← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21730

قواعد ابن رجب - ط الخانجي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (422 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قَالَ لَمْ أَرُدَّهَا؟ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ تَارَةً عَلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ وَتُوقَفُ فِيهَا أُخْرَى. وَخَرَّجَهَا ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَذَفَ أَبَاهُ إلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَنَّ عَلَيْهِ حَدًّا وَاحِدًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ رِدَّةً عَنْ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ دُخُولَ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَقْصِدُ ذَلِكَ مُسْلِمٌ، وَخَرَّجَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ رِدَّةٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ عَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا؟ قَالَ الْقَاضِي لَيْسَ بِيَمِينٍ ; لِأَنَّ الْمَشْهُورَ تَخْصِيصُ الْمَعَاصِي بِالذُّنُوبِ دُونَ الْكُفْرِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عِنْدِي أَنَّهُ يَمِينٌ لِدُخُولِ التَّوْحِيدِ فِيهِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ وَهُمْ عِنْدَهُ: أَنْتُمْ أَحْرَارٌ، وَكَانَ فِيهِمْ أُمُّ وَلَدِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهَا وَلَمْ يُرِدْ عِتْقَهَا، هَلْ تُعْتَقُ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى. وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى عِتْقِهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ وَغَيْرِهِ، وَشَبَّهَهَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْن حَسَّانَ بِمَنْ نَادَى امْرَأَةً لَهُ فَأَجَابَتْهُ أُخْرَى فَطَلَّقَهَا يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ، وَقَالَ: تَطْلُقُ هَذِهِ بِالْإِجَابَةِ وَتِلْكَ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْمُنَادَاةِ فِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: تَطْلُقُ الْمُنَادَاةُ وَحْدَهَا نَقَلَهَا مُهَنَّا وَهِيَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي فَيَتَعَيَّنُ تَخْرِيجُ رِوَايَةٍ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ مِنْهَا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: تَطْلُقُ الْمُنَادَاةُ وَالْمُجِيبَةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ أَنَّهُمَا يُطَلَّقَانِ جَمِيعًا فِي الْبَاطِنِ. وَالظَّاهِرِ، كَمَا يَقُولُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إذَا لَقِيَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً فَطَلَّقَهَا فَإِذَا هِيَ زَوْجَتُهُ، أَنَّ زَوْجَتَهُ تَطْلُقُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا. وَزَعَم صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّ الْمُجِيبَةَ إنَّمَا تَطْلُقُ ظَاهِرًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً أَنَّ الطَّلَاقَ هَاهُنَا صَادَفَ مَحِلًّا فَنَفَذَ فِيهِ وَهُوَ الْمُنَادَاةُ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ، بِخِلَافِ طَلَاقِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ بِهَا لِلْغَيِّ الطَّلَاقُ الصَّادِرُ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى مَعْنَى هَذَا الْفَرْقِ وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى فُلَانٍ فَسَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ بِالسَّلَامِ، فَحَكَى الْأَصْحَابُ فِي حِنْثِهِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُشْبِهُ تَخْرِيجَهُمَا عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ فَفَعَلَهُ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَالْمَنْصُوصُ هَاهُنَا عَنْ أَحْمَدَ الْحِنْثُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، حَتَّى فِيمَا إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُسْتَتِرًا بَيْنَ الْقَوْمِ بِبَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ إنْ كَانَ وَحْدَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُنَادَاةِ إذَا أَجَابَتْ غَيْرَهَا، وَبَيْنَ مَنْ يُطَلِّقُهَا يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً، فَإِنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْصِدْ السَّلَامَ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَصِحُّ قَصْدُهُ وَغَيْرُهُ، فَانْصَرَفَ السَّلَامُ إلَيْهِ دُونَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَحْدَهُ فَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وُجِدَ وَلَكِنْ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ أَبِي طَالِبٍ هَذِهِ عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِالنِّيَّةِ مِنْ السَّلَامِ وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِحُضُورِهِ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ يَسْتَثْنِيهِ بِالنِّيَّةِ؟ وَمِنْهَا: لَوْ وَقَفَ الْمُسْلِمُ عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ وَصَّى لَهُمْ وَفِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ لَمْ يَتَنَاوَلْ

стр. 282

الْكُفَّارَ حَتَّى يُصَرِّحَ بِدُخُولِهِمْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَأَبِي طَالِبٍ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي كُفَّارٌ فَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى وَاحِدٍ بَعِيدٌ جِدًّا. وَمِنْهَا: لَوْ تَهَايَأَ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ هُوَ وَسَيِّدُهُ عَلَى مَنَافِعِهِ وَأَكْسَابِهِ، فَهَلْ يَدْخُلُ فِيهَا الْأَكْسَابُ النَّادِرَةُ كَالرِّكَازِ وَالْهَدِيَّةِ وَاللُّقَطَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَمَالٌ وَقَالَ لَمْ أُرِدْ زَوْجَتِي فَهُوَ مُظَاهِرٌ، عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ الزَّوْجَةَ أَشْهَرُ أَفْرَادِ الْحَلَالِ الَّذِي يَقْصِدُ تَحْرِيمَهُ، وَلَا يَنْصَرِفُ الذِّهْنُ ابْتِدَاءً إلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعُمُومِ بِعَدَمِ إرَادَةِ دُخُولِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إخْرَاجُهُ بِإِرَادَةِ عَدَمِ دُخُولِهِ. فَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهُ مَالٌ فَهُوَ يَمِينٌ كَسَائِرِ تَحْرِيمِ الْمُبَاحَاتِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ وَمَالٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ لَا غَيْرُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي طَالِبٍ فِي صُورَةِ: كُلِّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجِبُ مَعَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِدُخُولِ الْمَالِ فِي الْعُمُومِ. وَوَجْهُ الْقَاضِي نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بِتَوْجِيهَاتٍ مُسْتَبْعَدَةٍ، وَعِنْدِي فِي تَخْرِيجِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَبَادَرَ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ دُونَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهَا لَا تُقْصَدُ بِالتَّحْرِيمِ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ لِكَوْنِهَا لَا تُقْصَدُ عَادَةً، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ فِي صُورَةِ الْقَاعِدَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُخَرَّجَةً عَلَى قَوْلِهِ بِتَدَاخُلِ الْأَيْمَانِ، وَأَنَّ مُوجِبَهَا وَاحِدٌ فَإِنَّ الْجِنْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ، فَصَارَ مُوجِبُهُ كَفَّارَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَعَيَّنَتْ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ لِدُخُولِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا اسْتَنَدَ إتْلَافُ أَمْوَالِ الْآدَمِيِّينَ وَنَفُوسهمْ إلَى مُبَاشَرَةٍ وَسَبَبٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا اسْتَنَدَ إتْلَافُ أَمْوَالِ الْآدَمِيِّينَ وَنُفُوسِهِمْ إلَى مُبَاشَرَةٍ وَسَبَبٍ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ السَّبَبِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى السَّبَبِ وَنَاشِئَةً عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُلْجِئَةً، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا عُدْوَانَ فِيهَا بِالْكُلِّيَّةِ اسْتَقَلَّ السَّبَبَ وَحْدَهُ بِالضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا عُدْوَانٌ شَارَكَتْ السَّبَبَ فِي الضَّمَانِ. فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ: وَمِنْ صُوَرِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: إذَا حَفَرَ وَاحِدٌ بِئْرًا عُدْوَانًا ثُمَّ دَفَعَ غَيْرَهُ فِيهَا آدَمِيًّا مَعْصُومًا أَوْ مَالًا لِمَعْصُومٍ فَسَقَطَ فَتَلِفَ فَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ. وَمِنْهَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَاسْتَقَرَّ بَعْدَ فَتْحِهِ فَجَاءَ آخَرُ فَنَفَّرَهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُنَفِّرِ وَحْدَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى مَعْصُومًا مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ بِهِ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا أَنْ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَضَرَبَهُ آخَرُ فَمَاتَ فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ وَيُعَزَّرُ الثَّانِي ; لِأَنَّ الضَّارِبَ لَيْسَ بِمُتَسَبِّبٍ بَلْ هُوَ مُبَاشِرٌ لِلْقَتْلِ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَكَذَا لَوْ رَمَى بِهِ صَيْدًا فَأَصَابَ مَقْتَلَهُ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَمَاتَ فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ فَيُبَاحُ الصَّيْدُ بِذَلِكَ وَالثَّانِي جَانٍ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ

стр. 283

مَا خُرِقَ مِنْ جِلْدِهِ هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ وَخَرَّجَهُ طَائِفَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِ مَا سَقَطَ بَعْدَ الذَّبْحِ فِي بِنَاءِ وَنَحْوِهِ لِإِعَانَتِهِ عَلَى قَتْلِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُهُ هَاهُنَا فَيَضْمَنُ الثَّانِي قِيمَتَهُ كَامِلَةً وَيَسْقُطُ مِنْهَا قَدْرَ جُرْحِ الْأَوَّلِ. وَمِنْ صُوَرِ الْقِسْمِ الثَّانِي مَسَائِلُ: مِنْهَا: لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا مَسْمُومًا عَالِمًا بِهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْحَالِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْمُقَدِّمُ، وَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ. وَمِنْهَا: لَوْ قَتَلَ الْحَاكِمُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا بِشَهَادَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ فَالضَّمَانُ وَالْقَوَدُ عَلَيْهِمْ دُونَ الْحَاكِمِ. وَنَقَلَ أَبُو النَّصْرِ الْعِجْلِيّ عَنْ أَحْمَدَ إذَا رَجَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَرْجُومَ مَجْبُوبٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ بِالْعِيَانِ فَهُوَ كَإِقْرَارِهِمْ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَجْبُوبَ لَا يُخْفَى أَمْرُهُ غَالِبًا فَالْإِقْدَامُ عَلَى رَجْمِهِ لَا يَخْلُو مِنْ تَفْرِيطٍ، وَبِأَنَّ الشُّهُودَ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَتَحَقَّقُ تَعَمُّدُهُمْ لِلْكَذِبِ وَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ أَوْ كُفَّارٌ وَقُلْنَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَكَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَسْتَنِدَ الْحَاكِمُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ إلَى تَزْكِيَةِ مَنْ زَكَّاهُمْ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: الضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَالتَّرْغِيبِ ; لِأَنَّهُمْ أَلْجَئُوا الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ، وَالْحَاكِمُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالشُّهُودُ لَا يَعْتَرِفُونَ بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ فَيَتَعَيَّنُ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ. وَالثَّانِي: الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَحْدَهُ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ، وَحُكْمُهُ يَخْتَصُّ بِالْمَحْكُومِ بِهِ، بِخِلَافِ التَّزْكِيَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمَحْكُومِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ الْمُسْتَحِقُّ بَيْنَ تَضْمِينِ مَنْ شَاءَ مِنْ الْحَاكِمِ وَالْمُزَكِّيَيْنِ وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ وَجْهِ تَغْرِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُخَيَّرُ الْمُسْتَحِقُّ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ لِإِلْجَائِهِمْ الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ وَجْهٌ رَابِعٌ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الشُّهُودِ كَمَا لَوْ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ وَلَا يَصِحُّ حِكَايَتُهُ عَنْهُ لِتَصْرِيحِهِ بِخِلَافِهِ ; وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجِهٍ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ وَلَا ظَهَرَ كَذِبُهُمْ، بِخِلَافِ الرَّاجِعِينَ عَنْ الشَّهَادَةِ. لَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَيَضْمَنُ الشُّهُودُ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا.

стр. 284

وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ ضَمَانَ الشُّهُودِ مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا ثُمَّ بَانُوا فُسَّاقًا فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِبُطْلَانِ قَوْلِهِمْ، وَهَذَا تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا قَذْفٌ فِي الْمَعْنَى مُوجِبَةٌ لِلْحَدِّ فِي نَفْسِهَا، إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهَا كَمَالُ النِّصَابِ الْمُعْتَبَرِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَوْ لَا، وَلَيْسَ الْمُسْتَوْفَى مِنْ الشَّاهِدِ نَظِيرُ الْمُسْتَوْفَى مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْمَالِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ضَمَانٌ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْشَأَ عَنْهَا غُرْمٌ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُهَا إمَّا بِإِقْرَارِ الشَّاهِدِ أَوْ يَتَبَيَّنُ كَذِبُهَا بِالْعِيَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَة: أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَحْدَهُ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَالْأَصْحَابُ ; لِتَفْرِيطِهِ بِقَبُولِ مَنْ لَا تَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ إلْجَاءٍ لَهُ إلَى الْقَبُولِ. وَمِنْهَا: الْمُكْرَهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْمُكْرَهِ وَحْدَهُ، لَكِنْ لِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الْمُتْلِفِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، فَلِهَذَا شَارَكَهُ فِي الضَّمَانِ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا بِالضَّمَانِ كَالدِّيَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ احْتِمَالًا، وَعَلَّلَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِثْمِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُبِيحُ إتْلَافَ مَالِ الْغَيْرِ، وَكَانَ فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْوَدِيعَةِ، وَحَكَى احْتِمَالًا آخَرَ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتْلِفِ وَحْدَهُ، كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ فَأَكَلَهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ لَمْ يُلْجِئْهُ إلَى الْإِتْلَافِ مَنْ يُحَالُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ إلَى غَيْرِ الْمَالِكِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا ضَمَانَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ. وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجَرَّدِ مَفْرِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ بِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْإِكْرَاهِ بِخِلَافِ هَذَا، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَشْمَلُ الْإِتْلَافَ أَيْضًا، وَتَابَعَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَبِي الْبَرَكَاتِ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ فَدَخَلَهَا مُكْرَهًا، وَفِي الْفَتَاوَى الرَّجَبِيَّاتِ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ الضَّمَانُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ افْتَدَى بِهَا ضَرُورَةً، وَعَنْ ابْنِ الزاغوني أَنَّهُ إنْ أُكْرِهَ عَلَى التَّسْلِيمِ بِالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَا إثْمَ، وَإِنْ نَالَهُ الْعَذَابُ فَلَا إثْمَ وَلَا ضَمَانَ. وَأَشَارَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ مِنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ إلَى خِلَافٍ فِي أَصْلِ جَوَازِ تَضْمِينِ الْمُكْرَهِ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَتَلَ صَيْدًا مُكْرَهًا فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُكْرِهِ لَهُ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ ثَوْبٍ عَلَى أَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ عُدْوَانًا إذَا أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ عَلَى الْحَفْرِ لَمْ يَضْمَنْ، لَكِنَّ هَذَا إكْرَاهٌ عَلَى السَّبَبِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ، وَهَذِهِ النُّقُولُ الثَّلَاثَةُ

стр. 285

تَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ابْتِدَاءً مَنْ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُكْرَهَةُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْحَجِّ وَالصِّيَامِ إذَا أَفْسَدْنَا حَجَّهَا وَصِيَامَهَا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهَا أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ أَوْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا عَنْهَا؟ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْأُولَى عَلَى أَنَّهَا تَرْجِعُ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ. وَالْمُكْرَهُ عَلَى حَلْقِ رَأْسِهِ فِي الْإِحْرَامِ تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَجِبُ عَلَى الْمَحْلُوقِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْحَالِقِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا ; لِأَنَّ حَلْقَ الشَّعْرِ كَالْإِتْلَافِ، وَلِهَذَا يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَمِنْ صُوَرِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: الْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ، وَالْمَذْهَبُ اشْتَرَاك الْمُكْرَهِ فِي الْقَوَدِ وَالضَّمَانِ ; لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي الْقَتْلِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي بَابِ الرَّهْنِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ذَكَرَ أَنَّ الْقَوَدَ عَلَى الْمُكْرَهِ الْمُبَاشِرِ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى الْمُكْرَهِ قَوَدًا، قَالَا: وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِمَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ إذَا اعْتَرَفُوا بِالْعَمْدِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَسِيرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَهَاهُنَا الْمُكْرَهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ ; لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ تَضْمِينَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ السَّمَرْقَنْدِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا خَرَّجَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ امْتِنَاعِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَأَوْلَى ; لِأَنَّ السَّبَبَ هَاهُنَا غَيْرُ صَالِحٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَسَبِّبٌ وَالْآخَرُ مَلْجَأٌ، وَفِي صُورَةِ الِاشْتِرَاكِ هُمَا مُبَاشِرَانِ مُخْتَارَانِ. وَمِنْهَا: الْمُمْسِكُ مَعَ الْقَاتِلِ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الضَّمَانِ وَالْقَوَدِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَخْتَصُّ الْمُبَاشِرُ بِهِمَا وَيُحْبَسُ الْمَاسِكُ حَتَّى يَمُوتَ. وَمِنْهَا: لَوْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا فِي الطَّرِيقِ فَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا إلَى جَانِبِهَا فَهَلْ يَخْتَصُّ بِالضَّمَانِ الْوَاضِعُ جَعْلًا لَهُ كَالدَّافِعِ أَوْ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَالْمُمْسِكِ وَالْقَاتِلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَلَوْ كَانَ الْحَافِرُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَاضِعِ وَحْدَهُ، وَهِيَ مِنْ صُوَرِ الْقِسْمِ الثَّانِي. وَمِنْهَا: لَوْ دَلَّ الْمُوَدِّعُ لِصًّا عَلَى الْوَدِيعَةِ فَسَرَقَهَا بِالضَّمَانِ عَلَيْهِمَا، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، كَمَا لَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا آخَرَ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ، وَلَوْ دَلَّ حَلَالًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَحْدَهُ، وَهِيَ مِنْ صُوَرِ الْقِسْمِ الثَّانِي. وَمِنْهَا: لَوْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ صَيْدٌ وَتَمَكَّنَ مِنْ إرْسَالِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَحَدُهُمَا: الضَّمَانُ عَلَى الْقَاتِلِ ; لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ وَالْأَوَّلُ مُتَسَبِّبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ. وَالثَّانِي: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ; عَلَى الْأَوَّلِ بِالْيَدِ وَعَلَى الثَّانِي بِالْمُبَاشَرَةِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ عَيْنًا فِي يَدِ مَنْ هِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِالْيَدِ، هَلْ يَضْمَنُ الْمُتْلِفُ وَحْدَهُ الْجَمِيعَ دُونَ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْ يَجُوزُ تَضْمِينُ صَاحِبِ الْيَدِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُتْلِفِ؟ وَفَرَضَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ التَّخْرِيجِ مَسْأَلَةَ الصَّيْدِ فِي حَالَيْنِ: صَادَ أَحَدُهُمَا فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فَقَتَلَهُ الْآخَرُ

