتْ الْوَاجِبَ لَهَا وَإِنْ رُقَّتْ لَمْ يَذْهَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْءٌ مِنْ حَيْثُ أُنْفِقَ عَلَى رَقِيقِهِمْ مِنْ مَالِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهَا فَقَدْ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ هِيَ فِي عِدَادِ الْأَحْرَارِ، وَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ لِمَوْتِ السَّيِّدِ بِلَا رَيْبٍ فَإِيجَابُ نَفَقَتِهَا عَلَى وَلَدِهَا أَوْلَى مِنْ إيجَابِهَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهَا وَيَزِيدُهُ إيضَاحًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ
(وَمِنْهَا) وُجُوبُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ عَلَى الْحَمْلِ مِنْ مَالِهِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْكَحَّالِ أَنَّ نَفَقَةَ أُمِّ الْوَلَدِ الْحَامِلِ مِنْ نَصِيبِ مَا فِي بَطْنِهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ قَالَ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَرِثُ بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا وَيُوقَفُ نَصِيبُهُ فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ؟ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا النَّصَّ يَشْهَدُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ بِالْإِرْثِ مِنْ حِينِ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ حَيًّا يَتَبَيَّنُ بِهِ وُجُودُ ذَلِكَ فَإِذَا حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَا سِيَّمَا وَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّهِ يَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ هَلَاكُهُ وَيُقَسَّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا بَلْ هُوَ الْأَصْلُ حَتَّى لَوْ قَدِمَ حَيًّا وَقَدْ اُسْتُهْلِكَ مَالُهُ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ فَفِي ضَمَانِهِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي مَالِ الْحَمْلِ وَيَشْهَدُ لَهُ إذَا أَنْفَقَ الزَّوْجُ عَلَى الْبَائِنِ يَظُنُّهَا حَامِلًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا، وَقَدْ يُحْمَلُ إيجَابُ الْأُمِّ مِنْ نَصِيبِ الْحَمْلِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى نَصِيبِهِ إذَا وَضَعَتْهُ حَيًّا وَفِيهِ بُعْدٌ
(وَمِنْهَا) مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ وَهُوَ مُنْفِقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ حَيًّا أَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ حَتَّى يَنْفَصِلَ حَيًّا؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَهَذَا الْخِلَافُ مُطَرِّدٌ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ الثَّابِتَةِ لَهُ هَلْ هِيَ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطِ انْفِصَالِهِ حَيًّا فَلَا يَثْبُتُ قَبْلَهُ أَوْ هِيَ ثَابِتَةٌ لَهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ حَامِلًا لَكِنَّ ثُبُوتَهَا مُرَاعًى بِانْفِصَالِهِ حَيًّا فَإِذَا انْفَصَلَ حَيًّا تَبَيَّنَّا ثُبُوتَهَا مِنْ حِينِ وُجُودِ أَسْبَابِهَا، وَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ هَلْ الْحَمْلُ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا؟
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ نَصُّ أَحْمَدَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أُمِّهِ مِنْ نَصِيبِهِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِالْإِرْثِ مِنْ حِينِ مَوْتِ أَبِيهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ أَيْضًا فَرَوَى عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي نَصْرَانِيٍّ مَاتَ وَامْرَأَتُهُ نَصْرَانِيَّةٌ وَكَانَتْ حُبْلَى فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ وَلَدَتْ هَلْ تَرِثُ؟ قَالَ: لَا، وَقَالَ إنَّمَا مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ وَإِنَّمَا يَرِثُ بِالْوِلَادَةِ وَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ
стр. 180
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَاتَ نَصْرَانِيٌّ وَامْرَأَتُهُ حَامِلٌ فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ قَالَ: مَا فِي بَطْنِهَا مُسْلِمٌ قُلْتُ يَرِثُ أَبَاهُ إذَا كَانَ كَافِرًا وَهُوَ مُسْلِمٌ؟ قَالَ لَا يَرِثُهُ فَصَرَّحَ بِالْمَنْعِ مِنْ إرْثِهِ مِنْ أَبِيهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ إرْثَهُ يَتَأَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ وِلَادَتِهِ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِي وُجُودِهِ وَإِذَا تَأَخَّرَ تَوْرِيثُهُ إلَى مَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَقَدْ سَبَقَ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ زَمَنَ الْوِلَادَةِ إمَّا بِإِسْلَامِ أُمِّهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ هُنَا أَوْ بِمَوْتِ أَبِيهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَالْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ بِخِلَافِ التَّوْرِيثِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ التَّوْرِيثَ يَتَأَخَّرُ عَنْ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ إذَا انْعَقَدَ سَبَبُهُ فِي حَيَاةِ الْمَوْرُوثِ وَأُصُولُ أَحْمَدَ تَشْهَدُ لِذَلِكَ فِي إسْلَامِ الْقَرِيبِ الْكَافِرِ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَأَمَّا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ الْكَحَّالِ فِي النَّفَقَةِ فَيَرِثُ الْحَمْلُ بِمَوْتِ أَبِيهِ وَمِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي قَاعِدَةِ اقْتِرَانِ الْحُكْمِ وَمَانِعِهِ. وَأَمَّا إنْ قِيلَ: لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ أَحَدٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ وَقَدْ أَلَمَّ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَأَمَّا الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ فَاضْطَرَبُوا فِي تَخْرِيجِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَلِلْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ إسْلَامَهُ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ أَوْجَبَ مَنْعَهُ مِنْ التَّوْرِيثِ كَمَا أَنَّ إسْلَامَ الْكَافِرِ قَبْلَ قِسْمَةِ مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ يُوجِبُ تَوْرِيثَهُ اعْتِبَارًا بِالْقِسْمَةِ فِي التَّوْرِيثِ وَالْمَنْعِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَهِيَ ظَاهِرَةُ الْفَسَادِ ; لِأَنَّ إسْلَامَ قَرِيبِ الْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَثُبُوتَ إرْثِهِ لَا يُسْقِطُ تَوْرِيثَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فَإِنَّ تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ثَبَتَ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ وَحَثًّا عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَنْعَكِسُ هَهُنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ تَوْرِيثِ الطِّفْلِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ مِنْهُ وَنَصُّهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّوْرِيثِ فَيَكُونُ رِوَايَةً ثَانِيَةً فِي الْمَسْأَلَةِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ تَوْرِيثَ الطِّفْلِ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ وَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِهِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ حَتَّى نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِ هَذَا الطِّفْلِ جُعِلَ بِشَيْئَيْنِ بِمَوْتِ أَبِيهِ وَإِسْلَامِ أُمِّهِ. وَهَذَا الثَّانِي مَانِعٌ قَوِيٌّ ; لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ [مُنِعَ] الْمِيرَاثَ بِخِلَافِ الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ إذَا مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَلَا يُمْنَعُ إرْثَهُ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ فِيهِ ضَعِيفٌ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا وَمُخَالِفَةٌ لِتَعْلِيلِ أَحْمَدَ فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا عَلَّلَ بِسَبْقِ الْمَانِعِ لِتَوْرِيثِهِ لَا بِقُوَّةِ الْمَانِعِ وَضَعْفِهِ وَإِنَّمَا وَرَّثَ أَحْمَدُ مَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لِمُقَارَنَةِ الْمَانِعِ لَا لِضَعْفِهِ
(وَمِنْهَا) ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ بِالتَّوْرِيثِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ تَعْلِيقٌ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا وَالْوَصِيَّةُ قَابِلَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَابْنُ عَقِيلٍ تَارَةً وَافَقَ شَيْخَهُ وَتَارَةً خَالَفَهُ، وَحُكِمَ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبُولِ الْوَلِيِّ لَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ
стр. 181
أَبُو الْمَعَالِي التَّنُوخِيُّ وَبِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ الْحُكْمِ بِالْمِلْكِ إذَا كَانَ مَالًا زَكَوِيًّا وَكَذَلِكَ فِي الْمَمْلُوكِ بِالْإِرْثِ وَحَكَى وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ حَتَّى تُوضَعَ لِلتَّرَدُّدِ فِي كَوْنِهِ حَيًّا مَالِكًا فَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْرِيعُ فِي الْمَذْهَبِ.
(وَمِنْهَا) الْإِقْرَارُ الْمُطْلَقُ لِلْحَمْلِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ وَقَالَ التَّمِيمِيُّ لَا يَصِحُّ وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي يَصِحُّ وَاخْتَلَفَ فِي مَأْخَذِ الْبُطْلَانِ فَقِيلَ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، فَلَوْ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ تَمَلَّكَ بِغَيْرِهِمَا وَهُوَ فَاسِدٌ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ كَاشِفٌ لِلْمِلْكِ وَمُبَيِّنٌ لَهُ لَا مُوجِبٌ لَهُ وَقِيلَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُعَامَلَةِ وَنَحْوِهَا وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ مَعَ الْحَمْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ لَهُ الْمِلْكُ تَوَجَّهَ حَمْلُ الْإِقْرَارِ مَعَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْحَمْلِ تَعْلِيقٌ لَهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الْوِلَادَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِدُونِ خُرُوجِهِ حَيًّا وَالْإِقْرَارُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ وَهِيَ أَظْهَرُ وَتَرْجِعُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ إلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ وَانْتِفَائِهِ كَمَا سَبَقَ.
(وَمِنْهَا) اسْتِحْقَاقُ الْحَمْلِ مِنْ الْوَقْفِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ حَتَّى يُوضَعَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَثْبُتُ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْوَقْفِ فِي حَالِ كَوْنِهِ حَمْلًا حَتَّى صَحَّحَ الْوَقْفَ عَلَى الْحَمْلِ ابْتِدَاءً وَقِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الْهِبَةِ كَذَلِكَ إذْ تَمْلِيكُ الْحَمْلِ عِنْدَهُ تَمْلِيكٌ مُنْجَزٌ لَا مُعَلَّقٌ وَإِنَّمَا مَنَعَ الْقَاضِي صِحَّةَ الْهِبَةِ لَهُ ; لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ مُعَلَّقٌ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا وَالْهِبَةُ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِاسْتِحْقَاقِ الْحَمْلِ مِنْ الْوَقْفِ أَيْضًا وَيُمْكِنُ التَّفْرِيقُ عَلَى الْمَنْصُوصِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ فَإِنَّ الْوَقْفَ إنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنَافِعُهُ وَثَمَرَاتُهُ وَفَوَائِدُهُ، وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ لِقَوْمٍ بَعْدَ قَوْمٍ وَالْحَمْلُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ وُجُودِ الْمُنْتَفِعِينَ بِهِ حَتَّى يُولَدَ وَيَحْتَاجَ إلَى الِانْتِفَاعِ مَعَهُمْ بِخِلَافِ الْمِلْكِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ هَذَا ثَبَتَ لِلْحَمْلِ وَلَا يَجُوزُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى الْحَمْلِ الْمُعَيَّنِ دُونَ اسْتِحْقَاقِهِ مَعَ أَهْلِ الْوَقْفِ.
(وَمِنْهَا) الْأَخْذُ لِلْحَمْلِ بِالشُّفْعَةِ إذَا مَاتَ مُوَرِّثُهُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، قَالَ الْأَصْحَابُ لَا يُؤْخَذُ لَهُ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَخْطِبَنِي وُجُودُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ بِالْأَخْذِ لَهُ بِالشُّفْعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُ حُكْمًا وَمِلْكًا
(وَمِنْهَا) اللِّعَانُ عَلَى الْحَمْلِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَلَا الِالْتِعَانُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ وَحَنْبَلٌ وَالْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلَّلَ بِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رِبْحًا وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
وَالثَّانِيَة: تَلَاعُنٌ بِالْحَمْلِ نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الْخَلَّالُ هُوَ قَوْلٌ أَوَّلٌ وَذَكَرَ النَّجَّادُ أَنَّهُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ يَخْرُجُ صِحَّةُ اسْتِلْحَاقِ الْحَمْلِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ ; لِأَنَّ لُحُوقَ النَّسَبِ أَسْرَعُ ثُبُوتًا مِنْ نَفْيِهِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ
стр. 182
فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِقْرَارُ بِهِ وَهُوَ مُنْزَلٌ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَنْتَفِي بِاللِّعَانِ عَلَيْهِ.
(وَمِنْهَا) وُجُوبُ الْغُرَّةِ بِقَتْلِهِ إذَا أَلْقَتْهُ أُمُّهُ مَيِّتًا مِنْ الضَّرْبِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ الْأَحْيَاءَ فِي صِفَاتِهِمْ الْخَاصَّةِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إهْدَارَهُ، وَنَسَبَهُ إلَى أَنَّهُ مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ حَيْثُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُسَجَّعٍ بَاطِلٍ فِي نَفْسِهِ، وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ يَدَّعِي التَّحْقِيقَ وَيَرْتَضِي لِنَفْسِهِ مُشَارَكَةَ هَذَا الْمُعْتَرِضِ، وَيَقُولُ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي إهْدَارَهُ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ فَإِنَّ هَذَا الْجَنِينَ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادَفَهُ الضَّرْبُ وَفِيهِ حَيَاةٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ الْحَيَاةِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ ; لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي الْبَطْنِ وَحِينَئِذٍ فَالْجَانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ أَوْ مَنَعَ انْعِقَادَ حَيَاتِهِ فَضَمِنَهُ بِالْغُرَّةِ لِتَفْوِيتِ انْعِقَادِ حَيَاتِهِ كَمَا ضَمِنَ الْمَغْرُورُ وَلَدَهُ بِالْغُرَّةِ لِتَفْوِيتِ انْعِقَادِهِمْ أَرِقَّاءَ وَلَمْ يَضْمَنُوا كَمَالَ الدِّيَةِ وَالْقِيمَةِ أَيْضًا فَإِنَّ دَلَائِلَ حَيَاتِهِ وَسُقُوطِهِ مَيِّتًا عَقِيبَ الضَّرْبَةِ كَالْقَاطِعِ بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ الظَّنَّ فَوَّتَ مَرْتَبَةَ اللَّوْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَهُ فَمَوْتُهَا سَبَبُ قَتْلِهِ بِالِاخْتِنَاقِ وَفَقْدِ التَّعَدِّي. وَذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَلَا يُشْتَرَطُ الِانْفِصَالُ إلَّا لِثُبُوتِ الضَّمَانِ فِي الظَّاهِرِ فَلَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَجَنِينُهَا وَجَبَ ضَمَانُهُمَا لَكِنْ اشْتَرَطَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ الِانْفِصَالَ، قَالَ فِي امْرَأَةٍ قُتِلَتْ وَهِيَ حَامِلٌ إذَا لَمْ يُلْقَ الْجَنِينُ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، قَالَ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ: يَكْفِي أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ أَوْ يَكُونَ قَدْ انْشَقَّ جَوْفُهَا فَشُوهِدَ الْجَنِينُ وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِحَالِهِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا كَانَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَقُتِلَتْ الْأُمُّ وَمَاتَ الْجَنِينُ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ دِيَةُ الْأُمِّ وَدِيَةُ الْجَنِينِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الِانْفِصَالُ.
وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَشُوهِدَ لِجَوْفِهَا حَرَكَةٌ ثُمَّ عُصِرَ جَوْفُهَا فَخَرَجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا فَهَلْ تَضْمَنُهُ الْعَاصِرَةُ عَلَى احْتِمَالَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِمَا أَحَدُهُمَا تَضْمَنُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِجِنَايَةِ الْعَصْرِ.
وَالثَّانِي: لَا يُضْمَنُ ; لِأَنَّهُ مُنْخَنِقٌ بِمَوْتِ أُمِّهِ فَلَا يَبْقَى جِنَايَةٌ بَعْدَهَا.
. وَهَلْ يَخْتَصُّ الضَّمَانُ بِجَنِينِ الْآدَمِيَّةِ أَمْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ؟ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إلَى الِاخْتِصَاصِ ; لِأَنَّ ضَمَانَ الْجَنِينِ الْمَيِّتِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يَجِبُ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ أُمِّهِ بِالْجِنَايَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَجِبُ ضَمَانُ جَنِينِ الْبَهَائِمِ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ كَجَنِينِ الْأَمَةِ وَقِيَاسُهُ جَنِينُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ أُمُّهُ أَيْضًا ; لِأَنَّ غَيْرَ الْآدَمِيِّ لَا يُضْمَنُ بِمُقَدَّرٍ وَإِنَّمَا يُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ.
وَلَوْ أَلْقَتْ الْبَهِيمَةُ بِالْجِنَايَةِ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَاحْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الرَّهْنِ أَحَدُهُمَا يُضْمَنُ قِيمَةُ الْوَلَدِ حَيًّا لَا غَيْرُ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا نَقَصَتْ الْأُمُّ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الْأَمَةِ إذَا
стр. 183
أَسَقَطَتْ الْجَنِينَ، هَلْ يَجِبُ ضَمَانُهُ فَقَطْ أَوْ يَجِبُ مَعَهُ ضَمَانُ نَقْصِهَا أَوْ ضَمَانُ أَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي سِوَاهُ وَخَرَّجَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ أَنَّ جَنِينَ الْأَمَةِ يُضْمَنُ بِمَا نَقَصَتْ أُمُّهُ لَا غَيْرُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الرَّقِيقَ لَا يُضْمَنُ بِمُقَدَّرٍ بَلْ بِمَا يَنْقُصُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا مَاخِضًا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ
أَحَدُهَا: يَفْدِيهِ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ مَاخِضٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَالثَّانِي: يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ مِثْلَهُ ; لِأَنَّ اللَّحْمَ الْمَاخِضَ يَفْسُدُ فَقِيمَةُ الْمِثْلِ أَزْيَدُ مِنْ قِيمَةِ لَحْمِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي.
