← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21730

قواعد ابن رجب - ط الخانجي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (422 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تَنْبِيهٌ: كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يُطْلِقُ ذِكْرَ الْوَارِثِ هُنَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: هُوَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ: هُوَ الْوَارِثُ مِنْ الْعَصَبَةِ، فَأَمَّا الْوَارِثُ بِالشُّفْعَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَصَبَاتُ وَذَوُو الْفُرُوضِ وَالرَّحِمِ، وَأَمَّا الْوَارِثُ لِحَدِّ الْقَذْفِ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْعَصَبَةِ وَقِيلَ بِمَنْ عَدَا الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ إقْبَاضِ الرَّهْنِ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ بِدُونِ قَبْضٍ فَوَارِثُهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ التَّقْبِيضِ وَالِامْتِنَاعِ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالُوا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي طَالِبٍ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَئُولَ إلَى اللُّزُومِ فَلَا يَبْطُلُ فِي الْمَوْتِ كَالْبَيْعِ فِي مُدَّةٍ الْخِيَارِ، بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ مَعَ أَنَّ فِي الْمُضَارَبَةِ خِلَافًا سَبَقَ. وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ لُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ كَالرَّهْنِ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَالثَّانِي: يَبْطُلُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَاخْتِيَارِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَقَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْهِبَةِ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا الْعَطِيَّةُ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ قَبْلَ إقْبَاضِهَا فَجُعِلَا الْوَرَثَةُ فِيهَا بِالْخِيَارِ لِشَبَهِهَا بِالْوَصِيَّةِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمُعْتَدَّةُ الْبَائِنُ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْمُعْتَدَّةُ الْبَائِنُ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ تَرِثُ فِي الْعِدَّةِ دُونَ مَا بَعْدَهَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ فَلَمَّا قَصَدَ بِهِ الْفِرَارَ مِنْ الْحَقِّ الْمُنْعَقِدِ سَبَبُهُ ضَعْفٌ مِنْهُ فَلَمْ يَعْمَلْ فِي الْمَنْعِ مَا دَامَتْ عُلَقُ الزَّوْجِيَّةِ قَائِمَةً. وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا الْبَائِنَ. وَالْخَامِسَةُ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ تَنْزِيلًا لِحَالَةِ الْعِدَّةِ مَنْزِلَةَ حَالَةِ النِّكَاحِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ فَإِذَا وُطِئَتْ الْبَائِنُ بِشُبْهَةٍ فِي عِدَّتِهَا أَتَمَّتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ وَاسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ لِلثَّانِي عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَا تَكُونُ مَحْبُوسَةً عَلَى رَجُلَيْنِ فِي عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَا يُحْبَسُ عَلَيْهِمَا فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ بِشُبْهَةٍ هُوَ الزَّوْجُ تَدَاخَلَتْ الْعِدَّتَانِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ تَحْمِلَ مِنْ أَحَدِ الوطأين فَفِي التَّدَاخُلِ وَجْهَانِ لِكَوْنِ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيمَا إذَا وُطِئَتْ زَوْجَةُ الطِّفْلِ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا ثُمَّ وَضَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تُكْمِلَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَظَاهِرُ هَذَا تَدَاخُلُ الْعِدَّتَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَفِيهَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الرَّجْعِيَّةِ إذَا رُوجِعَتْ أَوْ طَلُقَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ هَلْ تَبْنِي أَوْ تَسْتَأْنِفُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَالْمُحَرَّرِ. وَالثَّانِي: تَبْنِي هُنَا رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهُوَ مَا فِي

стр. 317

تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَعُمَدِ الْأَدِلَّةِ لِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ بِالْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَزَوْجَتُهُ ذِمِّيَّةٌ فَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ البرزاطي عَلَى أَنَّهَا تَرِثُ مَا لَمْ تُنْقَضْ عِدَّتُهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا ثُمَّ مَاتَتْ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ لَمْ يَرِثْهَا زَوْجُهَا الْكَافِرُ وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِانْقِطَاعِ عُلَقِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْهُ بِمَوْتِهَا، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِحَالٍ، قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا يَرِثُ الزَّوْجَانِ مِنْ الدِّيَةِ سَوَاءٌ قِيلَ بِحُدُوثِهَا عَلَى مِلْكِهِمْ أَوْ عَلَى مِلْكِ الْمَوْرُوثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْبَائِنِ فَإِنْ كَانَتْ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَعَ الْحَمْلِ وَإِلَّا فَلَا، هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَلَا مَعَ النُّشُوزِ وَعَنْهُ لَهَا السُّكْنَى خَاصَّةً إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَعَنْهُ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى حَكَاهَا ابْنُ الزاغوني وَغَيْرُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ هِيَ كَالزَّوْجَةِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ وَالتَّجَوُّلُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ مُطْلَقًا. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ تُفَارِقُ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ الزَّوْجَاتِ فِي صُوَرٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : تُفَارِقُ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ الزَّوْجَاتِ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: أَنَّ فِي إبَاحَتِهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ رِوَايَتَيْنِ، وَعَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ فَهَلْ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ طَلَاقَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ طَلَاقُ بِدْعَةٍ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِيلَاءَ مِنْهَا هَلْ يَصِحُّ مِنْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: هَلْ يَصِحُّ اخْتِيَارُهَا لِزَوْجِهَا إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ نَكَحَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا زَوْجًا آخَرَ فَخَلَى بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقُلْنَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْخَلْوَةِ وَثَبَّتَتْ الرَّجْعَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ثُمَّ وَطِئَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَهَلْ يَحِلُّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّرْغِيبِ. وَمِنْهَا: إذَا عَلِقَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ بِوَلَدٍ فَهَلْ تَلْحَقُ بِمُطَلَّقِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنْ طِفْلِهَا هَلْ تَعُودُ إلَى حَضَانَتِهِ فِي مُدَّةِ الرَّجْعَةِ أَمْ لَا تَعُودُ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ فَهَلْ تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ تَعْتَدُّ بِأَطْوَلِهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَجِبُ عَلَيْهَا لُزُومُ مَنْزِلِهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَقِيلَ هِيَ كَالزَّوْجَةِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ وَالتَّجَوُّلُ

стр. 318

بِإِذْنِ الزَّوْجِ مُطْلَقًا. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ أَحْكَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّجَالِ فِي مَوَاضِعَ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : أَحْكَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّجَالِ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: الْمِيرَاثُ وَالدِّيَةُ، وَمِنْهَا: الْعَقِيقَةُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ. وَمِنْهَا: الشَّهَادَةُ وَالْعِتْقُ، فَيَعْدِلُ عِتْقُ امْرَأَتَيْنِ بِعِتْقِ رَجُلٍ فِي الْفِكَاكِ مِنْ النَّارِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: كَذَلِكَ. وَالثَّانِيَة: وَجَعَلَهَا الْمَذْهَبَ: أَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَمِنْهَا: عَطِيَّةُ الْأَوْلَادِ فِي الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ. وَمِنْهَا: الصَّلَاةُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَسْقُطُ عَنْهَا الصَّلَاةُ أَيَّامَ الْحَيْضِ، وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ نِصْفُ الشَّهْرِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ مِنْ أَدْلَى بِوَارِثٍ وَقَامَ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ إرثه] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : مِنْ أَدْلَى بِوَارِثٍ وَقَامَ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ إرْثِهِ سَقَطَ بِهِ، وَإِنْ أَدْلَى بِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِيرَاثَهُ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: وَلَدُ الْأُمِّ يُدْلُونَ بِالْأُمِّ وَيَرِثُونَ مَعَهَا ; لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ بِالْأُخُوَّةِ لَا بِالْأُمُومَةِ. وَالثَّانِيَة: الْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ تَرِثُ مَعَ الْأَبِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا لَا تَرِثُ مِيرَاثَ جَدَّةٍ لَا مِيرَاثَ جَدٍّ. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِمُعَيَّنٍ يُخَالِفُ الثَّابِتَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي أَحْكَامٍ] مِنْهَا مَنْ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ ذِي فَرْضٍ وَلَا عُصْبَةٍ وَلَا رَحِمٍ هَلْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ هَلْ هُوَ عُصْبَةُ وَارِثٍ أَمْ لَا؟ وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا إذَا أَقَرَّ الْإِمَامُ بِنَسَبِ مَنْ لَا يُعْلَمُ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ ; لِأَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْإِمَامُ نَائِبُهُمْ، وَهَذَا كَأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَوْرِيثِ بَيْتِ الْمَالِ، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي إجَازَةِ الْإِمَامِ وَصِيَّةَ مَنْ وَصَّى بِكُلِّ مَالِهِ وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ. وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَلِلْإِمَامِ

стр. 319

الْعَفْوُ عَنْ قَاتِلِهِ إلَى الدِّيَةِ وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا ; لِأَنَّهُ كَتَوْرِيثِ الْقَاتِلِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُقْتَصَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مَأْخَذِهِمَا. وَمِنْهَا: الْأَمْوَالُ الَّتِي يُجْهَلُ رَبُّهَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا عُلِمَ رَبُّهَا، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ عَدِيدَةٌ. وَمِنْهَا: إذَا مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَهَلْ يَحِلُّ؟ قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي: يَحِلُّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ وَقَدْ عُدِمَ هُنَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ احْتِمَالَيْنِ ; لِأَنَّ لَهُ وَارِثًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَا إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ وَلَا وَارِثَ لَهُ، هَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِيمَنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لِيَحُجَّ عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَإِنْ عَادَ الْبَعِيرُ خَالِيًا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا وَجَبَ لَهُ، وَوَجَّهَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي غَيْرَهُ بِأَنَّهُ تَعَذَّرَ انْتِفَاعُهُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ فَانْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِذَلِكَ. وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ إذَا مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، وَفِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ لِابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ كَذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَالَ الْمُسْتَحَقَّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالزَّكَاةِ لَا تَقِفُ أَدَاؤُهُ عَلَى مُطَالَبَتِهِمْ وَلَا عَلَى مُطَالَبَةِ وَكِيلِهِمْ وَهُوَ الْإِمَامُ، وَلِهَذَا لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عِنْدَنَا بِتَلَفِ النِّصَابِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَحِقِّ لِمُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ إلَيْهِ بِدُونِ مُطَالَبَةٍ. [الْقَاعِدَةُ الْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ تُعْتَبَرُ الْأَسْبَابُ فِي عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ] (الْقَاعِدَةُ الْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : تُعْتَبَرُ الْأَسْبَابُ فِي عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ مُتَعَدِّدَةٌ: مِنْهَا: مَسَائِلُ الْعَيِّنَةِ. وَمِنْهَا: هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبُولُهَا مِمَّنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ مِنْهُ عَادَةً. وَمِنْهَا: هَدِيَّةُ الْمُشْرِكِينَ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ غَنِيمَةٌ أَوْ فَيْءٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ. وَمِنْهَا: هَدَايَا الْعُمَّالِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْهَدَايَا الَّتِي تُهْدَى لِلْأَمِيرِ فَيُعْطَى مِنْهَا الرَّجُلُ قَالَ: هَذَا الْغُلُولُ، وَمُنِعَ الْأَصْحَابُ مِنْ قَبُولِ الْقَاضِي هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهَدِيَّتِهِ لَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ. وَمِنْهَا: هِبَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا صَدَاقَهَا إذَا سَأَلَهَا ذَلِكَ، فَإِنَّ سَبَبَهَا طَلَبُ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَهَا الرُّجُوعُ فِيهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وَمِنْهَا: الْهَدِيَّةُ لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ بِشَفَاعَةٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَجُوزُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ

стр. 320

لِأَنَّهَا كَالْأُجْرَةِ، وَالشَّفَاعَةُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي السُّنَنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا فَأُهْدِيَتْ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَافَأَةِ، وَحُكْمُ الْهَدِيَّةِ عِنْدَ أَدَاءِ سَائِرِ الْأَمَانَاتِ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ. وَمِنْهَا: مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِيمَنْ اشْتَرَى لَحْمًا ثُمَّ اسْتَزَادَ الْبَائِعَ فَزَادَهُ ثُمَّ رَدَّ اللَّحْمَ بِعَيْبٍ فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ اللَّحْمِ ; لِأَنَّهَا أُخِذَتْ بِسَبَبِ اللَّحْمِ فَجَعَلَهَا تَابِعَةً لِلْعَقْدِ فِي الرَّدِّ ; لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة بِسَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ لَاحِقَةٍ بِهِ. وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مَأْخُوذَةً فِي الْمَجْلِسِ فَلَحِقَتْ بِالْعَقْدِ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْهَا رِوَايَةً بِلُحُوقِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَالْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا: مَاحَكَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَوْلَى يَتَزَوَّجُ الْعَرَبِيَّةَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهَا بَعْضَ الْمَهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا يَرُدُّوهُ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى هَدِيَّةً يَرُدُّونَهَا عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ ; لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَإِذَا زَالَ مَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ انْتَهَى. وَهَذَا فِي الْفُرْقَةِ الْقَهْرِيَّةِ لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ وَنَحْوِهَا ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ الْفُرْقَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ الْمُقَسِّطَةُ لِلْمَهْرِ فَأَمَّا النَّسْخُ الْمُقَرَّرُ لِلْمَهْرِ أَوْ نِصْفِهِ فَتَثْبُتُ مَعَهُ الْهَدِيَّةُ. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُتَعَاقِدِينَ لِسَبَبِ الْعَقْدِ كَأُجْرَةِ الدَّلَّالِ وَنَحْوِهَا فَفِي النَّظَرِيَّاتِ لِابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ بِإِقَالَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ يَقِفْ عَلَى التَّرَاضِي فَلَا يَرُدُّ الْأُجْرَةَ وَإِنْ فَسَخَ بِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ رُدَّتْ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ، وَقِيَاسُهُ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ إنْ فُسِخَ لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ أَوْ الْعَيْبِ رُدَّتْ، وَإِنْ فُسِخَ لِرِدَّةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُخَالَعَةٍ لَمْ تُرَدَّ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ دَلَالَةُ الْأَحْوَالِ يَخْتَلِفُ بِهَا دَلَالَةُ الْأَقْوَالِ] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : دَلَالَةُ الْأَحْوَالِ يَخْتَلِفُ بِهَا دَلَالَةُ الْأَقْوَالِ فِي قَبُولِ دَعْوَى مَا يُوَافِقُهَا وَرَدِّ مَا يُخَالِفُهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ بِمُجَرَّدِهَا، وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ لَا يُقْبَلُ دَعْوَى إرَادَةِ غَيْرِ الطَّلَاقِ بِهَا. وَمِنْهَا: كِنَايَاتُ الْقَذْفِ وَحُكْمُهَا كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، حَتَّى إنَّ ابْنَ عَقِيلٍ جَعَلَهَا مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ صَرَائِحَ. وَمِنْهَا: لَوْ تَلَفَّظَ الْأَسِيرُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ كُرْهًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَسْرَ دَلِيلُ الْإِكْرَاهِ وَالتَّقِيَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالْحِكَايَةِ وَقَالَ وَلَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى صِدْقِهِ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِلُزُومِ مَا أَقَرَّ بِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَقَرَّ الْمَحْبُوسُ أَوْ الْمَضْرُوبُ عُدْوَانًا ثُمَّ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ قَوْلُهُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ أُحْضِرَ إلَى سُلْطَانٍ فَأَقَرَّ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ دَهَشَ وَلَمْ يَعْقِلْ مَا أَقَرَّ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَيَتَخَرَّجُ قَبُولُهُ إذَا

стр. 321

ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَةُ ذَلِكَ مِنْ تَلَجْلُجِهِ فِي كَلَامٍ وَرِعْدَةٍ وَنَحْوِهَا. وَمِنْهَا: لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ إلَيْنَا وَمَعَهُ سِلَاحٌ فَادَّعَى أَنَّهُ جَاءَ مُسْتَأْمَنًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ قُبِلَ نَصَّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بَعْضُ عَسْكَرِنَا بِحَرْبِيٍّ وَادَّعَى أَنَّهُ أَسَرَهُ وَقَالَ: بَلْ أَمَّنْتَنِي، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ لِضَعْفِهِ أَوْ قُوَّتِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ جَاءَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ بِتَمَامِ كِتَابَتِهِ فَقَبَضَهَا السَّيِّدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَانَ الْمَالُ مُسْتَحَقًّا وَقَالَ السَّيِّدُ: إنَّمَا أَرَدْتُ الْإِخْبَارَ بِعِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ وَلَمْ أُرِدْ تَنْجِيزَ عِتْقِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَاسْتَعَارَتْ امْرَأَةٌ ثِيَابَهَا فَلَبِسَتْهَا فَأَبْصَرَهَا زَوْجُهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَابِ فَقَالَ قَدْ فَعَلْت أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَنَصَّ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِوُقُوعِ طَلَاقِهَا الْمَحْلُوفِ بِهِ عَلَى خُرُوجِهَا وَلَمْ يُدْنِيهِ فِي ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَلَوْ قِيلَ أَنَّهُ قَصَدَ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَهُ عَلَيْهَا بِخُرُوجِهَا الَّذِي مَنَعَهَا مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وَهَذَا يَشْهَدُ لِقَوْلِ الْقَاضِي فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلَتْ الدَّارَ. بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَنَّهَا تَطْلُقُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إذَا لَمْ تَكُنْ دَخَلَتْ مِنْ قَبْلُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا لِعِلَّةٍ فَلَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ بِدُونِهَا، وَكَذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ فِيمَنْ قِيلَ لَهُ قَدْ زَنَتْ زَوْجَتُك فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَنَتْ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ. وَجَعْلُ السَّبَبِ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ أَوْلَى، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَمِنْهَا: لَوْ سَرَقَ عَيْنًا وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ فَفِي قَطْعِهِ رِوَايَتَانِ. ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا صَحَّحَهَا، صَاحِبُ التَّرْغِيبِ. وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى دَفْعَ ثَوْبِهِ إلَى مَنْ يَخِيطُهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ أَوْ رَكِبَ سَفِينَةً وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ. . وَمِنْهَا: الْهِبَةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا الثَّوَابُ بِدَلَالَةِ حَالِ الْوَاهِبِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ نَاعِمْ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ. وَمِنْهَا: لَوْ وُجِدَ لَقِيطٌ وَبِجَنْبِهِ مَالٌ ظَاهِرٌ أَوْ مَدْفُونٌ طَرِيًّا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِهِ.