стр. 286

فِيهِ. وَذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِمَا جَزَاءَيْنِ كَامِلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى الْقَاتِلِ بِقَتْلِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْمُمْسِكِ لِتَلَفِهِ فِي يَدِهِ قَبْلَ إرْسَالِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الَّذِي فِي يَدِهِ عَلَى الْقَاتِلِ بِمَا غَرِمَهُ ; لِأَنَّهُ قَرَّرَ عَلَيْهِ ضَمَانًا كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ بِالْإِرْسَالِ، وَصَرَّحَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْمَغْصُوبَ إذَا أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَانَ الْمَالِكُ مُخَيَّرًا فِي الْمُطَالَبَةِ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا اخْتَلَفَ حَالُ الْمَضْمُونِ فِي حَالَيْ الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا اخْتَلَفَ حَالُ الْمَضْمُونِ فِي حَالَيْ الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ. فَهَاهُنَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا فِي الْحَالَيْنِ، لَكِنْ يَتَفَاوَتُ قَدْرُ الضَّمَانِ فِيهِمَا، فَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ السِّرَايَةِ أَوْ حَالِ الْجِنَايَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُهْدَرًا فِي الْحَالَيْنِ فَلَا ضَمَانَ بِحَالٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ مُهْدَرَةً وَالسِّرَايَةُ فِي حَالِ الضَّمَانِ فَتُهْدَرُ تَبَعًا لِلْجِنَايَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ فِي حَالِ الضَّمَانِ وَالسِّرَايَةُ فِي حَالِ الْإِهْدَارِ، فَهَلْ يَسْقُطُ الضَّمَانُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: لَوْ جَرَحَ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَلَا قَوَدَ، وَهَلْ يَجِبُ فِيهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ أَوْ دِيَةُ ذِمِّيٍّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، اخْتَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَ دِيَةِ ذِمِّيٍّ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ، وَابْنُ حَامِدٍ وُجُوبَ دِيَةِ مُسْلِمٍ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ نَصُّ أَحْمَدَ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَالدِّيَةُ تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَرْشَ جُرْحِهِ حَيًّا فَمَلَكَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فَانْتَقَلَ مَا مَلَكَهُ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ. وَمِنْهَا: لَوْ جَرَحَ عَبْدًا ثُمَّ أُعْتِقَ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ، فَهَلْ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِدِيَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ لَا بِالدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافِهِ وَنَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ أَيْضًا. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ فِيمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ فَأُعْتِقَتْ ثُمَّ أَسْقَطَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ هُوَ حُرٌّ وَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْوِلَادَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَحَكَى عَنْهُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ الدِّيَةِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ ابْنَ حَامِدٍ أَوْجَبَ دِيَةَ حُرٍّ لِلْمَوْلَى مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ احْتِمَالًا بِوُجُوبِ أَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الدِّيَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْمَنْصُوصَ فِي الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ وُجُوبُ دِيَةِ مُسْلِمٍ وَفِي الْعَبْدِ إذَا عَتَقَ قِيمَةُ عَبْدٍ، ثُمَّ خَرَّجَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَجَمِيعُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي

стр. 287

وَالْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ السِّرَايَةَ لَا تَثْبُتُ مُنْفَرِدَةً وَإِنَّمَا تَجِبُ تَابِعَةً لِلْجِنَايَةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَرْشُ الْجُرْحِ لِلسَّيِّدِ حِينَ كَانَ الْمَجْرُوحُ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ، فَتَتْبَعُ السِّرَايَةُ الْجِنَايَةَ وَيَكُونُ أَرْشُهَا لِمُسْتَحِقِّ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ السَّيِّدُ، وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الْجُرْحِ ثُمَّ مَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالْقِيمَةُ كُلُّهَا لِلْأَوَّلِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَذَكَرَ ابْنُ الزاغوني فِي الْإِقْنَاعِ فِيمَا إذَا قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَا دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ مَاتَ احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَلْفَيْنِ بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ نِصْفَيْنِ تَوْزِيعًا لِلْقِيمَةِ عَلَى السِّرَايَةِ وَالْجِنَايَةِ. وَالثَّانِي: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ; لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ مَا يُقَابِلُ الْيَدَيْنِ وَهُوَ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلِلْوَرَثَةِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَهُوَ بِقَدْرِ نِصْفِ الْقِيمَةِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، لِانْتِفَاءِ الْمُكَافَأَةِ حَالَ الْجِنَايَةِ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّ رِوَايَةَ الضَّمَانِ بِدِيَةِ حُرٍّ نَقَلَهَا حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَزَادَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، وَلَمْ يَنْقُلُ حَرْبٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَقَلَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ يَضْمَنُهُ بِقِيمَةِ مَمْلُوكٍ؟ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ هَذَا؟ وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَنْكَرَ ضَمَانَهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ كَامِلَةٍ بِاللَّفْظِ الَّذِي زَعَمَ الْقَاضِي أَنَّ حَرْبًا نَقَلَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ حَامِلٍ فَأُعْتِقَتْ أَوْ جَنِينُهَا ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا، فَهَلْ يَضْمَنُهُ بِغُرَّةِ جَنِينٍ حُرٍّ أَوْ بِقِيمَةِ جَنِينِ أَمَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ نَصْرَانِيَّةٍ حَامِلٍ بِنَصْرَانِيٍّ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا هَلْ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ جَنِينٍ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ ثُمَّ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ وَمَاتَ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ بِأَلْفَيْنِ ; لِأَنَّ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ كَنُقْصَانِ بَدَلِهِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ قُلْنَا يَضْمَنُ بِأَلْفَيْنِ إذَا عَتَقَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَهَذَا مَوْضِعٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَوْتَهُ حَصَلَ بِقَطْعِ يَدِهِ وَقِيمَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَلْفَانِ. وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا إذَا جُرِحَ ذِمِّيٌّ خَطَأً ثُمَّ أَسْلَمَ وَسَرَى الْجُرْحُ إلَى النَّفْسِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ. أَحَدُهَا: الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ حَالَ الْجُرْحِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ. وَالثَّانِي: عَلَى عَاقِلَتِهِ أَرْشُ الْجُرْحِ وَالزَّائِدُ بِالسِّرَايَةِ فِي مَالِهِ ; لِأَنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ مُخَالَفَتِهِ لِدِينِ عَاقِلَتِهِ. وَالثَّالِثُ: الدِّيَةُ كُلُّهَا فِي مَالِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ دِيَتُهُ حَالَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ ; لِأَنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ بِالِانْدِمَالِ أَوْ السِّرَايَةِ، وَلَوْ كَانَ الْجَانِبُ ابْنَ مُعْتَقَةٍ لِقَوْمٍ ثُمَّ أَنْجَزَ وَلَاءَهُ إلَى مَوَالِي أَبِيهِ فَفِي الْمُحَرَّرِ هُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَفِي الْكَافِي الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: مَا إذَا جَرَحَ عَبْدًا حَرْبِيًّا ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ مَاتَ، أَوْ جَرَحَ عَبْدًا مُرْتَدًّا ثُمَّ مَاتَ، فَلَا ضَمَانَ ; لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ وَالْمُرْتَدَّ لَا يَضْمَنُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا: لَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَلَا ضَمَانَ.

стр. 288

وَمِنْهَا: لَوْ جَرَحَ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا. وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ أَنَّ الضَّمَانَ هُنَا مُخَرَّجٌ عَلَى الضَّمَانِ فِيمَا إذَا طَرَأَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ جَرَحَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ فَمَاتَ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ، ذَكَاةً فِي الْحِلِّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ سُفْيَانَ فِي صَيْدِ ذِمِّيٍّ فِي الْحِلِّ فَتَحَامَلَ فَدَخَلَ الْحَرَمَ فَمَاتَ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ ; لِأَنَّهُ مَاتَ فِي الْحَرَمِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ: وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. وَمِنْهَا: لَوْ جَرَحَ عَبْدٌ نَفْسَهُ ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ يَضْمَنُهُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا فِي التَّرْغِيبِ ; لِأَنَّ عَبْدَ نَفْسِهِ إنَّمَا يُهْدَرُ ضَمَانُهُ عَلَى السَّيِّدِ دُونَ غَيْرِهِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الضَّمَانَ بِالْقِيمَةِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ ضَمَانِهِ، وَلِهَذَا خَرَّجَهُ صَاحِبُ الْكَافِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الِاعْتِبَارِ بِحَالِ الْجِنَايَةِ أَوْ السِّرَايَةِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا لَوْ جَرَحَ مُسْلِمًا أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَارْتَدَّ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ يَجِبُ الْقَوَدُ فِي طَرَفِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، الْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا عَدَمُهُ ; لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ صَارَتْ نَفْسًا لَا قَوَدَ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي التَّرْغِيبِ أَصْلُ الْوَجْهَيْنِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَسَرَتْ إلَى نَفْسِهِ، هَلْ يُقْتَصُّ فِي الطَّرَفِ ثُمَّ فِي النَّفْسِ أَمْ فِي النَّفْسِ فَحَسْبُ؟ وَعَلَى وَجْهِ ثُبُوتِ الْقَوَدِ هَلْ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ أَوْ وَلِيُّهُ الْمُسْلِمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَسْتَوْفِيهِ الْوَلِيُّ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ أَصْلُهُمَا أَنَّ مَالَهُ هَلْ هُوَ فَيْءٌ أَوْ لِوَرَثَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآمِدِيِّ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَارِثَ يَسْتَوْفِيهِ لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَالُ لِامْتِنَاعِ إرْثِهِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ الْوَجْهَانِ عَلَى قَوْلِنَا مَالُهُ فَيْءٌ، وَأَمَّا ضَمَانُ طَرَفِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ صَارَتْ نَفْسًا مُهْدَرَةً. وَالثَّانِي: يَضْمَنُ لِثُبُوتِ ضَمَانِ الطَّرَفِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، ثُمَّ هَلْ يَضْمَنُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ الطَّرَفِ أَوْ بِدِيَةِ الطَّرَفِ مُطْلَقًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، الْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُحَرَّرِ سِوَاهُ. وَمِنْهَا: لَوْ جَرَحَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَخَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَمَاتَ لَزِمَهُ كَمَالُ ضَمَانِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا تَغْلِيبًا لِضَمَانِ الصَّيْدِ حَيْثُ كَانَ لَهُ حَالَانِ يَضْمَنُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَضْمَنَ أَرْشَ جُرْحِهِ خَاصَّةً مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا تَعَيَّنَ حَالُ الْمَرْمِيِّ أوالرامي بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَة] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا تَعَيَّنَتْ حَالُ الْمَرْمِيِّ تَجِيئ بَيْنَ الرَّمْي وَالْإِصَابَةِ، فَهَلْ الِاعْتِبَار بِحَالِ الْإِصَابَةِ أَمْ بِحَالَةِ الرَّمْي، أَمْ يُفَرَّق بَيْن الْقَوَدِ وَالضَّمَانِ، أَمْ بَيْن أَنْ يَكُون بَيْن الرَّمْي مُبَاحًا أَوْ مَحْظُورًا؟ فِيهِ لِلْأَصْحَابِ أَوْجُهٌ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:

стр. 289

مِنْهَا: لَوْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا أَوْ حُرٌّ عَبْدًا فَلَمْ يَقَعْ بِهِمَا السَّهْمُ حَتَّى أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ مَاتَا فَهَلْ يَجِبُ الْقَوَدُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ حَامِدٍ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي لِفَقْدِ التَّكَافُؤِ حِينَ الْجِنَايَةِ وَهُوَ حَالَةُ الْإِرْسَالِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَمَى إلَى مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَخَذَهُ مِمَّا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى زَيْدٍ فَأَصَابَ عَمْرًا قَالَ هُوَ عَمْدٌ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، فَاعْتُبِرَ الرَّمْيُ الْمَحْظُورُ إذَا أَصَابَ بِهِ مَعْصُومًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْمَقْصُودِ. وَفَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ رَمْيِ الْمُرْتَدِّ وَالذِّمِّيِّ بِأَنَّ رَمْيَ الْمُرْتَدِّ مُبَاحٌ، وَرَدَّهُ الْقَاضِي بِأَنَّ رَمْيَهُ لِلْأَمَانِ لَا إلَى آحَادِ النَّاسِ فَهُوَ غَيْرُ مُبَاحٍ لِآحَادِهِمْ، وَأَمَّا النَّصُّ الْمَذْكُورُ فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ الْقَاضِي، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَصَدَ هُنَاكَ مُكَافِئًا وَأَصَابَ نَظِيرُهُ وَهُنَا لَمْ يَقْصِدْ مُكَافِئًا، وَقَدْ خَرَّجَ صَاحِبُ الْكَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي مَسْأَلَةِ النَّصِّ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا أَصْلُهُ وَأَمَّا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فَجَعَلَهُ خَطَأً بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ أَصَابَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا قَصَدَ صَيْدًا، وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ مَعْصُومًا فَأَصَابَ نَظِيرَهُ، بِخِلَافِ مَنْ قَصَدَ صَيْدًا، وَلِهَذَا لَوْ قَصَدَ صَيْدًا مُعَيَّنًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ حَلَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَمَى هَدَفًا يَعْلَمُهُ فَأَصَابَ صَيْدًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ، أَمَّا لَوْ ظَنَّ الْهَدَفَ صَيْدًا فَأَصَابَ صَيْدًا فَوَجْهَانِ، وَقَدْ يَتَخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُمَا لَوْ رَمَى هَدَفًا يَظُنُّهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا غَيْرَهُ ; لِأَنَّ أَصْلَ الرَّمْيِ كَانَ مَحْظُورًا فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْقَوَدِ، وَأَمَّا الضَّمَانُ فَيَضْمَنُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا، حَتَّى نَقَلَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَصَابَ حُرًّا مُسْلِمًا وَتَكُونُ دِيَةُ الْمُعْتَقِ لِوَرَثَتِهِ دُونَ السَّيِّدِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى إلَى مُرْتَدٍّ أَوْ إلَى حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَا ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِمَا السَّهْمُ فَقَتَلَهُمَا فَلَا قَوَدَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ دَمَهُمَا حَالَ الرَّمْيِ كَانَ مُهْدَرًا، وَهَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وُجُوبُهُ فِيهِمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَالْآمِدِيُّ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْهِدَايَةِ، وَعَزَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إلَى الْخِرَقِيِّ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ وَهُمَا حِينَئِذٍ مُسْلِمَانِ مَعْصُومَانِ، وَلَا أَثَرَ لِانْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ حَالَ السَّبَبِ، كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا لَهُمَا فَوَقَعَا فِيهَا بَعْدَ إسْلَامِهِمَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي: وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَمْيَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ مُبَاحٌ مُطْلَقًا بَلْ هُوَ مُرَاعًا فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْوُقُوعِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا. وَالثَّانِي: لَا ضَمَانَ فِيهِمَا وَهُوَ أَشْهَرُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُرْتَدِّ، وَقَالَ لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ رَمْيَهُمَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَقَدْ حَصَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا جَرَحَهُمَا ثُمَّ أَسْلَمَا. وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُرْتَدُّ دُونَ الْحَرْبِيِّ وَأَصْلُ هَذَا الْوَجْهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ

стр. 290

وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْحَرْبِيُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; وَفِي الْمُرْتَدِّ وَجْهَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ قَتْلُهُ إلَى الْإِمَامِ فَالرَّامِي إلَيْهِ مُتَعَدٍّ وَهُوَ كَالرَّامِي إلَى الذِّمِّيِّ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلَهُ، فَرَمْيُهُ لَيْسَ بِعُدْوَانٍ، أَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ لَمَّا رَمَى إلَى مَعْصُومٍ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ وَهُوَ مُهْدَرٌ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ وَذِمِّيٌّ نَقَضَ الْعَهْدَ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ فَلَا ضَمَانَ بِغَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَمْ تُصَادِفْ مَعْصُومًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَمَى مَعْصُومًا، فَأَصَابَهُ السَّهْمُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا فَأَصَابَهُ السَّهْمُ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ وَقْتَ الْإِصَابَةِ لَا وَقْتَ الرَّمْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى الذِّمِّيُّ سَهْمًا إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا وَقَدْ أَسْلَمَ الرَّامِي، فَقَالَ الْآمِدِيُّ يَجِبُ ضَمَانُهُ فِي مَالِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَالَ الرَّمْيِ لِتَعْقِلَهُ عَاقِلَتُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ; لِأَنَّهُ حِينَ الْإِصَابَةِ كَانَ مُسْلِمًا وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالْكَافِي، وَكَذَلِكَ حَكَمَ مَا إذَا رَمَى ابْنَ مُعْتَقَةٍ فَلَمْ يُصِبْ حَتَّى أُنْجِزَ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي أَبِيهِ، وَلَوْ رَمَى مُسْلِمًا سَهْمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَصَابَ سَهْمُهُ فَقَتَلَ فَهَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِصَابَةِ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الرَّمْيِ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ. وَيُخَرَّجُ مِنْهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ وَجْهَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَوَالِي الْأُمِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَوَالِي الْأَبِ. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى الْحَلَالُ إلَى صَيْدٍ ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ ضَمِنَهُ، وَلَوْ رَمَى الْمُحْرِمُ إلَى صَيْدٍ ثُمَّ أَحَلَّ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَضْمَنْهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِصَابَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْجِنَايَاتِ، قَالَ: وَيَجِيءُ عَلَى قَوْمِ أَحْمَدَ فِيمَنْ رَمَى طَيْرًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ أَنْ يَضْمَنَ هُنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَغْلِيبًا لِلضَّمَانِ، انْتَهَى. وَيَتَخَرَّجُ عَدَمُ الضَّمَانِ فِيمَا إذَا رَمَى وَهُوَ مَحِلٌّ ثُمَّ أَحْرَمَ، مِنْ عَدَمِ ضَمَانِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ اعْتِبَارًا بِإِبَاحَةِ الرَّمْيِ، إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ قَصْدَ الْإِحْرَامِ عَقِيبَ الرَّمْيِ سَبَبٌ إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّيْدِ فَبِهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ قَصَدَ الرَّمْيَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِذَلِكَ. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى الْحَلَالُ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ قَالَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَقَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَتِهِ وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ لَوْ رَمَى شَيْئًا فِي الْحِلِّ فَدَخَلَتْ رَمْيَتُهُ فِي الْحَرَمِ فَأَصَابَتْ شَيْئًا ضَمِنَ ; لِأَنَّ يَدَهُ الَّتِي جَنَتْ. قَالَ أَحْمَدُ مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ. وَكَذَلِكَ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَة ابْنِ مَنْصُورٍ فِي شَجَرَةٍ فِي الْحِلِّ غُصْنُهَا فِي الْحَرَمِ عَلَيْهِ طَيْرٌ لَا يُرْمَى وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ رَمْيِهِ مِنْ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ صَيْدٌ مَعْصُومٌ بِمَحِلِّهِ فَلَا يُبَاحُ قَتْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَفِيهِ الضَّمَانُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ الرَّامِي وَمَحِلِّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ الْقَاضِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي إبَاحَةِ

