Полный текст (422 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الْغَاصِبِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ إذَا ضَمِنَهَا الْمَالِكُ لِلْمُشْتَرِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَغْصُوبَةَ مَضْمُونَةٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ لِدُخُولِهِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَسَوَاءٌ انْتَفَعَ بِهَا أَوْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا يَرْجِعُ بِمَا انْتَفَعَ بِهِ لِاسْتِيفَائِهِ عِوَضَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَحُكْمُ الثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ الْمَبِيعِ حُكْمُ الْمَنَافِعِ إذَا ضَمِنَهَا رَجَعَ بِبَدَلِهَا عَلَى الْغَاصِبِ. وَكَذَلِكَ الْكَسْبُ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيُخَرَّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا فِي رِوَايَة ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَنْ بَاعَ مَاشِيَةً أَوْ شَاةً فَوَلَدَتْ أَوْ نَخْلًا لَهَا ثَمَرَةٌ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا أَوْ اسْتَحَقَّ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الثَّمَرَةِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ إنْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِمْ شَيْئًا أَوْ بِأَنْ بَاعَ أَوْ اسْتَهْلَكَ فَإِنْ كَانَ مَاتَ أَوْ ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ دُونَ مَا أُتْلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ رُجُوعًا عَلَى الْغَاصِبِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ النَّمَاءِ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وَهَذَا يُقَوِّي التَّخْرِيجَ الْمَذْكُورَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إلَّا مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ سَوَاءٌ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ لَكِنْ انْتَفَعَ بِهِ كَالْخِدْمَةِ وَمَهْرِ الْمُشْتَرَاةِ وَأَمَّا قِيمَةُ الْأَوْلَادِ فَلَا يَرْجِعُ بِهَا عِنْدَهُ ; لِأَنَّ نَفْعَهَا لِغَيْرِهِ لَا لَهُ، وَأَوْجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ قِيمَةَ غَرْسِ الْمُشْتَرِي غَيْرِ مَقْلُوعٍ إذَا قَلَعَهُ الْمَالِكُ وَمُرَادُهُ مَا نَقَصَ بِقَلْعِهِ وَإِنَّمَا أَجَازَ لِلْمَالِكِ قَلْعَ الْغِرَاسِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ نَقْصِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ امْتِنَاعِ الْمَالِكِ مِنْ الضَّمَانِ لَهُ فَإِنَّ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ مِنْ الْغِرَاسِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَا بُدَّ مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَإِنَّمَا لِلضَّمَانِ عَلَى الْغَارِّ لِتَعَدِّيهِ. كَمَا أَنَّ تَضْمِينَ الْقَابِضِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانُهُ مُمْتَنِعٌ حَيْثُ أَمْكَنَ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ لِالْتِزَامِهِ لِلضَّمَانِ وَتَعَدِّيهِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّ الْقَابِضَ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا حَصَلَ لَهُ بِهِ نَفْعٌ فَيَضْمَنُهُ وَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ كَرُجُوعِ الْمَغْرُورِ فِي بَابِ النِّكَاحِ بِالْمَهْرِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فَفِي الرُّجُوعِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَقَدْ يُخَرَّجُ كَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ الْيَدُ، وَقَدْ بَانَ عُدْوَانُهَا.
(الْيَدُ السَّادِسَةُ) الْقَابِضَةُ عِوَضًا مُسْتَحَقًّا بِغَيْرِ عَقْدِ الْبَيْعِ كَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا مِنْهُ أَوْ كَانَ الْقَبْضُ وَفَاءً كَدَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَصَدَاقٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ فَإِذَا تَلِفَتْ هَذِهِ الْأَعْيَانُ فِي يَدِ مَنْ قَبَضَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَلِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ
стр. 212
عَلَى الْقَابِضِ بِبَدَلِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهًا آخَرَ أَنْ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى فِي الصَّدَاقِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّضْمِينِ فَيَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ لِتَغْرِيرِهِ إلَّا بِمَا انْتَفَعَ بِهِ فَإِنَّهُ مُخَرَّجٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَمَّا قِيَمُ الْأَعْيَانِ فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَمَنْ اتَّبَعَهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ الْمَضْمُونَةُ وَفْقَ حَقِّهِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْعِ بِالرُّجُوعِ بِفَضْلِ الْقِيمَةِ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَبْضُ وَفَاءً عَنْ دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ وَإِنْ كَانَ عِوَضًا مُتَعَيِّنًا فِي الْعَقْدِ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ هَهُنَا بِاسْتِحْقَاقِهِ فِيهِ. وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ عَلَى الْمَغْصُوبِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِانْتِفَاءِ الصِّحَّةِ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَيَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِقِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ فِي الْمَنْصُوصِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَأَمَّا عِوَضُ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهَا بِقِيمَةِ الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَا تَنْفَسِخُ بِاسْتِحْقَاقِ أَعْوَاضِهَا فَيَجِبُ قِيمَةُ الْعِوَضِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ قِيمَةُ الْمُسْتَحَقِّ فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ قِيمَةٌ فِي نَفْسِهِ فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ بِخِلَافِ الْبُضْعِ وَالدَّمِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ لِعِوَضِهِمَا لَا لَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْبُيُوعِ مِنْ خِلَافِهِ وَيُشْبِهُ قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا جَعَلَ عِتْقَ أَمَتِهِ صَدَاقَهَا وَقُلْنَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا لَا قِيمَةَ مَهْرِ مِثْلِهَا وَعَلَى الْوَجْهِ الْمُخَرَّجِ فِي الْبَيْعِ أَنَّ الْمَغْرُورَ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ عَلَى الْغَاصِبِ فَهَهُنَا كَذَلِكَ.
(الْيَدُ السَّابِعَةُ) الْقَابِضَةُ بِمُعَاوَضَةٍ عَنْ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ يَدُ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ إذَا ضَمِنَتْ الْمَنْفَعَةَ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا وَلَوْ زَادَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ فَفِيهِ مَا مَرَّ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَةِ الْعَيْنِ عَلَى الثَّمَنِ وَإِذَا ضُمِنَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ رَجَعَتْ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ لِتَغْرِيرِهِ وَفِي تَعْلِيقَةِ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَيَتَخَرَّجُ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِحَالٍ لِقَوْلِ فَرَضِيتُ يَضْمَنُ الْعَيْنَ وَهَلْ الْقَرَارُ عَلَيْهِ؟ لَنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْغَاصِبِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ انْتَهَى وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَغْرُورَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِقْرَارًا وَالْوَجْهُ الْآخَرُ فِي قَرَارِ ضَمَانِ الْعَيْنِ عَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي اسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَنَحْوِهِ بِتَلَفِ الْعَيْنِ تَحْتَ يَدِهِ.
(الْيَدُ الثَّامِنَةُ) الْقَابِضَةُ لِلشَّرِكَةِ وَهِيَ الْمُتَصَرِّفَةُ فِي الْمَالِ بِمَا يُنَمِّيهِ بِجُزْءٍ مِنْ النَّمَاءِ كَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُزَارِعِ وَالْمُسَاقِي وَلَهُمْ جَرَّةٌ عَلَى الْغَاصِبِ لِعَمَلِهِمْ لَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَسْلَمْ، فَأَمَّا الْمُضَارِبُ وَالْمُزَارِعُ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَشَرِيكُ الْعَنَانِ فَقَدْ دَخَلُوا عَلَى أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِحَالٍ فَإِذَا ضَمِنُوا عَلَى الْمَشْهُورِ رَجَعُوا
стр. 213
بِمَا ضَمِنُوا إلَّا حِصَّتَهُمْ مِنْ الرِّبْحِ فَلَا يَرْجِعُونَ بِضَمَانِهَا لِدُخُولِهِمْ عَلَى ضَمَانِهَا عَلَيْهِمْ بِالْعَمَلِ لِذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُسَاقِي وَالْمَزَارِعِ نَظِيرَهُ، وَأَمَّا الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ شَيْءٍ بِدُونِ الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا مَلَكُوا الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ أَوْ لَا ; لِأَنَّ حِصَّتَهُمْ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ لَهُمْ الِانْفِرَادُ بِالْقِسْمَةِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُمْ شَيْءٌ مَضْمُونٌ. وَحَكَى الْأَصْحَابُ فِي الْمُضَارِبِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَجْهًا آخَرَ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِمَا ضَمِنَهُ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ تَلِفَ الْمَالُ بِيَدِهِ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَالِكُ تَضْمِينَهُمْ بِحَالٍ لِدُخُولِهِمْ عَلَى الْأَمَانَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ حُكْمَ ضَمَانِ الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ لِلْمَالِ وَإِنَّمَا أَعَدْنَاهُ هَهُنَا لِذِكْرِ النَّمَاءِ، وَأَمَّا الْمُسَاقِي إذَا ظَهَرَ الشَّجَرُ مُسْتَحِقًّا بَعْدَ تَكْمِلَةِ الْعَمَلِ فَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِعَمَلِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَأَمَّا الثَّمَرُ إذَا تَلِفَ فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنْ يَتْلَفَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ كُلٍّ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْعَامِلِ مَا قَبَضَهُ وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْكُلَّ لِلْغَاصِبِ فَإِذَا ضَمَّنَهُ الْكُلَّ رَجَعَ عَلَى الْعَامِلِ بِمَا قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ فَهُوَ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ، وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالٌ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِتَغْرِيرِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: كُلْ هَذَا فَإِنَّهُ طَعَامِي. ثُمَّ بَانَ مُسْتَحِقًّا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْوَجْهِ السَّابِقِ بِاسْتِقْرَارِ ضَمَانِ الْمَبِيعِ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ حَالٍ. وَهَلْ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ الْعَامِلَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّ يَدَهُ تَثْبُتُ عَلَى الْكُلِّ مُشَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقٍّ ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الثَّمَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِالْكُلِّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَابِضًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا كَانَ مُرَاعِيًا حَافِظًا وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُسَاقِي وَالْمَالِكُ فِي قَدْرِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ أَنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ وَالْمَالِكُ هُوَ الدَّاخِلُ لِاتِّصَالِ الثَّمَرِ بِمِلْكِهِ، وَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةَ شَجَرٍ شِرَاءً فَاسِدًا وَخَلَّى الْبَائِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى شَجَرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَحِلُّ وِفَاقٍ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتْلَفَ الثَّمَرُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إمَّا عَلَى الشَّجَرِ أَوْ بَعْدَ جَدِّهِ فَفِي التَّلْخِيصِ فِي مُطَالَبَةِ الْعَامِلِ بِالْجَمِيعِ احْتِمَالَانِ وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُ الشَّجَرِ وَهُوَ مُلْتَفِتٌ إلَى أَنَّ يَدَ الْعَامِلِ هَلْ تَثْبُتُ عَلَى الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ الَّذِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا ; لِأَنَّ الضَّمَانَ عِنْدَنَا لَا يَنْتَقِلُ فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَجَرَةٍ بِالتَّخْلِيَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ يَدُهُ هَاهُنَا عَلَى الثَّمَرِ حَصَلَتْ تَبَعًا لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الشَّجَرِ فَيُقَالُ فِي ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الشَّجَرِ [هَاهُنَا] تَرَدُّدٌ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا حَتَّى لَوْ تَلِفَ بَعْضُ الشَّجَرِ فَفِي تَضْمِينِهِ لِلْعَامِلِ الِاحْتِمَالَانِ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ أَيْضًا وَلَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً بِثَمَرِهَا فَهَلْ يَدْخُلُ الثَّمَرُ فِي ضَمَانِهَا تَبَعًا لِشَجَرِهِ قَالَ ابْن عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: لَا يَدْخُلُ وَالْمَذْهَبُ دُخُولُهُ تَبَعًا لِانْقِطَاعٍ عَلَّقَ الْبَائِعُ عَنْهُ مِنْ السَّقْيِ وَغَيْرِهِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَضْمَنَ الْعَامِلُ الثَّمَرَ التَّالِفَ بَعْدَ جِدَادِهِ وَاسْتِحْفَاظِهِ بِخِلَافِ مَا عَلَى
стр. 214
الشَّجَرِ (الْيَدُ التَّاسِعَةُ) الْقَابِضَةُ تَمَلُّكًا لَا بِعِوَضٍ إمَّا لِلْعَيْنِ بِمَنَافِعِهَا بِالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنَافِعِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَتْهُ بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ ضَامِنَةٍ لِشَيْءٍ فَهِيَ مَغْرُورَةٌ إلَّا مَا حَصَلَ لَهَا بِهِ نَفْعٌ فَفِي رُجُوعِهَا بِضَمَانِهِ الرِّوَايَتَانِ. وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهَا لَا تَضْمَنُ ابْتِدَاءً مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا تَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَتْهُ بِحَالٍ وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا كَمَا سَبَقَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَحِلِّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الرُّجُوعِ بِمَا انْتَفَعَتْ بِهِ عَلَى طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ: إحْدَاهُنَّ، أَنَّ مَحِلَّهُمَا إذَا لَمْ يَقُلْ الْغَاصِبُ: هَذَا مِلْكِي أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فَالْمَدَارُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِاعْتِرَافِهِ بِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَنَفْيِهِ عَنْ الْقَابِضِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُغْنِي.
وَالثَّانِيَةُ: إنْ ضَمِنَ الْمَالِكُ الْقَابِضَ ابْتِدَاءً فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الرِّوَايَتَانِ مُطْلَقًا وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِيَّةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْقَابِضِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ مُعْتَرَفٌ بِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ ظَالِمٌ لَهُ بِالتَّغْرِيمِ فَلَا يَرْجِعُ بِظُلْمِهِ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي.
وَالثَّالِثُ: فِي الْخِلَافِ مِنْ الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ.
(الْيَدُ الْعَاشِرَةُ) الْمُتْلِفَةُ لِلْمَالِ نِيَابَةً عَنْ الْغَاصِبِ كَالذَّبْحِ لِلْحَيَوَانِ وَالطَّابِخِ لَهُ فَلَا قَرَارَ عَلَيْهَا بِحَالٍ وَإِنَّمَا الْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ لَهُ فَهُوَ كَالْمُبَاشِرِ كَذَا قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَصْحَابُ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ بِالْقَرَارِ عَلَيْهَا فِيمَا تَلِفَتْهُ كَالْمُودِعِ إذَا تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَأَوْلَى لِمُبَاشَرَتِهَا لِلْإِتْلَافِ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا بِحَالٍ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ حَفَرَ لِرَجُلٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، فَقَالَ الْحَافِرُ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا فِي مِلْكِهِ. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مَعَ اشْتَرَاكِ الْحَافِرِ وَالْآمِرِ فِي التَّسَبُّبِ وَانْفِرَادِ الْحَافِرِ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحَالِ وَهَهُنَا أَوْلَى ; لِاشْتِرَاكِهَا فِي ثُبُوتِ الْيَدِ وَلَوْ أَتْلَفَتْهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا عَالِمَةً بِتَحْرِيمِهِ كَالْقَاتِلَةِ لِلْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ وَالْمُحْرِقَةِ لِلْمَالِ بِإِذْنِ الْغَاصِبِ فَفِي التَّلْخِيصِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا الضَّمَانُ ; لِأَنَّهَا عَالِمَةٌ بِتَحْرِيمَةِ فَهِيَ كَالْعَالِمَةِ بِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ وَرَجَّحَ الْحَارِثِيُّ دُخُولَهَا فِي قِسْمِ الْمَغْرُورِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ عَالِمَةٍ بِالضَّمَانِ فَتَغْرِيرُ الْغَاصِبِ لَهَا حَاصِلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ مِنْ يَدِ قَابِضِهِ بِحَقٍّ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ]
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ) : قَبْضُ مَالِ الْغَيْرِ مِنْ يَدِ قَابِضِهِ بِحَقٍّ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ إنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ إقْبَاضُهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الثَّانِي إنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَمِينًا وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لَمْ يَكُ إقْبَاضُهُ جَائِزًا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَلَّا يَضْمَنَ
стр. 215
غَيْرُ الْأَوَّلِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) مُودِعُ الْمُودَعِ فَإِنْ كَانَ حَيْثُ يَجُوزُ الْإِيدَاعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي وَجْهَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا.
(وَمِنْهَا) الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ كَانَ حَيْثُ يَجُوزُ الْإِيجَارُ بِأَنْ كَانَ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِانْتِفَاعِ فَلَا ضَمَانَ وَإِلَّا فَلَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ عَلَيْهَا وَقَرَارُهُ فِي الْعَيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي بِحَالٍ مِنْ الْمُودِعِ.
(وَمِنْهَا) مُضَارِبُ الْمُضَارِبِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ فَهُوَ أَمِينٌ وَهَلْ الثَّانِي مُضَارِبٌ لِلْمَالِكِ وَالْأَوَّلُ وَكِيلٌ فِي الْعَقْدِ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ هُوَ مُضَارِبٌ لِلْأَوَّلِ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ اخْتَارَ الثَّانِي فِيمَا إذَا دَفَعَهُ مُضَارَبَةً وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَحَيْثُ مُنِعَ مِنْ دَفْعِهِ مُضَارَبَةً فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ لِدُخُولِهِ عَلَى الْأَمَانَةِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا يَرْجِعُ لِحُصُولِ التَّلَفِ تَحْتَ يَدِهِ وَقَدْ سَبَقَ أَصْلُهُ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَضْمَنَ الثَّانِي بِحَالٍ وَإِنْ عَلِمَ بِالْحَالِ فَهَلْ هُوَ كَالْغَاصِبِ لَا أُجْرَةَ لَهُ أَوْ كَالْمُضَارِبِ الْمُتَعَدِّي لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ قَالَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَحَكَاهُمَا صَاحِبُ الْكَافِي رِوَايَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالَةِ الْعِلْمِ.
(وَمِنْهَا) وَكِيلُ الْوَكِيلِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ فِي الضَّمَانِ.
(وَمِنْهَا) الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِلْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَإِذَا تَلِفَتْ عِنْدَ الثَّانِي ضَمِنَهُ الْمَالِكُ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُعِيرُ لَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ التَّغْرِيرِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِضَمَانِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمَدَارُ عَلَى الثَّانِي لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ وَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهَا عَلَى الْأَوَّلِ لِتَغْرِيرِهِ، كَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ. وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الثَّانِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ.
(وَمِنْهَا) الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ هُوَ أَمِينٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَبْضِهِ مِنْ يَدِ أَمِينٍ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا.
(وَمِنْهَا) الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيلِ الْمُخَالِفِ مُخَالَفَةً يَفْسُدُ بِهَا الْبَيْعُ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ فَلِلْمُوَكِّلِ تَضْمِينُ الْقِيمَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ الْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْمَشْهُورِ، ثُمَّ إنْ ضَمِنَ الْوَكِيلُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِتَلَفِهِ فِي يَدِهِ.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُ فَتَبَيَّنَ خَطَأَهُ]
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ) : مَنْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ يَظُنُّ لِنَفْسِهِ وِلَايَةً عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خَطَأَ ظَنِّهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأُ الْمُتَسَبِّبِ أَوْ أَقَرَّ بِتَعَمُّدِهِ لِلْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْمُتَسَبِّبُ
стр. 216
وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى اجْتِهَادٍ مُجَرَّدٍ كَمَنْ دَفَعَ مَالًا تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالِكُهُ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، أَوْ دَفَعَ مَالَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ لِحَقِّ اللَّهِ إلَى مَنْ يَظُنُّهُ مُسْتَحِقًّا ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ، فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَنِدَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِهِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فَنَقَصَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَسَائِلُ. (مِنْهَا) أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ بِمَوْتِ زَيْدٍ فَيُقَسَّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانَ الشَّهَادَةِ بِقُدُومِهِ حَيًّا فَنَصَّ [أَحْمَدُ] فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّهُمَا يَضْمَنَانِ الْمَالَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَرَثَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ اسْتِقْرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ اخْتِصَاصُهُمْ بِهِ وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ فِي تَقْرِيرِ الضَّمَانِ عَلَى الْغَارِّ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَغْرَمَ الْوَرَثَةَ وَرَجَعُوا بِذَلِكَ عَلَى الشُّهُودِ لِتَغْرِيرِهِمْ وَلَا ضَمَانَ هُنَا عَلَى الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ مُلْجَأٌ إلَى الْحُكْمِ مِنْ جِهَةِ الشُّهُودِ وَنَقَلَ أَبُو النَّضْرِ الْعِجْلِيّ عَنْ أَحْمَدَ فِي حَاكِمٍ رَجَمَ رَجُلًا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِالزِّنَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْحَاكِمِ وَلَعَلَّ تَضْمِينَهُ هَهُنَا لِتَفْرِيطِهِ إذْ الْمَجْبُوبُ لَا يَخْفَى أَمْرُهُ غَالِبًا فَتَرْكُهُ الْفَحْصَ عَنْ حَالِهِ تَفْرِيطٌ.