وَالثَّالِثُ: يُجْزِيهِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمِثْلِهِ غَيْرَ مَاخِضٍ ; لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ عَيْبٌ فِي اللَّحْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمِثْلِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي احْتِمَالًا
(وَمِنْهَا) هَلْ يُوصَفُ قَتْلُ الْجَنِينِ بِالْعَمْدِيَّةِ أَمْ لَا؟ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ: إنْ كَانَتْ تَعَمَّدَتْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعْتَقَ رَقَبَةٌ، وَإِنْ سَقَطَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا لِأَبِيهِ وَلَا يَكُونُ لِأُمِّهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهَا الْقَاتِلَةُ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ شَرِبَتْ عَمْدًا؟ قَالَ: هُوَ شَبِيهُ الْعَمْدِ شَرِبَتْ وَلَا تَدْرِي يَسْقُطُ أَمْ لَا. عَسَى لَا يَسْقُطُ. الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ عَمْدًا لِلشَّكِّ فِي وُجُودِهِ لَا لِلشَّكِّ فِي الْإِسْقَاطِ بِالدَّوَاءِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِسْقَاطُ مَعْلُومًا كَمَا أَنَّ الْقَتْلَ بِالسُّمِّ وَنَحْوِهِ مَعْلُومٌ وَمِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَخَذَ الْأَصْحَابُ رِوَايَةَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِقَتْلِ الْعَمْدِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ وَإِنَّمَا هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
(وَمِنْهَا) عِتْقُ الْجَنِينِ هَلْ يَنْفُذُ مِنْ حِينِهِ أَوْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: يَنْفُذُ مِنْ حِينِهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُعْتَقُ حَتَّى تَضَعَهُ حَيًّا نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: لَا يَجِبُ الْعِتْقُ إلَّا بِالْوِلَادَةِ، وَهُوَ عَبْدٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ إذَا أُعْتِقَ تَبَعًا لِعِتْقِ أُمِّهِ أَوْ يَمْلِكُهُ مِمَّنْ يُعْتَقُ بِرَحِمٍ
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فُرُوعٌ: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: لَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ بِأَمَتِهِ فَوَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ سَيِّدِ الْأَمَةِ فَإِنْ قُلْنَا يَعْتِقُ الْحَمْلُ فَقَدْ عَتَقَ عَلَى جَدِّهِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَصَالِحٍ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُوضَعَ فَهُوَ تَرِكَةٌ مَوْرُوثَةٌ عَنْ سَيِّدِهِ فَيَرِثُ مِنْهُ أَبُوهُ وَأَعْمَامُهُ بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِمْ بِالْمِلْكِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ وَهَذَا ; لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا لَيْسَ لِلْحَمْلِ حُكْمٌ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْأَوْلَادِ الْمُسْتَقِلِّينَ وَإِلَّا فَهُوَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً وَمُودَعٌ فِي أُمِّهِ فَالْمِلْكُ فِيهِ قَائِمٌ وَطَرَدَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ الْخِلَافَ فِي ثُبُوتِ مِلْكِهِ أَيْضًا وَذَكَرَا فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ وَصَّى بِأَمَةٍ لِزَوْجِهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَوَلَدَتْ فَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ حُكْمٌ فَهُوَ مُوصًى بِهِ مَعَهَا يَتْبَعُهَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ وَكَانَ مِلْكًا لِمَنْ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ ثَبَتَ لَهُ حُكْمٌ بِظُهُورِهِ. فَإِنْ وَلَدَتْهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصَيْ فَهُوَ لَهُ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ فَهُوَ لِمَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ فِي تِلْكَ الْحَالِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ قَبُولِهِ فَهُوَ لَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي هَهُنَا أَنَّا إذَا قُلْنَا لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ وَلَا يَعْتِقُ عَلَى جَدِّهِ فَمَاتَ الْجَدُّ وَوُضِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ
стр. 184
وَضْعُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ مِلْكٌ لِمَنْ حَصَلَتْ الْأَمَةُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ لَا ; لِأَنَّهُ مَوْرُوثٌ عَنْ أَبِيهِمْ بَلْ ; لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمْ الْمُشْتَرَكِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي مَعْنَى كَوْنِ الْحَمْلِ لَهُ حُكْمٌ أَوْ لَا حُكْمَ لَهُ طَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ هُوَ كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ أُمِّهِ أَوْ كَالْمَعْدُومِ وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِوُجُودِهِ بِالْوَضْعِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ أُمِّهِ وَمُودَعٌ فِيهَا وَلَكِنْ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ الْمُسْتَقِلِّ بِدُونِ انْفِصَالِهِ أَوْ لَا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَنْفَصِلَ.
الْفَرْعُ الثَّانِي إذَا أَعْتَقَ الْأَمَةَ الْحَامِلَ عَتَقَ حَمْلُهَا مَعَهَا. وَلَكِنْ هَلْ يَقِفُ عِتْقُهُ عَلَى انْفِصَالِهِ أَوْ يُعْتَقُ مِنْ حِينِ عِتْقِ أُمِّهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالْكُلِّيَّةِ إذْ هُوَ كَالْمَعْدُومِ قَبْلَ الْوَضْعِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا فَإِنَّ أَسْوَأَ مَا يُقَدَّرُ فِي الْحَمْلِ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ فِي حَالٍ مَنَعَ مِنْ نُفُوذِهِ مَانِعٌ فَوَقَفَ عَلَى زَوَالِهِ كَعِتْقِ الْمَرِيضِ لِكُلِّ رَقِيقِهِ، فَإِنَّهُ، يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْعِتْقَ قَبْلَ الْمِلْكِ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ حُرٌّ، وَهَذَا الْعِتْقُ قَدْ بَاشَرَ بِالْعِتْقِ أَمَتَهُ وَحَمْلُهَا مُتَّصِلٌ بِهَا فَوَقَفَ نُفُوذُ عِتْقِهِ عَلَى صَلَاحِيَّتِهِ لِلْعِتْقِ بِظُهُورِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ وَكَانَ عَلَقَةً عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا حِينَئِذٍ نُظِرَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: أَعْتَقَ الْأَمَةَ وَاسْتَثْنَى حَمْلَهَا صَحَّ وَكَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَتُوقَفُ فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْحَكَمِ، وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا وَخَرَّجُوهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ اسْتِثْنَائِهِ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ تُنَافِيهِ الْجَهَالَةُ بِخِلَافِ الْعِتْقِ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: أَعْتَقَ الْمُوسِرُ أَمَةً لَهُ حَمْلُهَا لِغَيْرِهِ فَهَلْ يُعْتَقُ بِالسِّرَايَةِ أَمْ لَا؟ إنْ قُلْنَا أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَمْ يَسْرِ إلَيْهِ الْعِتْقُ وَإِنَّمَا دَخَلَ مَعَ الْأُمِّ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهَا تَبَعًا لِاتِّصَالِهِ بِالْأُمِّ وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي مِلْكِهِ كَمَا يَتْبَعُ الطَّلْعُ الْمُؤَبَّرُ لِلنَّخْلِ فِي الْعَقْدِ إذَا كَانَ مِلْكًا لِمَالِكِهِ وَلَا يَتْبَعُ إذَا كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ السَّامِرِيِّ وَصَاحِبَيْ التَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ يُعْتَقُ وَيَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَجُزْءٍ مِنْهَا.
الْفَرْعُ الْخَامِسُ: لَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ وَحْدَهُ صَحَّ وَنَفَذَ وَهَلْ يُعْتَقُ مِنْ حِينِهِ أَوْ يَقِفُ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ وَأَشَارَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي دِيَاتِ الْأَجِنَّةِ إلَى خِلَافٍ لَنَا فِي صِحَّةِ عِتْقِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ قَالَ هُوَ كَجُزْءٍ مِنْهَا أَنْ يَسْرِيَ عِتْقُهُ إلَيْهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْفَرْعِ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ حَامِلٍ فَأَعْتَقَ السَّيِّدُ حَمْلَهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَوْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ
стр. 185
ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ ثُمَّ انْفَصَلَ مَيِّتًا أَوْ انْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ عَقِيبَ الِانْفِصَالِ.
فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ هَلْ حَصَلَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بَعْدَهُ، وَعَلَى أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ إذَا جَرَحَ رَقِيقًا ثُمَّ عَتَقَ فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ هَلْ يَضْمَنُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ أَوْ بِقِيمَةِ عَبْدٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَهَهُنَا صُوَرٌ أَرْبَعَةٌ:
(أَحَدُهَا) أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَعْتِقَ ثُمَّ يَنْفَصِلَ مَيِّتًا فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ هَلْ حَصَلَ لَهُ حَالَ كَوْنِهِ حَمْلًا أَمْ لَا، فَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِتْقُ حِينَئِذٍ وَجَبَ ضَمَانُهُ بِضَمَانِ جَنِينٍ مَمْلُوكٍ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ وَإِنْ قُلْنَا قَدْ عَتَقَ انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الضَّمَانِ بِحَالِ السِّرَايَةِ أَوْ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْجِنَايَةِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا بِحَالِ السِّرَايَةِ فَفِيهِ غُرَّةُ ضَمَانِ جَنِينٍ حُرٍّ.
وَقِيلَ يَضْمَنُهُ ضَمَانُ رَقِيقٍ وَجْهًا وَاحِدًا كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ إذْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِتْقُهُ لِجَوَازِ تَلَفِهِ قَبْلَهُ وَحَكَيَا أَيْضًا فِيمَا إذَا لَوْ أَعْتَقَ الْأُمَّ بَعْدَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينَهَا وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي اعْتِبَارِ حَالَةِ السِّرَايَةِ أَوْ الْجِنَايَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ.
(وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يُجْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَعْتِقَ ثُمَّ يَنْفَصِلَ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِتْقُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الضَّمَانِ هَلْ هُوَ بِحَالَةِ السِّرَايَةِ أَوْ الْجِنَايَةِ؟ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي مُسَوَّدَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ يَضْمَنُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهُوَ سَهْوٌ.
(الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) : أَنْ يَعْتِقَ أَوَّلًا ثُمَّ يُجْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْفَصِلَ حَيًّا، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ إنْ قُلْنَا: عَتَقَ وَهُوَ حَمْلٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَعْتِقُ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الضَّمَانِ هَلْ هُوَ بِحَالَةِ الْجِنَايَةِ أَوْ السِّرَايَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِحَالَةِ السِّرَايَةِ ضَمِنَهُ بِدِيَةِ حُرٍّ وَإِلَّا ضَمِنَهُ ضَمَانَ رَقِيقٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ الْمُبَاشِرِ وَوُجِدَ الْمَوْتُ بَعْدَ النُّفُوذِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَمَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّعْلِيقِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ) : أَنْ يَعْتِقَ ثُمَّ يُجْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْفَصِلَ مَيِّتًا فَإِنْ قُلْنَا عَتَقَ وَهُوَ حَمْلٌ ضَمِنَهُ ضَمَانَ جَنِينٍ حُرٍّ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ ضَمِنَهُ ضَمَانَ جَنِينِ رَقِيقٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ بَعْدُ، وَفِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ وَالْمُحَرَّرِ أَنَّ حَرْبًا نَقَلَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا حَكَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ وَجْهُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ إذَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ عِتْقُ الْحَمْلِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ.
(وَمِنْهَا) وُرُودُ الْعُقُودِ عَلَى الْحَامِلِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِصْدَاقِ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: إنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ حُكْمٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْعَقْدِ وَيَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الْعِوَضِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ قِسْطًا مِنْ الْعِوَضِ وَكَانَ بَعْدَ وَضْعِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ فَلَوْ رُدَّتْ الْعَيْنُ بِعَيْبٍ أَوْ إفْلَاسٍ أَوْ طَلَاقٍ فَإِنْ قُلْنَا لَهُ حُكْمٌ، رُدَّ مَعَ الْأَصْلِ وَإِلَّا
стр. 186
كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّمَاءِ، وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَمْلِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَأَنَّهُ تِرْكَةٌ مَوْرُوثَةٌ يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَجْزَاءِ لَا حُكْمُ الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ، فَيَجِبُ رَدُّهُ مَعَ الْعَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا لَا حُكْمَ لَهُ إذْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْأَوْلَادِ لَا أَنَّهُ مَعْدُومٌ وَهَذَا أَصَحُّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَلَسِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَبْضُ مِنْ الْعُقُودِ كَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ وَيَحْصُلُ قَبْضُهُ تَبَعًا لِأُمِّهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةُ اشْتِرَاطِ الْحَمْلِ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) جَنِينُ الدَّابَّةِ الْمُذَكَّاةِ هَلْ يُحْكَمُ بِزَكَاتِهِ مَعَهَا قَبْلَ الِانْفِصَالِ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: لَا يُحْكَمُ بِذَكَاتِهِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ الْجَنِينِ وَالْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ بِأَنَّ الْجَنِينَ فِيهِ غُرَّةٌ وَالْوَلَدُ فِيهِ الدِّيَةُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْأَوْلَادِ، وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ وَأَنَّ تَذْكِيَتَهُ تَابِعٌ لِتَذْكِيَتِهَا، وَأَمَّا إنْ قِيلَ بِأَنَّهُ وَلَدٌ مُسْتَقِلٌّ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ فِيهِ إرَاقَةُ دَمِهِ إذَا خَرَجَ أَمْ لَا وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَكْثَرُ النُّصُوصِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَقَطْ وَفِي بَعْضِهَا مَا يُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ وَهَذَا يَنْزِعُ إلَى أَنَّهُ وَلَدٌ مُسْتَقِلٌّ لَكِنْ عُفِيَ عَنْ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ لِاتِّصَالِهِ بِأُمِّهِ عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا ثُمَّ وَجَبَ سَفْحُ دَمِهِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُ التَّذْكِيَةِ فِيهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا مَاتَتْ الْحَامِلُ وَصَلَّى عَلَيْهَا هَلْ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى حَمْلِهَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ لَا، وَعَلَّلَ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِهِ وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْ الْأُمِّ أَيْضًا. وَأَمَّا إنْ قِيلَ بِأَنَّهُ وَلَدٌ مُسْتَقِلٌّ فَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَدْ يُقَالُ: شَرْطُ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ لَهُ ظُهُورُهُ وَلَمْ يُوجَدْ فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّمَانُونَ الْحُقُوقُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ]
[النَّوْع الْأَوَّل حَقُّ مِلْكٍ كَحَقِّ السَّيِّدِ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ وَمَالِ الْقِنِّ]
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّمَانُونَ) : الْحُقُوقُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ
(أَحَدُهَا) حَقُّ مِلْكٍ كَحَقِّ السَّيِّدِ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ وَمَالِ الْقِنِّ إذَا قُلْنَا يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ وَمَا يَمْتَنِعُ إرْثُهُ لِمَانِعٍ كَالتَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ عَلَى رِوَايَةٍ، كَالْمُحْرِمِ إذَا مَاتَ مَوْرُوثُهُ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ عَلَى أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ.
[النَّوْع الثَّانِي حَقُّ تَمَلُّكٍ كَحَقِّ الْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ وَحَقِّ الْعَاقِدِ لِلْعَقْدِ إذَا وَجَبَ لَهُ]
(وَالثَّانِي) حَقُّ تَمَلُّكٍ كَحَقِّ الْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ وَحَقِّ الْعَاقِدِ لِلْعَقْدِ إذَا وَجَبَ لَهُ وَحَقِّ الْعَاقِدِ فِي عَقْدٍ يَمْلِكُ فَسْخَهُ لِيُعِيدَ مَا خَرَجَ عَنْهُ إلَى مِلْكِهِ مَعَ أَنَّ فِي هَذَا شَائِبَةً مِنْ حَقِّ الْمِلْكِ وَحَقِّ الشَّفِيعِ فِي الشِّقْصِ وَهَهُنَا صُوَرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ يَثْبُتُ فِيهَا الْمِلْكُ أَوْ حَقُّ التَّمْلِيكِ؟ (فَمِنْهَا) حَقُّ الْمُضَارِبِ فِي الرِّبْحِ بَعْدَ الظُّهُورِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ: وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا مَلَكَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ وَهُوَ حَقٌّ مُتَأَكَّدٌ حَتَّى لَوْ مَاتَ وُرِثَ عَنْهُ، وَلَوْ أَتْلَفَ
стр. 187
الْمَالِكُ الْمَالَ غَرِمَ نَصِيبَهُ وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ، وَلَوْ أَسْقَطَ الْمُضَارِبُ حَقَّهُ مِنْهُ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ مِلْكُهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ فَفِي التَّلْخِيصِ احْتِمَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ كَالْغَنِيمَةِ.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الرِّبْحَ هُنَا مَقْصُودٌ وَقَدْ تَأَكَّدَ سَبَبُهُ بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ مَقْصُودَ الْجِهَادِ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ لَا الْمَالُ.
(وَمِنْهَا) حَقُّ الْغَانِمِ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ لَكِنْ هَلْ يُشْتَرَطُ الْإِحْرَازُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ وَتُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ تَقَضِّي الْحَرْبِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي فَعَلَى هَذَا لَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا إلَّا مَنْ شَهِدَ الْإِحْرَازَ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَاعْتَبَرَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ شُهُودَ إحْرَازِ الْوَقْعَةِ وَقَالُوا لَا يَسْتَحِقُّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ.
وَفَصَلَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ بَيْنَ الْجَيْشِ وَأَهْلِ الْمَدَدِ فَأَمَّا الْجَيْشُ فَيَسْتَحِقُّونَ بِحُضُورِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْعَةِ إذَا كَانَ تَخَلُّفُهُمْ عَنْ الْبَاقِي لِعُذْرٍ كَمَوْتِ الْغَازِي أَوْ مَوْتِ فَرَسِهِ، وَأَمَّا الْمَدَدُ فَيُعْتَبَرُ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ شُهُودَ انْجِلَاءِ الْحَرْبِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ فِيمَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ يُعْطَى وَرَثَتُهُ نَصِيبَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَمْلِكُ الْغَنِيمَةَ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْمِلْكِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. فَعَلَى هَذَا إنَّمَا ثَبَتَ لَهُمْ حَقُّ التَّمَلُّكِ كَالشَّفِيعِ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ أَوْ الْمُطَالَبَةِ فَلَا حَقَّ لَهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّ الْحَقَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ بِدُونِ الْقَبُولِ وَالْمُطَالَبَةِ وَإِنْ قَالُوا اخْتَرْنَا الْقِسْمَةَ لَزِمَتْ حُقُوقُهُمْ وَلَمْ تَسْقُطْ بِالْإِعْرَاضِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْقَطُوا حُقُوقَهُمْ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ وَيَصِيرُ فَيْئًا فَإِنْ أُسْقِطَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَالْكُلُّ لِمَنْ يَسْقُطُ حَقُّهُ.
(وَمِنْهَا) حَقُّ مَنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِمَّا مَلَكَهُ الْكُفَّارُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّمْلِيكِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَخَرَّجَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْخِلَافِ فِي حَقِّ الْغَانِمِينَ.
(وَمِنْهَا) حَقُّ الزَّوْجِ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ الْمِلْكُ قَهْرًا أَوْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ فَلَا يَمْلِكُ بِدُونِهِ فِيهِ وَجْهَانِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ وَعَلَى الثَّانِي فَتَكْفِي فِيهِ الْمُطَالَبَةُ وَاخْتِيَارُ التَّمَلُّكِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ كَرُجُوعِ الْأَبِ وَزَعَمَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ أَنَّ هَذَا مُرَتَّبٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي عَفْوِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هَلْ هُوَ الزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ طَلَبَ الْعَفْوَ مِنْ الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَالِكُ فَإِنَّ الْعَفْوَ يَصِحُّ عَمَّا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ التَّمَلُّكِ كَالشُّفْعَةِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِنَا أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ
стр. 188
عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْأَبُ مَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمْلِكْ نِصْفَ الْمَهْرِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْفُو عَنْ النِّصْفِ الْمُخْتَصِّ بِابْنَتِهِ فَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَلَا تَعَرُّضَ لِذِكْرِهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ حَكَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ عَفْوِ الزَّوْجِ عَنْ النِّصْفِ إذَا قُلْنَا: قَدْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَصِحُّ عَفْوُهُ إنْ كَانَ مَالِكًا كَمَا يَصِحُّ عَفْوُ الزَّوْجَةِ مَعَ مِلْكِهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ لَكِنْ إنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا صَحَّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ بِسَائِرِ أَلْفَاظِ الْمُبَارَاةِ مِنْ الْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْهِبَةِ وَالْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّحْلِيلِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ قَبُولٌ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَقُلْنَا لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ فَكَذَلِكَ وَكَذَلِكَ يَصِحُّ عَفْوُ الشَّفِيعِ عَنْ الشُّفْعَةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَإِنْ قُلْنَا مَلَكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ صَحَّ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمَلُّكِ وَهَلْ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَالثَّانِي يَصِحُّ قَالَهُ الْقَاضِي وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ عِنْدَنَا يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ إيجَابٍ وَلَا قَبُولٍ بِلَفْظٍ مُعَيَّنٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ يُشْتَرَطُ هَهُنَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالْقَبْضُ وَحَكَى صَاحِبُ التَّرْغِيبِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَبْضَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفُسُوخِ كَالْإِقَالَةِ وَنَحْوِهَا وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَكَذَلِكَ يَصِحُّ رُجُوعُ الْأَبِ فِي الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ وَكَذَلِكَ فَسْخُ عَقْدِ الرَّهْنِ وَغَيْرِهَا.