стр. 291

الِاصْطِيَادِ بِالْكَلْبِ وَإِرْسَالِهِ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ. قَالَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ فَلَا ضَمَانَ وَلَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّصَّ فِي الْكَلْبِ، وَالْكَلْبُ لَهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ فِي الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَكَّلَ عَبْدَهُ فِي الْحَرَمِ فِي شِرَاءِ صَيْدٍ مِنْ الْحِلِّ وَذَبَحَهُ فِيهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ ; لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى فِعْلِهِ، وَلِهَذَا فَرَّقَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ بَيْنَ أَنْ يُرْسِلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَيَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيُقْتَلُ فِيهِ فَيَضْمَنُهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُرْسِلَ الْكَلْبَ فَلَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّ دُخُولَ الْكَلْبِ إلَى الْحَرَمِ بِاخْتِيَارِهِ، وَدُخُولَ السَّهْمِ لِفِعْلِ الرَّامِي، وَلِهَذَا لَوْ أَصَابَ سَهْمٌ آدَمِيًّا لَضَمِنَهُ، وَلَوْ أَصَابَ الْكَلْبُ آدَمِيًّا لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِلَى هَذَا التَّفْرِيقِ أَشَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى حَيْثُ ضَمِنَ فِي الرَّمْيِ السَّهْمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَمْ يَضْمَنْ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ إذَا أَرْسَلَهُ فِي الْحِلِّ فَصَادَ فِي الْحَرَمِ، إلَّا أَنْ يُرْسِلَهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ، وَأَمَّا إنْ أَرْسَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَصَادَ فِي الْحِلِّ فَحَكَى فِيهِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْقَاضِي إنَّمَا صَرَّحَ بِالْخِلَافِ فِي الْكَلْبِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي طَرَدَ الْخِلَافَ فِي السَّهْمِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا النَّصَّ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الضَّمَانِ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ ; لِأَنَّ صَيْدَ الْحِلِّ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ صَيْدِ الْحَرَمِ بِهِ، وَقَدْ فَرَّقَ طَوَائِفُ مِنْ الْأَصْحَابِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِنَفْيِ الضَّمَانِ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، وَبِالضَّمَانِ فِي الْعَكْسِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ حَكَاهُ فِيهِمَا، وَهُوَ فِي الْمُبْهِجِ لِلشِّيرَازِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِمَا، وَصَحَّحَ الْفَرْقَ وَهُوَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ وَلَمْ يُحْكَ الْخِلَافُ فِي ضَمَانٍ عَكْسِهِ وَهُوَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَأَخْذُ نَفْيِ الضَّمَانِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ، وَالضَّمَانُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ. وَفِي أَخْذ الضَّمَانِ مِنْ هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّ الْغُصْنَ تَابِعٌ لِمَحِلٍّ مَعْصُومٍ وَهُوَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ الَّذِي فِي الْحَرَمِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَرَمِ بِخِلَافِ الْحِلِّ، وَلِهَذَا لَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ بَيْنَ قَتْلِهِ مِنْ الْحِلِّ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْغُصْنِ عِنْدَهُ حُكْمُ الْحَرَمِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ أَيْضًا وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ فِي شَجَرَةٍ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ الْغُصْنُ عِنْدَهُ حُكْمُ الْحَرَمِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ أَيْضًا وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ فِي شَجَرَةٍ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَلَا يَرْمِ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ،. فَجَعَلَ الْقَاضِي هَذِهِ رِوَايَةً ثَانِيَةً مُخَالِفَةً لِلْأُولَى، وَحَكَى فِي الصَّيْدِ الَّذِي عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ ضَمِنَ الصَّيْدَ فِي الْأُولَى إلْحَاقًا لِلْفَرْعِ بِأَصْلِهِ فِي الْحُرْمَةِ، وَلَمْ يَضْمَنْ فِي الثَّانِيَة إلْحَاقًا لِلْفَرْعِ بِأَصْلِهِ فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ مَا كَانَ عَلَى الْغُصْنِ تَابِعًا لِقَرَارِهِ مِنْ الْأَرْضِ دُونَ أَصْلِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ أَحْمَدَ. وَمِنْهَا: هَلْ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الصَّيْدِ بِأَهْلِيَّةِ الرَّامِي وَسَائِرِ الشُّرُوطِ حَالَ الرَّمْيِ أَوْ الْإِصَابَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:

стр. 292

أَحَدُهُمَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْإِصَابَةِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ، فَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ مُرْتَدٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِالصَّيْدِ وَقَدْ حَلَّ أَوْ أَسْلَمَ حَلَّ أَكْلُهُ، وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَمْ يَحِلَّ، وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِي الْمُحْرِمِ. وَالثَّانِي: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرَّامِي، قَالَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي مُوسَى فِي رَجُلٍ رَمَى بِنُشَّابٍ وَسَمَّى فَمَاتَ الرَّامِي قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ إذَا رَمَاهُ بِمَا يُجْرَحُ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا إذَا رَمَيَاهُ جَمِيعًا فَأَصَابَهُ سَهْمُ أَحَدِهِمَا أَوَّلًا فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ سَهْمُ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ ; لِأَنَّ الثَّانِيَ أَرْسَلَ سَهْمَهُ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِي رَجُلَيْنِ رَمَيَا صَيْدًا فَأَصَابَهُ جَمِيعًا، فَإِنْ كَانَا قَدْ مَعْلِفِهَا جَمِيعًا أَكَلَاهُ، قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ إذَا كَانَا رَمَيَاهُ جَمِيعًا بِمَالِهِ حُدَّ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إصَابَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ أَوْ يَتَأَخَّرَ انْتَهَى. وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ: التَّسْمِيَةُ فَإِنَّهَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ الْإِرْسَالِ، وَلَوْ سَمَّى بَعْدَ إرْسَالِهِ فَإِنَّ الزَّجْرَ بِالتَّسْمِيَةِ وَزَادَ جَرْيُهُ كَفَى، وَإِلَّا فَلَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ وَقْتَ الْإِرْسَالِ لِمَشَقَّةِ مَعْرِفَتِهِ

стр. 293

وَقْتَ الْإِصَابَةِ. وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَوْ سَمَّى عِنْدَ الْإِصَابَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا لَأَجْزَأَ. [الْقَاعِدَةُ الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ وَالْمَرْكَبُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ وَالْمَرْكَبُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لَيْسَ بِمَالٍ فَاضِلٍ يَمْنَعُ أَخْذَ الزَّكَوَاتِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْكَفَّارَاتُ وَلَا يُوفِي مِنْهُ الدُّيُونَ وَالنَّفَقَاتِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي مَسَائِلَ: (مِنْهَا) الزَّكَاةُ قَالَ أَبُو دَاوُد سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ دَارٌ يَقْبَلُ مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ نَعَمْ، قُلْت هِيَ دَارٌ وَاسِعَةٌ قَالَ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قِيلَ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ قَالَ أَرْجُو، قِيلَ لَهُ فَرَسٌ قَالَ إنْ كَانَ يَغْزُو عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ تُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِلْخِدْمَةِ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ نَعَمْ، وَسُئِلَ عَنْ الدَّارِ قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ فَضَلَ كَثِيرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ يُعْطَى. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ صَاحِبُ الْمَسْكَنِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ يَفْضُلُ عَنْهُ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا: أَنَّ الْعَرْضَ الَّذِي لَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي دَيْنِهِ إذَا كَانَ يَفِي بِدَيْنِ صَاحِبِهِ وَبِيَدِهِ نِصَابٌ فَإِنَّهُ لَا يُجْعَلُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَتِهِ حَتَّى يُزَكِّيَ النِّصَابَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى جِهَةٍ وَدَيْنٍ وَوَفَائِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ فَهَلْ يُجْعَلُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَيُزَكِّي النِّصَابَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: الْحَجُّ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيِّ إذَا كَانَ الْمَسْكَنَ وَالْمَسْكَنَيْنِ وَالْخَادِمَ أَوْ الشَّيْءَ الَّذِي يَعُودُ بِهِ عَلَى عِيَالِهِ فَلَا يُبَاعُ إذَا كَانَ كِفَايَةً لِأَهْلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَنَازِلُ يُكْرِيهَا إنَّمَا هِيَ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ فَإِذَا خَرَجَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ بَاعَ. وَالضَّيْعَةُ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فَضْلًا عَنْ الْمُؤْنَةِ بَاعَهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ إذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْضٌ فَلَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ وَيَحُجَّ وَلَا يَجِبُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ فِي مِلْكِهِ أَوْ بِيَدِهِ نَقْدٌ يُرِيدُ شِرَاءَهُمَا بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَمِنْهَا: الْمُفْلِسُ وَلِأَحْمَدَ فِيهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الْمَسْكَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَضْلٌ فَيُبَاعُ الْفَضْلُ وَيُتْرَكُ لَهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ وَأَبِي طَالِبٍ. وَأَمَّا الْخَادِمُ فَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِزَمِنٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ حَاجَةٍ غَيْرِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ إذَا كَانَ مَسْكَنًا وَاسِعًا نَفِيسًا أَوْ خَادِمًا نَفِيسًا يَشْتَرِي لَهُ مَا يُقِيمُهُ وَيَجْعَلُ سَائِرَهُ لِلْغُرَمَاءِ وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخَادِمُ وَالْمَسْكَنُ فِي مِلْكِهِ أَوْ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا فَيَتْرُكُ لَهُ ثَمَنَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَوْ كَانَ مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ عَيْنَ مَالِ رَجُلٍ يَرْجِعُ بِهَا وَتَرَكَ لَهُ بَدَلَهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْمَالِ لِيَشْتَرِيَ لَهُ مِنْهُ إنْ لَمْ

стр. 294

يَكُنْ فِيهِ مِنْ جِنْسِهَا ; لِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِهِ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ فَإِنَّ حَاجَتَهُ تَنْدَفِعُ بِغَيْرِهَا أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُفْلِسِ سِوَاهَا وَهِيَ عَيْنُ مَالِ رَجُلٍ وَكَانَ الشِّرَاءُ قَبْلَ الْإِفْلَاسِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَفِي الْكَافِي يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْحِيلَةِ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَمِنْهَا: الشَّرِيكُ فِي عَبْدٍ إذَا أَعْتَقَ حِصَّتَهُ وَلَيْسَ لَهُ سِوَى دَارٍ وَخَادِمٍ فَهُوَ مُعْسِرٌ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سِوَى حِصَّتِهِ وَلَا يُبَاعُ ذَلِكَ فِي قِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ قُلْت لِأَحْمَدَ مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي عَبْدٍ ضَمِنَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ؟ قَالَ عَتَقَ كُلُّهُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، قُلْت كَمْ قَدْرُ الْمَالِ؟ قَالَ لَا يُبَاعُ فِيهِ دَارٌ وَلَا رِبَاعٌ وَلَمْ يَقُمْ لِي عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ. قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ لَا يُبَاعُ مَا لَا غِنًى لَهُ عَنْ سُكْنَاهُ كَالْمُفْلِسِ. وَمِنْهَا: التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ لَا يُبَاعُ فِيهِ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ وَقَالُوا يُبَاعُ فِيهِ الْفَاضِلُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ رَقَبَةٌ نَفِيسَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا رَقَبَتَانِ فَيَسْتَغْنِيَ بِخِدْمَةِ أَحَدِهِمَا وَيُعْتِقُ الْأُخْرَى لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الدَّارُ وَالْمَلَابِسُ. وَأَمَّا إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ وَلَهُ خَادِمٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَزَمَ هُنَا بِلُزُومِ الْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ مَنْ كَانَ مُوسِرًا حَالَ يَحْنَثُ الْعِتْقُ ثُمَّ أَعْسَرَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَإِنَّ الْعِتْقَ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ. وَمِنْهَا: نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ قَالَ أَبُو طَالِبٍ قِيلَ لِأَحْمَدَ فَإِنْ كَانَ لَهُ دَارٌ يَبِيعُهَا وَيُنْفِقُ عَلَى ابْنِهِ؟ قَالَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَسْكَنٍ إنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ مَسْكَنِهِ فَضْلٌ عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ فَلْيُنْفِقْ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ وَلَا سَعَةٌ فَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ. وَصَرَّحَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ بِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ لَا يُبَاعُ فِيهَا إلَّا مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي دَيْنِهِ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْعَاقِلَةِ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ فَغَيَّبَ مَالَهُ وَامْتَنَعَ مِنْهَا وَوَجَدَ الْحَاكِمُ لَهُ عَقَارًا فَلَهُ بَيْعُهُ وَالنَّفَقَةُ فِيهِ عَلَى أَقَارِبِهِ، وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْعَقَارُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلسُّكْنَى أَوْ أَنَّ هَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُمْتَنِعِ مِنْ النَّفَقَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ لَهُ عَلَى غَيْرِ عَقَارِهِ [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ بِالْبِضْعِ لَيْسَ بِغِنًى مُعْتَبَرٍ] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْقُدْرَةُ عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ بِالْبِضْعِ لَيْسَ بِغِنًى مُعْتَبَرٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَسَائِلَ: (مِنْهَا) إذَا أَفْلَسَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ مِمَّنْ يُرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا لَمْ تُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ لِأَخْذِ الْمَهْرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ بِقُدْرَتِهَا عَلَى النِّكَاحِ وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا تُمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ بِذَلِكَ أَيْضًا وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لِمُفْلِسٍ أُمُّ وَلَدٍ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى نِكَاحِهَا وَأَخْذِ مَهْرِهَا وَإِنْ كَانَ

стр. 295

يُجْبَرُ عَلَى إجَارَتِهَا وَأَخْذِ أُجْرَتِهَا. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ بِالصِّنَاعَاتِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْقُدْرَةُ عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ بِالصِّنَاعَاتِ غَنِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ النَّفْسِ، وَمَنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَخَادِمٍ وَهَلْ هُوَ غَنِيٌّ فَاضِلٌ عَنْ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) الْقَوِيُّ الْمُكْتَسِبُ لَا يُبَاحُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ بِجِهَةِ الْفَقْرِ فَإِنَّهُ غَنِيٌّ بِالِاكْتِسَابِ، وَهَلْ لَهُ الْأَخْذُ لِلْغُرْمِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَهُ ذَلِكَ قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ فِي الزَّكَاةِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَاهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي إجْبَارِهِ عَلَى التَّكَسُّبِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ أَبَاحَ السُّؤَالَ لِلْمُكَاتَبِ فَقَالَ هُوَ مُغْرَمٌ وَيُبَاحُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ مَعَ قُوَّتِهِ وَاكْتِسَابِهِ مَعَ أَنَّ دَيْنَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَائِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ فَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَائِهِ أُولَى بِالْأَخْذِ. وَمِنْهَا: وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ مَكَّةَ فَالْمَذْهَبُ انْتِفَاءُ الْوُجُوبِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَوَجْهَانِ. وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ يَتَوَجَّهُ عَلَى أَصْلِنَا فِي الْبَعِيدِ أَنْ يَجِبَ الْحَجُّ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ فِي طَرِيقَةٍ كَمَا يَجْبُرُهُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ بِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَسُّبُ لِتَحْصِيلِ مَالٍ يَحُجُّ بِهِ وَلَا يُعْتَقُ بِهِ فِي الْكَفَّارَةِ. وَمِنْهَا: وَفَاءُ الدُّيُونِ وَفِي إجْبَارِ الْمُفْلِسِ عَلَى الْكَسْبِ لِلْوَفَاءِ رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ ; لِأَنَّهُ دَيْنٌ ضَعِيفٌ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا بِالْوُجُوبِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ بِالْحِرْفَةِ يَمْنَعُ وُجُوبَ نَفَقَتِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي وَغَيْرُهُ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ فَهَلْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ؟ حَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَتَيْنِ وَخَصَّهُمَا الْقَاضِي بِغَيْرِ الْعَمُودَيْنِ وَأَوْجَبَ نَفَقَةَ الْعَمُودَيْنِ مُطْلَقًا مَعَ عَدَمِ الْحِرْفَةِ وَفَرَّقَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ الْمُجَرَّدِ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ وَأَوْجَبَ النَّفَقَةَ لِلْأَبِ بِكُلِّ حَالٍ وَشَرَطَ فِي الِابْنِ وَغَيْرِهِ الزَّمَانَةَ، وَأَمَّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ الْكَسْبِ فَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ وَابْنُ الزاغوني وَالْأَكْثَرُونَ بِالْوُجُوبِ. قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَقَارِبِ. وَخَرَّجَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مِنْ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ الْحِرْفَةِ لِلْإِنْفَاقِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَظْهَرُ مِنْهُ أَنْ يُخَرِّجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي

стр. 296

إجْبَارَ الْمُفْلِسِ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُكْتَسِبَ هَلْ يَحْتَمِلُ الْعَقْلَ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَمِنْهَا: الْجِزْيَةُ هَلْ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُكْتَسِبِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَشْهَرُهُمَا الْوُجُوبُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ اسْتِقْلَالًا] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ اسْتِقْلَالًا فِي مَسَائِلَ: (مِنْهَا) شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِالْوِلَادَةِ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِشَهَادَتِهِنَّ بِهِ اسْتِقْلَالًا وَمِنْهَا: شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى إسْقَاطِ الْجَنِينِ بِالضَّرْبَةِ يُوجِبُ الْغُرَّةَ إنْ سَقَطَ مَيِّتًا وَالدِّيَةَ إنْ سَقَطَ حَيًّا. وَمِنْهَا: شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَلَى الرَّضَاعِ يُقْبَلُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ انْفِسَاخُ النِّكَاحِ. وَمِنْهَا: لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَكْمَلُوا الْعِدَّةَ وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَهَلْ يُفْطِرُونَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَشْهَرُهُمَا لَا يُفْطِرُونَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْفِطْرِ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي: بَلَى، وَيَثْبُتُ الْفِطْرُ تَبَعًا لِلصَّوْمِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ غَيْمًا أَفْطَرُوا وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْهَا: لَوْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ الْفِطْرُ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ اقْتَضَى كَلَامُهُ حِكَايَةَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ وَقْتَ الْفِطْرِ تَابِعٌ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَلَهُ مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ لِلْغُرُوبِ عَلَيْهِ أَمَارَاتٌ تُورَثُ ظَنًّا بِانْفِرَادِهَا فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهَا قَوْلُ الثِّقَةِ قَوِيَ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ الْفِطْرِ. وَمِنْهَا: صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ لَيْلَةَ الْغَيْمِ تَبَعًا لِلصِّيَامِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا بِثُبُوتِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِالشَّهْرِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِهِ وَحُلُولِ آجَالِ الدُّيُونِ وَهُوَ ضَعِيفٌ هُنَا، نَعَمْ، إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ثَبَتَ بِهِ الشَّهْرُ وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ وَاحِدَةٍ ابْتِدَاءً صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى حَدِيثٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَهُ فَرَوَاهُ وَاحِدٌ ثَبَتَ الْحَدِيثُ بِهِ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ لَا يَثْبُتُ بِخِلَافِ وَاحِدٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْعُمَدِ أَيْضًا، وَيَتَخَرَّجُ عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا غَصَبَ شَيْئًا ثُمَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَهَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي كِتَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَالْآمِدِيُّ رِوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي بِعَدَمِ الْوُقُوعِ وَاخْتَارَ السَّامِرِيُّ الْوُقُوعَ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَعِنْدِي أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ مَنْ عَفَا عَنْ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي فِي الطَّلَاقِ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِهِ وَلَوْ ثَبَتَ الْغَصْبُ بِرَجُلَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالْوِلَادَةِ فَشَهِدَ بِهَا النِّسَاءُ حَيْثُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي وِلَادَتِهَا هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ الْمَشْهُورُ الْوُقُوعُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَتَبِعَهُ الشَّرِيفُ أَبُو حَفْصٍ

стр. 297

وَأَبُو الْمَوَاهِبِ الْعُكْبَرِيُّ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْأَكْثَرُونَ وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا إذَا قَالَ لَهَا إنْ حِضْت فَأَنْت وَضَرَّتُك طَالِقٌ فَشَهِدَ النِّسَاءُ بِحَيْضِهَا طَلُقَتَا جَمِيعًا، وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ إذَا أَخَّرَ نُجُومَ الْكِتَابَةِ فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ فَأَتَى الْمُكَاتَبُ بِشَاهِدَيْنِ وَيَمِينٍ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى مَا قَالَ فَهَلْ يُعْتَقُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْخِرَقِيِّ يُعْتَقُ وَلَمْ يَحْكِ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِيهِ خِلَافًا وَحَكَى صَاحِبُ التَّرْغِيبِ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا وَقَفَ وَقْفًا مُعَلَّقًا بِمَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَالْوَصَايَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَمِنْهَا: الْبَرَاءَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِمَوْتِ الْمُبَرِّئِ تَصِحُّ أَيْضًا لِدُخُولِهَا ضِمْنَهَا فِي الْوَصِيَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ وَقَالَهُ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ وَكَذَا إبْرَاءُ الْمَجْرُوحِ لِلْجَانِي مِنْ دَمِهِ أَوْ تَحْلِيلِهِ مِنْهُ يَكُونُ وَصِيَّةً مُعَلَّقَةً بِمَوْتِهِ، وَهَلْ هِيَ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ عَلَى طَرِيقَيْنِ فَعِنْدَ الْقَاضِي هِيَ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ فَيُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ لَيْسَ الْإِبْرَاءُ وَالْعَفْوُ وَصِيَّةً ; لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لَا تَمْلِيكٌ وَقَالَ الْآمِدِيُّ هُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ وَإِنَّمَا يَكُونُ إبْرَاءٌ مَحْضًا قَبْلَ الِانْدِمَالِ فَأَمَّا بَعْدَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَتَدْخُلُ الْمُعَاوَضَةُ تَبَعًا لِلطَّلَاقِ إذَا قَبِلَتْهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهَا، كَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ لَهُ: إنْ طَلَّقْتنِي فَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ. فَطَلَّقَهَا بَانَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ مَا إذَا قَالَتْ: إنْ طَلَّقْتنِي فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِي فَطَلَّقَهَا أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ صَدَاقِهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْإِبْرَاءِ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ مِنْ تَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ لِتَرَدُّدِ الْإِبْرَاءِ بَيْنَ الْإِسْقَاطِ وَالتَّمْلِيكِ يَقَعُ مُعَلَّقًا فِي الْجَعَالَةِ وَالسَّبْقِ فَهَاهُنَا كَذَلِكَ. وَمِنْهَا: إذَا قَالَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ فَهَلْ يَصِحُّ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ اخْتِيَارٌ وَالِاخْتِيَارُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَالِاخْتِيَارَ يَثْبُتُ تَبَعًا لَهُ وَضِمْنًا. وَمِنْهَا: إذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ هُوَ اسْتِدْعَاءٌ لِلْعِتْقِ وَالْمِلْكُ يَدْخُلُ تَبَعًا وَضِمْنًا لِضَرُورَةِ وُقُوعِ الْعِتْقِ لَهُ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مِلْكٌ قَهْرِيٌّ حَتَّى أَنَّهُ يَثْبُتَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ الْمُسْتَدْعَى عِتْقُهُ مُسْلِمًا وَالْمُسْتَدْعِي كَافِرًا مَعَ أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ شِرَاءِ الْكَافِرِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ كَانَ الْعَقْدُ مَوْضُوعًا فِيهِ لِلْمِلْكِ دُونَ الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ سِرَايَةُ عِتْقِ الشَّرِيكِ وَأَوْلَى إتْلَافٌ مَحْضٌ يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ أَحَدٍ وَلَا قَصْدِهِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ الْمُوسِرُ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَسْرِي وَلَا يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي شِرَاءِ مُسْلِمٍ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ كَمَا فَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا: صَلَاةُ الْحَاجِّ

стр. 298

عَنْ غَيْرِهِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَحْصُلُ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلْحَجِّ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَقْبَلُ النِّيَابَةَ اسْتِقْلَالًا وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الشَّالَنْجِيِّ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَكِيلَ وَوَصِيَّ الْيَتِيمِ لَهُمَا أَنْ يَبْتَاعَا بِزَائِدٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ مَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهَا عَادَةً وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا هِبَةُ ذَلِكَ الْقَدْرِ ابْتِدَاءً ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَلَكِنَّهُمْ جَعَلُوا مَأْخَذَهُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ لَيْسَتْ بِبَذْلٍ صَرِيحٍ وَإِنَّمَا فِيهَا مَعْنَى الْبَذْلِ وَجَعْلُهَا مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَوْلَى. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لَهُ أَمَتَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَلَدٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَارِثَهُ وَلَمْ يُوجَدْ قَافَّةٌ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ حُرٌّ وَأُمُّهُ مُعْتَقَةٌ بِالِاسْتِيلَادِ وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ أَنَّهُ أَحْبَلَهَا فِي مِلْكِهِ، وَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ وَيَرِثُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا يَرِثُ بِهِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالسَّامِرِيُّ ; لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأَنْسَابِ. [قَالَ الْقَاضِي وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الْخِلَافِ فِي دُخُولِ الْقُرْعَةِ فِيمَا إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَلَمْ يَعْلَمْ السَّابِقَ مِنْهُمَا] . وَالثَّانِي: يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيَرِثُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ حُرٌّ اسْتَنَدَتْ حُرِّيَّتُهُ إلَى الْإِقْرَارِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَيْنُهُ فِي إقْرَارِهِ وَمِنْهَا: لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهَا أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ وَأُخْرِجَتْ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَتُحْسَبُ لَهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِهِ وَعَلَى الْبَوَاقِي عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵁ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمَّا ثَبَتَ بِالْقُرْعَةِ تَبِعَهُ لَوَازِمُهُ مِنْ الْعِدَّةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي يَعْتَدُّ الْكُلُّ بِأَطْوَلِ الْأَجَلَيْنِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ: أَنَا رَجُلٌ. وَقَبِلْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ فَهَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ سَائِرِ أَحْكَامِ الرِّجَالِ تَبَعًا لِلنِّكَاحِ وَيَزُولُ بِذَلِكَ إشْكَالُهُ؟ أَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ دُونَ مَالِهِ مِنْهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِمِيرَاثِ ذَكَرٍ وَدِيَتِهِ فِيهِ وَجْهَانِ. . [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمَنْعُ أَسَهْل مِنْ الرَّفْعِ] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْمَنْعُ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ جِدًّا: (مِنْهَا) تَخْمِيرُ الْخَلِّ ابْتِدَاءً بِأَنْ يُوضَعَ فِيهَا خَلٌّ يَمْنَعُ تَخْمِيرَهَا مَشْرُوعٌ، وَتَخْلِيلُهَا بَعْدَ تَخْمِيرِهَا مَمْنُوعٌ. (مِنْهَا) ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ يَمْنَعُ نَجَاسَةَ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ وَدَبْغُ جِلْدِهِ بَعْدَ نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ لَا يُفِيدُ طَهَارَتَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَمِنْهَا: السَّفَرُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَلَوْ

стр. 299

سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَفِي اسْتِبَاحَةِ الْفِطْرِ رِوَايَتَانِ وَالْإِتْمَامُ فِيهِ أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ ﵁ إنْ نَوَى السَّفَرَ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ أَفْطَرَ وَإِنْ نَوَى السَّفَرَ فِي النَّهَارِ وَسَافَرَ فِيهِ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُفْطِرَ فِيهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ نِيَّةَ السَّفَرِ مِنْ اللَّيْلِ تَمْنَعُ الْوُجُوبَ إذَا وَجَدَ السَّفَرَ فِي النَّهَارِ فَيَكُونُ الصِّيَامُ قَبْلَهُ مُرَاعًى بِخِلَافِ مَا إذَا طَرَأَتْ النِّيَّةُ وَالسَّفَرُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ حَجِّ النَّذْرِ وَالنَّفَلِ فَإِنْ شَرَعَتْ فِيهِ بِدُونِ إذْنِهِ فَفِي جَوَازِ تَحْلِيلِهَا رِوَايَتَانِ. وَمِنْهَا: أَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَلَوْ دَخَلَ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَهَلْ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ بَعْدَ نِكَاحِ الْأَمَةِ هَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَنَمْنَعُهُ ابْتِدَاءً وَكَذَلِكَ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ لَا يُوجِبُ الِانْتِقَالَ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَبْلَهُ يُوجِبُ (مِنْهَا) أَنَّ الْمَرْأَةَ تَمْلِكُ مَنْعَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا فَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ابْتِدَاءً قَبْلَ قَبْضِ الصَّدَاقِ فَهَلْ تَمْلِكُ الِامْتِنَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تَقْبِضَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَكَذَلِكَ اخْتَارَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الْبَيْعِ أَنَّ الْبَائِعَ يَمْلِكُ الِامْتِنَاعَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ فَإِذَا سَلَّمَهُ لَمْ يَمْلِكْ اسْتِرْجَاعَهُ وَمَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ الْغَرِيبِ وَمِنْهَا اخْتِلَافُ الدِّينِ الْمَانِعِ مِنْ النِّكَاحِ يَمْنَعُهُ ابْتِدَاءً وَلَا يَفْسَخُهُ فِي الدَّوَامِ عَلَى الْأَشْهَرِ بَلْ يَقِفُ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِيهِ وَمِنْهَا: الْإِسْلَامُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرِّقِّ وَلَا يَرْفَعُهُ بَعْدَ حُصُولِهِ وَإِنَّمَا اسْتَرَقَ وَلَدُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ ; لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَهُوَ فِي مَعْنَى اسْتِدَامَةِ الرِّقِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْأَسْرَى إذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الِاسْتِرْقَاقِ فَإِنَّمَا أَجَازَ اسْتِرْقَاقَهُمْ لِانْعِقَادِ سَبَبِهِ فِي الْكُفْرِ انْعِقَادًا تَامًّا فَاسْتَنَدَ إلَى سَبَبٍ مَوْجُودٍ فِي الْكُفْرِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمِلْكُ الْقَاصِر مِنْ ابْتِدَاء لَا يُسْتَبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ بِخِلَافِ مَا كَانَ الْقُصُور طَارِئًا عَلَيْهِ] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْمِلْكُ الْقَاصِرُ مِنْ ابْتِدَاءٍ لَا يُسْتَبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ بِخِلَافِ مَا كَانَ الْقُصُورُ طَارِئًا عَلَيْهِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ ﵁. فَمِنْ الْأَوَّلِ: الْمُشْتَرَاةُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرَاةُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَإِنْ بَاعَهَا فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَنُصُوصُهُ صَرِيحَةٌ بِصِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ وَمَنْعِ الْوَطْءِ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَلَا يَقْرَبُهَا ; لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يَقْرَبُ فَرْجًا فِيهِ شَرْطٌ لِأَحَدٍ، كَذَلِكَ قَالَ مُهَنَّا فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ

стр. 300

وَزَادَ إنْ اشْتَرَطُوا إنْ بَاعَهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ فَلَا يَقْرَبُهَا يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ حِينَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَكَذَلِكَ نَقَلَ مُهَنَّا وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ اشْتَرَى أَمَةً بِشَرْطِ لَا يَقْرَبُهَا وَفِيهَا شَرْطٌ وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَقَوْلُ عُمَرَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ امْرَأَةٍ وَشَرَطَ لَهَا إنْ بَاعَهَا فَهِيَ لَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا فَسَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَا يَنْكِحُهَا وَفِيهَا شَرْطٌ. قَالَ حَنْبَلٌ قَالَ عَمِّي كُلُّ شَرْطٍ فِي فَرْجٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا وَالشَّرْطُ الْوَاحِدُ فِي الْبَيْعِ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ عُمَرَ كَرِهَ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يَطَأَهَا ; لِأَنَّهُ شَرَطَ لِامْرَأَتِهِ الَّذِي شَرَطَ فَلَمْ يُجَوِّزْ عُمَرُ أَنْ يَطَأَهَا وَفِيهَا شَرْطٌ وَكَذَلِكَ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ عَلَى مَنْعِ الْوَطْءِ فِي الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ بِشَرْطِ التَّدْبِيرِ وَنَصَّ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ عَلَى مَنْعِ وَطْءِ بِنْتِ الْمُدَبَّرَةِ دُونَ أُمِّهَا وَكَاعَ الْأَصْحَابُ فِي تَوْجِيهِهِ وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاضِحٌ عَلَى مَا قَرَرْنَاهُ إذْ بِنْتُ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرَةٌ مِنْ ابْتِدَاءِ مِلْكِهَا بِخِلَافِ أُمِّهَا، وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ وَطْءِ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْعُمْرَى وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى قَاصِرٌ وَلِهَذَا نَقُولُ عَلَى رِوَايَةٍ: إذَا شَرَطَ رُجُوعَهَا إلَيْهِ بَعْدُ صَحَّ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا مُؤَقَّتًا. وَمِنْ ذَلِكَ الْأَمَةُ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا لَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ وَطْؤُهَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ وَلَكِنَّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ هَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَنَافِعِ الْمُوصَى بِهَا أَمْ لَا؟ وَمِنْ الثَّانِي: أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ إذَا اشْتَرَطُوا وَطْئَهَا فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَالْمُوجَرَةِ وَالْجَانِيَةِ. وَأَمَّا الْمَرْهُونَةُ فَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ وَطْئِهَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُفْضِي إلَى اسْتِيلَادِهَا فَيَبْطُلُ الرَّهْنُ وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالرَّهْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ بِالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ فَالْوَطْءُ أَوْلَى. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ الْعَارِضُ هَلْ يستتبع تَحْرِيمَ مُقَدِّمَاتِهِ أَمْ لَا] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ الْعَارِضُ هَلْ يَسْتَتْبِعُ تَحْرِيمَ مُقَدِّمَاتِهِ أَمْ لَا؟ إنْ كَانَ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَقُصُورِهِ أَوْ خَشْيَةَ عَدَمِ ثُبُوتِهِ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ إذَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ مُحَرَّمٍ فَيَحْرُمُ سَائِرُ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَانِعِ فَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا الْعِبَادَاتُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْوَطْءِ وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ. ضَرْبٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ جِنْسُ التَّرَفُّهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ فَيَمْنَعُ الْوَطْءَ وَالْمُبَاشَرَةَ كَالْإِحْرَامِ الْقَوِيِّ وَهُوَ مَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَالِاعْتِكَافِ. وَضَرْبٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ الْجِمَاعُ وَمَا أَفْضَى إلَى الْإِنْزَالِ، فَلَا يُمْنَعُ مِمَّا بَعُدَ إفْضَاؤُهُ إلَيْهِ مِنْ