(وَمِنْهَا) لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ وَصَرَّحُوا بِالْخَطَأِ أَوْ التَّعَمُّدِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَخْتَصُّ بِهِمْ لِاعْتِرَافِهِمْ وَلَا يُنْتَقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِشَيْءٍ كَمَا لَوْ بَاعَ عَيْنًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ أَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِآخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَضْمَنُ الثَّانِي
(وَمِنْهَا) أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِمَالٍ وَيَسْتَوْفِيَ ثُمَّ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الشُّهُودَ فُسَّاقٌ أَوْ كُفَّارٌ فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي الْبَاطِنِ غَيْرُ نَافِذٍ بِالِاتِّفَاقِ نَقَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ. وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَهُوَ نَافِذٌ وَهَلْ يَجِبُ نَقْضُهُ؟ الْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي كَتَبَيُّنِ انْتِفَاءِ شَرْطِ الْحُكْمِ فَلَمْ يُصَادِفْ مَحِلًّا ثُمَّ يَجِبُ ضَمَانُ الْمَالِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِإِتْلَافِهِ لَهُ مُبَاشَرَةً قَالَ الْقَاضِي وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ مُعْسِرًا فَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الْإِمَامِ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُزَكِّينَ بِحَالٍ، وَلَوْ حُكِمَ لِآدَمِيٍّ بِإِتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ كَالْمَالِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ هُوَ الْمَحْكُومُ لَهُ وَالْإِمَامُ مُمَكَّنٌ لَا غَيْرُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُحَرَّرِ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ الْحَاكِمُ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَهُوَ وَفْقُ إطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ ; لِأَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا فَنَسَبَ الْفِعْلَ إلَى خَطَأِ الْإِمَامِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُسْتَوْفِي حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ ضَمَانَهُ عَلَى الْإِمَامِ وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ إذَا بَانَ الشُّهُودُ فُسَّاقًا وَيَضْمَنُ الشُّهُودُ كَمَا لَوْ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَتِلْكَ لَا فِسْقَ فِيهَا لِجَوَازِ الْعَدْلِيَّاتِ الشُّهُودِ وَإِنَّمَا ضَمِنُوا لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ بِالْعِيَانِ فَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ الرُّجُوعِ وَلَا يُمْكِنُ بَقَاءُ الْحُكْمِ بَعْدَ تَبَيُّنِ فَسَادِ الْمَحْكُومِ بِهِ عِيَانًا وَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ
стр. 217
الْفِسْقِ فِي الضَّمَانِ بِالرُّجُوعِ ; لِأَنَّ الرَّاجِعِينَ اعْتَرَفُوا بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ وَتَسَبُّبِهِمْ إلَى انْتِزَاعِ مَالِ الْمَعْصُومِ وَقَوْلُهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ فَتَعَيَّنَ تَغْرِيمُهُمْ، وَلَيْسَ هَهُنَا اعْتِرَافٌ يُبْنَى عَلَيْهِ التَّغْرِيمُ فَلَا وَجْهَ لَهُ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُنْقَضُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ. .
(وَمِنْهَا) إذَا وَصَّى إلَى رَجُلٍ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ فَفَعَلَ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ فَفِي ضَمَانِهِ رِوَايَتَانِ وَلَكِنْ هُنَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مِلْكِ الْغُرَمَاءِ بَلْ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ وَلَكِنَّهُ تَعَلُّقٌ قَوِيٌّ لَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْوَرَثَةِ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي التَّرِكَةِ هِيَ لِلْغُرَمَاءِ لَا لِلْوَرَثَةِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ التَّصَرُّفَ فِيهَا إلَّا بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَخَرَّجَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلَّ مَنْ تَصَرَّفَ بِوِلَايَةٍ فِي مَالٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ.
(وَمِنْهَا) لَوْ وَصَّى لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ فَلَمْ يُعْرَفْ الْمُوصَى لَهُ صَرَفَهُ الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاكِمُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ فَإِنْ جَاءَ الْمُوصَى لَهُ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يَضْمَنُ الْمُفَرِّقُ مَا فَرَّقَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَظْهَرُهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الثَّانِي: إنْ فَعَلَهُ الْوَصِيُّ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ فَعَلَهُ بِدُونِ إذْنِهِ ضَمِنَ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى الْوَرَثَةُ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ وَأَعْتَقُوهُ تَنْفِيذًا لِوَصِيَّةِ مُورِثِهِمْ بِذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ لِلْغُرَمَاءِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ بِانْتِفَاءِ الضَّمَانِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَصِيِّ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَضْمَنُهُ الْعَامِلُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا يَضْمَنُ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ أَوْ جَاهِلًا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَأَبُو الْخَطَّابِ.
وَالثَّانِي: إنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا ضَمِنَ كَمَا لَوْ عَامَلَ فَاسِقًا أَوْ مُمَاطِلًا أَوْ سَافَرَ سَفَرًا مَخُوفًا أَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ أَوْ أَمِينُ الْحَاكِمِ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ فَبَانَ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَالثَّالِثُ: لَا ضَمَانَ بِكُلِّ حَالٍ حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الضَّمَانِ هَلْ يَضْمَنُهُ بِالثَّمَنِ الْمُشْتَرَى أَوْ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ وَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي الرِّبْحِ الزَّائِدِ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ.
(وَمِنْهَا) إذَا دَفَعَ الْقَصَّارُ ثَوْبَ رَجُلٍ إلَى غَيْرِهِ خَطَأً فَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ بِقَطْعٍ أَوْ لُبْسٍ يَظُنُّهُ ثَوْبَهُ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَصَّارٍ أَبْدَلَ الثَّوْبَ فَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ فَقَطَعَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ ثَوْبُهُ، قَالَ: عَلَى الْقَصَّارِ إذَا أَبْدَلَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ مَالًا فَأَنْفَقَهُ؟ قَالَ: ثَمَنُ هَذَا مِثْلُ الْمَالِ عَلَى الَّذِي أَنْفَقَهُ ; لِأَنَّهُ مَالٌ تَلِفَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَالِ إذَا أُنْفِقَ وَتَلِفَ وَبَيْنَ الثَّوْبِ إذَا قُطِعَ ; لِأَنَّ الْعَيْنَ هُنَا مَوْجُودَةٌ فَيُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَيَضْمَنُ نَقْصَهَا الْقَصَّارُ لِجِنَايَتِهِ خَطَأً.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ ; لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى [الضَّمَانِ] .
أَمَّا إنْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ صَاحِبُهَا فَأَنْفَقَهَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُنْفِقِ وَإِنْ كَانَ مَغْرُورًا لِتَلَفِ الْمَالِ تَحْتَ يَدِهِ بِانْتِفَاعِهِ بِهِ وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ
стр. 218
لِلضَّمَانِ مَعَ الْيَدِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ مَالِكٍ لَا يَغْرَمُ الَّذِي لَبِسَهُ وَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ فَقَالَ لَا يُعْجِبُنِي مَا قَالَ: وَلَكِنْ إذَا هُوَ لَمْ يَعْلَمْ فَلَبِسَهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ لَيْسَ عَلَى الْقَصَّارِ شَيْءٌ فَأَوْجَبَ هُنَا الضَّمَانَ عَلَى اللَّابِسِ لِاسْتِيفَائِهِ الْمَنْفَعَةَ دُونَ الدَّافِعِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْجِنَايَةَ فَكَأَنَّ إحَالَةَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَوْفِي لِلنَّفْعِ أَوَّلًا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُوَافِقُ مَا قَبْلَهَا فِي تَقْرِيرِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُنْتَفِعِ لَا سِيَّمَا وَالدَّافِعُ هُنَا مَعْذُورٌ وَإِنَّمَا ضَمِنَ الْقَصَّارُ الْقَطْعَ ; لِأَنَّهُ تَلَفٌ لَمْ يَحْدُثْ مِنْ انْتِفَاعِ الْقَابِضِ، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَى الدَّافِعِ لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِ، فَالرِّوَايَتَانِ إذًا مُتَّفِقَتَانِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَهُمَا مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي أَنَّ الضَّمَانَ هَلْ هُوَ عَلَى الْقَصَّارِ أَوْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ رِوَايَةَ ضَمَانِ الْقَصَّارِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا فَيَضْمَنُ جِنَايَةَ يَدِهِ، وَرِوَايَةُ عَدَمِ ضَمَانِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَجِيرًا خَاصًّا فَلَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْهَا، وَأَشَارَ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ فِي الْمُجَرَّدِ
(وَمِنْهَا) لَوْ دَفَعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى وَاصِفِهَا ثُمَّ أَقَامَ غَيْرُهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ فَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الدَّافِعِ وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ لِوُجُوبِ الدَّافِعِ عَلَيْهِ فَلَا يُنْسَبُ إلَى تَفْرِيطٍ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَاصِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ بِهِ بِالْمِلْكِ، أَمَّا لَوْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَظُنُّهُ صَاحِبُهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فَقَالَ الْأَصْحَابُ يَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ. وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتْلِفِ وَحْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَصَّارِ
وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَظُنُّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ لِاشْتِبَاهِهِ بِهِ فِي الصُّورَةِ قُتِلَ بِهِ لِتَفْرِيطِهِ فِي اجْتِهَادِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ. وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنْ لَا قَوَدَ وَأَنَّهُ يَضْمَنُ بِالدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَسَارَ قَاطِعِ يَمِينِهِ ظَانًّا أَنَّهَا الْيَمِينُ فَإِنَّهُ لَا قَوَدَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَانِي عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ وَجْهَانِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ مَضَى عَلَى الْمَفْقُودِ زَمَنٌ تَجُوزُ فِيهِ قِسْمَةُ مَالِهِ فَقَسَمَ ثُمَّ قَدِمَ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَى فِي ضَمَانِ مَا تَلِفَ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ مِنْهُ رِوَايَتَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي دَاوُد عَدَمُ الضَّمَانِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ جَازَ اقْتِسَامُ الْمَالِ فِي الظَّاهِرِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، وَلِهَذَا يُبَاحُ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَإِذَا قَدِمَ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَهْرِ فَجَعَلَ التَّصَرُّفَ فِيمَا يَمْلِكُهُ مِنْ مَالٍ وَبُضْعٍ مَوْقُوفًا عَلَى تَنْفِيذِهِ وَإِجَازَتِهِ مَا دَامَ مَوْجُودًا فَإِذَا تَلِفَ فَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ فِيهِ وَنَفَذَ فَإِنَّ إجَازَتَهُ وَرَدَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ لَا بِالْمَفْقُودِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَدِمَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ زَوْجَتُهُ وَمَاتَتْ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَلَا يَرِثُهَا، وَيُشْبِهُ ذَلِكَ اللُّقَطَةُ إذَا قَدِمَ الْمَالِكُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالتَّمَلُّكِ وَقَدْ تَلِفَتْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهَا لِلْمَالِكِ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ مَعَ التَّلَفِ وَإِنَّمَا يَجِبُ
стр. 219
الرَّدُّ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ قَبَضْت الْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنُ النَّفَقَةَ يُظَنُّ أَنَّهَا حَامِلٌ ثُمَّ بَانَتْ حَامِلًا فَفِي الرُّجُوعِ عَلَيْهَا رِوَايَتَانِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ غَابَ الزَّوْجُ فَأَنْفَقَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَتْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
(وَمِنْهَا) لَوْ دَفَعَ زَكَاتَهُ أَوْ كَفَّارَتَهُ إلَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَبَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا أَنْ لَا ضَمَانَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الدَّافِعُ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ.
وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ لَا يَضْمَنُ الْإِمَامُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَمْ يُفَرِّطْ ; لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَإِنْ بَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ هَاشِمِيًّا فَقِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي آخِرِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَّا أَنَّهُ خَرَّجَ الْخِلَافَ فِي الضَّمَانِ هُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهِ فِي الْمُغْنِي وَقِيلَ لَا يُجْزِئُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِظُهُورِ التَّفْرِيطِ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا تَخْفَى بِخِلَافِ الْغَنِيِّ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ بِسَبَبِ نَفْسِهِ فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا لَوْ بَانَ أَنَّهُ عِنْدَ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: هُوَ لَوْ بَانَ غَنِيًّا وَالْمَنْصُوصُ هَهُنَا الْإِجْزَاءُ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ خَشْيَةُ الْمُحَابَاةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ مَالُ الْفَيْءِ وَالْخُمْسِ، وَالْأَمْوَالُ الْمُوصَى بِهَا، وَالْمَوْقُوفَةُ إذَا ظَنَّ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا أَنَّ الْأَخْذَ مُسْتَحَقٌّ فَأَخْطَأَ
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالتِّسْعُونَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ عَيْنِ مَالٍ فَأَدَّاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
[الْقَسْم الْأَوَّل أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مِلْكًا لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ]
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالتِّسْعُونَ) : مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ عَيْنِ مَالٍ فَأَدَّاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ هَلْ تَقَعُ مَوْقِعَهُ وَيَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْ الْمُؤَدِّي؟ هَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مِلْكًا لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَإِنْ كَانَ الْمُتَصَرِّفُ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ وَقَعَ الْمَوْقِعَ وَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ دَيْنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ مُتَمَيِّزَةً بِنَفْسِهَا فَلَا ضَمَانَ وَيُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَمَيِّزَةً مِنْ بَقِيَّةِ مَالِهِ ضَمِنَ وَلَمْ يُجْزِئْ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْمَالِكُ التَّصَرُّفَ فَنَقُولُ بِوَقْفِ عُقُودِ الْفُضُولِيِّ عَلَى الْإِجَازَةِ
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ: (مِنْهَا) لَوْ امْتَنَعَ مِنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ وَلَهُ مَالٌ فَبَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَوَفَّاهُ عَنْهُ صَحَّ وَبَرِئَ مِنْهُ وَلَا ضَمَانَ
(وَمِنْهَا) لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَأَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا فَإِنَّهُ تُجْزِئُ عَنْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ وَهَذَا حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَوَقَعَ مَوْقِعَهُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِغَيْبَةٍ أَوْ حَبْسٍ فَأَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ.
(وَمِنْهَا) وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ يُخْرِجُ عَنْهُمَا الزَّكَاةَ وَيُجْزِئُ كَمَا يُؤَدِّي عَنْهُمَا سَائِرَ الْوَاجِبَاتِ
стр. 220
الْمَالِيَّةِ مِنْ النَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ.
(وَمِنْهَا) إذَا عَيَّنَ أُضْحِيَّةً فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَمْ يَضْمَنْ الذَّابِحُ شَيْئًا نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ لِلذَّبْحِ مَا لَمْ يُبَدِّلْهَا وَإِرَاقَةُ دَمِهَا وَاجِبٌ. فَالذَّابِحُ قَدْ عَجَّلَ الْوَاجِبَ فَوَقَعَ مَوْقِعَهُ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً ابْتِدَاءً أَوْ عَنْ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ، وَفَرَّقَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ بَيْنَ مَا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ: الْمُعَيَّنَةُ عَنْهَا فِي الذِّمَّةِ يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْمَالِكِ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ: فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُ غَيْرِهِ لَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَضْمَنُ
(وَمِنْهَا) لَوْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ صَيْدٌ فَأَطْلَقَهُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْهُ دَيْنَهُ فِي هَذَا الْحَالِ وَفِي الْمُبْهِجِ لِلشِّيرَازِيِّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ وَإِرْسَالُ الْغَيْرِ إتْلَافٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ فَهُوَ كَقَتْلِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرْسِلُ حَاكِمًا أَوْ وَلِيَّ صَبِيٍّ فَلَا ضَمَانَ لِلْوِلَايَةِ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا يَجِبُ [عَلَيْهِ] إرْسَالُهُ وَإِلْحَاقُهُ بِالْوَحْشِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، أَمَّا إنْ قُلْنَا يَجُوزُ لَهُ نَقْلُ يَدِهِ إلَى غَيْرِهِ بِإِعَارَةٍ أَوْ إيدَاعٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ فَالضَّمَانُ وَاجِبٌ بِغَيْرِ إشْكَالٍ.
(وَمِنْهَا) لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ سَوَاءٌ قِيلَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ أَوْ امْتِنَاعِ الْإِبْدَالِ كَمَا [لَوْ] اخْتَارَهُ أَوْ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ وَجَوَازِ الْإِبْدَالِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ الْمَنْذُورَةِ وَبَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ [فِي ذَلِكَ الثَّانِي: الضَّمَانُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَيُشْكِلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ] .
لَا سِيَّمَا وَالْمَنْقُولُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي الْفَرْقِ: إنَّ الْأُضْحِيَّةَ إنَّمَا يَجُوزُ إبْدَالُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا وَالنُّقُودُ مُتَسَاوِيَةٌ غَالِبًا فَلَا مَعْنَى لِإِبْدَالِهَا، وَقَدْ أَشَارَ الْقَاضِي إلَى الْفَرْقِ بِأَنَّ النَّذْرَ يَحْتَاجُ إخْرَاجُهُ إلَى نِيَّةٍ كَالزَّكَاةِ وَهَذَا مَمْنُوعٌ بَلْ نَقُولُ فِي نَذْرِ الصَّدَقَةِ بِالْمُعَيَّنِ مَا نَقُولُ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَأَمَّا إذَا أَدَّى غَيْرُهُ زَكَاتَهُ الْوَاجِبَةَ مِنْ مَالِهِ أَوْ نَذْرَهُ الْوَاجِبَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ كَفَّارَتَهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْمَشْهُورِ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الْمَالِكِ لِفَوَاتِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْهُ وَمِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَخَرَّجَ الْأَصْحَابُ نُفُوذَهُ بِالْإِجَازَةِ مِنْ نُفُوذِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ [بِهَا] . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْعِبَادَاتِ كَالزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالنَّذْرِ إنَّمَا هُوَ إذَا نَوَاهُ الْمُخْرِجُ عَنْ الْمَالِكِ فَأَمَّا إنْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ وَكَانَ عَالَمًا بِالْحَالِ فَهُوَ غَاصِبٌ مَحْضٌ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَلَا بِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَلَا غَيْرِهِمَا ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْ أَصْلِهِ تَعَدِّيًا وَذَلِكَ يُنَافِي التَّقَرُّبَ.
وَخَرَّجَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَجْهًا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً فِي الزَّكَاةِ وَخَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا فِي الْعِتْقِ لَكِنْ إذَا الْتَزَمَ ضَمَانَهُ فِي مَالِهِ وَهَذَا شَبِيهٌ بِتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، وَهَلْ يُجْزِئُ عَنْ الْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَمْ لَا، حَكَى
стр. 221
الْقَاضِي فِي الْأُضْحِيَّةِ رِوَايَتَيْنِ وَالصَّوَابُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ تَتَنَزَّلُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَتَيْنِ لَا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فَإِنْ نَوَى الذَّابِحُ بِالذَّبْحِ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ لَمْ يُجْزِئْ لِغَصْبِهِ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَإِتْلَافِهِ لَهُ عُدْوَانًا، وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ الذَّابِحُ أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ لِاشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِ أَجْزَأَتْ عَنْ الْمَالِكِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا مُصَرِّحًا بِالتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ وَكَذَلِكَ الْخَلَّالُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَعَقَدَ لَهُمَا بَابَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ فَلَا يَصِحُّ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَتَى قِيلَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَعَلَى الذَّابِحِ الضَّمَانُ لَكِنْ هَلْ يَضْمَنُ أَرْشَ الذَّبْحِ أَوْ كَمَالَ الْقِيمَةِ؟ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ تَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ الْغَاصِبِ فَضَمَانُ الْقِيمَةِ مُتَعَيِّنٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْحِلِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَقَدْ يُقَالُ إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ فَحُكْمُ هَذَا الذَّبْحِ حُكْمُ عَطَبِهَا وَإِذَا عَطِبَتْ فَهَلْ تَرْجِعُ إلَى مِلْكِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنْ قِيلَ بِرُجُوعِهَا إلَى مِلْكِهِ فَعَلَى الذَّابِحِ أَرْشُ نَقْصِ الذَّبْحِ خَاصَّةً وَإِنْ قِيلَ لَا يَرْجِعُ إلَى مِلْكِهِ فَالذَّبْحُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ وَيَشْتَرِي الْمَالِكُ بِالْقِيمَةِ مَا يَذْبَحُهُ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَيَصْرِفُ الْكُلَّ مَصْرِفَ الْأُضْحِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً ابْتِدَاءً أَوْ تَطَوُّعًا فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى الْمَالِكِ التَّقَرُّبَ بِهَا. وَكَوْنُهَا أُضْحِيَّةً أَوْ هَدْيًا لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا كَالْعَاطِبِ دُونَ مَحِلِّهِ، وَيَأْخُذَ أَرْشَ الذَّبْحِ مِنْ الذَّابِحِ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا وَهُوَ أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهَا التَّقَرُّبَ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ إلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ فَهُوَ كَإِتْلَافِهَا وَأَمَّا إذَا فَرَّقَ الْأَجْنَبِيُّ اللَّحْمَ فَقَالَ الْأَصْحَابُ لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَا إذَا ذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ أُضْحِيَّةَ الْآخَرِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ اللَّحْمَ قَالُوا وَإِنْ تَلِفَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ وَأَبْدَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ احْتِمَالًا بِالْإِجْزَاءِ ; لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْمَالِكِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ وَغَيْرِهِ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى لِقَوْمٍ نُسُكًا فَاشْتَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ شَاةً ثُمَّ لَمْ يَعْرِفْ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، قَالَ: يَتَرَاضَيَانِ وَيَتَحَالَّانِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً بَعْدَ التَّحْلِيلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا تَعَمُّدٍ أَنَّهُ يُجْزِئُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ التَّضْحِيَةُ بِهَذِهِ الْأُضْحِيَّةِ الْمُشْتَبِهَةِ، وَقَدْ يَكُونُ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يَتَرَادَّانِ اللَّحْمَ مَعَ بَقَائِهِ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَدَاؤُهُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ]
ُ فَأَدَّاهُ الْغَيْرُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَلَا ضَمَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا فَفِي الْإِجْزَاءِ خِلَافٌ، وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ مَسَائِلُ:
(مِنْهَا) الْمَغْصُوبُ وَالْوَدَائِعُ إذَا أَدَّاهَا أَجْنَبِيٌّ إلَى الْمَالِكِ أَجْزَأَتْ وَلَا ضَمَانَ.
(وَمِنْهَا) إذَا
стр. 222
اصْطَادَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي إحْرَامِهِ فَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ مِنْ يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ.
(وَمِنْهَا) [إذَا] دَفَعَ أَجْنَبِيٌّ عَيْنًا مُوصًى بِهَا إلَى مُسْتَحِقٍّ مُعَيَّنٍ لَمْ يَضْمَنْ وَوَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ بَلْ مُقَدَّرٍ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِيمَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ وَصَّى بِهَا الْمُعَيَّنُ أَنَّ الْمُودِعَ يَدْفَعُهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ وَالْوَرَثَةُ قِيلَ لَهُ: فَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ يَضْمَنُ؟ قَالَ: أَخَافُ، قِيلَ لَهُ: فَيُعْطِيهِ الْقَاضِي؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ يَدْفَعُهُ إلَيْهِمْ. وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ضَمَانَهُ بِالدَّفْعِ إلَى الْمُوصِي وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ الْوَصِيَّةُ ظَاهِرًا، وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَوَصَّى بِهِ صَاحِبُهُ لِمُعَيَّنٍ كَانَ مُخَيَّرًا فِي دَفْعِهِ إلَى الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ ; لِأَنَّهُ صَارَ حَقًّا لَهُ فَهُوَ كَالْوَارِثِ الْمُعَيَّنِ وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ دَفْعُ مَالِ الْوَقْفِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ الْمُعَيَّنِ مَعَ وُجُودِ النَّاظِرِ فِيهِ.
[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ يَعْرِفُ مَالِكَهُ وَلَكِنَّهُ غَائِبٌ يُرْجَى قُدُومُهُ]
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالتِّسْعُونَ) : مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ يَعْرِفُ مَالِكَهُ وَلَكِنَّهُ غَائِبٌ يُرْجَى قُدُومُهُ، فَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَافِهًا فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِهِ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ آيِسَ مِنْ قُدُومِهِ بِأَنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَجُوزُ فِيهَا أَنْ تُزَوَّجَ امْرَأَتُهُ وَيُقَسَّمَ مَالُهُ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ فَهَلْ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ؟ قَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصْلُهُمَا الرِّوَايَتَانِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ هَلْ تَتَزَوَّجُ بِدُونِ الْحَاكِمِ أَمْ لَا؟ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ جَوَازُ التَّصَدُّقِ بِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ حَاكِمًا. وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَالِكَهُ بَلْ جَهِلَ جَازَ التَّصَدُّقُ بِهِ عَنْهُ لِشَرْطِ الضَّمَانِ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ وَجَزَمَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ بِتَوَقُّفِ التَّصَرُّفِ عَلَى إذْنِ الْحَاكِمِ وَالْأُولَى أَصَحُّ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ.
(مِنْهَا) اللُّقَطَةُ الَّتِي لَا تُمْلَكُ إذَا أَخَّرْنَا الصَّدَقَةَ بِهَا أَوْ الَّتِي يُخْشَى فَسَادُهَا إذَا أَرَادَ التَّصَدُّقَ بِهَا فَالْمَنْصُوصُ جَوَازُ الصَّدَقَةِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا بَاعَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا رَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَقَالَ: نَقَلَهَا مُهَنَّا، وَرِوَايَةُ مُهَنَّا إنَّمَا هِيَ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِهِ وَخَشِيَ الْبَائِعُ فَسَادَهُ وَهَذَا مِمَّا لَهُ مَالِكٌ مَعْرُوفٌ وَيُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَعْرِفَةِ وَرَثَتِهِ فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ ﵀.
(وَمِنْهَا) اللَّقِيطُ إذَا وُجِدَ مَعَهُ مَالٌ فَإِنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ بِدُونِ إذْنِ حَاكِمٍ ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ مَا يَدُلُّ
стр. 223
عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ حَاكِمٍ، قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْمُودَعِ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجِهِ الْمُسْتَوْدِعَ وَأَهْلِهِ فِي غَيْبَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ هُنَا عَلَى مَعْرُوفٍ فَنَظِيرُهُ مَنْ وَجَدَ طِفْلًا مَعْرُوفَ النَّسَبِ أَبُوهُ غَائِبٌ.
(وَمِنْهَا) الرُّهُونُ الَّتِي لَا تُعْرَفُ أَهْلُهَا نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الصَّدَقَةِ بِهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمَا وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّهُ تَعَذَّرَ إذْنُ الْحَاكِمِ لِمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ أَيْضًا إذَا كَانَ عِنْدَهُ رَهْنٌ وَصَاحِبُهُ غَائِبٌ وَخَافَ فَسَادَهُ يَأْتِي السُّلْطَانَ لِيَأْمُرَ بِبَيْعِهِ وَلَا يَبِيعُهُ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ وَأَقَرُّوا النُّصُوصَ عَلَى وُجُوهِهَا فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ مَعْرُوفًا لَكِنَّهُ غَائِبٌ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَإِنْ جَهِلَ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِدُونِ حَاكِمٍ وَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ لَكِنَّهُ آيِسٌ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ.
(وَمِنْهَا) الْوَدَائِعُ الَّتِي جُهِلَ مَالِكُهَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِدُونِ حَاكِمٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ فُقِدَ وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَى خَبَرِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَرَثَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ حَاكِمًا قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى إطْلَاقِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عِنْدَ تَعَذُّرِ إذْنِ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ مَصْرِفُهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَتَفْرِقَةُ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ مَوْكُولَةٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. انْتَهَى وَالصَّحِيحُ الْإِطْلَاقُ وَبَيْتُ الْمَالِ لَيْسَ بِوَارِثٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ وَإِنَّمَا يُحْفَظُ فِيهِ الْمَالُ الضَّائِعُ فَإِذَا أَيِسَ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهِ فَلَا مَعْنَى لِلْحِفْظِ وَمَقْصُودُ الصَّرْفِ فِي مَصْلَحَةِ الْمَالِكِ تَحْصُلُ بِالصَّدَقَةِ بِهِ عَنْهُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الصَّرْفِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا صَرَفَ عَنْ فَسَادِ بَيْتِ الْمَالِ إلَى غَيْرِ مَصْرِفِهِ وَأَيْضًا فَالْفُقَرَاءُ مُسْتَحِقُّونَ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَإِذَا وَصَلَ لَهُمْ هَذَا الْمَالُ عَلَى غَيْرِ يَدِ الْإِمَامِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَلِهَذَا قُلْنَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إذَا فَرَّقَ الْأَجْنَبِيُّ الْوَصِيَّةَ وَكَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَإِنَّهَا تَقَعُ الْمَوْقِعَ، وَلَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَتَخَرَّجُ جَوَازُ أَخْذِ الْفُقَرَاءِ الصَّدَقَةَ مِنْ يَدِ مَنْ مَالُهُ حَرَامٌ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَأَفْتَى الْقَاضِي بِجَوَازِهِ وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ فَوَكَّلَ فِي دَفْعِهَا ثُمَّ مَاتَ وَجُهِلَ رَبُّهَا وَأَيِسَ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُ الْوَكِيلُ وَوَرَثَةُ الْمُوَكِّلِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ صَاحِبُهَا فِيهِ حَيْثُ يَرَوْنَ أَنَّهُ كَانَ، وَهُمْ ضَامِنُونَ إذَا ظَهَرَ لَهُ وَارِثٌ، وَاعْتِبَارُ الصَّدَقَةِ فِي مَوْضِعِ الْمَالِكِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْغَصْبِ وَفِي مَالِ الشُّبْهَةِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ (يَعْنِي إذَا جُهِلَ الْقَاتِلَ) وَوَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّ الْغُرْمَ لَمَّا اخْتَصَّ بِأَهْلِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الْجَانِي ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْجَانِيَ أَوْ عَاقِلَتَهُ الْمُخْتَصَّيْنِ بِالْغُرْمِ لَا يَخْلُو الْمَكَانُ [مِنْهُمْ] فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ بِالْمَالِ
стр. 224
الْمَجْهُولِ مَالِكُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِأَهْلِ مَكَانِهِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى وُصُولِ الْمَالِ إلَيْهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ وَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ ; لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ كَمَا يُرَاعَى فِي مَوْضِعِ الدِّيَةِ الْغَنِيُّ
(وَمِنْهَا) الْغُصُوبَ الَّتِي جُهِلَ رَبُّهَا فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَيْضًا وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافًا وَطَرَدَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ الْخِلَافَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِبَيْتِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَسْرُوقِ وَنَحْوِهِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ مَاتَ الْمَالِكُ وَلَا وَارِثَ لَهُ يُعْلَمُ فَكَذَلِكَ يُتَصَدَّقُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا.
[تَنْبِيه الدُّيُونُ الْمُسْتَحَقَّةُ كَالْأَعْيَانِ وَجُهِلَ أَصْحَابَهَا]
تَنْبِيهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الدُّيُونُ الْمُسْتَحَقَّةُ كَالْأَعْيَانِ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ مُسْتَحَقِّهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَمَعَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: تَصَدَّقْ عَنِّي بِالدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْكَ لَمْ يَبْرَأْ بِالصَّدَقَةِ عَنْهُ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِهِ مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْمَدْفُوعُ مِلْكًا لَهُ فَإِنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَيَّنُ مِلْكُهُ فِيهِ بِدُونِ قَبْضِهِ أَوْ قَبْضِ وَكِيلِهِ وَفَرَّقَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بَرِئَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ كَالْوَكِيلِ وَخَرَّجَ فِي الْمُجَرَّدِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى بَيْعِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْقَبْضُ مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ وَكَّلَهُ الْمَالِكُ فِي التَّعْيِينِ وَالْقَبْضِ، وَقَدْ أَطْلَقَ هَاهُنَا جَوَازَ الصَّدَقَةِ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا رِوَايَةً ثَانِيَةً بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا أَوْ مَحْمُولًا عَلَى حَالَةِ تَعَذُّرِ وُجُودِ الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ قَدْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ فَقَضَى عَنْهُ دِينَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِهِ فِي الْبَاطِنِ.
وَالثَّانِي: إذَا أَرَادَ مَنْ بِيَدِهِ عَيْنٌ جُهِلَ رَبُّهَا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا وَيَتَصَدَّقَ، بِقِيمَتِهَا عَنْ مَالِكِهَا فَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ الْجَوَازَ فِيمَنْ اشْتَرَى آجُرًّا وَعَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ وَلَا يَعْرِفُ لَهُ أَرْبَابًا أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْآجُرِّ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ إثْمِهِ، وَقَدْ يَتَخَرَّجُ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ جَوَازِ شِرَاءِ التَّوْكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فِيمَنْ لَهُ دَيْنٌ وَعِنْدَهُ رَهْنٌ وَانْقَطَعَ خَبَرُ صَاحِبِهِ وَبَاعَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنْهُ وَيَتَصَدَّقَ بِالْفَاضِلِ أَمْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ فِيهِ اسْتِيفَاءً لِلْحَقِّ بِنَفْسِهِ مِنْ تَحْتَ يَدِهِ وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ جَوَازَهُ مُطْلَقًا وَخَرَّجَهُ مِنْ بَيْعِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ مَوَاضِعَ أُخَرَ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَوَصَفَهُ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ) : مَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَوَصَفَهُ دُفِعَ إلَيْهِ بِالصِّفَةِ إذَا جُهِلَ رَبُّهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدٌ مِنْ جِهَةِ مَالِكِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
(مِنْهَا) اللُّقَطَةُ يَجِبُ دَفْعُهَا إلَى وَاصِفِهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ فَهِيَ لَهُمَا، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ
стр. 225
اسْتَقْصَى أَحَدُهُمَا الصِّفَاتِ وَاقْتَصَرَ الْآخَرُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُجْزِئُ الدَّفْعَ فَوَجْهَانِ يُخَرَّجَانِ مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْفِسَاخِ وَالنِّتَاجِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ.
(وَمِنْهَا) الْأَمْوَالُ الْمَغْصُوبَةُ وَالْمَنْهُوبَةُ وَالْمَسْرُوقَةُ كَالْمَوْجُودَةِ مَعَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِمْ يُكْتَفَى فِيهَا بِالصِّفَةِ.
(وَمِنْهَا) تَدَاعِي الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ دَفْنًا فِي الدَّارِ فَهُوَ لِوَاصِفِهِ مِنْهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ
(وَمِنْهَا) اللَّقِيطُ إذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ أَيُّهُمَا الْتَقَطَهُ وَلَيْسَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَمَنْ وَصَفَهُ مِنْهُمَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ وَجَدَ مَالَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَصْفِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَسُئِلَ أَتَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً؟ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ بَيَانٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَهُ وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ دَفَعَهُ إلَيْهِ الْأَمِيرُ انْتَهَى، وَقَدْ قَضَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِيهَا بِالْعَلَامَةِ الْمَحْضَةِ.
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالتِّسْعُونَ مَا تَدْعُوَا الْحَاجَةُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ وَلَا ضَرَرَ فِي بَذْلِهِ]
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالتِّسْعُونَ) : مَا تَدْعُوَا الْحَاجَةُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَلَا ضَرَرَ فِي بَذْلِهِ لِتَيْسِيرِهِ وَكَثْرَةِ وُجُودِهِ أَوْ الْمَنَافِعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا يَجِبُ بَذْلُهُ مَجَّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الْأَظْهَرِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) الْهِرُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنْهُ. وَمَأْخَذُ الْمَنْعِ مَا ذَكَرْنَا.
(وَمِنْهَا) الْمَاءُ الْجَارِي وَالْكَلَأُ يَجِبُ بَذْلُ الْفَاضِلِ مِنْهُ لِلْمُحْتَاجِ إلَى الشُّرْبِ وَاسِقَاءِ بَهَائِمِهِ وَكَذَلِكَ زُرُوعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْضًا، وَسَوَاءٌ قُلْنَا يَمْلِكُهُ مَنْ هُوَ فِي أَرْضِهِ أَمْ لَا وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَأْخَذَ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ مَا ذَكَرْنَا لَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ بِمِلْكِ الْأَرْضِ فَإِنَّ النُّصُوصَ مُتَكَاثِرَةٌ عَنْ أَحْمَدَ الْجَوْزَقَةِ الْمُبَاحَاتِ النَّابِتَةِ فِي الْأَرْضِ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي اللَّقَّاطِ لَا أَرَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَهُ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ مَعَ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ بِلَا إشْكَالٍ وَلَا يُقَالُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِمَصِيرِهِ مَنْبُوذًا مَرْغُوبًا عَنْهُ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ وَالْبَيْعَ يُنَافِي ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) وَضْعُ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ إذَا لَمْ يَضُرَّ وَكَذَلِكَ إجْرَاءُ الْمَالِ عَلَى أَرْضِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
(وَمِنْهَا) إعَارَةُ الْحُلِيِّ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وُجُوبُهُ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ بَذْلِ الْمَاعُونِ وَهُوَ مَا خَفَّ قَدْرُهُ وَسَهُلَ كَالدَّلْوِ وَالْفَأْسِ وَالْقِدْرِ وَالْمُنْخُلِ وَإِعَارَةِ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَارِثِيِّ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
(وَمِنْهَا) الْمُصْحَفُ تَجِبُ عَلَيْهِ إعَارَتُهُ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى الْقِرَاءَةِ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْ مُصْحَفًا غَيْرَهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي كَلَامٍ مُفْرَدٍ لَهُ أَنَّ الْأَصْحَابَ عَلَّلُوا قَوْلَهُمْ لَا يُقْطَعُ
стр. 226
لِسَرِقَةِ الْمُصْحَفِ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ حَقَّ النَّظَرِ لِاسْتِخْرَاجِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ بَذْلُهُ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَهَذَا تَعْلِيلٌ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ سَرِقَتِهِ وَسَرِقَةِ كُتُبِ السُّنَنِ فَإِنَّهَا مُضَمَّنَةٌ مِنْ الْأَحْكَامِ أَمْثَالُ ذَلِكَ. وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا وَبَذْلُهَا مِنْ الْمَحَاوِيجِ إلَيْهَا مِنْ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَأَهْلِ الْفَتَاوَى وَاجِبٌ عَلَى مَالِكِهَا انْتَهَى.
(وَمِنْهَا) ضِيَافَةُ الْمُجْتَازِينَ. الْمَذْهَبُ وُجُوبُهَا وَأَمَّا إطْعَامُ الْمُضْطَرِّينَ فَوَاجِبٌ لَكِنْ لَا يَجِبُ بَذْلُهُ مَجَّانًا بَلْ بِالْعِوَضِ، وَأَمَّا الْمَنَافِعُ الْمُضْطَرُّ إلَيْهَا كَمَنْفَعَةِ الظَّهْرِ لِلْمُنْقَطِعِينَ فِي الْأَسْفَارِ وَإِعَارَةِ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ فَفِي وُجُوبِ بَذْلِهَا مَجَّانًا وَجْهَانِ وَاخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمُضْطَرَّ إلَى الطَّعَامِ إنْ كَانَ فَقِيرًا وَجَبَ بَذْلُهُ لَهُ مَجَّانًا ; لِأَنَّ إطْعَامَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ فَإِنَّ الْوَاجِبَ مُعَاوَضَتُهُ فَقَطْ وَهَذَا حَسَنٌ، وَحَكَى الْآمِدِيُّ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْمُضْطَرُّ الطَّعَامَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا لِمَنْعِهِ إيَّاهُ.