(وَمِنْهَا) حَقُّ الْمُلْتَقِطِ فِي اللُّقَطَةِ بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالثَّانِي لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَخْتَارَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ فَيَكُونُ حَقُّهُ فِيهَا حَقَّ تَمَلُّكٍ.
(وَمِنْهَا) الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ وَقِيلَ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَالثَّانِي: إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ بِالْقَبُولِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
(وَمِنْهَا) مَنْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ كَلَأٌ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ أَوْ تَوَحَّلَ فِيهَا صَيْدٌ أَوْ سَمَكٌ وَنَحْوُهُ فَهَلْ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ وَأَكْثَرُ النُّصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إنَّمَا ثَبَتَ حَقُّ التَّمَلُّكِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ بِذَلِكَ إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْذُلَ مِنْ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ إلَّا الْفَاضِلَ عَنْ حَوَائِجِهِ وَلَوْ سَبَقَ غَيْرَهُ وَحَقَّقَ سَبَبَ الْمِلْكِ بِحِيَازَتِهِ إلَيْهِ فَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ يَمْلِكُهُ وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ وَيُشْبِهُ هَذَا الْخِلَافُ فِي الطَّائِفَةِ الَّتِي تَغْزُو بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ هَلْ يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنْ غَنِيمَتِهِمْ أَمْ لَا وَقَرَّرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْفِعْلِيَّةَ تُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ كَانَتْ مَحْظُورَةً كَأَخْذِ الْمُسْلِمِ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ غَصْبًا وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ بِخِلَافِ الْقَوْلِيَّةِ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ
(وَمِنْهَا) مُتَحَجِّرُ الْمَوَاتِ الْمَشْهُورُ. أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ
стр. 189
مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ أَحَقُّ بِتَمَلُّكِهِ بِالْأَحْيَاءِ فَإِنْ بَادَرَ الْغَيْرُ فَأَحْيَاهُ فَفِي مِلْكِهِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ التَّمَلُّكِ وَصَارَ التَّمَلُّكُ وَاقِفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ. فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ لَهُ رَغْبَةٌ فِي التَّمَلُّكِ وَوَعَدَ بِهِ وَلَمْ يَنْعَقِدْ السَّبَبُ كَالْمُسْتَامِ وَالْخَاطِبِ إذَا رَكَنَ إلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ مُزَاحَمَتُهُمَا أَيْضًا وَلَكِنْ يَصِحُّ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا بِالْبُطْلَانِ مِنْ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْبَيْعِ انْعَقَدَ وَأَخَذَ بِهِ وَلَا كَذَلِكَ هَهُنَا وَلِأَنَّ الْمُفِيدَ لِلْمِلْكِ هُنَا الْعَقْدُ وَالْمُحَرَّمُ سَابِقٌ عَلَيْهِ فَهُوَ كَاسْتِيلَادِ الْأَبِ وَالشَّرِيكِ يَحْصُلُ لَهُ الْمِلْكُ بِالْعُلُوقِ لَمَّا كَانَ الْمُحَرَّمُ وَهُوَ الْوَطْءُ سَابِقًا عَلَيْهِ.
[النَّوْعُ الثَّالِثُ حَقُّ الِانْتِفَاعِ]
ِ وَيَدْخُلُ فِيهِ صُوَرٌ: (مِنْهَا) وَضْعُ الْجَارِ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهِ.
(وَمِنْهَا) إجْرَاءُ الْمَاءِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِقَضَاءِ عُمْرَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي طَرِيقِ مَائِهِ مِثْلُ أَنْ يُجْرِيَ مِيَاهَ سُطُوحِهِ أَوْ غَيْرِهَا فِي قَنَاةٍ لِجَارِهِ أَوْ يَسُوقَ فِي قَنَاةٍ عَذْبَةٍ مَاءً ثُمَّ يُقَاسِمُهُ جَارُهُ وَلَوْ وَضَعَ عَلَى النَّهْرِ عَبَّارَةً يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ فَخَرَّجَهَا الْأَصْحَابُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا كَانَتْ لَهَا أَرْبَعَةُ سُطُوحٍ يَجْرِي الْمَاءُ عَلَيْهَا فَلَمَّا اقْتَسَمُوا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ جَرَيَانِ الْمَاءِ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا قَدْ صَارَ لِي وَلَيْسَ بَيْنَنَا شَرْطٌ فَقَالَ أَحْمَدُ يُرَدُّ الْمَاءُ إلَى مَا كَانَ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ وَلَا يَضُرَّ بِهِ. وَحَمَلَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ ضَرَرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ جَرَيَانِ الْمَاءِ وَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَنْقُضَ سَطْحَهُ وَيَسْتَحْدِثَ لَهُ مَسِيلًا فَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى رَسْمِهِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ كَمَا يَجْرِي مَاؤُهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ لِلْحَاجَةِ أَوْ يَضَعُ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ إذَا اُقْتُسِمَتْ كَانَتْ مَرَافِقُهَا كُلُّهَا بَاقِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْجَمْعِ كَالِاسْتِطْرَاقِ فِي طَرِيقِهَا، وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ حَصَلَ الطَّرِيقُ فِي حِصَّةِ أَحَدِ الْمُقْتَسِمِينَ وَلَا مَنْفَذَ لِلْآخَرِ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَجْهًا فِي مَسْأَلَةِ الطَّرِيقِ بِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَبَقَاءِ حَقِّ الِاسْتِطْرَاقِ فِيهِ لِلْآخَرِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ لَا يُرَادُ مِنْهُ سِوَى الِاسْتِطْرَاقِ فَالِاشْتِرَاكُ فِيهِ يُزِيلُ مَعْنَى الْقِسْمَةِ وَالِاخْتِصَاصُ بِخِلَافِ إجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى السَّطْحِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَ السَّطْحِ مِنْ الِانْفِرَادِ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ بِسَائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمِلْكِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ يُحْصَدُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ شَجَرًا عَلَيْهِ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ كَانَ ذَلِكَ مُبْقَى فِي الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ إلَى وَقْتِ الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ بِغَيْرِهِ أُجْرَةٍ وَلَوْ أَرَادَ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا إلَى وَقْتِ الْجُذَاذِ أَوْ يُؤَجِّرَهَا لَمْ
стр. 190
يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَمْلِكُ الْجَارُ إعَارَةَ غَيْرِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ جَارِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ زَرْعًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ فِي أَرْضٍ فَإِنَّ عَلَيْهِ إبْقَاءَهُ إلَى وَقْتِ صَلَاحِهِ لِلْحَصَادِ فَأَمَّا إنْ بَاعَ شَجَرَةً فَهَلْ يَدْخُلُ مَنْبَتُهَا فِي الْبَيْعِ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَحَكَى عَنْ ابْنِ شَاقِلَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَإِنْ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ الدُّخُولُ حَيْثُ قَالَ فِيمَنْ أَقَرَّ بِشَجَرَةٍ لِرَجُلٍ هِيَ لَهُ بِأَصْلِهَا وَعَلَى هَذَا لَوْ انْقَلَعَتْ فَلَهُ إعَادَةُ غَيْرِهَا مَكَانَهَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ شَاقِلَا كَالزَّرْعِ إذَا حُصِدَ فَلَا يَكُونُ لَهُ فِي الْأَرْضِ سِوَى حَقِّ الِانْتِفَاعِ.
[النَّوْعُ الرَّابِعُ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ]
ِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَخْتَصُّ مُسْتَحِقُّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مُزَاحَمَتَهُ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلشُّمُولِ وَالْمُعَاوَضَاتِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) الْكَلْبُ الْمُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ كَالْمُعَلَّمِ لِمَنْ يَصْطَادُ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَصْطَادُ بِهِ أَوْ كَانَ الْكَلْبُ جَرْوًا يَحْتَاجُ إلَى تَعْلِيمٍ فَوَجْهَانِ.
(وَمِنْهَا) الْأَدْهَانُ الْمُتَنَجِّسَةُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا بِالْإِيقَادِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ فَأَمَّا نَجِسَةُ الْعَيْنِ كَدُهْنِ الْمَيْتَةِ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ.
(وَمِنْهَا) جِلْدُ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغُ إذَا قِيلَ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْيَابِسَاتِ فَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِحَالٍ فَلَا يَدَ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّهُ عَلَى مَنْ انْتَزَعَهُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ نَعَمْ لَوْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَجَبَ رَدُّهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ لَمْ تَزُلْ عَنْهَا بِالْغَصْبِ فَكَأَنَّهَا تَخَلَّلَتْ فِي يَدِهِ وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ التَّخْمِيرِ فَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ الزَّوَالَ، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَزُلْ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَوْ عَادَتْ خَلًّا عَادَ الْمِلْكُ الْأَوَّلُ لِحُقُوقِهِ مِنْ ثُبُوتِ الرَّهْنِيَّةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى لَوْ خَلَّفَ خَمْرًا وَدَيْنًا فَتَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ قَضَى مِنْهُ دَيْنَهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي الرَّهْنِ وَذَكَرَ هُوَ وَابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِيهِ لَوْ وَهَبَ الْخَمْرَ وَأَقْبَضَهَا أَوْ أَرَاقَهَا فَجَمَعَهَا آخَرُ فَتَحَلَّلَتْ فِي يَدِ الثَّانِي فَهَلْ هِيَ مِلْكٌ لَهُ أَوْ لِلْأَوَّلِ عَلَى احْتِمَالَيْنِ وَفَرَّقَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْغَصْبِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ زَالَتْ يَدُهُ عَنْهَا بِالْإِرَاقَةِ وَالْإِقْبَاضِ وَثَبَتَ يَدُ الثَّانِي بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بِتَخْمِيرِ الْعَصِيرِ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى الْخَمْرِ لِإِمْكَانِ عَوْدِهَا مَالًا.
(وَمِنْهَا) مَرَافِقُ الْأَمْلَاكِ كَالطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ وَمَسِيلِ الْمِيَاهِ وَنَحْوِهَا هَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ أَوْ ثَبَتَ فِيهَا حَقُّ الِاخْتِصَاصِ؟ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: ثُبُوتُ حَقِّ الِاخْتِصَاصِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَفِي الْغَصْبِ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ حَفَرَ فِي فِنَائِهِ بِئْرًا أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِحَفْرِهِ
стр. 191
فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَطَرَدَ الْقَاضِي ذَلِكَ حَتَّى فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ أَرْضًا بِفِنَائِهَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ; لِأَنَّ الْفِنَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ إذْ اسْتِطْرَاقُهُ عَامٌّ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ بِطَرِيقِهَا، وَأَوْرَدَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْفِنَاءِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْحُقُوقِ فَهُوَ كَمَسِيلِ الْمِيَاهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْمِلْكُ وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي الطُّرُقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكُلِّ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيُّ عَلَى مِلْكِ حَرِيمِ الْبِئْرِ
(وَمِنْهَا) مَرَافِقُ الْأَسْوَاقِ الْمُتَّسِعَةِ الَّتِي يَجُوزُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِيهَا كَالدَّكَاكِينِ الْمُبَاحَةِ وَنَحْوِهَا فَالسَّابِقُ إلَيْهَا أَحَقُّ بِهَا، وَهَلْ لِيَخْطِبُوا حَقُّهُ بِانْتِهَاءِ النَّهَارِ أَوْ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يَنْقُلَ قُمَاشَهُ عَنْهَا إلَى وَجْهَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ الْأَوَّلُ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِانْتِفَاءِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِي فَلَوْ أَطَالَ الْجُلُوسَ فَهَلْ يُصْرَفُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الِاخْتِصَاصِ بِالْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ.
(وَمِنْهَا) الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا لِعِبَادَةٍ أَوْ مُبَاحٍ فَيَكُونُ الْجَالِسُ أَحَقَّ بِمَجْلِسِهِ إلَى أَنْ يَقُومَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ قَاطِعًا لِلْجُلُوسِ أَمَّا إنْ قَامَ لِحَاجَةٍ عَارِضَةٍ وَنِيَّتُهُ الْعَوْدُ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا قَامَ فِي صَفٍّ فَاضِلٍ أَوْ فِي وَسَطِ الصَّفِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُهُ عَنْهُ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ فِعْلُ طَرَفَةَ بْنِ كَعْبٍ بِقَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ.
[النَّوْعُ الْخَامِسُ حَقُّ التَّعَلُّقِ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ]
وَالنَّوْعُ الْخَامِسُ حَقُّ التَّعَلُّقِ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ وَلَهُ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الرَّهْنِ مَحْبُوسٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَهُ.
(وَمِنْهَا) تَعَلُّقُ حَقِّ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي وَمَعْنَاهُ أَنَّ حَقَّهُ انْحَصَرَ فِي مَالِيَّتِهِ وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ وَيَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِمَجْمُوعِ الرَّقَبَةِ لَا بِقَدْرِ الْأَرْشِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَيُبَاعُ جَمِيعُهُ فِي الْجِنَايَةِ وَيُوَفَّى مِنْهُ الْحَقُّ وَيُرَدُّ الْفَضْلُ عَلَى السَّيِّدِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِالْجَمِيعِ وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا جَنَى وَكَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَنْ الْأَرْشِ هَلْ يُبَاعُ جَمِيعُهُ أَوْ بِمِقْدَارِ الْأَرْشِ فِيهِ وَجْهَانِ لَكِنَّ بَيْعَ جَمِيعِهِ يَنْدَفِعُ بِهِ عَنْ السَّيِّدِ ضَرَرُ نَقْصِ الْقِيمَةِ بِالتَّشْقِيصِ.
(وَمِنْهَا) تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالتَّرِكَةِ هَلْ يَمْنَعُ انْتِقَالَهَا بِالْإِرْثِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَهَلْ هُوَ كَتَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ أَوْ الرَّهْنِ؟ اخْتَلَفَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ وَصَرَّحَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ كَمُتَعَلِّقِ الرَّهْنِ وَيُفَسَّرُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا، أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا فَلَا يَنْفَكُّ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يُوَفَّى الدَّيْنُ كُلُّهُ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ إذَا كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا قَالَ وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةً انْقَسَمَ عَلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ وَيَتَعَلَّقُ كُلُّ حِصَّةٍ مِنْ الدَّيْنِ بِنَظِيرِهَا مِنْ التَّرِكَةِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا لَا يَنْفَكُّ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يُوَفِّيَ جَمِيعَ تِلْكَ الْحِصَّةِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ
стр. 192
يَكُونَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ فِي التَّفْلِيسِ.
الثَّانِي: أَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ وَيَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ وَهَلْ هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ أَوْ الْوَرَثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ أَيْضًا سَبَقَا وَهَلْ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِالْمَالِ مِنْ حِينِ الْمَرَضِ أَمْ لَا؟ تَرَدَّدَ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِجَمِيعِ مَا تَرَكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ وَيَهَبَ يَعْنِي الْمَيِّتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: هَذَا لَيْسَ لَهُ مَالٌ، قَالَ: أَلَيْسَ ثُلُثُهُ لَهُ؟ قُلْت: لَيْسَ هَذَا الْمَالُ لَهُ، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ السَّاعَةُ فِي يَدِهِ؟ قُلْت: بَلَى، وَلَكِنَّهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ: دَعْهَا فَإِنَّهَا مَسْأَلَةٌ فِيهَا لَبْسٌ، وَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَهُ عَلَى مَا نَاظَرْتُهُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ. وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ وَجَعَلَ ظَاهِرَهَا صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ مَعَ الدَّيْنِ وَحَمَلَهَا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَرِيضِ مَعَ الْغُرَمَاءِ كَحُكْمِهِ مَعَ الْوَرَثَةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْجَمِيعِ بِمَالِهِ فَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ بِالثُّلُثِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. أَوْ أَنْ يَقِفَ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ عَلَى إجَازَةِ الْغُرَمَاءِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هِيَ بَدَلٌ عَلَى أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُمْ بِالْمَالِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْحَيَاةِ فِي ذِمَّتِهِ وَالْوَرَثَةُ لَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُمْ بِالْمَالِ مَعَ الدَّيْنِ فَيَبْقَى الثُّلُثُ الَّذِي مَلَّكَهُ الشَّارِعُ التَّصَرُّفَ فِيهِ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مُنْجَزًا لَا مُعَلَّقًا بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي مَرَضِهِ إذْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي ذِمَّتِهِ.
قُلْتُ: وَتَرَدَّدَ كَلَامُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ فِي خِلَافَيْهِمَا فِي الْمَرِيضِ هَلْ لِوَرَثَتِهِ مَنْعُهُ مِنْ إنْفَاقِ جَمِيعِ مَالِهِ فِي الشَّهَوَاتِ أَمْ لَا؟ فَفِي مَوْضِعٍ جَزَمَا بِثُبُوتِ الْمَنْعِ لَهُمْ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِهِمْ بِمَالِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ.
(وَمِنْهَا) تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَالِ هَلْ يَتْبَعُ الِانْتِقَالَ إلَى الْوَرَثَةِ؟ جَعَلَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ حُكْمَهُ حُكْمَ الدَّيْنِ وَمِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِعَدَمِ انْتِقَالِهِ إلَى الْوَرَثَةِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ بِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي عَيْنِ التَّرِكَةِ وَلَا يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ إبْدَالَ حَقِّهِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّ حَقَّ صَاحِبِهِ فِي التَّرِكَةِ وَالذِّمَّةِ وَلِلْوَرَثَةِ التَّوْفِيَةُ مِنْ غَيْرِهِ وَأُخِذَ ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُخْرَجَ مِنْ مَالِهِ كَذَا وَكَذَا فِي كَذَا وَكَذَا سَنَةً، قَالَ: لَا يُقَسَّمُ الْمَالُ حَتَّى يُنَفِّذُوا مَا قَالَ إلَّا أَنْ يَضْمَنُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ فَلَهُمْ أَنْ يُقَسِّمُوا الْبَقِيَّةَ وَكَذَلِكَ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَهُوَ شَرِيكٌ فِي قَدْرِ مَا وَصَّى لَهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَمْ يَجُزْ لِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفُ حَتَّى يُفْرِدُوا نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ انْتِقَالِهِ إلَى الْوَرَثَةِ أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَنَا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ وَإِنَّ إجَازَةَ الْوَرَثَةِ لَهَا تَنْفِيذٌ لَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ
(وَمِنْهَا) تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ هَلْ هُوَ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ أَوْ ارْتِهَانٍ أَوْ تَعَلُّقُ الِاسْتِيفَاءِ كَالْجِنَايَةِ اضْطَرَبَ
стр. 193
كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ اضْطِرَابًا كَثِيرًا. وَيَحْصُلُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ شَرْحِ الْمَذْهَبِ وَظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالثَّانِي: تَعَلُّقُ اسْتِيفَاءٍ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُشَبِّهُهُ بِتَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُشَبِّهُهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَلُّقُ رَهْنٍ وَيَنْكَشِفُ هَذَا النِّزَاعُ بِتَحْرِيرِ مَسَائِلَ:
(مِنْهَا) أَنَّ الْحَقَّ هَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ النِّصَابِ أَوْ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ؟ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى الثَّانِي.