стр. 301

الْمُلَامَسَةِ وَلَوْ كَانَتْ لِشَهْوَةٍ وَهُوَ الصِّيَامُ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ الضَّعِيفُ وَهُوَ مَا بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالْوَطْءِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْوَطْءُ خَاصَّةً. النَّوْعُ الثَّانِي غَيْرُ الْعِبَادَاتِ فَهَلْ يَحْرُمُ مَعَ الْوَطْءِ غَيْرُهُ فِيهِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ. وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ مِنْهَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ يَحْرُمُ بِهِمَا الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ وَلَا يَحْرُمُ مَا دُونَهُ فِي الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى يُمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَمِنْهَا: الظِّهَارُ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ وَفِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمُقَدِّمَاتِهِ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا التَّحْرِيمُ. وَمِنْهَا: الْأَمَةُ الْمَسْبِيَّةُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ يَحْرُمُ وَطْئُهَا وَفِي الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمُبَاشَرَةِ رِوَايَتَانِ وَصَحَّحَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ الْجَوَازَ. وَمِنْهَا: الزَّوْجَةُ الْمَوْطُوءَةُ لِشُبْهَةٍ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا مُدَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ وَفِي مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ وَجْهَانِ. وَمِنْهَا: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَحْرُمَ أَمَّا إذَا قُلْنَا أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ لِشَهْوَةٍ كَالْوَطْءِ فِي تَحْرِيمِ الْأُخْتِ حَتَّى تَحْرُمَ الْأُولَى فَلَا إشْكَالَ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ هَلْ هُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا أُمّ الْقَوَد أَوْ الدِّيَةُ] [الْقَاعِدَةُ الْأُولَى فِي اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ هَلْ هُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا أَوْ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا الْقَوَدُ وَإِمَّا الدِّيَةُ، فِيهِ رِوَايَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا ثَلَاثُ قَوَاعِدَ، اسْتِيفَاءُ الْقَوَدِ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ، وَالصُّلْحُ عَنْهُ. " الْقَاعِدَةُ الْأُولَى " فِي اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ. فَيَتَعَيَّنُ حَقُّ الْمُسْتَوْفِي فِيهِ بِغَيْرِ إشْكَالٍ ثُمَّ إنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا فَلَا يَكُونُ الِاسْتِيفَاءُ تَفْوِيتًا لِلْمَالِ وَإِنْ قُلْنَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَهَلْ هُوَ تَفْوِيتٌ لِلْمَالِكِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مَسَائِلُ: (مِنْهَا) إذَا قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ، فَاقْتَصَّ الرَّاهِنُ مِنْ قَاتِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ لِلْمُرْتَهِنِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ. أَشْهَرُهُمَا اللُّزُومُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ [قَالُوا وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقِصَاصُ بِدُونِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ] ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ فَإِذَا عَيَّنَهُ بِالْقِصَاصِ فَقَدْ فَوَّتَ الْمَالَ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَقَدْ كَانَ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَيَتَعَلَّقُ بِبَدَلِهِ الْوَاجِبُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ فِي الْمَنْصُوصِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمُحَرَّرِ وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَالْخِلَافُ فِي هَذَا يُشْبِهُ الْخِلَافَ فِيمَا يَضْمَنُ بِهِ الْعَبْدُ الْجَانِي إذَا أَعْتَقَهُ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ ; لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالِاخْتِيَارِ وَالِاخْتِيَارُ نَوْعُ تَكَسُّبٍ وَالتَّكَسُّبُ لِلْمُرْتَهِنِ لَا يَلْزَمُ وَلِهَذَا لَمْ يَلْزَمْ الْمُفْلِسَ أَخْذُ الْمَالِ إذَا جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً

стр. 302

تُوجِبُ الْقَوَدَ بَلْ لَهُ الِاقْتِصَاصُ وَلَا نَعْدَمُ شَيْئًا مَعَ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِأَعْيَانِ مَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ آخَرُ يَغْرَمُ مِنْهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَافِي أَنَّ الْوَجْهَيْنِ عَلَى قَوْلِنَا مُوجِبُ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَيْنًا. فَأَمَّا إنْ قُلْنَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ وَجَبَ الضَّمَانُ لِتَفْوِيتِ الْمَالِ الْوَاجِبِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَأَمَّا إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا فَإِنَّمَا فَوَّتَ اكْتِسَابَ الْمَالِ لَمْ يُفَوِّتْ مَالًا وَاجِبًا فَلَا يَتَوَجَّهُ الضَّمَانُ بِالْكُلِّيَّةِ وَأَطْلَقَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَيَتَعَيَّنُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا صَرَّحَا فِي الْعَفْوِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ إذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا، وَعَلَّلَا بِأَنَّهُ إنَّمَا فَوَّتَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ اكْتِسَابَ الْمَالِ وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ وَالِاقْتِصَاصُ مِثْلُ الْعَفْوِ ثُمَّ وَجَدَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ صَرَّحَ بِهَذَا الْبِنَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ. وَمِنْهَا: إذَا قُتِلَ عَبْدٌ مِنْ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدُّيُونِ عَمْدًا وَقُلْنَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْوَرَثَةِ فَاخْتَارُوا الْقِصَاصَ فَهَلْ يُطَالَبُونَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْمَرْهُونِ. وَمِنْهَا: الْعَبْدُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ إذَا قُتِلَ عَمْدًا فَهَلْ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ الِاقْتِصَاصُ بَعْدَ إذْنِ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ وَهَلْ يَضْمَنُ أَمْ لَا؟ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِالْمَنْعِ كَالرَّهْنِ سَوَاءٌ وَهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنَّ حَقَّ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَبْطُلْ بِالْقَتْلِ وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ وَهُوَ بُطْلَانُ حَقِّهِ بِالْقَتْلِ جَعْلًا لِلْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ كَالْهِبَةِ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ فَلَا يُمْنَعُ مَالِكُ الرَّقَبَةِ مِنْ الِاقْتِصَاصِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: إذَا جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ الْجَوَازَ ; لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْقِصَاصِ وَالْعَفْوَ عَنْهُ إلَى الْعَبْدِ دُونَ سَيِّدِهِ وَلَوْ كَانَ قِنًّا وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي مَنْعِهِ مِنْ الِاقْتِصَاصِ مِنْ عَبِيدِهِ إذَا قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَاصُ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْقَاتِلَ قَدْ فَوَّتَ مَالًا مَمْلُوكًا فَهُوَ كَقَتْلِ الرَّاهِنِ الْمَرْهُونَ بِقِصَاصٍ اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَسْتَحِقُّ انْتِزَاعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَهَذَا بِخِلَافِ اقْتِصَاصِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْجَانِي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ بِهِ مَالًا مَمْلُوكًا لَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِهِ لِمُعَيَّنٍ قَبْلَ قَبُولِهِ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ الِاقْتِصَاصُ بِدُونِ إذْنِ الْمُوصَى لَهُ، إذَا قُلْنَا هُوَ مِلْكٌ يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ إذَا قُلْنَا: إنَّ الْجِنَايَةَ أَوْجَبَتْ أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَإِنْ فَعَلُوا ضَمِنُوا لِلْمُوصَى لَهُ الْقِيمَةَ إذَا قَبِلَ. وَمِنْهَا: لَوْ قُتِلَ عَبْدٌ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ عَمْدًا فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَهُمَا شَرِيكَانِ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالْقِصَاصِ وَلَا الْعَفْوُ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ فَلَوْ اقْتَصَّ رَبُّ الْمَالِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُضَارِبِ تَوَجَّهَ أَنْ يَضْمَنَ لِلْمُضَارِبِ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ بِالْقَتْلِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ] " الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة " فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا أَنْ يَقَعَ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ إحْدَاهُمَا ثُبُوتُ الدِّيَةِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ [وُهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَالثَّانِيَة: بِنَاؤُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ] .

стр. 303

فَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُهُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ ثَبَتَتْ الدِّيَةُ وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ بِدُونِ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَذَكَرهَا الْقَاضِي أَيْضًا فِي الْمُضَارَبَةِ، فَيَكُونُ الْقَوَدُ بَاقِيًا بِحَالِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإِسْقَاطِهِ إلَّا بِعِوَضٍ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقِصَاصِ وَلَا يَذْكُرَ مَالًا، فَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا أَحَدَ شَيْئَيْنِ ثَبَتَ الْمَالُ وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ إذَا عُفِيَ عَنْ الْقَوَدِ سَقَطَ وَلَا شَيْءَ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ ; لِأَنَّهُ بِعَفْوِهِ عَنْهُ تَعَيَّنَ الْوَاجِبُ فِيهِ بِتَصَرُّفِهِ فِيهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ثُمَّ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الِاخْتِيَارُ فِيهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ إسْقَاطَ الْقَوَدِ تَرْكٌ لَهُ وَإِعْرَاضٌ عَنْهُ وَعُدُولٌ إلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ اخْتِيَارًا لَهُ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْ الْقَوَدِ وَالْمَالِ جَمِيعًا وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارُهُمَا جَمِيعًا بِخِلَافِ الزَّوْجَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَاقَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ عَلَى الْمَشْهُورِ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَوَدِ إلَى غَيْرِ مَالٍ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا فَلَا مَالَ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَقَوْلُهُ هَذَا لَغْوٌ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَالْمَالُ جَمِيعًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تَبَرَّعَ لَهُ كَالْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَالْوَرَثَةِ مَعَ اسْتِغْرَاقِ الدُّيُونِ لِلتَّرِكَةِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَسْقُطُ الْمَالُ بِإِسْقَاطِهِمْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ; لِأَنَّ الْمَالَ وَجَبَ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَلَا يُمْكِنُهُمْ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْعَفْوِ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ. الثَّانِي: يَسْقُطُ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَتَعَيَّنُ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ لَهُ أَوْ إسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَحْدَهُ وَأَمَّا إسْقَاطُهُمَا فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ مُتَّصِلٍ سَقَطَا جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ دُخُولِ الْمَالِ فِي مِلْكِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ. نَقُولُ لِتَرْكِ التَّمَلُّكِ فَلَا يَدْخُلُ الْمَالُ فِي مِلْكِهِ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَهَلْ يَكُونُ الْعَفْوُ تَفْوِيتًا [لِلْمَالِ إنْ قُلْنَا إنَّ الْوَاجِبَ الْقَوَدُ عَيْنًا لَمْ يَكُنْ الْعَفْوُ تَفْوِيتًا لِلْمَالِ] فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَكَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ وَصَرَّحَ فِي الْكَافِي بِأَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا لَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنَّ عِنْدَهُ فِي الضَّمَانِ وَجْهَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ضَعْفِ ذَلِكَ وَمُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ تَعْلِيلِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ. وَكَذَلِكَ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّ فِي الضَّمَانِ هَاهُنَا وَجْهَيْنِ وَصَحَّحَ عَدَمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الضَّمَانِ إذَا اقْتَصَّ خِلَافًا، وَفَرَّقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بَيْنَ الضَّمَانِ بِالِاقْتِصَاصِ وَعَدَمِ الضَّمَانِ بِالْعَفْوِ بِأَنَّهُ إذَا اقْتَصَّ فَقَدْ اسْتَوْفَى بَدَلَ الْمَالِ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَفَى فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ لَهُ بَدَلًا بَلْ فَاتَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَلِهَذَا لَوْ أَبَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْغَرِيمَ مِنْ حَقِّهِ بَرِئَ وَلَمْ يَلْزَمْ الضَّمَانُ لِشَرِيكِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ أَوْ بَدَلَهُ فَإِنَّهُ لِشَرِيكِهِ نَصِيبُهُ مِنْهُ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَعُفِيَ مَجَّانًا فَفِي الْكَافِي هُوَ كَالْعَفْوِ عَنْ الْمَالِ فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ وَاهِيًا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

стр. 304

أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ وَهُوَ اخْتِيَارُهُ أَعْنِي صَاحِبَ الْكَافِي كَمَا لَا يَصِحُّ عَفْوُ الْمُفْلِسِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ تَكُونُ رَهْنًا ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِعَفْوِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَالثَّالِث يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ مِنْ الْجَانِي تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ فَإِذَا زَالَ الرَّهْنُ رُدَّتْ إلَى الْجَانِي وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فِي صِحَّةِ عَفْوِ الْمُفْلِسِ وَالْمَرِيضِ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَالْوَرَثَةُ وَنَحْوُهُمْ فَيَتَخَرَّجُ فِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ كَالِاقْتِصَاصِ إذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) عَفْوُ الرَّاهِنِ عَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَرْهُونِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ مُسْتَوْفًى. وَمِنْهَا: عَفْوُ الْمُفْلِسِ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَوَدِ مَجَّانًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّا إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا صَحَّ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْ الْمَالِ وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ الَّذِي قِيلَ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ يَصِحُّ، وَعَلَى طَرِيقَةِ مَنْ حَكَى الضَّمَانَ وَهُوَ الْمَرْهُونُ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا يَخْرُجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ. وَمِنْهَا: عَفْوُ الْمُكَاتَبِ عَنْ الْقِصَاصِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُفْلِسِ. وَمِنْهَا: عَفْوُ الْوَرَثَةِ عَنْ الْقِصَاصِ مَعَ اسْتِغْرَاقِ الدُّيُونِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ وَمِنْهَا: عَفْوُ الْمَرِيضِ عَنْ الْقِصَاصِ وَحُكْمُهُ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَذَلِكَ. وَمِنْهَا: إذَا عَفَى الْوَارِثُ عَنْ الْعَبْدِ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ هَلْ يَضْمَنُ لِمَالِكِ الْمَنْفَعَةِ قِيمَتُهَا عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا فِي التَّرْغِيبِ وَالْأَظْهَرُ تَخْرِيجُهُمَا عَلَى أَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ هَلْ سَقَطَ بِالْإِتْلَافِ أَمْ لَا، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَنْفُذَ عَفْوُهُ فِي قَدْرِ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ ; لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَيْرِ إذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَفْوِ عَنْ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِالْقَتْلِ وَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ بِبَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ وَمِنْهَا: إذَا قُتِلَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِهِ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ قَبُولِهِ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ الْعَفْوُ عَنْ قَاتِلِهِ بِدُونِ اخْتِيَارِ الْمُوصَى لَهُ بِهِ ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ لَهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْأَصْحَابُ، وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا فَلَمْ يَجِبْ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ مَالٌ فَلَهُمْ الْعَفْوُ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِنَا أَنَّ مِلْكَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ لَهُمْ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا فِي الْمَرْهُونِ يَخْرُجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ. وَمِنْهَا: الْعَفْوُ عَنْ الْوَارِثِ الْجَانِي فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ بِوُقُوفِهِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ. " تَنْبِيهَانِ ": أَحَدُهُمَا: لَوْ أَطْلَقَ الْعَفْوَ عَنْ الْجَانِي عَمْدًا فَهَلْ يَتَنَزَّلُ عَفْوُهُ عَلَى الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ أَوْ عَلَى الْقَوَدِ وَحْدَهُ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا جَمِيعًا وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا. وَالثَّانِي: يَنْصَرِفُ إلَى الْقَوَدِ وَحْدَهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بُقُورِي بِإِرَادَةِ

стр. 305

الدِّيَةِ مَعَ الْقَوَدِ. وَالثَّالِثُ يَكُونُ عَفْوًا عَنْهُمَا إلَّا أَنْ يَقُولَ لَمْ أُرِدْ الدَّابَّةَ فَيَحْلِفُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ. وَفِي التَّرْغِيبِ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ وَحْدَهُ سَقَطَ وَلَا دِيَةَ، وَإِنْ قُلْنَا أَحَدَ شَيْئَيْنِ انْصَرَفَ الْعَفْوُ إلَى الْقِصَاصِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْأُخْرَى يَسْقُطَانِ جَمِيعًا. " الثَّانِي ": لَوْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ فَلَهُ ذَلِكَ وَهَلْ لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ هُوَ الْقِصَاصُ عَيْنًا فَلَهُ تَرْكُهُ إلَى الدِّيَةِ وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَعَلَى بِالسُّقَّى حَكَاهُمَا فِي التَّرْغِيبِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ مُعَيَّنٌ لَهُ الْقِصَاصُ فَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ إلَى مَالٍ كَمَا إذَا قُلْنَا هُوَ الْوَاجِبُ عَيْنًا. وَالثَّانِي: لَا، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الدِّيَةِ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا كَمَا لَوْ عَفَى عَنْهَا وَعَنْ الْقِصَاصِ. وَفَارِقٌ مَا إذَا قُلْنَا أَنَّ الْقَوَدَ هُوَ الْوَاجِبُ عَيْنًا ; لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الَّذِي أَسْقَطَهُ هُوَ الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ بِالْجِنَايَةِ، وَالْمَأْخُوذُ هُنَا غَيْرُهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ الْمُصَالَحَةِ عَنْ الْقِصَاصِ الْمُتَعَيَّنِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الصُّلْحُ عَنْ مُوجِبِ الْجِنَايَةِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) : الصُّلْحُ عَنْ مُوجِبِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ قُلْنَا هُوَ الْقَوَدُ وَحْدَهُ فَلَهُ الصُّلْحُ عَنْهُ بِمِقْدَارِ الدِّيَةِ وَبِأَقَلَّ وَأَكْثَرَ مِنْهَا إذْ الدِّيَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِالْجِنَايَةِ وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ الْقَوَدَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَالِ وَقُلْنَا لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الدِّيَةَ سَقَطَ وُجُوبُهَا وَإِنْ قُلْنَا أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَهَلْ يَكُونُ الصُّلْحُ عَنْهَا صُلْحًا عَنْ الْقَوَدِ أَوْ الْمَالِ عَلَى وَجْهَيْنِ؟ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مَسَائِلُ: (مِنْهَا) هَلْ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسهَا أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِالْعَفْوِ وَالْمُصَالَحَةِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ مِنْ الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ يَصِحُّ غَيْرُ جِنْسِ الدِّيَةِ وَلَا يَصِحُّ عَلَى جِنْسِهَا إلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْجِنْسِ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ أُعْطِيَ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ وَرِبَا الْفَضْلِ، وَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ جَوَازَ الصُّلْحِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. قَالَ فِي الْمُغْنِي لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَصَرَّحَ السَّامِرِيُّ فِي فُرُوقِهِ بِجَوَازِ الصُّلْحِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ. وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْقَوَدَ ثَابِتٌ فَالْمَأْخُوذُ عِوَضٌ عَنْهُ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَجَازَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الْجَائِزَةِ. وَأَمَّا الْقَوَدُ فَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا يَسْقُطُ بَعْدَ صِحَّةِ الصُّلْحِ وَثُبُوتِهِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمُعَاوَضَةِ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ فَلَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُسْقِطُهُ بِعِوَضٍ فَلَا يَسْقُطُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْعِوَضِ لَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ صَالَحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بِشِقْصٍ هَلْ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ أَمْ لَا إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا فَالشِّقْصُ مَأْخُوذٌ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَالِيٍّ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عَلَى أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِأَبِي حَامِدٍ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ إذْ هُوَ عِوَضٌ عَنْ الدِّيَةِ لِتَعْيِينِهَا بِاخْتِيَارِ الصُّلْحِ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ

стр. 306

وَكَذَلِكَ السَّامِرِيِّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرَهُ فِي الْفُرُوقِ وَيَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ الصُّلْحُ عَنْ الْقَوَدِ أَنْ يُطْرَدَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ وَهُوَ وَقْفٌ عَلَى إطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ. وَمِنْهَا: لَوْ قَتَلَ عَبْدُهُ عَبْدًا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ عَمْدًا فَصَالَحَ الْمَالِكَ عَنْهُ بِمَالٍ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي التَّخْرِيجِ أَنَّهُ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَصِرْ الْمَالُ الْمُصَالَحُ بِهِ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ عَنْ الْمَقْتُولِ بَلْ عَنْ الْقِصَاصِ وَإِنْ قُلْنَا أَحَدَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْمَقْتُولِ فَهُوَ كَقَتْلِ الْخَطَأِ، وَهَذَا مُنَزَّلٌ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى الْمَالِ أَمَّا إنْ قِيلَ إنَّهُ وَاقِعٌ عَنْ الْقَوَدِ فَقَدْ يُقَالُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْعَبْدِ وَقَدْ يُقَالُ لَا يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَظَاهِرُ تَعْلِيلِ الْقَاضِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ عَلَى مَالِكِ الْجَانِي مِنْ إرَاقَةِ دَمِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ قِيمَةَ الْجَانِي أَوْ بَاعَهُ فِي الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَالَ الْوَاجِبَ بِالْقَتْلِ عِوَضًا عَنْ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الْمُضَارَبَةِ عَمْدًا فَصَالَحَ عَنْهُ بِمَالٍ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ بِكُلِّ حَالٍ عَنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ كَالثَّمَنِ وَلَمْ يَبْنِيَاهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُوجِبِ الْعَمْدِ إذْ هُوَ بَدَلٌ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ فَلَا حَاجَةَ هَاهُنَا إلَى نِيَّةٍ وَلَكِنْ قَدْ يَبْنِي عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الصُّلْحَ هَلْ وَقَعَ عَنْ الْمَالِ أَوْ عَنْ الْقَوَدِ وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ مَتَى قُلْنَا الْقِصَاصُ يَجِبُ عَيْنًا أَنَّ الْمُضَارَبَةَ قَدْ بَطَلَتْ وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مَا صَالَحَ عَنْهُ لِلسَّيِّدِ مِلْكًا جَدِيدًا. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْعَيْنُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْعَيْنُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً وَجَبَ ضَمَانُهَا بِالتَّلَفِ وَالْإِتْلَافِ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا بِالتَّلَفِ وَوَجَبَ بِالْإِتْلَافِ إنْ كَانَ مُسْتَحَقٌّ مَوْجُودٌ وَإِلَّا فَلَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (مِنْهَا) الزَّكَاةُ فَإِذَا قُلْنَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ وَيَجِبُ ضَمَانُهَا. وَمِنْهَا: الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمَالِكِ بِالْجَزَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) الرَّهْنُ يُضْمَنُ

стр. 307

بِالْإِتْلَافِ مِثْلُ أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ الرَّاهِنُ أَوْ يُعْتِقَهُ إنْ كَانَ عَبْدًا وَلَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ. وَمِنْهَا: الْعَبْدُ الْجَانِي إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَهَلْ يَضْمَنُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ مُطْلَقًا أَوْ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ وَمِنْ قِيمَتِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَأَنْكَرَ فِي الْخِلَافِ رِوَايَةَ الضَّمَانِ بِالْأَرْشِ مُطْلَقًا قَالَ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحِلَّ الْحَقِّ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرَ مِنْ ضَمَانِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَارَ فِدَاءَهُ فَإِنَّهُ مَعَ بَقَائِهِ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ رَاغِبٌ فَيَبْذُلُ فِيهِ مَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْأَرْشَ كُلَّهُ فَلِذَلِكَ ضَمِنَهُ بِأَرْشِ كُلِّهِ عَلَى رِوَايَةٍ وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَهُ بِالْأَرْشِ كُلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَزِمَهُ الْأَقَلُّ وَنَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِحَالٍ وَإِنْ عَلِمَ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ فَقَطْ وَلَوْ قَتَلَهُ الْمَالِكُ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فَفِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ يَسْقُطُ الْحَقُّ كَمَا لَوْ مَاتَ وَحَكَى الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْآمِدِيُّ رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا يَسْقُطُ الْحَقُّ قَالَ الْقَاضِي نَقَلَهَا مُهَنَّا لِفَوَاتِ مَحِلِّ الْجِنَايَةِ. وَالثَّانِيَة: لَا تَسْقُطُ نَقَلَهَا حَرْبٌ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَبِهَا جَزَمَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَيَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِقِيمَتِهِ ; لِأَنَّهَا بَدَلُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ عَمْدًا فَإِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ وَجَعَلَ الْقَاضِي الْمُطَالَبَةَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلسَّيِّدِ، وَالسَّيِّدُ يُطَالِبُ الْجَانِي بِالْقِيمَةِ. وَمِنْهَا: إذَا قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا ثُمَّ قُتِلَ الْقَاتِلُ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ ثَوْبٍ فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا ثُمَّ قُتِلَ الرَّجُلُ خَطَأً لَهُمْ الدِّيَةُ قِيلَ لَهُ وَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا قَالَ وَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا فَقِيلَ لَهُ فَإِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ إنَّهُ إذَا قُتِلَ إنَّمَا كَانَ لَهُمْ دَمُهُ وَلَيْسَ لَهُمْ الدِّيَةُ قَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ الْحَدِيثُ إنَّ أَوْلِيَاءَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا قَبِلُوا الدِّيَةَ فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا قَتَلَ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ وَقَدْ فَاتَ أَحَدُهُمَا فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا وَهَذَا يَقْوَى عَلَى قَوْلنَا إنَّ الدِّيَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالتَّرَاضِي. وَخَرَّجَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا آخَرَ وَقَوَّاهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ الدِّيَةُ بِمَوْتِ الْقَاتِلِ أَوْ قَتْلِهِ بِكُلِّ حَالٍ مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا وَسَوَاءٌ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا أَوْ أَحَدَ شَيْئَيْنِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِزَاءِ الْعَفْوِ وَبَعْدَ مَوْتِ الْقَاتِلِ لَا عَفْوَ، فَيَكُونُ مَوْتُهُ كَمَوْتِ الْعَبْدِ الْجَانِي وَالْعَجَبُ مِنْ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ كَيْفَ حَمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ يُخَيَّرُونَ فِي الْقَاتِلِ الثَّانِي بَيْنَ أَنْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فَحَكَاهُ رِوَايَةً وَمَنْ تَأَمَّلَ لَفْظَ الرِّوَايَةِ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا فِي خِلَافِهِ الدِّيَةُ وَاجِبَةٌ فِي التَّرِكَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ أَوْ الْقِصَاصُ عَيْنًا وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا رَأَيْته وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ عَمْدًا ثُمَّ يُقَدَّمُ لِيُقَادَ مِنْهُ فَيَأْتِي رَجُلٌ فَيَقْتُلُهُ قَالَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ فَلَمَّا ذَهَبَ الدَّمُ فَيَنْظُرُ إلَى أَوْلِيَاءِ هَذَا الْمَقْتُولِ الثَّانِي فَإِنْ هُمْ أَخَذُوا الدِّيَةَ مِنْ الْقَاتِلِ الْأَخِيرِ فَقَدْ صَارَ مِيرَاثًا مِنْ

стр. 308

مَالِهِ ثُمَّ يَعُودُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ الْأَوَّلِ فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ بِدَمِ صَاحِبِهِمْ وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ إذَا فَاتَهُ الدَّمُ أَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ; لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا وَهَذَا كُلُّهُ تَصْرِيحٌ بِالْحُكْمِ وَالتَّعْلِيلِ وَجَعَلَ الْمُطَالَبَةَ بِالدِّيَةِ لِأَوْلِيَاءِ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ. وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَجْهًا أَنَّ الْمُطَالَبَةَ لِقَاتِلِ الْقَاتِلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ فَوَّتَ مَحِلَّ الْحَقِّ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِي وَلِلْأَصْحَابِ وَجْهَانِ فِيمَا إذَا قَتَلَ الْجَانِي بَعْضَ الْوَرَثَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَرِدُ بِالِاسْتِيفَاءِ هَلْ الْبَاقِينَ حِصَّتُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْجَانِي أَمْ عَلَى الْمُقْتَصِّ عَلَى وَجْهَيْنِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ وَرَثَةُ الْجَانِي عَلَى الْمُقْتَصِّ بِمَا فَوْقَ حَقِّهِ. وَنَقَلَ صَالِحٌ وَابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَعَدَا بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ فَقَتَلَ الرَّجُلَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ. فَقَالَ هَذَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ مَا لِلْحَاكِمِ هَاهُنَا وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْحَقَّ لِنَفْسِهِ وَلِشُرَكَائِهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَيْنًا. وَمِنْهَا: لَوْ عَيَّنَ الْأُضْحِيَّةَ أَوْ هَدْيًا لَا عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ مُسْتَحِقَّهُ مَوْجُودٌ وَهُمْ مَسَاكِينُ وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ [وَابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ رِوَايَةً] بِوُجُوبِ الضَّمَانِ كَالزَّكَاةِ وَأَخَذُوا مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا فَعَطِبَ دُونَ مَحِلِّهِ فَعَلَيْهِ مَكَانَهُ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ. قَالُوا وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ هَلْ يَضْمَنُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ وَلَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمَنْذُورِ، وَإِنْ قَتَلَهُ السَّيِّدُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ وَالْمَصْرِفُ لِلْعَبْدِ فَإِذَا فَاتَ الْمَصْرِفُ لَمْ يَبْقَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِتْقِ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فَيَجِبُ صَرْفُ قِيمَتِهِ فِي الرِّقَابِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِنَا فِي الْوَلَاءِ إذَا حَصَلَ مِنْ الْمُعْتِقِينَ فِي الْكَفَّارَةِ صَرْفٌ فِي الرِّقَابِ وَالْوَلَاءِ أَلَيْسَ مِنْ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّهُ بَدَلُ الِاكْتِسَابِ وَالْقِيمَةِ بَدَلُ الذَّاتِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الرِّقَابُ مَصْرِفًا فَلَا وَجْهَ لِسُقُوطِ الْقِيمَةِ عَنْهُ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لِسَيِّدِهِ الْقِيمَةُ وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهَا فِي الْعِتْقِ وَخَرَّجَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَجْهًا بِوُجُوبِهِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ الْبَدَلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُبْدَلِ وَلِهَذَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ فَقُتِلَ قَبْلَ قَبُولِهِ فَإِنَّ قِيمَتَهُ لَهُ إذَا قُتِلَ.

стр. 309

[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ مِنْ جِنْسٍ إذَا كَانَ بَعْضُهَا مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ وَبَعْضُهَا غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِهِ] ِ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْحَقِّ خَشْيَةَ سُقُوطِ صَاحِبِهِ فَحَيْثُ كَانَ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ حَقَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كَذَوِي الْفُرُوضِ مَعَ الْعَصَبَاتِ فِي الْمِيرَاثِ، فَهَاهُنَا قَدْ يَزِيدُ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ عَلَى الْحَقِّ الْمُقَدَّرِ ; لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِنِهَايَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَغَيْرُ الْمُقَدَّرِ مَوْكُولًا إلَى الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِهِ بِأَصْلٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَلَا يُرَادُ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ عَلَى الْمُقَدَّرِ هَاهُنَا ، وَلَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا: الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ فَلَا يَبْلُغُ بِتَعْزِيرِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَدْنَى حُدُودِهِمَا إلَّا فِيمَا سَبَّبَهُ الْوَطْءُ فَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِالتَّعْزِيرِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْحُرِّ مِائَةَ جَلْدَةٍ بِدُونِ نَفْيٍ، وَقِيلَ لَا يَبْلُغُ الْمِائَةَ بَلْ يَنْقُصُ مِنْهُ سَوْطًا وَفِي حَقِّ الْعَبْدِ خَمْسِينَ إلَّا سَوْطًا، وَيَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهُ عَلَى مَا يَرَاهُ السُّلْطَانُ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ فِي مَعْصِيَةٍ حَدًّا مَشْرُوعًا فِي جِنْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَدِّ غَيْرِ جِنْسِهَا. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يُزَادُ فِي كُلِّ تَعْزِيرٍ عَشْرُ جَلْدَاتٍ لِخَبَرِ أَبِي بُرْدَةَ. وَمِنْهَا: السَّهْمُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالرَّضْخِ فَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِآدَمِيٍّ سَهْمَهُ الْمُقَدَّرَ وَلَا بِالرَّضْخِ لِمَرْكُوبٍ سَهْمَهُ الْمُقَدَّرَ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُقَدَّرًا شَرْعًا وَالْآخَرُ تَقْدِيرُهُ رَاجِعٌ إلَى الِاجْتِهَادِ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ يَضْبِطُ بِهِ فَهَلْ هُوَ كَالْمُقَدَّرِ أَمْ لَا؟ إنْ كَانَ مَحِلُّهُمَا وَاحِدًا لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ الْمُقَدَّرُ وَفِي بُلُوغِهِ خِلَافٌ، وَإِنْ كَانَ مَحِلُّهُمَا مُخْتَلِفًا فَالْخِلَافُ فِي بُلُوغِ الْمُقَدَّرِ وَمُجَاوَزَتِهِ، فَالْأَوَّلُ كَالْحُكُومَةِ إذَا كَانَتْ فِي مَحِلٍّ لَهُ مُقَدَّرٍ فَلَا يُجَاوِزُ بِهَا الْمُقَدَّرَ، وَكَذَلِكَ الْمَحِلُّ وَفِي بُلُوغِهِ وَجْهَانِ: وَالثَّانِي: كَدِيَةِ الْحُرِّ مَعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَإِذَا جَاوَزَتْ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَهَلْ تَجِبُ الْقِيمَةُ بِكَمَالِهِ أَمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهَا دِيَةَ الْحُرِّ بَلْ يَنْقُصُ مِنْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَقَدْ يُخَرَّجُ عَلَيْهِمَا جَوَازُ بُلُوغِ الْحُكُومَةِ الْأَرْشَ الْمُقَدَّرَ مُطْلَقًا. [الْقَاعِدَةُ الْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ بِإِتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضَى لَهُ لِمَانِعٍ] (الْقَاعِدَةُ الْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ بِإِتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضَى لَهُ لِمَانِعٍ فَإِنَّهُ يَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا: إذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَمْدًا ضَمِنَهُ بِدِيَةِ مُسْلِمٍ. وَمِنْهَا: مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَإِنَّهُ يَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالثَّمَرِ وَالْكَثْرِ. وَمِنْهَا: الضَّالَّةُ الْمَكْتُومَةُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهَا مَرَّتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ مُعَلِّلًا بِأَنَّ التَّضْعِيفَ فِي الضَّمَانِ هُوَ لِدَرْءِ الْقَطْعِ وَهَذَا

стр. 310

مُتَوَجِّهٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي قَطْعِ جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَتَلْزَمُهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً نَصَّ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: الصَّغِيرُ إذَا قَتَلَ عَمْدًا وَقُلْنَا إنَّ لَهُ عَمْدًا صَحِيحًا ضُوعِفَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ. وَمِنْهَا: السَّرِقَةُ عَامَ الْمَجَاعَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ يَتَضَاعَفُ الْغُرْمُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ لَوْ احْتَجَّ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي رَقِيقِ حَاطِبٍ. وَمِنْهَا: السَّرِقَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ إذَا قُلْنَا هِيَ كَالْغُلُولِ وَإِنَّ الْغَالَّ يُحْرَمُ سَهْمَهُ مِنْهَا عَلَى رِوَايَةٍ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غُرْمُ مَا سَرَقَهُ مَعَ حِرْمَانِ سَهْمِهِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ قَدْرَ السَّرِقَةِ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ. وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَغْلِيظُ الدِّيَةِ بِقَتْلِ ذِي الرَّحِمِ عَمْدًا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِيهِ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فِي غَيْرِ الِابْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةِ حُرْمَةِ الْجِنَايَةِ فَهُوَ كَالتَّضْعِيفِ بِالْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا أَتْلَفَ عَيْنًا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا أَتْلَفَ عَيْنًا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَاسْتِيفَاؤُهَا إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَزِمَهُ ضَمَانُهَا بِقِيمَتِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَا يَوْمَ تَلَفِهَا أَوْ بِمِثْلِهَا عَلَى صِفَاتِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَوْمَ تَلَفِهَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا لَوْ تَرَكَ السَّاعِي زَكَاةَ الثِّمَارِ أَمَانَةً بِيَدِ رَبِّ الْمَالِ فَأَتْلَفَهَا قَبْلَ جَفَافِهَا أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ضَمِنَهَا بِقَدْرِهَا يَابِسًا لَا رَطْبًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ يَضْمَنُهَا بِمِثْلِهَا رَطْبًا. وَمِنْهَا: لَوْ أَتْلَفَ الْأُضْحِيَّةَ أَوْ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِأَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْإِتْلَافِ أَوْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، وَفِي الْكَافِي يَضْمَنُهَا بِأَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ هَدْيِ مِثْلِهَا ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْإِرَاقَةَ وَالتَّفْرِقَةَ بَعْدَ لُزُومِهِمَا فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ شَيْئَيْنِ، قَالَ: وَيَشْتَرِي بِالْقِيمَةِ هَدْيًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا إذَا أَكَلَ الْمُضَحِّي جَمِيعَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ الْهَدْيَ مِمَّا مُنِعَ مِنْ أَكْلِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، لَا تَلْزَمُهُ الْإِرَاقَةُ وَالتَّفْرِقَةُ وَقَدْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِرَاقَةُ فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ وَيَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ مَا زَالَ مِنْ الْأَعْيَانِ ثُمَّ عَادَ بِأَصْلِ الخلقة أَوْ بِصُنْعِ آدَمِيٍّ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : مَا زَالَ مِنْ الْأَعْيَانِ ثُمَّ عَادَ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ بِصُنْعِ آدَمِيٍّ هَلْ يُحْكَمُ عَلَى الْعَائِدِ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ يُطْرَدُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: لَوْ قَلَعَ سِنَّهُ أَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَعَادَهُ فِي الْحَالِ فَثَبَتَ وَالْتَحَمَ كَمَا كَانَ لَمْ يَرُحْ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ أَمْ لَا نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى طَهَارَتِهِ إذَا ثَبَتَ وَالْتَحَمَ، وَعَلَى نَجَاسَتِهِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ، وَحَكَى الْقَاضِي الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَفَرَّقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بَيْنَ أَنْ يَثْبُتَ وَيَلْتَحِمَ فَيُحْكَمَ بِطَهَارَتِهِ لِعَوْدِ الْحَيَاةِ إلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ وَهَذَا حَسَنٌ. فَإِنْ كَانَ بِجِنَايَةِ جَانٍ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ سِوَى حُكُومَةِ نَقْصِهِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَبَنَاهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي حَقُّهُ بِحَالِهِ فَأَمَّا إنْ اقْتَصَّ مِنْ الْجَانِي فَأَعَادَهُ وَالْتَحَمَ فَهَلْ لِلْمُقْتَصِّ إبَانَتُهُ ثَانِيًا أَمْ لَا؟ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ عَلَى أَنَّ لَهُ إبَانَتُهُ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْقِصَاصَ لِلشَّيْنِ وَالشَّيْنُ قَدْ زَالَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: لَوْ قَلَعَ ظُفْرَ آدَمِيٍّ أَوْ سِنَّهُ أَوْ شَعْرَهُ ثُمَّ عَادَ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ شَمَّهُ أَوْ بَصَرَهُ ثُمَّ عَادَ