(وَمِنْهَا) رِبَاعُ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا إجَارَتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِهِ فَقِيلَ ; لِأَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَصَارَتْ وَقْفًا أَوْ فَيْئًا فَلَا مِلْكَ فِيهَا لِأَحَدٍ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَنِي الْخِلَافُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي فَتْحِهَا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَقِيلَ بَلْ ; لِأَنَّ الْحَرَمَ حَرِيمُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخْصِيصَ بِمَكَّةَ وَتَحْجِيرَهُ بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ فِيهِ شَرْعًا وَاحِدًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَمَنْ احْتَاجَ إلَى مَا بِيَدِهِ مِنْهُ سَكَنَهُ وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَجَبَ بَذْلُ فَاضِلِهِ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَهُوَ مَسْلَكُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ وَسَلَكَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَتَرَدَّدَ كَلَامُهُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ فَأَجَازَهُ مَرَّةً كَبَيْعِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ عِنْدَهُ وَيَكُونُ نَقْلًا لِلْيَدِ بِعِوَضٍ وَمَنَعَهُ فِي أُخْرَى إذْ الْأَرْضُ وَأَبْعَاضُ الْبِنَاءِ مِنْ الْحَرَمِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْبَانِي وَإِنَّمَا لَهُ التَّأْلِيفُ وَقَدْ رَجَّحَ بِهِ بِتَقْدِيمِهِ فِي الِانْتِفَاعِ كَمَنْ بَنَى فِي أَرْضٍ مُسَبَّلَةٍ لِلسُّكْنَى بِنَاءً مِنْ تُرَابِهَا وَأَحْجَارِهَا وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ دُونَ الْإِجَارَةِ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ فَقَدْ يَخْتَصُّ الْبَيْعُ بِالْقَوْلِ بِفَتْحِهَا عَنْوَةً لِمَصِيرِ الْأَرْضِ فَيْئًا وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً فَصَارَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا شِرْكًا وَاحِدًا قَالَ وَعُمَرُ إنَّمَا تَرَكَ السَّوَادَ لِذَلِكَ قَالَ: وَلَا يُعْجِبُنِي مَنَازِلَ السَّوَادِ وَلَا أَرْضَهُمْ وَهَذَا نَصٌّ بِكَرَاهَةِ الْمَنْعِ فِي سَائِرِ أَرَاضِي الْعَنْوَةِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَجِبُ الْإِسْكَانُ فِي دُورِ مَكَّةَ إلَّا فِي الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَةِ السَّاكِنِ نَصَّ عَلَيْهِ
[الْقَاعِدَةُ الْمِائَةُ الْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ هَلْ يَلْحَقُ الْوَاجِبُ بِالشُّرُوعِ أَوْ بِالْمَنْدُوبِ]
(الْقَاعِدَةُ الْمِائَةُ) : الْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ. هَلْ يَلْحَقُ الْوَاجِبُ بِالشُّرُوعِ أَوْ بِالْمَنْدُوبِ؟ فِيهِ خِلَافٌ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ:
стр. 227
(مِنْهَا) الْأَكْلُ مِنْ أُضْحِيَّةِ النَّذْرِ وَفِيهِ وَجْهَانِ اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ الْجَوَازَ.
(وَمِنْهَا) فِعْلُ الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا الْجَوَازُ.
(وَمِنْهَا) نَذْرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ كَنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ الْمُلْزِمَ بِالنَّذْرِ هُوَ التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ نَذَرَ صَلَاةً فَهَلْ يُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا سَلِيمَةٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حَمْلًا لَهُ عَلَى وَاجِبِ الشَّرْعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ سَلَّمَهَا مَعَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ وَصَّى بِعِتْقِ رَقَبَةٍ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إلَّا سَلِيمَةً.
[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة بَعْدَ الْمِائَة مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِنِصْفَيْهِمَا]
(الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة بَعْدَ الْمِائَة) : مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِنِصْفَيْهِمَا مَعًا فَهَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ
(مِنْهَا) لَوْ أَعْتَقَ فِي الْكَفَّارَةِ نِصْفَيْ رَقَبَتَيْنِ وَفِيهَا وَجْهَانِ وَقِيلَ إنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا أَجْزَأَ وَجْهًا وَاحِدًا لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ، وَخَرَّجُوا عَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ نِصْفَيْ شَاتَيْنِ وَزَادَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ لَوْ أَهْدَى نِصْفَيْ شَاتَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْهَدْيِ اللَّحْمُ وَلِهَذَا أَجْزَأَ فِيهِ شِقْصٌ مِنْ بَدَنَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ هَاهُنَا.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَخْرَجَ الْجُبْرَانَ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ شَاةً وَعَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ
(وَمِنْهَا) لَوْ كَفَّرَ يَمِينَهُ بِإِطْعَامِ خَمْسَةِ مَسَاكِينَ وَكِسْوَةِ خَمْسَةِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِيهِ وَجْهٌ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَخْرَجَ فِي الْفِطْرَةِ صَاعًا مِنْ جِنْسَيْنِ وَالْمَذْهَبُ الْإِجْزَاءُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ.
(وَمِنْهَا) لَوْ كَفَّرَ فِي مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَإِطْعَامِ أَرْبَعَةِ مَسَاكِينَ فَالْأَظْهَرُ مَنْعُهُ، وَفِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْقَاضِي يُحْتَمَلُ الْجَوَازُ ; لِأَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ أَعْتَقَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ثُلُثَ رَقَبَةٍ وَأَطْعَمَ أَرْبَعَةَ مَسَاكِينَ وَكَسَا أَرْبَعَةً أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَفِيهِ بُعْدٌ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَخْرَجَ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُ حِقَاقٍ وَخَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ أَجْزَأَ بِغَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَنَا ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٍ وَلِأَنَّ هَذِهِ وَاجِبَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَهِيَ كَكَفَّارَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَإِنْ أَخْرَجَ بِتَشْقِيصٍ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْ مِائَتَيْنِ حِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفًا فَهُوَ كَإِخْرَاجِ نِصْفَيْ شَاتَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَنْ أَتَى بِسَبَبٍ يفيد الْمِلْكَ أَوْ الْحِلَّ أَوْ يُسْقِطُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : مَنْ أَتَى بِسَبَبٍ يُفِيدُ الْمِلْكَ أَوْ الْحِلَّ أَوْ يُسْقِطُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ وَكَانَ مِمَّا تَدْعُو النُّفُوسُ إلَيْهِ أَلْغَى ذَلِكَ السَّبَبَ وَصَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ:
стр. 228
مِنْهَا) الْفَارُّ مِنْ الزَّكَاةِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِتَنْقِيصِ النِّصَابِ أَوْ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَوْ صَرَفَ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِ فِي مِلْكِ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْعَقَارِ وَالْحُلِيِّ فَهَلْ يَنْزِلْ مَنْزِلَةَ الْفَارِّ عَلَى وَجْهَيْنِ؟ .
(وَمِنْهَا) الْمُطَلِّقُ فِي مَرَضِهِ لَا يَقْطَعُ طَلَاقُهُ حَقَّ الزَّوْجَةِ مِنْ إرْثِهَا مِنْهُ إلَّا أَنْ تَنْتَفِيَ التُّهَمُ بِسُؤَالِ الزَّوْجَةِ وَنَحْوِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
(وَمِنْهَا) الْقَاتِلُ لِمَوْرُوثِهِ لَا يَرِثُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُتَّهَمًا أَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ وَعُمَدُ الْأَدِلَّةِ وَجْهًا أَنَّهُ مَتَى انْتَفَتْ التُّهْمَةُ كَقَتْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَمْ يَمْتَنِعْ الْإِرْثُ قَالَ وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي.
(وَمِنْهَا) قَتْلُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً عَلَى أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ.
(وَمِنْهَا) السَّكْرَانُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ عَمْدًا يُجْعَلُ كَالصَّاحِي فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فِيمَا عَلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ بِخِلَافِ مَنْ سَكِرَ بِبَنْجٍ أَوْ نَحْوِهِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَزَالَ عَقْلَهُ بِأَنْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَجُنَّ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَدْعُو النُّفُوسُ إلَيْهِ بَلْ فِي الطَّبْعِ وَازِعٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إذَا جُنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
(وَمِنْهَا) تَخْلِيلُ الْخَمْرِ لَا يُفِيدُ حِلَّهُ وَلَا طَهَارَتَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ.
(وَمِنْهَا) ذَبْحُ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لَا يُبِيحُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَذَبْحُ الْمُحِلِّ لِلْمُحْرِمِ لَا يُبِيحُهُ لِلْمُحْرِمِ الْمَذْبُوحِ لَهُ وَفِي حِلِّهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ وَجْهَانِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا ذَبْحُ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ ; لِأَنَّ ذَبْحَهُمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْإِبَاحَةُ لَهُمَا فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ وَلَا إبَاحَةَ بِدُونِ إذْنِهِ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْتَزَمَ تَحْرِيمَهُ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ رِوَايَةً.
[قَاعِدَةٌ مَنْ تَعَجَّلَ حَقَّهُ أَوْ مَا أُبِيحَ لَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ عَلَى وَجْهِ مُحْرِمٍ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ]
وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ (قَاعِدَةٌ) مَنْ تَعَجَّلَ حَقَّهُ أَوْ مَا أُبِيحَ لَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ عَلَى وَجْهِ مُحْرِمٍ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ وَيَدْخُلُ فِيهَا مِنْ مَسَائِلَ:
الْأُولَى مَسْأَلَةُ قَتْلِ الْمَوْرُوثِ وَالْمُوصَى لَهُ (وَمِنْهَا) الْغَالُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ يَحْرُمُ أَسْهُمُهُ مِنْهَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
(وَمِنْهَا) مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ عَلَى رِوَايَةٍ.
(وَمِنْهَا) مَنْ تَزَوَّجَتْ بِعَبْدِهَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا عَلَى التَّأْبِيدِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي أَحْكَامِ الْعَبِيدِ عَنْ الْخَضِرِ بْنِ الْمُثَنَّى الْكِنْدِيِّ عَنْهُ. وَالْخَضِرُ مَجْهُولٌ تَفَرَّدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِرِوَايَةِ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا
(وَمِنْهَا) مَنْ اصْطَادَ صَيْدًا قَبْل أَنْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَإِنْ تَحَلَّلَ حَتَّى يُرْسِلَهُ وَيُطْلِقَهُ.
، وَأَمَّا إذَا قَتَلَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ دَيْنُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ مَاتَ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ.
[الْقَاعِدَة الثَّالِثَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ يَبْنِي بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يَنْقَطِع بِالتَّفَرُّقِ الْيَسِيرِ]
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْفِعْلُ الْوَاحِدُ يُبْنَى بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مَعَ الِاتِّصَالِ الْمُعْتَادِ وَلَا يَنْقَطِعُ بِالتَّفَرُّقِ الْيَسِيرِ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) مُكَاثَرَةُ الْمَاءِ النَّجَسِ الْقَلِيلِ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ يُعْتَبَرُ لَهُ الِاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ دُونَ صَبِّ الْقُلَّتَيْنِ
стр. 229
دُفْعَةً وَاحِدَةً.
(وَمِنْهَا) الْوُضُوءُ إذَا اُعْتُبِرَ حَالَةُ الْمُوَالَاةِ لَمْ يَقْطَعْهُ التَّفَرُّقُ الْيَسِيرُ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْعُرْفِ أَوْ بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(وَمِنْهَا) الصَّلَاةُ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا إذَا سَلَّمَ سَاهِيًا مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ وَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) الْمُسَافِرُ إذَا أَقَامَ مُدَّةَ يَوْمَيْنِ فَهُوَ سَفَرٌ وَاحِدٌ يَنْبَنِي بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ زَادَ لَمْ يَبْنِ.
(وَمِنْهَا) إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ فِي الْمَعْدِنِ التَّرْكَ الْمُعْتَادَ أَوْ لِعُذْرٍ وَلَمْ يَقْصِدْ الْإِهْمَالَ ثُمَّ عَادَ إلَى الِاسْتِخْرَاجِ ضُمَّ الْأَوَّلُ إلَى الثَّانِي فِي النِّصَابِ.
(وَمِنْهَا) الطَّوَافُ إذَا تَخَلَّلَهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ أَوْ جِنَازَةٌ يُبْنَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ قُلْنَا الْمُوَالَاةُ سُنَّةٌ أَوْ شَرْطٌ عَلَى أَشْهَرِ الطَّرِيقَيْنِ لِلْأَصْحَابِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ حَلَفَ لَا أَكَلْت إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فِي يَوْمِي هَذَا فَأَكَلَ مُتَوَاصِلًا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ تَفَرَّقَ التَّفَرُّقَ الْمُعْتَادَ عَلَى الْأَكْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ الْأَكْلِ وَإِنْ قَطَعَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ حَنِثَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَالْآمِدِيُّ، وَقِيَاسُهُ لَوْ حَلَفَ لَا وَطِئَهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّ الْوَطْءَ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَطْءِ التَّامِّ الْمُسْتَدَامِ إلَى الْإِنْزَالِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِيمَنْ رَتَّبَ عَلَى مُطْلَقِ الْوَطْءِ. وَفِي التَّرْغِيبِ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا قَالَ إنْ وَطِئْتُكِ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ وَلَكِنَّ مَنْصُوصَ الْحِنْثِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا أَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَى مَنْ أَكْمَلَ الْوَطْءَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِإِتْمَامِهِ إلَى الْإِنْزَالِ
(وَمِنْهَا) لَوْ أَخْرَجَ السَّارِقُ مِنْ الْحِرْزِ بَعْضَ النِّصَابِ ثُمَّ دَخَلَ وَأَخْرَجَ مَا فِيهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ لَا يَبْلُغُ نِصَابًا فَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا قُطِعَ وَإِنْ طَالَ فَفِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَنْهُ فِي التَّرْغِيبِ وَقَالَ اخْتَارَ بَعْضُ شُيُوخِي أَنَّهُ لَا قَطْعَ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ
(وَمِنْهَا) إذَا تَرَكَ الْمُرْتَضِعُ الثَّدْيَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ فَهِيَ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ وَكَذَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ بِاخْتِيَارِهِ لِتَنَفُّسٍ أَوْ إعْيَاءٍ يَلْحَقُهُ ثُمَّ عَادَ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَهِيَ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ: وَلَوْ انْتَقَلَ مِنْ ثَدْيٍ إلَى آخَرَ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَإِنْ كَانَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ امْرَأَتَيْنِ فَوَجْهَانِ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ نَحْوَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إلَّا فِي صُورَةِ الْمَرْأَتَيْنِ وَذَكَرَ أَنَّهَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَحَكَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا تَكُونُ رَضْعَتَيْنِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ الرِّضَا بِالْمَجْهُولِ قَدْرًا أَوْ جِنْسًا أَوْ وَصْفًا هَلْ هُوَ رِضًا مُعْتَبَرٌ لَازِمٌ]
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الرِّضَا بِالْمَجْهُولِ قَدْرًا أَوْ جِنْسًا أَوْ وَصْفًا هَلْ هُوَ رِضًا مُعْتَبَرٌ لَازِمٌ؟ إنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ عَقْدًا أَوْ فَسْخًا يَصِحُّ إبْهَامُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْوَاعِهِ أَوْ إلَى أَعْيَانِ مَنْ يَرِدُ عَلَيْهِ صَحَّ الرِّضَا بِهِ وَأُلْزِمَ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ، فَالْأَوَّلُ لَهُ صُوَرٌ:
стр. 230
(مِنْهَا) أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ أَوْ بِأَحَدِ الْأَنْسَاكِ فَيَصِحُّ.
(وَمِنْهَا) إذَا طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَاتِهِ فَيَصِحُّ وَتَعَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ فَيَصِحُّ وَيُعَيِّنُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ،.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلَهُ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) إذَا طَلَّقَ بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ مَنْ لَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ وَالْتَزَمَ مُوجَبَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ فَفِي لُزُومِ الطَّلَاقِ لَهُ وَجْهَانِ، وَالْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْأَكْثَرِينَ.
(وَمِنْهَا) إذَا طَلَّقَ الْعَجَمِيُّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ وَلَكِنَّهُ الْتَزَمَ مُوجَبَهُ عِنْدَ الْعَرَبِ فِيهِ الْخِلَافُ.
(وَمِنْهَا) إذَا عَتَقَ الْعَجَمِيُّ أَوْ الْعَرَبِيُّ بِغَيْرِ لُغَتِهِ وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ فَفِيهِ خِلَافٌ وَنَصَّ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعِتْقُ.
(وَمِنْهَا) إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِثْلُ مَا طَلَّقَ فُلَانٌ زَوْجَتَهُ. وَلَمْ يَعْلَمْ فَهَلْ يَلْزَمُهُ مِثْلُ طَلَاقِ فُلَانٍ بِكُلِّ حَالٍ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
(وَمِنْهَا) إذَا قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هِيَ فِيهِ. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَالثَّانِي: تَنْعَقِدُ إذَا لَزِمَهَا وَنَوَاهَا وَبِهِ أَفْتَى أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ فِيمَا حَكَى عَنْهُ ابْنُ بَطَّةَ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَكَانَ أَبِي يَتَوَقَّفُ فِيهَا وَلَا يُجِيبُ فِيهَا بِشَيْءٍ: وَالثَّالِثُ يَنْعَقِدُ فِيمَا عَدَا الْيَمِينِ بِاَللَّهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا تَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُوجَبُهَا نَوَاهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ وَقَالَ: لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْكِتَابَةِ بِالْخَطِّ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ: أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي فَفِي الْخِلَافِ لِلْقَاضِي يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالظِّهَارُ وَالنَّذْرُ نَوَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَذَكَرَهُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالنَّذْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِنَا بِعَدَمِ تَدَاخُلِ كَفَّارَاتِهِمَا. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا بِالتَّدَاخُلِ فَيُجْزِئُهُ لَهُمَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَقِيَاسُ الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي يَمِينِ الْبَيْعَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ حَتَّى يَنْوِيَهُ وَيَلْزَمُهُ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يَعْلَمَهُ أَوْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرِهَا، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُحَرَّرِ لَمْ يَحْكِ خِلَافًا عَلَى اللُّزُومِ هَاهُنَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا ; لِأَنَّ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهُمْ وَلَا سِيَّمَا الْيَمِينُ بِاَللَّهِ وَبِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِخِلَافِ أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ.
(وَمِنْهَا) الْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ صِحَّتُهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَهِلَ الْمُبَرِّئُ قَدْرَهُ وَوَصْفَهُ أَوْ جَهِلَهُمَا مَعًا وَسَوَاءٌ عَرَفَهُ الْمُبَرِّئُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ.
وَالثَّانِيَة: لَا يَصِحُّ إذَا عَرَفَهُ الْمُبَرِّئُ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُبَرِّئُ بِمَعْرِفَتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَفِيهِ تَخْرِيجٌ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ مَعْرِفَتَهُ صَحَّ وَإِنْ ظَنَّ جَهْلَهُ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ غَارٌّ لَهُ.
وَالثَّالِثَةُ لَا يَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَإِنْ جَهِلَاهُ إلَّا فِيمَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ لِلضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحُقُوقِ
стр. 231
فِي الْأَعْرَاضِ وَالْمَظَالِمِ.
(وَمِنْهَا) الْبَرَاءَةُ مِنْ عُيُوبِ الْمَبِيعِ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ مِنْهَا شَيْءٌ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ: وَالثَّانِيَةُ يَبْرَأُ إلَّا مِنْ عَيْبٍ عَلِمَهُ فَكَتَمَهُ لِتَغْرِيرِهِ وَغِشِّهِ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا آخَرَ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا مِنْ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ.