(وَمِنْهَا) أَنَّهُ مَعَ التَّعَلُّقِ بِالْمَالِ هَلْ يَكُونُ ثَابِتًا فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ أَمْ لَا؟
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَتْلَفَ الْمَالُ أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمَالِكُ بَعْدَ الْحَوْلِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّا إذَا قُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ اسْتِيفَاءٍ مَحْضٍ كَتَعَلُّقِ الدُّيُونِ بِالتَّرِكَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ حَسَنٌ
(وَمِنْهَا) مَنْعُ التَّصَرُّفِ وَالْمَذْهَبُ أَنْ لَا يَمْنَعَ كَمَا سَبَقَ.
(وَمِنْهَا) أَعْنِي صُوَرَ تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِالْأَمْوَالِ تَعَلُّقَ حَقِّ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ بِمَالِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ وَهُوَ تَعَلُّقُ اسْتِحْقَاقِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ.
(وَمِنْهَا) تَعَلُّقُ دُيُونِ الْغُرَمَاءِ بِمَالِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ هَلْ يَصِحُّ شِرَاءُ السَّيِّدِ مِنْهُ كَمَالِ الْمُكَاتَبِ مَعَ سَيِّدِهِ أَوْ لَا؟ كَالْمَرْهُونِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّاهِن عَلَى احْتِمَالَيْنِ وَهَذَا لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ دُيُونِهِ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِنَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ بِبِنَاءِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا.
(وَمِنْهَا) تَعَلُّقُ حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ بِالْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ الْمُعَيَّنَةِ وَيُقَدِّمُونَ بِمَا يَجِبُ صَرْفُهُ إلَيْهِمْ مِنْهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ فِي حَيَاةِ الْمُوجِبِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ.
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالثَّمَانُونَ الْمِلْكُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ]
[النَّوْع الْأَوَّل مِلْكُ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ]
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالثَّمَانُونَ) : الْمِلْكُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: مِلْكُ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ، وَمِلْكُ عَيْنٍ بِلَا مَنْفَعَةٍ، وَمِلْكُ مَنْفَعَةٍ بِلَا عَيْنٍ، وَمِلْكُ انْتِفَاعٍ مِنْ غَيْرِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ.
أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ عَامَّةُ الْأَمْلَاكِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لَهَا مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِرْثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ ذَكَرَ فِي الْوَاضِحِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ الْأَعْيَانَ وَإِنَّمَا مَالِكُ الْأَعْيَانِ خَالِقُهَا وَأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ سِوَى الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا فَمَنْ كَانَ مَالِكًا لِعُمُومِ الِانْتِفَاعِ فَهُوَ الْمَالِكُ الْمُطْلَقُ وَمَنْ كَانَ مَالِكًا لِنَوْعٍ مِنْهُ فَمِلْكُهُ مُقَيَّدٌ وَيَخْتَصُّ بِاسْمٍ خَاصٍّ يَمْتَازُ بِهِ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 194
وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي كِتَابِ غُرَرِ الْبَيَانِ وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. فَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْأَمْلَاكِ إنَّمَا هِيَ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ وَلَكِنَّ التَّقْسِيمَ هَهُنَا وَارِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي مِلْكُ الْعَيْنِ بِدُونِ مَنْفَعَةٍ]
ٍ وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ لِوَاحِدٍ وَبِالرَّقَبَةِ لِآخَرَ أَوْ تَرْكِهَا لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيمَنْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ تُرْكَبُ أَوْ بِدَارٍ تُسْكَنُ. فَقَالَ: الدَّارُ لَا بَأْسَ بِهَا وَأَكْرَهُ الْعَبْدَ وَالدَّابَّةَ ; لِأَنَّهُمَا يَمُوتَانِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الدَّارَ تَخْرَبُ أَيْضًا وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ إبْطَالِ الْوَصِيَّةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ لَمْ يُرِدْ أَحْمَدُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا يَدُومُ نَفْعُهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ أَدْنَى مَنْ لَهُ نَظَرٌ فِي الْفِقْهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِمَامَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْعَبْدَ وَالدَّابَّةَ إذَا أَوْصَى بِمَنَافِعِهِمَا عَلَى التَّأْبِيدِ فَلَمْ يَتْرُكْ لِلْوَرَثَةِ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْسَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الرَّقَبَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمَنَافِعِ بَلْ هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ بِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى لِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ عَدَمَ الْمُضَارَّةِ لَكِنْ إنْ قَصَدَ الْمُوصِي إيصَالَ جَمِيعِ الْمَنَافِعِ إلَى الْمُوصَى لَهُ فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ بِالرَّقَبَةِ فَلَا يُحْتَسَبُ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ مَعَهَا بِالرَّقَبَةِ وَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ إبْقَاءَ الرَّقَبَةِ لِلْوَرَثَةِ أَوْ الْإِيصَاءَ بِهَا لِآخَرَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِامْتِنَاعِ أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ كُلُّهَا لِشَخْصٍ وَالرَّقَبَةُ لِآخَرَ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَيَبْطُلَانِ.
إمَّا إنْ وَصَّى فِي وَقْتٍ بِالرَّقَبَةِ لِشَخْصٍ وَفِي آخَرَ بِالْمَنَافِعِ لِغَيْرِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَصَّى بِعَيْنٍ لِاثْنَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَمْلِيكَ جَمِيعِ الْمَنَافِعِ تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ بِالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبَةِ حَيْثُ كَانَتْ تَمْلِيكًا لِلْمَنَافِعِ فِي الْحَيَاةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي الْوَصِيَّةِ بِسُكْنَى الدَّارِ ; لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ خَاصَّةٍ يَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ وَبِخَرَابِ الدَّارِ فَيَعُودُ الْمِلْكُ إلَى الْوَرَثَةِ كَمَا يَعُودُ الْمِلْكُ فِي السُّكْنَى فِي الْحَيَاةِ.
[النَّوْعُ الثَّالِث مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ بِدُونِ عَيْنٍ]
ٍ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِلْكٌ مُؤَبَّدٌ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ كَمَا سَبَقَ وَيَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهَا إلَّا مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ فَإِنَّ فِي دُخُولِهَا بِالْوَصِيَّةِ وَجْهَيْنِ.
(وَمِنْهَا) الْوَقْفُ فَإِنَّ مَنَافِعَهُ وَثَمَرَاتِهِ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ لَهُمَا فَوَائِدُ مُتَعَدِّدَةٌ.
(وَمِنْهَا) الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ الْمُقَرَّةُ فِي يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ بِالْخَرَاجِ يَمْلِكُ مَنَافِعَهَا عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِلْكٌ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ فَمِنْهُ الْإِجَارَةُ وَمَنَافِعُ الْمَبِيعِ الْمُسْتَثْنَاةُ فِي الْعَقْدِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مُوَقِّتٍ لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ كَالْعَارِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ وَإِقْطَاعِ الِاسْتِغْلَالِ.
[النَّوْعُ الرَّابِعُ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ الْمُجَرَّدِ]
ِ وَلَهُ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ:
стр. 195
مِنْهَا) مِلْكُ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ لَا الْمَنْفَعَةَ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَارِيَّةَ الْمُؤَقَّتَةَ تَلْزَمُ كَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لُزُومُ الْعَارِيَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِبَدَلِ الِانْتِفَاعِ لَا عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ.
(وَمِنْهَا) الْمُنْتَفِعُ بِمِلْكِ جَارِهِ مِنْ وَضْعِ خَشَبٍ وَمَمَرٍّ فِي دَارٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ كَانَ بِعَقْدِ صُلْحٍ فَهُوَ إجَارَةٌ.
(وَمِنْهَا) إقْطَاعُ الْأَرْفَاقِ كَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا. (وَمِنْهَا) الطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ الِانْتِفَاعَ بِهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَقِيَاسُهُ الْأَكْلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَنَحْوِهِ.
(وَمِنْهَا) أَكْلُ الضَّيْفِ لِطَعَامِ الْمُضِيفِ فَإِنَّهُ إبَاحَةٌ مَحْضَةٌ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ بِحَالٍ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَنَا وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِإِجْزَاءِ الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَيَنْزِلُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، إمَّا أَنَّ الضَّيْفَ يَمْلِكُ مَا قُدِّمَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِلْكًا خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَكْلِ، وَإِمَّا أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَمْلِيكٌ.
(وَمِنْهَا) عَقْدُ النِّكَاحِ، وَتَرَدَّدَتْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِي مَوْرِدِهِ هَلْ هُوَ الْمِلْكُ أَوْ الِاسْتِبَاحَةُ؟ فَمِنْ قَائِلٍ هُوَ الْمِلْكُ. ثُمَّ تَرَدَّدُوا هَلْ هُوَ مِلْكُ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ أَوْ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَقِيلَ بَلْ هُوَ الْحِلُّ لَا الْمِلْكُ وَلِهَذَا يَقَعُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهَا وَقِيلَ بَلْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ازْدِوَاجٌ كَالْمُشَارَكَةِ وَلِهَذَا فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الِازْدِوَاجِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَاتِ دُونَ الْمُعَاوَضَاتِ.
[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ مَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَالْمُعَاوَضَةَ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْأَمْلَاكِ]
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ) : فِيمَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَالْمُعَاوَضَةَ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْأَمْلَاكِ، أَمَّا الْأَمْلَاكُ التَّامَّةُ فَقَابِلَةٌ لِلنَّقْلِ بِالْعِوَضِ وَغَيْرِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا مِلْكُ الْمَنَافِعِ فَإِنْ كَانَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ مَلَكَ فِيهِ نَقْلَ الْمِلْكِ بِمِثْلِ الْعَقْدِ الَّذِي مَلَكَ بِهِ أَوْ دُونَهُ دُونَ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَيَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا صُوَرٌ:
(مِنْهَا) إجَارَةُ الْمُسْتَأْجَرِ جَائِزَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ.
(وَمِنْهَا) إجَارَةُ الْوَقْفِ.
(وَمِنْهَا) إجَارَةُ الْمَنَافِعِ الْمُوصَى بِهَا وَصَرَّحَ بِهَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
(وَمِنْهَا) إجَارَةُ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ.
(وَمِنْهَا) إجَارَةُ [أَرْضِ] الْعَنْوَةِ الْخَرَاجِيَّةُ، وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ صِحَّتُهَا وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ وَلَكِنْ اُسْتُحِبَّ الْمُزَارَعَةُ فِيهَا عَلَى الِاسْتِئْجَارِ، وَحَكَى الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أُخْرَى بِالْمَنْعِ كَرِبَاعِ مَكَّةَ وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إلَى كَرَاهَةِ مَنْعِهَا وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ
(وَمِنْهَا) إعَارَةُ الْعَارِيَّةُ الْمُؤَقَّتَةِ إذَا قِيلَ بِلُزُومِهَا وَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّهَا أَعْلَى صَرَّحَ بِهِ
стр. 196
الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَأَمَّا إجَارَةُ إقْطَاعِ الِاسْتِغْلَالِ الَّتِي مَوْرِدُهَا مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ دُونَ رَقَبَتِهَا فَلَا نَقْلَ فِيهَا نَعْلَمُهُ، وَكَلَامُ الْقَاضِي قَدْ يُشْعِرُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ مَنَاطَ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ لِلْمَنَافِعِ لُزُومَ الْعَقْدِ وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي الْإِقْطَاعِ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: يَجُوزُ، وَجَعَلَ الْخِلَافَ فِيهِ مُبْتَدَعًا وَقَرَّرَهُ بِأَنَّ الْإِمَامَ جَعَلَهُ لِلْجُنْدِ عِوَضًا عَنْ أَعْمَالِهِمْ فَهُوَ كَالْمَمْلُوكِ بِعِوَضٍ وَلِأَنَّ إذْنَهُ فِي الْإِيجَارِ عُرْفِيٌّ فَجَازَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلَوْ تَهَايَأَ الشَّرِيكَانِ عَلَى الْأَرْضِ وَقُلْنَا لَا يَلْزَمُ فَهَلْ لِأَحَدِهِمَا إجَارَةُ حِصَّتِهِ؟ الْأَظْهَرُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّ الْمُهَايَآتِ إذَا فُسِخَتْ عَادَ الْمِلْكُ مُشَاعًا فَيَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي إجَارَةِ الْمُشَاعِ وَتُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْأَمْلَاكِ فَلَا يَصِحُّ النَّقْلُ فِيهَا بِحَالٍ وَتَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى إثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا.
وَأَمَّا مِلْكُ الِانْتِفَاعِ وَحُقُوقُ الِاخْتِصَاصِ سِوَى الْبُضْعِ وَحُقُوقُ التَّمَلُّكِ فَهَلْ يَصِحُّ نَقْلُ الْحَقِّ فِيهَا أَمْ لَا؟ إنْ كَانَتْ لَازِمَةً جَازَ النَّقْلُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَفِي جَوَازِهِ بِعِوَضٍ خِلَافٌ وَيَنْدَرِجُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ:
(مِنْهَا) مَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ يَدُ الِاخْتِصَاصِ كَالْكَلْبِ وَالزَّيْتِ النَّجِسِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ فَإِنَّهُ تَنْتَقِلُ الْيَدُ فِيهِ بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِعَارَةِ فِي الْكَلْبِ، وَفِي الْهِبَةِ وَجْهَانِ اخْتَارَ الْقَاضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ وَخَالَفَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّ نَقْلَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَائِزٌ كَالْوَصِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
، وَأَمَّا إجَارَةُ الْكَلْبِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ وَلَا مَالِيَّةَ فِيهِ وَحَكَى أَبُو الْفَتْحِ الْحَلْوَانِيُّ فِيهَا وَجْهَيْنِ وَكَذَا خَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِالْجَوَازِ فَيَكُونُ مُعَاوَضَةً عَنْ نَقْلِ الْيَدِ وَيَرُدُّهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِهِ وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُعَاوَضَةً عَنْ نَقْلِ الْيَدِ.
(وَمِنْهَا) الْمُسْتَعِيرُ لَا يَمْلِكُ نَقْلَ حَقِّهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ إلَّا أَنْ يَقُولَ بِلُزُومِ الْعَارِيَّةِ كَمَا سَبَقَ.
(وَمِنْهَا) مَرَافِقُ الْأَمْلَاكِ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَالْأَزِقَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ تَصِحُّ إبَاحَتُهَا وَالْإِذْنُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا كَالْإِذْنِ فِي فَتْحِ بَابٍ وَنَحْوِهِ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيَكُونُ إعَارَةً عَلَى الْأَشْبَهِ وَتَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْ فَتْحِ الْأَبْوَابِ وَنَحْوِهَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُصَالَحَةِ بِعِوَضٍ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي أَرْضِهِ أَوْ فَتْحِ الْبَابِ فِي حَائِطِهِ أَوْ وَضْعِ خَشَبٍ عَلَى جِدَارِهِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْقَوْلِ بِمِلْكِ هَذِهِ الْمَرَافِقِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْمِلْكِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِنَقْلِ الْيَدِ بِعِوَضٍ كَمَا سَبَقَ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ جَوَازَ الْمُصَالَحَةِ عَلَى الرَّوْشَنِ الْخَارِجِ فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ وَأَمَّا [عَلَى] الشَّجَرَةِ فَفِيهَا خِلَافٌ مَعْرُوفٌ لِكَوْنِهَا لَا تَدُومُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِأَفْنِيَةِ الْأَمْلَاكِ وَالْمَسَاجِدِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ الْمُلَّاكِ وَالْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَفِي جَوَازِهِ رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَتَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ بِعِوَضٍ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِهِ وَنَحْوُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُجَرَّدِ.
(وَمِنْهَا) مُتَحَجِّرِ الْمَوَاتِ وَمَنْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا لِيُحْيِيَهُ
стр. 197
لَا يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ لَكِنْ يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ حَقُّ التَّمَلُّكِ فَيَجُوزُ نَقْلُ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ بِهِبَةٍ وَإِعَارَةٍ وَيَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَهَلْ لَهُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصْلُهُمَا الْمُعَاوَضَةُ عَنْ الْحُقُوقِ فَإِنَّ هَذَا حَقُّ تَمَلُّكٍ كَمَا سَبَقَ وَفَارَقَ الشُّفْعَةَ فَإِنَّ النَّقْلَ فِيهَا مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ فَهِيَ مِمَّا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْقَاعِدَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: الشُّفْعَةُ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَهُ لَا تُبَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ الشَّفِيعَ عَنْهَا بِعِوَضٍ قَالَ ; لِأَنَّهُ خِيَارٌ لَا يَسْقُطُ إلَى مَالٍ فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْمَجْلِسِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْقِصَاصِ وَالْعَيْبِ ; لِأَنَّهُ يَسْقُطُ إلَى الدِّيَةِ وَالْأَرْشِ وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ قَوْلِ أَحْمَدَ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ عَلَى أَنَّ الشَّفِيعَ لَيْسَ لَهُ نَقْلُهَا إلَى غَيْرِهِ بِعِوَضٍ وَلَا غَيْرِهِ فَأَمَّا مُصَالَحَتُهُ لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ كَالْمُصَالَحَةِ عَلَى تَرْكِ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارٍ وَنَحْوِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي بَابِ الشُّفْعَةِ أَيْضًا أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ تَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ عَنْهُ بِعِوَضٍ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْعَيْبَ يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ وَمَعَ عَدَمِ اللُّزُومِ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ وَالنَّقْصُ مِنْهُ فَجَعَلَ الصُّلْحَ هَهُنَا إسْقَاطًا مِنْ الثَّمَنِ كَالْأَرْشِ، عَلَى قِيَاسِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالْمَجْلِسِ ; لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الثَّمَنِ بِالنَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ فِيهِ مُمْكِنٌ.