стр. 322

وَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ بِالْقُرْبِ مِنْ الْإِنْسَانِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: كَذَلِكَ رزمة الثِّيَابِ تَشَاجَرُ الْحَطَبِ يُحْكَمُ بِهَا لِلْوَاقِفِ بِقُرْبِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ شَاهِدٌ وَضَعَهَا عَنْهُ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَكَأَنَّهُ عَلَى رَأْسِهِ انْتَهَى. وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَنْ كَانَ يَلِيقُ بِهِ حَمْلُهَا دُونَ مَنْ لَا يَحْمِلُهَا مِثْلُهُ. وَمِنْهَا: لَوْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا صَلُحَ لِلرَّجُلِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا صَلُحَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي آلَةِ دُكَّانٍ لَهُمَا أَوْ نَازَعَ رَبُّ الدَّارِ خَيَّاطًا فِيهَا فِي إبْرَةٍ أَوْ مِقَصٍّ، أَوْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ أَوْ مِصْرَاعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اللَّوْثُ فِي الْقَسَامَةِ وَالْقَضَاءِ بِمَعَاقِدِ الْقِمْطِ وَهُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَإِلْحَاقُ النَّسَبِ بِالْقَافَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى دَعْوَى يَشْهَدُ الظَّاهِرُ بِكَذِبِهَا مِثْلُ أَنْ ادَّعَى عَلَى الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ مَا فِيهِ ثِقَلٌ وَحَمَلَهَا بِيَدِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فَفِي سَمَاعِهَا قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ لَهَا أَصْلًا رِوَايَتَانِ لِاحْتِمَالِ مُعَامَلَتِهِ بِوَكِيلِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ أُصُولُهُ وَفُرُوعُهُ، وَفُرُوعُ أَصْلِهِ الْأَدْنَى وَإِنْ سَفَلْنَ، وَفُرُوعُ أُصُولِهِ الْبَعِيدَةِ دُونَ بَنَاتِهِنَّ فَيَدْخُلُ فِي أُصُولِهِ: أُمُّهُ وَأُمُّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَدَخَلَ فِي فُرُوعِهِ: بِنْتُهُ وَبِنْتُ بِنْتِهِ وَبِنْتُ ابْنِهِ وَإِنْ نَزَلْنَ، وَدَخَلَ فِي فَرْعِ أَصْلِهِ الْأَدْنَى: أَخَوَاتُهُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَبَنَاتُهُنَّ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلْنَ، وَدَخَلَ فِي فُرُوعِ أُصُولِهِ الْبَعِيدَةِ: الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَعَمَّاتُ الْأَبَوَيْنِ وَخَالَاتُهُمَا وَإِنْ عَلَوْنَ. وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَقَارِبِ حَلَالًا سِوَى أُصُولِ فُرُوعِهِ الْبَعِيدَةِ وَهُنَّ بَنَاتُ الْعَمِّ وَبَنَاتُ الْعَمَّاتِ وَبَنَاتُ الْخَالِ وَبَنَاتُ الْخَالَاتِ. [النَّوْعُ الثَّانِي الْمُحَرَّمَاتُ بِالصِّهْرِ] ِ، وَهُنَّ أَقَارِبُ الزَّوْجَيْنِ وَكُلُّهُنَّ حَلَالٌ إلَّا أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ حَلَائِلُ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَبَنَاتِ النِّسَاءِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ. فَيَحْرُمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أُصُولُ الْآخَرِ وَفُرُوعُهُ فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُمُّ امْرَأَتِهِ وَأُمُّ أَبِيهَا وَإِنْ عَلَتْ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنْتُ امْرَأَتِهِ وَهِيَ الرَّبِيبَةُ وَبِنْتُ بِنْتِهَا وَإِنْ سَفَلَتْ، وَتَحْرُمُ بِنْتُ الرَّبِيبِ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا، وَامْرَأَةِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ. [النَّوْعُ الثَّالِثُ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْجَمْعِ] ِ، فَكُلُّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مَحْرَمٌ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْأُخْرَى لِأَجْلِ النَّسَبِ دُونَ الصِّهْرِ. فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَإِنْ عَلَتْ وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا وَإِنْ عَلَتْ، وَلَا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَلَا بَيْنَ الْبِنْتِ وَأُمِّهَا وَإِنْ عَلَتْ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ: لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا رَجُلًا لَمْ يَصْلُحْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بِإِسْنَادِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا لِأَجْلِ النَّسَبِ دُونَ الصِّهْرِ لِيَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَةِ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ مُبَاحٌ إذْ لَا مَحْرَمِيَّةَ بَيْنَهُمَا لِيُخْشَى عَلَيْهِمَا الْقَطِيعَةَ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَحْرِيمٌ مِنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَحَرْبٍ، وَتَوَقَّفَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي كَوْنِ تَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ مِنْ الرَّضَاعِ ظَاهِرًا فَدَلَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ لَا يُسَاوِي تَحْرِيمَ النَّسَبِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [النَّوْعُ الرَّابِعُ الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ] ِ، فَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ

стр. 323

وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ نِكَاحُ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهَا مِنْ الرَّضَاعِ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ نِكَاحُ أَبِي زَوْجِهَا وَابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ بدينا فِي حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعِ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، يُحَرَّمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يُحَرَّمُ مِنْ النَّسَبِ. وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ إيرَادٌ صَحِيحٌ سِوَى الْمُرْضِعَةِ بِلَبَنِ الزِّنَا، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ كَالْبِنْتِ مِنْ الزِّنَا فَلَا إيرَادَ إذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَلَدُ الْوَلَدِ هَلْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ أَنْوَاعٍ] [النَّوْع الْأَوَّل أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهُ مُطْلَقًا مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَعَدَمِهِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : وَلَدُ الْوَلَدِ هَلْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، هَذَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهُ مُطْلَقًا مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَعَدَمِهِ، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ كَالْبَنَاتِ وَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ. وَمِنْهَا: امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ. وَمِنْهَا: امْتِنَاعُ قَطْعِهِ فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ. وَمِنْهَا: رَدُّ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ. . وَمِنْهَا: وُجُوبُ إعْتَاقِ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ. وَمِنْهَا: جَرُّ الْوَلَاءِ، فَإِذَا كَانَ ابْنُ مُعْتِقِهِ قَوْمٌ أَبُوهُ وَجَدُّهُ رَقِيقَيْنِ فَبِعِتْقِ جَدِّهِ انْتَقَلَ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْجَدِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى إنْ كَانَ الْأَبُ مَفْقُودًا جَرَّ الْجَدُّ الْوَلَاءَ إلَى مَوَالِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا لَمْ يَجُرَّهُ بِحَالٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ لَا يَجُرُّهُ الْجَدُّ بِحَالٍ فَيَخْتَصُّ جَرُّ الْوَلَاءِ بِعِتْقِ الْأَبِ. وَمِنْهَا: الْوَقْفُ عَلَى الْوَلَدِ فَيَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ وَيُوسُفَ بْنِ أَبِي مُوسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْخَلَّالُ وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِيمَا عَلَّقَهُ بِخَطِّهِ عَلَى ظَهْرِ خِلَافِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَلْ يَدْخُلُونَ مَعَ آبَائِهِمْ بِالتَّشْرِيكِ أَوْ لَا يَدْخُلُونَ إلَّا بَعْدَهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِلْأَصْحَابِ، وَفِي التَّرْتِيبِ فَهَلْ هُوَ تَرْتِيبُ بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ شَيْئًا مَعَ وُجُودِ فَرْدٍ مِنْ الْأَوْلَادِ، أَوْ تَرْتِيبِ فَرْدٍ عَلَى فَرْدٍ فَيَسْتَحِقُّ كُلُّ وَلَدٍ نَصِيبَ وَالِدِهِ بَعْدَ فَقْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَالثَّانِي هُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَفِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْقَاضِي: إنْ كَانَ ثُمَّ وَلَدٌ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ دَخَلَ، وَاسْتَشْهَدَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ قَالَ: وَيَصِحُّ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَفِي حَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِأَنَّ إطْلَاقَ الْوَلَدِ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ حَقِيقَةٌ، قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَجَازٌ لِصِحَّةِ نَفْيِهِ، وَفِي الْمُجَرَّدِ لِلْقَاضِي لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَهُوَ بَعْدَ الْبَطْنِ الثَّانِي مِنْ وَلَدِهِ لِلْفُقَرَاءِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ لَا يَدْخُلُونَ فِي إطْلَاقِ الْوَلَدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ إنَّمَا رَتَّبَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ

стр. 324

جَعَلَ بَعْدَهُمَا لِلْفُقَرَاءِ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَطْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ خَاصَّةً بِخِلَافِ حَالَةِ الْإِطْلَاقِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَمِنْهَا: الْوَصِيَّةُ لِوَلَدِهِ، وَقَدْ جَعَلَ الْأَصْحَابُ حُكْمَهَا حُكْمَ الْوَاقِفِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى دُخُولِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَحْمَدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ، وَأَشَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَى دُخُولِهِمْ فِي الْوَقْفِ دُونَ الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ يَتَأَبَّدُ فَيَسْتَحِقُّ وَلَدُهُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ لِلْمَوْجُودِينَ فَيَخْتَصُّ بِالطَّبَقَةِ الْعُلْيَا الْمَوْجُودَةِ. وَحَيْثُ قِيلَ بِدُخُولِ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي وَلَدِ الْبَنِينَ فَأَمَّا وَلَدُ الْبَنَاتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ، اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ دُخُولَهُمْ. وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْوَلَدِ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ لَا يَدْخُلُونَ فِي مُطْلَقِ الْوَلَدِ إذَا وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَيَدْخُلُونَ فِي مُسَمَّى وَلَدِ الْوَلَدِ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ حَقِيقَةً لَيْسُوا بِوَلَدٍ حَقِيقَةً، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيِّ وَمَالَ إلَيْهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَمِنْهَا: الْمَنْعُ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَى الْوَلَدِ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ فِي مَوْضِعٍ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَنْعِ مِنْ الزَّكَاةِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّ الْمُرَاعَى فِيهِمَا صِدْقُ الِاسْمِ وَثُبُوتُهُ فِي الْعُرْفِ لَا جَرَيَانُ الْحُكْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [النَّوْعُ الثَّانِي مَا يَدْخُلُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ لَا مَعَ وُجُودِهِ] ِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: الْمِيرَاثُ فَيَرِثُ وَلَدُ الْوَلَدِ جَدَّهُمْ مَعَ فَقْدِ أَبِيهِمْ كَمَا يَرِثُونَ آبَاءَهُمْ، وَلَكِنْ لَا يَرِثُهُمْ الْجَدُّ مَعَ فَقْدِ الْأَبِ كَمَا يَرِثُ الْأَبُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَرِثُهُمْ كَأَبٍ مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ، اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَمِنْهَا: وِلَايَةُ النِّكَاحِ ; فَيَلِي الْجَدُّ فِيهَا بَعْدَ الْأَبِ مُقَدَّمًا عَلَى الِابْنِ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي لَكِنْ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَكَى ابْنُ الزاغوني رِوَايَةً أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْإِجْبَارِ. وَمِنْهَا: وِلَايَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَيَلِي الْجَدُّ بَعْدَ الْأَبِ مُقَدَّمًا عَلَى الِابْنِ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْضًا. وَمِنْهَا: الْحَضَانَةُ فَإِنَّ الْجَدَّ أَوْلَى رِجَالِهَا بِهَا بَعْدَ الْأَبِ. [النَّوْعُ الثَّالِث مَا لَا يَدْخُل فِيهِ فِي مُسَمَّى الْوَلَدِ بِحَالٍ] ٍ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا: الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ. وَمِنْهَا: الْأَخْذُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ. وَمِنْهَا: وِلَايَةُ الْمَالِ وَفِيهِ رِوَايَةٌ.

стр. 325

وَمِنْهَا الِاسْتِئْذَانُ فِي الْجِهَادِ. وَمِنْهَا: الِاسْتِتْبَاعُ فِي الْإِسْلَامِ. وَمِنْهَا: الِانْفِرَادُ بِالنَّفَقَةِ مَعَ وُجُودِ وَارِثٍ غَيْرِهِ مُوسِرًا كَانَ الْوَارِثُ الَّذِي مَعَهُ أَوْ مُعْسِرًا فَالْمَعْرُوفُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، هَلْ يَلْزَمُهُ كَمَالُ النَّفَقَةِ أَوْ بِقَدْرِ إرْثِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ إرْثِهِ مِنْهُ، وَفِي الْإِقْنَاعِ لِابْنِ الزاغوني أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ خَاصَّةً وَأَنَّ سَائِرَ الْأَقَارِبِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُمْ الْغَنِيَّ النَّفَقَةُ إلَّا بِالْحِصَّةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ خُرُوجُ الْبُضْعِ مِنْ الزَّوْجِ هَلْ هُوَ مُتَقَوِّمٌ أَمْ لَا] خُرُوجُ الْبُضْعِ مِنْ الزَّوْجِ هَلْ هُوَ مُتَقَوِّمٌ أَمْ لَا؟ بِمَعْنَى أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمَخْرَجُ لَهُ قَهْرًا ضَمَانَةٌ لِلزَّوْجِ بِالْمَهْرِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَيُذْكَرُ أَنَّ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ، وَخَصُّوا هَذَا الْخِلَافَ بِمَنْ عَدَا الزَّوْجَةِ فَقَالُوا لَا يَضْمَنُ الزَّوْجُ شَيْئًا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ عَلَى الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا، وَحَكَاهُ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا لَوْ أَفْسَدَ مُفْسِدٌ نِكَاحَ امْرَأَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ حَيْثُ يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْفُ الْمَهْرِ كَمَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَحْدَهُ وَلَهُ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ فَيَتَقَوَّمُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى وَفِيهِ وَجْهٌ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ لَكِنْ الْمُفْسِدُ قَرَّرَ هَذَا النِّصْفَ عَلَى الزَّوْجِ إذَا كَانَ بِصَدَدِ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَهْرَ كُلَّهُ يَسْقُطُ بِالْفُرْقَةِ لَكِنْ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ وُجُوبًا مُبْتَدِئًا بِالْفُرْقَةِ الَّتِي اسْتَقَلَّ بِهَا الْأَجْنَبِيُّ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفِيهِ بُعْدٌ. وَأَمَّا حَيْثُ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ شَيْءٌ كَمَا إذَا وَطِئَ الْأَبُ أَوْ الِابْنُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِتَمْكِينِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ لَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَذْكُورَيْنِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَهُمَا مُتَنَزِّلَانِ عَلَى أَنَّ الْبُضْعَ هُوَ مُتَقَوِّمٌ أَمْ لَا؟ إذْ لَا غُرْمَ هُنَا عَلَى الزَّوْجِ. وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَبَعَثُوا إلَيْهِ ابْنَتَهَا فَدَخَلَ بِهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَالَ حُرِّمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا قَالَ فَقُلْت لَهُ: مَا عَلَيْهِ فَقَالَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا. قُلْت وَلِلْأُخْرَى مَا عَلَيْهِ قَالَ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. قُلْت يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ الَّذِي غَرِمَ لِابْنَتِهَا قَالَ لَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ هُنَا عِنْدَهُ ; لِأَنَّ فَسَادَ نِكَاحِهِ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ مُبَاشَرَةً فَلِذَلِكَ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْإِفْسَادُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِإِرْضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَى الْمُفْسِدِ ضَمَانُ الْمَهْرِ الْمُسْتَقِرِّ عَلَى الزَّوْجِ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مُتَقَوِّمٌ، وَكَمَا يَضْمَنُ الْغَارُّ الْمَهْرَ لِمَنْ غَرَّهُ وَإِنْ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ بَلْ هُنَا أَوْلَى ; لِأَنَّ الْمَغْرُورَ قَدْ يَكُونُ فَسَخَ النِّكَاحَ بِاخْتِيَارِهِ كَمَا إذَا دُلِّسَ عَلَيْهِ عَيْبٌ أَوْ نَحْوُهُ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِالْمَهْرِ إلَّا مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ وَهُنَا

стр. 326

الْفَسْخُ بِسَبَبِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ هُوَ الْمَانِعُ لِلزَّوْجِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ أَوْلَى، إذْ الزَّوْجُ يَجِبُ تَمْكِينُهُ مِنْ جِنْسِ الِاسْتِمْتَاعِ وَيَعُودُ إلَيْهِ الْمَهْرُ بِمَنْعِهِ مِنْ جِنْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّهُ مُقَدَّرًا بِخِلَافِ مَنْفَعَةِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا تَتَقَسَّطُ عَلَى الْمُدَّةِ، مَعَ أَنَّ الْإِجَارَةَ تُسْقِطُهَا الْأُجْرَةُ عِنْدَنَا بِمَنْعِ الْمُؤَجِّرِ مِنْ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ كُلِّهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُفْسِدِ بِحَالٍ لِاسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ بِالْوَطْءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُفْسِدُ لِلنِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجَةُ وَحْدَهَا بِالرَّضَاعِ أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ الْأَصْحَابُ. لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِئَلَّا يَلْزَمَ اسْتِبَاحَةُ بُضْعِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ عَلَيْهَا الضَّمَانُ وَأَخَذَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُهَاجِرَةِ وَامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ كَمَا سَيَأْتِي وَكَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ فِي الْغَارَةِ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا بَلْ عِنْدَنَا فِي الْإِجَارَةِ أَنَّ غَصْبَ الْمُؤَجِّرِ يُسْقِطُ الْأُجْرَةَ كُلَّهَا بِخِلَافِ غَصْبِ غَيْرِهِ لِاسْتِحْقَاقِ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ عَمَّا قِيلَ مِنْ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ بِدُونِ عِوَضٍ بِأَنَّ الْعِوَضَ وَجَبَ لَهَا بِالْعَقْدِ ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهَا ضَمَانُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَمْ يَخْلُ الْعَقْدُ مِنْ عِوَضٍ، كَمَا يَجِبُ لَهَا بِالْعَقْدِ عَلَى الْبَائِعِ ضَمَانُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ بِإِتْلَافِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَمْ يَخْلُ الْبَيْعُ مِنْ ثَمَنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: شُهُودُ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُمْ يَغْرَمُونَ نِصْفَ الْمَهْرِ، وَإِنْ رَجَعُوا بَعْدَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَغْرَمُونَ الْمَهْرَ كُلَّهُ أَمْ لَا يَغْرَمُونَ شَيْئًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، مَأْخَذُهُمَا تَقْوِيمُ الْبُضْعِ وَعَدَمُهُ. وَعَلَى التَّغْرِيمِ يَغْرَمُونَ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى وَقِيلَ مَهْرَ الْمِثْلِ. وَمِنْهَا: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ إذَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ ثُمَّ قَدِمَ زَوْجُهَا الْمَفْقُودُ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَبَيْنَ الْمَهْرِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمَهْرَ أَخَذَ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي الْمَهْرَ الَّذِي أَقْبَضَهُ إيَّاهَا أَعْنِي الْأَوَّلَ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَلَى الثَّانِيَة يَأْخُذُ الْمَهْرَ الَّذِي أَعْطَاهَا الثَّانِي، وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي أَمْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْهَا فَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ اسْتَحَقَّتْهُ بِالْإِصَابَةِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهَا. وَمِنْهَا: إذَا طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَأَشْهَدَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي، وَقُلْنَا عَلَى رِوَايَةٍ: إنَّ الثَّانِي أَحَقُّ بِهَا، فَهَلْ تَضْمَنُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا الْمَهْرَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الضَّمَانَ ; لِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مُتَقَوِّمٌ. وَمِنْهَا: إذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ وَهَاجَرَتْ إلَيْنَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى زَوْجِهَا الْكَافِرِ مَهْرَهَا الَّذِي أَمْهَرَهَا إيَّاهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ الصُّلْحُ قَدْ وَقَعَ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ، فَلَمَّا حَرُمَ الرَّدُّ بَعْدَ صِحَّةِ اشْتِرَاطٍ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ رَدِّ النِّسَاءِ فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ

стр. 327

رَدِّ مُهُورِهِنَّ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ مَالَ لِلْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَمَنْ اخْتَارَ الْوُجُوبَ كَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ رَدُّ النِّسَاءِ مَشْرُوطًا فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَنَعَ عَدَمَ جَوَازِ شَرْطِ رَدِّ الْمَهْرِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَشْرُوطًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ. وَمِنْهَا: خُلْعُ الْمُسْلِمِ زَوْجَتَهُ بِمُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِ تَحْرِيمَهُ كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ: هُوَ كَالْخُلْعِ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ فَإِذَا صَحَّحْنَاهُ لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ شَيْءٌ بِخِلَافِ النِّكَاحِ عَلَى ذَلِكَ وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ يَرْجِعُ إلَى الْمَهْرِ كَالنِّكَاحِ، وَيُحْتَمَلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ فِي خُلْعِ الْأَمَةِ عَلَى سِلْعَةٍ بِيَدِهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَيُتْبَعُ بِقِيمَتِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ. وَمِنْهَا: مُخَالَعَةُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْأَبِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجْهًا بِجَوَازِهِ بِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مُتَقَوِّمٌ فَمَا بُذِلَ مَالُهَا إلَّا فِيمَا لَهُ قِيمَةٌ فَلَا يَكُونُ تَبَرُّعًا، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ فِيهَا أَنَّ لِلْأَبِ الْعَفْوَ عَنْ نِصْفِ الْمَهْرِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي احْتِمَالًا فِي وَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالسَّفِيهَةِ وَالْمَجْنُونَةِ مُطْلَقًا إذَا رَأَى الْحَظَّ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. وَمِنْهَا: إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ فَلَمْ تُقْبَلْ طَلُقَتْ رَجْعِيًّا وَلَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ بِأَلْفٍ فَلَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ مَالٌ مَحْضٌ وَخَرَّجَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا أَنَّهُ يَعْتِقُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَمَا فِي الطَّلَاقِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ فِيهِمَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ الْعِوَضُ بِرُكْنٍ فِيهِمَا إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُمَا عَلَيْهِ بَلْ أَوْقَعَهُمَا مُنْجِزًا وَشَرَطَ فِيهِمَا الْعِوَضَ، فَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمَا الْعِوَضَ لُغِيَ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ كُلُّهُ لِلْمَرْأَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاء] [الْأَوَّلُ الْوَطْءُ] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ كُلُّهُ لِلْمَرْأَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: الْوَطْءُ فَيَتَقَرَّرُ بِهِ الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا مُقَدِّمَاتُهُ كَاللَّمْسِ لِلشَّهْوَةِ وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ أَوْ إلَى جَسَدِهَا وَهِيَ عَارِيَّةٌ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ أَلْحَقَهُ بِالْوَطْءِ وَجَعَلَهُ مُقَرَّرًا رِوَايَةً وَاحِدَة ; لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْخَلْوَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَوْ رِوَايَتَيْنِ مِنْ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَتْ عَادَتُهُ فِعْلُ ذَلِكَ فِي الْمَلَأِ اسْتَقَرَّ بِهِ الْمَهْرُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ خَلْوَةٌ مِثْلُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ النَّظَرَ إلَيْهَا وَهِيَ عُرْيَانَةٌ تَغْتَسِلُ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ. [الثَّانِي الْخَلْوَةُ مِمَّنْ يُمْكِنُ الْوَطْءُ بِمِثْلِهِ] وَالثَّانِي: الْخَلْوَةُ مِمَّنْ يُمْكِنُ الْوَطْءُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ ثُمَّ مَانِعٌ إمَّا حِسِّيٌّ كَالْجَبِّ وَالرَّتَقِ أَوْ شَرْعِيٌّ

стр. 328

كَالْإِحْرَامِ وَالْحَيْضِ، فَهَلْ يُقَرَّرُ الْمَهْرُ؟ عَلَى طُرُقٍ لِلْأَصْحَابِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَكَذَا لِصَاحِبِ الْمُغْنِي، إلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَ رِوَايَةً ثَالِثَةً بِالْعِوَضِ بَيْنَ الْمَانِعِ الْمُتَأَكِّدِ شَرْعًا كَالْإِحْرَامِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ الدَّوَاعِي كَالْحَيْضِ وَالْجَبِّ وَالرَّتَقِ اسْتَقَرَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالثَّالِثَةُ: إنْ كَانَتْ الْمَوَانِعُ بِالزَّوَاجِ اسْتَقَرَّ الصَّدَاقُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِالزَّوْجَةِ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ لِمُجَرَّدِهَا بِدُونِ الْوَطْءِ أَخْذًا مِمَّا رُوِيَ يَعْقُوبُ بْنُ بِخِتَانِ عَنْ أَحْمَدَ إذَا خَلَا بِهَا وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا وَصَدَّقَتْهُ إنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَأَنْكَرَ الْأَكْثَرُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَحَمَلُوا رِوَايَةَ يَعْقُوبَ هَذِهِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْخَلْوَةَ إنَّمَا قَرَّرَتْ الْمَهْرَ ; لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْوَطْءِ الْمُقَرَّرِ فَقَامَتْ مَقَامَهُ فِي التَّقْرِيرِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَطْءِ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا فَعَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى مَظِنَّتِهِ، فَإِذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ الْوَطْءُ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ فِي إسْقَاطِ الْعِدَّةِ ; لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي سُقُوطِ نِصْفِ الْمَهْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، نَقَلَ ابْنُ بُخْتَانَ قَوْلَهُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ مَحْضٌ لِلزَّوْجَةِ، وَقَدْ أَقَرَّتْ بِسُقُوطِهِ، وَنَقَلَ الْأَكْثَرُونَ عَدَمَ قَبُولِهِ لِمُلَازِمَتِهِ لِلْعِدَّةِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ مُقَرَّرَةٌ لِمَظِنَّةِ الْوَطْءِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ إنَّمَا قُرِّرَتْ لِحُصُولِ التَّمْكِينِ بِهَا وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَرَدَّهَا ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ الْخَلْوَةَ مَعَ الْجَبِّ لَا تَمْكِينَ بِهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا قُرِّرَتْ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ، أَوْ ; لِأَنَّ طَلَاقَهَا بَعْدَ الْخَلْوَةِ بِهَا وَرَدَّهَا زُهْدًا فِيهَا، فَفِيهِ ابْتِذَالٌ وَكَسْرٌ لَهَا، فَوَجَبَ جَبْرُهُ بِالْمَهْرِ، وَقِيلَ بَلْ الْمُقَرَّرُ هُوَ اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِالنِّكَاحِ مِنْ الْمَرْأَةِ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْخَلْوَةُ وَاللَّمْسُ بِمُجَرَّدِهِمَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَالْمَهْرُ يَسْتَقِرُّ بِنَيْلِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَقِفُ عَلَى نَيْلِ جَمِيعِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ أَخَذَهَا وَعِنْدَهَا نِسْوَةٌ فَمَسَّهَا وَقَبَضَ عَلَيْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا؟ قَالَ: إذَا نَالَ مِنْهَا شَيْئًا لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ. وَعَلَى هَذَا فَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ وَإِنْ مَنَعَهُ الْوَطْءُ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ. [الثَّالِث الْمَوْتُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقِيلَ الْفُرْقَةُ] الْمُقَرَّرُ الثَّالِثُ: الْمَوْتُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقِيلَ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ فِيهِ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ لَهَا الْمَهْرُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى تَوْرِيثِهَا مِنْهُ وَعَدَمِهِ، وَيَتَقَرَّرُ بِأَمْرٍ رَابِعٍ وَهُوَ الْبِغَاكُ عُذْرَتِهَا بِدَفْعِهَا، عَلَى رِوَايَةٍ خَرَّجَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي وَقَدْ سَبَقَتْ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ مَا ينتصف بِهِ الْمَهْرُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ وَمَا يَسْقُطُ بِهِ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا اسْتَقَلَّ بِهِ الزَّوْجُ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : فِيمَا يَنْتَصِفُ بِهِ الْمَهْرُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ وَمَا يَسْقُطُ بِهِ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ إنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ أَوْ مِنْ جِهَةِ أَجْنَبِيٍّ وَحْدَهُ تُنْصَفُ بِهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ وَحْدَهَا سَقَطَ بِهَا الْمَهْرُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ مَعًا أَوْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ مَعَ أَجْنَبِيٍّ فَفِي تَنَصُّفِ الْمَهْرِ

стр. 329

وَسُقُوطِهِ رِوَايَتَانِ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا اسْتَقَلَّ بِهِ الزَّوْجُ وَلَهُ صُوَرٌ. مِنْهَا: طَلَاقُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْجِزًا أَوْ مُتَعَلِّقًا بِصِفَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصِّفَةُ مِنْ فِعْلِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، قَالُوا: لِأَنَّ السَّبَبَ كَانَ مِنْهُ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى صَاحِبِ السَّبَبِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إنْ كَانَتْ الصِّفَةُ مِنْ فِعْلِهَا الَّذِي لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ ذَلِكَ مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَرِيضِ إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ عَلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَفَعَلَتْهُ فَإِنَّ فِي إرْثِهَا رِوَايَتَيْنِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَسْأَلَةُ التَّخْيِيرِ فَإِنَّهُ لَوْ خَيَّرَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهَلْ يَسْقُطُ مَهْرُهَا أَوْ يَنْتَصِفُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالتَّخْيِيرُ تَوْكِيلٌ مَحْضٌ وَالتَّعْلِيقُ بِفِعْلِهَا فِي مَعْنَاهُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لِلْمُخَيَّرَةِ، قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَبَتْ مِنْهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ، قَالَ فِي قَلْبِي مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا شَيْءٌ، قُلْت إنِّي سَأَلْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ قَالَ يَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ. فَقَالَ لِي فَإِنْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ مَجُوسِيَّةٌ وَأَبَى زَوْجُهَا أَنْ يُسْلِمَ يَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ صَدَاقُهَا؟ قَالَ فِي هَذَا: يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ انْتَهَى. وَمِنْهَا: خُلْعُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَنَّهُ يُوجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الْخُلْعَ يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ بِدُونِ رِضَى الْمَرْأَةِ فَلِذَلِكَ نُسِبَ إلَيْهِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الْمَهْرُ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى أَنَّهُ فَسْخٌ فَيَكُونُ كَسَائِرِ الْفُسُوخِ مِنْ الزَّوْجِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِمَّا يَشْتَرِكُ بِهِ الزَّوْجَانِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِسُؤَالِ الْمَرْأَةِ فَتَكُونُ الْفُرْقَةُ فِيهِ مِنْ قِبَلِهَا، وَلِذَلِكَ يَسْقُطُ إرْثُهَا بِالْخُلْعِ فِي الْمَرَضِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ أَظْهَرُ. فَأَمَّا إنْ وَقَعَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَصَحَّحْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَصِفَ بِهِ الْمَهْرُ وَجْهًا وَاحِدًا. وَمِنْهَا: إسْلَامُهُ وَالزَّوْجَةُ غَيْرُ كِتَابِيَّةٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَسْقُطُ الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ لَهَا مَهْرٌ. وَمِنْهَا: رِدَّتُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ. وَمِنْهَا: إقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ أَوْ بِالرَّضَاعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ فِي انْفِسَاخِ النِّكَاحِ دُونَ سُقُوطِ النِّصْفِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَطَأَ أُمَّ زَوْجَتِهِ أَوْ ابْنَتَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبِنْتِ وَيَجِبُ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْفُسُوخُ الَّتِي يَمْلِكُهَا الزَّوْجُ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ إمَّا لِظُهُورِ عَيْبٍ فِي الزَّوْجَةِ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ فَيَسْقُطُ بِهَا الْمَهْرُ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْفُسُوخِ فِي الْعُقُودِ لِعَيْبٍ ظَهَرَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَزْدَادُ لِلْعِوَضَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَاسْتِيفَائِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّتْ نِصْفَ الْمَهْرِ فِي الصَّدَاقِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ جَبْرًا لَهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُوجِبٌ مِنْ جِهَتِهَا،

стр. 330

وَهُنَا قَدْ وُجِدَ سَبَبٌ مِنْ جِهَتِهَا فَصَارَ كَالْمَنْسُوبِ إلَيْهَا. [الْقِسْمُ الثَّانِي مَا اسْتَقَلَّ بِهِ الْأَجْنَبِيُّ وَحْدُهُ] ُ. وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ: أَنْ تُرْضِعَ زَوْجَتُهُ الْكُبْرَى زَوْجَتَهُ الصُّغْرَى. وَمِنْهَا: أَنْ يُكْرِهَ رَجُلٌ زَوْجَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الدُّخُولِ. [الْقِسْمُ الثَّالِث مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الزَّوْجَةُ وَحْدَهَا] وَلَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا: رِدَّتُهَا. وَمِنْهَا: إسْلَامُهَا، فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ ; لِأَنَّهَا فَعَلَتْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا فَنُسِبَ الْفَسْخُ إلَى امْتِنَاعِ الزَّوْجِ. وَمِنْهَا: إرْضَاعُهَا مِمَّنْ يَثْبُتُ بِهِ الْمَحْرَمِيَّةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ، وَكَذَلِكَ ارْتِضَاعُهَا مِنْهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ. . وَمِنْهَا: فَسْخُهَا النِّكَاحَ لِعَيْبِ الزَّوْجِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: هُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهَا لَا إلَيْهِ فَسَقَطَ الْمَهْرُ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فَسْخَهُ لِعَيْبِهَا رَدٌّ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَلَا يُنْسَبُ إلَّا إلَى مَنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ، بِخِلَافِ فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ فَإِنَّ الْعَيْبَ لَيْسَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَلْ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مَعَ سَلَامَةِ الْعِوَضَيْنِ لِضَرَرٍ دَخَلَ، فَلِذَلِكَ نُسِبَ الْفِعْلُ إلَيْهَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الزَّوْجَ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَالْأَظْهَرُ فِي الْفَرْقِ أَنْ يُقَالَ الْفُسُوخُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يَمْلِكُهَا كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ ضَرَرٍ حَاصِلٍ فَإِذَا وَقَعَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَدْ رَجَعَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إلَى مَا بَذَلَهُ سَلِيمًا كَمَا خَرَجَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفُرْقَةِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ ظَاهِرٍ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ لِلْمَرْأَةِ انْكِسَارٌ وَضَرَرٌ فَجَبَرَهُ الشَّارِعُ بِإِعْطَائِهَا نِصْفَ الْمَهْرِ عِنْدَ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَالْمُتْعَةِ عِنْدَ فَقْدِ التَّسْمِيَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ فِي مَجْبُوبٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، لَهَا ذَلِكَ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ إذَا لَمْ تَرْضَ بِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ هُوَ الْعَيْبُ مِنْ جِهَتِهِ وَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي الْفَسْخِ، وَأَمَّا الْقَاضِي فَقَالَ قَدْ وُجِدَ الدُّخُولُ وَإِنَّمَا لَمْ يُقَرِّرْ الْمَهْرَ كُلَّهُ لِلْمَانِعِ الْقَائِمِ بِهِ. وَمِنْهَا: فَسْخُهَا النِّكَاحَ لِإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ أَوْ النَّفَقَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَالْفَسْخِ لِفَوَاتِ شَرْطٍ صَحِيحٍ، قَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهَا فَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا كَمَا فِي الْفَسْخِ لِعَيْبِ الزَّوْجِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: فَسْخُهَا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ يَجِبُ لَهَا بِهِ نِصْفُ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَنُسِبَ الْفَسْخُ بِهِ إلَيْهِ دُونَهَا، وَقِيَاسُهُ الْفَسْخُ بِمَنْعِ النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ مِنْ فِعْلِ الزَّوْجِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهِ، وَأَمَّا الْفَسْخُ لِعُسْرَتِهِ فَهُوَ كَالْفَسْخِ لِعَيْبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَلْزَمُ مَنْ