(وَمِنْهَا) إجَازَةُ الْوَصِيَّةِ الْمَجْهُولَةِ وَفِي صِحَّتِهَا وَجْهَانِ.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ فِي إضَافَةِ الْإِنْشَاءَاتِ والإخبارات إلَى الْمُبْهَمَاتِ]
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : فِي إضَافَةِ الْإِنْشَاءَاتِ والإخبارات إلَى الْمُبْهَمَاتِ: أَمَّا الْإِنْشَاءَاتُ فَمِنْهَا الْعُقُودُ وَهِيَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا، عُقُودُ التَّمْلِيكَاتِ الْمَحْضَةِ كَالْبَيْعِ وَالصُّلْحِ بِمَعْنَاهُ وَعُقُودُ التوثقات كَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ وَالتَّبَرُّعَاتِ اللَّازِمَةِ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْقَبْضِ بَعْدَهُ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ. فَلَا يَصِحُّ فِي مُبْهَمٍ مِنْ أَعْيَانٍ مُتَفَاوِتَةٍ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدٍ وَشَاةٍ مِنْ قَطِيعٍ وَكَفَالَةِ أَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَضَمَانِ أَحَدِ هَذَيْنِ الدَّيْنَيْنِ، وَفِي الْكَفَالَةِ احْتِمَالٌ ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَهُوَ كَالْإِعَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَيَصِحُّ فِي مُبْهَمٍ مِنْ أَعْيَانٍ مُتَسَاوِيَةٍ مُخْتَلِطَةٍ كَقَفِيزِ صُبْرَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مُتَمَيِّزَةً مُتَفَرِّقَةً فَفِيهِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي الصِّحَّةُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْخِلَافِ أَنَّهُ يَصِحُّ إجَارَةُ عَيْنٍ مِنْ أَعْيَانٍ مُتَقَارِبَةٍ النَّفْعِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَفَاوَتُ كَالْأَعْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَصُبْرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَجْزَاءِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْبُطْلَانُ كَالْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ.
وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ وَلَهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ وَالثَّانِي: عُقُودُ مُعَاوَضَاتٍ غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ كَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَفِي صِحَّتِهَا عَلَى مُبْهَمٍ مِنْ أَعْيَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ وَفِي الْكِنَايَةِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَذَلِكَ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي.
وَالثَّانِي: لَا تَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ عِوَضَهَا مَالٌ مَحْضٌ
وَالثَّالِثُ: عَقْدُ تَبَرُّعٍ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ فَيَصِحُّ فِي الْمُبْهَمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِمَا دَخَلَهُ مِنْ التَّوَسُّعِ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ وَشَاةٍ مِنْ قَطِيعِهِ وَهَلْ يُعَيِّنُ بِتَعْيِينِ الْوَرَثَةِ أَوْ بِالْقُرْعَةِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمِثْلُهُ عُقُودُ التَّبَرُّعَاتِ كَإِعَارَةِ أَحَدٍ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ وَإِبَاحَةُ أَحَدٍ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ، وَكَذَلِكَ عُقُودُ الْمُشَارَكَاتِ وَالْأَمَانَاتِ الْمَحْضَةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: ضَارِبٌ بِإِحْدَى هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ وَهُمَا فِي كِيسَيْنِ وَدَعْ عَنْكَ الْأُخْرَى عِنْدَكَ وَدِيعَةً، أَوْ ضَارِبٌ مِنْ هَذِهِ الْمِائَةِ بِخَمْسِينَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّمَاثُلُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْإِبْهَامُ فِي التَّمَلُّكِ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ يَئُولُ إلَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ: أَعْطُوا أَحَدَ هَذَيْنِ كَذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْجَعَالَةِ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَئُولُ إلَى الْعِلْمِ كَالْوَصِيَّةِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَعَلَى الصِّحَّةِ يُمَيِّزُ بِالْقُرْعَةِ: وَأَمَّا الْفُسُوخُ فَمَا وُضِعَ مِنْهَا عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ صَحَّ فِي الْمُبْهَمِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَخَرَّجَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَجْهًا فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ كَالْعِتْقِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْرِيرِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ عَقْدُ
стр. 232
تَمْلِيكٍ فَهُوَ بِالْهِبَةِ أَشْبَهُ: وَأَمَّا الْإِخْبَارَاتُ فَمَا كَانَ مِنْهَا خَبَرًا دِينِيًّا أَوْ كَانَ يَجِبُ بِهِ حَقٌّ عَلَى الْمَخْبَرِ قَبْلُ فِي الْمُبْهَمِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ فِيهِ عُذْرُ الِاشْتِبَاهِ فَفِيهِ خِلَافٌ. وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَقِّ عَلَى غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ إخْبَارِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ
وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
(مِنْهَا) لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْإِنَاءَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ قَبْلُ وَصَارَ كَمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِنَجَسٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ، أَوْ أَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ اللَّحْمَيْنِ مَيْتَةٌ وَالْآخَرُ مُذَكَّاةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) الْإِقْرَارُ فَيَصِحُّ الْمُبْهَمُ وَيُلْزَمُ بِتَعْيِينِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَحَدُ هَذَيْنِ مِلْكٌ لِفُلَانٍ، أَوْ لَهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ. وَيَصِحُّ لِلْمُبْهَمِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ أَعْتَقَهُ مَوْرُوثُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهَا تُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ وَدِيعَةٌ وَلَا أَعْلَمُهُ عَيْنًا فَإِنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ وَهُمَا يَدَّعِيَانِهَا فَإِنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلَيْنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا وَقَالَ أَحَدُهُمَا: اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةٍ، وَقَالَ: الْآخَرُ بِمِائَتَيْنِ وَأَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ بِمِائَتَيْنِ وَلَمْ يُعَيِّنْ، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ وَكَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَلَا اعْتِبَارَ بِهَذِهِ الْيَدِ لِلْعِلْمِ بِمُسْتَنِدِهَا. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ فَتَكُونُ الْعَيْنُ لِصَاحِبِهَا وَمَعَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ.
(وَمِنْهَا) الدَّعْوَى بِالْمُبْهَمِ فَإِنْ كَانَتْ بِمَا يَصِحُّ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ مُبْهَمًا كَالْوَصِيَّةِ وَالْعَبْدِ الْمُطْلَقِ فِي الْمُبْهَمِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَأَلْحَقَ أَصْحَابُنَا الْإِقْرَارَ بِذَلِكَ قَالَ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ دَعْوَى الْإِقْرَارِ بِالْمَعْلُومِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَقِّ وَلَا مُوجَبِهِ فَكَيْفَ بِالْمَجْهُولِ.
وَأَمَّا الدَّعْوَى عَلَى الْمُبْهَمِ فَلَا تَصِحُّ وَلَا تُسْمَعُ وَلَا يَثْبُتُ بِهَا قَسَامَةٌ وَلَا غَيْرُهَا. فَلَوْ قَالَ: قَتَلَ أَبِي أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ لَمْ يُسْمَعْ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْمَعَ لِلْحَاجَةِ فَإِنْ مِثْلَهُ يَقَعُ كَثِيرًا وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ: وَكَذَلِكَ وَالْقَبَاءِ فِي دَعْوَى الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ وَالسَّرِقَةِ وَلَا يَجْرِي فِي الْإِقْرَارِ وَالْبَيْعِ إذَا قَالَ: نَسِيت ; لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ.
(وَمِنْهَا) الشَّهَادَةُ بِالْمُبْهَمِ فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ [يَصِحُّ] مُبْهَمًا صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لَا سِيَّمَا الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تَصِحُّ بِدُونِ دَعْوَى فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلدَّعْوَى فِي الْحُكْمِ، أَمَّا إنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَبْطَلَ وَصِيَّةً مُعَيَّنَةً وَادَّعَتْ نِسْيَانَ عَيْنِهَا فَفِي الْقَبُولِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ عَنْ أَحَدِ الْوَصِيَّتَيْنِ مُطْلَقًا وَكَذَلِكَ حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ
стр. 233
أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ يَتِيمٍ أَلْفًا وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخَذَهَا يَأْخُذُ الْوَلِيُّ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا صُدِّقَ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِهَا.
[فَصْلٌ لَوْ تَعَلَّقَ الْإِنْشَاءُ بِاسْمٍ لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مُسَمَّاهُ]
" فَصْلٌ " وَلَوْ تَعَلَّقَ الْإِنْشَاءُ بِاسْمٍ لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مُسَمَّاهُ لِوُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فِي الْبَاطِنِ مُعَيَّنًا فَهُوَ كَالتَّصْرِيحِ بِالْإِبْهَامِ وَإِنْ نَوَى بِهِ مُعَيَّنًا فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الشَّهَادَةُ صَحَّ وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْإِخْبَارُ تَابِعٌ لِلْإِنْشَاءِ فِي ذَلِكَ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
(مِنْهَا) وُرُودُ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى اسْمٍ لَا يَتَمَيَّزُ مُسَمَّاهُ وَلَا يَصِحُّ. فَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكِ بِنْتِي وَلَهُ بَنَاتٌ لَمْ يَصِحَّ، وَأَمَّا إنْ عَيَّنَا فِي الْبَاطِنِ وَاحِدَةً وَعَقَدَا الْعَقْدَ عَلَيْهَا بِاسْمٍ غَيْرِ مُمَيَّزٍ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: بِنْتِي وَلَهُ بَنَاتٌ أَوْ يُسَمِّيَهَا بِاسْمٍ وَيَنْوِيَا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُسَمَّاهُ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ اخْتَارَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ الصِّحَّةِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْبُطْلَانَ، وَمَأْخَذُهُ أَنَّ النِّكَاحَ يُشْتَرَطُ لَهُ الشَّهَادَةُ وَيَتَعَذَّرُ الْإِشْهَادُ عَلَى النِّيَّةِ. وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ إنْ كَانَتْ الْمُسَمَّاةُ غَلَطًا لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا لِكَوْنِهَا مُزَوَّجَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ صَحَّ النِّكَاحُ وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي غَيْرِ النِّكَاحِ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الشَّهَادَةُ فَإِنْ قُلْنَا فِي النِّكَاحِ يَصِحُّ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا فِي النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ فَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ مَنْ عَلَّلَ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَصِحَّ فِي غَيْرِهِ مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِصِحَّتِهَا.
(وَمِنْهَا) الْوَصِيَّةُ لِجَارِهِ مُحَمَّدٍ وَلَهُ جَارَانِ بِهَذَا الِاسْمِ فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنْ يُعْلَمَ بِقَرِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَنَّهُ أَرَادَ وَاحِدًا مِنْهُمَا مُعَيَّنًا وَأَشْكَلَ عَلَيْنَا مَعْرِفَتُهُ فَهَهُنَا يَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ وَيَخْرُجُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ فِي اشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمَالِ بِغَيْرِهِ مِنْ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَالسِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُطَلِّقَ وَقَدْ يَذْهَلُ عَنْ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ لِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا، وَكَذَلِكَ حَكَى الْأَصْحَابُ فِي الصِّحَّةِ رِوَايَتَيْنِ وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ الصِّحَّةُ.
قَالَ صَالِحٌ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَلَهُ ثَلَاثَةُ غِلْمَانٍ ثَلَاثَتُهُمْ اسْمُهُمْ فَرَجٌ فَوَصَّى عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ فَرَجٌ حُرٌّ وَفَرَجٌ لَهُ مِائَةٌ وَفَرَجٌ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ. قَالَ أَبِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ حُرٌّ وَأَمَّا صَاحِبُ الْمِائَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَبْدٌ وَالْعَبْدُ هُوَ وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ مَعَ اشْتَرَاكِ الِاسْمِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَّلَ الْبُطْلَانَ هَهُنَا لِكَوْنِهِ عَبْدًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُرًّا لَاسْتَحَقَّ، وَزَعَمَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّ رِوَايَةَ صَالِحٍ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ وَخَالَفَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فِي رَجُلٍ لَهُ غُلَامَانِ اسْمُهُمَا وَاحِدٌ فَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: فُلَانٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي لِأَحَدِ الْغُلَامَيْنِ وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَفُلَانٌ لَيْسَ هُوَ حُرٌّ وَاسْمُهُمَا وَاحِدٌ، فَقَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ حُرٌّ وَأَمَّا صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَبْدٌ وَالْعَبْدُ وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ وَهَذِهِ لَا تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ صَالِحٍ لَكِنَّ السُّؤَالَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَتَيْنِ هُوَ الْعَتِيقُ وَالْجَوَابُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَمِنْ
стр. 234
ثُمَّ زَعَمَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ لِلْإِبْهَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَّلَ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَمْ يُعْتَقْ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَصِحَّ لِكَوْنِهِ عَبْدًا حَالَ الْإِيصَاءِ وَلَا يَكْفِي حُرِّيَّتُهُ حَالَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَجَوَابُ أَحْمَدَ إنَّمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالدَّرَاهِمِ غَيْرُ الْمُعْتِقِ. وَنَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ غِلْمَانٍ اسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَجٌ، فَقَالَ: فَرَجٌ حُرٌّ وَلِفَرَجٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ.
قَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ فَهُوَ حُرٌّ وَاَلَّذِي أَوْصَى لَهُ بِالْمِائَةِ لَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا مِيرَاثٌ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا حَيْثُ عَلَّلَ فِيهَا بِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِكَوْنِ الْعَبْدِ الْمُوصَى لَهُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي سَاقَهَا الْخَلَّالُ فِي الْجَامِعِ وَكُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى الصِّحَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَسَاقَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالدَّرَاهِمِ هُوَ الْمُعْتَقُ وَأَنَّ أَحْمَدَ صَحَّحَ الْوَصِيَّةَ لَهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَأَبْطَلَهَا فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِالصِّحَّةِ أَقُولُ، وَفِي الْخَلَّالِ أَيْضًا عَنْ مُهَنَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ أَصْحَابِ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَحَالَهُ بِهَا وَالشُّهُودُ لَا يَعْرِفُونَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ كَيْفَ يَصْنَعُونَ وَقَدْ مَاتَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: يَنْظُرُونَ فِي أَصْحَابِ فُلَانٍ فِيهِمْ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ أَصْحَابِ فُلَانٍ؟ قُلْت: فَإِنْ جَاءَ رَجُلَانِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ أَصْحَابِ فُلَانٍ قَالَ: فَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِمَا شَيْئًا حَتَّى يَكُونَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَتَوَقَّفْ فِي الدَّفْعِ إلَّا لِيَتَيَقَّنَ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ غَيْرِهِ لَا لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا هَهُنَا لِمُعَيَّنٍ فِي نَفْسٍ وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا لِاشْتِرَاكِ الِاسْمَيْنِ فَلِذَلِكَ وُقِفَ الدَّفْعُ عَلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْمُسْتَحِقِّ إذَا رُجِيَ انْكِشَافُ الْحَالِ وَأَمَّا مَعَ الْإِيَاسِ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ تَعْيِينَ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقُرْعَةِ قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ الْحَقُّ.
(وَمِنْهَا) اشْتِبَاهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا كَتَبَ الْقَاضِي إلَى قَاضِي بَلَدٍ آخَرَ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْمُسَمَّى الْمَوْصُوفِ كَذَا. فَأَحْضَرَهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِالصِّفَةِ وَالنَّسَبِ فَادَّعَى أَنَّ لَهُ مُشَارِكًا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمٌ عَلَيْهِ وَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّ لَهُ مُشَارِكًا فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَالنَّسَبِ وُقِفَ حَتَّى يُعْلَمَ الْخَصْمُ مِنْهُمَا وَلَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ. أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي الْمَكْتُوبُ فِيهِ حَيَوَانًا أَوْ عَبْدًا مَوْصُوفًا وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُشَارِكٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى الْمُدَّعِي مَخْتُومُ الْعِتْقِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ حَتَّى يَأْتِيَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ فَيَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى عَيْنِهِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ، وَإِنْ يَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحَاكِمِ الَّذِي سَلَّمَهُ وَيَكُونُ فِي ضَمَانِ الَّذِي أَخَذَهُ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسَلَّمُ
стр. 235
إلَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ الْحُرَّ قَدْ طَابَقَ قَوْلَ الْمُدَّعِي اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَصِفَتَهُ فَيَبْعُدُ الِاشْتِرَاكُ، وَالْعَبْدُ وَالْحَيَوَانُ إنَّمَا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ فِي وَصْفِهِ أَوْ فِي وَصْفِهِ وَاسْمِهِ وَالْوَصْفُ كَثِيرُ الِاشْتِبَاهِ وَكَذَلِكَ الِاسْمُ وَنَظِيرُ هَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِي شَهَادَةِ الْأَعْمَى أَنَّهُ إنْ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ عَرَفَهُ بِرُؤْيَتِهِ قَبْلَ عَمَاهُ فَوَصَفَهُ فَفِي قَبُولِهَا وَجْهَانِ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُجَرَّدَ يَحْصُلُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ اسْمُهُمَا وَاحِدٌ فَوَهَبَ لِإِحْدَاهُمَا شَيْئًا أَوْ أَقَرَّ لَهَا ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَقَالَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ إخْرَاجُ الْمُسْتَحَقَّةِ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ، وَهَذَا صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالْإِقْرَارَ هُنَا وَقَعَ لِمَعْنًى فِي الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَيُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ وُجِدَ فِي كِتَابِ وَقْفٍ أَنَّ رَجُلًا وَقَفَ عَلَى فُلَانٍ وَبَنِي بَنِيهِ وَاشْتَبَهَ هَلْ الْمُرَادُ بَنِي بَنِيهِ (جَمْعُ ابْنٍ) أَوْ بَنِي بَنِيهِ (وَاحِدَةُ الْبَنَاتِ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا لِتُسَاوِيهِمَا كَمَا فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ هَذَا تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ تَرَدُّدِ الْبَيِّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَوْ كَانَ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَالْقِسْمَةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ إمَّا التَّسَاقُطُ وَإِمَّا الْقُرْعَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ هَهُنَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَجَّحَ بَنُو الْبَنِينَ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِ بَنِيهِ لَا يَخُصُّ مِنْهُمَا الذُّكُورَ بَلْ يَعُمُّ أَوْلَادَهُمَا بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى وَلَدِ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ يَخُصُّ ذُكُورَهُمْ كَثِيرًا كَآبَائِهِمْ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ وَلَدَ الْبِنْتِ لَسَمَّاهَا بِاسْمِهَا أَوْ لَشَرَكَ بَيْنَ وَلَدِهَا وَوَلَدِ سَائِرِ بَنَاتِهِ، قَالَ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ. وَأَفْتَى ﵀ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَحَدِ أَوْلَادِهِ وَلَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ وَجَهِلَ اسْمَهُ أَنَّهُ يُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ.
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ يَنْزِل الْمَجْهُولُ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَهُ]
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) يَنْزِل الْمَجْهُولُ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَهُ إذَا يَئِسَ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ شَقَّ اعْتِبَارُهُ وَذَلِكَ فِي مَسَائِلَ:
(مِنْهَا) الزَّائِدُ عَلَى مَا تَجْلِسُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ أَوْ غَالِبِهِ إلَى مُنْتَهَى أَكْثَرِهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ حَيْثُ حَكَمْنَا فِيهَا لِلْمَرْأَةِ بِأَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ كُلِّهَا فَإِنَّ مُدَّةَ الِاسْتِحَاضَةِ تَطُولُ وَلَا غَايَةَ لَهَا تُنْتَظَرُ بِخِلَافِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَقَلِّ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ حَيْثُ تَقْضِي الصَّوْمَ الْوَاقِعَ فِيهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِالتَّكْرَارِ ; لِأَنَّ أَمْرَهُ يَنْكَشِفُ بِالتَّكْرَارِ عَنْ قُرْبٍ. وَكَذَلِكَ النِّفَاسُ الْمَشْكُوكُ
стр. 236
فِيهِ تَقْضِي فِيهِ الصَّوْمَ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ
(وَمِنْهَا) اللُّقَطَةُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنَّهَا تَتَمَلَّكُ لِجَهَالَةِ رَبِّهَا وَمَا لَا يُتَمَلَّكُ مِنْهَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ الْوَدَائِعُ وَالْغُصُوبُ وَنَحْوُهَا.