стр. 311

بِحَالِهِ فَلَا ضَمَانَ بِحَالٍ فِي الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ أَطْرَافَ الْآدَمِيِّ لَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ إذْ لَيْسَتْ أَمْوَالًا، فَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِمَا نَقَصَ الْجُمْلَةَ وَلَمْ يُوجَدْ نَقْصٌ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. وَيَتَوَجَّهُ التَّفْرِيقُ ; لِأَنَّ أَعْضَاءَ الرَّقِيقِ أَمْوَالٌ وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الْأَمَةِ دُونَ الْحُرَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَنَا، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا هَزَلَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ سَمِنَتْ فَهَلْ يُضْمَنُ نَقْصَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَالْأَشْبَهُ بِكَلَامِهِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ ; لِأَنَّهُ نَصَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَنْ كَسَرَ خَلْخَالًا لِغَيْرِهِ أَنَّ عَلَيْهِ إصْلَاحُهُ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّ إصْلَاحَ الْخَلْخَالِ نَوْعُ ضَمَانٍ بِخِلَافِ عَوْدِ السَّمْنِ، وَلَكِنْ صَرَّحَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ بِأَنَّهُ لَوْ غَصَبَ جِدَارًا فَنَقَضَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ، إلَّا أَنَّ هَذَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَرْشُ فَالْبِنَاءُ عَدُوَّانِ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْوَاجِبُ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا بَاعَ الْغَاصِبُ الدَّارَ الْمَغْصُوبَةَ فَنَقَضَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ بَنَاهَا أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُ قِيمَتِهَا مَبْنِيَّةً وَمَنْقُوضَةً يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ. وَمِنْهَا: نَبَاتُ الْحَرَمِ إذَا قَطَعَهُ أَوْ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى عَلَى رِيشِ طَائِرٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ ثُمَّ نَبَتَ فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، لِتَرَدُّدِ ضَمَانِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ وَصَيْدِ الْمُحْرِمِ بَيْنَ ضَمَانِ الْأَمْوَالِ إذْ هِيَ أَمْوَالٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَبَيْنَ ضَمَانِ الْآدَمِيِّينَ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ وَنَبَاتَهُ مُلْحَقٌ بِالْآدَمِيِّينَ لِعِصْمَتِهِ بِمَحِلِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بِخِلَافِ صَيْدِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ يَخْتَصُّ بِهِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ الَّتِي تَحِلُّ لِمَالِكِهَا دُونَ غَيْرِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِوَضْعِ خَشَبِهِ عَلَيْهِ فَسَقَطَ الْجِدَارُ ثُمَّ أَعَادَهُ فَهَلْ لَهُ إعَادَةُ الْوَضْعِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِدُونِ إذْنٍ ; لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْإِعَادَةُ وَالصُّلْحُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْعَارِيَّةِ. وَالثَّانِي: لَهُ ذَلِكَ إنْ أَعَادَهُ بِآلَتِهِ الْعَتِيقَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي

стр. 312

وَلَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ الْوَضْعُ مُسْتَحِقًّا بِعَقْدِ صُلْحٍ فَلَهُ الْوَضْعُ بِكُلِّ حَالٍ وَجْهًا وَاحِدًا. وَمِنْهَا: إذَا أَجَّرَهُ دَارًا فَانْهَدَمَ جِدَارُهَا فَأَعَادَهُ الْمُؤَجِّرُ فَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ هَذَا الْمُجَدِّدَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَفَرَّعَا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّجْدِيدِ، وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ مَعَ قَوْلِهِ: إنْ جَدَّدَ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَحَكَى وَجْهًا بِإِجْبَارِهِ عَلَى التَّجْدِيدِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى التَّرْمِيمِ، وَيَتَوَجَّهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَنْ تُعَادَ بِآلَتِهَا الْعَتِيقَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَمِنْهَا: مَسْأَلَةُ الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ إذَا انْهَدَمَ وَأَعَادَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَهَلْ يَعُودُ حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ. إنْ أَعَادَهُ بِآلَةٍ جَدِيدَةٍ لَمْ يَعُدْ وَإِنْ كَانَ بِآلَتِهِ الْعَتِيقَةِ فَوَجْهَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا. وَمِنْهَا: لَوْ وَصَّى لَهُ بِدَارٍ فَانْهَدَمَتْ فَالْمَشْهُورُ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ بِزَوَالِ الِاسْمِ وَلَا يَعُودُ بِعَوْدِ الْبِنَاءِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَيَتَوَجَّهُ عَوْدُهَا إنْ أَعَادَهَا بِآلَتِهَا الْقَدِيمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ لَمْ يَعُدْ بِنَاؤُهَا، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أَنْقَاضَهَا الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْوَصِيَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ يَرْجِعَانِ إلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ هَلْ هُوَ بِحَالِ الْوَصِيَّةِ أَوْ بِحَالِ الْمَوْتِ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْبِنَاءَ الْمُتَجَدِّدَ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا. وَمِنْهَا: إذَا تَهَدَّمَتْ الْكَنِيسَةُ الَّتِي تَقَرُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَلْ يُمَكَّنُونَ مِنْ إعَادَتِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَعْرُوفَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِعَادَةَ هَلْ هِيَ اسْتِدَامَةٌ أَوْ إنْشَاءٌ، وَلَوْ فُتِحَ بَلَدٌ عَنْوَةً وَفِيهِ كَنِيسَةٌ مُتَهَدِّمَةٌ تَقَرُّ فَهَلْ يَجُوزُ بِنَاؤُهَا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ مِنْهُ مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي بِنَاءِ الْمُنْهَدِمَةِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ يَقُومُ الْبَدَلُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ وَيَبْنِي حُكْمَهُ عَلَى حُكْمِ مُبْدَلِهِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : يَقُومُ الْبَدَلُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ وَيَبْنِي حُكْمَهُ عَلَى حُكْمِ مُبْدَلِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ بَعْضِهَا. وَمِنْهَا: إذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ خَلَعَهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ ; لِأَنَّ الْمَسْحَ كَمَّلَ الْوُضُوءَ وَأَتَمَّهُ وَقَامَ مَقَامَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إلَى حِينِ الْخَلْعِ، فَإِذَا وَجَدَ الْخَلْعَ وَتَعَقَّبَهُ غَسَلَ الْقَدَمَيْنِ فَالْوُضُوءُ كَالْمُتَوَاصِلِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدَ مَا يَكْفِي لِغَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَاسْتَعْمَلَهُ فِيهَا ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَوَاتِ الْمُوَالَاةِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا غَسْلُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لَكِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى سُقُوطِ الْمُوَالَاةِ لِلْعُذْرِ. وَمِنْهَا: لَوْ افْتَرَقَ المتصارفان ثُمَّ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا وَأَرَادَ الرَّدَّ وَأَخَذَ بَدَلِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ فَهَلْ يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا حَضَرَ الْجُمُعَةَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا ثُمَّ تُبَدَّلُوا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ أَوْ الصَّلَاةِ بِمِثْلِهِمْ انْعَقَدَتْ الْجُمُعَةُ وَتَمَّتْ بِهِمْ. وَمِنْهَا: لَوْ أَبْدَلَ نِصَابًا مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بُنِيَ عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ اسْتَأْنَفَ

стр. 313

إلَّا فِي إبْدَالِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ رِوَايَةً بِالْبِنَاءِ فِي الْإِبْدَالِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا. وَمِنْهَا: لَوْ أَبْدَلَ مُصْحَفًا بِمِثْلِهِ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمُبَادَلَةِ هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَقَالَ هِيَ بَيْعٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا أَجَازَ أَحْمَدُ إبْدَالَ الْمُصْحَفِ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرَّغْبَةِ عَنْهُ وَلَا عَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِ بِعِوَضٍ دُنْيَوِيٍّ بِخِلَافِ أَخْذِ ثَمَنِهِ وَمِنْهَا: لَوْ أَبْدَلَ جُلُودَ الْأَضَاحِيِّ بِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْبَيْتِ مِنْ الْآنِيَةِ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الِانْتِفَاعِ بِالْجِلْدِ نَفْسِهِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ. وَمِنْهَا: إبْدَالُ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ بِخَيْرٍ مِنْهَا وَهُوَ جَائِزٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إبْدَالُ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ وَالْمَسْجِدُ إذَا بَادَ بِأَهْلِهِ، وَالْوَقْفُ مَعَ عِمَارَتِهِ بِخَيْرٍ مِنْهُ رِوَايَتَانِ. وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ أَوْ شَرِيكِ الْعَنَانِ وَأَرَادَ الْوَارِثُ تَقْرِيرَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ جَازَ، وَهَلْ هُوَ ابْتِدَاءُ عَقْدٍ أَوْ اسْتِدَامَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِمَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ بِأَنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا وَقُلْنَا يَصِحُّ الْقِرَاضُ عَلَى الْعَرْضِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَصِحُّ فَخَرَّجَهُمَا الْقَاضِي عَلَى وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إنْ قُلْنَا هُوَ ابْتِدَاءٌ فَلَا يَصِحُّ، وَإِنْ قُلْنَا تَقْرِيرٌ جَازَ ; لِأَنَّهُ عَرْضٌ هُوَ اشْتَرَاهُ وَجِنْسُ رَأْسِ الْمَالِ قَدْ تَعَيَّنَ مِنْ قَبْلُ فَرَجَعَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ، أَمَّا إذَا مَاتَ الْعَامِلُ وَأَرَادَ الْمَالِكُ تَقْرِيرَ وَارِثِهِ وَكَانَ الْمَالُ عَرْضًا فَهُوَ كَالِابْتِدَاءِ وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ وَمَوْتِ الْعَامِلِ بِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ تَرَكَ لِلْوَارِثِ أَصْلًا يَبْنِي عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَالُ فَلِذَلِكَ صَحَّ بِنَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعَامِلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ سِوَى الْعَمَلِ وَقَدْ زَالَ بِمَوْتِهِ فَلَمْ يَخْلُفْ لِوَارِثِهِ أَصْلًا يَبْنِي عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَرْضٍ فَأَدَّاهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَرَدَّهُ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ بَدَلَهُ وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ أَمْ يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ بِرَدِّهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَبَنَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ هَلْ يَحْصُلُ بِالْقَبْضِ أَمْ يَقِفُ عَلَى الرِّضَى. وَمِنْهَا: لَوْ اعْتَاضَ عَنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَهَلْ يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِوَضَ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْمُعَوَّضِ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ مَا يَقُومُ فِيهِ الْوَرَثَةُ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ وَهِيَ نَوْعَانِ] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِهِ يَجِبُ بِمَوْتِهِ] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : فِيمَا يَقُومُ فِيهِ الْوَرَثَةُ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: حَقٌّ لَهُ وَحَقٌّ عَلَيْهِ. فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِهِ يَجِبُ بِمَوْتِهِ كَالدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ لَهُمْ اسْتِيفَاءَهُ وَسَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ ثَابِتٌ لَهُمْ ابْتِدَاءً أَوْ مُنْتَقِلٌ إلَيْهِمْ عَنْ مَوْرُوثِهِمْ وَلَا يُؤْثَرُ مُطَالَبَةُ الْمَقْتُولِ بِذَلِكَ شَيْئًا عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَى أَنَّ مُطَالَبَتَهُ بِالْقِصَاصِ تُوجِبُ تَحَتُّمَهُ فَلَا يَتَمَكَّنُونَ بَعْدَهَا مِنْ الْعَفْوِ وَمَا كَانَ وَاجِبًا لَهُ فِي حَيَاتِهِ إنْ كَانَ قَدْ طَالَبَ بِهِ أَوْ هُوَ فِي يَدِهِ ثَبَتَ لَهُمْ إرْثُهُ. فَمِنْهُ: الشُّفْعَةُ إذَا طَالَبَ بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَتَوَقَّفَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ هُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ. وَمِنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَيَسْتَوْفِيهِ الْوَارِثُ لِنَفْسِهِ بِحُكْمِ الْإِرْثِ عِنْدَ الْقَاضِي. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ إنَّمَا يَسْتَوْفِي لِلْمَيِّتِ بِمُطَالَبَتِهِ مِنْهُ وَلَا يَنْتَقِلُ، وَكَذَا الشُّفْعَةُ فِيهِ فَإِنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ وَإِنْ كَانَ طَارِئًا عَلَى الْبَيْعِ إلَّا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مِلْكِ مَوْرُوثِهِ. وَمِنْهُ: خِيَارُ الشَّرْطِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا. وَمِنْهُ: الدَّمُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى وَالْمُرَادُ بِهِ مَا دُونَ النَّفْسِ إذَا وَجَبَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ غَيْرِ سِرَايَتِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ. وَمِنْهُ: خِيَارُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ إذَا طَالَبَ بِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.

стр. 314

وَمِنْهُ الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ الَّتِي بِيَدِهِ ; لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ قَدْ أَحْدَثَهُ وَحَازَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَوَاتُ الْمُتَحَجِّرُ وَحُقُوقُ الِاخْتِصَاصَاتِ الَّتِي تَحْتَ يَدِهِ كُلُّهَا. وَمِنْهُ: حِصَّةُ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ إذَا قُلْنَا لَا تُمْلَكُ بِالظُّهُورِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ لَهَا فِي الْعَقْدِ مَعَ عَمَلِهِ فِي الْمَالِ لِأَجْلِهَا أَبْلَغُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِاللَّفْظِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَانِمِ إنْ سَلَّمْنَاهُ عَلَى قَوْلِنَا لَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِدُونِ التَّمَلُّكِ فَإِنَّهُ لَمْ يُجَاهِدْ لِلْغَنِيمَةِ وَإِنَّمَا جَاهَدَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغَنِيمَةُ تَابِعَةٌ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ يُطَالِبُ بِهِ فَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: حُقُوقُ التَّمَلُّكَاتِ وَالْحُقُوقُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالِيَّةٍ فَبَعَثَتْ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُورَثُ وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ صُوَرٌ. مِنْهَا: الشُّفْعَةُ فَلَا تُورَثُ مُطَالَبَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَهُ مَأْخَذَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا أَحْمَدُ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ مُطَالَبَتِهِ بِهِ وَلَوْ عَلِمَتْ رَغْبَتُهُ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَتِهِ لَكَفَى فِي الْإِرْثِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ حَقَّهُ فِيهَا سَقَطَ بِتَرْكِهِ وَإِعْرَاضِهِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِنَا إنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ غَائِبًا فَلَهُمْ الْمُطَالَبَةُ وَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ إذَا مَاتَ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ فَلِوَلَدِهِ أَنْ يَطْلُبُوا الشُّفْعَةَ تُوَرِّثُهُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُمْ الْمُطَالَبَةَ بِهَا بِكُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِبَقَاءِ إرْثِهَا فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَغَيْرِهِ وَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي كَلَامِهِ فِي ثُبُوتِ الْإِرْثِ فِيهَا. وَمِنْهَا: حَقُّ الْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ فَلَا تُورَثُ بِغَيْرِ مُطَالَبَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا آخَرَ بِإِرْثِهِ مُطْلَقًا. وَمِنْهَا الْفَسْخُ الثَّابِتُ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْمُطَالَبَةِ أَيْضًا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ فِيهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْهِبَةِ الْمُخَصَّصِ بِهَا بَعْضُ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ التَّعْدِيلِ وَالرُّجُوعِ هَلْ لِلْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ أَمْ لَا؟ رِوَايَتَانِ، وَمَأْخَذُهُمَا أَنَّ رُجُوعَ الْوَالِدِ فِي هَذِهِ الْهِبَةِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الثَّابِتَةِ لِلْوَالِدِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا يَقُومُ فِيهِ مَقَامَهُ أَوْ هُوَ ثَابِتٌ لِاسْتِدْرَاكِ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ؟ وَعَلَى هَذَا هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ حَيْثُ ظَلَمَ وَاعْتَدَى فَأَمَرَ بِالتَّعْدِيلِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ سَقَطَ أَوْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ بَقِيَّةِ الْأَوْلَادِ الْمَظْلُومِينَ فَيَثْبُتُ لَهُمْ الرَّدُّ إذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ مِنْ جِهَتِهِ؟ وَمِنْهَا حَدُّ الْقَذْفِ فَلَا يُورَثُ بِدُونِ الْمُطَالَبَةِ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا بِالْإِرْثِ وَالْمُطَالَبَةِ. وَمِنْهَا: الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِدُونِ الطَّلَبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَسْتَوْفِي، وَعَلَّلُوا بِأَنَّهُ يَسْقُطُ إلَى مَالٍ فَهُوَ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَمِنْهَا: خِيَارُ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ. كَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ. وَقَالَ الْخِرَقِيِّ يَثْبُتُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَزِمَتْ بِمَوْتِ الْمُوصِي فَهِيَ كَالْمَمْلُوكَةِ وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ إذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ أَوْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْمَيِّتِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ وَقَدْ وَجَبَتْ