стр. 331

قَالَ إنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مُتَقَوِّمٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا كَإِتْلَافِ الْبَائِعِ لِلْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنْ يُخَيَّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ مُطَالَبَتِهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَضَمَانِ الْمُسَمَّى لَهَا وَبَيْنَ إسْقَاطِ الْمُسَمَّى. وَمِنْهَا: فَسْخُ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ قَبْلَ الدُّخُولِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا مَهْرَ لَهَا اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ وَغَيْرُهُ لِاسْتِقْلَالِهَا بِالْفَسْخِ كَالْحُرَّةِ، وَالثَّانِيَة: يَنْتَصِفُ الْمَهْرُ نَقَلَهَا مُهَنَّا وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ مُسْتَحِقُّ الْمَهْرِ فَلَا يَسْقُطُ بِفَسْخِ غَيْرِهِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ إعْتَاقَ السَّيِّدِ لِسَبَبٍ فِي الْفَسْخِ يُسْقِطُ حَقَّهُ لَتَسَبُّبِهِ فِي سُقُوطِهِ. وَإِنْ بَاشَرَهُ غَيْرُهُ، كَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَلْقِ مَتَاعِي فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ. [الْقِسْمُ الرَّابِعُ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الزَّوْجَانِ] ِ وَلَهُ صُوَرٌ. مِنْهَا: لِعَانُهَا فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ جَاءَتْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ إنَّمَا تَقَعُ بِلِعَانِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصْلُهُمَا إذَا لَاعَنَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَهَلْ تَرِثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنْ يُخَالِعَهَا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَلِأَنَّ لَنَا فِيهِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يُسْقِطُ الْمَهْرَ كُلَّهُ إذَا قُلْنَا هُوَ فَسْخٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَنْسُوبًا إلَيْهِمَا، فَيَكُونُ كَالتَّلَاعُنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا إنَّهُ طَلَاقٌ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا ابْتِدَاءً أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفِ فَقَبِلَتْهُ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ قُلْنَا هُوَ طَلَاقٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا بِسُؤَالِهَا وَلِهَذَا كَانَ لَنَا فِيمَنْ خَالَعَتْ زَوْجَهَا فِي مَرَضِهِ هَلْ تَرِثُهُ أَوْ لَا؟ رِوَايَتَانِ. وَجَزَمَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا فَلَا يَكُونُ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الصَّدَاقِ حِينَئِذٍ، يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْخُلْعَ يُسْقِطُ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ كُلَّهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَنِصْفَ الْمَهْرِ مِنْ الْحُقُوقِ فَيَسْقُطُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. [الْقِسْمُ الْخَامِسُ مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ مَعَ أَجْنَبِيٍّ] ٍّ وَلَهُ صُوَرٌ. مِنْهَا: شِرَاؤُهَا لِلزَّوْجِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَنْتَصِفُ بِهَا الْمَهْرُ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الْأَجْنَبِيِّ هُنَا وَهُوَ الْبَائِعُ، إذْ هُوَ أَصْلُ الْعَقْدِ وَمِنْهُ نَشَأَ وَعَنْهُ تَلَقَّى. وَالثَّانِي: يَسْقُطُ الْمَهْرُ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الزَّوْجَةِ إذْ الِانْفِسَاخُ مُتَعَقِّبٌ لِقَبُولِهَا، فَأَمَّا شِرَاءُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فَهَلْ يَتَنَصَّفُ بِهِ الْمَهْرُ أَوْ يَسْقُطُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يَسْقُطُ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الْبَائِعِ هُنَا أَيْضًا وَهُوَ سَيِّدُ الْأَمَةِ الْمُسْتَحِقُّ لِمَهْرِهَا فَهُوَ كَمَجِيءِ الْفَسْخِ مِنْ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحِقَّةِ لِلْمَهْرِ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي فَسْخِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَهَا السَّيِّدُ الَّذِي زَوَّجَهَا لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ بَاعَهَا الْأَجْنَبِيُّ لِلزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَسْقُطْ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ الْبَائِعِ الثَّانِي وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْمَهْرِ. هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَعَلَّلَ صَاحِبُ الْكَافِي سُقُوطَ الْمَهْرِ بِأَنَّ الزَّوْجَةَ شَارَكَتْهُ فِي الْفَسْخِ فَسَقَطَ مَهْرُهَا كَالْفَسْخِ بِعَيْبٍ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ كَوْنَهَا أَمَةً صِفَةٌ لَهَا ثَابِتَةٌ بَعْدَ مِلْكِ الزَّوْجِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْفَسْخَ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهَا، كَمَا اسْتَنَدَ فَسْخُهَا لِعَيْبِ الزَّوْجِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَائِهَا مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرِهَا وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ.

стр. 332

وَمِنْهَا: إذَا مَكَّنَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ نَفْسِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِوَطْئِهِ كَأَبِ الزَّوْجِ أَوْ ابْنِهِ فَقَالَ الْقَاضِي وَمَنْ اتَّبَعَهُ يَسْقُطُ مَهْرُهَا إسْنَادًا لِلْفَسْخِ إلَيْهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْهَا وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ. [الْقِسْم السَّادِس الْفُرْقَةُ الْإِجْبَارِيَّةُ] وَبَقِيَ هُنَا قِسْمٌ سَادِسٌ: وَهِيَ الْفُرْقَةُ الْإِجْبَارِيَّةُ وَلَهَا صُوَرٌ. مِنْهَا: أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ عَدَدٌ لَا يَجُوزُ لَهُ جَمْعُهُ فِي الْإِسْلَامِ فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْعَدَدِ الزَّائِدِ فَلَا يَجِبُ لَهُنَّ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَالْخِلَافِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إمْسَاكِهِنَّ فَهُوَ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجِبُ تَنَصُّفُ الْمَهْرِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. وَأَمَّا الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا أَنَّ الْمَهْرَ يَنْتَصِفُ بِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّمَا يَسْقُطُ ; لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِالْإِصَابَةِ لَا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الصَّحِيحِ. وَمِنْهَا: إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ وَأَشْكَلَ السَّابِقُ وَأَمَرْنَاهُ بِالطَّلَاقِ فَطَلَّقَهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَتَوَجَّهُ فِي الْمَهْرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ ثُمَّ يَقْتَرِعَانِ فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ حُكِمَ لَهَا بِهِ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِإِحْدَاهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَتَعَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِهِ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى الطَّلَاقِ فَكَأَنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ فَلَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا. وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ مُهَنَّا أَنَّهُ قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ قِيلَ يَكُونُ نِصْفُ الْمَهْرِ لَهُمَا جَمِيعًا، وَمَا أَخْلَقَهُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ نِصْفَ الْمَهْرِ لَا يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ. وَلَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ امْرَأَةً مِنْ زَوْجَيْنِ وَجَهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا وَأَمَرْنَاهُمَا بِالطَّلَاقِ فَهَلْ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَيُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ أَمْ لَا يَجِبُ لَهَا شَيْءٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَحَكَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهَا وَبِهِ أَفْتَى أَبُو يَعْلَى النَّجَّادُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا إذَا وَرِثَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فَإِنَّ الْفُرْقَةَ هَاهُنَا بِفِعْلِ اللَّهِ فَهُوَ كَاشْتِبَاهِ الزَّوْجِ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا تَغَيَّرَ حَالُ الْمَرْأَةِ الَّتِي فِي الْعِدَّةِ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا تَغَيَّرَ حَالُ الْمَرْأَةِ الَّتِي فِي الْعِدَّةِ بِانْتِقَالِهَا مِنْ رِقٍّ إلَى حُرِّيَّةٍ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا سَبَبٌ مُوجِبٌ لِعِدَّةٍ أُخْرَى مِنْ الزَّوْجِ كَوَفَاتِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهَا الِانْتِقَالُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ إلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ؟ إنْ كَانَ زَوْجُهَا مُتَمَكِّنًا مِنْ تَلَافِي نِكَاحِهَا فِي الْعِدَّةِ لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ وَإِلَّا فَلَا، إلَّا مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْإِبَانَةِ فِي الْمَرِيضِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ: مِنْهَا: الرَّجْعِيَّةُ إذَا أُعْتِقَتْ أَوْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا انْتَقَلَتْ إلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ أَوْ عِدَّةِ وَفَاةٍ. وَمِنْهَا: إذَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ مُشْرِكٍ إمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ وَأُعْتِقْنَ فَإِنَّ عِدَّتَهُنَّ عِدَّةُ حَرَائِرَ ; لِأَنَّهُ عِتْقٌ فِي عِدَّةٍ يَتَمَكَّنُ الزَّوْجُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِدْرَاكِ بِالْإِسْلَامِ فَهِيَ فِي مَعْنَى عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ ثُمَّ عَتَقَ الْإِمَاءُ وَهُنَّ عَلَى الشِّرْكِ فَإِنَّ عِدَّتَهُنَّ عِدَّةُ إمَاءٍ ; لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يُمْكِنُهُ تَلَافِي نِكَاحِهِنَّ.

стр. 333

وَمِنْهَا: الْمُرْتَدُّ إذَا قُتِلَ فِي عِدَّةِ امْرَأَتِهِ فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ تَلَافِي النِّكَاحِ بِالْإِسْلَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تَحْتَ كَافِرٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا تَعَارَضَ أَصْلَانِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا تَعَارَضَ مَعَنَا أَصْلَانِ عُمِلَ بِالْأَرْجَحِ مِنْهُمَا لِاعْتِضَادِهِ بِمَا يُرَجِّحُهُ، فَإِنْ تَسَاوَيَا خَرَّجَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهًا غَالِبًا. مِنْ صُوَرِ ذَلِكَ: مَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ فِي بُلُوغِهِ الْقُلَّتَيْنِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ أَوْ طَهَارَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ. وَالثَّانِي: هُوَ طَاهِرٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ وَأَمَّا أَنَّ أَصْلَهُ الْقُلَّةُ فَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، كَمَا إذَا كَانَ كَثِيرًا ثُمَّ نَقَصَ وَشَكَّ فِي قَدْرِ الْبَاقِي مِنْهُ، وَيُعَضِّدُ هَذَا أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ إلَّا بَعْدَ تَيَقُّنِ عَدَمِهِ، وَأَيْضًا فَلِلْأَصْحَابِ خِلَافٌ فِي الْمَاءِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ هَلْ الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَنْجُسَ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الْكَثْرَةِ فَلَا يَنْجُسُ لِمَشَقَّةِ حِفْظِ الْكَثِيرِ مِنْ النَّجَاسَةِ، أَمْ الْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا فَيَنْجُسُ ; لِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَكَادُ يَحْمِلُ النَّجَاسَةَ عَلَيْهِ غَالِبًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ هَذَا الْمَاءِ وَعَلَى الثَّانِي يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْمَأْخَذَيْنِ يَتَخَرَّجُ الْخِلَافُ فِي إثْبَاتِ نِصْفِ الْقِرْبَةِ الَّذِي رَوَى الشَّكَّ فِيهِ فِي ضَبْطِ الْقُلَّتَيْنِ وَإِسْقَاطِهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ هَلْ هُمَا خَمْسُ قِرَبٍ أَوْ أَرْبَعٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: مَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ رَوْثَةٌ وَشُكَّ هَلْ هِيَ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ؟ أَوْ مَاتَ فِيهِ حَيَوَانٌ وَشُكَّ هَلْ هُوَ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَجَسٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْوَاثِ وَالْمَيْتَاتِ النَّجَاسَةُ، وَحَيْثُ قَضَى بِطَهَارَةِ شَيْءٍ مِنْهَا فَرُخْصَةٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ الْمُرَخَّصِ هَاهُنَا فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ طَاهِرٌ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ فَلَا يُزَالُ عَنْهَا بِالشَّكِّ، وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْوَاثِ النَّجَاسَةُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ فِي رَجُلٍ وَطِئَ عَلَى رَوْثٍ لَا يَدْرِي لِحِمَارٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَرَخَّصَ فِيهِ إذَا لَمْ يَعْرِفْهُ. وَمِنْهَا: إذَا قَعَدَ الذُّبَابُ عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ ثُمَّ سَقَطَ بِالْقُرْبِ عَلَى ثَوْبٍ وَشُكَّ فِي جَفَافِ النَّجَاسَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَجِسٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرُّطُوبَةِ نَقَلَهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَحْمَدَ. وَالثَّانِي: لَا يَنْجُسُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ. وَمِنْهَا: إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَكَبَّرَ وَرَكَعَ مَعَهُ وَشَكَّ هَلْ رَفَعَ إمَامُهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

стр. 334

وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُعْتَدُّ لَهُ بِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ. وَمِنْهَا: إذَا شَكَّ هَلْ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهِ. وَالثَّانِي: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِ السُّجُودِ. وَمِنْهَا: إذَا كَانَ مَالُهُ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا خَبَرُهُ لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَبَرٌ مُنْقَطِعًا كَالْمُودَعِ وَنَحْوِهِ فَفِي وُجُوبِ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَجْهَانِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الْمَالَ ذَهَبَ. وَيَبْنِي بَعْضُ الْأَصْحَابِ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ الزَّكَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا فِي الْعَيْنِ لَمْ يَجِبْ الْإِخْرَاجُ حَتَّى يَقْبِضَهَا وَيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِخْرَاجِ مِنْهَا، وَإِنْ قُلْنَا فِي الذِّمَّةِ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا. وَيَتَوَجَّهُ عِنْدِي أَنْ أَذَيْتُكِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ الْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَحَلِّ التَّعْلِيقِ، فَإِنْ قُلْنَا هُوَ الْعَيْنُ وَجَبَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ تِسَاعًا الزَّكَاةِ حَتَّى يَقْبِضَ كَالدَّيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا هُوَ الذِّمَّةُ لَمْ يَجِبْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَقَدْ شَكَّ فِي اشْتِغَالِهَا، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَالِ الضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَمِنْهَا: الْعَبْدُ الْآبِقُ الْمُنْقَطِعُ خَبَرُهُ هَلْ تَجِبُ فِطْرَتُهُ أَمْ لَا؟ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ أَنَّهُ لَا تَجِبُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَالْفِطْرَةُ فِي الذِّمَّةِ وَيَتَخَرَّجُ لَنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجِبُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ عِتْقِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ. وَمِنْهَا: جَوَازُ عِتْقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا بِالْإِجْزَاءِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ وَجْهَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكَفَّارَةِ فِي الذِّمَّةِ وَقَدْ عَضَّدَهُ الظَّاهِرُ الدَّالُ عَلَى هَلَاكِ الْعَبْدِ مِنْ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ، فَرُجِّحَ هَذَا الْأَصْلُ بِاعْتِضَادِهِ بِهَذَا الظَّاهِرِ، وَأَيْضًا فَالْكَفَّارَةُ ثَابِتَةٌ فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ شَكَّ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ عَنْهَا فَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: إذَا ظَهَرَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ وَاخْتَلَفَا هَلْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ وَلُزُومُ الْبَيْعِ بِالتَّفَرُّقِ. وَالثَّانِيَة: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ الْمُبْرِئِ، وَأَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ هَذَا الْخِلَافَ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ عَيْنًا مُعَيَّنَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْبَائِعِ فَلَمْ تَثْبُتْ بَرَاءَتُهَا. وَمِنْهَا: مَنْ لَزِمَهُ ضَمَانُ قِيمَةِ عَيْنٍ فَوَصَفَهَا بِعَيْبٍ يُنْقِصُ الْقِيمَةَ وَأَنْكَرَ الْمُسْتَحِقُّ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى الْعَيْبِ ; لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَالْأَصْلُ إبْرَاءُ ذِمَّتِهِ، أَوْ قَوْلِ خَصْمِهِ فِي إنْكَارِ الْعَيْبِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا آجَرَهُ عَبْدًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّ الْعَبْدَ آبِقٌ مِنْ يَدِهِ وَأَنْكَرَ الْمُؤَجِّرُ فَفِيهِ

стр. 335

رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ نَقَلَهَا حَنْبَلٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِبَاقِ، وَأَنَّ الْمُؤَجِّرَ مَلَكَ الْأُجْرَةَ كُلَّهَا بِالْعَقْدِ وَالثَّانِيَة: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَسْلِيمِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ مَرِضَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ مُفَرِّقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِبَاقِ ; لِأَنَّ الْمَرَضَ يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِبَاقِ. وَمِنْهَا: إذَا ضُرِبَ لِلْعِنِّينِ الْأَجَلُ وَاخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَة وَالْمَرْأَةُ ثَيِّبٌ، فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَطْءِ أَوْ قَوْلُ الزَّوْجِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ثُبُوتِ الْفَسْخِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ يُخَلَّى مَعَهَا وَيُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ مَائِهِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى تَرْجِيحِ الظَّاهِرِ عَلَى الْأَصْلِ. وَمِنْهَا: إذَا شَكَّ الزَّوْجَانِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَالَ الزَّوْجُ أَسْلَمْت فِي عِدَّتِك فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، فَقَالَتْ بَلْ أَسْلَمْت بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِي، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ. وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِهِ فِي الْعِدَّةِ. وَمِنْهَا: إذَا قَالَ أَسْلَمْت قَبْلَك فَلَا نَفَقَةَ لَك، وَقَالَتْ بَلْ أَسْلَمْت قَبْلَك فَلِي النَّفَقَةُ، فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ. وَالثَّانِي: وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِهِ كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي، وَعَلَّلَ الْقَاضِي أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا فَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهَا، وَيُنْتَقَضُ التَّعْلِيلَانِ بِالِاخْتِلَافِ فِي النُّشُوزِ. وَمِنْهَا: إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى عَدَمِ شَيْءٍ وَشَكَّ فِي وُجُودِهِ، فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَعَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ. وَالثَّانِي: يَقَعُ، وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ تَمْرَةً فَاخْتَلَطَتْ فِي تَمْرٍ كَثِيرٍ إنْ لَمْ يَأْكُلْهُ كُلَّهُ حَنِثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيِّ وَالسَّامِرِيِّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُودُ شَرْطِ الطَّلَاقِ وَهُوَ الْعَدَمُ، وَهُوَ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَمَرَّ الشَّكُّ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْعَدَمِ وَلَا عَلَى انْتِفَائِهِ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ يَقِينًا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ ظَاهِرًا وَكَانَ حُجَّةً شَرْعِيَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَمَارَةً مَحْضَةً وَقَعَ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْعَدَمِ يَقِينًا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ ظَاهِرًا فَوَجْهَانِ عَلَى قَوْلِنَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الشَّكِّ الْمُسَاوِي الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَتَلَ مَنْ لَا يَعْرِفُ ثُمَّ ادَّعَى رِقَّهُ أَوْ كُفْرَهُ وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ ذَلِكَ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عِصْمَةُ دَمِهِ أَوْ قَوْلُ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَتْلِ إيجَابُ الْقِصَاصِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ الْمَانِعِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا الثَّانِي، وَحَكَى الْأَوَّلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا جَنَى عَلَى عُضْوٍ ثُمَّ ادَّعَى شَلَلَهُ، فَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَكِنْ الْمَحْكِيَّ هَاهُنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَكَذَلِكَ الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا قَدَّ مَلْفُوفًا نِصْفَيْنِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا فَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عِصْمَةُ الدَّمِ وَالْأَصْلُ حَيَاةُ الْمَقْدُودِ، وَكَذَا الْوَجْهَانِ لَوْ جَنَى عَلَى بَطْنِ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ وَلَدًا لِوَقْتٍ يَعِيشُ الْمَوْلُودُ فِي مِثْلِهِ وَاخْتَلَفَا فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ الْوَضْعِ لِتَعَارُضِ أَصْلِ الْحَيَاةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَكَذَا الْوَجْهَانِ لَوْ زَادَ فِي الْقِصَاصِ

стр. 336

مِنْ الْجُرْحِ وَقَالَ إنَّمَا حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ بِاضْطِرَابِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاضْطِرَابِ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَمَا يَدَّعِيهِ مُحْتَمَلٌ. وَمِنْهَا: لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالنِّكَاحِ وَقَدْ ثَبَتَ الطَّلَاقُ فَهَلْ يَجِبُ بِهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ أَوْ نِصْفُهُ فَقَطْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الْمَهْرُ كُلُّهُ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُسْقِطٌ وَلَا لِبَعْضِهِ. وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ فَقَطْ ; لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِالدُّخُولِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: إنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الدُّخُولَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي وُجُوبِهِ كُلِّهِ. وَمِنْهَا: إذَا رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ وَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ غَيْر سَهْمِهِ، أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا مُوحِيًا ثُمَّ سَقَطَ فِي مَاءٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ يُبَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُشَارَكَةِ سَبَبٍ آخَرَ فِي قَتْلِهِ، وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُ الْحَيَوَانِ حَتَّى يُتَيَقَّنَ سَبَبُ إبَاحَتِهِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ مُعْتَضَدٌ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ بِهَذَا السَّبَبِ دُونَ غَيْرِهِ. وَمِنْهَا: إذَا جَاءَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ بِمُشْرِكٍ فَادَّعَى الْمُشْرِكُ أَنَّ الْمُسْلِمَ أَمَّنَهُ وَأَنْكَرَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ فِي إنْكَارِ الْأَمَانِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَمَانِ. وَالثَّانِيَة: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْرِكِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّمَاءِ الْحَظْرُ إلَّا بِيَقِينِ الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ هُنَا فِيهَا. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ مِنْهُمَا تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ بِالظَّاهِرِ الْمُوَافِقِ لَهُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ وَادَّعَى أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ عَقَدَ لَهُ أَمَانًا فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ جَاءَ مُسْتَأْمَنًا فَإِنْ كَانَ مَعَهُ سِلَاحٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَإِلَّا قُبِلَ فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا تُرِكَ الْعَمَلُ فِيهِ بِالْأَصْلِ لِلْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ قَوْلُ مَنْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ) : إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ حُجَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْإِخْبَارِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَصْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ مُسْتَنِدُهُ الْعُرْفُ أَوْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ أَوْ الْقَرَائِنُ أَوْ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَتَارَةً يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الظَّاهِرِ، وَتَارَةً يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْأَصْلِ، وَتَارَةً يُخَرَّجُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ. مَا تُرِكَ الْعَمَلُ فِيهِ بِالْأَصْلِ لِلْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ قَوْلُ مَنْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ، وَلَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا: مِنْهَا: شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ بِشَغْلِ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ مَنْ عُلِمَ اشْتِغَالُ ذِمَّتِهِ بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ. وَمِنْهَا: إخْبَارُ الثِّقَةِ الْعَدْلِ بِأَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذِهِ الْإِنَاءِ.