(وَمِنْهَا) مَالُ مَنْ لَا يُعْلَمُ لَهُ وَارِثٌ فَإِنَّهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالضَّائِعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بَنِي عَمٍّ أَعْلَى إذْ النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ فَمَنْ كَانَ أَسْبِقَ إلَى الِاجْتِمَاعِ مَعَ الْمَيِّتِ فِي أَبٍ مِنْ آبَائِهِ فَهُوَ عَصَبَتُهُ وَلَكِنَّهُ مَجْهُولٌ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ. وَجَازَ صَرْفُ مَالِهِ فِي الْمَصَالِحِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَوْلًى مُعْتَقٌ لَوَرِثَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى هَذَا الْمَجْهُولِ. وَلَنَا رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ إرْثًا لِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ اشْتِبَاهَ الْوَارِثِ بِغَيْرِهِ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْإِرْثِ لِلْكُلِّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ إرْثٌ فِي الْبَاطِنِ لِمُعَيَّنٍ فَيُحْفَظُ مِيرَاثُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ لِلْجَهْلِ بِمُسْتَحَقِّهِ عَيْنًا فَهُوَ وَالْأَوَّلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ اقْتِصَاصِ الْإِمَامِ مِمَّنْ قَتَلَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: مِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ هَلْ هُوَ وَارِثٌ أَمْ لَا؟ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ لَهُمْ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ وَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ وَارِثٌ ; لِأَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْغَائِبُ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ الِاقْتِصَاصُ. وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِوَارِثٍ ; لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ وَنَظَرَهُ فِي الْمَصَالِحِ قَائِمٌ مَقَامَ الْوَارِثِ وَهُوَ مَأْخَذُ ابْنِ الزاغوني.
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِنِسَاءِ أَهْلِ مِصْرَ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ نِسَائِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّحَرِّي فِي ذَلِكَ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِلَحْمِ أَهْلِ مِصْرَ أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ اشْتَبَهَ حَرَامٌ قَلِيلٌ بِمُبَاحٍ كَثِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الْحَرَامُ وَيَغْلِبَ فَيُخَرِّجُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ كَثِيَابِ الْكُفَّارِ وَأَوَانَيْهِمْ.
(وَمِنْهَا) طِينُ الشَّوَارِعِ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
(وَمِنْهَا) إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَأُنْسِيهَا فَإِنَّهَا تُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ الْبَوَاقِي عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْ إمَائِهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَأُنْسِيهِ ثُمَّ عَيَّنَهُ بِقِرَانٍ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ الْحَجِّ، وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ الْعُمْرَةِ؟ وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُجْزِئُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ لَا، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ بِنِيَّةِ الْقِرَانِ فَلَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ.
وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ مَعَ الْعِلْمِ فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهِ فَلَا تَنْزِيلًا لِلْمَجْهُولِ كَالْمَعْدُومِ فَكَأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْإِحْرَامَ بِهِمَا مِنْ حِينِ التَّعْيِينِ.
[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ تَمْلِيكُ الْمَعْدُومِ]
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : تَمْلِيكُ الْمَعْدُومِ، وَالْإِبَاحَةُ لَهُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَيَصِحُّ فِي الْوَقْفِ وَالْإِجَازَةِ وَهَذَا إذَا صَرَّحَ بِدُخُولِ الْمَعْدُومِ فَأَمَّا
стр. 237
إنْ لَمْ يُصَرِّحْ وَكَانَ الْمَحِلُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَعْدُومَ فَفِي دُخُولِهِ خِلَافٌ، وَكَذَا لَوْ انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى قَوْمٍ فَحَدَثَ مَنْ يُشَارِكُهُمْ
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ:
(مِنْهَا) الْإِجَازَةُ لِفُلَانٍ وَلِمَنْ يُولَدُ لَهُ فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي دَاوُد [وَهُوَ] مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ أَجَازَ لِشَخْصٍ وَوَلَدِهِ وَلِحَبَلِ الْحَبَلَةِ
(وَمِنْهَا) الْإِجَازَةُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ ابْتِدَاءً فَأَفْتَى الْقَاضِي فِيهَا بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ. وَقِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الْوَقْفِ عَدَمُ الصِّحَّةِ.
(وَمِنْهَا) الْوَقْفُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ فَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ فِي الْحَالِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْعَبْدِ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ الْوَقْفُ إنَّمَا يَكُونُ أَنْ يُوقِفَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَقَارِبِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ مَنْ رَأَى قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ ظَاهِرُهُ يُعْطَى صِحَّةُ الْوَقْفِ ابْتِدَاءً عَلَى مَنْ يُولَدُ لَهُ أَوْ مَنْ يُوجَدُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَهَذَا عِنْدِي وَقْفٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ. انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَنْ يَكُونُ [مَوْجُودًا] مِنْ أَقَارِبِهِ فَيَكُونُ كَانَ نَاقِصَةً وَخَبَرُهَا مَحْذُوفًا.
(وَمِنْهَا) الْوَقْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَبَدًا أَوْ مَنْ يُولَدُ لَهُ فَيَصِحُّ بِغَيْرِ إشْكَالٍ نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ مَوْجُودُونَ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ آخَرُ فَفِي دُخُولِهِ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ دُخُولُهُ فِي الْمَوْلُودِ قَبْلَ تَأْبِيرِ النَّخْلِ وَقَدْ سَبَقَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الزاغوني.
(وَمِنْهَا) لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِمْ أَبَدًا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَكَانَ فِي دَرَجَتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ اثْنَانِ مَثَلًا فَتَنَاوَلَا نَصِيبَهُ ثُمَّ حَدَثَ ثَالِثٌ فَهَلْ يُشَارِكُهُمْ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا وَالدُّخُولُ هُنَا أَوْلَى وَبِهِ أَفْتَى الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيَّ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَوْلَادِ قَدْ يُلْحَظُ فِيهِمْ أَعْيَانُ الْمَوْجُودِينَ عِنْدَ الْوَقْفِ بِخِلَافِ الدَّرَجَةِ وَالطَّبَقَةِ فَإِنَّهُ لَا يُلْحَظُ فِيهِ إلَّا مُطْلَقُ الْجِهَةِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ حَدَثَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْ الْمَوْجُودِينَ وَكَانَ فِي الْوَقْفِ اسْتِحْقَاقُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، فَإِنَّهُ يَفْتَرِغُهُ مِنْهُمْ. وَأَمَّا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ لِمَعْدُومٍ بِالْأَصَالَةِ كَمَنْ [أَوْصَى] بِحَمْلِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَفِي دُخُولِ الْمُتَجَدِّدِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَقَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي رِوَايَتَانِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ وَصَّى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مُدَبَّرُونَ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُمْ مَوَالٍ حَالَ الْمَوْتِ وَالْوَصِيَّةُ تُعْتَبَرُ بِحَالِ الْمَوْتِ وَخَرَّجَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُتَجَدِّدِ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْمَوْتِ.
قَالَ: بَلْ هَذَا مُتَجَدِّدٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَنْعُهُ أَوْلَى وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَتَوَجَّهُ إنْ عَلَّقْنَا الْوَصِيَّةَ بِصِدْقِ الِاسْمِ فَأَمَّا إنْ كَانَ قَصْدُ الْمُوصِي
стр. 238
الْوَصِيَّةَ لِأَعْيَانِ رَقِيقِهِ وَسَمَّاهُمْ بِاسْمٍ يَحْدُثُ لَهُمْ الْجُوعِ يَسْتَحِقُّونَ الْوَصِيَّةَ بِغَيْرِ تَوَقُّفٍ. وَأَفْتَى الشَّيْخُ أَيْضًا بِدُخُولِ الْمَعْدُومِ فِي الْوَصِيَّةِ تَبَعًا كَمَنْ وَصَّى بِغَلَّةِ ثَمَرِهِ لِلْفُقَرَاءِ إلَى أَنْ يَحْدُثَ لِوَلَدِهِ وَلَدٌ فَيَكُونَ، وَهُوَ لَهُ قَرِيبٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ بِشَرْطٍ آخَرَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ فِي سِكَّةِ فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا فَسَكَنَهَا قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَالَ: إنَّمَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلَّذِينَ كَانُوا، ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: فَيُشْبِهُ هَذَا الْكُورَةَ قَالَ: لَا الْكُورَةُ وَكَثْرَةُ أَهْلِهَا خِلَافُ هَذَا الْمَعْنَى يَنْزِلُ قَوْمٌ وَيَخْرُجُ قَوْمٌ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ.
فَفَرَّقَ بَيْنَ الْكُورَةِ وَالسِّكَّةِ ; لِأَنَّ الْكُورَةَ لَا يَلْحَظُ الْمُوصِي فِيهَا قَوْمًا مُعَيَّنِينَ لِعَدَمِ انْحِصَارِ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَفْرِيقُ الْوَصِيَّةِ الْمُوصَى بِهَا فَيُسْتَحَقُّ الْمُتَجَدِّدُ فِيهَا بِخِلَافِ السِّكَّةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَلْحَظُ أَعْيَانَ سُكَّانِهَا الْمَوْجُودِينَ لِحَصْرِهِمْ. يُفَارِقُ الْوَقْفَ فِي ذَلِكَ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسٌ وَتَسْبِيلٌ الْيَتِيمَةِ الْمُتَجَدِّدَ مِنْ الطِّبَاقِ فَكَذَا الطَّبَقَةُ الْوَاحِدَةُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فَيَسْتَدْعِي مَوْجُودًا فِي الْحَالِ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَا جُهِلَ وُقُوعُهُ مُتَرَتِّبًا أَوْ مُتَقَارِنًا هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالتَّقَارُنِ أَوْ بِالتَّعَاقُبِ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : مَا جُهِلَ وُقُوعُهُ مُتَرَتِّبًا أَوْ مُتَقَارِنًا هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالتَّقَارُنِ أَوْ بِالتَّعَاقُبِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْمَذْهَبُ الْحُكْمُ بِالتَّعَاقُبِ لِبُعْدِ التَّقَارُنِ. وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) الْمُتَوَارِثَانِ إذَا مَاتَا جُمْلَةً بِهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ طَاعُونٍ وَجُهِلَ تَقَارُنُ مَوْتِهِمَا وَتَعَاقُبُهُ حَكَمْنَا بِتَعَاقُبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ، وَوَرَّثْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ مِنْ تِلَادِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنْ صَاحِبِهِ. وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى بِعَدَمِ التَّوَارُثِ لِلشَّكِّ فِي شَرْطِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ سَبْقَ أَحَدِهِمَا بِالْمَوْتِ وَجَهِلَ عَيْنَهُ أَوْ عَلِمَ عَيْنَهُ ثُمَّ نَسِيَ عَلَى الْمَذْهَبِ لَكِنَّ هَذَا يَسْتَنِدُ إلَى أَنَّ تَيَقُّنَ الْحَيَاةِ لَا يُشْتَرَطُ لِلتَّوْرِيثِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أُقِيمَ فِي الْمِصْرِ جُمُعَتَانِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَشَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا فَيُبْطَلَانِ وَتُعَادُ الْجُمُعَةُ، أَوْ أَحْرَمَ بِهِمَا مُتَرَتِّبَتَيْنِ فَتُصَلَّى الظُّهْرُ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا تُعَادُ الظُّهْرُ ; لِأَنَّ التَّقَارُنَ مُسْتَبْعَدٌ وَعَلَى الثَّانِي تُعَادُ الْجُمُعَةُ إمَّا لِاحْتِمَالِ الْمُقَارَنَةِ أَوْ تَنْزِيلًا لِلْمَجْهُولِ كَالْمَعْدُومِ.
(وَمِنْهَا) إذَا زَوَّجَ وَلِيَّانِ وَجُهِلَ هَلْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ مَعًا فَيَبْطُلَانِ أَوْ مُتَرَتِّبَيْنِ فَيُصَحَّحُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا:
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلَانِ لِاحْتِمَالِ التَّقَارُنِ وَالثَّانِي لِاسْتِبْعَادِهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الْكَافِرَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَاخْتَلَفَا هَلْ أَسْلَمَا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي التَّقَارُنِ فَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ أَوْ مُدَّعِي التَّعَاقُبِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ يَرْجِعَانِ إلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.
(وَمِنْهَا) إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ فَادَّعَى رَجُلَانِ كُلًّا مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ وَلَمْ يُؤَرِّخَا فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدَانِ
стр. 239
وَيَلْزَمُهُ الثُّمُنَانِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْدَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَحَدُّ اسْتِرْجَاعِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا أَوْ يَتَعَارَضُ الْبَيِّنَتَانِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَقْدًا وَاحِدًا فَيَسْقُطَانِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمَنْعُ مِنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَعْيَانٍ أَوْ مُعَيَّنٍ مُشْتَبِهَةٍ]
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْمَنْعُ مِنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَعْيَانٍ أَوْ مُعَيَّنٍ مُشْتَبِهَةٍ بِأَعْيَانٍ يُؤَثِّرُ الِاشْتِبَاهُ فِيهَا الْمَنْعَ بِمَنْعِ التَّصَرُّفِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْجَمْعِ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْجَمْعُ خَاصَّةً، فَإِنْ حَصَلَ الْجَمْعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً مُنِعَ مِنْ الْجَمِيعِ مَعَ التَّسَاوِي، فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يَصِحَّ وُرُودُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا عَكْسَ اخْتَصَّ الْفَسَادُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمَنْعُ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ كَالْمَنْعِ مِنْ الْجَمِيعِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، فَلِلْأَوَّلِ أَمْثِلَةٌ:
(مِنْهَا) إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً مُنِعَ مِنْ وَطْءِ زَوْجَاتِهِ حَتَّى يُمَيِّزَ بِالْقُرْعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يُمَيِّزُهَا بِتَعْيِينِهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَعْتَقَ أَمَةً مِنْ إمَائِهِ مُبْهَمَةً مُنِعَ مِنْ وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى تُمَيَّزَ الْمُعْتَقَةُ بِالْقُرْعَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ بِالتَّعْيِينِ.
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَبَهَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا بِزَوْجَاتِهِ مُنِعَ مِنْ وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يُمَيِّزَ الْمُطَلَّقَةَ وَيُمَيِّزَهَا بِالْقُرْعَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ مُنِعَ مِنْ التَّزَوُّجِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ أُخْتَهُ مِنْ غَيْرِهَا.
(وَمِنْهَا) إذَا اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْأَكْلِ مِنْهُمَا حَتَّى يَعْلَمَ الْمُذَكَّاةَ.
(وَمِنْهَا) اشْتِبَاهُ الْآنِيَةِ النَّجِسَةِ بِالطَّاهِرَةِ يُمْنَعُ مِنْ الطَّهَارَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَلَى الظَّاهِرِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً فَاخْتَلَطَتْ فِي تَمْرٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ أَكْلِ تَمْرَةٍ مِنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ عَيْنَ التَّمْرَةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ بِأَكْلِ وَاحِدَةٍ.
(وَمِنْهَا) لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَاتِهِ أَنْ لَا يَطَأَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَنَوَى وَاحِدَةً مُبْهَمَةً فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ حَتَّى يُمَيِّزَهَا بِالْقُرْعَةِ وَقِيلَ بِتَعْيِينِهِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَعْطَيْنَا الْأَمَانَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنٍ أَوْ أَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ثُمَّ تَدَاعَوْهُ حَرُمَ قَتْلُهُمْ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَعَ التَّدَاعِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ وَيُرَقُّ الْبَاقُونَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَالْخِرَقِيِّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي رِوَايَتِهِ إلْحَاقًا لَهُ بِاشْتِبَاهِ الْمُعْتَقِ بِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الْوَلَدَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ وَلَدُهُ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُوجِدْهُ قَافَةٌ فَإِنَّا نُقْرِعُ لِإِخْرَاجِ الْحُرِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرَّ الْأَصْلِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْحِصْنِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ رِقٌّ فَإِرْقَاقُهُمْ إلَّا وَاحِدٌ يُؤَدِّي إلَى ابْتِدَاءِ الْإِرْقَاقِ مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَحَدُ الْمُشْتَبَهِينَ رَقِيقًا فَأُخْرِجَ غَيْرُهُ بِالْقُرْعَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُسْتَدَامُ الرِّقُّ مَعَ
стр. 240
الشَّكِّ فِي زَوَالِهِ
وَلِلثَّانِي أَمْثِلَةٌ:
(مِنْهَا) إذَا مَلَكَ أُخْتَيْنِ أَوْ أُمًّا وَبِنْتًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّ لَهُ الْإِقْدَامَ عَلَى وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً فَإِذَا فَعَلَ حَرُمَتْ الْأُخْرَى، وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَحْرُمَ الْأُخْرَى، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى تَحْرِيمِ إحْدَاهُمَا مُبْهَمَةً وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْجَمْعُ
(وَمِنْهَا) إذَا وَطِئَ الْأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى يَمْتَنِعُ مِنْ وَطْئِهِمَا جَمِيعًا حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا لِثُبُوتِ صَبِيَّاتٍ جَمِيعًا؟ أَمْ تُبَاحُ لَهُ الْأُولَى إذَا اسْتَبْرَأَ الثَّانِيَةَ ; لِأَنَّهُمَا أَخَصُّ بِالتَّحْرِيمِ حَيْثُ كَانَ الْجَمْعُ حَاصِلًا بِوَطْئِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ هَاهُنَا الْأَوَّلُ لِثُبُوتِ الْفِرَاشِ لَهُمَا جَمِيعًا فَيَكُونُ الْمَمْنُوعُ مِنْهُمَا وَاحِدَةً مُبْهَمَةً.
(وَمِنْهَا) إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمْنَ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ وَطْءَ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ وَيَكُونُ اخْتِيَارًا مِنْهُ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَكَلَامُ الْقَاضِي قَدْ يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمِيعِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الْأَرْبَعِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكُنَّ، وَقُلْنَا لَا تَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فَأَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُوَالِيًا حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا فَيَصِيرَ حِينَئِذٍ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَأَبِي الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ فَلَا تَكُونُ يَمِينُهُ مَانِعَةً بِخِلَافِ مَا إذَا وَطِئَ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ الرَّابِعَةِ بِدُونِ حِنْثٍ.
وَالثَّانِي: هُوَ مُوَلٍّ فِي الْحَالِ مِنْ الْجَمِيعِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ، وَقَالَ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ عَلَى مَا يَتِمُّ بِهِ مُسَمَّاهَا حِنْثٌ أَوْ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَجْزَاءِ فِي حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ دُونَ الِانْفِرَادِ فَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْجَمِيعِ وَيَتَوَقَّفُ حِنْثُهُ بِوَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى وَطْءِ الْبَوَاقِي مَعَهَا.
(وَمِنْهَا) إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَفِي التَّعْلِيقِ لِلْقَاضِي يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ الْأَرْبَعِ حَتَّى يُسْتَظْهَرَ بِالزَّانِيَةِ حَمْلٌ، وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ هُنَا لِأَجْلِ الْجَمْعِ بَيْنَ خَمْسٍ فَيَكْفِي فِيهِ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ [وَطْءِ] وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَا حَتَّى تَسْتَبْرِئَ. وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِثْلَهُ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى خَمْسِ نِسْوَةٍ فَفَارَقَ وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يُمْسِكُ عَنْ وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ الْمُفَارَقَةُ.