(وَمِنْهَا) الْكَلَأُ وَالْمَاءُ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ إذَا قُلْنَا لَا يُمْلَكَانِ بِدُونِ الْحِيَازَةِ فَلِلْمَالِكِ الْإِذْنُ فِي الْأَخْذِ وَلَيْسَ لَهُ الْمُعَاوَضَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَوَقَعَ فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ مَا يَقْتَضِي حِكَايَةَ رِوَايَتَيْنِ فِي جَوَازِ الْمُعَاوَضَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْمِلْكِ وَلَعَلَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ عَمَّا يَسْتَحِقُّ تَمَلُّكُهُ فَيَلْتَحِقُ بِالْقَاعِدَةِ
(وَمِنْهَا) مَقَاعِدُ الْأَسْوَاقِ وَمَجَالِسُ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا يَصِحُّ نَقْلُ الْحَقِّ فِيهِمَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِمَا لَازِمٌ بِالسَّبْقِ وَلَوْ آثَرَ بِهَا غَيْرَهُ فَسَبَقَ ثَالِثٌ فَجَلَسَ فَهَلْ يَكُونُ أَحَقُّ مِنْ الْمُؤْثَرِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّ الْحَقَّ الْقَائِمَ زَالَ بِانْفِصَالِهِ فَصَارَ الْحَقُّ ثَابِتًا بِالسَّبْقِ.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ لَوْ قَامَ لِحَاجَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ فَكَذَا إذَا آثَرَ غَيْرَهُ ; لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ وَبَنَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْخِلَافَ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ الْإِيثَارِ بِالْقُرَبِ فَأَمَّا إنْ قُلْنَا بِكَرَاهِيَتِهِ فَالسَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مَجَالِسِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ فَأَجَازَ النَّقْلَ فِي الْمَقَاعِدِ خَاصَّةً ; لِأَنَّهَا مَنَافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ فَهِيَ كَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ.
(وَمِنْهَا) الطَّعَامُ الْمُبَاحُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِيهِ إلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْمَغْنَمِ أَيْضًا لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي اسْتِحْقَاقِ الِانْتِفَاعِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَمْلِيكًا لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ بِالْأَخْذِ حَتَّى لَوْ احْتَاجَ إلَى صَاعٍ مِنْ بُرٍّ جَيِّدٍ وَعِنْدَهُ صَاعَانِ رَدِيئَانِ فَلَهُ أَنْ يُبْدِلَهُمَا بِصَاعٍ إذْ هُوَ مَأْخُوذٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.
(وَمِنْهَا) الْمُبَاحُ أَكْلُهُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ وَالْأَضَاحِيِّ يَجُوزُ إطْعَامُهُ لِلضِّيفَانِ وَنَحْوِهِمْ لِاسْتِقْرَارِ الْحَقِّ فِيهِ بِخِلَافِ طَعَامِ الضِّيَافَةِ وَلَا يَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) مَنَافِعُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةُ فَيَجُوزُ نَقْلُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ إلَى مَنْ يَقُومُ
стр. 198
مَقَامَهُ فِيهَا وَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ وَيَقُومُ مَقَامَ مَوْرُوثِهِ فِيهَا.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ جَعْلُهَا مَهْرًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ وَغَيْرِهِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِهَا إلَى الزَّوْجَةِ عِوَضًا عَمَّا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ وَهَذَا مُعَاوَضَةٌ عَنْ مَنَافِعِهَا الْمَمْلُوكَةِ فَأَمَّا الْبَيْعُ فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ وَنَهَى عَنْهُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي بَيْعِ الْعِمَارَةِ الَّتِي فِيهَا لِئَلَّا يُتَّخَذَ طَرِيقًا إلَى بَيْعِ رَقَبَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُمْلَكُ بَلْ هِيَ إمَّا وَقْفٌ وَإِمَّا لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُ آلَاتِ عِمَارَتِهِ بِمَا يُسَاوِي وَكُرِهَ أَنْ يَبِيعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ قَالَ يُقَوَّمُ دُكَّانُهُ مَا فِيهِ مِنْ غَلْقٍ وَكُلُّ شَيْءٌ يُحْدِثُهُ فِيهِ فَيُعْطَى ذَلِكَ وَلَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ سُكْنَى دَارٍ وَلَا دُكَّانٍ وَرَخَّصَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي شِرَائِهَا دُونَ بَيْعِهَا ; لِأَنَّ شِرَاءَهَا اسْتِنْقَاذٌ لَهَا بِعِوَضٍ مِمَّنْ يَتَعَدَّى الصَّرْفُ فِيهَا وَهُوَ جَائِزٌ وَرَخَّصَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ أَيْضًا فِي بَيْعِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنَّفَقَةِ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ النَّفَقَةِ تَصَدَّقَ بِهِ وَكُلُّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ رَقَبَةَ هَذِهِ الْأَرْضِ وَقَفَهَا عُمَرُ ﵁ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى رِوَايَةً أُخْرَى بِجَوَازِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا كَالْحَلْوَانِيِّ وَابْنِهِ وَكَذَلِكَ خَرَّجَهَا ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ عَلَى صِحَّةِ وَقْفِهَا وَلَوْ كَانَتْ وَقْفًا لَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ شَاقِلَا وَابْنِ أَبِي مُوسَى مَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَلَهُ مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ وَقْفًا وَهُوَ مَأْخَذُ ابْنِ عَقِيلٍ وَعَلَى هَذَا فَإِنْ كَانَتْ مَقْسُومَةً فَلَا إشْكَالَ فِي مِلْكِهَا وَإِنْ كَانَتْ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ وَأَكْثَرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهَلْ تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِانْتِقَالِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. فَإِنْ قُلْنَا لَا تَصِيرُ وَقْفًا فَلِلْإِمَامِ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إلَى الْمَصَالِحِ. وَهَلْ لَهُ إقْطَاعُهَا إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ هُنَا وَارِدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ دُونَ الرَّقَبَةِ فَهُوَ نَقْلٌ لِلْمَنَافِعِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِعِوَضٍ وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَجَازَ دَفْعَهَا عِوَضًا عَنْ الْمَهْرِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ عَنْ الْمَنَافِعِ فِي مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَكْثَرُونَ صَرَّحُوا بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَنَافِعِ الْمُجَرَّدَةِ وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَنَافِعَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَنَافِعُ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ الَّتِي تَقْبَلُ الْمُعَاوَضَةَ مَعَ أَعْيَانِهَا فَهَذِهِ قَدْ جَوَّزَ الْأَصْحَابُ بَيْعَهَا فِي مَوَاضِعَ (مِنْهَا) أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الْعَنْوَةِ إذَا قِيلَ هِيَ فَيْءٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بِهَا وَمُتَرَدِّدٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ.
(وَمِنْهَا) الْمُصَالَحَةُ بِعِوَضٍ عَلَى وَضْعِ الْأَخْشَابِ وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ وَمُرُورِ الْمِيَاهِ وَنَحْوِهَا وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ مَحْضَةٍ لِعَدَمِ تَقْدِيرِهِ الْمُدَّةَ وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْبَيْعِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهُ سَنَةً فَهَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَهُمَا مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَلَا يُقَالُ هُوَ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ كَانَتْ بِمِلْكِ الْمُعَاوَضَةِ عَنْهَا فِي حَالِ الرِّقِّ وَقَدْ اسْتَبَقَاهَا بَعْدَ زَوَالِهِ فَاسْتَمَرَّ حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهَا كَمَا يَسْتَمِرُّ حُكْمُ
стр. 199
وَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ إذَا اسْتَثْنَاهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَهَلْ الْكِتَابَةُ إلَّا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى الْمَنَافِعِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْمَنَافِعُ الَّتِي مُلِكَتْ مُجَرَّدَةً عَنْ الْأَعْيَانِ أَوْ كَانَتْ أَعْيَانُهَا غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلْمُعَاوَضَةِ فَهَذَا مَحِلُّ الْخِلَافِ الَّذِي نَتَكَلَّمُ فِيهِ هَهُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّمَانُونَ الِانْتِفَاعِ وَإِحْدَاثِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الطُّرُقِ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّمَانُونَ) : فِي الِانْتِفَاعِ وَإِحْدَاثِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَهَوَائِهَا وَقَرَارِهَا. أَمَّا الطَّرِيقُ نَفْسُهُ فَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا أَوْ أَحْدَثَ فِيهِ مَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فَلَا يَجُوزُ بِكُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا مَعَ السَّعَةِ وَانْتِفَاءِ الضَّرَرِ فَإِنْ كَانَ الْمُحْدِثُ فِيهِ مُتَأَبِّدًا كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فَإِنْ كَانَ لِمَنْفَعَةٍ خَاصَّةٍ بِآحَادِ النَّاسِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ لِمَنْفَعَةٍ عَامَّةٍ فَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ ; مِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّهُ بِحَالَةِ انْتِفَاءِ إذْنِ الْإِمَامِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَبِّدٍ وَنَفْعُهُ خَاصٌّ كَالْجُلُوسِ وَإِيقَافِ الدَّابَّةِ فِيهِ فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا. وَأَمَّا الْقَرَارُ الْبَاطِنُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمَنْصُوصِ. وَأَمَّا الْهَوَاءُ فَإِنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ خَاصًّا بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ فَالْمَعْرُوفُ مَنْعُهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ خِلَافٌ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
(مِنْهَا) إذَا حَفَرَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ بِئْرًا فَإِنْ كَانَ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ فَفِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ جَازَ وَإِنْ كَانَ بِدُونِ إذْنِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
وَالثَّانِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي إذْ الْبِئْرُ مَظِنَّةُ الْعَطَبِ، وَإِنْ كَانَ الْحَفْرُ لِنَفْسِهِ ضَمِنَ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ كَانَ فِي فِنَائِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ إذْنُ الْإِمَامِ فِيهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْقَاضِي أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِي فِنَائِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ حَفْرٍ وَغَيْرِهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ وَإِمَّا فِي فِنَاءِ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَضَرَّ بِأَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ جَازَ وَهَلْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُمْ أَوْ إذْنُ الْإِمَامِ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
(وَمِنْهَا) إذَا بَنَى مَسْجِدًا فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ جَازَ وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا يُؤْخَذُ مِنْ الطَّرِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ وَكَلَامُ أَحْمَدَ أَكْثَرُهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ الْمَسَاجِدُ الَّتِي فِي الطَّرَقَاتِ حُكْمُهَا أَنْ تُهْدَمَ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الشَّالَنْجِيُّ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ غِنًى وَبِهِمْ إلَى أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَسْجِدُ حَاجَةٍ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى هُنَاكَ مَسْجِدٌ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ. قَالَ: وَسَأَلْت أَحْمَدَ هَلْ يُبْنَى عَلَى خَنْدَقِ مَدِينَةِ الْمُسْلِمِينَ مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ.
قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ: وَاَلَّذِي عَنَى أَحْمَدَ مِنْ الضَّرَرِ بِالطَّرِيقِ مَا وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ السَّبْعِ الْأَذْرُعِ كَذَا قَالَ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ
стр. 200
يَجُوزُ الْبِنَاءُ إذَا فَضَلَ مِنْ الطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِقَوْمٍ أَرَادُوا الْبِنَاءَ فِيهَا وَتَشَاجَرُوا فِي مِقْدَارِ مَا يَتْرُكُونَهُ مِنْهَا لِلطَّرِيقِ وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَأَنْكَرُوا جَوَازَ تَضْيِيقِ الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ.
(وَمِنْهَا) بِنَاءُ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ فِي الطُّرُقَاتِ فَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ لِلْوَقْفِ عَلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ كَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَكَذَا إنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَخَانٍ مُسَبَّلٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ كَانَ لِمَنْفَعَةٍ تَخْتَصُّ بِأَحَدِ النَّاسِ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِهِ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ مُشْتَرَكٌ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ إسْقَاطَ الْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ مِنْهُ وَالِاخْتِصَاصُ بِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ وَفِي كِتَابِ الطُّرُقَاتِ لِابْنِ بَطَّةَ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ أَفْتَى بِجَوَازِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ ; لِأَنَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ حَقُّ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ بَاقٍ غَيْرَ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمُرُورِ إلَى اسْتِحْقَاقِ اللُّبْثِ لِلْعِبَادَةِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ الطَّرِيقُ قَدْ سَلَكَهُ النَّاسُ وَصُيِّرَ طَرِيقًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى إذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةٍ لَمْ يُبْنَ فِيهَا ; لِأَنَّ فِيهَا ضَرَرًا وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ إذَا بَنَى فِي طَرِيقِ الْمَارَّةِ فَضَرَّ بِالْمَارَّةِ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَلَمْ يُجَوِّزْهُ، وَكُرِهَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ بُخْتَانَ أَنْ يَطْحَنَ فِي الْغُرُوبِ وَقَالَ رُبَّمَا غَرِقَتْ السُّفُنُ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى: إذَا كَانَتْ فِي طَرِيقِ النَّاسِ فَلَا يُعْجِبُنِي وَالْغُرُوبُ كَأَنَّهَا طَاحُونٌ يُصْنَعُ فِي النَّهْرِ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ وَكُرِهَ شِرَاءُ مَا يُطْحَنُ فِيهَا. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْغُرْبَةِ فِي النَّهْرِ: إنْ كَانَ وَضْعُهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَالطَّرِيقُ وَاسِعٌ وَالْجَرَيَانُ مُعْتَدِلٌ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَلَعَلَّ الْغُرْبَةَ كَالسَّفِينَةِ لَا تَتَأَبَّدُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَحُكْمُ الْغِرَاسِ حُكْمُ الْبِنَاءِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي النَّخْلَةِ الْمَغْرُوسَةِ فِي الْمَسْجِدِ: أَنَّهَا غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا أُحِبُّ الْأَكْلَ مِنْهَا وَلَوْ قَلَعَهَا الْإِمَامُ كَانَ أَوْلَى وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ أَطْلَقَ فِيهَا الْكَرَاهَةَ كَصَاحِبِ الْمُبْهِجِ وَجَعَلَ ثَمَرَهَا لِجِيرَانِ الْمَسْجِدِ الْفُقَرَاءِ وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ وَابْنِ بُخْتَانَ فِي دَارِ السَّبِيلِ يُغْرَسُ فِيهَا كَرْمٌ قَالَ: إنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَلَا. وَظَاهِرُهُ جَوَازُهُ مَعَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ وَلَعَلَّ الْغَرْسَ كَانَ لِجِهَةِ السَّبِيلِ أَيْضًا.
(وَمِنْهَا) اخْتِصَاصُ آحَادِ النَّاسِ فِي الطَّرِيقِ بِانْتِفَاعٍ لَا يَتَأَبَّدُ فَمِنْ ذَلِكَ الْجُلُوسُ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا وَلَا ضَرَرَ فِي الْجُلُوسِ بِالْمَارَّةِ جَازَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَبِدُونِ إذْنِهِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَهُ مَنْ شَاءَ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي جَوَازِهِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ رِوَايَتَيْنِ، وَحَكَى فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ ثُمَّ حَمَلَهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ حَالَتَيْنِ ; فَالْجَوَازُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ وَالْمَنْعُ إذَا ضَرَّ وَجَعَلَ حَقَّ الْجُلُوسِ كَحَقِّ الِاسْتِطْرَاقِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعَطِّلُ
стр. 201
حَقَّ الْمُرُورِ بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ كَالْقِيَامِ لِحَاجَةٍ وَأَظُنُّ أَنَّ ابْنَ بَطَّةَ حَكَى قَبْلَهُ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُقْنِعِ فِي الْجُلُوسِ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ هَلْ يُوجِبُ ضَمَانَ مَا عَثُرَ بِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ، وَأَمَّا الْقَاضِي فَقَالَ: لَا يَضْمَنُ بِالْجُلُوسِ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ رَبَطَ دَابَّتَهُ أَوْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ وَالْمَنْصُوصُ مَنْعُهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ إذَا أَقَامَ دَابَّتَهُ عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا جَنَتْ لَيْسَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ حَقٌّ، وَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَنْبَلٌ ضَمَانَ جِنَايَةِ الدَّابَّةِ إذَا رَبَطَهَا فِي الطَّرِيقِ، وَكَذَا أَطْلَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ حَالَةِ التَّضْيِيقِ وَالسَّعَةِ وَمَأْخَذُهُ أَنَّ طَبْعَ الدَّابَّةِ الْجِنَايَةُ بِفَمِهَا أَوْ رِجْلِهَا فَإِيقَافِهَا فِي الطَّرِيقِ كَوَضْعِ الْحَجَرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ فِيهِ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ رِوَايَةً أُخْرَى بِعَدَمِ الضَّمَانِ إذَا وَقَفَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ لِقَوْلِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ إذَا وَقَفَ عَلَى نَحْوِ مَا يَقِفُ النَّاسُ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ أَنْ يَقِف فِي مِثْلِهِ فَنَفَحَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ إذَا كَانَ وَاقِفًا لِحَاجَةٍ وَكَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا، وَأَمَّا الْآمِدِيُّ فَحَمَلَ الْمَنْعَ عَلَى حَالَةِ ضِيقِ الطَّرِيقِ وَالْجَوَازَ عَلَى حَالَةِ سَعَتِهِ وَالْمَذْهَبُ عَنْهُ الْجَوَازُ مَعَ السَّعَةِ وَعَدَمِ الْإِضْرَارِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ جَعَلَ الْمَذْهَبَ الْمَنْعَ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَصَرَّحَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي صُورَتَيْ الْقِيَامِ وَالرَّبْطِ وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ الرَّبْطُ عُدْوَانٌ بِكُلِّ حَالٍ وَرَبْطُ السَّفِينَةِ وَإِرْسَاؤُهَا فِي النَّهْرِ الْمَسْلُوكِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَالطَّرِيقُ وَاسِعٌ وَالْجَرَيَانُ مُعْتَدِلٌ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَخَالَفَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي اعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ فِي هَذَا لِتَكَرُّرِهِ، قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: مِلْتُ أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَى وَدَوَاعِيَهُ يَعْنِي فِي دِجْلَةَ فَاكْتَرَى زَوْرَقًا مِنْ وَدَوَاعِيَهُ فَرَأَيْتُهُ يَتَخَطَّى زَوَّجْتُكَهُمَا عِدَّةً لِأُنَاسٍ وَلَمْ أَرَهُ اسْتَأْذَنَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ حَرِيمُ دِجْلَةَ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا ضَيَّقُوهُ جَازَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَوْ وُضِعَ فِي الْمَسْجِدِ سَرِيرٌ وَنَحْوُهُ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ بِخِلَافِ مَا إذَا بَسَطَ فِيهِ مُصَلَّى وَقُلْنَا لَا يَثْبُتُ بِهِ السَّبْقُ فَإِنَّهُ يُرْفَعُ وَيُصَلَّى مَوْضِعَهُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ; لِأَنَّ رَفْعَهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِانْتِفَاعُ بِالطَّرِيقِ بِإِلْقَاءِ الْكُنَاسَةِ وَالْأَقْذَارِ فَإِنْ كَانَ نَجَاسَةً فَهُوَ كَالتَّخَلِّي فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَكِنْ هَلْ هُوَ نَهْيُ كَرَاهَةٍ أَوْ نَهْيُ تَحْرِيمٍ كَلَامُ الْأَصْحَابِ مُخْتَلَفٌ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الزَّلَقُ كَرَشِّ الْمَاءِ وَصَبِّهِ وَإِلْقَاءِ قُشُورِ الْبِطِّيخِ أَوْ يَحْصُلُ بِهِ الْعُثُورُ كَالْحَجَرِ فَلَا يَجُوزُ وَالضَّمَانُ وَاجِبٌ بِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رَشِّ الْمَاءِ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ إلَّا أَنْ يَرُشَّهُ لِيَسْكُنَ بِهِ الْغُبَارُ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ فَيَصِيرُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ السَّابِلَةِ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
(وَمِنْهَا) الْحَفْرُ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ سَوَاءٌ تَرَكَهُ ظَاهِرًا أَوْ غَطَّاهُ وَأَسْقَفَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْمَرُّوذِيّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَحْفِرُ فِي فِنَائِهِ الْبِئْرَ أَوْ الْمَخْرَجَ الْمُغْلَقَ.