стр. 337

وَمِنْهَا: إخْبَارُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ كَسَائِرِ الشُّهُودِ، وَفَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ أَنْ يَرَاهُ فِي الْمِصْرِ فَلَا يُقْبَلُ وَبَيْنَ أَنْ يَرَاهُ خَارِجَ الْمِصْرِ فَيُقَدَّمُ الْمِصْرُ فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ. وَمِنْهَا: إخْبَارُ الثِّقَةِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ. وَمِنْهَا: إخْبَارُهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُبِيحُ الْفِطْرَ ; صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَقْتَ الْفِطْرِ مُلَازِمٌ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِذَا ثَبَتَ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِإِخْبَارِ الثِّقَةِ ثَبَتَ دُخُولُ وَقْتِ الْإِفْطَارِ تَبَعًا لَهُ وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ اسْتِقْلَالًا، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِهِلَالِ شَوَّالٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ إخْبَارَ الثِّقَةِ هُنَا يُقَارِنُهُ أَمَارَاتٌ تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ ; لِأَنَّ وَقْتَ الْغُرُوبِ يَتَمَيَّزُ بِنَفْسِهِ وَعَلَيْهِ أَمَارَاتٌ تُورِثُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهَا إخْبَارُ الثِّقَةِ قَوِيَ الظَّنُّ، وَرُبَمَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِخِلَافِ هِلَالِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ صَائِمًا أَمَرَ رَجُلًا فَأَوْفَى عَلَى شَيْءٍ، فَإِذَا قَالَ قَدْ غَابَتْ الشَّمْسُ أَفْطَرَ» ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ طَعَامَهُ عِنْدَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَيَبْعَثُ إقْرَارًا يَرْقُبُ الشَّمْسَ فَإِذَا قَالَ قَدْ وَجَبَتْ قَالَ كُلُوا. وَمِنْ ذَلِكَ: قَبُولُهُ قَوْلَ الْأُمَنَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِ مَالٍ أَوْ ثَمَنٍ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَمِنْهُ أَيْضًا: قَبُولُ قَوْلِ الْمُعْتَدَّةِ فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَقْرَاءِ وَلَوْ فِي شَهْرٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ فِي الشَّهْرِ، وَفَرَّقَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ بَيْنَ مَنْ لَهَا عَادَةٌ مُنْتَظِمَةٌ فَلَا يُقْبَلُ مُخَالِفَتُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا، وَفِي الْفُنُونِ لِابْنِ عَقِيلٍ لَا يُقْبَلُ مَعَ فَسَادِ النِّسَاءِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ عَادَتُهَا أَوْ أَنَّهَا رَأَتْ الْحَيْضَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ وَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا. [الْقِسْمُ الثَّانِي مَا عُمِلَ بِالْأَصْلِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ] ِ وَنَحْوِهَا، وَلَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا: إذَا ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ بَعْدَ طُولِ مَقَامِهَا مَعَ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَمْ تُوصِلْهَا النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَلَا الْكِسْوَةُ. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهَا مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تَبْعُدُ ذَلِكَ جِدًّا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرُّجُوعَ إلَى الْعَادَةِ وَخَرَّجَهُ وَجْهًا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: وَإِذَا وُجِدَ مَعَهَا نَظِير الصَّدَاقِ أَوْ الْكِسْوَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا سَبَبٌ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا إذَا أَصْدَقهَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ ثُمَّ وُجِدَتْ مُتَعَلِّمَةً لَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ وَقَالَتْ لَمْ يُعَلِّمْنِي الزَّوْجُ، وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ عَلَّمَهَا فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَوْ النَّجَاسَةَ فِي مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ بَدَنٍ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَصْلِ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ زَوَالَهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَلَا غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا أَوْ

стр. 338

نَجَاسَةً وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا. وَمِنْهَا: إذَا شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، أَحْمَدُ، وَلَا عِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَبِالْقَرَائِنِ وَنَحْوِهَا مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إلَى إخْبَارِ ثِقَةٍ بِالطَّلْعِ. وَمِنْهَا: إذَا زَنَى مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَوَلَدٌ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ وَطِئَ زَوْجَتَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُرْجَمُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَطْءِ وَلُحُوقُ النَّسَبِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ وَوُجُودِ الْقَرَائِنِ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا عُمِلَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الْأَصْلِ] ِ وَلَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا: إذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَعَدَمَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لِلْعِبَادَاتِ أَنْ تَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَيَرْجِعُ هَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الْأَصْلِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي الْوُضُوءِ وَجْهٌ أَنَّ الشَّكَّ فِي تَرْكِ بَعْضِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَالشَّكِّ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْفَرَاغِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا: لَوْ صَلَّى ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً وَشَكَّ هَلْ لَحِقَتْهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا وَأَمْكَنَ الْأَمْرَانِ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ وَبَقَاؤُهَا فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ صِحَّتَهَا، لَكِنْ حُكِمَ بِالصِّحَّةِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ أَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ وَجَرَيَانُهَا عَلَى الْكَمَالِ وَعَضَّدَ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُقَارَنَةِ الصَّلَاةِ لِلنَّجَاسَةِ، وَتُرْجَعُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ إلَى تَعَارُضِ أَصْلَيْنِ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا بِظَاهِرٍ عَضَّدَهُ. وَمِنْهَا: إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي بَعْضِ شَرَائِطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، كَمَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صُورَةِ دَعْوَى الصَّغِيرِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعُقُودِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ دُونَ الْفَسَادِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْبُلُوغِ وَالْإِذْنِ. وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ وَجْهًا آخَرَ فِي دَعْوَى الصَّغِيرِ أَنَّهُ يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ تَكْلِيفُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بِخِلَافِ دَعْوَى عَدَمِ الْإِذْنِ مِنْ مُكَلَّفٍ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَتَعَاطَى فِي الظَّاهِرِ إلَّا الصَّحِيحَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَكَذَا يَجِيءُ فِي الْإِقْرَارِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إذَا اخْتَلَفَا هَلْ وَقَعَتْ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا عَامٌّ وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ وَقْتُ التَّصَرُّفِ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِبُلُوغِهِ أَوْ لَا يَتَيَقَّنُ، فَأَمَّا مَعَ تَيَقُّنِ الشَّكِّ قَدْ تَيَقَّنَّا صُدُورَ التَّصَرُّفِ مِمَّنْ لَمْ تَثْبُتْ أَهْلِيَّتُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، فَقَدْ شَكَكْنَا فِي شَرْطِ الصِّحَّةِ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ، وَأَمَّا فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ صُدُورُهُ فِي حَالِ الْأَهْلِيَّةِ وَحَالِ عَدَمِهَا وَالظَّاهِرُ صُدُورُهُ وَقْتَ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَالْأَهْلِيَّةُ هُنَا مُتَيَقِّنٌ وُجُودُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْبُلُوغِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مِثْلُ إسْلَامِهِ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ أَوْ ثُبُوتُ الذِّمَّةِ لَهُ تَبَعًا

стр. 339

لِأَبِيهِ أَوْ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْوَلِيِّ لَهُ أَوْ تَزْوِيجِ وَلِيٍّ أَبْعَدَ مِنْهُ لِمُوَلِّيَتِهِ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْبُلُوغِ حِينَئِذٍ أَمْ لَا لِثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ فِي الظَّاهِرِ قَبْلَ دَعْوَاهُ؟ وَأَشَارَ إلَى تَخْرِيجِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا ارْتَجَعَ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجُهَا فَقَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي، وَشَبَّهَهُ أَيْضًا بِمَا إذَا ادَّعَى الْمَجْهُولُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا كَاللَّقِيطِ الْمُقِرِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَوْ تَصَرَّفَ الْمَحْكُومُ بِحُرِّيَّتِهِ ظَاهِرًا كَاللَّقِيطِ ثُمَّ ادَّعَى الرِّقَّ فَفِي قَبُولِهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ. وَمِنْهَا: إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَحَكَى عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّيَقُّنُ. وَمِنْهَا: الْفِطْرُ فِي الصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَلَبَةِ ظَنِّ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ إلَّا مَعَ تَيَقُّنِ الْغُرُوبِ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ عَلَيْهِ أَمَارَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا فَاكْتُفِيَ فِيهَا بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، بِخِلَافِ مَا لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ وَنَحْوِهَا، وَأَيْضًا فَالصَّلَاةُ وَالطَّهَارَةُ وَنَحْوُهُمَا كُلٌّ مِنْهُمَا عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ مَطْلُوبَةُ الْوُجُودِ إذَا شَكَّ فِي فِعْلِ شَيْءٍ مِنْهَا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَلَا يُخْرَجُ مِنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَالصَّوْمُ عِبَادَةٌ وَكَفٌّ عَنْ مَحْظُورَاتٍ خَاصَّةٍ، فَمَتَى لَمْ يَتَيَقَّنْ وُقُوعَ مَحْظُورَاتِهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهَا، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ الْمُسَاوِي ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّوْمِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ ظَنٌّ يُعَارِضُهُ، فَإِذَا تَرَجَّحَ الظَّنُّ عُمِلَ بِهِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ بِوُقُوعِ مَحْظُورَاتِهِ حِينَئِذٍ لَا سِيَّمَا وَفِعْلُ مَحْظُورَاتِهِ مَعَ تَرْجِيحِ ظَنِّ انْقِضَائِهِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا عَلَى الْأَظْهَرِ وَلِهَذَا جَازَ الْأَكْلُ أَوْ اُسْتُحِبَّ مَعَ ظَنِّ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ كَمَا سَبَقَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَقْتِ الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا ; أَنَّ الصَّلَاةَ يَجُوزُ فِعْلُهَا مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّ دُخُولِ وَقْتِهَا وَلَا يَجِبُ، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ يَجُوزُ الْإِمْسَاكُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ مَعَ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَلَا يَجِبُ فَهُمَا سَوَاءٌ: وَالثَّانِي: أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ لَا تُسْتَغْرَقُ مَجْمُوعُ وَقْتِهَا بَلْ تُفْعَلُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ، فَإِذَا فُعِلَتْ فِي زَمَنٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ مِنْ وَقْتِهَا كَفَى، وَالصَّوْمُ عِبَادَةٌ تَسْتَغْرِقُ زَمَنَهَا وَهِيَ مِنْ بَابِ الْكَفِّ وَالتَّرْكِ لَا مِنْ بَابِ الْأَعْمَالِ، فَيَكْفِي اشْتِرَاطُ الْكَفِّ عَنْ مَحْظُورَاتِهَا فِي زَمَانِهَا الْمُحَقَّقِ دُونَ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَلَا يَبْطُلُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهَا فِي زَمَنٍ لَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ وَقْتُ الصِّيَامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ بَقَاءَ وَقْتِ الصِّيَامِ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ خُرُوجُهُ فَلَا يُبَاحُ حِينَئِذٍ الْإِقْدَامُ عَلَى الْإِفْطَارِ وَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ صَلَّى ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً يُمْكِنُ أَنَّهَا لَحِقَتْهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُعْتَادَةَ تَرْجِعُ إلَى عَادَتِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَإِلَى تَمْيِيزِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ رَجَعَتْ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ وَهِيَ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مُسَاوَاتُهَا لَهُنَّ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمُ فَرَاغِ حَيْضِهَا حِينَئِذٍ. وَمِنْهَا: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ انْتِظَارِ أَرْبَعِ سِنِينَ وَيُقَسَّمُ مَالُهُ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ لَكِنْ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَعْدُومِ مِنْ حِينِ فَقَدَهُ أَوْ لَا يَثْبُتُ إلَّا مِنْ حِينِ إبَاحَةِ أَزْوَاجِهِ وَقِسْمَةِ مَالِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ مَاتَ لَهُ فِي مُدَّةِ انْتِظَارِهِ مَنْ يَرِثُهُ فَهَلْ يُحْكَمُ بِتَوْرِيثِهِ مِنْهُ أَمْ لَا؟

стр. 340

وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُزَكِّي مَالَهُ بَعْدَ مُدَّةِ انْتِظَارِهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِأَحْكَامِ الْمَوْتَى إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا أَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ بَعْدَ مُدَّةِ انْتِظَارِهَا تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ ثُمَّ تُبَاحُ لِلْأَزْوَاجِ فَهَلْ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ كَمَا فِي مُدَّةِ الِانْتِظَارِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الزاغوني فِي الْإِقْنَاعِ. وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي الشَّرْحِ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي ; لِأَنَّهُ حُكِمَ بِوَفَاتِهِ بَعْدَ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ فَصَارَتْ مُعْتَدَّةً لِلْوَفَاةِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ قَالَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَسْقُطُ إلَّا بِيَقِينِ الْمَوْتِ وَلَمْ تُوجَدْ هَاهُنَا وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَزَادَ أَنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَسْقُطُ بَعْدَ الْعِدَّةِ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا بَاقِيَةً عَلَى نِكَاحِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ يُفَرِّقْ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا. وَمِنْهَا: أَنَّ النَّوْمَ الْخُلْعَيْنِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ; لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْحَدَثِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ خُرُوجِهِ وَبَقَاءُ الطَّهَارَةِ. وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ وَجْهًا آخَرَ: أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ حَدَثٌ لَكِنْ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ. وَمِنْهَا: إذَا زَنَا مَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. وَمِنْهَا: إذَا ادَّعَتْ الْمُعْتَقَةُ تَحْتَ عَبْدٍ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ وَمِثْلُهَا لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا. وَمِنْهَا: إذَا زَوَّجَ الْمَوْلَى امْرَأَةً يُعْتَبَرُ إذْنُهَا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، ثُمَّ أَنْكَرَتْ الْإِذْنَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ تَمْكِينَهَا يُكَذِّبُهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ إذْنُهَا السُّكُوتَ وَادَّعَتْ أَنَّ سُكُوتَهَا كَانَ حَيَاءً لَا رِضًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ; لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ إقْرَارٌ بِهِ وَرِضًا فَلَا يُسْمَعُ دَعْوَى خِلَافِهِ. وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا رَدَّتْ أَوْ كَانَ إذْنُهَا النُّطْقَ فَأَنْكَرَتْهُ فَقَالَ الْقَاضِي الْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهَا وَلَمْ يُوجَدْ ظَاهِرٌ يُخَالِفُهُ. وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ بِمَهْرٍ مُسَمًّى وَشَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ ثُمَّ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي يَوْمٍ آخَرَ مُعَيَّنٍ بِمَهْرٍ مُسَمًّى وَشَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ ثُمَّ اخْتَلَفَا. فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: هُمَا نِكَاحَانِ وَلِي الْمَهْرَانِ، وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ نِكَاحٌ وَاحِدٌ تَكَرَّرَ عَقْدُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا، وَكَذَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمِ كَذَا بِثَمَنِ كَذَا وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ بِثَمَنٍ. فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ كَرَّرْنَاهُ. وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْمَهْرِ الثَّانِي. [الْقِسْمُ الرَّابِعُ مَا خُرِّجَ فِيهِ خِلَافٌ فِي تَرْجِيحِ الظَّاهِرِ عَلَى الْأَصْلِ وَبِالْعَكْسِ] ِ وَيَكُونُ ذَلِكَ غَالِبًا عِنْدَ تَقَاوُمِ الظَّاهِرِ وَالْأَصْلُ تُسَاوِيهِمَا، وَلَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا: إذَا سُخِّنَ الْمَاءُ بِنَجَاسَتِهِ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُصُولُ الدُّخَانِ إلَيْهِ فَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ.