(وَمِنْهَا) إذَا تَزَوَّجَ خَمْسًا أَوْ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَصَلَ بِهِ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ فَيَبْطُلُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ احْتِمَالًا بِالْقُرْعَةِ فِيمَا إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ مِنْ رَجُلَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَهَذَا مِثْلُهُ وَلَكِنَّ هَذَا لِعِلَّةٍ تُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ قَالَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَلَكِنَّهُ يُعْتَضَدُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي نَقَلَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيمَنْ قَالَ لِعَبِيدِهِ أَيُّكُمْ جَاءَنِي بِخَبَرِ كَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَأَتَاهُ بِهِ اثْنَانِ مَعًا عَتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ:
стр. 241
أَوَّلُ غُلَامٍ يَطْلُعُ عَلَيَّ فَهُوَ حُرٌّ أَوْ أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَطْلُعُ عَلَيَّ فَهِيَ طَالِقٌ. فَطَلَعَ عَلَيْهِ عَبِيدُهُ كُلُّهُمْ وَنِسَاؤُهُ كُلُّهُنَّ أَنَّهُ يُطَلَّقُ وَيُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَأَقَرَّهُ الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمُغْنِي فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَتَأَوَّلَا مَرَّةً عَلَى أَنَّهُمْ طَلَعُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَأَشْكَلَ السَّابِقُ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ وَغَيْرُهُ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ لِبَعْضِهِمْ مَزِيَّةٌ فَلَهُ صُوَرٌ: (مِنْهَا) إذَا تَزَوَّجَ أُمًّا وَبِنْتًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ النِّكَاحَانِ مَعًا وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي.
وَالثَّانِي: يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأُمِّ وَحْدَهَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ ; لِأَنَّ نِكَاحَ الْبِنْتِ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأُمِّ إذَا عَرِيَ عَنْ الدُّخُولِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَكَانَ نِكَاحُ الْأُمِّ أَوْلَى بِالْإِبْطَالِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ عَلَى أُمٍّ وَبِنْتٍ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأُمِّ وَحْدَهَا وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْبِنْتِ نَصَّ عَلَيْهِ [أَحْمَدُ] فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ فَإِذَا صَحَّ النِّكَاحُ فِي الْبِنْتِ صَارَتْ أُمُّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِيهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا قَرَّرَهُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ فِي النِّكَاحِ يُحَرِّمُ مَا يُحَرِّمُهُ الصَّحِيحُ وَهَذَا النِّكَاحُ غَايَتُهُ أَنَّهُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَقَدْ حُرِّمَتَا عَلَيْهِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَجَدَ الدُّخُولَ بِهِمَا ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَمَامِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إذَا كَانَ تَحْتَهُ أُخْتَانِ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا، وَإِذَا كَانَ تَحْتَهُ فَوْقَ أَرْبَعٍ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ
(وَمِنْهَا) لَوْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ فَسَدَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ لِمَصِيرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ وَفِي الصَّغِيرَةِ. رِوَايَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَفْسُدُ نِكَاحُهَا أَيْضًا عَمَّنْ عَقَدَ عَلَى أُمٍّ وَبِنْتٍ ابْتِدَاءً.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَبْطُلُ وَهِيَ أَصَحُّ وَمَسْأَلَةُ الْجَمْعِ فِي الْعَقْدِ قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهَا وَعَلَى التَّسْلِيمِ فِيهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا أَنَّ الْجَمْعَ هَاهُنَا حَصَلَ فِي الِاسْتِدَامَةِ دُونَ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامُ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ فَهُوَ كَمَنْ أَسْلَمَ عَنْ أُمٍّ وَبِنْتٍ.
(وَمِنْهَا) لَوْ كَانَ تَحْتَ ذِمِّيٍّ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ثُمَّ اُسْتُرِقَّ لِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ اثْنَيْنِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ أَرْبَعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ كَالرَّضَاعِ إلَى الْحَادِثِ الْمُحَرِّمِ لِلْجَمْعِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً فِي عَقْدٍ وَهُوَ فَاقِدٌ لِشَرْطِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَحْدَهَا عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْحُرَّةَ تَمْتَازُ عَلَيْهِمَا بِصِفَةِ وُرُودِ نِكَاحِهَا عَلَيْهَا مِثْلُ هَذِهِ الْحَالِ وَلَا عَكْسَ.
وَلِلثَّالِثِ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ أَمْثِلَةٌ: (مِنْهَا) لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ إحْدَاكُنَّ نَاوِيًا بِذَلِكَ الِامْتِنَاعَ مِنْ وَطْءِ مُسَمَّى إحْدَاهُنَّ
стр. 242
وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْجَمِيعِ فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْجَمِيعِ مَعَ أَنَّ الْعُمُومَ يُسْتَفَادُ أَيْضًا مِنْ كَوْنِهِ مُفْرَدًا مُضَافًا. أَمَّا لَوْ قَالَ: لَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَأَشْكَلَتْ عَلَيْهِ أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْأَخْذُ كَمَا لَا الْجُورِ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنْ الْقَاضِي كَذَلِكَ وَالْقَاضِي مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ إيلَاءٌ مِنْ الْجَمِيعِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَلَكِنَّهُ قَالَ: مَتَى وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ مِنْ الْكُلِّ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ أَوْ لَا وَطِئْتُكُنَّ فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَنِثَ وَبَقِيَ الْإِيلَاءُ مِنْ الْبَوَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ بِوَطْئِهِنَّ ; لِأَنَّ حَقَّهُنَّ مِنْ الْوَطْءِ لَمْ يُسْتَوْفَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا أَطَأُ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِهَمَدَانِيَّةٍ وَلَا وَبِابْتَغِي فِي قُوَّةِ أَيْمَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِإِضَافَتِهِ إلَى مُتَعَدِّدٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا الْأُسْرُشَنِيِّ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى مُفْرَدٍ مِنْكُنَّ مَوْضُوعٌ بِالْأَصَالَةِ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ. وَعُمُومُهُ عُمُومُ بَدَلٍ لَا شُمُولٍ فَالْيَمِينُ فِيهِ وَاحِدَةٌ فَتَنْحَلُّ بِالْحِنْثِ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّ مُقْتَضَى هَذَا التَّفْرِيقِ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْكَفَّارَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ بِوَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ. وَهُوَ قِيَاسُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الظِّهَارِ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَدَّدُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ إنْ قِيلَ أَنَّهَا تَعُمُّ بِوَضْعِهَا كَمَا تَعُمُّ صِيَغَ الْجُمُوعِ فَالصُّوَرُ الثَّلَاثُ مُتَسَاوِيَةٌ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّ عُمُومَهَا جَاءَ ضَرُورَةَ نَفْيِ الْمَاهِيَّةِ فَالْمَنْفِيُّ بِهَا وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَهُوَ الْمَاهِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَيُتَّجَهُ تَفْرِيقُ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا) إذَا قَالَ: إنْ خُرْجَتِي مِنْ الدَّارِ مَرَّةً بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِذَلِكَ بَيْنَ الْمَرَّاتِ اقْتَضَى الْعُمُومَ بِغَيْرِ إشْكَالٍ وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ تَتَقَيَّدُ يَمِينُهُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً فَخَرَجَتْ بِإِذْنِهِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ تَطْلُقْ، وَخَالَفَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي خِلَافِهِمَا وَهُوَ الْحَقُّ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَأْخَذُ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ذِكْرُ الْمَرَّةَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّ الْعُمُومَ أَتَى مِنْ دُخُولِ النَّكِرَةِ فِي الشَّرْطِ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّ الْيَمِينَ عِنْدَنَا إنَّمَا تَنْحَلُّ بِالْحِنْثِ وَلَوْ خَرَجَتْ مِائَةَ مَرَّةٍ بِإِذْنِهِ لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ بِذَلِكَ عِنْدَنَا وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمٌ وَهُوَ خُرُوجُهَا مَرَّةً بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَتَى وُجِدَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحِنْثُ.
[الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَنْ ثَبَتَ لَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ]
(الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ) : مَنْ ثَبَتَ لَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا سَقَطَ الْآخَرُ، وَإِنْ أَسْقَطَ أَحَدَهُمَا أُثْبِتَ الْآخَرُ، وَإِنْ
стр. 243
امْتَنَعَ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ ضَرَرًا عَلَى غَيْرِهِ اسْتَوْفَى لَهُ الْحَقَّ الْأَصْلِيَّ الثَّابِتَ لَهُ إذَا كَانَ مَالِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا ثَابِتًا سَقَطَ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ غَيْرَ مَالِيٍّ أُلْزِمَ بِالِاخْتِيَارِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا وَاجِبًا لَهُ وَعَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقُّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ حُبِسَ حَتَّى يُعَيِّنَهُ وَيُوَفِّيَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا مُعَيَّنًا فَهَلْ يُحْبَسُ وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ فِيهِ الْخِلَافُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ اُسْتُوْفِيَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقَّانِ أَصْلِيٌّ وَبَدَلٌ فَامْتَنَعَ مِنْ الْبَدَلِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) لَوْ عَفَى مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَنْهُ وَقُلْنَا الْوَاجِبُ لَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ تَعَيَّنَ لَهُ الْمَالُ وَلَوْ عَفَى عَنْ الْمَالِ ثَبَتَ لَهُ الْقَوَدُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ اسْتِعْمَالًا لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِإِمْسَاكِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْأَرْشِ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ الْعَيْبَ مُوجِبٌ لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا الرَّدُّ وَإِمَّا الْأَرْشُ فَإِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا لَا يَسْقُطُ بِهِ الْآخَرُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي يَسْقُطُ الْأَرْشُ أَيْضًا وَفِيهِ بُعْدٌ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَتَاهُ الْغَرِيمُ بِدَيْنِهِ فِي مَحِلِّهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي قَبْضِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَبْضِهِ أَوْ إبْرَائِهِ فَإِنْ امْتَنَعَ قَبَضَهُ لَهُ الْحَاكِمُ وَبَرِئَ غَرِيمُهُ
(وَمِنْهَا) [لَوْ] امْتَنَعَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا وَطَالَتْ مُدَّتُهُ وَلَمْ يُحْيِهِ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَهُ عَنْهُ فَإِنَّ حَقَّهُ يَسْقُطُ مِنْهُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَامْتَنَعَ مِنْ الِاخْتِيَارِ حُبِسَ وَعُزِّرَ حَتَّى يَخْتَارَ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أُخِّرَتْ الْمُعْتَقَةُ تَحْتَ عَبْدِ الِاخْتِيَارِ حَتَّى طَالَتْ الْمُدَّةُ أَجْبَرَهَا الْحَاكِمُ عَلَى اخْتِيَارِ الْفَسْخِ أَوْ الْإِقَامَةِ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ
(وَمِنْهَا) لَوْ أَبَى الْمَوْلَى بَعْدَ الْمُدَّةِ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ فَرِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُحْبَسُ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ.
وَالثَّانِيَة: يُفَرِّقُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا.
. (وَمِنْهَا) لَوْ حَلَّ دَيْنُ الرَّهْنِ وَامْتَنَعَ مِنْ تَوْفِيَتِهِ وَلَيْسَ ثُمَّ وَكِيلٌ فِي الْبَيْعِ بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَوَفَّى الدَّيْنَ مِنْهُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ وَطُلِبَ مِنْهُ الْيَمِينُ فَنَكَلَ عَنْهَا وَقَضَى بِالنُّكُولِ وَجُعِلَ مُقِرًّا ; لِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ عَنْ الْإِقْرَارِ وَعَنْ النُّكُولِ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْبَدَلِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْجَوَابِ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِمَّا يُقْضَى فِيهَا بِالنُّكُولِ فَهَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ هَاهُنَا أَمْ يُحْبَسُ حَتَّى يُجِيبَ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُقْضَى فِيهَا بِالنُّكُولِ كَالْقَتْلِ وَالْحَدِّ فَهَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُخْلَى سَبِيلُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَقَامَتْ حُجَّةٌ بِهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَهَلْ يَثْبُتُ أَمْ لَا]
(الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا كَانَ الْوَاجِبُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَقَامَتْ حُجَّةٌ بِهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَهَلْ يَثْبُتُ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَيُخَرَّجُ عَلَيْهِمَا مَسَائِلُ: (مِنْهَا) إذَا قُلْنَا مُوجَبُ قَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَإِذَا ادَّعَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَلَى وَلِيِّ الْقَاتِلِ فِي الْقَسَامَةِ
стр. 244
فَنَكَلَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ ادَّعَى جِرَاحَةً عَمْدًا عَلَى شَخْصٍ وَأَتَى بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ دِيَتُهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ فِيهَا عَدَمُ وُجُوبِ الدِّيَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَجِبَ بِالْقَتْلِ الدِّيَةُ عَيْنًا وَأَمَّا إنْ قُلْنَا أَنَّ مُوجِبَ الْقَتْلِ الْقِصَاصُ عَيْنًا فَالدِّيَةُ بَدَلٌ فَلَا يَجِبُ بِمَا لَا يَجِبُ بِهِ الْمَبْدُولُ.
(وَمِنْهَا) شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِقَتْلِ عَبْدٍ عَبْدًا عَمْدًا فَهَلْ يَثْبُتُ بِذَلِكَ غُرْمُ قِيمَةَ الْعَبْدِ دُونَ الْقَوَدِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَذَكَرَ أَنَّ رِوَايَةَ وُجُوبِ الْقِيمَةِ رَوَاهَا ابْنُ مَنْصُورٍ. وَتَأَمَّلْتُ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ فَإِذَا ظَاهِرُهَا أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ حُرًّا فَلَا يَكُونُ جِنَايَتُهُ مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ، فَلَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ وَهُوَ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ عَيْنًا وَقَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْمَالُ دُونَ أَصْلِ الْجِنَايَةِ فَهَلْ يَجِبُ بِهَا الْمَالُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا يُوجِبُ الْمَالَ دُونَ الْقَوَدِ وَأَتَى عَلَيْهَا بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ ادَّعَى قَتْلَ كَافِرٍ فِي الصَّفِّ وَأَتَى بِشَاهِدٍ وَحَلَفَ مَعَهُ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ سَلْبَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا اجْتَمَعَ لِلْمُضْطَرِّ مُحَرَّمَانِ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا اجْتَمَعَ لِلْمُضْطَرِّ مُحَرَّمَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُبَاحُ بِدُونِ الضَّرُورَةِ وَجَبَ تَقْدِيمُ أَخَفِّهِمَا مَفْسَدَةً وَأَقَلِّهِمَا ضَرَرًا ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهَا فَلَا يُبَاحُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
(مِنْهَا) إذَا وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَمَيْتَةً فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ ثَلَاثُ جِنَايَاتٍ صَيْدُهُ وَذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ فِيهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ وُجِدَ لَحْمُ صَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ وَمَيْتَةٌ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ لَحْمَ الصَّيْدِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَتَمَيَّزُ الصَّيْدُ بِالِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُذَكًّى وَفِي هَذَا نَظَرٌ فَإِنَّ أَكْلَ الصَّيْدِ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ بِهَا الْجَزَاءُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مُسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ بِالْأَكْلِ مِنْ الْمَيْتَةِ، ثُمَّ وَجَدْتُ أَبَا الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ اخْتَارَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَعَلَّلَهُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ وَجَدَ بَيْضَ صَيْدٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَكْسِرُهُ وَيَأْكُلُهُ ; لِأَنَّ كَسْرَهُ جِنَايَةٌ كَذَبْحِ الصَّيْدِ.