стр. 202
قَالَ: لَا هَذَا طَرِيقٌ لِلْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: إنَّمَا هِيَ بِئْرٌ تُحْفَرُ وَيُسَدُّ رَأْسُهَا. قَالَ: أَلَيْسَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمَيْنِ أَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ فَمَنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي بَاطِنِ الطَّرِيقِ بِالْحَفْرِ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ هَانِئٍ وَابْنُ بُخْتَانَ وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ فِي رَجُلٍ فِي دَارِهِ شَجَرَةٌ، فَنَبَتَ مِنْ عُرُوقِهَا شَجَرَةٌ فِي دَارِ رَجُلٍ آخَرَ، لِمَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا وَرُبَمَا كَانَ ضَرَرًا عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ.
قَالَ الْقَاضِي وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَرَرٌ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ عُرُوقُهَا تَحْتَ الْأَرْضِ لَا يُؤْخَذُ بِقَلْعِهَا ; لِأَنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا يَكُونُ بِظُهُورِهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ، وَصَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِوُجُوبِ إزَالَةِ عُرُوقِ شَجَرَتِهِ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ
(وَمِنْهَا) إشْرَاعُ الْأَجْنِحَةِ وَالسَّابَاطَاتِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ فِي الْجِدَارِ إلَى الطَّرِيقِ فَلَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَمُهَنَّا وَغَيْرِهِمْ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَالْأَكْثَرُونَ يُجَوِّزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ مَعَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ بِهِ، وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلشَّيْخِ مَجْدُ الدِّينِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ " إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ جَازَ " وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، يَفْتَقِرُ ; لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ إلَّا لِلْإِمَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَفْتَقِرُ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الطَّرِيقِ الْمُرُورُ وَهُوَ لَا يَخْتَلُّ بِذَلِكَ وَأَمَّا الْمَيَازِيبُ وَمَسِيلُ الْمِيَاهِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَرُّوذِيّ: سُقِفَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَطْحُ الْحَاكَّةِ وَجُعِلَ مَسِيلُ الْمِيَاهِ إلَى الطَّرِيقِ وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: اُدْعُ لِي النَّجَّارَ يُحَوِّلُ الْمِيزَابَ إلَى الدَّارِ. فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَحَوَّلَهُ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَهُ مُحَرَّمًا لَمْ يَفْعَلْهُ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا حَوَّلَهُ تَوَرُّعًا لِحُصُولِ الشُّبْهَةِ فِيهِ، وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالٌ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا مَعَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إخْرَاجُ الْمَيَازِيبِ إلَى الدَّرْبِ النَّافِذِ هُوَ السُّنَّةُ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْعَبَّاسِ فِي ذَلِكَ وَالْمَانِعُونَ يَقُولُونَ مِيزَابُ الْعَبَّاسِ وَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ فَكَانَ أَبْلَغَ مِنْ إذْنِهِ فِيهِ وَلَا كَلَامَ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ.
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّمَانُونَ أَسْبَابُ الضَّمَانِ]
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّمَانُونَ) : أَسْبَابُ الضَّمَانِ ثَلَاثَةٌ: عَقْدٌ، وَيَدٌ، وَإِتْلَافٌ. أَمَّا عُقُودُ الضَّمَانِ فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا وَكَذَلِكَ سَبَقَ ذِكْرُ الْأَيْدِي الضَّامِنَةِ، وَأَمَّا الْإِتْلَافُ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُبَاشِرَ الْإِتْلَافَ بِسَبَبٍ يَقْتَضِيهِ كَالْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ أَوْ يَنْصِبُ سَبَبًا عُدْوَانًا فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِتْلَافُ بِأَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ عُدْوَانًا أَوْ يُؤَجِّجَ نَارًا فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ فَيَتَعَدَّى إلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ كَانَ الْمَاءُ مُحْتَبِسًا بِشَيْءٍ وَعَادَتُهُ الِانْطِلَاقُ فَيُزِيلُ احْتِبَاسَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ اخْتِيَارٌ فِي انْطِلَاقِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَدَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ مَا إذَا حَلَّ وِكَاءَ زِقٍّ مَائِعٍ فَانْدَفَقَ
стр. 203
أَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ أَوْ حَلَّ عَبْدًا آبِقًا فَهَرَبَ هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى الْإِتْلَافِ بِمَا يَقْتَضِيهِ عَادَةً وَاسْتَثْنَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ مَا كَانَ مِنْ الطُّيُورِ يَأْلَفُ الْبُرُوجَ وَيَعْتَادُ الْعَوْدَ فَقَالَ لَا ضَمَانَ فِي إطْلَاقِهِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِعَوْدِهِ فَلَيْسَ إطْلَاقُهُ إتْلَافًا وَقَالَ: أَيْضًا فِي الْفُنُونِ الصَّحِيحُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا يُحَالُ الضَّمَانُ عَلَى فِعْلِهِ كَالْآدَمِيِّ وَمَا لَا يُحَالُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَالْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فَإِذَا حَلَّ قَيْدَ الْعَبْدِ لَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ اخْتِيَارٌ وَيَصِحُّ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَيَقْطَعُ مُبَاشَرَتَهُ لِلتَّلَفِ بِسَبَبِ مُطْلَقِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ لِسَيِّدِهِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ لِلسَّيِّدِ تَعَيَّنَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ إنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ عَلَى سَيِّدِهِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ لِلسَّيِّدِ فَأُحِيلَ عَلَى الْغَاصِبِ لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْجِنَايَةِ وَلَكِنْ خَرَّجَ ابْنُ الزاغوني فِي الْإِقْنَاعِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ أَصْلِهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّضْمِينِ لِتَعَلُّقِهَا بِالرَّقَبَةِ الْمَمْلُوكَةِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَا يَلْزَمُ مِثْلَهُ فِي مُطْلَقِ الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ إلَى الْإِتْلَافِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُبَاشِرِ أُحِيلَ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ صِيَانَةً لِلْجِنَايَةِ عَلَى مَالِ الْمَعْصُومِ عَنْ الْإِهْدَارِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَخَرَّجَ الْآمِدِيُّ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ يُتَّبَعُ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهِ.
وَهَهُنَا فَرْعٌ مُتَرَدَّدٌ فِيهِ بَيْنَ ضَمَانِ الْيَدِ وَضَمَانِ الْإِتْلَافِ وَهُوَ مَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا أَوْ نَصَبَ شَبَكَةً أَوْ مِنْجَلًا لِلصَّيْدِ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ أَوْ عَثَرَ بِآلَاتِ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ ضَمِنَ مِنْ التَّرِكَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ فِي بَابِ الرَّهْنِ حَتَّى قَالَا: لَوْ بِيعَتْ التَّرِكَةُ لَفُسِخَ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ مِنْهَا لِسَبْقِ سَبَبِهِ وَلَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْوَرَثَةُ قَبْلَ الْوُقُوعِ ضَمِنُوا قِيمَةَ الْعَبْدِ كَالْمَرْهُونِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ ضَمَانِ الْيَدِ فَهَلْ يُجْعَلُ كَيَدِ الْمُشَاهَدَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ يَجْعَلُ الْيَدَ لِمَنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ يُحْتَمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصْلُهُمَا اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِيمَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ هَلْ هُوَ تَرِكَةٌ مَوْرُوثَةٌ جَعْلًا لَهَا كَيَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ أَوْ هُوَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ كَأَيْدِيهِمْ؟ وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ تَرِكَةٌ مَوْرُوثَةٌ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: بَلْ هُوَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ بِانْتِقَالِ مِلْكِ الشَّبَكَةِ إلَيْهِ كَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ النِّتَاجِ الْمَوْرُوثِ وَيُثْمِرُ مِنْ الشَّجَرِ وَأَمَّا فِي الْعُدْوَانِ الْمُجَرَّدِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْقَطِعَ حُكْمُهُ بِمَوْتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَعَدِّي لِانْعِقَادِ سَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْخِلَافَ فِيمَنْ مَالَ حَائِطُهُ فَطُولِبَ بِنَقْضِهِ فَبَاعَهُ ثُمَّ سَقَطَ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا، وَهَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ إذَا اسْتَدَامَهُ أَمْ لَا؟ الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ كَمَنْ اشْتَرَى حَائِطًا مَائِلًا فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَائِعِ فِيهِ
стр. 204
فَإِذَا طُولِبَ بِإِزَالَتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ عَلَى رِوَايَةٍ.
وَلَوْ حَفَرَ عَبْدُهُ بِئْرًا عُدْوَانًا بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ تَلِفَ بِهَا مَالٌ أَوْ غَيْرُهُ فَفِي الْمُغْنِي الضَّمَانُ عَلَى الْعَبْدِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِالْجِنَايَةِ وَفِي التَّلْخِيصِ هُوَ عَلَى السَّيِّدِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَمَا دُونَ لِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ بِذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ وَهُوَ بَعِيدٌ.
[تَنْبِيه أَتْلَفَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ]
تَنْبِيهٌ لَوْ أَتْلَفَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ ضَمِنَهُ ضَمَانَ إتْلَافٍ وَيَدٍ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَهُ ضَمَانَ يَدٍ وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْإِتْلَافِ عَلَيْهِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ مُوجِبُهَا مَعْصِيَةً وَفِيهِ وَجْهٌ بِالْمَنْعِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيمَ رُخْصَةٌ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِمُحَرَّمٍ.
[الْقَاعِدَةُ التِّسْعُونَ الْأَيْدِي الْمُسْتَوْلِيَةُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثَلَاثَةٌ]
(الْقَاعِدَةُ التِّسْعُونَ) : الْأَيْدِي الْمُسْتَوْلِيَةُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثَلَاثَةٌ يَدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِاسْتِيلَائِهَا الْمِلْكُ فَيَنْتَفِي الضَّمَانُ عَمَّا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ سَوَاءٌ حَصَلَ الْمِلْكُ بِهِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ وَيَدٌ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمِلْكُ وَيَنْتَفِي عَنْهَا الضَّمَانُ وَيَدٌ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمِلْكُ وَيَثْبُتُ عَلَيْهَا الضَّمَانُ. أَمَّا الْأُولَى فَيَدْخُلُ فِيهَا صُوَرٌ: (مِنْهَا) اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
(وَمِنْهَا) اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ عَلَيْنَا بِالِاسْتِيلَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَيَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْهُمْ فِيمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ أَيْضًا مِمَّا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْأَيْدِي كَأُمِّ الْوَلَدِ وَمَا لَمْ يَحُوزُوهُ إلَى دَارِهِمْ وَمَا شَرَدَ إلَيْهِمْ مِنْ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ وَأَرِقَّائِهِمْ عَلَى قَوْلِنَا أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا.
(وَمِنْهَا) اسْتِيلَاءُ الْأَبِ عَلَى مَالِ الِابْنِ فَإِنْ كَانَ اسْتِيلَاءٌ يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ فَلَا إشْكَالَ فِي انْتِفَاءِ الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ وَجْهُ التَّمَلُّكِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الضَّمَانُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ.
وَأَمَّا الْيَدُ الثَّانِيَةُ فَيَدْخُلُ فِيهَا صُوَرٌ: (مِنْهَا) مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ بِالْقَبْضِ.
(وَمِنْهَا) مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِحِفْظِهِ عَلَى الْمَالِكِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِيمَنْ أَخَذَ آبِقًا لِيَرُدَّهُ إلَى سَيِّدِهِ فَهَرَبَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَكِنَّ أَخْذَ الْآبِقِ فِيهِ إذْنٌ شَرْعِيٌّ وَفِي التَّلْخِيصِ وَجْهٌ آخَرُ بِالضَّمَانِ فِي الْمُسْتَنْقَذِ مِنْ الْغَاصِبِ لِلرَّدِّ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ كَانَ الْقَابِضُ حَاكِمًا فَهُوَ أَوْلَى بِنَفْيِ الضَّمَانِ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ وَفِي التَّلْخِيصِ فِيمَا إذَا حَمَلَ الْمَغْصُوبُ إلَيْهِ لِيَدْفَعَهُ إلَى مَالِكِهِ فَهَلْ يَلْزَمُ قَبُولُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَصَحَّحَ اللُّزُومَ وَهُوَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَالْمُغْنِي لَيْسَ لِلْحَاكِمِ انْتِزَاعُ مَالِ الْغَائِبِ وَالْمَغْصُوبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ
стр. 205
بِوَجْهٍ مَا مِثْلَ أَنْ يَجِدَهُ فِي تَرِكَةِ مَيِّتٍ وَوَارِثُهُ غَائِبٌ فَلَهُ الْأَخْذُ ; لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ أَوْ يَجِدُهَا فِي يَدِ السَّارِقِ فَيَقْطَعُهُ وَتُنْزَعُ مِنْهُ الْعَيْنُ تَبَعًا لِوِلَايَةِ الْقَطْعِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ لِلْغَائِبِ وَمَسْأَلَةِ قَطْعِ السَّارِقِ لِمَالِ الْغَائِبِ.
(وَمِنْهَا) الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةُ عَنْ حُكْمِ الْإِمَامِ كَالْبُغَاةِ لَا يَضْمَنُ الْإِمَامُ وَطَائِفَتُهُ وَمَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ وَفِي تَضْمِينِهِمْ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْإِمَامِ فِي تِلْكَ الْحَالِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا نَفْيُ الضَّمَانِ إلْحَاقًا لَهُمْ بِأَهْلِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا أَهْلُ الرِّدَّةِ إذَا لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ اجْتَمَعُوا بِدَارٍ مُنْفَرِدِينَ وَلَهُمْ مَنَعَةٌ فَفِي تَضْمِينِهِمْ رِوَايَتَانِ وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ عَدَمَ التَّضْمِينِ إلْحَاقًا لَهُمْ بِأَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَأَمَّا الْيَدُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ الْيَدُ الْعَارِيَّةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الضَّمَانُ.
[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالتِّسْعُونَ يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ وَبِالْيَدِ الْأَمْوَالُ الْمَحْضَةُ الْمَنْقُولَةُ]
(الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالتِّسْعُونَ) : يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ وَبِالْيَدِ الْأَمْوَالُ الْمَحْضَةُ الْمَنْقُولَةُ إذَا وُجِدَ فِيهَا النَّقْلُ. فَأَمَّا غَيْرُ الْمَنْقُولِ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْعَقْدِ وَبِالْيَدِ أَيْضًا كَمَا يَضْمَنُ فِي عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ بِالِاتِّفَاقِ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ فِي الْغَصْبِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ العكبري فِي الْعَارِيَّةِ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّ الْقَاضِي وَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَإِنْ حَصَلَ نَقْلُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْيَدِ وَالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ النَّقْلُ فَهَلْ يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ فِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ فِي أَحْكَامِ الْقُبُوضِ، وَأَمَّا الْيَدُ الْمُجَرَّدَةُ فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: لَا يَتَوَقَّفُ الضَّمَانُ بِهَا عَلَى النَّقْلِ أَيْضًا كَالْعَقْدِ وَكَمَا يَصِيرُ الْمُودِعُ ضَامِنًا بِمُجَرَّدِ جُحُودِ الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ وَلَا إزَالَةِ يَدٍ. وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي فَتَلِفَتْ قَبْلَ النَّقْلِ ثُمَّ جَاءَ الْمَالِكُ، أَنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِي، قَالَ: وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ تَعَيَّنَ مَنْعُ تَضْمِينِهِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ كَمَالِ الِاسْتِيلَاءِ وَهُوَ النَّقْلُ فِيمَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِي هَذَا ; لِأَنَّهُ فَرْعٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الضَّمَانِ بِالْعَقْدِ وَبِالْيَدِ وَفِي التَّلْخِيصِ إثْبَاتُ الْيَدِ [وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هَاهُنَا لَا يَضْمَنُهُ ضَمَانَ غَصْبٍ وَإِنْ كَانَ يَضْمَنُهُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ ضَمَانَ عَقْدٍ بِمُجَرَّدِ التَّخْلِيَةِ وَقَاسَهُ عَلَى الْعَقَارِ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي خَارَ مِنْ ضُمَّانِهِ بِالْعَقْدِ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ ضَمَانَ غَصْبٍ فِيمَا يَقْبَلُ النَّقْلَ] إلَّا فِي الدَّابَّةِ فَإِنَّ رُكُوبَهَا كَافٍ وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ عَلَى الْفُرُشِ ; لِأَنَّهُ غَايَةُ الِاسْتِيلَاءِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْأَمْوَالِ
стр. 206
الْمَحْضَةِ فَنَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا فِيهِ شَائِبَةُ الْحُرِّيَّةِ لِثُبُوتِ بَعْضِ أَحْكَامِهَا دُونَ حَقِيقَتِهَا كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ فَيُضْمَنُ بِالْيَدِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ وَكَذَلِكَ يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ.
وَالثَّانِي: الْحُرُّ الْمَحْضُ هَلْ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ أَمْ لَا؟ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحُرَّ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ فَلَا يَضْمَنُ بِهَا بِحَالٍ وَلَوْ كَانَ تَابِعًا لِمَنْ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ كَمَنْ غَصَبَ أَمَةً حَامِلًا بِحُرٍّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِمَا يُشْعِرُ أَنَّهُ مَحِلُّ وِفَاقٍ حَكَى الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَيْضًا وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى الْحُرِّ الصَّغِيرِ وَضَمَانُهُ بِالتَّلَفِ تَحْتَهَا رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ لِشَبَهِهِ بِالْعَبْدِ حَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ دَعْوَى نَسَبِهِ مَعَ جَهَالَتِهِ وَدَعْوَى رِقِّهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ خِلَافِهِ: تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَى الْحُرِّ الْكَبِيرِ بِالْعَقْدِ دُونَ الْيَدِ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَجِيرَ الْخَاصَّ إذَا أَسْلَمَ نَفْسَهُ إلَى مُسْتَأْجِرِهِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ اسْتَقَرَّتْ لَهُ الْأُجْرَةُ لِتَلَفِ مَنَافِعِهِ تَحْتَ يَدِهِ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ عِنْدَنَا لِدُخُولِ الْمَنْفَعَةِ تَحْتَ الْيَدِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَكَذَلِكَ لَوْ تَدَاعَى اثْنَانِ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ تَرْجِيحًا بِالْيَدِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِنَا بِتَقَدُّمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَحَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَجْهًا بِثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى مَنَافِعِ الْحُرِّ دُونَ ذَاتِهِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ صِحَّةَ إجَارَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَجِيرِ الْخَاصِّ وَجَزَمَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ بِصِحَّتِهِ وَبَنَى عَلَيْهِ جَوَازَ صِحَّةِ إجَارَةِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَهُ وَذَكَرَ احْتِمَالَيْنِ، وَبَنَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ غَصْبَ الْحُرِّ وَحَبْسَهُ عَنْ الْعَمَلِ فَإِنَّ فِي ضَمَانِ أُجْرَتِهِ وَجْهَيْنِ.