стр. 315

الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ أَوْصَى لَهُ إذَا كَانَ حَيًّا أَوْصَى لَهُ. قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَهَذَا نَصٌّ لِمَا قَالَ الْخِرَقِيِّ وَلَيْسَ بِنَصٍّ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَثْبَتَ مِلْكًا بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ أَوْ بِالْقَبُولِ، فَلَيْسَ فِي النَّصِّ مَا يَنْفِيهِ صَرِيحًا وَرِوَايَةُ ابْنِ مَنْصُورٍ بِالْبُطْلَانِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِلْقَبُولِ بَلْ لِلْقَبْضِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: حُقُوقُ أَمْلَاكٍ ثَابِتَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأَمْلَاكِ الْمَوْرُوثَةِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ بِانْتِقَالِ الْأَمْوَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا بِدُونِ الْمُطَالَبَةِ بِخِلَافِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْحُقُوقَ فِيهِ مِنْ حُقُوقِ الْمَالِكِينَ لَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ عِنْدَنَا لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ: الرَّهْنُ فَإِذَا مَاتَ وَلَهُ دَيْنٌ بِرَهْنٍ انْتَقَلَ بِرَهْنِهِ إلَى الْوَرَثَةِ. وَمِنْهَا: الْكَفِيلُ وَهُوَ كَالرَّهْنِ ; لِأَنَّهُ تَوْثِقَةٌ فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْمَالَ كَالرَّهْنِ وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ أَنَّ مَا فِيهِ مَالٌ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ وَمَا لَا فَلَا. وَمِنْهَا: الضَّمَانُ فَإِذَا مَاتَ وَلَهُ دَيْنٌ لَهُ بِهِ ضَامِنٌ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ مَضْمُونًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَحَالَ بِهِ رَبُّ الدَّيْنِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ الضَّمَانُ بِالْحَوَالَةِ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ; لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ لِرَبِّ الدَّيْنِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِحُقُوقِهِ بِخِلَافِ الْوَارِثِ. وَمِنْهَا: الْأَجَلُ فَلَا يَحِلُّ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا أَوْثَقَهُ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَقَدْ تَرَدَّدَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ ابْتِدَاءً أَوْ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ؟ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إرْثٌ ; لِأَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ كَانَ الْعَقْدُ لَهُ وَالْخِيَارُ الثَّابِتُ بِفَوَاتِ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعَقْدِ مِثْلُهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِيهِ الْأَرْشُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ التَّخْرِيجِ أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَاهَا الْبَائِعُ مِنْ وَارِثِهِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْوَارِثَ يَمْلِكُهَا عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَى بَائِعِهَا بِالْعَيْبِ فَصَارَ الشِّرَاءُ مِنْهُ كَالشِّرَاءِ مِنْ الْمُورِثِ، وَهَذَا غَرِيبٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْوَجْهَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بِنَاءِ الْوَارِثِ عَلَى حَوْلِ الْمُورِثِ فِي الزَّكَاةِ. [النَّوْعُ الثَّانِي الْحُقُوقُ الَّتِي هِيَ عَلَى الْمَوْرُوثِ] ِ، فَإِذَا كَانَتْ لَازِمَةً قَامَ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فَيُقَامُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي إيفَائِهَا وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً، فَإِنْ بَطَلَتْ بِالْمَوْتِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِالْمَوْتِ فَالْوَارِثُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي إمْضَائِهَا وَرَدِّهَا وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:. مِنْهَا: إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ أَوْ أَوْصَى بِوَصَايَا فَلِلْوَرَثَةِ تَنْفِيذُهَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ وَصِيًّا. وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ تُفْعَلُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْحَجِّ وَالْمَنْذُورَاتِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يَفْعَلُونَهَا عَنْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ فَعَلَهَا عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ بِدُونِ إذْنِهِمْ فَفِي الْإِجْزَاءِ وَجْهَانِ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ الْوَاجِبَةُ بِالْمَالِ قَالَ فِي الْمُغْنِي إنْ أَعْتَقَ فِيهَا الْأَجْنَبِيُّ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ أَعْتَقَ الْوَارِثُ صَحَّ ; ; لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ فِي مَالٍ وَأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ، وَفِي الْبُلْغَةِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ صَحَّ عِتْقُهُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ عَنْهُ وَيَصِحُّ إطْعَامُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَلَا يَصِحُّ عِتْقُهُ عَنْهُ وَفِي صِحَّةِ إطْعَامِهِ عَنْهُ وَجْهَانِ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً قَبْلَ ذَبْحِهَا فَالْوَارِثُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الذَّبْحِ.

стр. 316

تَنْبِيهٌ: كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يُطْلِقُ ذِكْرَ الْوَارِثِ هُنَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: هُوَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ: هُوَ الْوَارِثُ مِنْ الْعَصَبَةِ، فَأَمَّا الْوَارِثُ بِالشُّفْعَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَصَبَاتُ وَذَوُو الْفُرُوضِ وَالرَّحِمِ، وَأَمَّا الْوَارِثُ لِحَدِّ الْقَذْفِ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْعَصَبَةِ وَقِيلَ بِمَنْ عَدَا الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ إقْبَاضِ الرَّهْنِ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ بِدُونِ قَبْضٍ فَوَارِثُهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ التَّقْبِيضِ وَالِامْتِنَاعِ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالُوا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي طَالِبٍ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَئُولَ إلَى اللُّزُومِ فَلَا يَبْطُلُ فِي الْمَوْتِ كَالْبَيْعِ فِي مُدَّةٍ الْخِيَارِ، بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ مَعَ أَنَّ فِي الْمُضَارَبَةِ خِلَافًا سَبَقَ. وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ لُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ كَالرَّهْنِ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَالثَّانِي: يَبْطُلُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَاخْتِيَارِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَقَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْهِبَةِ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا الْعَطِيَّةُ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ قَبْلَ إقْبَاضِهَا فَجُعِلَا الْوَرَثَةُ فِيهَا بِالْخِيَارِ لِشَبَهِهَا بِالْوَصِيَّةِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمُعْتَدَّةُ الْبَائِنُ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْمُعْتَدَّةُ الْبَائِنُ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ تَرِثُ فِي الْعِدَّةِ دُونَ مَا بَعْدَهَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ فَلَمَّا قَصَدَ بِهِ الْفِرَارَ مِنْ الْحَقِّ الْمُنْعَقِدِ سَبَبُهُ ضَعْفٌ مِنْهُ فَلَمْ يَعْمَلْ فِي الْمَنْعِ مَا دَامَتْ عُلَقُ الزَّوْجِيَّةِ قَائِمَةً. وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا الْبَائِنَ. وَالْخَامِسَةُ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ تَنْزِيلًا لِحَالَةِ الْعِدَّةِ مَنْزِلَةَ حَالَةِ النِّكَاحِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ فَإِذَا وُطِئَتْ الْبَائِنُ بِشُبْهَةٍ فِي عِدَّتِهَا أَتَمَّتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ وَاسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ لِلثَّانِي عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَا تَكُونُ مَحْبُوسَةً عَلَى رَجُلَيْنِ فِي عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَا يُحْبَسُ عَلَيْهِمَا فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ بِشُبْهَةٍ هُوَ الزَّوْجُ تَدَاخَلَتْ الْعِدَّتَانِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ تَحْمِلَ مِنْ أَحَدِ الوطأين فَفِي التَّدَاخُلِ وَجْهَانِ لِكَوْنِ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيمَا إذَا وُطِئَتْ زَوْجَةُ الطِّفْلِ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا ثُمَّ وَضَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تُكْمِلَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَظَاهِرُ هَذَا تَدَاخُلُ الْعِدَّتَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَفِيهَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الرَّجْعِيَّةِ إذَا رُوجِعَتْ أَوْ طَلُقَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ هَلْ تَبْنِي أَوْ تَسْتَأْنِفُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَالْمُحَرَّرِ. وَالثَّانِي: تَبْنِي هُنَا رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهُوَ مَا فِي

стр. 317

تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَعُمَدِ الْأَدِلَّةِ لِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ بِالْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَزَوْجَتُهُ ذِمِّيَّةٌ فَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ البرزاطي عَلَى أَنَّهَا تَرِثُ مَا لَمْ تُنْقَضْ عِدَّتُهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا ثُمَّ مَاتَتْ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ لَمْ يَرِثْهَا زَوْجُهَا الْكَافِرُ وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِانْقِطَاعِ عُلَقِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْهُ بِمَوْتِهَا، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِحَالٍ، قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا يَرِثُ الزَّوْجَانِ مِنْ الدِّيَةِ سَوَاءٌ قِيلَ بِحُدُوثِهَا عَلَى مِلْكِهِمْ أَوْ عَلَى مِلْكِ الْمَوْرُوثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْبَائِنِ فَإِنْ كَانَتْ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَعَ الْحَمْلِ وَإِلَّا فَلَا، هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَلَا مَعَ النُّشُوزِ وَعَنْهُ لَهَا السُّكْنَى خَاصَّةً إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَعَنْهُ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى حَكَاهَا ابْنُ الزاغوني وَغَيْرُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ هِيَ كَالزَّوْجَةِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ وَالتَّجَوُّلُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ مُطْلَقًا. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ تُفَارِقُ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ الزَّوْجَاتِ فِي صُوَرٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : تُفَارِقُ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ الزَّوْجَاتِ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: أَنَّ فِي إبَاحَتِهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ رِوَايَتَيْنِ، وَعَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ فَهَلْ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ طَلَاقَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ طَلَاقُ بِدْعَةٍ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِيلَاءَ مِنْهَا هَلْ يَصِحُّ مِنْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: هَلْ يَصِحُّ اخْتِيَارُهَا لِزَوْجِهَا إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ نَكَحَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا زَوْجًا آخَرَ فَخَلَى بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقُلْنَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْخَلْوَةِ وَثَبَّتَتْ الرَّجْعَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ثُمَّ وَطِئَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَهَلْ يَحِلُّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّرْغِيبِ. وَمِنْهَا: إذَا عَلِقَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ بِوَلَدٍ فَهَلْ تَلْحَقُ بِمُطَلَّقِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنْ طِفْلِهَا هَلْ تَعُودُ إلَى حَضَانَتِهِ فِي مُدَّةِ الرَّجْعَةِ أَمْ لَا تَعُودُ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ فَهَلْ تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ تَعْتَدُّ بِأَطْوَلِهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَجِبُ عَلَيْهَا لُزُومُ مَنْزِلِهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَقِيلَ هِيَ كَالزَّوْجَةِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ وَالتَّجَوُّلُ

стр. 318

بِإِذْنِ الزَّوْجِ مُطْلَقًا. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ أَحْكَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّجَالِ فِي مَوَاضِعَ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : أَحْكَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّجَالِ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: الْمِيرَاثُ وَالدِّيَةُ، وَمِنْهَا: الْعَقِيقَةُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ. وَمِنْهَا: الشَّهَادَةُ وَالْعِتْقُ، فَيَعْدِلُ عِتْقُ امْرَأَتَيْنِ بِعِتْقِ رَجُلٍ فِي الْفِكَاكِ مِنْ النَّارِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: كَذَلِكَ. وَالثَّانِيَة: وَجَعَلَهَا الْمَذْهَبَ: أَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَمِنْهَا: عَطِيَّةُ الْأَوْلَادِ فِي الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ. وَمِنْهَا: الصَّلَاةُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَسْقُطُ عَنْهَا الصَّلَاةُ أَيَّامَ الْحَيْضِ، وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ نِصْفُ الشَّهْرِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ مِنْ أَدْلَى بِوَارِثٍ وَقَامَ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ إرثه] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : مِنْ أَدْلَى بِوَارِثٍ وَقَامَ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ إرْثِهِ سَقَطَ بِهِ، وَإِنْ أَدْلَى بِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِيرَاثَهُ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: وَلَدُ الْأُمِّ يُدْلُونَ بِالْأُمِّ وَيَرِثُونَ مَعَهَا ; لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ بِالْأُخُوَّةِ لَا بِالْأُمُومَةِ. وَالثَّانِيَة: الْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ تَرِثُ مَعَ الْأَبِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا لَا تَرِثُ مِيرَاثَ جَدَّةٍ لَا مِيرَاثَ جَدٍّ. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِمُعَيَّنٍ يُخَالِفُ الثَّابِتَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي أَحْكَامٍ] مِنْهَا مَنْ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ ذِي فَرْضٍ وَلَا عُصْبَةٍ وَلَا رَحِمٍ هَلْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ هَلْ هُوَ عُصْبَةُ وَارِثٍ أَمْ لَا؟ وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا إذَا أَقَرَّ الْإِمَامُ بِنَسَبِ مَنْ لَا يُعْلَمُ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ ; لِأَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْإِمَامُ نَائِبُهُمْ، وَهَذَا كَأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَوْرِيثِ بَيْتِ الْمَالِ، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي إجَازَةِ الْإِمَامِ وَصِيَّةَ مَنْ وَصَّى بِكُلِّ مَالِهِ وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ. وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَلِلْإِمَامِ

стр. 319

الْعَفْوُ عَنْ قَاتِلِهِ إلَى الدِّيَةِ وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا ; لِأَنَّهُ كَتَوْرِيثِ الْقَاتِلِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُقْتَصَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مَأْخَذِهِمَا. وَمِنْهَا: الْأَمْوَالُ الَّتِي يُجْهَلُ رَبُّهَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا عُلِمَ رَبُّهَا، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ عَدِيدَةٌ. وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَهَلْ يَحِلُّ؟ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي: يَحِلُّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ وَقَدْ عُدِمَ هُنَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ احْتِمَالَيْنِ ; لِأَنَّ لَهُ وَارِثًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَا إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ وَلَا وَارِثَ لَهُ، هَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِيمَنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لِيَحُجَّ عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَإِنْ عَادَ الْبَعِيرُ خَالِيًا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا وَجَبَ لَهُ، وَوَجَّهَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي غَيْرَهُ بِأَنَّهُ تَعَذَّرَ انْتِفَاعُهُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ فَانْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِذَلِكَ. وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ إذَا مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، وَفِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ لِابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ كَذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَالَ الْمُسْتَحَقَّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالزَّكَاةِ لَا تَقِفُ أَدَاؤُهُ عَلَى مُطَالَبَتِهِمْ وَلَا عَلَى مُطَالَبَةِ وَكِيلِهِمْ وَهُوَ الْإِمَامُ، وَلِهَذَا لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عِنْدَنَا بِتَلَفِ النِّصَابِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَحِقِّ لِمُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ إلَيْهِ بِدُونِ مُطَالَبَةٍ. [الْقَاعِدَةُ الْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ تُعْتَبَرُ الْأَسْبَابُ فِي عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ] (الْقَاعِدَةُ الْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : تُعْتَبَرُ الْأَسْبَابُ فِي عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ مُتَعَدِّدَةٌ: مِنْهَا: مَسَائِلُ الْعَيِّنَةِ. وَمِنْهَا: هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبُولُهَا مِمَّنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ مِنْهُ عَادَةً. وَمِنْهَا: هَدِيَّةُ الْمُشْرِكِينَ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ غَنِيمَةٌ أَوْ فَيْءٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ. وَمِنْهَا: هَدَايَا الْعُمَّالِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْهَدَايَا الَّتِي تُهْدَى لِلْأَمِيرِ فَيُعْطَى مِنْهَا الرَّجُلُ قَالَ: هَذَا الْغُلُولُ، وَمُنِعَ الْأَصْحَابُ مِنْ قَبُولِ الْقَاضِي هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهَدِيَّتِهِ لَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ. وَمِنْهَا: هِبَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا صَدَاقَهَا إذَا سَأَلَهَا ذَلِكَ، فَإِنَّ سَبَبَهَا طَلَبُ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَهَا الرُّجُوعُ فِيهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وَمِنْهَا: الْهَدِيَّةُ لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ بِشَفَاعَةٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَجُوزُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ

стр. 320

لِأَنَّهَا كَالْأُجْرَةِ، وَالشَّفَاعَةُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي السُّنَنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا فَأُهْدِيَتْ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَافَأَةِ، وَحُكْمُ الْهَدِيَّةِ عِنْدَ أَدَاءِ سَائِرِ الْأَمَانَاتِ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ. وَمِنْهَا: مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِيمَنْ اشْتَرَى لَحْمًا ثُمَّ اسْتَزَادَ الْبَائِعَ فَزَادَهُ ثُمَّ رَدَّ اللَّحْمَ بِعَيْبٍ فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ اللَّحْمِ ; لِأَنَّهَا أُخِذَتْ بِسَبَبِ اللَّحْمِ فَجَعَلَهَا تَابِعَةً لِلْعَقْدِ فِي الرَّدِّ ; لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة بِسَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ لَاحِقَةٍ بِهِ. وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مَأْخُوذَةً فِي الْمَجْلِسِ فَلَحِقَتْ بِالْعَقْدِ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْهَا رِوَايَةً بِلُحُوقِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَالْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا: مَاحَكَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَوْلَى يَتَزَوَّجُ الْعَرَبِيَّةَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهَا بَعْضَ الْمَهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا يَرُدُّوهُ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى هَدِيَّةً يَرُدُّونَهَا عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ ; لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَإِذَا زَالَ مَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ انْتَهَى. وَهَذَا فِي الْفُرْقَةِ الْقَهْرِيَّةِ لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ وَنَحْوِهَا ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ الْفُرْقَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ الْمُقَسِّطَةُ لِلْمَهْرِ فَأَمَّا النَّسْخُ الْمُقَرَّرُ لِلْمَهْرِ أَوْ نِصْفِهِ فَتَثْبُتُ مَعَهُ الْهَدِيَّةُ. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُتَعَاقِدِينَ لِسَبَبِ الْعَقْدِ كَأُجْرَةِ الدَّلَّالِ وَنَحْوِهَا فَفِي النَّظَرِيَّاتِ لِابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ بِإِقَالَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ يَقِفْ عَلَى التَّرَاضِي فَلَا يَرُدُّ الْأُجْرَةَ وَإِنْ فَسَخَ بِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ رُدَّتْ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ، وَقِيَاسُهُ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ إنْ فُسِخَ لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ أَوْ الْعَيْبِ رُدَّتْ، وَإِنْ فُسِخَ لِرِدَّةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُخَالَعَةٍ لَمْ تُرَدَّ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ دَلَالَةُ الْأَحْوَالِ يَخْتَلِفُ بِهَا دَلَالَةُ الْأَقْوَالِ] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : دَلَالَةُ الْأَحْوَالِ يَخْتَلِفُ بِهَا دَلَالَةُ الْأَقْوَالِ فِي قَبُولِ دَعْوَى مَا يُوَافِقُهَا وَرَدِّ مَا يُخَالِفُهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ بِمُجَرَّدِهَا، وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ لَا يُقْبَلُ دَعْوَى إرَادَةِ غَيْرِ الطَّلَاقِ بِهَا. وَمِنْهَا: كِنَايَاتُ الْقَذْفِ وَحُكْمُهَا كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، حَتَّى إنَّ ابْنَ عَقِيلٍ جَعَلَهَا مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ صَرَائِحَ. وَمِنْهَا: لَوْ تَلَفَّظَ الْأَسِيرُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ كُرْهًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَسْرَ دَلِيلُ الْإِكْرَاهِ وَالتَّقِيَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالْحِكَايَةِ وَقَالَ وَلَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى صِدْقِهِ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِلُزُومِ مَا أَقَرَّ بِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَقَرَّ الْمَحْبُوسُ أَوْ الْمَضْرُوبُ عُدْوَانًا ثُمَّ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ قَوْلُهُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ أُحْضِرَ إلَى سُلْطَانٍ فَأَقَرَّ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ دَهَشَ وَلَمْ يَعْقِلْ مَا أَقَرَّ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَيَتَخَرَّجُ قَبُولُهُ إذَا
следующие страницы →