(وَمِنْهَا) نِكَاحُ الْإِمَاءِ وَالِاسْتِمْنَاءِ كِلَاهُمَا إنَّمَا يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ وَيُقَدَّمُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّهُ مُبَاحٌ بِنَصٍّ وَالْآخَرُ مُتَرَدَّدٌ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ الِاسْتِمْنَاءُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ. وَفِيهِ نَظَرٌ وَأَمَّا نِكَاحُ الْإِمَاءِ وَوَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ عِنْدَ خَوْفِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الطَّوْلِ لِنِكَاحِ غَيْرِهَا، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ نِكَاحَ الْإِمَاءِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصِّ عَلَى إبَاحَةِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ دُونَ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى وَطْءِ الْحَائِضِ لِكَوْنِهِ دَمُ أَذًى
(وَمِنْهَا) مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِشَبَقِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِمْنَاءُ
стр. 245
وَاضْطُرَّ إلَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ فَلَهُ فِعْلُهُ فَإِنْ وَجَدَ زَوْجَةً مُكَلَّفَةً صَائِمَةً وَأُخْرَى حَائِضَةً فَفِيهِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمُغْنِي أَحَدُهُمَا وَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهَا تُفْطِرُ لِضَرَرِ غَيْرِهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ لِفِطْرِهَا لِأَجْلِ الْوَلَدِ، وَأَمَّا وَطْءُ الْحَائِضِ فَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرْعِ جَوَازُهُ فَإِنَّهُ حُرِّمَ لِلْأَذَى وَلَا يَزُولُ الْأَذَى بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي: مُخَيَّرٌ لِتَعَارُضِ مَفْسَدَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ مِنْ غَيْرِ إفْسَادِ عِبَادَةٍ عَلَيْهَا وَإِفْسَادِ صَوْمِ الطَّاهِرَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِأَسْبَابٍ دُونَ وَطْءِ الْحَائِضِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أُلْقِيَ فِي السَّفِينَةِ نَارٌ وَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِي الْهَلَاكِ أَعْنِي الْمُقَامَ فِي النَّارِ وَإِلْقَاءَ النُّفُوسِ فِي الْمَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ إلْقَاءُ النُّفُوسِ فِي الْمَاءِ أَوْ يَلْزَمُ الْمُقَامُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ طَرْحَ نُفُوسِهِمْ فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: يَصْنَعُ كَيْفَ شَاءَ، قِيلَ لَهُ: هُوَ فِي اللُّجِّ لَا يَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ، قَالَ: لَا أَدْرِي فَتَوَقَّفَ وَرَجَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وُجُوبَ الْمُقَامِ مَعَ تَيَقُّنِ الْهَلَاكِ فِيهَا لِئَلَّا يَكُونَ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَيَقَّنُوا ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ النَّجَاةِ بِالْإِلْقَاءِ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا وَجَدْنَا جُمْلَةً ذَاتَ أَعْدَادٍ مُوَزَّعَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ أُخْرَى]
[الْقَسْم الْأَوَّلُ أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا وَجَدْنَا جُمْلَةً ذَاتَ أَعْدَادٍ مُوَزَّعَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ أُخْرَى، فَهَلْ يَتَوَزَّعُ أَفْرَادُ الْجُمَلِ الْمُوَزَّعَةِ عَلَى أَفْرَادِ الْأُخْرَى أَوْ كُلُّ فَرْدٍ عَلَى مَجْمُوعِ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى، هَذِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. فَمِثَالُ مَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ فِيهِ عَلَى تَوْزِيعِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى - فَيُقَابَلُ كُلُّ فَرْدٍ كَامِلٍ بِفَرْدٍ يُقَابِلُهُ إمَّا لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ أَوْ دَلَالَةِ الشَّرْعِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا لِاسْتِحَالَةِ مَا سِوَاهُ - أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتَيْهِ: إنْ أَكَلْتُمَا هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَإِذَا أَكَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَغِيفًا طَلُقَتْ لِاسْتِحَالَةِ أَكْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ لِلرَّغِيفَيْنِ أَوْ يَقُولَ لِعَبْدَيْهِ: إنْ رَكِبْتُمَا دَابَّتَيْكُمَا أَوْ لَبِسْتُمَا ثَوْبَيْكُمَا أَوْ تَقَلَّدْتُمَا سَيْفَيْكُمَا أَوْ اعْتَقَلْتُمَا رُمْحَكُمَا أَوْ دَخَلْتُمَا بِزَوْجَتَيْكُمَا فَأَنْتُمَا حُرَّانِ، فَمَتَى وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُكُوبُ دَابَّتِهِ أَوْ لُبْسُ ثَوْبٍ أَوْ تَقَلُّدُ سَيْفِهِ أَوْ رُمْحِهِ أَوْ الدُّخُولُ بِزَوْجَتِهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا الْعِتْقُ ; لِأَنَّ الِانْفِرَادَ بِهَذَا عُرْفِيٌّ وَفِي بَعْضِهِ شَرْعِيٌّ فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى تَوْزِيعِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي. وَمِثَالُ مَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ فِيهِ عَلَى تَوْزِيعِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِزَوْجَتَيْهِ: إنْ كَلَّمْتُمَا زَيْدًا أَوْ كَلَّمْتُمَا عَمْرًا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَلَا يُطَلَّقَانِ حَتَّى تُكَلِّمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَيْدًا وَعَمْرًا
[الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى إرَادَةِ أَحَدِ التَّوْزِيعَيْنِ]
ِ فَهَلْ يُحْمَلُ التَّوْزِيعُ عِنْدَ هَذَا الْإِطْلَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُوَزِّعُ كُلٌّ مِنْ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى إذَا أَمْكَنَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي مَسْأَلَةِ الظِّهَارِ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ
стр. 246
وَاحِدَةٍ. وَكَذَلِكَ لَا يُذْكَرُ الْخِلَافُ إلَّا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَيَجِبُ طَرْدُهُ فِي سَائِرِهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ (فَمِنْهَا) قَوْلُهُ ﷺ فِي تَعْلِيلِ مَسْحِهِ الْخُفَّيْنِ «إنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ قَدَمَيْهِ الْخُفَّيْنِ وَكُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَاهِرَةٌ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلَّ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَكُلُّ قَدَمٍ فِي حَالِ إدْخَالِهَا طَاهِرَةٌ. وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ مَا إذَا غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ فَعَلَى التَّوْزِيعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَوْزِيعُ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ ; لِأَنَّهُ فِي حَالِ إدْخَالِ الرِّجْلِ الْأُولَى الْخُفَّ لَمْ يَكُنْ الرِّجْلَانِ طَاهِرَتَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ تَوْزِيعُ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ يَصِحُّ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَلَكِنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ لَا يَتَبَعَّضُ وَأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الطَّهَارَةِ بِمَنْعِ طَهَارَةِ الرِّجْلِ الْأُولَى عِنْدَ دُخُولِ الْخُفِّ نَعَمْ وُجِدَتْ طَهَارَتُهُمَا عِنْدَ اسْتِكْمَالِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَذَلِكَ مِنْ بَابِ تَوْزِيعِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
(وَمِنْهَا) مَسْأَلَةُ) : مُدِّ عَجْوَةٍ وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ بِنَفْسِهَا فَلْنَذْكُرْ هَاهُنَا مَضْمُونَهَا مُلَخَّصًا: إذَا بَاعَ رِبَوِيًّا بِجِنْسِهِ وَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدِّ عَجْوَةٍ أَوْ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ بِدِرْهَمَيْنِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا بُطْلَانُ الْعَقْدِ وَلَهُ مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَسْلَكُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ يُقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهِمَا وَهَذَا يُؤَدِّي هَاهُنَا إمَّا إلَى يَقِينِ التَّفَاضُلِ وَإِمَّا إلَى الْجَهْلِ بِالتَّسَاوِي وَكِلَاهُمَا مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا. وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا بَاعَ مُدًّا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ يُسَاوِيَانِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ كَانَ الدِّرْهَمُ فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ وَيَبْقَى مُدٌّ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ وَثُلُثُ ذَلِكَ رِبًا وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ مُدًّا يُسَاوِي دِرْهَمًا وَدِرْهَمَيْنِ بِمُدَّيْنِ يُسَاوِينَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَتَقَابَلُ الدِّرْهَمَانِ بِمُدٍّ وَثُلُثِ مُدٍّ وَيَبْقَى ثُلُثَا مُدٍّ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ، وَأَمَّا إنْ فُرِضَ التَّسَاوِي كَمُدٍّ يُسَاوِي دِرْهَمًا، وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ يُسَاوِي دِرْهَمًا وَدِرْهَم فَإِنَّ التَّقْوِيمَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَعَهُ الْمُسَاوَاةُ وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي هَاهُنَا كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمُدَّيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ زَرْعٍ وَاحِدٍ وَإِنَّ الدِّرْهَمَيْنِ مِنْ نَقْدٍ وَاحِدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ لِجَوَازِ أَنْ يَتَغَيَّرَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَتَنْقُصُ قِيمَتُهُ وَحْدَهُ وَصَحَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ الْمَنْعَ قَالَ ; لِأَنَّا لَا نُقَابِلُ مُدًّا بِمُدٍّ وَدِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ بَلْ نُقَابِلُ مُدًّا بِنِصْفِ مُدٍّ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا لَاسْتُرِدَّ ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي قَائِمٌ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي تَقْرِيرِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ. وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمُنْقَسِمَ هُوَ قِيمَةُ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَةِ
стр. 247
الْمُثْمَنِ [لَا إجْرَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى قِيمَةِ الْآخَرِ فَفِيمَا إذَا بَاعَ مُدًّا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ يُسَاوَيَانِ ثَلَاثَةً لَا نَقُولُ دِرْهَمٌ مُقَابَلٌ بِثُلُثَيْ مُدٍّ بَلْ نَقُولُ ثُلُثُ الثَّمَنِ مُقَابَلٌ بِثُلُثِ الْمُثَمَّنِ فَنُقَابِلُ ثُلُثَ الْمُدَّيْنِ بِثُلُثِ مُدٍّ وَثُلُثِ دِرْهَمٍ وَنُقَابِلُ ثُلُثَ الْمُدَّيْنِ بِثُلُثَيْ مُدٍّ وَثُلُثَيْ دِرْهَمٍ فَلَا تَنْفَكُّ مُقَابَلَةُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمُدَّيْنِ بِجُزْءٍ مِنْ الْمُدِّ وَالدِّرْهَمِ] مُقَابِلٌ لِثُلُثِ الْمُثَمَّنِ فَيُقَابِلُ ثُلُثُ الْمُدَّيْنِ ثُلُثَ مُدٍّ وَثُلُثَ دِرْهَمٍ وَيُقَابِلُ ثُلُثَا الْمُدَّيْنِ بِثُلُثَيْ مُدٍّ وَثُلُثَيْ دِرْهَمٍ فَلَا يَنْفَكُّ مُقَابَلَةُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمُدَّيْنِ بِجُزْءٍ مِنْ الْمُدِّ وَالدِّرْهَمِ.
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، نَعَمْ نَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يُقَابِلُ الدَّرَاهِمَ أَوْ الْمُدَّ مِنْ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى إذَا ظَهَرَ أَحَدُهُمَا مُسْتَحَقًّا أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَرُدَّ مَا قَابَلَهُ مِنْ عِوَضِهِ حَيْثُ كَانَ الْمَرْدُودُ هَاهُنَا مُعَيَّنًا مُفْرَدًا، أَمَّا مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ وَاسْتِدَامَتِهِ فَإِنَّا نُوَزِّعُ أَجْزَاءَ الثَّمَنِ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُثَمَّنِ بِحَسَبِ الْقِيمَةِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُفَاضَلَةُ الْمُتَيَقَّنَةُ كَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَفِيَةٌ، وَأَمَّا إنَّ الْمُسَاوَاةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فُقِدَتْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا سَبَقَ.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الرِّبَا. فَإِنَّ اتِّخَاذَ ذَلِكَ حِيلَةً عَلَى الرِّبَا الصَّرِيحِ وَاقِعٌ كَبَيْعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كِيسٍ بِمِائَتَيْنِ جَعْلًا لِلْمِائَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْكِيسِ وَقَدْ لَا يُسَاوِي دِرْهَمًا فَمُنِعَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَا مَقْصُودَيْنِ حَسْمًا لِهَذِهِ الْمَادَّةِ، وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ إيمَاءٌ إلَى هَذَا الْمَأْخَذِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَ الرِّبَوِيِّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَلَكِنَّ الْمُفْرَدَ أَكْثَرُ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ جَعْلًا لِغَيْرِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ الْجِنْسِ وَفِي مُقَابَلَةِ الزِّيَادَةِ، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالسَّامِرِيِّ مَنْ يَشْتَرِطُ فِيمَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ التَّسَاوِي جَعْلًا لِكُلِّ جِنْسٍ فِي مُقَابَلَةِ جِنْسِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقِيمَةِ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً عَلَى الرِّبَا وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَلَا بُدَّ مِنْهُ.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ التَّوْزِيعُ هَاهُنَا لِلْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى هُوَ مِنْ بَابِ تَوْزِيعِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْجُمَلِ أَوْ تَوْزِيعِ الْجُمَلِ عَلَى الْجُمَلِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ ثَانِيَةٌ. وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَلَّى بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي بَيْعِهِ بِنَقْدٍ آخَرَ رِوَايَتَانِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَرْضٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيِّ فِي كِتَابِ الْمُقْتَدَى، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَزَمَ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ وَغَيْرِ جِنْسِهِ كَأَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.
وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ الْأَظْهَرُ الْمَنْعُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِالْجَوَازِ فِي بَيْعِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَالتَّمِيمِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْخِلَافَ كَابْنِ أَبِي مُوسَى وَنَقَلَ
стр. 248
البرزاطي عَنْ أَحْمَدَ مَا يَشْهَدُ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي حُلِيٍّ صُنِعَ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمِ فِضَّةٍ وَمِائَةٍ نُحَاسٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كُلُّهُ بِالْفِضَّةِ وَلَا بِالذَّهَبِ وَلَا بِوَزْنِهِ مِنْ الْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُخَلِّصَ الْفِضَّةَ مِنْ النُّحَاسِ وَبَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ، وَفِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ غُمُوضٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَيْعَ الْمُحَلَّى بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ قَبْلَ التَّمْيِيزِ وَالتَّفْصِيلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حِلْيَتِهِ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ مُسَاوَاةٍ ; لِأَنَّ بَعْضَ الثَّمَنِ يُقَابِلُ الْعَرْضَ فَيَبْقَى الْبَاقِي مُقَابِلًا لِلرِّبَوِيِّ وَلَا تَتَحَقَّقُ مُسَاوَاتُهُ وَأَمَّا مَعَ تَمْيِيزِ الرِّبَوِيِّ وَمَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ فَإِنَّمَا مَنَعُوا [مِنْهُ] إذَا ظَهَرَ فِيهِ وَجْهُ الْحِلْيَةِ أَوْ كَانَ التَّفَاضُلُ فِيهِ مُتَيَقَّنًا كَبَيْعِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَكْسُورَةٍ بِثَمَانِيَةٍ صِحَاحٍ وَفَلْسَيْنِ أَوْ أَلْفٍ صِحَاحٍ بِأَلْفٍ مَكْسُورَةٍ وَثَوْبٍ أَوْ أَلْفٍ صِحَاحٍ وَدِينَارٍ بِأَلْفٍ وَمِائَة مَكْسُورَةٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَمَّا بَيْعُهُ بِنَقْدٍ آخَرَ أَوْ بِرِبَوِيٍّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَلَكِنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِيهَا وَاحِدَةٌ فَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ وَبَعْضُهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا وَفِي جَوَازِهِ رِوَايَتَانِ.
وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ الْمَنْعَ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَدْرِ بِمَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ فَيُؤَدِّي إلَى الرِّبَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ وَهَكَذَا عَلَّلَ أَهْلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْمَنْعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهِ ضَعْفٌ فَإِنَّ الْمُسْتَحَقَّ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهَا وَعِوَضُهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ فَيَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ عَنْهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمَجْهُولَةِ وَهَذَا الْخِلَافُ يُشْبِهُ الْخِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِرَأْسِ مَالٍ وَضَبْطِ صِفَاتِهِ وَأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ قَسْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّ السَّلَمَ وَالصَّرْفَ مُتَقَارِبَانِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجِنْسَيْنِ.
فَأَمَّا بَيْعُ نَوْعَيْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ مِنْهُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ نَوْعَيْ الْجِنْسِ حُكْمُ الْجِنْسَيْنِ وَهُوَ طَرِيقُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ نَظَرًا ; لِأَنَّ تَوْزِيعَ الْعِوَضِ بِالْقِيمَةِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ هَاهُنَا إلَى تَعَيُّنِ الْمُفَاضَلَةِ وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَاضِلِ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ هَاهُنَا وَهُوَ طَرِيقُ أَبِي بَكْرٍ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْجَوْدَةَ وَالرَّدَاءَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ فَكَذَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَالتَّقْسِيطُ إنَّمَا يَكُونُ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا أَوْ فِي الْجِنْسِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَ نَوْعًا بِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُهُ وَلَكِنْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ فِيهِ احْتِمَالًا بِالْمَنْعِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ إنْ كَانَ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ فَإِنْ كَانَ ثَمَرًا جَازَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ أَنْوَاعَ الثِّمَارِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُهَا وَيَشُقُّ تَمْيِيزُهَا بِخِلَافِ أَنْوَاعِ النُّقُودِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الرِّبَوِيُّ مَقْصُودًا بِالْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالْأَصَالَةِ وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ فَهَذَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا: مَا لَا يُقْصَدُ عَادَةً وَلَا يُبَاعُ مُفْرَدًا كَتَزْوِيقِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ بِجِنْسِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالثَّانِي: مَا يُقْصَدُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ أَصْلًا
стр. 249
لِمَالِ الرِّبَا كَبَيْعِ الْعَبْدِ ذِي الْمَالِ بِمَالٍ مِنْ جِنْسِهِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْعَبْدُ وَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً سَوَاءٌ قُلْنَا أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ أَوْ لَا يَمْلِكُ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ وَالْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي مَوَاضِعَ مِنْ فُصُولِهِ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالثَّانِيَة: الْبِنَاءُ عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمَالَ مِلْكُ الْعَبْدِ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ كَمَالِ الْمُكَاتَبِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ فِي بَيْعِهِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ اُعْتُبِرَ لَهُ شُرُوطُ الْبَيْعِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ.
وَالثَّالِثَةُ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ إنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ اُعْتُبِرَ لَهُ شُرُوطُ الْبَيْعِ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا اُعْتُبِرَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا. وَأَنْكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ وَعَدَمُهُ مُعْتَبَرًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفِي الظَّاهِرِ وَهُوَ عُدُولٌ عَنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَأُصُولِهِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا لَا يُقْصَدُ وَهُوَ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ أَصْلٌ لِمَالِ الرِّبَا إذَا بِيعَ بِمَا فِيهِ وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْكِنَ إفْرَادُ التَّابِعِ بِالْبَيْعِ كَبَيْعِ نَخْلَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ بِرُطَبٍ. وَفِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ طَرِيقُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ الْمَنْعُ ; لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ أَحْكَامِهِ بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ وَالْخِرَقِيِّ وَابْنِ بَطَّةَ وَالْقَاضِي فِي الْخِلَافِ كَمَا سَبَقَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ ذِي الْمَالِ، وَاشْتَرَطَ ابْنُ بَطَّةَ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ الرُّطَبُ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَلِذَلِكَ شَرَطَ فِي بَيْعِ النَّخْلَةِ الَّتِي عَلَيْهَا ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ وَالْأَثْرَمِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَمَعْنَى قَوْلِنَا غَيْرُ مَقْصُودٍ أَيْ بِالْأَصَالَةِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ فِي الْأَصْلِيِّ الشَّجَرُ وَالثَّمَرُ مَقْصُودٌ تَبَعًا، وَالضَّرْبُ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ التَّابِعُ مِمَّا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ كَبَيْعِ شَاةٍ لَبُونٍ بِلَبَنٍ أَوْ ذَاتِ صُوفٍ بِصُوفٍ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بِالنَّوَى فَيَجُوزُ هَاهُنَا عِنْدَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ حَامِدٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَقَدْ حُكِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَلَعَلَّ الْمَنْعَ يَنْزِلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الرِّبَوِيُّ مَقْصُودًا وَالْجَوَازُ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ وَقَدْ صَرَّحَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْقَصْدِ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ تَعْلِيلُ الْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ الْجَوَازَ بِأَنَّهُ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ مَسَائِلِ) : مُدِّ عَجْوَةٍ وَأَنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ لَا يَتَقَيَّدُ بِزِيَادَةِ الْمُفْرَدِ عَلَى مَا مَعَهُ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ الَّذِي لَهُ مَالٌ بِمَالٍ دُون الَّذِي مَعَهُ وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وَالنَّوَى بِالثَّمَرِ وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ فِيهَا مُطْلَقٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَهَا أَوْ بَعْضَهَا عَلَى مَسَائِلِ مُدِّ عَجْوَةٍ فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ أَوْ لَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ كَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ ذِي الْمَالِ وَكَذَلِكَ حَكَى أَبُو الْفَتْحِ الْحَلْوَانِيُّ
стр. 250
رِوَايَةً فِي بَيْعِ الشَّاةِ ذَاتِ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ بِالصُّوفِ وَاللَّبَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الشَّاةِ مِنْ جِنْسِهِ وَلَعَلَّ هَذَا مَعَ قَصْدِ اللَّبَنِ وَالصُّوفِ بِالْأَصَالَةِ وَالْجَوَازِ مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ حُمِلَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَهُوَ مُتَنَزِّلٌ عَلَى أَنَّ التَّبَعِيَّةَ هَاهُنَا لَا عِبْرَةَ فِيهَا وَأَنَّ الرِّبَوِيَّ التَّابِعُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا بَاعَ رَجُلٌ عَبْدَيْنِ لَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْمَبِيعَ يَقَعُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ كُلِّ عَبْدٍ، وَلَا يَتَخَرَّجُ هُنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَبْدٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ تَعْيِينِ الْمَبِيعِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ مُبْهَمًا كَالْوَصِيَّةِ وَالْمَهْرِ وَالْخُلْعِ تَوَجَّهَ هَذَا التَّخْرِيجُ فِيهِ. وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِنِصْفِ عَبْدَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ قُبِلَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ لَهُ بِنِصْفِ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَحَدِهِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُطْلَقٌ فَيَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِمُعَيَّنٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَتَيْنِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَأَمَّا إذَا أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَهَلْ يُسْتَحَقُّ ثُلُثُ الْبَاقِي أَوْ كُلُّهُ فِيهِ وَجْهَانِ. وَهَذَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ قَبُولُ التَّفْسِيرِ بِعَبْدٍ مُفْرَدٍ مَعَ التَّعْيِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حِرَّك هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ هَلْ يَدْخُلُ الْعَبِيدُ وَنَحْوُهُمْ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ وَالْمَنْصُوصُ دُخُولُهَا.
(وَمِنْهَا) إذَا رَهَنَهُ اثْنَانِ عَيْنَيْنِ أَوْ عَيْنًا لَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِمَا مِثْلَ أَنْ يَرْهَنَاهُ دَارًا لَهُمَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ لَهُ عَلَيْهِمَا نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا قَضَى مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْضِ الْآخَرُ أَنَّ الدَّارَ رَهْنٌ عَلَى مَا بَقِيَ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَعَلَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ [رَهْنًا] بِجَمِيعِ الْحَقِّ تَوْزِيعًا لِلْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا عَلَى الْمُفْرَدِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ عَقْدَ الِاثْنَيْنِ مَعَ الْوَاحِدِ فِي حُكْمِ الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ. أَمَّا إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فِي حُكْمِ عَقْدَيْنِ كَانَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مَرْهُونًا بِنِصْفِ الدَّيْنِ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمَّا رَهَنَ صَارَ كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فَلَا يَنْفَكُّ الرَّهْنُ فِي نَصِيبِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ بِجَمِيعِ مَا عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلَهُ [أَيْضًا] فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فَإِذَا قَضَى أَحَدُهُمَا لَمْ يَنْفَكَّ حَقُّهُ مِنْ الرَّهْنِ ; لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِمَا ضَمِنَهُ.
قَالَ: وَأَمَّا إنْ لَمْ يَضْمَنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عَلَى صَاحِبِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الضَّمَانِ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَقَالَ: عَلَى هَذَا يَصِحُّ الرَّهْنُ مِمَّنْ لَيْسَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ، وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي أَيْضًا فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ انْفَكَّ فِي نَصِيبِ الْمُوفِي لِلدَّيْنِ لَكِنْ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ مُقَاسَمَةُ الْمُرْتَهِنِ
следующие страницы →