[تَنْبِيه مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ]
تَنْبِيهٌ: مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرِهِمَا، وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ صِحَّةَ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ الْمَغْصُوبَةِ وَإِنَّ الْغَاصِبَ لَا يَضْمَنُ مَهْرَهَا وَلَوْ حَبَسَهَا عَنْ النِّكَاحِ حَتَّى فَاتَ بِالْكِبَرِ.
وَخَالَفَ ابْنُ الْمُنَى وَجَزَمَ فِي تَعْلِيقِهِ بِضَمَانِ مَهْرِ الْأَمَةِ بِتَفْوِيتِ النِّكَاحِ وَذَكَرَ فِي الْحُرَّةِ تَرَدُّدًا لِامْتِنَاعِ ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا وَقَدْ يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَمَةَ الْمَوْطُوءَةَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ لَوْ حَمَلَتْ ثُمَّ تَلِفَتْ بِالْوِلَادَةِ ضَمِنَهَا الْوَاطِئُ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ إذَا زَنَى بِهَا كُرْهًا فَحَمَلَتْ ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ الطَّلْقِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ ; لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ كَأَنَّهُ إثْبَاتُ يَدٍ وَهَلَاكٍ تَحْتَ الْيَدِ الْمُسْتَوْلِيَةِ عَلَى الرَّحِمِ وَالْحُرَّةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ وَمُجَرَّدُ السَّبَبِ ضَعِيفٌ وَفِي الْمُغْنِي يَضْمَنُهَا مُطْلَقًا لِحُصُولِ التَّسَبُّبِ فِي التَّلَفِ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالتِّسْعُونَ هَلْ تَثْبُتُ يَدُ الضَّمَانِ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ الْمَالِكِ أَمْ لَا]
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالتِّسْعُونَ) : هَلْ تَثْبُتُ يَدُ الضَّمَانِ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ الْمَالِكِ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ
стр. 207
ابْنِ الْحَكَمِ فِيمَنْ أَسَرَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ أَنَّهَا مِلْكُهُ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَهُ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ زَالَ انْتِفَاعُ الْمَالِكِ وَسُلْطَانُهُ ثَبَتَ الضَّمَانُ وَإِلَّا فَلَا، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
(مِنْهَا) لَوْ غَصَبَ دَابَّةً عَلَيْهَا مَالِكُهَا وَمَتَاعُهُ فَفِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ لَا يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَصْحَابُ لَوْ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ كَبِيرٍ لَمْ يَضْمَنْ ثِيَابَهُ ; لِأَنَّهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ وَلَوْ كَانَ الْحُرُّ صَغِيرًا. وَقُلْنَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ فَفِي ثِيَابِهِ وَجْهَانِ نَظَرًا إلَى [أَنَّ] يَدَهُ لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى الْمَنْعِ وَهَذَا يَشْهَدُ لِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الِامْتِنَاعِ فِي انْتِفَاءِ الضَّمَانِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَسَافَةٍ فَزَادَ عَلَيْهَا أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ وَهِيَ فِي يَدِ الْمُؤَجِّرِ فَتَلِفَتْ قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ: يَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ بِالزِّيَادَةِ، وَسُكُوتُ الْمَالِكِ لَا يَمْنَعُ الضَّمَانَ كَمَنْ خَرَقَ ثَوْبَهُ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ. وَفِي التَّلْخِيصِ لَا يَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ تَلِفَتْ بِالْحَمْلِ فَفِي تَكْمِيلِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَتَنْصِيفِهِ وَجْهَانِ، وَيَتَوَجَّهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ الضَّمَانُ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ كَمَنْ غَصَبَ دَابَّةً وَأَكْرَهَ الْمَالِكَ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ فَإِنَّ هَذَا زِيَادَةُ عُدْوَانٍ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الضَّمَانُ.
(وَمِنْهَا) الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا جَنَتْ يَدُهُ عَلَى الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى الْعَمَلِ فِيهَا وَيَدُ صَاحِبِهَا ثَابِتَةٌ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، قَالَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْغَاصِبُ لَا يَضْمَنُ مَا دَامَ يَدُ صَاحِبِهِ ثَابِتَةً عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِثُبُوتِ يَدِ صَاحِبِهِ ثُبُوتُ سُلْطَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَلِهَذَا لَوْ أَعَادَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ إلَى يَدِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ تَصَرُّفُهُ إلَيْهِ، مِثْلُ إنْ رَهَنَهُ عَبْدُهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ فِيهِ لَمْ يَبْرَأْ بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مِلْكُهُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ جَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَالْمَالِكُ جَالِسٌ فِي الدَّارِ أَوْ عَلَى الْبِسَاطِ فَفِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ لَا ضَمَانَ وَعَلَّلَ بِانْتِفَاءِ الْحَيْلُولَةِ وَرَفْعِ الْيَدِ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ رَكِبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ إنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَرَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا ضَمِنَ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى اشْتِرَاطِ الْحَيْلُولَةِ وَالْقَهْرِ لِلضَّمَانِ وَفِي التَّلْخِيصِ لَوْ دَخَلَ دَارَ الْمَالِكِ وَهُوَ فِيهَا قَاصِدٌ لِلْغَصْبِ فَهُوَ غَاصِبٌ لِلنِّصْفِ لِاجْتِمَاعِ يَدِهِمَا وَاسْتِيلَائِهِمَا بِشَرْطِ قُوَّةِ الدَّاخِلِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقَهْرِ وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا فَالدُّخُولُ غَصْبٌ بِكُلِّ حَالٍ لِحُصُولِ الِاسْتِيلَاءِ بِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي خِلَافِهِ أَنَّ الْجَالِسَ عَلَى بِسَاطِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَكُونُ ضَامِنًا لِمَا جَلَسَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَالدَّاخِلُ إنْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الْغَصْبِ صَارَ غَاصِبًا.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَرْدَفَ الْمَالِكُ خَلْفَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَتَلِفَتْ فَهَلْ يَضْمَنُ الرَّدِيفُ نِصْفَ الْقِيمَةِ لِكَوْنِهِ مُسْتَعِيرًا أَمْ لَا لِثُبُوتِ يَدِ الْمَالِكِ عَلَيْهَا ذَكَرَ فِي التَّلْخِيصِ احْتِمَالَيْنِ وَصَحَّحَ لِلثَّانِي.
[تَنْبِيه كَانَتْ الْعَيْنُ مِلْكًا لِاثْنَيْنِ فَرَفَعَ الْغَاصِبُ يَدَ أَحَدِهِمَا وَوَضَعَ يَدَهُ مَوْضِعَ يَدِهِ وَأَقَرَّ الْآخَرَ]
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ مِلْكًا لِاثْنَيْنِ فَرَفَعَ الْغَاصِبُ يَدَ أَحَدِهِمَا وَوَضَعَ يَدَهُ مَوْضِعَ يَدِهِ وَأَقَرَّ الْآخَرَ عَلَى حَالِهِ فَهَلْ يَكُونُ غَاصِبًا لِنَصِيبِ رَفْعِ يَدِهِ خَاصَّةً أَمْ هُوَ غَاصِبٌ لِنِصْفِ الْعَيْنِ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مُشَاعًا
стр. 208
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ غَاصِبٌ لِنِصْفِ مَنْ رَفَعَ يَدَهُ فَقَطْ وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، فَعَلَى، هَذَا لَوْ اسْتَعْمَلَ الْغَاصِبُ وَالشَّرِيكُ الْمِلْكَ وَانْتَفَعَا بِهِ لَمْ يَلْزَمْ هَذَا الشَّرِيكَ لِشَرِيكِهِ الْمُخْرِجِ شَيْءٌ فَلَوْ بَاعَا الْعَيْنَ صَحَّ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْبَائِعِ كُلِّهِ وَبَطَلَ فِي النِّصْفِ الَّذِي بَاعَهُ الْغَاصِبُ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ نَصَّ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ مِنْ قَوْمٍ ضَيْعَةً ثُمَّ رَدَّ إلَى أَحَدِهِمْ نَصِيبَهُ مُشَاعًا لَمْ يَطِبْ لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِ الِانْفِرَادُ بِمَا رُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ يُشْبِهُ أَصْلَهُ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ فِي مَنْعِ إجَارَةِ الْمُشَاعِ مِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ بِانْفِرَادِهِ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَرْفَعْ يَدَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا فِي الرُّبْعِ خَاصَّةً وَالرُّبْعُ الْآخَرُ حَقٌّ لِشَرِيكِهِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَلَمْ يَجْتَمِعْ هَهُنَا يَدُ الْغَاصِبِ مَعَ يَدِ الْمَالِكِ فِي شَيْءٍ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالتِّسْعُونَ قَبَضَ مَغْصُوبًا مِنْ غَاصِبِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالتِّسْعُونَ) : مَنْ قَبَضَ مَغْصُوبًا مِنْ غَاصِبِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَالْمَشْهُورُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ فِي جَوَازِ تَضْمِينِهِ مَا كَانَ الْغَاصِبُ يَضْمَنُهُ مِنْ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَابِضُ قَدْ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ اسْتَقَرَّ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ ; حَصَلَ لَهُ بِمَا ضَمِنَهُ نَفْعٌ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ حَصَلَ لَهُ بِهِ نَفْعٌ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ أَمْ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ وَفِي بَعْضِهِ خِلَافٌ نُشِيرُ إلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ الْأَيْدِي الْقَابِضَةُ مِنْ الْغَاصِبِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحَالِ عَشْرَةٌ
(الْأُولَى) الْغَاصِبَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا الضَّمَانُ كَأَصْلِهَا وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا مَعَ التَّلَفِ تَحْتَهَا وَلَا يُطَالَبُ بِمَا زَادَ عَلَى مُدَّتِهَا.
(وَالثَّانِيَةُ) : الْآخِذَةُ لِمَصْلَحَةِ الدَّافِعِ كَالِاسْتِيدَاعِ وَالْوَكَالَةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ لِلْمَالِكِ تَضْمِينُهَا ثُمَّ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْغَاصِبِ لِتَغْرِيرِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهَا لِتَلَفِ الْمَالِ تَحْتَهَا مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ وَسَيَأْتِي أَصْلُهُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَضْمِينُهَا بِحَالٍ مِنْ الْوَجْهِ الْمَحْكِيِّ كَذَلِكَ فِي الْمُرْتَهِنِ وَنَحْوِهِ وَأَوْلَى، وَخَرَّجَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ مُودِعِ الْمُودَعِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِيدَاعُ فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْأَوَّلِ وَحْدَهُ كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ مَنَعَ ظُهُورَهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَرَّقُوا بَيْنَ مُودَعَ الْمُودِعِ وَمُودَعَ الْغَاصِبِ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ فِي الْأَوَّلِ الْقَبْضُ وَهُوَ سَبَبٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ مِنْ جِهَتَيْنِ بِخِلَافِ مُودَعِ الْغَاصِبِ فَإِنْ قَبْضَهُ صَالِحٌ لِتَضْمِينِهِ حَيْثُ كَانَ الضَّمَانُ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْغَاصِبِ قَبْلَهُ وَبِأَنَّ الضَّمَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْقَبْضِ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَالْقَبْضُ
стр. 209
مِنْ يَدِ أَمِينِهِ وَلَا عُدْوَانَ فِيهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِالْمُتَعَدِّي بِخِلَافِ مُودَعِ الْغَاصِبِ لِقَبْضِهِ مِنْ يَدِ ضَامِنِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْوَكَالَةِ وَالرَّهْنِ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْأَمِينَ فِي الرَّهْنِ إذَا بَاعَا وَقَبَضَا الثَّمَنَ ثُمَّ بَانَ الْمَبِيعُ مُسْتَحِقًّا لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ، لَا تُنَاقِضُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ ; لِأَنَّ مُرَادَ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِهِمْ لَمْ يَلْزَمْ الْوَكِيلَ شَيْءٌ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي أَقْبَضَهُ إيَّاهُ ; لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ. أَمَّا أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يُطَالِبُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعَيْنِ بِالضَّمَانِ فَهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ هَهُنَا أَلْبَتَّةَ. وَهُوَ بِمَعْزِلٍ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ.
(الثَّالِثَةُ) الْقَابِضَةُ لِمَصْلَحَتِهَا، وَمَصْلَحَةُ الدَّافِعِ كَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ بِجُعْلٍ وَالْمُرْتَهِنِ، فَالْمَشْهُورُ جَوَازُ تَضْمِينِهَا أَيْضًا وَتَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَتْ لِدُخُولِهَا عَلَى الْأَمَانَةِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الرَّهْنِ احْتِمَالَيْنِ آخَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْقَابِضِ لِتَلَفِ مَالِ الْغَيْرِ تَحْتَ يَدِهِ الَّتِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَهِيَ كَالْعَالِمَةِ بِالْحَالِ، إجَازَةُ هَذَا الْوَجْهَ فِي الْمُضَارِبِ أَيْضًا.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ تَضْمِينُهَا بِحَالٍ لِدُخُولِهَا عَلَى الْأَمَانَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَضْمِينُ الْقَابِضِ مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُسْتَحِقُّ قَلْعَهُ إلَّا مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ كَالْغِرَاسِ الْمُحْتَرَمِ الصَّادِرِ عَنْ إذْنِ الْمَالِكِ فَجُعِلَ الْمَغْرُورُ كَالْمَأْذُونِ لَهُ فَلَا يَضْمَنُ ابْتِدَاءً مَا لَمْ يَلْزَمْ ضَمَانُهُ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَغْرُورِ فِي النِّكَاحِ أَنَّ فِدَاءَ وَلَدِهِ عَلَى مَنْ غَرَّرَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى الزَّوْجِ مُطَالَبَةً.
وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا فِيمَنْ بَعَثَ رَجُلًا إلَى رَجُلٍ لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ فَقَالَ لَهُ خُذْ مِنْهُ دِينَارًا فَأَخَذَ مِنْهُ أَكْثَرَ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ لِتَغْرِيرِهِ وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الرَّسُولِ، وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي الْمُضَارَبَةِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ الْأَمَانَاتِ يَسْتَقِرُّ عَلَى مَنْ ضَمِنَ مِنْهُمَا فَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ.
(الرَّابِعَةُ) : الْقَابِضَةُ لِمَصْلَحَتِهَا خَاصَّةً إمَّا بِاسْتِيفَاءِ الْعَيْنِ كَالْقَرْضِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ كَالْعَارِيَّةِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الضَّمَانِ فِي الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا ضَمِنَتْ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ رَجَعَتْ عَلَى الْغَاصِبِ بِضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ ; لِأَنَّ ضَمَانَهَا كَانَ بِتَغْرِيرِهِ، وَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ لَا يَرْجِعُ بِضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ إذَا تَلِفَتْ بِالِاسْتِيفَاءِ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهَا فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ لِاسْتِيفَائِهَا بَدَلَهُ ; كَيْ لَا يَجْتَمِعَ لَهَا الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ، وَأَصْلُ الرِّوَايَتَيْنِ الرِّوَايَتَانِ فِي رُجُوعِ الْمَغْرُورِ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ الْمَنْفَعَةَ ابْتِدَاءً فَفِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْبِنَاءُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْجِعُ الْقَابِضُ عَلَيْهِ إذَا ضَمِنَ ابْتِدَاءً رَجَعَ الْغَاصِبُ هُنَا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْقَابِضِ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ الْقَاضِي
стр. 210
وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يَرْجِعُ بِضَمَانِهَا حَيْثُ دَخَلَتْ عَلَى ضَمَانِهَا وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ يَسْتَقِرُّ هَهُنَا عَلَيْهَا ضَمَانُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ تَلِفَتْ الْمَنْفَعَةُ بِاسْتِيفَاءٍ أَوْ بِتَفْوِيتٍ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَضْمِينُهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا تُطَالِبُ هَذِهِ بِضَمَانٍ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانُهُ ابْتِدَاءً وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا ضَمَانُ مَا دَخَلَتْ عَلَى ضَمَانِهِ مَا دَخَلَتْ عَلَى ضَمَانِهِ وَيَتَخَرَّجُ لَنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا ضَمَانُ شَيْءٍ وَسَنَذْكُرُ أَصْلَهُ فِي الْقِسْمِ الَّذِي بَعْدَهُ.
(الْخَامِسَةُ) : الْقَابِضَةُ تَمَلُّكًا بِعِوَضٍ مُسَمًّى عَنْ الْعَيْنِ بِالْبَيْعِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ عَلَى ضَمَانِ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا ضَمِنَتْ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا ضَمِنَتْ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ كَدُخُولِهَا عَلَى ضَمَانِهَا وَلَكِنْ يُسْتَرَدُّ الثَّمَنُ مِنْ الْغَاصِبِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ لِانْتِفَاءِ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ الَّتِي ضَمِنَتْ الْمَالِكُ وَفْقَ الثَّمَنِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ هَهُنَا وَفِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَفِي ضَمَانِ الْمَغْرُورِ الْمَهْرِ. وَفِي التَّلْخِيصِ احْتِمَالٌ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَزْيَدَ رَجَعَتْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْغَاصِبِ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الضَّمَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْمُنَى فِي خِلَافِهِ وَقَدْ سَبَقَ فِي قَاعِدَةِ ضَمَانِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ بِالْمُسَمَّى أَوْ بِعِوَضِ الْمِثْلِ مَا يُشْبِهُ هَذَا وَلَوْ طَالَبَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ إذَا كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُتَّجِرِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنٍ أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ، ثُمَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَيَّنَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوَقْفِ الْعُقُودِ عَلَى الْإِجَازَةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ ذَلِكَ وَكَذَا فِي الْمُضَارِبِ إذَا خَالَفَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ ; لِأَنَّهُ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ.