стр. 341

أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ أَدْخَلَ الْكَلْبُ رَأْسَهُ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَشَكَّ هَلْ وَلَغَ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَكَانَ فَمُهُ رُطَبًا فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُلُوغُهُ أَمْ بِطَهَارَتِهِ ; لِأَنَّهَا الْأَصْلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْأَزَجِيُّ. وَمِنْهَا: إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ النَّجَاسَةِ أَمْ لَا؟ وَكَانَ هُنَاكَ بِئْرٌ وَحَشٌّ فَإِنْ كَانَ إلَى الْبِئْرِ أَقْرَبُ أَوْ هُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ إلَى الْحَشِّ أَقْرَبُ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَجِسٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يُعَايِنْ خُرُوجَهُ مِنْ الْحَشِّ نَقَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُبْهَمِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ تَمِيمٍ. وَمِنْهَا: طِينُ الشَّوَارِعِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَجَعَلَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي شَرْحِهِ الْمَذْهَبَ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الْأَعْيَانِ كُلِّهَا. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ نَجِسٌ تَرْجِيحًا لِلظَّاهِرِ وَجَعَلَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ الْمَذْهَبَ حَتَّى حَكَى عَنْ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ وَأَبْدَى احْتِمَالًا بِالْعَفْوِ عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ، وَحَكَى عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِهِ إلَّا مَا تَحَقَّقَ نَجَاسَتُهُ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُبْهَمِ عَنْ ابْنِ تَمِيمٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ فَفِي نَجَاسَةِ الْأَرْضِ رِوَايَتَانِ، فَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلِلْمَسْأَلَةِ أُصُولٌ تَنْبَنِي عَلَيْهَا. أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. وَالثَّانِي: طَهَارَةُ الْأَرْضِ وَغُسَالَتِهَا بِمَاءِ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ إذَا لَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ أَثَرٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي عَلَى الْأَرْضِ أَثَرًا أَوْ عَيْنًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي: بِالِاسْتِحَالَةِ وَفِي الْمَذْهَبِ خِلَافٌ يُبْنَى عَلَيْهِ طَهَارَةُ الطِّينِ إذَا بَقِيَتْ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ ثُمَّ اُسْتُهْلِكَتْ فِيهِ حَتَّى ذَهَبَ أَثَرُهَا. وَالثَّالِثُ: طَهَارَةُ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ وَالشَّمْسِ وَالرِّيحِ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَى عَدَمِ طَهَارَتِهَا بِذَلِكَ، وَخَالَفَهُمْ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ طَهَارَةُ الْأَرْضِ مَعَ مُشَاهَدَةِ النَّجَاسَاتِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: الْمَقْبَرَةُ الْمَشْكُوكُ فِي نَبْشِهَا إذَا تَقَادَمَ عَهْدُهَا هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ نَبْشُهَا أَوْ بِطَهَارَتِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: ثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانَيْهِمْ وَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ إحْدَاهَا: الْإِبَاحَةُ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ. وَالثَّانِيَةُ: الْكَرَاهِيَةُ لِخَشْيَةِ إصَابَةِ النَّجَاسَةِ لَهَا إذْ هُوَ الظَّاهِرُ. وَالثَّالِثَةُ: إنْ قَوِيَ الظَّاهِرُ جِدًّا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهَا بِدُونِ غَسْلٍ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ مَا وَلِيَ عَوْرَتَهُمْ مِنْ الثِّيَابِ قَبْلَ غَسْلِهِ دُونَ مَا عَلَا مِنْهَا. وَالثَّانِيَةُ: يُمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ مُطْلَقًا مِمَّنْ يُحْكَمُ بِأَنَّ ذَبِيحَتَهُ مَيْتَةٌ كَالْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوس دُونَ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْخِرَقِيِّ فِي شَرْحِهِ وَابْنِ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ قُدُورِ النَّصَارَى لِاسْتِحْلَالِهِمْ الْخِنْزِيرَ، وَزَادَ الْخِرَقِيِّ وَلَا أَوَانِي طَبِيخِهِمْ دُونَ أَوْعِيَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَبْعُدُ إصَابَتُهُ بِالنَّجَاسَةِ، وَزَادَ أَبِي مُوسَى الْمَنْعَ مِنْ

стр. 342

اسْتِعْمَالِ ثِيَابِ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْمَجُوسِ مُطْلَقًا، وَمَا سَفَلَ مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَصِقَ بِأَبْدَانِهِمْ حَتَّى تُغْسَلَ. وَمِنْهَا: ثِيَابُ الصِّبْيَانِ وَمَنْ لَا يَتَحَرَّزُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْكَرَاهَةُ، وَعَدَمُهَا، وَالْمَنْعُ حَتَّى تُغْسَلَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَمِنْهَا: إذَا شَكَّ الْمُصَلِّي فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ. إحْدَاهَا: أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا. وَالثَّانِيَةُ: يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ. وَالثَّالِثَةُ: إنْ قَوِيَ الظَّنُّ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ لَهُ عَلَيْهِ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَهُوَ الْإِمَامُ إذَا أَقَرَّهُ الْمَأْمُومُونَ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا

стр. 343

بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ. فَأَمَّا إنْ سَبَّحَ لَهُ اثْنَانِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا إذَا قُلْنَا يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ ; لِأَنَّ تَنْبِيهَهُمَا إنَّمَا يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِهِمَا رُجُوعٌ إلَى بَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَيُتْرَكُ الْأَصْلُ لِأَجْلِهَا كَسَائِرِ الْبَيِّنَاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِخِلَافِ غَلَبَةِ الظَّنِّ الْمُجَرَّدَةِ إذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْيَقِينِ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ. وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ عَلَى الْإِمَامِ أَنَّهُ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ وَأَنْكَرَ هُوَ وَبَقِيَّةُ الْمَأْمُومِينَ أَعَادُوا الصَّلَاةَ كُلُّهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ. وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إلَى غَالِبِ ظَنِّهِ كَالصَّلَاةِ فَإِنْ أَخْبَرَهُ اثْنَانِ بِمَا طَافَ فَهَلْ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا وَكَذَا الْوَجْهَانِ لَوْ أَخْبَرَ الْمُصَلِّي مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ هَلْ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا أَمْ لَا. وَفِي الْمُغْنِي يَرْجِعُ الطَّائِفُ إلَى خَبَرِ الثِّقَةِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ ; لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدُّدُ وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا الْعَدَدَ فِي الصَّلَاةِ لِخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْأَصْلِ. وَمِنْهَا: لَوْ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَيِّتٌ مَجْهُولُ الدِّينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ السَّلَامِ وَلَا الْكُفْرِ أَوْ تَعَارَضَ فِيهِ عَلَامَةُ السَّلَامِ وَالْكُفْرِ صَلَّى عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ خَاصَّةً فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ إذْ الْأَصْلُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ الْإِسْلَامُ وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا الْكُفْرُ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي دَارِ الْكُفْرِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الْإِسْلَامِ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ وَهَذَا تَرْجِيحٌ لِلظَّاهِرِ عَلَى الْأَصْلِ هَاهُنَا كَمَا رَجَّحَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَلَمْ يُرَجَّحْ الْأَصْحَابُ هُنَا الْأَصْلَ كَمَا رَجَّحُوهُ ثُمَّ ; لِأَنَّ هَذَا الْأَصْلَ قَدْ عَارَضَهُ أَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. وَمِنْهَا: إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ وَلَا بَيِّنَةَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَغَارِمٌ) : وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يُقَرِّرُ بِهِ. وَالثَّانِيَةُ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي مَهْرِ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ. وَمِنْهَا: إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَالَ الزَّوْجُ أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ عَلَى نِكَاحِنَا، وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ بَلْ عَلَى التَّعَاقُبِ فَلَا نِكَاحَ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ. وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا إذْ وُقُوعُ الْإِسْلَامِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ نَادِرٌ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ. وَمِنْهَا: إذَا خَلَا بِامْرَأَتِهِ وَصَدَّقَتْهُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا وَقُلْنَا لَا يَتَقَرَّرُ بِذَلِكَ الْمَهْرُ عَلَى رِوَايَةٍ سَبَقَتْ وَكَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَهَلْ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْوَلَدَ، إنَّمَا يَنْعَقِدُ عَنْ الْإِصَابَةِ أَوَّلًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إصَابَتِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَبَقَ الْمَاءُ إلَى فَرْجِهَا فَانْعَقَدَ بِهِ الْوَلَدُ عَلَى وَجْهَيْنِ

стр. 344

ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ سَبْقَ الْمَاءِ إلَى الْفَرْجِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَا تَقَرَّرَ الْمَهْرُ مِنْ وَطْءِ دُونِ الْفَرْجِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَالْأَظْهَرُ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ تَقَرُّرِ الْمَهْرِ أَنْ يُقَالَ: الْوَلَدُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ بِخِلَافِ اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ. (وَمِنْهَا) لَوْ زَوَّجَ رَجُلٌ وَلِيَّتَهُ ثُمَّ ظَهَرَتْ مَعِيبَةً وَادَّعَى الْوَلِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ بَيِّنَتِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ جُنُونًا وَيَكُونَ الْوَلِيُّ ذَا اطِّلَاعٍ عَلَيْهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي. وَالثَّانِي: إنْ كَانَ الْوَلِيُّ قَرِيبًا كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالِابْنِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَوَافَقَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إلَّا أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ عُيُوبِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهَا فَسَوَّى بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. (وَمِنْهَا) إذَا اخْتَلَطَ مَالٌ حَرَامٌ بِحَلَالٍ وَكَانَ الْحَرَامُ أَغْلَبَ فَهَلْ يَجُوزُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الْإِبَاحَةُ وَالْغَالِبُ هَهُنَا الْحَرَامُ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ إذَا كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ [النَّهْبَ] وَالرِّبَا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا امْرَأَتَك لَا يُعْرَفُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا إذَا اشْتَبَهَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ وَكَانَ الطَّاهِرُ أَكْثَرَ فَإِنَّ فِي جَوَازِ التَّحَرِّي رِوَايَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ جَوَازُهُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ شَاقِلَا وَأَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لَكِنْ هُنَا اعْتَضَدَ أَصْلُ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ إصَابَةُ الطَّاهِرِ لِكَثْرَتِهِ. (وَمِنْهَا) إذَا قَذَفَ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَادَّعَى رِقَّهُ وَأَنْكَرَ الْمَقْذُوفُ فَهَلْ يُحَدُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِ الْحَدِّ وَالْأَغْلَبَ عَلَى النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، أَوْ يُقَالُ: الْأَصْلُ فِيهِمْ الْحُرِّيَّةُ فَيَكُونُ ذَا مِنْ بَابِ تَعَارُضِ الْأَصْلَيْنِ. (وَمِنْهَا) إذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا وَلَا إيقَاعًا بَلْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: تَطْلُقُ اثْنَيْنِ ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِيقَاعِ كَاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: إذَا دَار الْأَمْرُ بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ وَعَدَمِ وُقُوعِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ إذَا كَرَّرَ ثَلَاثًا فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُخْرِجَ رِوَايَةً أُخْرَى بِوُقُوعِ الرُّسْتُفْغَنِيِّ مَعَ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَيَشْهَدُ مَا نَقَلَهُ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَ إنْ كَانَ أَرَادَ إفْهَامَهَا فَهُوَ الَّذِي أَرَادَ وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَ فَلَمْ يُوقِعْ الثَّانِيَة بِدُونِ النِّيَّةِ. وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِيمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَطْلَقَ النِّيَّةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ فَإِنْ نَوَى بِالثَّانِيَةِ طَلْقَةً أُخْرَى فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ; لِأَنَّهُ إعَادَةُ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ فَلَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ كَذَلِكَ حَكَى الْقَاضِي عَنْهُ فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَكَرَّرَهُ وَأَطْلَقَ النِّيَّةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ وَهَهُنَا مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ نَصَّ

стр. 345

عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ: هِيَ تَطْلِيقَتَانِ هَذَا كَلَامٌ مُسْتَقِيمٌ وَإِنَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ هِيَ وَاحِدَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ بَلْ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ إذَا كَانَ بَعْدَهَا مُفْرَدٌ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَإِنْ كَانَ مُتَحَمِّلًا لِضَمِيرٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْرَبُ، وَالْجُمَلُ لَا تُعْرَبُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقَعُ صِلَةً وَلَوْ كَانَ جُمْلَةً لَوَقَعَ صِلَةً وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَقَدْ أَوْقَعَ قَبْلَهُ وَاحِدَةً ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا أُخْرَى فَتَقَعُ اثْنَتَانِ، كَمَا لَوْ أَتَى بِوَاوِ خَلَعْتُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: هَذَا كَلَامٌ مُسْتَقِيمٌ - يَعْنِي أَنَّهُ نُسِّقَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ كَسَائِرِ الْمَعْطُوفِ بِالْوَاوِ وَثُمَّ وَنَحْوِهِمَا - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنَايْ إنَّ مَا قَبْلَهُ يَصِيرُ مَسْكُوتًا عَنْهُ غَيْرَ مُثْبَتٍ وَلَا مَنْفِيٍّ فَهَذَا فِيمَا يَقْبَلُ النَّفْيَ بَعْدَ إثْبَاتِهِ، وَالطَّلَاقُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَتَعَيَّنَ إثْبَاتُ الْأَوَّلِ وَعَطْفُ الثَّانِي عَلَيْهِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ فَقَدْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَثْبَتَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ فَيَكُونُ الْمُثْبَتُ هُوَ الْمَنْفِيَّ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الطَّلْقَةُ الْأُولَى فَلَا يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ كَأَنَّهُ نَسِيَ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُوقَعَ لَا يُنْفَى فَاسْتَدْرَكَ وَأَثْبَتَهُ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ ارْتَفَعَ بِنَفْيِهِ فَهَذَا إعَادَةٌ لِلْأَوَّلِ لَا اسْتِئْنَافُ طَلَاقٍ. (وَمِنْهَا) إذَا قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي أَوْ أَنْتِ الطَّلَاقُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ أَوْ الثَّلَاثَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْعَهْدُ أَيْ الطَّلَاقُ الْمَعْهُودُ الْمَسْنُونُ وَهُوَ الْوَاحِدَةُ، وَيُرَادُ بِهَا مُطْلَقُ الْجِنْسِ، وَيُرَادُ بِهَا اسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ لَكِنَّهَا فِي الِاسْتِغْرَاقِ وَالْعُمُومِ أَظْهَرُ وَالْمُتَيَقَّنُ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدَةُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ. وَعَلَى رِوَايَةِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ فَلَوْ نَوَى بِهِ مَا دُونَهَا فَهَلْ يَقَعُ بِهِ مَا نَوَاهُ خَاصَّةً أَوْ يَقَعُ بِهِ الثَّلَاثُ وَيَكُونُ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي الثَّلَاثِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ لِلْأَصْحَابِ، وَلَوْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي وَلَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ أَوْ التَّخْصِيصَ عُمِلَ بِهِ. وَمَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ وَالسَّبَبِ خَرَّجَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِذَلِكَ عَلَى الزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ فِي الطَّلَاقِ يَكُونُ تَارَةً فِي نَفْسِهِ وَتَارَةً فِي مَحَلِّهِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عُمُومَ الْمَصْدَرِ لِأَفْرَادِهِ أَقْوَى مِنْ عُمُومِهِ لِمَفْعُولَاتِهِ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَفْرَادِهِ بِذَاتِهِ عَقْلًا وَلَفْظًا وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَفْعُولَاتِهِ بِوَاسِطَةٍ، فَلَفْظُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَثَلًا يَعُمُّ الْأَنْوَاعَ مِنْهُ وَالْأَعْدَادَ أَبْلَغَ مِنْ عُمُومِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إذَا كَانَ عَامًّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِهِ لِأَفْرَادِهِ عُمُومُ أَنْوَاعِ مَفْعُولَاتِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ بِمَعْنَاهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَوِيَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِجَمِيعِ الزَّوْجَاتِ دُونَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِالزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِالْوَاحِدَةِ مُحَرَّمٌ بِخِلَافِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالزَّوْجَاتِ الْمُتَعَدِّدَاتِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهُ الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ صِيغَةَ عُمُومٍ لَكِنْ إذَا لَمْ يَنْوِ عُمُومَهُ كَانَ مُخَصَّصًا بِالشَّرْعِ عِنْدَ مَنْ

стр. 346

يُحَرِّمُ جَمْعَ الثَّلَاثِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ مِنْ صُوَرِ التَّخْصِيصِ بِالشَّرْعِ وَقَدْ ذَكَرْنَا نَظَائِرَهَا فِي قَاعِدَةٍ سَبَقَتْ. (وَمِنْهَا) إذَا قَالَ زَوْجَتِي طَالِقٌ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ وَلَهُ زَوْجَتَانِ وَعَبِيدٌ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ بِالْجَمِيعِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَدَدًا مُعَيَّنًا ; لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُضَافَ لِلْعُمُومِ فَهُوَ كَالْجَمْعِ الْمَعْرُوفِ. ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي احْتِمَالًا وَرَجَّحَهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مَعَ إطْلَاقِ النِّيَّةِ إلَّا بِوَاحِدٍ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْوَاحِدِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ أَظْهَرَ فِيهِ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ عَلَى الظَّاهِرِ. (وَمِنْهَا) إذَا قَالَ لَهُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ. فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَنَزَّلَهُمَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ ; فَإِنَّ الظَّاهِرَ عَطْفُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ التَّكْرَارِ بِهِ لِأَنَّهُ بِلَفْظِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت بِالثَّلَاثِ تَكْرَارَ الثَّانِي قُبِلَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِاحْتِمَالِهِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الطَّلَاقِ احْتِمَالًا أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إرَادَةُ التَّكْرَارِ وَالتَّأْكِيدِ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ لِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعَطْفِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. [الْقَاعِدَةُ السِّتُّونَ بَعْدَ الْمِائَة تُسْتَعْمَلُ الْقُرْعَةُ فِي تَمَيُّزِ الْمُسْتَحِقِّ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ ابْتِدَاء لِمُبْهَمٍ] (الْقَاعِدَةُ السِّتُّونَ بَعْدَ الْمِائَة) : تُسْتَعْمَلُ الْقُرْعَةُ فِي تَمَيُّزِ الْمُسْتَحِقِّ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ ابْتِدَاءً لِمُبْهَمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عِنْدَ تَسَاوِي أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحَقِّ الْمُعَيَّنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنْ اشْتِبَاهِهِ وَالْعَجْزِ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَمْوَالُ وَالْأَبْضَاعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَفِي الْأَبْضَاعِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ لَا تُؤَثِّرُ الْقُرْعَةُ فِي حَلِّ الْمُعَيَّنِ مِنْهَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي حُقُوقِ الِاخْتِصَاصِ وَالْوِلَايَاتِ وَنَحْوِهَا، وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ الْمُبْهَمِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا ابْتِدَاءً، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّ الْقُرْعَةَ تُمَيِّزُ الْيَمِينَ الْمَنْسِيَّةِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَاهُنَا مَسَائِلَ الْقُرْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَوَّلِ الْفِقْهِ إلَى آخِرِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَاَللَّهُ الْمُوفَّق (فَمِنْهَا) إذَا اجْتَمَعَ مُحْدِثَانِ حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ وَعِنْدَهُمَا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا وَلَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدِهِمَا بِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَالثَّانِي: يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جُنُبًا وَالْآخَرُ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ وَكَانَ الْمَاءُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَفْضُلُ عَنْهُ فَضْلَةً لَا يَكْفِي الْآخَرَ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الْمُحْدِثُ أَوْلَى لِأَنَّ فَضْلَتَهُ يُمْكِنُ الْجُنُبَ اسْتِعْمَالُهَا بِخِلَافِ فَضْلَةِ الْجُنُبِ فَإِنَّمَا لَا تَرْفَعُ حَدَثَ الْمُحْدِثِ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ. وَالثَّانِي: الْجُنُبُ أَوْلَى لِغِلَظِ حَدَثِهِ. وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُعْطِيهِ بَاذِلُ الْمَاءِ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ صَوَّرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي مَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ مَمْلُوكٍ أَرَادَ مَالِكُهُ بَذْلَهُ لِأَحَدِهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُبَاحَ قَبْلَ وَضْعِ الْأَيْدِي عَلَيْهِ لَا مِلْكَ فِيهِ، وَبَعْدَ