وَهَلْ لِلْمُضَارِبِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَطَرَدَهُمَا أَبُو الْفَتْحِ الْحَلْوَانِيُّ فِي الْكِفَايَةِ فِي الْغَاصِبِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي بَابِ الرَّهْنِ رِوَايَةً أُخْرَى بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الْبَيْعِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِمَّا صَنَعَهُ وَحَكَاهُ فِي الْكَافِي فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ وَجْهًا وَصَرَّحَ الْقَاضِي بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي خِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ رُجُوعِ الْمَغْرُورِ بِالْمَهْرِ. وَهُوَ عِنْدِي قِيَاسُ الْمَذْهَبِ حَيْثُ قُلْنَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِرُجُوعِ الْمَغْرُورِ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مَعَ اسْتِيفَائِهِ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ وَاسْتِهْلَاكِهَا وَدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا، وَلِهَذَا طَرَدَ مُحَقِّقُوا الْأَصْحَابِ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا زَوَّجَهَا الْغَاصِبُ وَوَطِئَهَا الزَّوْجُ هَلْ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى الْغَاصِبِ سَوَاءٌ ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ الْمَهْرَ أَوْ لَمْ يُضَمِّنْهُ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا دَلَّسَ الْعَيْبَ ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَصَ أَوْ تَعَيَّبَ وَهُوَ مَوْجُودٌ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَأْخُذ الثَّمَنَ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَصَلَ لَهُ انْتِفَاعٌ بِمَا نَقَصَهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إلْحَاقًا لَهُ بِلَبَنِ الْمُصَرَّاةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِ الْعَيْنِ بِالْمُسَمَّى وَلَكِنْ سَقَطَ عَنْهُ كَتَدْلِيسِ الْبَائِعِ الْعَيْبَ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَلَأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ مَعَ تَدْلِيسِ
стр. 211
الْغَاصِبِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ إذَا ضَمِنَهَا الْمَالِكُ لِلْمُشْتَرِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَغْصُوبَةَ مَضْمُونَةٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ لِدُخُولِهِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَسَوَاءٌ انْتَفَعَ بِهَا أَوْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا يَرْجِعُ بِمَا انْتَفَعَ بِهِ لِاسْتِيفَائِهِ عِوَضَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَحُكْمُ الثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ الْمَبِيعِ حُكْمُ الْمَنَافِعِ إذَا ضَمِنَهَا رَجَعَ بِبَدَلِهَا عَلَى الْغَاصِبِ. وَكَذَلِكَ الْكَسْبُ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيُخَرَّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا فِي رِوَايَة ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَنْ بَاعَ مَاشِيَةً أَوْ شَاةً فَوَلَدَتْ أَوْ نَخْلًا لَهَا ثَمَرَةٌ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا أَوْ اسْتَحَقَّ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الثَّمَرَةِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ إنْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِمْ شَيْئًا أَوْ بِأَنْ بَاعَ أَوْ اسْتَهْلَكَ فَإِنْ كَانَ مَاتَ أَوْ ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ دُونَ مَا أُتْلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ رُجُوعًا عَلَى الْغَاصِبِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ النَّمَاءِ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وَهَذَا يُقَوِّي التَّخْرِيجَ الْمَذْكُورَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إلَّا مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ سَوَاءٌ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ لَكِنْ انْتَفَعَ بِهِ كَالْخِدْمَةِ وَمَهْرِ الْمُشْتَرَاةِ وَأَمَّا قِيمَةُ الْأَوْلَادِ فَلَا يَرْجِعُ بِهَا عِنْدَهُ ; لِأَنَّ نَفْعَهَا لِغَيْرِهِ لَا لَهُ، وَأَوْجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَةَ غَرْسِ الْمُشْتَرِي غَيْرِ مَقْلُوعٍ إذَا قَلَعَهُ الْمَالِكُ وَمُرَادُهُ مَا نَقَصَ بِقَلْعِهِ وَإِنَّمَا أَجَازَ لِلْمَالِكِ قَلْعَ الْغِرَاسِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ نَقْصِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ امْتِنَاعِ الْمَالِكِ مِنْ الضَّمَانِ لَهُ فَإِنَّ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ مِنْ الْغِرَاسِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَا بُدَّ مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَإِنَّمَا لِلضَّمَانِ عَلَى الْغَارِّ لِتَعَدِّيهِ. كَمَا أَنَّ تَضْمِينَ الْقَابِضِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانُهُ مُمْتَنِعٌ حَيْثُ أَمْكَنَ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ لِالْتِزَامِهِ لِلضَّمَانِ وَتَعَدِّيهِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّ الْقَابِضَ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا حَصَلَ لَهُ بِهِ نَفْعٌ فَيَضْمَنُهُ وَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ كَرُجُوعِ الْمَغْرُورِ فِي بَابِ النِّكَاحِ بِالْمَهْرِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فَفِي الرُّجُوعِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَقَدْ يُخَرَّجُ كَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ الْيَدُ، وَقَدْ بَانَ عُدْوَانُهَا.
(الْيَدُ السَّادِسَةُ) الْقَابِضَةُ عِوَضًا مُسْتَحَقًّا بِغَيْرِ عَقْدِ الْبَيْعِ كَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا مِنْهُ أَوْ كَانَ الْقَبْضُ وَفَاءً كَدَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَصَدَاقٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ فَإِذَا تَلِفَتْ هَذِهِ الْأَعْيَانُ فِي يَدِ مَنْ قَبَضَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَلِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ
стр. 212
عَلَى الْقَابِضِ بِبَدَلِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهًا آخَرَ أَنْ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى فِي الصَّدَاقِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّضْمِينِ فَيَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ لِتَغْرِيرِهِ إلَّا بِمَا انْتَفَعَ بِهِ فَإِنَّهُ مُخَرَّجٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَمَّا قِيَمُ الْأَعْيَانِ فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَمَنْ اتَّبَعَهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ الْمَضْمُونَةُ وَفْقَ حَقِّهِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْعِ بِالرُّجُوعِ بِفَضْلِ الْقِيمَةِ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَبْضُ وَفَاءً عَنْ دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ وَإِنْ كَانَ عِوَضًا مُتَعَيِّنًا فِي الْعَقْدِ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ هَهُنَا بِاسْتِحْقَاقِهِ فِيهِ. وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ عَلَى الْمَغْصُوبِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِانْتِفَاءِ الصِّحَّةِ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَيَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِقِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ فِي الْمَنْصُوصِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَأَمَّا عِوَضُ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهَا بِقِيمَةِ الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَا تَنْفَسِخُ بِاسْتِحْقَاقِ أَعْوَاضِهَا فَيَجِبُ قِيمَةُ الْعِوَضِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ قِيمَةُ الْمُسْتَحَقِّ فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ قِيمَةٌ فِي نَفْسِهِ فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ بِخِلَافِ الْبُضْعِ وَالدَّمِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ لِعِوَضِهِمَا لَا لَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْبُيُوعِ مِنْ خِلَافِهِ وَيُشْبِهُ قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا جَعَلَ عِتْقَ أَمَتِهِ صَدَاقَهَا وَقُلْنَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا لَا قِيمَةَ مَهْرِ مِثْلِهَا وَعَلَى الْوَجْهِ الْمُخَرَّجِ فِي الْبَيْعِ أَنَّ الْمَغْرُورَ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ عَلَى الْغَاصِبِ فَهَهُنَا كَذَلِكَ.
(الْيَدُ السَّابِعَةُ) الْقَابِضَةُ بِمُعَاوَضَةٍ عَنْ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ يَدُ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ إذَا ضَمِنَتْ الْمَنْفَعَةَ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا وَلَوْ زَادَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ فَفِيهِ مَا مَرَّ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَةِ الْعَيْنِ عَلَى الثَّمَنِ وَإِذَا ضُمِنَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ رَجَعَتْ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ لِتَغْرِيرِهِ وَفِي تَعْلِيقَةِ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَيَتَخَرَّجُ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِحَالٍ لِقَوْلِ فَرَضِيتُ يَضْمَنُ الْعَيْنَ وَهَلْ الْقَرَارُ عَلَيْهِ؟ لَنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْغَاصِبِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ انْتَهَى وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَغْرُورَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِقْرَارًا وَالْوَجْهُ الْآخَرُ فِي قَرَارِ ضَمَانِ الْعَيْنِ عَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي اسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَنَحْوِهِ بِتَلَفِ الْعَيْنِ تَحْتَ يَدِهِ.
(الْيَدُ الثَّامِنَةُ) الْقَابِضَةُ لِلشَّرِكَةِ وَهِيَ الْمُتَصَرِّفَةُ فِي الْمَالِ بِمَا يُنَمِّيهِ بِجُزْءٍ مِنْ النَّمَاءِ كَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُزَارِعِ وَالْمُسَاقِي وَلَهُمْ جَرَّةٌ عَلَى الْغَاصِبِ لِعَمَلِهِمْ لَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَسْلَمْ، فَأَمَّا الْمُضَارِبُ وَالْمُزَارِعُ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَشَرِيكُ الْعَنَانِ فَقَدْ دَخَلُوا عَلَى أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِحَالٍ فَإِذَا ضَمِنُوا عَلَى الْمَشْهُورِ رَجَعُوا
стр. 213
بِمَا ضَمِنُوا إلَّا حِصَّتَهُمْ مِنْ الرِّبْحِ فَلَا يَرْجِعُونَ بِضَمَانِهَا لِدُخُولِهِمْ عَلَى ضَمَانِهَا عَلَيْهِمْ بِالْعَمَلِ لِذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُسَاقِي وَالْمَزَارِعِ نَظِيرَهُ، وَأَمَّا الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ شَيْءٍ بِدُونِ الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا مَلَكُوا الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ أَوْ لَا ; لِأَنَّ حِصَّتَهُمْ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ لَهُمْ الِانْفِرَادُ بِالْقِسْمَةِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُمْ شَيْءٌ مَضْمُونٌ. وَحَكَى الْأَصْحَابُ فِي الْمُضَارِبِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَجْهًا آخَرَ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِمَا ضَمِنَهُ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ تَلِفَ الْمَالُ بِيَدِهِ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَالِكُ تَضْمِينَهُمْ بِحَالٍ لِدُخُولِهِمْ عَلَى الْأَمَانَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ حُكْمَ ضَمَانِ الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ لِلْمَالِ وَإِنَّمَا أَعَدْنَاهُ هَهُنَا لِذِكْرِ النَّمَاءِ، وَأَمَّا الْمُسَاقِي إذَا ظَهَرَ الشَّجَرُ مُسْتَحِقًّا بَعْدَ تَكْمِلَةِ الْعَمَلِ فَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِعَمَلِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَأَمَّا الثَّمَرُ إذَا تَلِفَ فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنْ يَتْلَفَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ كُلٍّ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْعَامِلِ مَا قَبَضَهُ وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْكُلَّ لِلْغَاصِبِ فَإِذَا ضَمَّنَهُ الْكُلَّ رَجَعَ عَلَى الْعَامِلِ بِمَا قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ فَهُوَ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ، وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالٌ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِتَغْرِيرِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: كُلْ هَذَا فَإِنَّهُ طَعَامِي. ثُمَّ بَانَ مُسْتَحِقًّا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْوَجْهِ السَّابِقِ بِاسْتِقْرَارِ ضَمَانِ الْمَبِيعِ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ حَالٍ. وَهَلْ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ الْعَامِلَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّ يَدَهُ تَثْبُتُ عَلَى الْكُلِّ مُشَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقٍّ ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الثَّمَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِالْكُلِّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَابِضًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا كَانَ مُرَاعِيًا حَافِظًا وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُسَاقِي وَالْمَالِكُ فِي قَدْرِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ أَنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ وَالْمَالِكُ هُوَ الدَّاخِلُ لِاتِّصَالِ الثَّمَرِ بِمِلْكِهِ، وَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةَ شَجَرٍ شِرَاءً فَاسِدًا وَخَلَّى الْبَائِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى شَجَرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَحِلُّ وِفَاقٍ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتْلَفَ الثَّمَرُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إمَّا عَلَى الشَّجَرِ أَوْ بَعْدَ جَدِّهِ فَفِي التَّلْخِيصِ فِي مُطَالَبَةِ الْعَامِلِ بِالْجَمِيعِ احْتِمَالَانِ وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُ الشَّجَرِ وَهُوَ مُلْتَفِتٌ إلَى أَنَّ يَدَ الْعَامِلِ هَلْ تَثْبُتُ عَلَى الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ الَّذِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا ; لِأَنَّ الضَّمَانَ عِنْدَنَا لَا يَنْتَقِلُ فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَجَرَةٍ بِالتَّخْلِيَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ يَدُهُ هَاهُنَا عَلَى الثَّمَرِ حَصَلَتْ تَبَعًا لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الشَّجَرِ فَيُقَالُ فِي ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الشَّجَرِ [هَاهُنَا] تَرَدُّدٌ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا حَتَّى لَوْ تَلِفَ بَعْضُ الشَّجَرِ فَفِي تَضْمِينِهِ لِلْعَامِلِ الِاحْتِمَالَانِ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ أَيْضًا وَلَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً بِثَمَرِهَا فَهَلْ يَدْخُلُ الثَّمَرُ فِي ضَمَانِهَا تَبَعًا لِشَجَرِهِ قَالَ ابْن عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: لَا يَدْخُلُ وَالْمَذْهَبُ دُخُولُهُ تَبَعًا لِانْقِطَاعٍ عَلَّقَ الْبَائِعُ عَنْهُ مِنْ السَّقْيِ وَغَيْرِهِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَضْمَنَ الْعَامِلُ الثَّمَرَ التَّالِفَ بَعْدَ جِدَادِهِ وَاسْتِحْفَاظِهِ بِخِلَافِ مَا عَلَى
стр. 214
الشَّجَرِ (الْيَدُ التَّاسِعَةُ) الْقَابِضَةُ تَمَلُّكًا لَا بِعِوَضٍ إمَّا لِلْعَيْنِ بِمَنَافِعِهَا بِالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنَافِعِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَتْهُ بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ ضَامِنَةٍ لِشَيْءٍ فَهِيَ مَغْرُورَةٌ إلَّا مَا حَصَلَ لَهَا بِهِ نَفْعٌ فَفِي رُجُوعِهَا بِضَمَانِهِ الرِّوَايَتَانِ. وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهَا لَا تَضْمَنُ ابْتِدَاءً مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا تَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَتْهُ بِحَالٍ وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا كَمَا سَبَقَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَحِلِّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الرُّجُوعِ بِمَا انْتَفَعَتْ بِهِ عَلَى طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ: إحْدَاهُنَّ، أَنَّ مَحِلَّهُمَا إذَا لَمْ يَقُلْ الْغَاصِبُ: هَذَا مِلْكِي أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فَالْمَدَارُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِاعْتِرَافِهِ بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَنَفْيِهِ عَنْ الْقَابِضِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُغْنِي.
وَالثَّانِيَةُ: إنْ ضَمِنَ الْمَالِكُ الْقَابِضَ ابْتِدَاءً فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الرِّوَايَتَانِ مُطْلَقًا وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِيَّةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْقَابِضِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ مُعْتَرَفٌ بِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ ظَالِمٌ لَهُ بِالتَّغْرِيمِ فَلَا يَرْجِعُ بِظُلْمِهِ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي.
وَالثَّالِثُ: فِي الْخِلَافِ مِنْ الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ.
(الْيَدُ الْعَاشِرَةُ) الْمُتْلِفَةُ لِلْمَالِ نِيَابَةً عَنْ الْغَاصِبِ كَالذَّبْحِ لِلْحَيَوَانِ وَالطَّابِخِ لَهُ فَلَا قَرَارَ عَلَيْهَا بِحَالٍ وَإِنَّمَا الْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ لَهُ فَهُوَ كَالْمُبَاشِرِ كَذَا قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَصْحَابُ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ بِالْقَرَارِ عَلَيْهَا فِيمَا تَلِفَتْهُ كَالْمُودِعِ إذَا تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَأَوْلَى لِمُبَاشَرَتِهَا لِلْإِتْلَافِ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا بِحَالٍ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ حَفَرَ لِرَجُلٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، فَقَالَ الْحَافِرُ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا فِي مِلْكِهِ. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مَعَ اشْتَرَاكِ الْحَافِرِ وَالْآمِرِ فِي التَّسَبُّبِ وَانْفِرَادِ الْحَافِرِ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحَالِ وَهَهُنَا أَوْلَى ; لِاشْتِرَاكِهَا فِي ثُبُوتِ الْيَدِ وَلَوْ أَتْلَفَتْهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا عَالِمَةً بِتَحْرِيمِهِ كَالْقَاتِلَةِ لِلْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ وَالْمُحْرِقَةِ لِلْمَالِ بِإِذْنِ الْغَاصِبِ فَفِي التَّلْخِيصِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا الضَّمَانُ ; لِأَنَّهَا عَالِمَةٌ بِتَحْرِيمَةِ فَهِيَ كَالْعَالِمَةِ بِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ وَرَجَّحَ الْحَارِثِيُّ دُخُولَهَا فِي قِسْمِ الْمَغْرُورِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ عَالِمَةٍ بِالضَّمَانِ فَتَغْرِيرُ الْغَاصِبِ لَهَا حَاصِلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ مِنْ يَدِ قَابِضِهِ بِحَقٍّ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ]
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ) : قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ مِنْ يَدِ قَابِضِهِ بِحَقٍّ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ إنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ إقْبَاضُهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الثَّانِي إنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَمِينًا وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لَمْ يَكُ إقْبَاضُهُ جَائِزًا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَلَّا يَضْمَنَ
стр. 215
غَيْرُ الْأَوَّلِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) مُودِعُ الْمُودَعِ فَإِنْ كَانَ حَيْثُ يَجُوزُ الْإِيدَاعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي وَجْهَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا.
(وَمِنْهَا) الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ كَانَ حَيْثُ يَجُوزُ الْإِيجَارُ بِأَنْ كَانَ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِانْتِفَاعِ فَلَا ضَمَانَ وَإِلَّا فَلَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ عَلَيْهَا وَقَرَارُهُ فِي الْعَيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي بِحَالٍ مِنْ الْمُودِعِ.
(وَمِنْهَا) مُضَارِبُ الْمُضَارِبِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ فَهُوَ أَمِينٌ وَهَلْ الثَّانِي مُضَارِبٌ لِلْمَالِكِ وَالْأَوَّلُ وَكِيلٌ فِي الْعَقْدِ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ هُوَ مُضَارِبٌ لِلْأَوَّلِ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ اخْتَارَ الثَّانِي فِيمَا إذَا دَفَعَهُ مُضَارَبَةً وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَحَيْثُ مُنِعَ مِنْ دَفْعِهِ مُضَارَبَةً فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ لِدُخُولِهِ عَلَى الْأَمَانَةِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا يَرْجِعُ لِحُصُولِ التَّلَفِ تَحْتَ يَدِهِ وَقَدْ سَبَقَ أَصْلُهُ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَضْمَنَ الثَّانِي بِحَالٍ وَإِنْ عَلِمَ بِالْحَالِ فَهَلْ هُوَ كَالْغَاصِبِ لَا أُجْرَةَ لَهُ أَوْ كَالْمُضَارِبِ الْمُتَعَدِّي لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ قَالَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَحَكَاهُمَا صَاحِبُ الْكَافِي رِوَايَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالَةِ الْعِلْمِ.
(وَمِنْهَا) وَكِيلُ الْوَكِيلِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ فِي الضَّمَانِ.
(وَمِنْهَا) الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِلْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَإِذَا تَلِفَتْ عِنْدَ الثَّانِي ضَمِنَهُ الْمَالِكُ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُعِيرُ لَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ التَّغْرِيرِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِضَمَانِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمَدَارُ عَلَى الثَّانِي لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ وَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهَا عَلَى الْأَوَّلِ لِتَغْرِيرِهِ، كَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ. وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الثَّانِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ.
(وَمِنْهَا) الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ هُوَ أَمِينٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَبْضِهِ مِنْ يَدِ أَمِينٍ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا.
(وَمِنْهَا) الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيلِ الْمُخَالِفِ مُخَالَفَةً يَفْسُدُ بِهَا الْبَيْعُ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ فَلِلْمُوَكِّلِ تَضْمِينُ الْقِيمَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ الْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْمَشْهُورِ، ثُمَّ إنْ ضَمِنَ الْوَكِيلُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِتَلَفِهِ فِي يَدِهِ.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُ فَتَبَيَّنَ خَطَأَهُ]
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ) : مَنْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ يَظُنُّ لِنَفْسِهِ وِلَايَةً عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خَطَأَ ظَنِّهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأُ الْمُتَسَبِّبِ أَوْ أَقَرَّ بِتَعَمُّدِهِ لِلْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْمُتَسَبِّبُ
следующие страницы →