стр. 347

وَضْعِ الْأَيْدِي لِلْجَمِيعِ، وَالْمَالِكُ لَهُ وِلَايَةُ صَرْفِهِ إلَى مَنْ شَاءَ، قَالَ: وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عِنْدِي فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَاءِ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ انْتَهَى. وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا فِي النَّذْرِ لَأَوْلَاهُمْ بِهِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ وَفِيمَا إذَا طَلَبَ الْمَالِكُ مَعْرِفَةَ أَوْلَاهُمْ لِيُؤْثِرَهُ بِهِ وَفِيمَا إذَا مَا وَرَدُوا عَلَى مُبَاحٍ وَازْدَحَمُوا وَتَشَاحُّوا فِي التَّنَاوُلِ أَوَّلًا. (وَمِنْهَا) إذَا تَشَاحُّوا فِي الْأَذَانِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ الْمُرَجَّحِ بِهَا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَأَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى وَاحْتَجَّ بِأَنَّ سَعْدًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَلَى تَقْدِيمِ الْقُرْعَةِ عَلَى اخْتِيَارِ الْجِيرَانِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَلَى أَنَّ الْمُتَعَاهِدَ لِلْمَسْجِدِ بِالْعِمَارَةِ أَحَقُّ (وَمِنْهَا) إذَا اجْتَمَعَ عُرَاةٌ وَمَعَ وَاحِدٍ ثَوْبٌ قَدْ صَلَّى فِيهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَارَتُهُ لِرُفَقَائِهِ فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَفِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ اُسْتُحِبَّ إعَارَتُهُ فَيُصَلِّي فِيهِ إمَامًا وَالْعُرَاةُ خَلْفَهُ، فَإِنْ اسْتَوَوْا وَلَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي. (وَمِنْهَا) إذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الصِّفَاتِ الْمُرَجَّحِ بِهَا فِي الْإِمَامَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَتَشَاحَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الْأَذَانِ (وَكَذَلِكَ) إذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَاسْتَوَيَا وَتَشَاحَّا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ وَلِيَ إمَامَةَ الْمَسْجِدِ رَجُلَانِ صَحَّ وَكَانَا فِي الْإِمَامَةِ سَوَاءٌ وَأَيُّهُمَا سَبَقَ إلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا فَإِنْ حَضَرَا مَعًا اُحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَيُقَدَّمُ مَنْ قُرِعَ لَهُ مِنْهُمَا، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى اخْتِيَارِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ لِأَحَدِهِمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ. (وَمِنْهَا) إذَا قَدَّمَ مَيِّتَيْنِ إلَى مَكَانٍ مِنْ مَقْبَرَةٍ مُسْبَلَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا هُنَاكَ مَزِيَّةٌ مِنْ أَهْلٍ مَدْفُونِينَ عِنْدَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَكَذَلِكَ إذَا دُفِنَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا إلَى الْقِبْلَةِ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا فَعَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِامْرَأَتَيْهِ (وَمِنْهَا) إذَا اجْتَمَعَ مَيِّتَانِ فَبُذِلَ لَهُمَا كَفَنَانِ وَكَانَ أَحَدُ الْكَفَنَيْنِ أَجْوَدَ مِنْ الْآخَرِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْبَاذِلُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ; لِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ بِذَلِكَ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ «: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ: يَعْنِي أُمَّهُ فَأَخْرَجَتْ ثَوْبَيْنِ مَعَهَا فَقَالَتْ هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْت بِهِمَا لِأَخِي حَمْزَةَ فَكَفِّنُوهُ فِيهِمَا، قَالَ: فَجِئْتُ بِالثَّوْبَيْنِ لِيُكَفَّنَ فِيهِمَا حَمْزَةُ فَإِذَا إلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَتِيلٌ قَدْ فُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ بِحَمْزَةَ، قَالَ فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً وَحَيَاءً أَنْ يُكَفَّنَ حَمْزَةُ فِي ثَوْبَيْنِ وَالْأَنْصَارِيُّ لَا كَفَنَ لَهُ، فَقَالَ: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ، فَقَدَرْنَاهُمَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الْآخَرِ فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي الَّذِي طَارَ لَهُ» ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ لَمَّا عَدَّدَ أَحَادِيثَ الْقُرْعَةِ فَعَرَفَهُ أَحْمَدُ وَعَدَّهُ مَعَهَا وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَخَذَ بِهِ (وَمِنْهَا) وَلَوْ اشْتَبَهَ عَبْدُهُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ فَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُ عَبْدِهِ الْمُشْتَبِهِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: يُحْتَمَلُ

стр. 348

أَنْ لَا يَصِحَّ الْعَقْدُ حَتَّى يَقَعَ التَّمْيِيزُ، وَبِمَاذَا يَقَعُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَيُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ ثُمَّ يَبِيعُهُ لِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَطَ الْمُسْتَحِقُّ بِغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمُرَاضَاةِ. وَلَوْ سَلَّمْنَاهُ فَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ هُنَا بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَعُفِيَ عَنْهَا قَالَ: وَأَجْوَدُ مَا يُقَالُ فِيهَا: إنَّهُمَا يَبِيعَانِ الْعَبْدَيْنِ وَيَقْتَسِمَانِ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدَيْنِ كَمَا قُلْنَا إذَا اخْتَلَطَ زَيْتُهُ بِزَيْتِ الْآخَرِ وَأَحَدُهُمَا أَجْوَدُ مِنْ الْآخَرِ أَنَّهُمَا يَبِيعَانِ الزَّيْتَ وَيَقْتَسِمَانِ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ انْتَهَى. (وَمِنْهَا) إذَا ادَّعَى الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ فَقَالَ الْمُودَعُ: لَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ مِنْكُمَا. فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قُرِعَ فَصَاحِبُهُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهِيَ مِنْ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ تَدَاعِي عَيْنٍ بِيَدِ ثَالِثٍ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا وَسَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَمِنْهَا) إذَا سَبَقَ اثْنَانِ إلَى الْجُلُوسِ بِالْأَمَاكِنِ الْمُبَاحَةِ كَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ، وَرِحَابِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا لِمَعَاشٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِتَقْدِيمِ السُّلْطَانِ لِمَنْ يَرَى مِنْهُمَا بِنَوْعٍ مِنْ التَّرْجِيحِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَبَقَا إلَى مَوْضِعٍ فِي رِبَاطٍ مُسْبَلٍ أَوْ خَانٍ، أَوْ اسْتَبَقَ فَقِيهَانِ إلَى مَدْرَسَةٍ أَوْ صُوفِيَّانِ إلَى خانكاه ذَكَرَهُ الْحَارِثُ وَهَذَا يَتَوَجَّهُ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِقِ الْمُخْتَصَّةِ بِوَصْفٍ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهَا عَلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ، فَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ وَهُوَ تَوَقُّفُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى تَنْزِيلِهِ فَلَيْسَ إلَّا تَرْجِيحُهُ لَهُ بِنَوْعٍ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُرَجَّحُ بِالْقُرْعَةِ مَعَ التَّسَاوِي. (وَمِنْهَا) إذَا سَبَقَ اثْنَانِ إلَى مَعْدِنٍ مُبَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَضَاقَ الْمَكَانُ إلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَالثَّانِي: قَالَهُ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لِلتِّجَارَةِ هَايَأَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا بِالْيَوْمِ أَوْ السَّاعَةِ بِحَسَبِ مَا يَرَى لِأَنَّهُ يَطُولُ، وَإِنْ كَانَ لِلْحَاجَةِ فَاحْتِمَالَاتٌ: أَحَدُهَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: يَنْصِبُ مَنْ يَأْخُذُ لَهُمَا ثُمَّ يَقْسِمُ. وَالثَّالِثُ: يُقَدِّمُ مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ وَأَوْلَى، وَأَمَّا إنْ وَقَعَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَى الْمُبَاحِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ (وَمِنْهَا) إذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ بَيْنَ نَهْرٍ مُبَاحٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَرْضٌ يَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ مِنْهُ وَكَانَا مُتَقَابِلَيْنِ وَلَمْ يُمْكِنْ قِسْمَةُ الْمَاءِ بَيْنَهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَقُدِّمَ مَنْ لَهُ الْقُرْعَةُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَفْضُلُ عَنْ أَحَدِهِمَا سَقَى مَنْ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ الْمَاءِ ثُمَّ تَرَكَهُ لِلْآخَرِ ; فَإِنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْأَسْفَلِ حَقٌّ إلَّا فِيمَا فَضَلَ عَنْ الْأَعْلَى، وَهُنَا الْمَاءُ بَيْنَهُمَا يَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ نِسْبَةِ حَقِّهِ مِنْهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي. (وَمِنْهَا) إذَا وُصِفَ لِلُّقَطَةِ نَفْسَانِ فَهَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُقْرَعُ؟ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَمِنْهَا) إذَا الْتَقَطَ اثْنَانِ طِفْلًا وَتَسَاوَيَا فِي الصِّفَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُقَرَّ بِأَيْدِيهِمَا جَمِيعًا كَمَا فِي الْحَضَانَةِ، وَإِنْ ادَّعَى نَفْسَانِ الْتِقَاطَ طِفْلٍ فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَأُقِرَّ

стр. 349

بِيَدِ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْيَدِ وَلَمْ يَصِفْهُ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ: لَا حَقَّ لِأَحَدِهِمَا فِيهِ وَيُعْطِيه الْحَاكِمُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: الْأَوْلَى أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَنَازَعَا وَدِيعَةً. وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ لِمُعَيَّنٍ وَلَا مُدَّعِيَ لَهَا سِوَاهُمَا بِخِلَافِ اللَّقِيطِ فَإِنَّ الْحَقَّ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ السَّبْقُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَصَارَ كَغَيْرِهِمَا، وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ لُقَطَةً بَيْنَ أَيْدِيهمَا كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُولُ: أَنَا سَبَقْتُ إلَيْهَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَهَذَا فِي الظَّاهِرِ يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي دَعْوَى الْتِقَاطِ الطِّفْلِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ اللُّقَطَةَ تَئُولُ إلَى الْمِلْكِ، فَهِيَ كَتَدَاعِي اثْنَيْنِ مِلْكِيَّةَ عَيْنٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا لَا يَدَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَمِنْهَا) إذَا وَصَّى لِجَارِهِ مُحَمَّدٍ وَلَهُ جَارَانِ بِهَذَا الِاسْمِ فَهَلْ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، أَوْ تَصِحُّ وَيُمَيَّزُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ مَبْسُوطًا، وَكَذَا سَبَقَ ذِكْرُ مَنْ وَهَبَ أَحَدَ أَوْلَادِهِ وَتَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى عَيْنِهِ أَوْ وُقِفَ عَلَيْهِ وَاشْتُبِهَ فِيهِمْ. (وَمِنْهَا) إذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ قَالَ الْخِرَقِيِّ يُعْطِي وَاحِدًا مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدًا مُبْهَمًا. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ لَهُ أَخَسَّهُمْ يَعْنِي أَدْنَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ; لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَإِنَّمَا أَقْرَعْنَا فِي الْعِتْقِ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقٌّ لِلْعَبِيدِ وَقَدْ تَسَاوَوْا فِي اسْتِحْقَاقِهِ فَيُمَيِّزُ بِالْقُرْعَةِ، وَهُنَا الْحَقُّ لِلْمُوصَى لَهُ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. (وَمِنْهَا) إذَا مَاتَ الْمُتَوَارِثَانِ وَعُلِمَ أَسْبَقُهُمَا مَوْتًا ثُمَّ نَسِيَ. فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ نَقُولَ هُنَا بِالْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ السَّابِقِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا لَوْ جَهِلُوا الْحَالَ أَوْ لِأَنَّهُ يُوَرَّثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ مِنْ تِلَادِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ، وَلَوْ ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبْقِ الْآخَرِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، أَوْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا يُعَيَّنُ السَّابِقُ بِالْقُرْعَةِ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَضَعَّفَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْخِلَافِ. وَالثَّانِي: يَتَوَارَثَانِ كَمَا لَوْ جَهِلَ الْوَرَثَةُ الْحَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَالثَّالِثُ: يَحْلِفُ وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِإِسْقَاطِ دَعْوَى الْآخَرِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّ وَرَثَةَ كُلِّ وَاحِدٍ قَدْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ لِإِرْثِهِ، وَغَيْرُهُمْ يَدَّعِي عَلَيْهِمْ اسْتِحْقَاقَ مُشَارَكَةٍ وَهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. بِخِلَافِ مَسَائِلِ الْغَرْقَى فَإِنَّ الْوَرَثَةَ مُتَّفِقُونَ فِيهَا عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالسَّابِقِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مُدَّعٍ لِاسْتِحْقَاقِ انْفِرَادِهِ بِمَالِ مَيِّتِهِ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْخِلَافِ أَنَّهُ يُقْسَمُ الْقَدْرُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِنْ الْمِيرَاثِ بَيْنَ مُدَّعِيه نِصْفَيْنِ وَعَلَيْهِمَا الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً فِي أَيْدِيهمَا. (وَمِنْهَا) إذَا مَاتَ عَنْ زَوْجَاتٍ وَقَدْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ طَلَاقًا يَقْطَعُ الْإِرْثَ أَوْ كَانَ نِكَاحُ بَعْضِهِنَّ فَاسِدًا لَا تُورَثُ فِيهِ، وَجَهِلَ عَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَذَاتَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهَا تُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ، وَالْمِيرَاثُ لِلْبَوَاقِي نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. (وَمِنْهَا) الْأَوْلِيَاءُ الْمُسْتَوُونَ فِي النِّكَاحِ إذَا تَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ

стр. 350

فَإِنْ سَبَقَ مَنْ أَخْطَأَتْهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. (وَمِنْهَا) لَوْ زَوَّجَ وَلِيَّانِ مِنْ اثْنَيْنِ وَجُهِلَ أَسْبَقُ الْعَقْدَيْنِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: يَمِينُ الْأَسْبَقِ بِالْقُرْعَةِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَلَا يَحْتَاج الْآخَرُ إلَى طَلَاقٍ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ [وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ] وَالْخِلَافِ وَالرِّوَايَتَيْنِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْآخَرَ يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ كَمَا يُطَلِّقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. وَفِيهِ ضَعْفٌ ; فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ نِكَاحٌ مُنْعَقِدٌ بِخِلَافِ النَّاكِحِ نِكَاحًا فَاسِدًا، وَأَيْضًا فَمُجَرَّدُ طَلَاقِهِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُ هُوَ السَّابِقَ لَا يُفِيدُ حِلَّ الْمَرْأَةِ لِلْآخَرِ، فَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُجَدِّدُ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ النِّكَاحَ لِتَحِلَّ لَهُ بِيَقِينٍ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّجَّادِ ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى حِينَئِذٍ مَعْنَى لِلْقُرْعَةِ فَإِنَّهُ إذَا أَمَرَ أَحَدُهُمَا بِالطَّلَاقِ وَأَمَرَ الْقَارِعَ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ فَقَدْ خَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِيَّتِهِمَا مَعًا، فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا وَمِنْ غَيْرِهِمَا. وَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ لِلْقُرْعَةِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ قَوْلُ مِنْ يَقُولُ بِفَسْخِ نِكَاحِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فَرْقٌ وَلَا لِلْقُرْعَةِ فَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى رِوَايَةِ الْقُرْعَةِ أَنْ يُقَالَ: هِيَ زَوْجَةُ الْقَارِعِ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا، وَلَوْ مَاتَ وَرِثَتْهُ، لَكِنْ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُجَدِّدَ الْعَقْدَ فَيَكُونَ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ يُحِلُّ الْوَطْءَ فَقَطْ. وَلَعَلَّ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَوْ يُقَالُ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالزَّوْجِيَّةِ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ وَيَكُونُ التَّجْدِيدُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا كَمَا كَانَ الطَّلَاقُ وَاجِبًا عَلَى الْآخَرِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ تَعَرُّضٌ لِطَلَاقٍ وَلَا لِتَجْدِيدِ الْآخَرِ النِّكَاحَ فَإِنَّ الْقُرْعَةَ جَعَلَهَا الشَّارِعُ حُجَّةً وَبَيِّنَةً تُفِيدُ الْحِلَّ ظَاهِرًا كَالشَّهَادَةِ وَالنُّكُولِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يُوقَفُ مَعَهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي الْبَاطِنِ. وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ الْعِبَادُ بَلْ هُوَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ كَالْمَعْدُومِ مَا دَامَ مَجْهُولًا، وَنَظِيرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْقُرْعَةِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ زَوْجَاتِهِ ثُمَّ أُنْسِيهَا فَإِنَّهَا تُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ الْبَوَاقِي فَكَذَلِكَ هَاهُنَا يُمَيَّزُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ مِنْ الْبَاطِلِ بِالْقُرْعَةِ وَيُفِيدُ حِلَّ الْوَطْءِ وَلَا يُقَالُ هُنَاكَ: الْأَصْلُ فِيمَنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَهُنَا الْأَصْلُ عَدَمُ انْعِقَادِ النِّكَاحِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُبَاحُ الْوَطْءُ بِدُونِ تَيَقُّنِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ لِأَنَّا نَقُولُ: الِاسْتِصْحَابُ بَطَلَ بِيَقِينِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُحَرِّمِ. وَلِهَذَا أَبْطَلَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِصْحَابَ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِبَاهِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ بِالنَّجِسِ وَمَنَعُوا اسْتِعْمَالَ أَحَدِهِمْ بِالتَّحَرِّي لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ زَالَ حُكْمُهُ بِيَقِينِ التَّنَجُّسِ. وَحِينَئِذٍ تَتَّفِقُ الصُّورَتَانِ ; لِأَنَّ فِي إحْدَاهُمَا اشْتَبَهَتْ الزَّوْجَةُ بِالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَفِي الْأُخْرَى اشْتَبَهَ الزَّوْجُ بِغَيْرِهِ وَكَوْنِ أَحَدِهِمَا لَهُ أَصْلًا فِي الْحِلِّ دُونَ الْآخَرِ لَا أَثَرَ

стр. 351

لَهُ عِنْدَنَا. وَلِهَذَا يُسَوَّى بَيْنَ اشْتِبَاهِ الْبَوْلِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَاشْتِبَاهِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِالطَّاهِرِ، وَنَحْنُ نَقُولُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ وَلَدَ إحْدَى إمَائِهِ ابْنُهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ بُيِّنَ بِالْقُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّجَّادِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَمَنْ قُرِعَ أُمِرَ صَاحِبُهُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ جَدَّدَ الْآخَرُ نِكَاحَهُ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْقَاضِي فِي بَعْضِ مَجَامِيعِهِ قَالَ: حَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْجَزَرِيُّ قَالَ سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى صَدَاقٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا، فَحَضَرَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ زَوَّجَنِي أَبُوك مِنْك عَلَى صَدَاقٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَبَضَهَا مِنِّي، وَعَدِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةَ فِي الْحَالِ وَقَالَتْ الْبِنْتُ: أَعْلَمُ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ تَزَوَّجَنِي يَقِينًا وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ فَيُجْبَرُ الثَّلَاثَةُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَقْتَرِعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْأَلْفِ فَأَيُّهُمْ كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ أَخَذَ الْأَلْفَ ثُمَّ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: تَزَوَّجِي أَيَّهمْ شِئْت إنْ أَحْبَبْتِ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ مُسْتَنَدَ الْقَاضِي فِي الْحِكَايَةِ عَنْ النَّجَّادِ فَقَدْ وَهَمَ فِي تَسْمِيَتِهِ ; فَإِنَّ الْحِكَايَةَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَنَسَبَهَا هُوَ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي نِكَاحَيْنِ مُشْتَبِهَيْنِ بَلْ فِي دَعْوَى الْقُرْعَةِ فِيهَا إنَّمَا هِيَ لِلْمَالِ لَا لِمَحَلِّ الْبُضْعِ فَلَا يَصِحُّ مَاحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّجَّادِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلْيُحَقَّقْ ذَلِكَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَة يُفْسَخُ النِّكَاحَانِ جَمِيعًا ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا إذَا شَاءَتْ نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ وَمُهَنَّا، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي خِلَافِهِ وَالْخِرَقِيِّ. وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا يَبْطُلُ النِّكَاحَانِ. وَالثَّانِيَة: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ لَهُ قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَصَحُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ النِّكَاحَيْنِ يَبْطُلَانِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي وَلِيَّيْنِ زَوَّجَا امْرَأَةً لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا زَوَّجَ قَبْلُ، قَالَ مَا أَرَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا هَاهُنَا نِكَاحًا، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى ذَلِكَ وَجْهًا وَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا أَمْكَنَ وُقُوعَهُمَا مَعًا وَقَدْ جَعَلَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ الْمَذْهَبَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ عَلِمَ وُقُوعَهُمَا مَعًا فَهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ غَيْرُ مُنْعَقِدَيْنِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَقَعَا مُتَرَتِّبَيْنِ وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا فِيهِ الرِّوَايَتَانِ. قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ وَلَعَلَّهُ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا حُكْمُ الْمَهْرِ فِي هَذَيْنِ النِّكَاحَيْنِ الْمُشْتَبِهَيْنِ فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَإِنَّ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى مَنْ تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَجْهَيْنِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْفَسْخِ فَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوقَفُ نِصْفُ مِيرَاثِهَا أَوْ رُبْعُهُ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَوَرِثَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَخْرُجُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّا لَا نَقِفُ الْخُصُومَاتِ قَطُّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَكَيْفَ يَحْلِفُ مَنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْحَالَ؟ ، وَإِنَّمَا الْمَذْهَبُ عَلَى رِوَايَةِ الْقُرْعَةِ: أَيُّهُمَا قَرَعَهُ فَلَهُ الْمِيرَاثُ

стр. 352

بِلَا يَمِينٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا لَا يُقْرِعُ، فَإِذَا قُلْنَا إِنَّهَا تَأْخُذُ مِنْ أَحَدِهِمَا نِصْفَ الْمَهْرِ بِالْقُرْعَةِ فَكَذَلِكَ يَرِثُهَا أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِمَّا إنْ قُلْنَا لَا مَهْرَ فَهُنَا قَدْ يُقَالُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا انْتَهَى. وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ جَمِيعًا فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ اتَّفَقَتْ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ مَعَ وَرَثَتِهِ أَنَّهُ هُوَ السَّابِقُ فَالْمِيرَاثُ لَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ إشْكَالٍ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ السَّابِقُ وَأَنْكَرَ هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. فَإِنْ نَكَلُوا قَضَى عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا فَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَبْرَأَ. وَالثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِهِ وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي يَتَعَيَّنُ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ الْعِلْمَ بِالْحَالِ، وَيَشْهَدُ لَهُ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الزَّوْجَةِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتَهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَيْضًا فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يُقِرَّ الْوَاحِدُ مِنْهُمَا بِذَلِكَ ثُمَّ مَاتَا أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ لَهَا مِيرَاثٌ مَنْ تَقَعُ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا (وَمِنْهَا) إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ بِالْقُرْعَةِ فَيَكُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بَعْدَ عِدَّةِ الْأَرْبَعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ اخْتِيَارٌ وَالْقُرْعَةَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَاتِ الْمُبْهَمَاتِ فَيُمَيَّزْنَ بِالْقُرْعَةِ وَيُحْكَمُ بِاخْتِيَارِهِنَّ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَيُبَاحُ لَهُ نِكَاحُهُنَّ بِدُونِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْبَوَاقِي. وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: يُطَلَّقُ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ ثَابِتٌ لَمْ يُحْكَمْ بِفَسَادِهِ فَيَلْحَقُهُنَّ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَلَا يَنْكِحُ شَيْئًا مِنْهُنَّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ. وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِاخْتِيَارٍ وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ فِي الْإِسْلَامِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِنَّ بِخَصَائِصِ مِلْكِ النِّكَاحِ مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَاخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّ الطَّلَاقَ هُنَا فَسْخٌ وَلَا يُحْسَبُ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ بِاخْتِيَارٍ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ فَيُوَرَّثُ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ، وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ لِأَنَّهُ مَاتَ وَالْكُلُّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَى نِكَاحِهِ فَكَانَ عَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَإِسْلَامُهُ لَمْ يُوجِبْ الْبَيْنُونَةَ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ بَلْ الْبَيْنُونَةُ تَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ فَإِذَا اخْتَارَ فِي حَيَاتِهِ أَرْبَعًا فَعِدَّةُ الْبَوَاقِي مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي أَنَّ عَلَيْهِنَّ أَطْوَلَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَعِدَّةِ الْوَطْءِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ زَوْجَاتٌ وَالْبَوَاقِي مَوْطُوآتٌ بِشُبْهَةٍ فَيَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ أَطْوَلُ الْعِدَّتَيْنِ لِتَبْرَأَ الذِّمَّةُ مِنْ الْعِدَّةِ الْوَاجِبَةِ بِيَقِينٍ، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ ثَبَتَتْ بِالْإِسْلَامِ وَتَتَبَيَّنُ بِالِاخْتِيَارِ فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا

стр. 353

فَعِدَّةُ الْبَوَاقِي مِنْ حِينِ إسْلَامِهِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: عِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ اخْتِيَارِهِ فَهُنَّ زَوْجَاتٌ لَهُ حَتَّى يَخْتَارَ فَلَا يَتَوَجَّهُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ سِوَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ نِكَاحَهُنَّ فِي حُكْمِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهُ بِحَالٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ خَصَائِصَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ أَوْجَبَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَهَذَا أَوْلَى. وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً أَوْ مُعَيَّنَةً ثُمَّ أُنْسِيهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَإِنَّا نُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ وَتَخْرُجُ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ وَيُورَثُ الْبَوَاقِي كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِنَّ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ وَإِنْ دَخَلَ بِهِنَّ لَزِمَهُنَّ أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ حِينِهِ وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِهَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَةً وَأَنْ تَكُونَ زَوْجَةً، فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِدُونِ ذَلِكَ وَهَذَا يُخَالِفُ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ لَمْ تُوَرَّثْ وَلَمْ تَعْتَدَّ، وَمُرَادُهُ أَنَّهَا لَمْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَابِعَةٌ لِلْمِيرَاثِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا قُرْعَةُ الطَّلَاقِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا سِوَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِهَا، وَعَلَى الْبَوَاقِي عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِهَا ; لِأَنَّ الْقُرْعَةَ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَقَدْ حَكَمْنَا بِحِلِّ الْبُضْعِ بِهَا كَمَا سَبَقَ فَجَازَ أَنْ يَبْتَنِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الطَّلَاقِ وَلَوَازِمِهِ، فَعَلَى هَذَا الْمَنْصُوصِ يَتَخَرَّجُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ فَيَكُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَتَلْزَمُهُنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِهَا وَيَلْزَمُ السَّهْوَكَةَ عِدَّةُ الْوَطْءِ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ إذَا قُلْنَا إنَّ عِدَّتَهُنَّ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي عَلَى الْجَمِيعِ أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ. (وَمِنْهَا) إذَا أَصْدَقَ الزَّوْجَةَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَحَكَى طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةُ رِوَايَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَهَا الْوَسَطُ مِنْهُمْ وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهَا وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُعْطِيهَا مَا يَخْتَارُهُ هُوَ. وَالثَّانِي: يُعْطِي مَا تَخْتَارُهُ هِيَ، وَاخْتَارَ أَنَّهُمْ إنْ تَسَاوَوْا فَلَهَا وَاحِدٌ بِالْقُرْعَةِ وَإِلَّا فَلَهَا الْوَسَطُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَقَالَ: أُعْطِيهَا مِنْ أَحْسَنِهِمْ؟ قَالَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُعْطِيهَا مِنْ أَوْسَطِهِمْ فَقُلْت لَهُ تَرَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: تَسْتَقِيمُ الْقُرْعَةَ فِي هَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، يُقْرِعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ. وَتَأَوَّلَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ وَاشْتَبَهَ. قَالَ الْقَاضِي وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ ; لِأَنَّهُ قَالَ يُعْطِي وَسَطَهُمْ، وَلَوْ كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَعْتَبِرْ الْأَوْسَطَ وَنَقَلَ عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يُقَوَّمُ الْخَادِم وَسَطًا عَلَى قَدْرِ مَا يُخْدَمُ مِثْلُهَا. (وَمِنْهَا) إذَا دَعَاهُ اثْنَانِ إلَى وَلِيمَةٍ عُرْسٍ وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ الْمُرَجِّحَةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا. (وَمِنْهَا) إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ مَعًا فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ. (وَمِنْهَا) إذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَى زَوْجَاتِهِ أَوْ الْبُدَاءَةَ بِهَا لَمْ يَجُزْ بِدُونِ قُرْعَةٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَوَاقِي بِذَلِكَ. (وَمِنْهَا) لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً

стр. 354

مِنْ نِسَائِهِ مُبْهَمَةً بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ يُعَيِّنُ الْمُطَلَّقَةَ بِالْقُرْعَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ لَهُ تَعْيِينَهَا بِاخْتِيَارِهِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ مَرَّةً فِيهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ. (وَمِنْهَا) إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ أُنْسِيهَا أَوْ جَهِلَهَا ابْتِدَاءً كَمَنْ قَالَ إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا وَيَسَعُهُ طَالِقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَة طَالِقٌ، فَطَارَ وَلَمْ يَعْرِفْ مَا كَانَ فَالْمَشْهُورُ أَيْضًا أَنَّهَا تُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ وَيَحِلُّ لَهُ الْبَوَاقِي. كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ أَمَةً مِنْ إمَائِهِ وَأُنْسِيهَا عَيَّنَهَا بِالْقُرْعَةِ وَحَلَّ لَهُ الْبَوَاقِي لِأَنَّ الْقُرْعَةَ قَامَتْ مَقَامَ الشَّاهِدِ وَالْمُخْبِرِ لِلضَّرُورَةِ، وَالشَّارِعُ لَمْ يُكَلِّفْ الْعِبَادَ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ بِمَا ظَهَرَ وَبَدَا وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ مَادَامَ مَجْهُولًا فَإِذَا عُلِمَ ظَهَرَ حُكْمُهُ كَالِاجْتِهَادِ مَعَ النَّصِّ وَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ صَرِيحًا عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يُقْرَعُ بَلْ يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، قَالَ الشَّالَنْجِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِي الطَّلَاقِ بِالْقُرْعَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ مَاتَ هَذَا؟ قَالَ: أَقُولُ بِالْقُرْعَةِ، أَيْ لِأَجْلِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَهَذِهِ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي. وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ مَنْ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ وَأَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ فِيهَا. وَهَلْ تَرْجِعُ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ مَرَّةً. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ ; لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ الثَّانِي تَعَلَّقَ بِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ وَفَسْخِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَإِنْ كَانَتْ الْقُرْعَةُ بِفِعْلِ الْحَاكِمِ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي التَّحْرِيمِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ أَنَّ فِعْلَ الْحَاكِمِ حُكْمٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا يَرْفَعُ فِعْلَ الْحَاكِمِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ حُكْمِ الْحَاكِمِ كَتَعَلُّقِ حُكْمِ الزَّوْجِ وَأَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْقُرْعَةُ مِنْ الْحَاكِمِ رَجَعَتْ إلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ إخْبَارَهُ بِذَلِكَ مَقْبُولٌ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ إبْطَالَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي نَفْيِ الطَّلَاقِ عَنْهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ (وَمِنْهَا) لَوْ رَأَى رَجُلَانِ طَائِرًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى يَقِينِ نِكَاحِهِ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِحِلِّ زَوْجَتِهِ شَاكٌّ فِي تَحْرِيمِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَتَانِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ تَيَقَّنَ زَوَالَ النِّكَاحِ فِي إحْدَى زَوْجَتَيْهِ فَلِذَلِكَ عُيِّنَتْ بِالْقُرْعَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ فِي الْإِيضَاحِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيِّ وَفِي الْجَامِعِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَنْ اعْتَقَدَ خَطَأَ الْآخَرِ

стр. 355

دُونَهُ حَلَّ الْوَطْءُ وَإِنْ شَكَّ وَتَرَدَّدَ كَفَّ عَنْهُ وُجُوبًا عِنْدَ الْقَاضِي. وَوَرَعًا عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَعْتَزِلَانِ نِسَاءَهُمَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَكِنْ لَمْ تُخْرِجْهُ بِالْقُرْعَةِ كَمَا رَوَاهُ الشَّالَنْجِيُّ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ خَاصَّةً كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَأَمَّلْتُ نُصُوصَ أَحْمَدَ فَوَجَدْتُهُ يَأْمُرُ بِاعْتِزَالِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ يَمِينٍ حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَهُوَ بَارٌّ فِيهَا أَمْ لَا؟ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ بَارٌّ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَارٌّ اعْتَزَلَهَا أَبَدًا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَارٌّ فِي وَقْتِ وَشَكَّ فِي وَقْتِ اعْتَزَلَهَا وَقْتَ الشَّكِّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ وَأَمْكَنَ وُجُودُهُ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يُعْلَمَ انْتِفَاؤُهُ. نَصَّ عَلَى فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوَاضِعَ (مِنْهَا) إذَا قَالَ إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ يَعْتَزِلُهَا حَتَّى يُتَبَيَّنَ الْحَمْلُ. (وَمِنْهَا) إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ يَعْتَزِلُهَا حَتَّى يَدْرِيَ مَا يَفْعَلُ. (وَمِنْهَا) إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ يَعْتَزِلُهَا إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ. (وَمِنْهَا) إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُهَا مُطْلَقًا نَقَلَهُ عَنْهُ مُهَنَّا (وَمِنْهَا) مَسْأَلَةُ إنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَابًا، وَهِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ. (وَمَنْ مَسَائِلِ الْقُرْعَةِ) إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى مُتَعَاقِبَيْنِ وَأَشْكَلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُلْغَى كَمَا لَوْ طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَالثَّانِي: يُعَيِّنُ الْوَاقِعَ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ وُقُوعَ أَحَدِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَشَكَّ فَمَيَّزَ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ وُقُوعَ طَلَاقِ إحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا، وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي إلْحَاقِ الطَّلَاقِ لِأَحَدِ الْأَعْيَانِ الْمُشْتَبِهَةِ فَمَنْ قَالَ بِالْقُرْعَةِ هُنَا جَعَلَهَا لِتَعْيِينِ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَجَعْلِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَازِمًا لِذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَهَا نَظَرَ إلَى الْقَصْدِ بِهَا هُنَا هُوَ اللَّازِمُ وَهُوَ الْوُقُوعُ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِيهِ وَهَذَا أَظْهَرُ. (وَمَنْ غَرَائِبِ مَسَائِلِ الْقُرْعَةِ فِي الطَّلَاقِ) إذَا قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الْأَرْبَعِ أَيَّتُكُنَّ لَمْ أَطَأْهَا اللَّيْلَةَ فَصَوَاحِبَاتُهَا طَوَالِقُ وَلَمْ يَطَأْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُنَّ يُطَلَّقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ; لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ وَهُوَ خُلُوُّ الْوَطْءِ فِي اللَّيْلَةِ قَدْ تَحَقَّقَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهَا فَإِذَا بَقِيَ جُزْءٌ مِنْهَا لَا يَتَّسِعُ لِلْإِيلَاجِ تَحَقَّقَ شَرْطُ طَلَاقِ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَيُطَلَّقُ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثُ صَوَاحِبَاتٍ لَمْ يَطَأْهُنَّ فَاجْتَمَعَتْ شُرُوطُ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا. وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ: أَحَدُهُمَا هَذَا. وَالْآخَرُ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَجَزَمَ بِهِ أَنَّ إحْدَاهُنَّ تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَالْبَوَاقِيَ يُطَلَّقْنَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الْأُولَى طَلُقَتْ الثَّلَاثُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الثَّانِيَة طَلُقَتْ الْأُولَى وَاحِدَةً وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ ثِنْتَيْنِ
следующие страницы →